← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

ولو عاد سن الجاني والمجني عليه معاً، فلا شيء لأحدهما على الآخر باتفاق القولين. تنبيه: يقال للصبي إذا سقطت رواضعه: قد ثغر يثغر؛ فهو مثغور؛ كضرب يضرب فهو مضروب، فإذا نبتت بعد ذلك قيل: اتَّغر، بتشديد التاء ثالثة الحروف، وأصله: اثتغر؛ فقلبت التاء تاء، ثم أدغمت، وحينئذ يكون قول الشيخ: لم يثغر، بمثناة، آخر الحروف مضمومة، ثم مثلثة ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة. قال: وإن وجب له القصاص في العينين بالقلعن لم يمكَّن من الاستيفاء؛ [لأنه] لا يحسنه [لعماه] وعدم بصره بهما، بل يؤمر بالتوكيل فيه؛ لأن به يحصل مقصوده من غير حيف. ولو كان قصاصه واجباً في عين واحدة، وهو يبصر بالأخرى - مكِّن [من الاستيفاء؛ إن كان يحسنه]، صرح به الماوردي، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ وغيرهم. قال: ويقلع بالأصبع؛ لأنه يأتي على ما لا يأتي عليه الحديد؛ فتقع المماثلة. وقيل: يقلع بالحديد. ومحل ذلك: إذا كان الجني قد قلع بالأصبع، أما إذا كان قد قلع بالحديد، لم يقلع إلا به. قال: وإن كان [قد] لطمه [حتى] ذهب الضوء؛ أي: ضوء العينين، ومثل تلك اللطمة تذهبه - فعل به مثل ذلك؛ طلباً للمماثلة، وهذا ما حكى عن نص الشافعي في الأم، ونسبه في المهذب لبعض الأصحاب، وقال: يحتمل عندي ألا يقتص باللطمة؛ كما لا يقتص إذا هشمه؛ فذهب ضوء عينه بالهاشمة، وأنه لا اقتصاص في اللطمة كما لا اقتصاص في الهاشمة. وقد أقام البغوي هذا الاحتمال وجهاً، وقال: إنه الأصح. أما إذا ذهب ضوء إحدى عينيه فلا يمكن أن يفعل به مثل ما فعل؛ لأنه ربما

стр. 7632

أذهب عينيه جميعاً، وربما زال عقله؛ فيكون قد أتلف [منه] أكثر مما جنى عليه، وعلى هذا يكون الحكم كما سنذكره. قال: فإن لم يذهب [الضوء]، وأمكن أن يذهب [الضوء] من غير أن يمس الحدقة، أي: مثل أن يوضع في العين كافور أو يقرب منها حديدة مُحمَاة ونحو ذلك- فعل ذلك؛ لإمكان استيفاء الحق من غير حيف. قال: وإن لم يمكن، أي: إلا بإذهاب الحدقة، اخذت الدية؛ لتعذر القصاص؛ وهكذا الحكم فيما إذا شخصت عين المجني عليه باللطمة، مع ذهاب ضوئها، ولم تشخص عين الجاني باللطمة المستوفاة؛ فإنها تعالج بما يفضي إلى شخوصها إن أمكن، وإن لم يمكن قال البندنيجي: فلا ضمان فيه ولا قود. قال: وإن وجب له القصاص في اليمين، فقال: أخرج يمينك، أي: لأقطعها؛ فأخرج اليسار عمداً؛ فقطعها – لم تجزئه عما عليه؛ لأنه لا يجوز أن يعتاض عن [طرف] طرفاً بالتراضي، كما لا يجوز قتل شخص عوضاً [عن] شخص؛ فعند عدم التراضي أولى. قال: غير أنه لا يقتص منه في اليمين حتى تندمل المقطوعة. هذا الفصل يقتضي أمرين: أحدهما: أن قصاصه في اليمين لا يسقط؛ وهو كذلك، إذا لم يقصد أخذ اليسار عنه؛ لأنه لم يرض بإسقاطه، أما إذا قصد ذلك: فإن علم أنها اليسرى، قال في الحاوي: سقط قصاصه من اليمنى، وإن قال: ظننتها اليمنى؛ ففي سقوط قصاصه وجهان يأتي مثلهما من بعد، واجراهما الرافعي وغيره فيما إذا علم أنها اليسرى، وظن أنها تجزئ عن اليمنى، وقال: إن أظهرهما وهو المذكور في

стр. 7633

المهذب، ومختار أبي حامد، والقاضي الحسين، على ما حكاه الإمام، وقد رأيته في تعليقه: أنه يسقط؛ لأنا إذا جعلنا مجرد الإخراج مع قصد الإباحة كالتصريح [بالإباحة، لم يبعد أن يجعل قطع اليسار على قصد الاكتفاء بها كالتصريح] بإسقاط القصاص في اليمنى. وقد أبدى الإمام احتمالاً لنفسه، وجزم به: ان الخلاف يجري فيما إذا علم القاطع أنها لا تجزئ عن اليمنى، ثم قال: ولو قلت [بأن هذه] الصورة أولى بأن [يسقط القصاص فيها؛ بأن] يحمل ما صدر من القاطع على [معاملة فاسدة]؛ لكان قريباً؛ فإنه لم يجر في الصورة المتقدمة إلا الظن، وقد تبين أنه مخالف للشرع، والذي جزم به القاضي الحسين في هذه الصورة: عدم السقوط. الثاني – وهو ظاهر اللفظ -: أنه لا يقتص منه في اليمين حتى تندمل المقطوعة؛ لأن القصد أخذ الطرف، دون إتلاف النفس، والموالاة لا يؤمن معها على النفس؛ كذا وجهه الأصحاب. ومقتضى هذا التوجيه أن يُقال: إذا وجب له القصاص في حر، أو برد شديدين، أو بالجاني مرض مُحْظَر: انه لا يستوفي [منه] في هذه الأحوال؛ خشية من إذهاب النفس؛ كما قلنا بذلك في الحد لهذا المعنى، وقد صرح بذلك صاحب جمع الجوامع، حكاية عن نص الشافعي – ﵁ – في الأم. لكن الذي جزم به الغزالي والبغوي أنه لا يؤخر بسبب ذلك في مسألة الكتاب، وإن أُخِّرَ في الحدود؛ لأن حقوق الله – تعالى – مبنية على المساهلة والمسامحة، بخلاف حقوق الآدميين، وخشية الهلاك في مسألتنا جاءت

стр. 7634

بسبب تعدي المستحق؛ فغلظ عليه بتأخير حقه، بخلاف ما إذا توقعت بسبب حرّ ونحوه؛ فإنه لا تعدي منه حتى يكون مانعاً من حقه؛ ألا ترى أنه لو وجب القصاص في أطراف الجاني جاز له الموالاة في قطعها، وإن خشي من ذلك تلف النفس؛ لما ذكرناه. على أن في مسألة الكتاب قولاً مخرجاً حكاه الإمام: أنه لا يمنع [من استيفاء حقّه في اليمين عاجلاً، وفي مسألة قطع الأطراف وجه: أنه يمنع] من التوالي فيها كما في مسألة الكتاب على النص، وقال الإمام: إن هذا لا أصل له. ووجه آخر، وبه أجاب القاضي الحسين في التعليق: أنه يجوز عند قطع الجاني أعضاء المجني عليه متوالية، أو دفعة واحدة، ولا يجوز عند قطعها متفرقة. وقد طرد القاضي أصله، فيما إذا قطع يمين زيد، ثم يسار عمرو، وقال: إنه لا يقطع للمتأخر حتى يندمل القطع المتقدم. وقال فيما إذا قطعهما معاً: إنه يقرع بينهما، فمن خرجت قرعته، قطع له، ثم يترك حتى يندمل، ثم يقطع. ثم لا يخفى أن القاطع لليسار لا يجب عليه قصاص ولا دية، وإن كان عالماً بالحال، كما حكى عن نص الشافعي؛ لأن صاحبها بذلها مجاناً، وإن لم يتلفظ بالإباحة؛ كما قلنا في تقديم الطعام للضيف. قال الإمام: وقد حكى وجه ضعيف: أن الضيف لا يستبيح الطعام بالتقديم، بل لابد من لفظ يدل على الإباحة، والقياس أن يطرد هاهنا، ويقول: يجب الضمان؛ يعني: الدية، وقد حكى ذلك عن رواية أبي الحسين بن القطان، وأنه حمل نص الشافعي على ما إذا أذن صريحاً، لكن الإمام لم يعده من المذهب، وقال: ينبغي أن يستدل بمواضع الوفاق على فساد [المواضع الضعيفة، ولا يتعرض بالوجوه الضعيفة على مواضع الوفاق]. وقد روى عن أبي الطيب بن سلمة أنه قال: يحتمل أن يجب القصاص عند العلم؛ لأنه قطع عضواً لا حق له فيه عن علم بالحال، وهذا الاحتمال نشأ من أمرين:

стр. 7635

أحدهما: اعتقاد أن الإخراج ليس بإباحة. والثاني: أن سكوت الإنسان عند إقدام ظالم على قطع عضوه لا يسقط القصاص عنه؛ كما حكيناه من قبل. والظاهر المشهور في مسألتنا-الأول: نعم، لو سرى [قطع اليسار] إلى النفس، قال الرافعي: ففي وجوب الدية الخلاف المذكور فيما إذا قال: اقتلني فقتله، وكان الأولى في العبارة أن يُقال: فهو كما لو قال لرجل: اقطع يدي؛ فقطعها، وسرت؛ لأنه وزان المسألة، وإن كان الحكم في المسألتين [واحدا]، وقد ذكرنا من قبل فيما إذا قال: اقطع يدي فسرى القطع إلى النفس – وجوب القصاص على وجه، ويظهر جريان مثله هاهنا من طريق الأولى. ثم إذا لم نوجب الدية هاهنا، وهو الذي أورده ابن الصباغ والمحاملي؛ فكأن المخرج هو القاتل لنفسه، وحينئذ تجب له دية اليمين، ويكون في وجوب الكفارة في ماله الخلاف الآتي، وقد صرح المحاملي بالأول، والإمام بالثاني. قال: وإن قال: فعلت ذلك غلطاً، أي: بسبب ما حصل لي من الدهش، أو ظناً أنه يجزئ، أو ظننت أنه طلب مني اليسار – نظر في المقتص: فإن قطع وهو جاهل، أي: بأنها اليسار أو بأنها لا تجزئ- فلا قصاص عليه؛ لجهله، وبذل صاحبها. وحكى صاحب التهذيب في حالة جهل القاطع بأنها اليسار، وقول المخرج: فعلت ذلك ظناً أنه يجزئ- وجهاً: أنه يجب القصاص؛ كما لو قتل إنساناً، وقال: ظننته قاتل أبي. وحكاه القاضي الحسين، والإمام – بناء على هذا الأصل-[أبداه احتمالاً] فيما إذا قال المخرج: فعلت ذلك غلطاً بسبب الدهش. وهذا منهم؛ بناء على اعتقادهم أنه إذا قال: تعمدت القطع – أنه يجب القصاص، كما سنذكره عنهم. ويمكن أن يفرق بين قتل من ظنه قاتل أبيه، وبني ما نحن فيه؛ بأن المخرج

