← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

أصحها: أنهم سواء؛ كما في الميراث. والثاني: [يقدم الأقرب]؛ لأن نصرة الحاضر أقوى؛ فيجب أن يكون أولى؛ ولأن في قسمتها على الحاضر والغائب مشقة. فعلى هذا: إن وفى المقسط على الحاضرين بالواجب فذاك، وألا انتقلنا إلى الغائبين، ووزعنا على كل منهم ما يقتضيه حاله؛ كما ذكرناه في الأبعد مع الأقرب. ولو كان بعض الغائبين داره أبعد من دار بعض، لم نوزع على الأبعد داراً إلا بعد التوزيع على الأقرب، ولم يحصل به تمام الواجب. وفي "التتمة" نصب الخلاف في مسألة الكتاب في أنه هل يجوز تخصيص الحاضرين؛ بناء على أنه لو كانت العاقلة كلهم حاضرينن لايجوز تخصيص بعضهم بالضرب؛ فإن جوزنا فيجوز تخصيص الحاضرين بلا خلاف. أما لو كان الغائب أقرب درجة، والحاضر أبعد، ففي "تعليق" القاضي أبي الطيب، والبندنيجي، و"الشامل": أنها على الغائب؛ لأن القرب في الدرجة هو المقدم على الحضور. وفي "الإبانة" حكاية القولين في هذه الصورة مقتصراً عليهما: أحدهما: يقدم الحضور. والثاني: يقدم الغيب. والقاضي الحسين والإمام والمصنف والماوردي حكوا القولين في الصورتين، والأقيس عند الإمام منهما: الثاني. [تنبيه: غيب: يجوز بضم الغين وتشديد الياء، ويجوز: "غيبٌ": بفتحهما وتخفيف الياء. قال أهل اللغة: يقال: غاب يغيب غيبة، وغيباً، وغياباً، وغيوباً، وغيبوبة، ومغيباً؛ فهو غائب، وهم غائبون، وغياب، وغب، وغيب، وغيبه]. ثم الغيبة المعتبرة فيما ذكرناه عند الغزالي: الغيبة التي تمنع التحصيل في سنة

стр. 7877

- يعني: بالمكاتبة إلى قاضي [ذلك البلد- وهذا احتمال أبداه الإمام لنفسه؛ [فإنه قال: وإذا] قلنا بجواز الأخذ من الحضور دون الأباعد؛ فيجب ألا يجري هذا في كل غيبة، وإن كانت إلى مسافة القصر؛ فإن الضرب يسهل على من يبعد عن مكان العقل مرحلتين، وكذلك لو زادت المسافة، وأقرب معتبر في هذا التعذر عندي يتلقى من الأجل الشرعي؛ فإن كان يمكن تحصيل الغرض من الغيب في سنة فليس الأمر متعذراً، وإن كان لا يتوصل إلى الضرب عليهم في كل سنة فيمكن أن يقضي عند ذلك بالتعذر، ويجري فيه القولان. وكلام الشافعي ﵁ في "المختصر" لا يساعده على ذلك، فإنه قال: إذا جنى [رجل] بمكة وعاقلته بالشام، [فإن لم يكن خبر قضى بالعقل، وقد قيل: نحمله على عاقلة الرجل ببلده، ثم أقرب العواقل، ولا ينتظر بالعقل غائب. وكذلك صور الماوردي والبندنيجي وغيرهما [محل القولين] بما إذا كان بعض العاقلة بمكة وبعضهم غيب بالشام] وقالوا فيما إذا فرعنا على تقديم الحاضر، ولم يوف الموزع عيهم بالواجب: أنا نقدم منهم من هو [مقيم] بالمدينة، دون من هو مقيم بالشام، وعلى هذا يظهر أن لا ضابط إلا مسافة القصر. قال: فإن عدم العصبات، أي: من النسب والولاء، وهناك مولى من أسفل - ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يعقل؛ لأنه ليس بمباشرلهن ولا له عليه ولاء؛ فأشبه الأجانب، ولأنه حكم من أحكام الولاء؛ فيختص بالمعتق كالميراث. والثاني: أنه يعقل؛ لأن المولى الأعلى إذا كان يتحمل عن الأسفل، وهو

стр. 7878

المنعم؛ فلأن يتحمل المنعم عليه عن المنعم أولى. ولأن العقل للنصرة، والعتيق أولى بنصرة معتقه؛ لإنعامه عليه، وهذا ما حكى القاضي أبو الطيب أنه نص عليه [هنا]، والبندنيجي أنه نص عيه في "الأم". ويخالف الميراث؛ لأن ذلك في مقابلة النعمة التي للمعتق؛ بسبب الإعتاق، ولا نعمة للعتيق على المعتق. وعلى هذا: لا يتعدى العقل إلى أحد من عصبات المولى الأسفل بحال؛ لأنه لا يتحمل الجناية عنهم؛ فلذلك لا يتحملون عنه. وفي "البيان": أن الذي يقتضيه المذهب أن يكون في عتيق العتيق القولان؛ لأن الجاني يتحمل عنه. ثم ظاهر كلام الشيخ: أنَّا على قول تحمل المولى من أسفل العقل يكون قبل بيت المال؛ كما صرح به في المهذب، وبه جزم القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي. وفي "ابن يونس": أن بعضهم رأى تأخيره عنه. قال: فإن لم يكن من يعقل، أي: إما لعدمه، أو لوجوده وإعساره –وجب في بيت المال، أي: إذا كان مسلماً؛ لأن مال بيت المال للمسلمين، وهم يرثونه؛ كما ترث العصبات، ويخالف الذميّ؛ فإنهم لا يرثونه، وإنما ينتقل ماله إلى بيت المال فيئا. وهكذا إذا وجدنا من يعقل، لكن فضل من الواجب شيء بعد التوزيع عليهم. قال: فإن لم يكن، أي: بيت المال، وقد عدم من يعقل – فقد قيل: [يجب] على الجاني، [وقيل: لا يجب [عليه]. هذان القولان –كما قال القاضي أبو الطيب وغيره – يبنيان على أن الدية تجب على الجاني، ثم تتحملها العاقلة، أو تجب عليهم ابتداء؟ وفيه القولان السابقان.

стр. 7879

فعلى الأول: تجب على الجاني]، وهو المختار في "المرشد"؛ لأنها وجبت عليه في الأصل؛ فإذا تعذر من يتحمل بقي الوجوب في محله، ولأن الأصحاب متفقون على وجوبها على الذميّ إذا لم يكن له عصبة. وعلى الثاني: لا تجب [عليه]؛ لوجوبها على غيره. وهما كالوجهين في زكاة الفطر إذا كان الزوج معسراً، والزوجة موسرة، وقطع القاضي الحسين بأن نوجب على الزوجة الفِطْرة، ولا نوجب على الجاني الدية، وإن قلنا: إنها تجب عليه ابتداء، ثم تنتقل إلى العاقلة. وفرق بأن الزكاة الأصل وجوبها على المكلف، غيرأنه يتحمل عنها الزوج لعارض؛ فإذا لم يجب عليه التحمل عاد إلى الأصل. ودية الخطأ الأصل وجوبها على العاقلة وأخذها من مالهم؛ فجاز ألا تعود إليه، وإن تعذر استيفاؤها منهم. قال الإمام: وما ذكره غير سديد، والأصحاب كلهم على ذكر الخلاف في الجاني، ويتفرع على الوجهين فروع: منها: إذا كان الجاني معسراً؛ فإن قلنا بوجوبها عليه، ثبتت في ذمته إلى أن يوسر، وإن قلنا: لا تجب عليه، بقيت ديناً في بيت المال، كما قاله الماوردي. وعن "شرح [مختصر" الجويني] وجه: أنها تجب على جميع المسلمين؛ كنفقة الفقراء. والقاضي الحسين حكى وجهين فيما إذا لم يكن في [بيت] المال شيء، ثم ظهر بعد ثلاث سنين، [من غير بناء: أحدهما: لا يؤدي منه؛ كما لو صارت العاقلة موسرين بعد ثلاث سنين]، لا تضرب عليهم. والثاني: يؤدي؛ لقوله – ﵇: "لا يترك في الإسلام مُفْرحٌ". ولأنه مرصد للمصالح، وهذا منها.

стр. 7880

[و [قد] قال الإمام: إن القاضي فرعهما على قولنا: إن القاتل لا يؤاخذ بالدية أصلاً. ثم قال]: وقد بنى على هذين الوجهين الخلاف في أن الجاني هل يغرم، أم لا؟ فإن قلنا: يؤخذ عند يسار بيت المال منه، لم تجب عليه، وألا وجبت عليه. ومنها: إذا أوجبنا عل ىلجاني؛ فهل تجب على ابنه وأبيه؛ كام تجب عليه؟ فيه وجهان: أحدهما – وبه قال أبو عليّ الطبري -: نعم، ونبدأ بهما قبل القاتل؛ لأنا [لا] نحمل الأب والابن؛ لأنهما بعضه؛ فإذا تحمل تحملا. قال الرافعي: وأقواهما عند البغوي: المنع؛ لأن الإيجاب على القاتل من جهة أنه الأصل، وغيره يتحمل عنه؛ فإذا تعذر التحمل طولب بحكم الأصل، وهذا المعنى لا يتحقق في الأب والابن، وهذا ما أبداه الشيخ في "المهذب" احتمالا، واختاره في "المرشد". والوجهان – كما حكاهما العمراني عن رواية الطبري – جاريان فيما إذا لم يكن للذمي عاقلة، وقال: إن الذي عليه الأكثرون: الأول، والذي صححه البغوي والإمام: الثاني أيضاً. قال: ولا يعقل فقير-أي: وإن كان معتملاً – لأن حمل العاقلة لإزالة الضرر عن ولي المقتول؛ كي لا يهدر الدم، وتخفيفاً عن القاتل، كي لا يذهب جميع ماله، ولا يجوز أن يزال الضرر عن إنسان بإلحاق الضرر بغيره، وفي إيجابه على الفقير إضرار به. ولأن ذلك طريق المواساة، والفقير ليس من أهلها؛ فلا تجب عليه كنفقة الأقارب. وبهذا يخرج إيجاب الجزية على الفقير على قولٍ، لأنها تجب عوضا عن حقن دمه، والسكنى في الدار والغني والفقير في ذلك سواء. وكذا يخرج به وجوب زكاة الفطر.

стр. 7881

قال القاضي أبو الطيب وغيره: لأن الزكاة تجب طهرة للصائم من الرفث، ولا تجب للمواساة، ولهذا يجب إخراجها عن العبيد، وليسوا من أهل المواساة. ومن هذا الفرق يظهر لك أن المراد بالفقير هاهنا: ليس من لا يملك شيئاً [أصلا]؛ فإنه لو كان كذلك لم تجب عليه زكاة الفطر، ولما حسن من الأصحاب ذكر الفرق؛ فتعين أن المراد به: من لا يملك ما يفضل عن كفايته على الدوام. قال: ولا صبي ولا معتوه؛ لأن حمل العقل مبني على النصرة، وليس الصبي والمعتوه من أهلها؛ لأن من لا عقل له ولا تمييز لا يصح منه النصرة بالفعل ولا بالرأي، وهذا بخلاف الشيوخ والزمنى والعميان والشباب الضعفاء؛ فإنهم يتحملون العقل، كما حكاه القاضي أبو الطيب، وإن عجزوا عن النصرة بالفعل؛ لقدرتهم على النصرة بالقول والرأي؛ فإن النصرة ليست كلها بالسيف، وإنما هي بالسيف والرأي وبالكلام. وفي "المهذب" و"الحاوي" حكاية وجه في الشيخ الهِمَّ والمريض البالغ حدّ الزمانة: أنه لا يحمل؛ بناء على القول بامتناع قتل مثله من المشركين إذا أسر. وحكاه الفوراني في الزَّمِن –أيضاً – بناء على ضرب الجزية [عليه]، وقال به أبو علي بن أبي هريرة في "التعليقط فيما إذا كان زمناً من يديه ورجليه. وقال القاضي أبو الطيب: إنه خطأ. وقدحكاه الرافعي في الأعمى أيضاً. والمذهب – كما قال القاضي أبو الطيب -: الأول؛ لما ذكرناه. فإن قيل: إذا اتبعتم النصرة بالرأي والكلام دون الفعل، فينبغي أن تعقل النساء؛ لأن لهن رأياً وكلاماً، وقد اتفق الأصحاب على أنهن لا يعقلن. قلنا: جوابه من وجهين. أحدهما: أن رأيهن ناقص. ثم لو سلم كماله في بعضهن، فقد منع منه قضاء رسول الله ﷺ في المرأة التي حكم عليها بالغرة لما توفيت: بأن ميراثها لبنيها، وبالعقل على عصبتها،

стр. 7882

والنساء لا تعصيب لهن؛ ولهذا المعنى لم يذكرهن الشيخ؛ لأنهن خرجن بقوله: والعاقلة العصبات. قال: ولا مسلم عن كافر، [ولا كافر عن مسلم]؛ لأنه لا موالاة بينهما، ولا توارث؛ فانتفت المناصرة. نعم، الذمي يعقل عن الذميّ الموافق له في الملة؛ لأن المناصرة بينهما في الحق موجودة لا تمنعها الذمة. وهل يعقل عنه مع اختلاف الملة كاليهودي عن النصراني، أم لا؟ فيه قولان في "النهاية" و"تعليق" القاضي الحسين: وأظهرهما فيه، وهو المذكور في "الحاوي" و"تعليق" البندنيجي: نعم؛ لأن الكفر كله ملة واحدة. والثاني: لا، والكفر مِلَل. وهكذا الخلاف في ميراث أحدهما من الآخر، كما مر. وهل يعقل الحربي عن الذميّظ أطلق المصنف وغيره: المنع. وقال في "التتمة": إن قدر الإمام على الضرب عليهم، فينبني على أن اختلاف الدار هل يقطع التوارث؟ إن قلنا: نعم، امتنع العقل، وإلا فوجهان؛ لانقطاع المناصرة باختلاف الدار. والمعاهد كالذمي، فيحمل عنه الذميّ، ويتحمل عن الذميّ، إذا زادت مدة العهد على أجل الدية، ولم تنصرم قبل مضي الأجل، ولا خلاف في أن الذمّي لا يعقل عن المرتد، كما لا يعقل المرتد عنه. قال: وإن أرسل الكافر – أي: المحقون الدم –سهما، أي: على طائر، أو صيد، كما قاله في "المهذب"، ثم أسلم، ثم وقع سهمه فقتل، أو رمى مسلماً، ثم ارتد، ثم وقع سهمه، فقتل – كانت الدية في ماله. أما في الأولى، فلأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته الكفار؛ لوقوع القتل في حال الإسلام، ولا على عاقلته المسلمين؛ لتحقق السبب الداخل تحت الاختيار في