стр. 7636

هاهنا مقصر؛ حيث لم يتثبت، و [لم] يفحص عن الحال؛ بخلاف من ظنه قاتل أبيه؛ فإنه لا تقصير من جهته. وقد حكى الإمام والغزالي في حالة جهل القاطع: بأنها لا تجزئ [وقول المخرج: ظننت أنها تجزئ] عن اليمين – أن العراقيين حكوا عن أبي حفص بن الوكيل وجوب القصاص، وكتبهم ساكتة عنه في هذه الحالة، ومصرحة بحكايته عنه في الحالة التي سنذكرها والله اعلم. قال: وتجب عليه الدية؛ لأن الباذل بذلها على ان تكون عوضاً عن اليمين، والقاطع قطعها على اعتقاد ذلك؛ فإذا لم يصح العضو، وتلف المعوض، وجب بدله؛ كمن اشترى سلعة بعوض فاسد، وتلف عنده. قال القاضي أبو الطيب، والمصنف، وغيرهما: وهذا الوجه هو المذهب، وهو ظاهر النص في المختصر فعلى هذا تكون الدية على العاقلة، أو في مال القاطع؟ ينظر: إن كان في صورة الجهل بأنها اليسار، فهي على العاقلة؛ كما صرح به الماوردي. وإن كان في صورة الجهل بأنها تجزئ؛ فيتجه أن يتخرج على الوجهين فيما إذا قتل قاتل أبيه بعد عفو أخيه، وجهله بتحريم القتل، وقد ذكرناهما من قبل. وقال الرافعي: إنا إذا أوجبنا دية اليسار، فهي في مال القاطع؛ لأنه قطع متعمداً. وعن نصه في الأم أنها تجب على العاقلة، ولم يقيد هذا الكلام بصورة. قال: وقيل: لا تجب؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها؛ فكان [كما في الصورة] السابقة. ثم على الوجهين: هل يسقط قصاصه في اليمين، وتجب له الدية عند جهله بأنها تجزئ، أو لا يسقط، ويستوفيه من بعد؟ فيه الوجهان السابقان، صرح بهما الماوردي، والمذكور منهما في الشامل، ومجموع المحاملي: عدم السقوط. وهذا إذا لم يسر القطع، أما إذا سرى إلى النفس قال ابن الصباغ: كانت

стр. 7637

مضمونة بالدية الكاملة، وقد تعذر قطع اليمين، ووجب له نصف الدية؛ فيتقاصان، ويبقى للجاني نصف الدية لورثته. وحكى عن الشيخ أبي حامد أنه قال: عندي أنه استوفى حقّه من اليمين بتلفه؛ فسقط حقّه؛ ويجب عليه كمال الدية؛ كما لو كان له القصاص في اليد؛ فقطعها ثم قتله؛ والذي رجحه الأول؛ وهو المذكور في مجموع المحاملي، والبندنيجي. قال: وإن قطع وهو عالم، أي: بأنها اليسار، وانها لا تجزئ، ولم يقطعها عمّاله – فالمذهب: أنه لا قصاص عليه؛ لأنا أقمنا ذلك مقام الإذن في القطع، وهو لو قال لغيره: اقطع يدي؛ فقطعها – لا قصاص عليه؛ فكذلك هاهنا، فعلى هذا تجب الدية. وقيل: يجب؛ لتعمده قطع يد محرمة، ويخالف مسألة الإذن في القطع، فإنه إنما أذن هاهنا على أن يكون عوضاً عن اليمين؛ فإذا لم يكن عوضاً؛ فكأن لا إذن؛ بخلاف تلك المسألة؛ فإن الإذن فيها لم يتقيد بحالة، فحمل على عمومه، وهذا قول أبي حفص بن الوكيل. وقد حكى هذا الخلاف في الصورة المذكورة القاضي أبو الطيب والمحاملي ابن الصباغ؛ ولم يفصلوا بين أن يكون القاطع قصد أخذها عن حقّه، أو لا عن حقّه. والماوردي جزم فيما إذا أخذها عن حقّه بأنه لا قصاص، وفي الحالة الأخرى – بوجوبه، وإلى ذلك صار الإمام والقاضي الحسين، والبغوي في حالة [قول المخرج: فعلت ذلك غلطاً؛ بسبب الدهش وفي حالة] قوله: فعلت ذلك ظنًّا أنه يجزئ، انفرد القاضي الحسين بالجزم بوجوب القصاص. ولو قال القاطع عند العلم بأنها اليسار: إنما قطعتها لظني أن المخرج قصد الإباحة، فقد جزم في التهذيب في حالة قول المخرج: غلطت بوجوب القصاص؛ كمن قتل إنساناً، وقال: ظننت أنه أذن لي في القتل. وقضية ذلك أن يُقال بمثله فيما إذا قال المخرح: ظننت أنه تجزئ عن اليمين، وقال القاطع: إنما قطعت؛ لظني انك أبحتها.

стр. 7638

وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً موجهاً لذلك: بأن هذا الظن بعيد، والظنون البعيدة لا تدرأ القصاص، لكن المحكي عن القفال وغيره: انه لا قصاص؛ لان ما يقوله ممكن. ولو قال القاطع: دهشت؛ فلم أدر ما صنعت، وكان المخرج قد قال ذلك –قال الإمام: لزمه القصاص في اليسار؛ لأن الدهشة السالبة للاختيار لا تليق بحال القاطع. قال: وإن اختلفا في العلم أي: في علم الباذل بأنها اليسار؛ كما قاله البندنيجي وغيره، وأن قطعها لا يجزئ عن اليمين – فالقول قول الجاني؛ لأنه أعرف بحاله، مع أن الأصل عدم العلم؛ فإن حلف ثبتت له ديتها، وإن نكل فيحلف القاطع انه ما بذلها إلا وهو يعلم أنها [لا تقع] بدلاً عن اليمين، وتكون الجناية هدراً. قال: وإن تراضيا على أخذ اليسار؛ فقطع – لزمه دية اليسار؛ لأن الصلح لم يصح، فإن القصاص إذا تعلق بمحل لم يجز استيفاء غيره ولو بالتراضي: كقطع اليد عن الرجل، وبالعكس، وقد سقط القصاص؛ لبذل صاحبها إياها؛ فتعين وجوب الدية؛ لأن البذل كان في مقابلة ما عليه؛ فإذا لم يسلم له، وقد فات ما بذله، وجب أن يرجع إلى بدله؛ كما في العقود الفاسدة. قال: وسقط قصاصه في اليمين؛ لأن عدوله إلى اليسار رضا منه بترك القصاص فيها. وقيل: لا يسقط؛ لأنه أخذ اليسار، على أن تكون بدلاً عن اليمين؛ فإذا لم يسلم البدل والمبدل قائم بحاله – استحق أخذه؛ فعلى هذا يجيء ما تقدم في قطع اليمين. وعلى الأول تجب له الدية، وقد وجبت عليه الدية، فإن تساويا تقاصًّا، وإن اختلفا، كيد الرجل، ويد المرأة – تقاصا فيما تساويا فيه، ويردّان الفضل.

стр. 7639

قال: وإن كان القصاص على مجنون؛ أي: بأن جني وهو عاقل، ثم جنّ؛ فقال له: اخرج يمينك؛ فأخرج اليسار؛ فقطعها؛ فإن [كان] المقتص عالماً وجب عليه القصاص، وإن كان جاهلاً، وجبت عليه الدية؛ لأن بذل المجنون لا يصح؛ فكان كما لو قطعها بغير بذل، ثم حكم قصاصه في اليمين لا يخفى مما تقدم، والله أعلم. ولنختم الباب بفروع تتعلق به: [الفرع الأول]: إذا وجب على سفيه قصاص، وامتنع من له القصاص عن العفو عنه إلا بأكثر من قدر الدية – كان للسفيه بذل ذلك مع مراجعة الولي: فإن أبي الولي ذلك، أو تعذرت مراجعته – استقل السفيه، وإن احتاج إلى بذل ديات. ولو نهى [السفيه] عن المصالحة، أو سكت عنها، قال الإمام في باب الحرية: الوجه عندنا أن للولي ذلك؛ كما أنه تدارك رمقه – وإن احتاج إلى استيعاب ماله – بطعام يحصله. ثم قال: وقد يخطر للفقيه: أنه ليس للولي التصرف في دمه، وهو بعيد. [الفرع الثاني]: إذا جنى حرّ على حرّ جناية توجب القصاص، فصالحه المجني [عليه] على عين عبد، أو ثوب- جاز، وإن لم تكن الدية معلومة لهما؛ فإن تلفت العين قبل القبض، أو ردها بعيب، أو خرجت مستحقة – فلا رجوع إلى القصاص، وبم [يرجع]: هل بقيمة العين، أو بارش الجناية؟ ينبني على أن بدل الصلح عن الدم مضمون ضمان العقد، أو ضمان اليد. وإن كانت الجناية موجبة للدية؛ فصالح منها على عين، أو اشترى بها عيناً: إما من العاقلة في الخطأ، أو من الجاني في العمد – فيُنظر: إن لم يعلما قدر إبل الدية وأسنانها لم يصح، وإن علما ذلك، ولم يبق إلا الجهل بأوصافها – ففي

стр. 7640

صحة ذلك وجهان. وإذا صح فلو تلف الصالح عليه، أو ردّه بعيب – فالرجوع إلى الأرش قولاً واحداً؛ لأنه يمكن الرجوع إلى المصالح عنه؛ [لأنه مال، وفي الصلح عن القصاص لا يمكن الرجوع إلى المصالح عنه]. [الفرع الثالث]: إذا قتل أحد عبدي الرجل [العبدَ] الآخر عمداً – فللسيد أن يقتص منه؛ فإن أعتقه، لم يسقط عنه القصاص، ولو عفا عنه بعد العتق مطلقاً، لم يثبت المال؛ لأن القتل لم يثبته. قال صاحب التهذيب في فتاويه: ولا يخرج على أن العفو المطلق هل يوجب المال؟ وإن عفا بعد العتق على مال ثبت [المال]. [الفرع الرابع]: إذا ضرب ثنيته فزلزلها، ثم سقطت بعد ذلك [بأيام] بيجب القصاص؛ وكذا لو ضرب على يده؛ فاضطربت أو تورمت، ثم سقطت بعد أيام] – يجب على الضارب القصاص.