стр. 7883

حالة الكفر، فتعين إيجابها في ماله، صيانة للحق عن الضياع. وأما في الثانية، فلأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته المسلمين؛ لوقوع القتل في الكفر، ولا على عاقلته الكفار؛ لأنه لا عاقلة له منهم كما ذكرناه؛ فتعين إيجابها في ماله، وهذا مأخذه القاعدة التي ذكرتها عن القاضي الحسين في باب من لا تجب عليه الدية بالجناية. وهكذا الحكم على ما لاقه القاضي الحسين فيما إذا رمى من أبوه رقيق وأمه معتقة سهما، فقيل أن يصيب السهم عتق أبوه، ثم أصاب سهمه إنساناً – تجب الدية في ماله؛ لأنه لا يمكننا أن نوجبها على موالي أمه؛ لأن الولاء انجر [بعتق الأب] إلى موالي الأب؛ فالإًابة حصلت، ولا ولاء لم عليه، ولا على موالي الأب؛ لأن السبب وجدن ولا ولاء لهم عليه. وقد ذكرنا ثم أن الرامي وهو مسلم، إذا ارتد، ثم عاد إلى الإسلام قبل الإصابة: أن العاقلة لا تحمل عنه على المذهب، وعلى قول: تجب على عاقلته المسلمين. ولو كان الكافر قد قطع يد إنسان، ثم أسلم، ومات المقطوع – قال الماوردي والمصنف: تحمل ديته الكاملة عاقلته الكفار، دون المسلمين؛ لحدوث الجناية في الكفر وإن استقرت بعد إسلامه؛ ولذلك لم يسقط عنه القود إسلامه، بخلاف إرسال السهم، لأن هاهنا وجدت الجناية مع القطع، وثَّم حدثت بعد إرسال السهم. قال الماوردي: وهكذا الحكم لو كان القاطع مسلما، فارتد عن الإسلام، ومات المقطوع – عقله عنه عصباته المسلمون. وهذا ما حكاه الرافعي في الصورة الأولى وجهاً. وحكى عن ابن الحداد أن الواجب على العاقلة نصف الدية، والباقي في ماله، وأن أكثر الأصحاب [ساعدوه. وبهذا أجاب القاضي الحسين في باب صفة العمد، واختاره صاحب "المرشد"، وهو مطرد عند ابن الحداد والأصحاب] في حر أمه معتقة وأبوه رقيق جرح إنساناً، ثم أعتق أبوه، ثم مات المجني عليه: أنه يجب على موالي الأم مقدار أرش الجناية، والباقي يجب على الجاني؛ لأنه لا يمكن إيجابه على

стр. 7884

معتق [الأم؛ لأنه خرج بإعتاق الأب عن استحقاق الولاء، فلا يلزمه ما يجب بعد ذلك. ولا يمك إيجابه على معتق] الأب؛ لأنه وجب بسراية جناية وجدت قبل انجرار الولاء إليه، فلا يلزمه تحمله. ولا يمكن إيجابه في بيت المال؛ لأنه لا يحمل عن المعتق مع وجود معتقه؛ فتعين ضربه عليه. وقد أبدى الإمام – في هذه الصورة – احتمالاً في الضرب على بيت المال؛ لأنه إذا تعذر الضرب على المعتق كان كمن لا معتق له، وهذا الاحتمال لا يجري في مسألتي الذمي والمرتد؛ لأن بيت المال لا يحمل عنهما. ولا شك أن وجه ابن الحداد يجري في الصورة الثانية جزما؛ إذ لا فرق بين الصورتين. وقد قال الرافعي: إن الخلاف في الصورة الألوى ربما بني على الخلاف فيما إذا جرح ذميّ ذميا، ثم أسلم الجارح، ومات المجروح: هل يقتص منه؟ إن قلنا: نعم، اعتباراً بحالة الجرح، فجميع الدية عليهم، وإن قلنا: لا يقتص، لم يلزمهم كمال الدية. وهذا قضية القاعدة التي ذكرناها عن القاضي الحسين من قبل، ومقتضاه: أن يكون الراجح عند الجمهور ما ذكرناه عن الماوردي، وعند الإمام والمتولي: مقابله. وقد اتفق الفريقان على أن الذمي لوقطع في حال كفره يدي المجني عليه أو رجليه: أن جميع الدية على عاقلته الذميين، وكذلك لو كانت جناية المعتقة أمه مباشرة أو بالسراية في حال رق أبيه، أرشها قدر الدية أو أكثر، تحملها عاقلة الأم، لأن الجراحة حين كان الولاء لهم، فوجب هذا القدر، والمعتبر: ألا يزيد قدر الواجب على المتحمل في حالة الجناية الحاصلة من بعد، وهذا يضعف البناء المذكور، لأن الخلاف في جريان القصاص جار هاهنا. فروع: الفرع الأول: إذا جنى ذمي جناية خطأ على رجل ثم أسلم الجاني، ثم جنى جناية أخرى على المجني عليه أولاً خطأ، ومات من الجنايتين –كان على عاقلته من المسلمين نصف الدية، وعلى عاقلته من أهل الذمة أرش الجناية التي وجدت في حال الكفر، فإن كان أرشها أقل من نصف الدية وجب تمام النصف من

стр. 7885

مال الجاني، بناء على أصل ابن الحداد، وقد صرح به في "الفروع". ولو كانت الجراحة بعد الإسلام مذففة، فقد قال الشيخ أبو عليّ: إن أرش الجراحة الواقعة في الكفر على عاقلته الكفار، والباقي إلى تمام الدية على عاقلته المسلمين. وفي "النهاية" و"البيان": أن هذا جواب على قول ابن سريج والإصطخري: أن أرش الطرف لا يدخل في دية النفس إذا حصل تلفها بالمباشرة دون السراية. وفي "النهاية" و"البيان": أن هذا جواب على قول ابن سريج والإصطخري: أن أرش الطرف لا يدخل في دية النفس إذا حصل تلفها بالمباشرة دون السراية. أما إذا قلنا: تدخل، كما تدخل إذا سرت الجراحة إلى النفس – وهو المذهب كما تقدم – فجميع الدية على عاقلته المسلمين، وهو كذلك في شرح الفروع للقاضي أبي الطيب. [الفرع الثاني:] إذا جرحه وهو مسلم، ثم ارتد، ومضى عليه في الردة زمان يسري فيه الجرح، ثم عاد إلى الإسلام، ومات المجروح – فقولان: أحدهما: أن جميع الدية على عاقلته، اعتباراً بالطرفين. والثاني: أن على عاقلته أرش الجراحة، وما زاد [على الأرش] إلى تمام الدية في مال الجاني. وقال في "المهذب" عوض هذا: إنه يجب عليه نصف الدية، وعلى العاقلة نصف الدية، واختاره في "المرشد". وجزم جازمون بوجوب الجميع على العاقلة إذا قصر زمان الردة المتخللة، وخصصوا القولين بما إذا طال زمانها. قال في "التهذيب": ويجيء وجه: أن على العاقلة ثلثي الدية، لوجود الإسلام في الأول والأخير. ولو كان الذمّي قد حفر [ئراً عدواناً]، ثم أسلم، فتردى فيها إنسان – تجب الدية في ماله، قاله القاضي الحسين في باب صفة العمد. [الفرع الثالث:] إذا لم يتغيرحال الرامي [لكن تغير حال المرمى] إليه قبل الإصابة، بأن رمى إليه وهو حربي، أو مرتد، ثم أسلم، ووقع به السهم، وأوجبنا ديته – ففي تحملها على العاقلة وجهان، قدمت ذكرهما، والذي ذكره القاضي أبو الطيب منهما في شرح الفروع عند الكلام فيما إذا ضرب بطن حربية