стр. 7641

باب من لا تجب عليه الدية بالجناية لا تجب الدية على الحربي؛ لأنه غير ملتزم لأحكام الإسلام. ويجيء على قياس قول الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني: إنه يجب عليه القصاص؛ بناء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة - أن تجب عليه الدية أيضاً. قال: ولا على السيد في قتل عبده؛ لأنها لو وجبت لوجبت له. قال: ولا على من قتل حربيًّا أو مرتدًّا؛ لإباحة دمهما وسقوط حرمتهما، ومحل الكلام في المرتد إذا قتله مسلم، أما إذا قتله ذميّ، فقد تقدم الكلام فيه. وهكذا الحكم فيما [لو جرح أحدهما، أو قطع طرفاً من أطرافه] على المذهب؛ كما يأتي في باب: الديات. [وفي" الجيلي" حكاية وجه في المرتد: أنه يجب فيه الدية]، وسنذكره في بابه، [إن شاء الله تعالى]. قال: وإن أرسل سهماً على حربيّ، أو مرتد؛ فأسلم، ووقع به السهم؛ فقتله - لزمه دية مسلم؛ لأن حالة الرمي حالة تسبب للجناية، وحالة الإصابة حالة تحقيق الجناية؛ فكان الاعتبار بها أولى؛ لأن الضمان يتعقبها؛ كما نقول في حالة الحفر والإلقاء فيها، وحالة وضع الحجر، والإلقاء عليه. ولأن استقرار الجناية بحالة الإصابة، دون حالة الرمي؛ فكانت أوْلى بالاعتبار، وشهد له: أنه لو حفر بئراً في الطريق، وهناك حربي، أو مرتد؛ فأسلم،

стр. 7642

ووقع فيها؛ فمات – ضمنه، وإن كان عند التسبُّب مهدراً، وهذا هو المنصوص عليه في الأم؛ كما حكاه البندنيجي. قال: وقيل: لا يلزمه؛ لأنه وجد السبب الداخل تحت الاختيار في حالة كونه مهدراً؛ فأحيل الحكم عليه؛ كما لو جرحه، ثم أسلم، ومات وهذا ما ادعى الرافعي أنه المشهور عن أبي جعفر الترمذي، وقال: إنه هكذا روي عن الداركي، عن أبي محمد الفارسي عنه. والمراوزة حكوا هذا الوجه، ولم ينسبوه، وصححه الفوراني في مسألة الحربي. وقال الماوردي: إن أبا علي بن أبي هريرة كاد أن يخرجه في مسألة المرتد، لكن لم يصرح به فيها أحد من أصحابنا، وكأن الفرق بينه وبين مسألة الجرح المقيس عليها – على الصحيح -: أن الجرح الذي هو سبب الضمان وجد حالة الإهدار، والرميُ إنما يتم بالإصابة، وقد حصلت في حالة العصمة. وفي المسألة وجه ثالث حكاه المصنف، والمحاملي، والبندنيجي، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ بدلاً عن الثاني أنها: تجب للمرتد، دون الحربي؛ لأن إباحة قتل الحربي جائزة لكل أحد، بخلاف قتل المرتد؛ فإن إباحته مختصة بالإمام، ونسبوا هذا الوجه – وكذلك الماوردي- إلى أبي جعفر الترمذي من أصحابنا. قال القاضي أبو الطيب: وراويه أبو القاسم الداركي، عن أبي محمد الفارسي عنه، وقد حكاه أيضاً المراوزة، ونسبه أبو الفرج الزاز إلى ابن سريج، والقاضي الحسين في تعليقه إلى أبي إسحاق، وقال: إنه قيل له: ما قولك فيما إذا كان الرامي إماماً، على هذه الطريقة؟ فقال: لا نوجب الضمان. وهكذا أورده صاحب التهذيب، ثم قال: ولكن للإمام في قتل المرتد ضربة بالسيف صبراً، دون أن يرشقه بالنشاب؛ فالرمي إليه ضرب من المثلة، وهو غير سائغ.

стр. 7643

قال الرافعي: وقضية هذا الكلام ألا يفرق بينه وبين غيره. قلت: بل الفرق مع هذا الجمع لائح، فإن الإمام وإن شارك الأجنبي في التعدي بالرمي، فقد امتاز عنه بإباحة القتل. وقد ادّعى الماوردي أن ما قاله أبو جعفر فاسد؛ لأن اختلافهما في هذا الوجه لما لم يمنع من تساويهما قبل الإسلام في سقوط القود – لم يمنع من تساويهما بعد الإسلام في وجوب الدية، وهذا قد يؤخذ جوابه من قاعدة ذكرها القاضي الحسين؛ وهي: أنّا في القود نعتبر التساوي في الطرفين، والواسطة؛ حتى لو تخللت حالة لم يكن فيها كفئاً للقاتل لا يجب القود؛ لأنه مما يدرأ بالشبهة؛ [فإذا حدثت حالة لم يكن القتيل [فيها] كفئاً للقاتل حصلت شبهة]. وكذا يلحق بالقود حل الأكل؛ فيعتبر فيه الطرفان، والواسطة، حتى لو رمى مسلم إلى صيد، فارتد، ثم أسلم، ثم أصابه السهم: لا يحل؛ لأن الأصل في الميتات الحرمة. وهكذا الحكم في تحمل العاقلة يعتبر [فيه] الطرفان والواسطة؛ لأنها مؤاخذة بجناية الغير؛ فهي معدولة عن القياس؛ فاحتيط فيها احتياطنا في العقود. وفي أصل الضمان الخلاف السابق، وفي قدر الضمان يعتبر المال جزماً. وقد حكى الإمام أن الشيخ أبا علي حكى قولاً فيما إذا رمى سهماً إلى صيد، وارتدّ، وعاد إلى الإسلام، ثم أصاب السهم إنساناً – أن الدية تضرب على عاقلته المسلمين، ويكتفي بإسلامه في الطرفين، ثم قال: وهذا القول يجري فيما إذا رمى إلى مسلم؛ فارتد، وعاد إلى الإسلام، وأصابه؛ لأن الحكم بتحمل العقل والقصاص واحد، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. واعلم أن الخلاف المذكور في مسألة الكتاب يجري فيما إذا أرسل سهماً على قاتل أبيه، ثم عفا عنه، ثم وقع به السهم؛ فقتله.

стр. 7644

[وفيما لو] كان الرامي حربيًّا، ثم أسلم، [أو عقد له الأمان] قبل الإصابة. [وفيما إذا أرسل سهماً على عبده، ثم أعتقه، ثم وقع به السهم؛ فمات منه]. لكن الأولى ترتيبه في الرمي إلى قاتل الأب على الرمي إلى المرتد، وأولى بوجوب الضمان؛ لأن إهدار دم المرتد أعظم من إهدار [دم] من عليه قصاص. والأولى في الرمي إلى عبده ترتيبهُ على الرمي إلى قاتل الأب، وأولى بوجوب القصاص؛ لأن هذا القتل مضمون بالكفارة إذا لم يتغير الحال؛ بخلاف الرمي إلى قاتل الأب، وقد جزم بالوجوب فيه الفوراني. فرع: إذا أوجبنا الدية في مسألتي الكتاب، فهل هي دية العمد، أو الخطأ المحض، أو عمد الخطأ؟ فيه ثلاثة أوجه، أوسطها: أظهرها. قال الغزالي: وهي تجري في كل قتل عمد محض صدر عن ظن في حال القتل. قال: ومن قتل من وجب رجمه بالبينة، أو انحتم قتله في المحاربة – لم تلزمه الدية؛ لأنه مهدر الدم؛ فكان كالمرتد. وفي ابن يونس حكاية وجه عن رواية ابن الصباغ في الصورة الأولى: أن الدية تجب إذا قلنا: لا يجب القصاص فيها، كما سنذكره. وفي تعليق القاضي الحسين في باب القصاص بالسيف [وغيره] حكاية وجه في الصورة الثانية: أنها تجب؛ بناء على أن القتل في المحاربة يقع قصاصاً. أما إذا قتل من وجب رجمه بالإقرار، ففي ابن يونس أنه يضمن بالدية. وفي الحاوي عند الكلام في جرح المسلم المرتد ما يقتضي الجزم بأنه لا يضمن بالدية؛ فإنه قال: إذا جرح مقرًّا بالزنى وهو محصن؛ فرجع عن إقراره، ثم مات – ففي ضمان نفسه وجهان، حكاهما ابن أبي هريرة: أحدهما: لا يضمنه بقود ولا دية؛ لإباحة نفسه وقت الجناية. [والثاني: يضمن ديته وإن جرى عليه حكم الإباحة وقت الجناية].

стр. 7645

والفرق بينه وبين المرتد أن المرتد مباح الدم إلا أن يتوب من ردته، والزاني محظور النفس إلا أن يقيم على إقراره. تنبيه: في عدم إيجاب الدية في الحالتين اللتين ذكرهما الشيخ دليل ظاهر على عدم إيجاب القصاص أيضاً؛ لأن القاعدة العامة: أنها متى انتفت انتفى القصاص، ولا يستثني منها إلا [مسائل قليلة: منها: إذا قطع [من إنسان] ما بدله دية كاملة، ثم قتله، أو سرت الجراحة إلى نفسه؛ فقطع الولي من الجاني مثل ما قطعن ولم يسر الجرح؛ فإن القصاص في النفس ثابت، ولو أراد العفو عنه على الدية لم يثبت. ومنها: المرتد إذا قتله ذميّ، يجب عليه القصاص على وجه دون الدية إذا آل الأمر إليها. [ومنها: إذا قتل العبد عبد سيده يجب عليه القصاص، ولا دية]. وقد أطلق الشيخ في المهذب، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ وغيرهم القول بأن الزاني المحصن إذا قتله مسلم هل يجب عليه القصاص أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن ولي قتله هو الإمام، فإذا تولاه غيره، أقيد منه؛ كالقاتل إذا قتله غير ولي المقتول بغير إذنه. وأصحهما – وهو الذي عليه جمهور [أصحابنا] كما قاله الماوردي، واختاره الإمام، وروى عن المراوزة: القطع به، وعزاه المصنف إلى النص، يعني في "الأم"؛ كما حكاه المحاملي -: عدم الوجوب؛ كما قلنا: إنه مقتضى كلام الشيخ هنا، واستدل له القاضي أبو الطيب وغيره بما روى سعد بن أبي وقاص قال:"قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لَو أَنَّ أَحَدَنَا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَكَانَ يَقْتُلُهُ، أَوْ حَتَّى يَاتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَفَى بِالسَّيفِ شَا" وَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: شَاهِداً؛ فَلَمْ يُتِمَّ الكَلاَمَ، ثُمَّ قَالَ: لاَ حَتَّى يَاتِي بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ".

стр. 7646

وهذا منهم دليل ظاهر على أن محل الخلاف إذا وجب رجمه بالبينة، لكن ما حكيناه عن الماوردي من قبل يلحق حالة ثبوته بالإقرار بذلك، وعليه يدل قول النبدنيجي: إذا قلنا: لا قود، فالمراد به: إذا ثبت أنه [قتله] بعد أن زنى؛ فإن لم يكن له بينة: فإن صدقه الولي فلا شيء عليه، وإن كذبه الولي فالقول قوله. وقال في الحاوي بعد حكاية الوجهين: والأصح – عندي – من إطلاق هذين المذهبين: أن يقال: إن وجب قتل الزاني بالبينة فلا قود على قاتله؛ [لانحتام قتله، وإن وجب بإقراره أقيد من قاتله]؛ [لأن قتله] بإقراره غير منحتم؛ لسقوطه عنه برجوعه عن إقراره. ثم قال: وعلى هذا لو أن محارباً من قطاع الطريق قتل في المحاربة رجلاً فللإمام أن ينفرد بقتله دون ولي المقتول، [ولولي المقتول] أن يقتله بغير إذن الإمام لما قد تعلق به من حقه؛ فإن قتله غيرهما من الأجانب؛ فعلى الوجه الأول، [يجب]، وعلى مذهب الشافعي وجمهور أصحابنا لا قود عليه. وهذا الخلاف ذكره المتولي تفريقاً على قولنا: إن قتل المحارب حق الله – تعالى- خاصة، وطرده القاضي الحسين فيما إذا قتل الزاني المحصن مثله، أو القاتل فيا لحرابة مثله، وفيما إذا قتل الزاني المحصن قاتلاً في الحرابة، وبالعكس، وفيما إذا قتل تارك الصلاة مثله.

стр. 7647

قال: وضابطه: أن مباح الدم إذا قتل مباح الدم، واستويا في فضيلة الإسلام – يكون في القود جوابان، وإذا اختلفا لم يقتل الفاضل بالمفضول، وفي قتل المفضول بالفاضل جوابان. وقضية هذا الضابط: أن [يكون في قتل المرتد بالزاني المحصن جوابان؛ لأن الزاني المحصن أفضل من المرتد مع استوائهما في إباحة الدم. وقد جزم المتولي بأنه يقتل به، وكلام الشيخ يقتضي [أنه لا] يقتل به؛ لأنه قال: "ومن قتل من وجب رجمه بالبينة"، ولم يفصل بين قاتل وقاتل. وكذا قضية هذا اللفظ من الشيخ: أن الذميّ إذا قتل من وجب رجمه لا يقتل به، وقد قال العراقيون: إنه يقتل [به] بلا خلاف. وحكى الرملي في قتله به وجهين: أحدهما: يجب، وإن اختار ورثته الدية لزمه دية مسلم. والثاني: لا يجب؛ كما لو قتله مسلم، والله أعلم. قال: ومن قتل مسلماً تترس به المشركون في دار الحرب؛ أي جعلوه ترساً لهم –فقد قيل: إن علم أنه مسلم، وجبت الدية؛ لأنه يلزمه أن يتوفاه؛ فلزمت ديته؛ كما لو [لم يتترس به]. ولا فرق – في ذلك – بين أن يقصده، أو يقصد غيره؛ فيقع فيه. وإن لم يعلم. لم تجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أي: [في قوم عدو لكم] ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فاقتصر على ذكر الكفارة، ولو وجبت الدية لذكرها. وأيضاً: فإنه غاير بين قتله في دار الإسلام وفي دار الشرك، ولو تساويا لأطلق الحكم، ولم يغاير بينهما. وهذا الطريق هو الذي حمل عليه المزني نص الشافعي في كتاب حكم أهل

стр. 7648

الكتاب على وجوب الدية، ونصّه في موضع آخر منه على أنها لا تجب، وصححه النواوي. قال: وقيل: إن عينه بالرمي وجبت؛ لأن [اليمان] أبا حذيفة بن اليمان قتله المسلمون، ولم يعلموا بإسلامه؛ فقضى فيه رسول الله ﷺ بديته. وإن لم يعينه لم تجب؛ للآية، وهذا الطريق هوا لذي حمل عليه أبو إسحاق اختلاف النصين، [وبه جزم الماوردي في كتاب كفارة القتل] [وجزم في التهذيب] فيما إذا لم يعينه: إما لكونه رمى سهماً مرسلاً، أو قصد غيره؛ فوقع فيه – بأنها لا تجب، وحكى فيما إذا عينه قولين، سواء علم أن في الصف مسلماً، أم لا. وحكى القاضي أبو الطيب أن أبا علي الطبري حكى عن بعض الأصحاب أنه قال: إن اضطر إلى قتله، لم تجب، وإلا وجبت، وحمل النصين على هذين الحالين. قال: وقيل: فيه قولان؛ حملا للنصين على ظاهرهما، سواء علم أو لم يعلم، قصد أو لم يقصد، اضطر أو لم يضطر؛ كما قاله القاضي أبو الطيب. وجه الوجوب – وهو المختار في المرشد: أن الأسير غير مفرط، وهو محقون الدم له حرمة؛ فأشبه ما لو خرج من الصف، فرماه إنسان؛ فقتله. ووجه مقابله: أنا لو أوجبناها أدى ذلك إلى تعطيل الجهاد. والذي حكاه القاضي الحسين في كفارة القتل: أنه إذا رمى السهم، ولم يعلم أن في الصف مسلماًن ولا عين شخصاً – أنها لا تجب، وإن علم في هذه الحالة أن فيه مسلماً – فالظاهر الوجوب. وإن عينه بالرمي؛ فأصابه، فإن علم أن فيهم مسلمين فقولان، [أظهرهما كما حكاه في كتاب السير: الوجوب، فإن لم يعلم أن فيهم مسلمين فقولان] مرتبان على حالة العلم، وأولى بالوجوب.

стр. 7649

قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذان القولان المذكوران فيما إذا قتل من ظنه كافراً؛ لكونه على زيّ أهل الشرك؛ لأن كونه مع الكفار في صف القتالن يغلب على الظن كونه كافراً، وقد سبق أن الأظهر منهما: أنها لا تجب. ولو قصد بالرمي كافراً؛ فأصاب المسلم، قال: إن لم يعلم أن في الصف مسلماً، لم تجب، وإن علم أن فيه مسلماً، أو عرف مكانه، وجبت. وحكى الإمام عن شيخه في هذه الصورة تخريج قولين، وقال: إن ذلك منقاس حسن، ونظيرهما ما حكاه القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ في كفارة القتل؛ فيما إذا قتل مسلماً في دار الحرب خطأ والذي حكاه الماوردي في كتاب السير فيما إذا قتل مسلماً في دار الحرب، ولم يعلم به أنه [إن قتله] خطأن لم يجب إلا الكفارة، وإن قتله عمداً، ففي وجوب الدية قولان: اختيار المزني منهما عدم الوجوب؛ لأن الجهل بإسلامه يغلب حكم الدار. والثاني: اختاره أبو إسحاق المروزي؛ تغليباً لحكم قصده. ثم حيث نوجب الدية: فإن كان قد قصده، كانت الدية في ماله، وإن كان لم يقصده، فهي على العاقلة مخففة في ثلاث سنين. وفي تعليق القاضي الحسين ما يوهم خلافاً في هذه الحالة؛ فإنه قال في كتاب "السير": إذا لم نوجب القود عليه ففي الدية وجهان: أحدهما: [تجب] مغلظة في ماله. والثاني: تجب على عاقلته؛ لأنه شبه عمد؛ حيث لم يقصده، وإنما قصد غيره، وهذا حكم الدية. وأما الكفارة فتجب في كل حال، إلا على طريقة سنذكرها في باب كفارة القتل. والقصاص لا يجب على الصحيح، وسنذكره في قتال المشركين، عن شاء الله تعالى، والله أعلم.

стр. 7650

كفاية النبيه شرح التنبيه الجزء السادس عشر المحتوى: تتمة كتاب الجنايات

стр. 7651

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب ما تجب به الدية من الجنايات قال: إذا أصاب رجلاً بما يجوز أن يقتل؛ فمات منه، وجبت الدية: أما إذا كان خطأ؛ فلقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]. وأما إذا كان عمد خطأ؛ فلما روى الشافعي بسنده عن انب عمر ﵃ أن النبي ﷺ قال: "أَلا إِنَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا مِائَةً مِنَ الإِبِلِ" وقد رواه أبو داود، عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس، عن ابن عمر ﵃ لكن لفظه: "أَلاَ إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ"

стр. 7652

وأخرجه النسائي، وابن ماجه، والدارقطني في "سننه" والبخاري في "التاريخ الكبير"، ويعضده ما سنذكره عن ابن شعبة في هذا الباب. وأما إذا كان عمداً؛ فلما روى أبو داود عن أبي هريرة – ﵁ – قال: "لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ [خَطِيباً] فَقَالَ: مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ [يُودَى، أو يُقَادَ] " وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن ماجه مختصراً ومطولاً. ثم هذا الكلام من الشيخ موافق في حالة العمد؛ لما حكيناه في أول باب: العفو والقصاص عن الإمام أن القتل العمد موجب للمال لا محالة، ولكن يقتضيه أصلاً معارضاً، وموازناً للقصاص، أو يقتضيه على قضية من التبعية؟ فيه القولان، المعبر عنهما بأن الواجب أحد الأمرين، أو القود عيناً. [لكن الشيخ في المهذب قال: إن] الدية تجب بقتل العمد – في أحد القولين – وبالعفو على الدية في القول الآخر. وإذا كان كذلك فيكون كلامه [هنا] مفرعاً على القول الأول، [أو متعلقاً بمحذوف وهو العفو، ويكون تقديره: إذا أصاب رجلاً بما يجوز أن يقتل فمات منه وعفا عن القود في العمد – وجبت الدية] والله أعلم. قال: وإن ألقاه في ماء أو نار قد يموت فيه؛ فمات منه – وجبت ديته؛ لنسبة تلفه إليه، وصورة ذلك: [أن] يلقيه في لجة بحر يبعد ساحله، وهو يحسن العوم أو لا يحسنه، أو في نهر أو بحر يقرب ساحله، وهو لا يحسن العوم، أو يلقيه في نار يطول مداها، ونحو ذلك؛ وهكذا الحكم فيما إذا شدّ يديه ورجليه، وطرحه في ساحل؛ فزاد الماء، وهلك منه – فلا فرق فيه بين أن تكون الزيادة معلومة الوجود، أو قد تحصل [أو لا تحصل في] العادة، لكن في الحالة الأول تجب دية العمد، وفي الثانية دية [شبه العمد، وفي الثالثة دية] الخطأ؛ كما صرح به في المهذب، والماوردي في باب: التقاء الفارسين. قال: وإن أمكنه التخلص، فلم يفعل حتى هلك –ففيه قولان: أصحهما: أنه لا تجب ديته؛ لأن التلف حصل باستدامة منسوبة إليه، دون