стр. 7886

حامل، فأسلمت، ثم وضعت: أنها على العاقلة، وحكاه عن نص الشافعي، وأن أصحابنا لم يختلفوا فيه. وكلام ابن كج يقتضي الجزم بالوجوب على الجاني؛ لانه قال فيما إذا أصاب سهمه من أسلم، وكان مرتداً عند الرمي، ولم يقصد إلى رميه -: تكون الدية في ماله، لا على عاقلته؛ لأنهم يقولون: إنك لما أرسلت السهم، كان الرمي مهدراً لا يلزمنا شيء في قتله. ومن يوجبها في ماله إذا لم يقصد الرمي إليه، فأولى أن يوجبها فيه إذا قصد. وهما جاريان –كما ذكرنا – فيما إذا رمى إلى شخص ظنه حربيًّا في دار الشرك، فكان مسلماً. ولو رمى إلى شخص ظنه شجرة، أو ظبية، فكان إنساناً، فالظاهر – وبه قطع الشيخ أبو محمد -: أنه على العاقلة؛ كما لو رمى إلى صيد، فعرض له في الطريق إنسان، فأصابه. وقربه الإمام من مسألة الرمي إلى من ظنه حربيًّا. تنبيه: عدول الشيخ عن قوله: "وجبت الدية في ذمته" كما ذكره في "المهذب"، إلى قوله: "وجبت في ماله" – كما قاله في "التهذيب" أيضاً – لنفي توهم تعلقها بمال المرتد، [بناء] على قولنا: إن الردة تزيل ملكه، ووجوب الدية وجد بعد زواله، كما صار إليه بعض الأصحاب، كما سنذكره في باب قتل المرتد، وإلا فهي متعلقة بذمته، مؤجلة في ثلاث سنين، وإذا مات أو قتل قبل انقضائها، سقط الأجل، وأخذت من ماله، صرح به البغوي وغيره. ويأتي فيه الوجه الذي سنذكره فيما إذا أقر الجاني بجناية الخطأ، وكذبته العاقلة، ومات: أن الأجل لا يسقط، كما حكاه في "التهذيب". قال: ويجب على الغني نصف دينار، لأن أقل ما يواسي به الغني في زكاته نصف دينار من عشرين ديناراً، فحمل الغني نصف دينار؛ لأن الزيادة عليه تئول إلى الإجحاف، ولا تقف على مقدار. قال: وعلى المتوسط ربع دينار؛ لأنه إذا لزم الغني نصف دينار وجب أن

стр. 7887

يقتصر من المقل على نصفه، كما أن نفقة المعسر نصف نفقة الموسر. ولك في الاستدلال طريق آخر، فتقول: لا يمكن إيجاب قدر تافه على المتوسط؛ لأنه لو اقتصر عليه لجاز الاقتصار على القيراط والحبة، وذلك مما لا يفي بالدية؛ فيفوت المقصود، وينهدر الدم؛ فوجب اني جب عند القتل ما ليس بتافه، وحده ما يقطع به السارق؛ لقول عائشة – ﵂: "لَمْ تَكُنِ الْيَدُ تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الشَّيءِ التَّافِهِ"، وقد قال ﷺ : "الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ". وإذا لزم المقل ربع دينار، وجب أنا يضاعف في حق المكثر، فيلزمه نصف دينار، كما يلزم الموسر في النفقة مِثْلا نفقة المعسر. قال: في كل سنة – أي من السنين الثلاثة- لأنه حق تعلق بالحول يجب على سبيل المواساة؛ فتكرر بتكرر الحول كالزكاة، وهذا أصح في "الرافعي"، وأظهر عند القاضي الحسين، وبه قال أكثر الأصحاب، كما قال الماوردي، واختاره في المرشد، فيكون –حينئذ – الواجب: على الغني في السنين الثلاثة دينار ونصف، وعلى المتوسط نصف وربع دينار. قال: وقيل: لا يجب أكثر من النصف، أي على الغني، والربع، أي: على المتوسط، في الثلاث سنين؛ لأن الأصل عدم الضرب؛ فلا يخالف إلا في هذا القدر، وهذا يحكي عن ابن سريج، وابن القاص. قال الماوردي: فعلى هذا يكون المأخوذ من المكثر، في كل سنة سدس دينار، ومن المقل نصف سدس دينار. وفي "ابن يونس": أن المحاملي حكى أن ابن سريج قال: يؤخذ منه هذا القدر دفعة واحدة. وفي "تعليق" البندنيجي: أن ابن سريج قال: الدينار ونصف لا ينقص عنه الغني، وكذلك المتوسط لا ينقص عن نصف وربع دينار، لكن يستوفي من

стр. 7888

الغني [ذلك] في تسع سنين، في كل ثلاث سنين نصف دينار، ويستوفي من المتوسط ذلك في تسع سنين في كل ثلاث سنين ربع دينار. قال الماوردي: ثم معلوم أن قيمة كل بعير من إبل الدية أكثر من نصف دينار، ولا يمكن أن يتجزأ، فينفرد كل واحد منهم بجزور قيمته نصف دينار؛ [يجب أن يشترك في أداء البعير الواحد العدد الذي يكون قسط الواحد من ثمنه نصف دينار] إن كان مكثراً، وربع دينار إن كان مقلاً، ولا يجوز أن يدفع كل واحد منهم جزءاً، كما قاله ابن الصباغ؛ لأن في لك إضراراً بالجميع. واعلم أن هذا الكلام من الأصحاب لا يمكن جمعه، مع ما حكيناه عنهم في أوائل الديات: أن إبل العاقلة إذا اختلفت أنواعها، وجب على كل منهم من نوع إبله حتى لو اختلفت أنواع إبل الواحد منهم يؤخذ من أغلبها، أو من الجميع بالقسط، لأن الحيوان الواحد لا يمكن أن يكون من نوعين، فضلاً عن أكثر منهما، فتأمل ذلك. وقول القاضي الحسين: إن للإمام [أن يضرب الدية عليهم بالإبل، فيضرب على جماعة بعيرا، فإن شق وتعذر فله] أن يضرب عليهم الدنانير، ثم لا يجبر ولي الدم على قبولها، بل له أن يكلف [الإمام] حتى يصرفها إلى الإبل – لا ينفي هذا السؤال. نعم، هذا منتظم مع ما حكيناه عن رواية الإمام عن بعض الأصحاب: أن الاعتبار يغلب إبل البلد، والله أعلم. ثم إذا أعوزت الإبل – عدلنا إلى الدنانير أو الدراهم، إما مقدرة بألف دينار، أو باثني عشر ألف درهم على قوله [في] القديم، أو بقيمة مائة بعير على قوله [في] الجديد، ويجيء [الإشكال] في أي نوع تقوَّم: فإن قلنا بالقديم، وكان من أهل الدراهم – تحمل المكثر منها ستة دراهم، والمقل ثلاثة [دراهم]؛ لأن الدينار منها مقابل لاثني عشر درهما. وإن

стр. 7889

كان من أهل الذهب، فعليهما ما ذكره الشيخ. وإن قلنا بالجديد قومت بنقد البلد، فإن كان دراهمن قال الماوردي: ففيه وجهان محتملان: أحدهما: انه يتحمل المكثر منها ستة دراهم، والمقل ثلاثة دراهم، على ما ذكرنا؛ اعتباراً بقيمة الدينار على عهد رسول الله ﷺ . والوجه الثاني: أنه لما عدل بالإبل إلى قيمة الوقت، وجب أن يعدل بالدنانير إلى قيمة الوقت، فيحمل المكثر من الدراهم قيمة نصف دينار بسعر وقته، والمقل قيمة ربع دينار؛ لأن الدينار في وقتنا أكثر قيمة منه في وقت الرسول، صلوات الله عليه وسلامه. واعتبار القيمة يكون وقت الدفع؛ لأنه وقت وجوب القيمة، فلو وجدت الإبل، أو شيء منها قبل الدفع، فهو الواجب، ولو وجدت بعد الدفع، لا يرد ما أخذ، ويطالب بالإبل، صرح به الماوردي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهم. ثم ما ذكرناه من إيجاب نصف دينار أو ربع دينار على الشخص الواحد، مفروض فيما إذا كان المخاطب بالأداء عصبات الجاني، أو معتقه إذا كان واحداً، أو عصبات معتقه المنفرد بعتقه. فلو اشترك جماعة في عتقه وجب على كل منهم بقدر حصته من نصف دينار، إن كان مكثراًن أو [من] ربع دينار عن كان مقلاً. ويجب على كل من عصبات [كل من] المعتقين قدر ما كان يجب على المعتق نفسه، بحسب السعة والضيق، صرح به القاضي الحسين والإمام. ولو كان المخاطب بالأداء الجاني، لعدم العاقلة، أو عجز بيت المال، فالدية عليه مقسطة في ثلاث سنين، كما تقسط على بيت المال، لو كان موجوداً، صرح به الإمام وغيره من العراقيين في كتاب المرتد، وغيره. وكذا إذا كانت

стр. 7890

العاقلة موجودين، وفضل بعد التوزيع عليهم شيء، وعجز عنه بيت المال – يوزع الباقي على ثلاث سنين، صرح به الرافعي. وحكى الإمام فيما إذا كان الجاني ذميا، ولا عاقلة له، وقلنا: يتحمل أبوه وابنه العقل معه –أن الأصحاب اختلفوا في المقدار المضروب. فمنهم من قال: لا يزيد ما يضربه على نصف دينار، على قياس الضرب على العواقل. ومنهم من قال: الدية مضروبة على القاتل وأبيه وابنه أثلاثاً؛ فإن هذا ليس على قياس الضرب على العواقل. وهذا لا يتخيلن فضلا [عن] ان يعول عليه. قلت: وقريب منه ما حكيناه عن [رواية] القاضي الحسين، فيما إذا كان الجاني خطأ عبدا – أن دية الخطأ إنما تجب مؤجلة إذا تحملها العواقل، لا غير. قال: ويعتبر حاله في السعة والقلة عند الحلول، يعني: في الفقر والغنى والتوسط؛ لأنه حق مالي يتعلق بالحول على سبيل المواساة، فاعتبر حاله عند الحول؛ كالزكاة، فعلى هذا: لو كان موسراً أو متوسطاً في [أول الحول، ثم أعسر في آخره – لم يجب عليه من قسط ذلك الحول شيء. ولو انعكس الحال [فكان] فقيراً في ابتداء الحول، مكثراً أو متوسطاً في] انتهائه – وجب عليه قسط ذلك الحول. قال في "التتمة": وهذا بخلاف ما لو كان صبياً أو معتوهاً أو رققاً في أول الحول، ثم صار عند انتهائه بالغاً أو عاقلاً أو حرًّا – لا تؤخذ منه حصة تلك السنة. والفرق: أن الفقير مستجمع لصفات الكمال؛ فهو من أهل النصرة، وإنما اعتبر المال؛ للتمكن من الأداء؛ فاعتبر آخر الحولن وهؤلاء ليسوا من أهل الكمال. نعم، هل يلزمه قسط السنتين الباقيتين؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن الواجب في الأحوال واحد؛ لان سببه واحد، إلا أنه مُنجَّم، فإذا لم يكن الشخص بصفة الكمال في الابتداء لم يدخل في التوزيع.

стр. 7891

وحكى في "التهذيب" الوجهين في قسط السنة الأولى، وصحح المنع، وقاس مقابله على اليسار بعد الإعسار، وجزم بوجوبحصة الحول الثاني والثالث. واعلم أن الأصحاب اختلفوا فيما يضبط به اليسار، والتوسط هاهنا: فالذي أورده في "التهذيب" أن الاعتبار بالعادة، وأن ذلك يختلف بالبلدان والأزمان، ورأى الإمام: الأقرب اعتبار ذلك بالزكاة؛ كما اعتبر قدر الواجب بالزكاة، فقال: إن كان يملك عشرين ديناراً في آخر الحول فهو غني، لكن يفارق ما تجب فيه الزكاة من وجهين: أحدهما: أنه لا يشترط أن يملك النقد، أو شيئاً من الأموال الزكاتية، بل إذا ملك ما يساوي هذا القدر من سائر الأموال، كان كما لو ملك هذه الأموال. والثاني: يشترط أن يكون ما يملكه فاضلاً عن مسكنه وثيابه وسائر ما لا يكلف في الكفارة بيعه وصرفه إلى ثمن الرقبة، وهذا لا يشترط في الزكاة. والمتوسط هو الذي يملك [أقل من] ذلك، لكنه يفضل عن حاجته، ويشترط أن يكون فوق القدر المأخوذ وهو ربع دينار؛ كي لا يرده أخذه منه إلى حد الفقر. قال: فإن قسط عليهم، فبقي شيء، أخذ من بيت المال؛ لانه منزل على الميراث، وهذه رتبة المال في الميراث، فلو لم يكن في بيت المال شيء، فهل يجب على الجاني؟ فيه الخلاف السابق. قال: وإن زاد عددهم على قدر الثلث، يعني: إذا كان في درجة واحدة أشخاص، بحيث إذا قسم الواجب في تلك السنة عليهم خص الغني دون النصف دينار، والمتوسط دون الربع دينار – ففيه قولان: أحدهما: يقسط عليهم، وينقص كل واحد عن النصف والربع؛ لأنه حق يُستحق بالتعصيب، فقسم قليله وكثره بين الجميع كالميراث، ولأنهم استووا في الدرجة والتعصيب؛ فوجب أن يستووا في الحمل؛ قياساً على ما إذا كان العقل وفقهم لا يزيد عليهم، وهذا هو الأصح والمختار في "المرشد". والثاني: يقسط الإمام على من يرى منهم؛ لأن في تقسيط القليل على الجميع مشقة.

стр. 7892

قال الماوردي: والأولى أن نفضها على من كان أسرع إجابة إليها. وفي "الجيلي": أن خيرة التعيين هل تثبت للمجني عليه؟ فيه وجهان. قال: ومن مات من العاقلة قبل محل النجم، سقط ما عليه –أي: من قسط ذلك النجم – كما لا تجب الزكاة عليه قبل الحول، وهذا بخلاف ما لو مات الذمي [في أثناء] الحول؛ فإنا نأخذ منه جزية ما مضى على طريقة تأتي، لأن الجزية بدل السكن، كالأجرة، أما قسط النجم الذي قبله، فلا يسقط بموته إذا كان موسراً في آخره؛ لأنه حق استقر في حال الحياة؛ فوجب ألا يسقط بالموت كالزكاة. قال الإمام: وهذا يخرج منه أنا لا نحكم بأن الدية تجب مؤجلة على العاقلة، بل نقضي بأن ابتداء وجوبها في آخر السنة، وهذا فيه تعقيد؛ فإن الدية إن كانت واجبة فلتجب على العاقلة، ولتكن مؤجلة عليهم، فإن لم تكن واجبة فهذا يبعد عن قياس الصول؛ فإن موجب الدية القتل، وقد وقع؛ فكان الأصل لوجوب الدية على العاقلة، وهذا أصل بدع لا نظير له. والأوجه أن يقول: وجبت الدية بالقتل وهي متأصلة، ولكنا لا نضيف وجوبها إلى العاقلة، فإن كانوا فقراء تبينّا أن وجوبها لم يتعلق بهم، ولكنَّ متعلقةٌ ببيت المال. والدليل عليه: أنا لا نبتدئ بضرب مدة في حق بيت المال عند افتقار العاقلة في الجزء الأخير، وكذلك إذا لم يكن في بيت المال شيء – لا يبتدئ [الأجل