стр. 7653

ملقيه؛ فلم تجب ديته؛ كما لو خرج من ذلك، ثم عاد إليه. ووجه الوجوب: القياس على ما لو جرحه وقدر على المداواة، فلم يفعلها حتى مات. والقائل بالأول فرق بما ذكرناه في باب ما يجب به القصاص. وقيل في مسألة الماء: لا تجب الدية وجهاً واحداً، وإن جرى القولان في النار؛ لأن الإلقاء في النار جناية متلفة لا يقدم الناس عليها مختارين، وليس الإلقاء في الماء لمن يحسن العوم جناية عليه؛ فإن الناس جناية متلفة لا يقدم الناس عليها مختارين، وليس الإلقاء في الماء لمن يحسن العوم جناية عليه؛ فإن الناس قد يعومون فيه مختارين؛ لتبرد، أو تنظف، ولا ينسبون إلى تغرير. وعن القفال طريقة قاطعة بالوجوب، وتنزيل ترك السباحة منزلة ترك المعالجة. وقد حكى الماوردي [أن] القولين في مسألة النار مأخوذان ممن أذن لغيره في قتله، وعلى الصحيح منهما: يجب على الملقي أرش ما عملت فيه النار منحين ألقاه إلى أن أمكنه الخروج. قال الجيلي: فإن لم يمكن معرفة قدر الأرش لم يلزمه إلا التعزير. قلت: لو قيل: لم يلزمه إلا المحقق، لكان أولى. وقد تقدم في باب ما يجب به القصاص طريقة معرفة إمكان التخلص. وحكم التلف بعد الخروج من النار؛ بسبب النار – حكم تلفه [فيها] ولا خلاف في أنه إذا ألقاه في ماء خفيف لا يصدر إلى صدره عند الوقوف؛ [فرقد فيه] حتى علاه، ومات – أنه لا ضمان على الملقي. قال: وإن ألقاه على أفعى، أو ألقاها عليه، [أو على أسد، أو ألقاه عليه]، أي: في مضيق – وجبت ديته؛ لأنه ألجأه إلى قتله. وألحق في الحاوي بذلك في باب: القصاص بغير السيف – ما إذا حبسه في بيت مفعي؛ فنهشته أفعى؛ فمات، [أو كانت] مقيمة فيه، والبيت ضيقاً، وهو يقصر عن طولها، ومدى نفختها، ولا كوى فيه، ولا ثقاب تتسرب فيه الأفاعي. وقال عند انتفاء شيء مما ذكرناه بعدم وجوب الضمان.

стр. 7654

وألحق في "المهذب" و"الحاوي" بذلك أيضاً في باب: التقاء الفارسين - ما إذا شد يديه ورجليه، وطرحه في أرض مسبعة، أو غير مسبعة، وذكرنا في باب: ما يجب به القصاص ما قيل فيه. وفي التتمة أن الدية لا تجب في مسألة الحية من مسألتي الكتاب؛ لأنه كالممسك؛ وهي كالقاتل، وقال في مسألة الأسد: [إذا كان قد أغراه عليه إن لم يمكنه التخلص منهن وجب فيه القصاص والدية، وإن أمكنه فهو كما لو ألقاه فيما يمكنه التخلص منه. وهذه الصورة تخالف صورة مسألة الكتاب؛ فلا يظن أن الكلام يجري فيها؛ كما أوهمه لفظ بعض الشارحين. تنبيه: الأفعى: الأنثى من الحيات، والجمع: أفاعٍ، والذكر: أفعوان؛ بضم الهمزة والعين. قال الجوهري: الأفعى: أفعل، تقول: هذه أفعى بالتنوين؛ وكذلك أروى، وتفعى الرجل: صار كالأفعى في الشر، ولام الكلمة في الأفعى: واو. وقال الزبيدي: الأفعى: حية رقشاء، دقيقة العنق، عريضة الرأس، وربما كانت ذات قرنين. قال: وإن سحر رجلاً بما لا يقتل غالباً وقد يقتل؛ فمات منه - وجبت الدية؛ لأنه عمد خطأ، والدية تكون في ماله مغلظة؛ لأنه لا يثبت أنه سحره إلا بإقراره؛ كما ذكرناه. نعم ما ينشأ عن ذلك السحر تارة يكون ثبوته بإقراره أيضاً، وتارة بالبينة، مثل: أن يقول: سحرته بكذا، فيشهد عدلان من السحرة بعد توبتهما بأن الذي أقر أنه [الذي] سحره به هذا شأنه. ولو قال: سحرت غيره، فانقلب إليه - فهو اعتراف بقتل الخطأ؛ فتكون الدية مخففة في ماله.

стр. 7655

قال: وإن ضرب الوالد ولدهن أو المعلم الصبي، أو الزوج زوجته – أي: عند النشوز – أو ضرب السلطان رجلاً في غير حد؛ أي: في تعزير؛ فأدى إلى الهلاك – وجبت ديته؛ لأن الضرب أبيح لهم للتأديب؛ فإذا بان مهلكاً – علمنا أنه مفرط؛ فضمن لذلك، [وشهد لذلك ما روى الشافعي بسنده، عن عليّ – كرم الله وجهه –أنه قال: "لَيْسَ أَحَدٌ أُقِيمُ عَلَيهِ حَدًّا؛ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئاً الحق قتله إلاَّ شَارِب الخَمْرِ؛ فَإِنَّهُ شَيءٌ رَأَينَاهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُ – فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الإِمَامِ" أو قال: "فِي بَيتِ الْمِال"، الشك من الشافعي. ولا يجوز أن يكون المراد به: إذا مات من الحد؛ فإن النبي – ﷺ حد في الخمر؛ فثبت أنه أراد من الزيادة على أربعين. وقد ادعى القاضي أبو الطيب إجماع المسلمين على ضمان الزوج؛ فنقول في غيره: يضمن بالقياس عليه؛ بجامع ما يشتركان فيه من إرادة الإصلاح بضرب لم يقدره الشرع في آدمي. واحترزنا بذلك عن المستأجر إذا ضرب الدابة المستأجرة الضرب المعتاد، فهلكت – لم يضمن [وكذلك الراكض إذا ضربها الضرب المعتاد فهلكت – لم يضمن]؛ كما قاله أبو الطيب وغيره]. قال العراقيون – كما حكاه الإمام عنهم في كتاب الرهن -: وهذا بخلاف ما لو قال السيد لآخر: اضرب عبدي؛ فضربه؛ فأتي عليه؛ فإنه لا ضمان؛ لأن لفظ الضرب [مطلق لا تقييد فيه، ثم قال الإمام: وهذا فيه نظر عندي؛ فإن الضرب] يخالف القتل، [وما حكاه قد نقله ابن الصباغ في كتاب الرهن، ثم قال: إلا أن عندي إن كان أذنه في تأديبه، أو تضمنه إذنه؛ فيشترط فيه –حينئذ –

стр. 7656

السلامة؛ كما يشترط في الضرب الشرعي]. ثم الدية الواجبة – في هذه [الحالة] – دية شبه العمد؛ كما ستفهمه مما نحكيه عن القاضي أبي الطيب في مسألة ضرب بطن المرأة، [وصرح به الغزالي وإمامه]. واعلم أن هاهنا مباحثة لا بأس بذكرها، وهي أن الأصحاب أطلقوا القول بوجوب الدية في هذه الصورة موجهين ذلك بما ذكرناهن ولم أر في الطرق ما يخالف ذلك إلا ما حكاه في الزوائد، وهو أن الشيخ الحسين الطبري قال: ذكر شيخنا – ﵀ – أن التعزير على نوعين: نوع واجب: كتعزير من قذف أمه، أو وطئ أجنبية فيما دون الفرج؛ فإذا أدى إلى التلف يحتمل ألا يضمن. ونوع آخر: لا يجب؛ مثل: أن يسيء أدبه في مجلس القاضي؛ فيعزره؛ فهو مضمون. وقال الغزالي: [في كتاب القسم النشوز ما يفهم أن الصبي إذا مات لا يضمن؛ لأنه قال: والأولى للزوج ترك الضرب؛ بخلاف الولي؛ فإن الأولى به ألا يترك الضرب؛ لأن مقصوده: إصلاح الصبي لأجل الصبي، وهذا يصلح زوجته؛ لنفسه؛ ولذلك كان [ضرب الزوج] مقيداً بشرط سلامة العاقبة. وفي الرافعي في كتاب: موجبات الضمان حكاية وجه: أنه لا ضمان؛ إذ عزر بحق الآدمي؛ بناء على أنه واجب إذا طلبه المستحق؛ كما سنذكره. وأطلق ابن يونس في باب: التعزير [حكاية وجه: أنه] إذا مات منه لا ضمان، ولم أره في غيره هكذا]. لكن لقائل أن يقول: التفريط تارة يحصل من كون الضرب لاقى محلاً يجب أن يُتَوَقى، وتارة عن تركه النظر في الزمان، أو في حال المضروب، أو صفة الضرب، وتارة من كونه جاوز الحد في عدد الضربات ولو تحققنا استناد الهلاك إلى الحالة الأخيرة لقلنا: حصل من مأذون فيه [وغير مأذون فيه]، وقضيته إيجاب نصف الضمان على أي كما قرره الأصحاب في الزيادة على الحد؛ وكذا لو تحققنا أن الهلاك حصل بسبب وقوع الضرب في حرٍّ شديد، أو

стр. 7657

بردم مفرط – يجب أن نقول: حصل الهلاك بمأذون فيه، وغيره؛ فيجب عليه نصف الضمان – على وجه – كما حكاه الشيخ في مهذبه فيما إذا ختن الإمام في حر شديد أو برد مفرط، وإذا كان الحكم هكذا عند التحقق وجب أن يقال في حالة الشك: لا يجب أيضاً إلا نصف الضمان؛ لأنه المتيقن، والأصل براءة الذمة مما سواه. وطريق الجواب أن يقال: ما ذكرتموه جرى في أمور ضبطها الشرع، ولم يكلها إلى اجتهاد المكلف؛ فلذلك أحلنا الهلاك عند مجاوزتها إلى الحق والباطل، وهاهنا لا تقدير من جهة الشرع، ولا مرد للقدر الواجب إلا الاجتهاد وبمجاوزته الحد تبين أنه ليس من أهله، والله أعلم. قال: وإن سلم الصبي إلى السابح، فغرق في يده – وجبت الدية؛ لأنه لا يغرق إلا بإهمال السابح وقلة تحفظه، وتكون الدية فيه دية شبه العمد؛ كما لو ضرب المعلم الصبي للتأديب؛ فهلك. وفي التتمة وجه: أنها لا تجب؛ كما لو نقله إلى مسبعة، وبل أولى؛ لأن الخطر هناك أكبر، ولأن ذلك تضييع، وهذا قد تدعو الحاجة إليه. وأبدى الإمام هذا الوجه احتمالاً، وقال: الحر لا يدخل تحت اليد، ولم يوجد من السابح فعل، إذا خاض الصبي بنفسه في الماء. نعم لو ألقاه السابح في الماء، ليعلمه، فقد يجعل الإلقاء موجباً للضمان على تفصيل مذكور في باب القصاص. ويجري الخلاف فيما لو كان الولي يعلمه السباحة بنفسه؛ فغرق. ولو أدخله الماء؛ [ليغسله، لا ليعلمه السباحة] – فالحكم كما لو ختنه، أو قطع يده من أكلة؛ فمات منه، قاله في التتمة. قال: وإن غرق البالغ مع السابح لم تجب ديته؛ لأنه مستقل، وعليه أن يحتاط لنفسه، ولا يغتر بقول السابح. وهذا ما حكاه في التهذيب أيضاً. [و] في الوسيط: أنه إن خاض معه؛ اعتماداً على يده، فأهمله – فيحتمل أنه يجب الضمان. قال: وإن صاح على صبي، أي: غير مميز؛ فوقع من سطح، أو على بالغ وهو غافل، فوقع، ومات – وجبت الدية:

стр. 7658

أما في الصبي؛ فلأنه كثيراً ما يتأثر ويضطرب بالصيحة الشديدة؛ فأحيل الهلاك عليها. وأما في البالغ؛ فلأنه مع الغفلة كالصبي. وقيل: لا تجب في البالغ؛ وهو الأصح في تعليق القاضي الحسين، والرافعي، وعند النواوي؛ لأن الغالب من حال البالغ التماسك، وعدم التأثر بالصياح؛ فالسقوط والموت يحملان على موافقة. وقد وافق الشيخ على تصحيح الأول صاحب المرشد، ونسبه البندنيجي إلى قول ابن أبي هريرة. أما إذا كان البالغ غير غافل ففي الشامل وتعليق القاضي الحسين والتتمة: القطع بعدم الضمان، وكلام الرافعي يقتضي جريان الخلاف فيه أيضاً؛ فإنه حكى فيه ثلاثة أوجه، ثالثها وهو قول ابن أبي هريرة -: إن غافصه من ورائه وجبت، وإن صاح عليه في وجهه فلا. والصبي المراهق المتيقظ كالبالغ، والمجنون والمعتوه الذي [تعتريه الوساوس]، والمرأة الضعيفة العقل، والنائم – كالصبي. وشهر السلاح والتهديد الشديد، كالصياح، والصياح على الغير من صيد أو غيره – فيما ذكرناه – كالصياح عليه، ولا فرق فيه إذا وقع على صيد – بين أن يكون الصائح يحرم عليه الصيد، أو لا. وعن صاحب التلخيص أن الصائح إن كان محرماً، أو في الحرم – تعلق بصيحته الضمان، وإلا فلا. أما لو كان الصبي على وجه الأرض، ومات من الصيحة، فلا أثر لذلك. وحكى الإمام عن بعضهم أنه أجراه مجرى الارتعاد، والسقوط من حرف الجدار، وهو ما جزم به القاضي الحسين في تعليقه. ثم الدية الواجبة [- فيما ذكره الشيخ-] دية شبه العمد. قال الرافعي: وقد قيل في مسألة الصبي بوجوب القصاص؛ كما قيل بمثله فيمن حفر بئراً في دهليزه، ودعا غيره؛ فوقع فيها، بل هاهنا أولى؛ لان تأثير

стр. 7659

الصيحة بالارتعاد والاضطراب أشد من تأثير الدعوة، وقياس من يقول به: أن تجب مغلظة [على الجاني]. قلت: مسألة الحفر التي يجب فيها القصاص على هذا الوجه مصوَّرة في التتمة بما إذا حفر البئر في دهليز رجل ليس في الدار غيره، ولابد له من الخروج، وكان الرجل أعمى، أو كان الموضع مخرج الرجل، وإذا كان كذلك فلا يظهر للأولوية وجه، والدية الواجبة في حال الصياح على الغير دية الخطأ. قال: وإن صاح على صبي، أي: غير مميز؛ فزال عقله – وجبت الدية؛ لما تقدم، ولا يجري القصاص على الأصح؛ لأن هذا [لا] يزيل العقل غالباً. وقيل بوجوبه، فعلى هذا إذا آل الأمر إلى المال، لا يخفى الحكم، وعلى الأول تكون دية عمد الخطأ. قال: وإن صاح على بالغ؛ فزال عقله، لم تجب؛ لأن معه من الضبط والعقل ما يمنعه من ذلك؛ فدل على أن زواله لم يكن من الصياح، وهذا ما جزم به القاضي الحسين، وكذا البندنيجي، وحكاه عن النص في "الأم". وقد حكى الرافعي فيه الخلاف السابق في سقوطه وموته، وحكى الماوردي أن ابن أبي هريرة قال بالضمان هنا؛ بخلاف الوقوع، وأنه فرق بأن في الوقوع فعلاً للواقع؛ فجاز أن ينسب الوقوع إليه، وليس في زوال العقل فعل من الزائل العقل، فلم ينسب زواله إلا إلى الصائح المزعج. قال: وإن طلب بصيراً بالسيف؛ فوقع في بئر –أي: ظاهر له – فمات؛ لم يضمن؛ لأنه سبب غير مجلئ؛ فقدمت المباشرة عليه؛ كما لو حفر إنسان بئراً؛ فجاء آخر وردى فيها نفسه؛ ولأنه أوقع نفسه فيما كان يحاذره من المتبع؛ فأشبه ما إذا أكره إنساناً على أن يقتل نفسه؛ ففعل؛ فإنه لا يجب الضمان على المكره. وهذا إذا كان المطلوب مكلفاً، أما لو كان غير مكلف، وقلنا: عمده عمد، فالحكم كذلك، وإلا ضمن الطالب، صرح به المصنف، والماوردي، وغيرهما. قال: وإن طلب ضريراً؛ فوقع في بئر، أي: وهو لا يعرف بها، ضمنه؛ لأن الواقع لم يقصد إهلاك نفسه، وقد ألجأه المتبع إلى الهرب المفضي إلى المعنى

стр. 7660

المهلك؛ فضمنه كالشهود إذا شهدوا بالقتل، ثم رجعوا [عن الشهادة]. وحكم البصير إذا لم يعلم بالبئر؛ لكونه في ظلمة الليل، أو [في] موضع مظلم، أو كانت مغطاة – حكم الضرير، [وحكم الضرير] إذا علم بالبئر حكم البصير. وحكم الوقوع في النار، ومن شاهق جبل، أو سطح عالٍ – حكم الوقوع في البئر، ولا يلتحق بذلك: إذا [افترس المطلوب سبعٌ في الطريق، سواء] كان بصيراً أو أعمى؛ لأنه لم يوجد من الطالب فعل مهلك، ومباشرة السبع التي عرضت كعروض القتل على إمساك الممسك، اللهم إلا أن يكون ألجأه إليه في مضيق؛ فيجب الضمان. وهل يلتحق بالبئر انخساف السقف الذي حصل الهروب عليه؟ فيه وجهان في "المهذب" و"الحاوي". وجه المنع: أن المعنى المهلك لم يشعر به الطالب، ولا المطلوب؛ فأشبه ما إذا عرض سبع؛ فافترسه، وهذا ما أجاب به البغوي، والروياني، والقاضي الحسين. ووجه الإلحاق: أنه حمله على الهروب، وألجأه إليه، وقد أفضى إلى المعنى المهلك من غير شعور المطلوب [به]؛ فأشبه ما إذا وقع في بئر مغطاة. قال الرافعي: وهذا ما أورده العراقيون، وحكوه عن نصه في الأم، ورجحه المتولي، وصاحب المرشد، وإليه مال الإمام. تنبيه: قد يفهم من عدول الشيخ في هذه المسألة عن قوله: وجبت ديته، كما ذكر فيما تقدم، إلى قوله: "وجب ضمانه" – أن القصاص يجب؛ كما يجب في مسألة الشهود، وليس الأمر كذلك؛ لأمرين: أحدهما: أنه ذكر هذه اللفظة في موضع لا قصاص فيه جزماً، وهو ما إذا ضرب بطن امرأة؛ فألقت جنيناً ميتاً. والثاني: أن الماوردي صرح في المسألة: بأن الدية تجب على العاقلة، والعاقلة لا تحمل دية جناية يجب فيها القصاص جزماً.

стр. 7661

لكن في التتمة أنه إذا حفر بئراً في دهليزه، وغطاه، ثم أذن لإنسان في دخول داره؛ فدخل؛ فوقع في البئر – أن حكمه حكم ما لو خلط السم بطعام، وقدمه إليه، وهذا إن لم يفهم منه القطع بوجوب القصاص هاهنا؛ لكونه هنا مكرهاً بالفعل، وفي مسألة الدهليز هو مكره بالعادة؛ فلا أقل من أن يكون مثله، حتى يجري فيه القولان. قال: وإن ضرب بطن امرأة؛ فألقت جنيناً ميتاً – وجب ضمانه؛ لما روى أبو داود، عن المغيرة بن شعبة: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتاَ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: كَيْفَ نَدِي مَنْ لاَ صَاحَ وَلاَ أَكَلَ وَلاَ شَرِبَ وَلاَ اسْتَهَلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟، فَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ وَجَعَلَهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَة". وفي رواية: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا" وأخرجه مسلم والترمذي وغيرهما. ثم هذه الجناية حكمها حكم الخطأ، أو حكم شبه العمد؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: أنها خطأ؛ لأنه [مات] بسبب الضرب، ولم يباشر بالجناية. والثاني-وهو قول ابن أبي هريرة -: أنه إذا قصد ضربها فهو شبه عمد، وهذا ما اختاره القاضي أبو الطيب، وذكر أن الشافعي نص عليه؛ لأن ذلك تولد من فعله؛ كما لو ضربه تأديباً؛ كذا حكاه عنه العمراني في الزوائد في دية الجنين، ولا يتصور في الجنين؛ لمحض العمدية؛ لأنه لا يقصد عينه، بل يقصد غيره؛ كذا جزم به الماوردي، والقاضي الحسين وغيرهما. وفي المهذب أنه يكون عمداً محضاً، إذا قصد الإجهاض، ونحا صاحب التهذيب نحوه.