стр. 7893

للأخذ] من القاتل على أحد القولين، والله أعلم. فرع – نختم به الباب -: إذا أقر الجاني بجناية الخطأ أو شبه العمد، فإن صدقه العاقلة فعليهم، فإن لم يكن له عاقلة، وصدقه الإمام – فهي في بيت المال، كما حكاه البغوي عن شيخه. وإن كذبه العاقلة والإمام في أصل القتل، لم يقبل إقراره عليهم، ولا على بيت المالن ولكن تحلف العاقلة على نفي العلم، فإذا حلفوا، كانت الدية على المقر؛ لأنه لا سبيل إلى التعطيلن وقد تعذر التحمل، ويروي أنه ﷺ قال: "لاَ تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْداً وَلاَ اعْتِرَافاً". قال الإمام: ولم يخرج الأصحاب الوجوب على المقر، على الخلاف [في] أنه يلاقي الجاني ابتداء وتتحمله العاقلة، [أو يلاقيها] ابتداء؟ ولا يبعد عن القياس أن يقال: إذا لم يلاقِ الوجوب الجاني لا يلزمه شيء؛ لأنه إنما أقر عليهم، لا على نفسه، لأن الخطأ يلزم [عليهم الدية]، فإذا لم يقبل عليهم، وجب ألا يقبل الوجوب، ولست أحمل ترك الأصحاب لهذا إلا على ظهوره عندهمن وطلبهم أن يفرعوا على القول الآخر، وهذا ما حكاه البغوي وغيره عن المزني، والمذهب المنقول الأول. ثم أيده الإمام باتفاق الأصحاب على وجوب [الدية] على الذمي إذا لم يكن له عاقلة. أما إذا اعترفت العاقلة بالقتل، وأنكرت كونه خطأ، وادعى هو ذلك – فيظهر أن يقال: إن القول قوله؛ لأنه أعرف بقصده إذا لم يكذبه الظاهر. لكن قضية ما حكيناه عن الماوردي في باب ما تجب به الدية من الجنايات، [عند] الكلام فيما إذا رمى عشرة أنفس [حجراً] بالمنجنيق – يقتضي خلافه، فتأمل ذلك. ثم الدية تتأجل على المقر بالجناية الخطأ أو عمد خطأ، كما تتأجل على العاقلة في ثلاث سنين، وهل يحل عليه الأجل إذا مات؟ فيه وجهان:

стр. 7894

أحدهما: لا، لأن الأجل يلازم دية الخطأ شرعاً، فلم يحل عليه بموته، كما لا يحل على العاقلة بموتها، [وهذا ما ادعى القاضي الحسين في أوائل باب الشهاة بالجناية: أنه المذهب. وفرق بين ذلك، وبين الدين عليه حيث يحل بموته: بأن الأجل إنما يثبت باستمهاله لأجل التمهل، وبالموت خرج من أن يتمهل؛ فحل. وأما الأجل في باب الدية فثبت بأصل الشرع؛ فلا يحل بموته؛ كما لا يحل على عاقلته]. وأصحهما في "التهذيب"، وبه جزم البندنيجي، والقاضي أبو الطيب في كتاب حكم المرتد -: الحلول. قال في "التهذيب": لأن ذلك بعد موته يتعلق بالتركة، ولا أجل في الأعيان، بخلاف العاقلة؛ لأن الوجوب عليها من طريق المواساة؛ فسقط بموته قبل الأجل الوجوب على الجاني؛ نظراً للمستحق حتى لا يضيع حقه، فإذا مات من عليه، أخذ من تركته. وما ذكره البغوي من علة الوجه الثاني يؤيد قول من قال: إن دية الخطأ تتعلق برقبة العبد حالَّة، وهذا ما تقدم مني الوعد به. ولو مات الجاني – والحالة هذه – معسراً ففي "التهذيب": أنه يحتمل أن تؤخذ الدية من بيت المال كمن لا عاقلة له، ويحتمل ألا تؤخذ كما لو كان معسراً في حال الحياة. ولو غرم، ثم اعترفت العاقلة – فإن قلنا: الوجوب يلاقي الجاني، فلا يرد الولي ما أخذ، ويرجع الجاني على العاقلة. وإن قلنا: يلاقي العاقلة ابتداء، فتغريم الجاني كتغريم الغاصب البدل، عند إباق العبد من يده، فيرد إلى الجاني ما أخذ منه؛ كما يرد للغاصب ما بذله عند عود العبد، ويبتدئ الولي مطالبة العاقلة. واعلم أن دعوى قتل الخطأ وشبه العمد، مسموعة على العاقلة، وكذا على الجاني ابتداء، حتى قال في "التهذيب": إذا ادعى عله، فنكل وحلف المدعي عليه- فإن جعلنا اليمين المردودة كإقرار المدعي عليه، وجبت الدية على المدعي عليه إن كذبت العاقلة المدعي. وإن قلنا: إنها كالبينة، فالدية على العاقلة، وقيل: إنها على المدعي عليه؛ لأنها إن جعلت كالبينة فذاك في حق المتداعيين دون غيرهما، والله أعلم.

стр. 7895

باب كفارة القتل الكفارة مأخوذة من التكفير، وهو: الستر؛ فكأنها تغطي الذنب وتستره، وقد قدمت ذلك في باب كفارة اليمين. والأصل في وجوبها بالقتل على الجملة قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [النساء: ٩٢]. والاستثناء هاهنا منقطع عند بعضهم؛ فيكون بمعنى: لكن، وعند بعضهم [تكون "إلا"]، بمعنى: ولا؛ فيكون كأنه تعالى قال: [﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً﴾: أن يقتل مؤمناً ولا خطأ؛ مثل قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. قال البندنيجي: وهذا تأويل أبي عبيدة، وعند بعضهم: أن في الآية ضميراً محذوفاً، وتقديره]: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً، ومن قتل مؤمناً فهو آثم، إلاَّ أن يكون خطأ؛ فإنه لا يأثم. وحذف ذلك؛ لأن في الآية ما يدل عليه. قال القاضي أبو الطيب: وهذا هو الصحيح. ومعنى قوله تعالى: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أي: في قوم، كما قاله الشافعي ﵁ وقد روي ذلك عن ابن عباس، ﵄. وما روى وائلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صل الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل. وروى: استوجب النار بالقتل - فقال النبي ﷺ : "أَعْتِقُوا عَنْهُ". وفي رواية:

стр. 7896

"فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً يُعْتِقِ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ". قال: إذا قتل، أي: من هو من أهل الضمان، مكلفاً كان أو غير مكلف، من يحرم قتله لحق الله – – أي: حرًّا كان أو عبداً، مسلماً كان أو ذميًّا أو معاهداً. قال: عمداً [كان] أو خطأ، أو فعل به شيئاً فمات به، أو ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً [ميتاً]، أي: وما في معناه- وجبت عليه الكفارة: أما في الخطأ، للآية والإجماع. وأما في العمد؛ فللحديث السابق؛ فإن القاتل لا يستوجب النار إلا في قتل العمد. وقد روي أن عمر بن الخطاب-﵁ – قال: يا رسول الله، إني وأدت في الجاهلية؟ فقال: "أعتق عن كل موءودة رقبة". وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تحفر تحت الحامل إذا ضربها الطلق حفرةً تسقط فيها ولدها إذا وضعته: فإن كان ذكراً أخرجوه وإن كان أنثى طموا عليه التراب حتى يموت، وهذا قتل عمد وقد أمر فيه بالكفارة، وظاهر الأمر الوجوب، ولأنه قتل آدمي محقون الدم لحرمته، فوجب أن تجب به الكفارة كما إذا كان القتل خطأ. وقولنا: "محقون الدم"، يحترز به عن الزاني المحصن والمرتد. وقولنا: "لحرمته"، يحترز به عن نساء أهل الشرك وذراريهم قبل ملكهم، كما احترز الشيخ عنهم بقوله:"لحق الله تعالى"؛ فإن قتلهم محرم لا لحرمتهم، بل لصيانة حق المسلمين في تملكهم، وقتل المرتد والزاني المحصن إذا قتلهما غير الإمام، [وقتل نساء أهل الذمة وذراريهم] – وإن كان حراماً – فليس لحق الله – تعالى – وإنما لما فيه من الافتيات على الإمام [وتفويت