стр. 7662

فروع: لو طفرت الحامل، فألقت جنيناً ميتاً: فإن لم تخرج الطفرة عن عادة مثلها من الحوامل، ولا كان مثلها مسقطاً للأجنة، لم تضمنه، وإن خرجت عن عادة مثلها، وكانت الأجنة تسقط بمثل طفرتها، ضمنته بالغرة والكفارة، ولم ترث [من الغرة]. وهكذا لو شربت دواء؛ فأسقطت جنيناً ميتاً، روعي حال الدواء: فإن زعم علماء الطب أن مثله قد يسقط الأجنة - ضمنت جنينها. وإن قالوا: إن مثله لا يسقط الأجنة، لم تضمنه. وإن أشكل، وجوزوه - ضمنته. ولو امتنعت من الطعام والشراب حتى ألقت جنينها، وكانت الأجنة تسقط من جوع الأم وعطشها -نظر: فإن دعتها الضرورة إلى الجوع والعطش؛ للإعواز والعدم - فلا ضمان، وإلا ضمنته. ولو جاعت وعطشت في صوم فرض ضمنت؛ لأنها مع الخوف على حملها مأمورة بالإفطار، منهية عن الصيام. قالهما الماوردي، والله أعلم. قال: وإن بعث السلطان إلى امرأة ذكرت [له] بسوء؛ فأجهضت الجنين - وجب ضمانه؛ لما روى: "أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَاءِ الأَجْنَادِ يَغْشَاهَا الرِّجَالُ باللَّيْلِ يَدْعُوهَا، وَكَانَتْ تُرقِي فِي دَرَجٍ؛ فَفَزِعَتْ؛ [فَاَجْهَضَتْ ما في بَطْنِهَا]؛ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ ﵃ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوفٍ: إِنَّكَ مُؤَدِّبٌ؛ فَلاَ شَيءَ عَلَيكَ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -: إِنِ اجْتَهَدَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ لَم يَجْتَهِدْ فَقَدْ غَشَّك، عَلَيكَ الدِّيَةُ؛ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -: عَزَمْتُ عَلَيكَ لَتُقَسِّمَنَّها عَلَى قَوْمِكَ". قال الإمام في كتاب الأشربة: وقد اختلف فيمن المشار إليه بقوله: "إن اجتهد فقد أخطأ ... " إلى آخره فقال بعض المتكلمين: إنه رسول عمر الذي بعثه إليها،

стр. 7663

ومعناه: إن اجتهد الرسول، أي: في رعاية الوقت والمكان في تأدية الرسالة – فقد أخطأ، وإن لم يتعرض لتخير زمان ومكان – فقد غش. قال: وهذا بعيد. والصحيح: انه أراد بما قال عبد الرحمن بن عوف. وقد أضاف بعضهم إلى القصة: "أن عثمان بن عفان –﵁ – وافق عبد الرحمن، وأنهم سكتا عند مقالة عليّ – كرم الله وجهه – وذلك يدل على رجوعهما إلى قوله؛ فكان إجماعاً. قال القاضي أبو الطيب: وهذا بخلاف ما لو بعث إليها السلطان؛ فماتت – لا ضمان؛ لأن الغالب على البالغة العاقلة عدم موتها من ذلك. ولو لم يبعث السلطان إليها، لكن الرسول انطلق من عند نفسه، على لسانه – وجبت الغرة على عاقلة الرسول. قال: وإن رمى إلى هدف، فأخطأ؛ فأصاب آدميًّا فقتله – وجبت الدية؛ للآية، وهكذا الحكم فيما إذا رمى إلى صيد؛ فوقع في آدمي. ولو كان قد أكرهه إنسان على الرمي في هذه الصورة –فهما قاتلان خطأ، وعلى كل [واحد] منهما كفارة، وعلى عاقلة كل منهما نصف الدية، وهل لعاقلة المكره الرجوع بما يغرمونه على المُكرِه؟ قال الرافعي قبيل كتاب الديات: يحتمل أن يقال: لا يرجعون كما لا يرجعون على القاتل في شبه العمد، ويحتمل أن يقال: لا شيء على المكرِه وعاقلته؛ لأن الذي فعله المكرَه غير ما حمله المكرِه عليه. قال: وإن ختن الحجام، فأخطأ؛ فأصاب الحشفة – وجب عليه الضمان، أي: وتحمله العاقلة؛ لأنه فوت ما لم يؤذن له في تفويته من غير ضرورة. واعلم أن ما ذكره الشيخ من وجوب الضمان أو الدية على الجاني في هذا الباب، المخاطب بإيفائه العاقلة، عند اعترافها، أو إنكارها وقيام البينة، وهذا الإطلاق مستعمل كثيراً في كلام الأئمة؛ ومنهم الإمام، وقال: لست أعني به: ارتباط الضمان بماله، وإنما نعني به: ارتباط الضمان بعاقلته، ولكن التحفظ عسير في أثناء الكلام.

стр. 7664

وهذا منه بناء على أن الوجوب يلاقي العاقلة ابتداء، أما إذا قلنا: إنه يلاقي الجاني، وتتحمله العاقلة – كما هو الصحيح- فلا حاجة إلى الاعتذار عن هذا الإطلاق، ويشهد لذلك قوله ﷺ "مَنْ قُتِلَ [فِي] عِمِيًّا، رَمْيّا بِحَجَرٍ، أَوْ ضَرْباً بِعَصَا – فعليه عَقْلُ الْخَطَأِ"، والله أعلم. قال: وإن امتنع من الختان، أي بعد وجوب عليه؛ وهو بعد البلوغ؛ فختنه الإمام في حرٍّ شديد، أو برد شديد، فمات – فالمنصوص [عليه] أي في "الأم": أنه يجب ضمانه؛ لظهور التفريط؛ فإن الإمام منهي عن أن يختن في هذين الحالين. قال: وقيل: فيه قولان. وجه الوجوب: [ما ذكرناه. ووجه المنع]: أن إتلافه حصل بفعل ما هو مستحق عليه، وهذا خرج من نص الشافعي في المختصر على عدم وجوب الضمان فيما إذا أقام الإمام الحد في حر شديد أو برد شديد، وفيما إذا أقام الحد على حامل؛ فماتت منه. كما خرج من نصه هاهنا إلى ثَمَّ قولاً بوجوب الضمان. والقائلون بالطريق الأولى – وهم المُقِرُّون للنصين- قالوا: الفرق من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الحد مقدر بمعلوم، غير مجتهد فيه؛ فلم تضمن سرايته، والختان مجتهد فيه؛ فضمنت سرايته؛ كالتعزير. والثاني: أن استيفاء الحد إلى الأئمة؛ فإذا أقاموه لم يؤاخذوا بعواقبه، والختان لا يتولاه الولاة، وإنما يتعاطاه المرء في نفسه أو وليه في صباه؛ فإذا خاض الإمام فيه قهراً كان على شرط سلامة العاقبة. والثالث: أن الختان جرح؛ فالغالب منه التلف والحد ضرب في ظاهر البدن؛ فالغالب منه السلامة.

стр. 7665

وحكى القاضي أبو حامد في الجامع طريقة ثالثة حكاها ابن الصباغ عنه: أن ذلك ليس على قولين، وإنما أراد في الختان: إذا كان الغالب التلف، وأراد في الحد: إذا كان الأغلب السلامة، وصرح بذلك في الختان، وأطلق في الحد. والخلاف المذكور في الختان [في] حالة البلوغ – جارٍ فيما إذا جرى من الإمام في حال الصبا أيضاً، عند عدم الوي، كما حكاه الإمام، وقال: إن النص فيه على وجوب الضمان، وذكر قبل ذلك أن النص الذي ذكرناه عن الأم يجري في الأب إذا ختن الطفل في الحر الشديد، والبرد المفرط، وإن جرى خلاف في نفس الضمان عن الإمام، فالأب أولى بانتفاء الضمان عنه؛ فإن الختان في حقه كالحد في حق الإمام؛ من حيث إنه يتولاه، أما إذا ختن الإمام البالغ عند الامتناع في حال الاعتدال، وأدى إلى الهلاك – فلا ضمان [فيه]. وكذا لو ختن الأب الصب، [أو الإمام] الصبي الذي لا ولي له في هذه الحالة، وأدى إلى الهلاك – لا ضمان فيه عند الأصحاب. وحكى الإمام، عن القاضي أنه قال: الذي أراه: وجوب الضمان فيه، [ورأيته في تعليقه في السلطان خاصة، وقاسه على التعزير، وقال: إنه هل يجب [القود] أم لا؟ يحتمل وجهين؛ بناء على ما لو ضرب رجلاً بإبرة؛ فمات، لأنه لا يخاف منه إلا أن فيه إنهار الدم؛ كذا الختان مثله في الصبي. وقال: إن أصحابنا قالوا على هذا: لو أكره رجلاً على الحجامة؛ فمات منها – ففي وجوب القود وجهان. ووجه الإمام: [قول القاضي الذي حكاه عنه:] بأنه لا يجب في حق الصبين وليس هو من المعالجات التي لو تركت لجر تركها فساداً في البدن. ثم قال: وهذا في الأب بعيد؛ فإنه قد صح في الخبر: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِأَنْ تُحْلَقَ رَاسُ الْمَولُودِ، وَيُعَقَّ عَنْهُ، وَيُخْتَنَ فِي السَّابعِ مِنْ وِلاَدَتِهِ".

стр. 7666

ووجه ما ذكره الجمهور: بأن الختان لابد منه؛ فإجراؤه في [الصغر] والبدن رخص أولى؛ فيلتحق من هذا الوجه بالمعالجة. قلت: وهذا من الإمام؛ بناء على تسليم عدم وجوب الختان على الولي قبل البلوغ، [واستحبابه كما ذكره ابن الصباغ والبندنيجي. أما إذا قلنا بوجوبه قبل البلوغ كما] حكاه في الزوائد، عن الصيدلاني، وأبي سليمان المروزي صاحب المزني؛ [حيث] قالا: الختان واجب، ويعصي الأب بتركه حتى يبلغ – فدليله: كونه قام بواجب؛ فأشبه ما بعد البلوغ. [ولو ختن الصبي أجنبي في حالة عدم الولي، قال في التهذيب: يحتمل أن يبني ذلك على أن الإمام إذا ختن في الحر [الشديد]، أو البرد؛ فمات المختون؛ هل يضمن؟ إن قلنا: نعم، فكذلك هاهنا، وإلا فلا ضمان. وعن أمالي أبي الفرج السرخسي أن ذلك مبني على أن الجرح اليسير هل يتعلق به القصاص؟ وفيه وجهان؛ إن قلنا: نعم، فهو عمد، وإلا فشبه عمد، وهذا شبيه بما حكيناه عن القاضي في المسألة السابقة، والذي حكاه الماوردي: إيجاب الضمان]. فرع: إذا قلنا بوجوب الضمان على الإمام في مسألة الكتاب؛ فماذا يضمن؟ فيه وجهان في "المهذب": أصحهما في الحاوي: جميع الدية؛ لأنه مفرط. والثاني: نصفها؛ لأنه مات من واجب ومحظور؛ فسقط النصف، ووجب النصف، وهذا ما حكاه الماوردي عن الشيخ أبي حامد، وقال الرافعي: إنه أظهر. ثم محل وجوبها بيت المال أو عاقلته؟ يشبه أن يجيء فيه الخلاف المذكور فيما إذا استوفى الحد من حامل؛ فأسقطت الجنين، وفيه طريقان: أحدهما: القطع بثبوتها على عاقلته، وهي ما حكاها الإمام [ثَمَّ] لأن بيت المال إنما يحمل ما يجب بخطأ الإمام، والإمام هنا عامد. والثانية: حكاية قولين فيه؛ وهي ما ادعى ابن الصباغ أنها ظاهر المذهب ثَمَّ

стр. 7667

قال: وإن حفر بئراً في طريق المسلمين، أي: لمصلحة [نفسه] وسواء كان الناس يتضررونه بالحفر أو لا؛ كما صرح به في المهذب. قال: أو وضع فيه حجراً، أو طرح فيه ماء، أي: وما في معناه؛ كبوله، أو بصاقه؛ كما حكاه البندنيجي في كفارة القتل. قال: أو قشر بطيخ، أي: وما في معناه من الكناسات؛ فهلك به إنسان – وجب الضمان؛ لأنه تعدى بذلك؛ فضمن من هلك [به] كما لو جنى عليه، والضمان على العاقلة؛ كما نبهنا عليه من قبل، وصرح به ابن الصباغ وغيره. وقد جعل الماوردي محل الجزم بوجوب الضمان في البئر، إذا أضر حفرها بالمارة، أو لم يضر، وقصد به التملك، أو لم يصده، ولم يحكم رأسها، وتركها مفتوحة. وقال فيما إذا أحكم رأسها، وقصد بحفرها اختصاصه بالارتفاق بها؛ إما لحش داره، أو لماء مطرها؛ فإن استأذن الإمام على ذلك لم يضمن. قال ابن الصباغ: كما يجوز أن يقطع بعض الطريق الواسع لمن يبنيه لنفسه. قال الرافعي: وهذا ما أورده أصحابنا العراقيون، وتابعهم القاضي الروياني، وصاحب التتمة. قال الماوردي: [فإن لم] يأذن الإمام، فوجهان: المذكور منهما في تعليق القاضي الحسين، والشامل: الجزم بالضمان. وادعى الإمام [عدم] اختلاف العلماء فيه، وإيراد القاضي يقتضي طرده في حالة الإذن، وهو الذي أورده في التهذيب. وحكى الإمام قطع الأئمة به، وأن في بعض التصانيف حكاية وجه في نفي الضمان، وقال: إنه بعيد عن التحصيل. وقال البندنيجي في وضع الحجر: لا فرق في الضمان بين أن يكون الطريق ضيقاً أو واسعاً. وقد ذكر الماوردي تفصيلاً في وضع الطين، ويجب طرده في الحجر، وهو أن الإنسان إذا أخرج من داره طيناً لهدم أو بناء يستعمله حالاً فحالاً: فإن كان الطريق ضيقاً، أو الطين كثيراً – فهو متعد بوضعه فيه؛ فيكون ضامناً لدية التالف، وإن كان الطريق واسعاً والطين قليلاً، وقد عدل [به] عن مسلك المارة إلى

стр. 7668

فناء داره – لم يضمن؛ لأنه غير متعد، ولا يجد الناس من مثل هذه بدًّا. وقال بعض أصحابنا: يضمن؛ لأنه مباح بشرط السلامة؛ فإذا أفضى إلى الهلاك ضمن؛ كتأديب المعلم. [ثم قال]: وهذا فاسد؛ لما فيه من التسوية [بين المباح] والمحظور. وما حكاه عن هذا القائل شبيه بما حكاه القاضي الحسين، عن صاحب التلخيص في قشر البطيخ؛ فإنه حكى عنه أنه [قال]: يباح له ذلك بشرط السلامة، وحكى مع ذلك وجهين: أحدهما: أنه إن ألقاه في زاوية من الشارع، ليست بممرٍّ للناس – فلا ضمان عليه، وهو يجري في القمامات؛ كما صرح به الإمام. والثاني: إن كان الجانب الذي يلي الباطن، وهو الوجه المأكول يلي الأرض؛ فزلقت به رجل إنسان؛ فتحرك – يلزمه الضمان، وإن لم يتحرك – لا يلزمه [الضمان]؛ لان القشر إذا لم يتحرك – كان سوط تَعثُّر به، لا بسببه. وإن كان الجانب المأكول يلي الهواء؛ فن لم يتحرك، يلزمه الضمان، وإن تحرك، لم يلزمه؛ لأنه بفعله تحرك؛ فكان السقوط على الأرض لمعنى من جهة الساقط، لا بسبب القشر. وهذا ما حكاه الإمام عن صاحب التلخيص، وطوائف من الأصحاب، [مع] حكاية الوجه الأول، وحكاية وجه آخر حكاه المتولي أيضاً: أنه لا ضمان؛ لأن الشوارع من مرافق الأملاك؛ فلو منع الملاك من طرح الكناسات والفضلات في الطرق الواسعة؛ لضاقت عليهم الأملاك. ثم قال الإمام: ومعظم المحققين [ذهبوا إلى] إبطال تفصيل صاحب التلخيص، والمصير إلى أن الضمان يجب، وهو ما اختاره القاضي الحسين، ثم قال: وعلى هذا لو رش الماء على باب داره، أو حانوته، فمر به مار؛ فزلق ومات، أو انكسرت رجله؛ فإن بالغ، يلزمه الضمان، وإن لم يفرط، بل قص به تسكين الغبار، [أي عن المارين، فالمذهب أنه لا ضمان. وقد قال الإمام بدل هذه العبارة:] إنه كاحتفار البئر؛ لمصلحة المسلمين.

стр. 7669

ومحل ما ذكرناه من الضمان، إذا لم ير التالف ما حصل بسببه التلف، أما إذا رآه، وتعمد وضع رجله عليه حتى هلك – فلا ضمنا جزماً في جميع الصور. فرع: إذا وضع إنسان حجراً في الطريق؛ فعثر به إنسان فدحرجه إلى موضع آخر، فعثر به آخر، وتلف منه – وجب الضمان على عاقلة الذي عثر أولاً؛ لأن الحجر في ذلك الموضع إنما حصل بفعله؛ قاله القاضي الحسين والرافعي، وغيرهما. قال: وإن حفر بئراً، ووضع آخر حجراً؛ فتعثر إنسان بالحجر، ووقع في البئر؛ فمات – وجب الضمان على واضع الحجر، [أي]: وتتحمله عاقلته؛ لأنه سب دفعه إلى البئر، والسبب كالمباشرة؛ فيجعل ناصب الحجر كأنه باشر دفعه، ولو فرض ذلك، فالضمان على الدافع، وإن كان الهلاك لا يحصل بدفع الدافع لولا البئر؛ كما نقول بعدم وجوب الضمان على دافع الآلة إلى القاتل؛ وإن كان لا يحصل القتل بدون آلة. وهكذا لو وضع إنسان حجراً، وآخر حديدة؛ فتعثر مار بالحجر، ووقع على الحديدة؛ فمات – وجب الضمان على واضع الحجر على النص، وهو الصحيح في المهذب. وفيه [وفي] غيره: أن أبا الفياض البصري قال: إن كانت الحديدة سكيناً قاطعاً فالضمان على واضعها دون واضع الحجر فإن كان غير قاطع، وجب على واضع الحجر؛ لأن السكين القاطع موح. قال الماوردي: وهكذا قال فيمن دفع رجلاً على سكين [في يد] قصاب؛ فانذبح بها: إن ديته على القصاب دون الدافع. والإمام، والقاضي الحسين، وغيرهما قالوا في الأخيرة: إن حرك القصاب يده قريباً من جوف الملقي عليه فيجب الضمان عليه حينئذ، وألا فهو على الدافع. وهكذا لو حفر بئراً، ونصب آخر في أسلفها سكيناً؛ فوقع إنسان في البئر، وهلك من الحديدة، فالضمان على حافر البئر. وفي البيان وجه: أن الضمان على ناصب السكين خاصة. وقد أورد الإمام – على ما أجمع عليه الأصحاب [في مسألة الكتاب] –

стр. 7670

سؤالاً؛ فقال: الحجر سبب [في الدفع] وليس دفعاً، والبئر سبب في الهلاك، وليس إهلاكاً؛ فلا يبعد، من طريق القياس، وقد اجتمع السببان أن شترك المسببان في الضمان، وليس من الإنصاف أن يجعل الحجر كالدافع المباشر، ويجعل البئر على حقيقة السبب؛ فإن قدرت سبب الدفع دفعاً؛ فقدر سبب الهلاك إهلاكاً؛ فإنه لو ألقى ملقٍ إنساناً على سكين بيد إنسان؛ فتلقاه صاحب السكين؛ فالهلاك منهما، والضمان عليهما. وما ذكروه من إلقاء الواقف على السكين أظهر إشكالاً من هذا؛ فإن حل السكين، وإلقاءه ممكن فالاشتمال به، والتحمل عيه ليدوم منتصباً كيف يحيط؟ فليكن ما قاله الأصحاب مفروضاً حيث لا يتمكن صاحب السكين من إلقائه وطرحه. تنبيه: محل ما ذكرناه – كما اقتضاه كلام الشيخ – إذا كان الوضع في الطريق، وفي معناه إذا كان الحفر والوضع في ملك الغير بغير إذنه، والهالك غير متعد بالدخول. أما إذا كان الحفر والوضع في ملك فاعله، أو في غير ملكه، ولكنه فعل بالإذن – فلا ضمان. والرضا ببقاء المحفور هل يجعل كالإذن في الحفر؟ فيه وجهان مضيا عن الشامل وغيره في كتاب الغصب، والمذكور منهما في تعليق البندنيجي المنع، والأظهر في الرافعي: مقابله، وعليهما يخرج – كما قال الماوردي -: جواز الطم بعد ذلك بدون رضا المالك. ولو كان الدخول أيضاً بغير إذن، فهل يحال الهلاك على الدخول، أو على الحفر العدوان؟ فيه وجهان في التتمة. ولو كان وضع الحجر فيملكه، [أو] بإذن المالك، أو برزت نبلة من الأرض؛ كما قال الماوردي، والحفر أو وضع الحديدة غير مباح؛ فتعثر إنسان بالحجر، أو بالنبلة، ووقع في البئر، أو على الحديدة؛ فمات – فالضمان على
следующие страницы →