стр. 7897

مال على المسلمين]. قال الشافعي – ﵁: ولأنه قتل تتعلق به الكفارة [إذا أخطأ؛ فوجب أن يتعلق به وجوب الكفارة] إذا كان عمداً، أصله: قتل الصيد. وإذا ثبت وجوبها في قتل العمد، [وفي] الخطأ – ثبت في قتل [عمد] الخطا من طريق الأولى؛ ولهذا الأولوية لم يذكره الشيخ. وأما إذا فعل به شيئاً [مات [به]، كما إذا شهد عليه بالزور، أو أكرهه على قتله، أو حفر بئراً فتردى فيها] فمات، أو رش الطريق، أو طرح فيه حجراً، أو قشر بطيخ، أو باقلاء، ونحو ذلك، فمات به – فلعموم الآية والخبر؛ فإنه ليس فيهما تفرقة بين القاتل بسبب وبغيرسبب، ولأنه حق مال يتعلق [بقتل المباشرة]، فتعلق بقتل السبب، أصله الدية، بل أولى؛ لأن الكفارة تجب في موضع لا تجب فيه الدية. وأما في الجنين؛ فلما روي أن عمر – ﵁ – قضى فيه بالدية والكفارة، ولا مخالف له من الصحابة فكان إجماعاً. وقد قال ابن المنذر: ولا أعرف فيه خلافاً بين أهل العلم. والمعنى فيه: أنه آدمي مضمون بالجناية، فوجب أن يكون مضموناً بالكفارة؛ كما لو وضعته حيًّا ثم مات. ولا فرق في وجوب الكفارة على القاتل بين أن يستوفي منه القصاص، أَوْ لا ويعفي عنه. نعم إذا استوفى، حكى الماوردي عن رواية أبي إسحاق وابن ابي هريرة وجهاً: أنها تسقط؛ لأنه قد سلَّم نفسه ووفى الحق الذي وجب عليه. وقد روي أنه ﵇ قال: "الْقَتْلُ كَفَّارَةٌ"، وقد حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب" وقال: إنه غير معتد به.

стр. 7898

والصحيح أن الكفارة تبقى على وجوبها؛ لأنها حق الله - تعالى- فلا تسقط بتأدية حق الآدمي، كما لا تسقط بأداء الدية، هذا هو المشهور. وفي "تعليق" البندنيجي: أن المسلم إذا قتل مسلماً تترس المشركون به، ولم يكن من قتالهم بد - طريقة مجرية لقولين في وجوب الكفارة. وحكى المراوزة وجهاً: أن الإنسان إذا قتل نفسه لا تجب عليه الكفارة، وادعى القاضي الحسين قبيل [باب عقل] الموالي: أنه الظاهر؛ لأنها [تجب] عقيب إزهاق الروح، وهو في تلك الحالة خرج عن أن يجب عليه شيء، وقضية ذلك: انه إذا حفر بئراً في حال حياته، فوقع فيها شخص بعد وفاته - أن يكون الظاهر امتناع وجوب الكفارة، وقد قال في الموضع المذكور: إن في وجوبها وجهين، والظاهر منهما الوجوب في تركته. والأصح عند الإمام: الوجوب في الحالين كما جزم به العراقيون. وفي"ابن يونس" [حكاية] وجه عن الخراسانيين: أن الكفارة لا تجب عليه بقتل عبده، ولم أره فيما وقفت عليه، [نعم قدمت في باب الأطعمة مباحثة تتعلق بذلك، فلتطلب منه]. قال: وإن اشترك جماعة في قتل واحد، وجب على كل واحد منهم كفارة؛ لأنه حق يتعلق بالقتل لا يتبعض، بدليل امتناع قستمها على الأطراف؛ فوجب أن تكمل في حق كل واحد من القاتلين، أصله القصاص، ولأن في الكفارة معنى العبادة، والعبادة الواحدة لا تتوزع على الجماعة. وقيل فيه قول آخر: أنه تجب عليهم كفارة واحدة؛ لأنها مال يجب بالقتل، فوجب ألا يكمل في حق كل واحد من القائلين، أصله [الدية، و] الكفارة في قتل الصيد. قال أبو الطيب وابن الصباغ: وهذا ما حكاه أبو علي الطبري عن نص الشافعي ﵁ في كتاب الشاهد واليمين، وهو مذهب أبي ثور، وقال البندنيجي: إنه حكاه عن نص الشافعي ﵁ في

стр. 7899

الديات. وقال الماوردي: إن هذا غلط، ولا يعرف للشافعي –﵁ في شيء من ما كتبه، ولا نقله عنه أحد من أصحابه، ومنصوصه في جميع كتبه بخلافه. والفرق بين الكفارة وجزاء الصيد والدية – ما أشرنا إليه -: أن الكفارة لا تتبعض على الأعضاء، بخلاف الدية وجزءا الصيد، وأيضاً فإن الدية بدل النفس. وهي واحدة؛ فلم يلزم فيها إلا دية واحدة، والكفارة لتكفير القتل، وكل واحد منهم قاتل فلزم كلا منهم كفارة. تنبيه: قول الشيخ: "إذا قتل من يحرم قتله وجبت عليه الكفارة"، دليل ظاهر على أن سبب وجوبها القتل، وهو خروج الروح، وأن الوجوب يكون على الفور، وحكى الرافعي في آخر كتاب الوصية عن المتولي: أنها ليست على الفور، لكن هل [يجوز] تعجيلها [قبل وجوبها؟ ينظر إن عجلها على الجرح لم يجز، وإن عجلها] بعد الجرح وقبل الموت فوجهان، أصحهما – كما حكاه المحاملي في كتاب الأيمان -: أنه يجوز. وحكى الرافعي ثم عن أبي الطيب بن سلمة احتمالاً في جواز التعجيل قبل الجرح. قال: والكفارة: عتق رقبة مؤمنة، أي: على من وجدها فاضلة عن كفايته على الدوام، كما قاله الماوردي والبندنيجي. قال: فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ للآية، فإن لم يستطع ففيه قولان: أحدهما: يطعم ستين مسكيناً، كل مسكين مدًّا من طعام؛ لأنها كفارة ينتقل فيها من العتق إلى الصيام؛ فوجب أن ينتقل من الصوم إلى الإطعام ككفارة الظهار، [ولأن الله – تعالى – نص على الإطعام في كفارة الظهار]، [[وأطلق ذكره في كفارة القتل، فوجب أن يحمل مطلقه في كفارة القتل على تقييده في كفارة الظهار]؛ لأن المطلق محمول على المقيد في جنسه. وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن القديم، وقال الإمام: إنه غير معتد به. والثاني: لا يطعم، أي: بل تكون باقية في ذمته كما قاله الماوردي هنا؛ لأن الأبدال في الكفارات موقوفة على النص دون القياس، ولا يجوز حمل مطلقها

стр. 7900

على المقيد إلا في الأوصاف دون الأصل؛ كما حمل إطلاق "اليد" في التيمم على تقييدها بـ"المرافق" في الوضوء، ولم يحمل إغفال ذكر الرأس والرجلين في التيمم على ما قيد من ذكرهما في الوضوء. وهذا هو الأصح، وقال القاضي أبو الطيب: إنه الجديد. فعلى هذا: لو مات قبل التكفير، قال الغزالي وإمامه: يخرج من تركته لكل يوم مد، لا بطريق البدليةن بل كما تخرج الفدية إذا فات صوم رمضان. وأجرى الإمام ذلك فيما إذا انتهى الجاني في الهرم إلى حدِّ يجوز له الإطعام عن الصيام. وقد حكى ابن الصباغ وغيره في كتاب الصيام قولاً: أن القاتل إذا عجز عن أداء ما وجب عليه سقط عنه الوجوب، كما حكاه الشيخ في كفارة الصوم إذا عجز عنها المباشر، وقال ابن الصباغ: إنه مطرد في كفارة اليمين والظهار. [وحكى الإمام عن صاحب "التلخيص" أنه استثنى كفارة الظهار]، وقال: لا يستحل المظاهر الإقدام على الوطء ما لم يكفر. فعلى هذا: لا يطعم عنه إذا مات ولم يكفر. ولا فرق فيما ذكرناه من الترتيب بين الكافر والمسلم؛ فيجب على الكافر العتق، ويتصور إجزاؤه منه بأن سلم في ملكه عبد، أو يشتري عبداً مسلماً – إذا صححنا شراء الكافر العبد المسلم -] أو يقول المسلم: أعتق عبدك المسلم عن كفارتي؛ فإنه يصح على الأصح. فإن لم يوجد شيء من ذلك قال القاضي الحسين: فلا يجوز له التكفير بالصوم؛ لأنه ليس من أهل الصيام شرعاً، ولا يجوز له الانتقال إلى الإطعام –أيضاً – إن أوجبناه، إلاّ إذا مرض وعجز عن الصوم بنفسه، فحينئذ يجوز له التكفير بالإطعام. وأحال الرافعي الكلام في ذلك على كتاب الظهار، وقد ذكرت أنا فيه ما فيه الكفاية وكذلك في كفارة اليمين. وكذا لا فرق في الترتيب المذكور بين المكلف، والصبي والمجنون؛ فيجب على وليهما التكفير عنهما بالعتق من مالهما، كما يخرج الزكاة والفطرة منه، قاله القاضي الحسين في كتاب الوصية، وكذا [البندنيجي في كتاب الأيمان، [قاله]] الرافعي هاهنا، وقال حكاية عن البغوي: إن الولي لو أعتق [من مال

стр. 7901

نفسه عنهما، فإن كان أباً او جدًّا جاز، وإن كان وصيًّا أو قيماً لم يجز، حتى يقبل القاضي التمليك، ثم يعتق عنهما القيم. وقال في كتاب الصداق: لو وجب على صبي كفارة القتل لا يجوز لوليّه أن يعتق عنه من ماله، ولو تبرع الولي وأعتق عنه من مال نفسه لم يجز؛ لأنه لو صح لضمن دخوله في ملك الابن ثم يعتق عليه، وذلك لا يجوز. وعلى هذا: فيظهر الفرق بينه وبين الزكاة والفطرة: أن إخراجهما على الفور، وهذا التكفير ليس على الفور؛ فلا ضرورة في التعجيل، ولو صام الصبي في حال صباه فهل يعتد به؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره من المراوزة؛ بناء على ما لو قضى الصبي الحج الذي أفسده في صغره وقلنا بوجوب القضاء عليه: هل يعتد به؟ وفيه وجهان أو قولان. قال الرافعي: وإذا جعلنا الإطعام في هذه الكفارة مدخلاً، فيطعم الوي إن كان الصبي من أهل الإطعام، وينبغي أن يقال: إذا اعتددنا بصوم الصبي مع الصغر فلا يجوز العدول إلى الإطعام، أي: إذا كان قادراً عليه، وإلا فيجوز كما في المجنون، ولو أراد الولي أن يطعم عنه من مال نفسه، فهو كما لو أراد أن يعتق عنه إذا جوّزناه، وقد ذكرنا التفصيل فيه، [والله أعلم].

стр. 7902

باب قتال أهل البغي الباغي في اصطلاح الفقهاء: المخالف للإمام العادل، الخارج عن طاعته بالامتناع عن أداء ما وجب عليه بالشرائط التي سنذكرها. ولم سمِّي باغياً؟ قيل: لمجاوزته الحد الرسوم له؛ فالبغي: مجاوزة الحد؛ يقال: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد، وبغت المرأة: إذا فجرت. وقيل: لطلبه الاستعلاء على الإمام؛ من قولهم: بغى الشيء، إذا طلبه. وقيل: لأنه ظالم بذلك، والبغي: الظلم والتعدي بالقوة إلى طلب ما ليس بمستحق؛ قال الله تعالى: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [الحج: ٦٠] أي: ظلم، وهذا يقتضي أن يكون البغاة فسقة؛ لظلمهم. وقد أطلق الأصحاب القول بأن البغي ليس باسم ذم، وإنما عبَّرَ به الشافعي ﵁ عن قوم اجتهدوا فأخطئوا، وما فسقوا عنده، كما أنهم ليسوا بكفرة كما دَلَّ عليه الكتاب العزيز، لكنهم مخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل. ومنهم من يسميهم: عصاة، ولا يسميهم: فسقة. ومنهم من قسم البغي إلى ما هو فسق، وإلى ما ليس بفسق، وسنذكره - إن شاء الله تعالى في كتاب القضاء. وعلى الأول: فالتشديدات الواردة في الخروج عن طاعة افمام ومخالفته، كما روى [عن] عبادة بن الصامت قال: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَلا تُنَازِعَ الأَمْرَ اَهْلَهُ"، وما روى أبو داود: أنه صلى الله عيه وسلم قال:

стр. 7903

"مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيدَ شِبْرٍ؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ عَنْ عُنُقِهِ". ومعنى: قيد شبر، أي: قدر شبر؛ يقال: قِيدُ الشيء، وقَادُ الشيء، وقَدُّ الشيء، [أي]: قَدْره. والرِّبْقُة: هي الحبل الذي يجعل في عنق الناقة وقت الحلب، حكاه أب الطيب. وقوله ﷺ :"مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ". -محمولة على من يخرج من الطاعة ويخالف الإمام بلا عذر ولا تأويل. قال: إذا خرج على الإمام، أي: العادل أو الجائر، كما ذكره العمراني عن القفال، طائفة من المسلمين، ورامت خلعه، أي: طلبت عزله؛ بتأويل في كتاب الله – تعالى – أو سنة رسوله ﷺ ، كما قاله المتولي. قال: أو منعت الزكاة، أي: عن الإمام، عند طلبها [بتأويل] كما ذكرناه، أو حقًّا توجه عليها، أي: بتأويل كما ذكرناه، وامتنعوا بالحرب – بعث إليهم، وسألهم: ما ينقمون؟ أي: يكرهون، فإن ذكروا شبهة أزالها، وإن ذكروا علة يمكن إزاحتها – أي: إبعادها – أزاحها، وذلك مثل أن يطلبوا قاتلاً معيناً؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فأمر بالإصلاح أولاً، وفي ذلك سعي في الإصلاح، وما روي أن عليًّا – كرم الله وجهه – بعث عبد الله بن عباس- ﵃ – إلى أهل "النهروان"، فمضى إليهم وقال: هذا

стр. 7904

علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة، وقد عرفتم فضله، فما تنقمون منه؟ قالوا: ننقم ثلاثاً: تحكيم في الدين وقد أغنى كتاب الله وسنة رسوله عن التحكيم، وأنه قتلوما سبي، فإما أن قتل ويسبي، أو لا يقتل ولا يسبي، ومحي اسمه من الخلافة: فإن كان على حق فلم خلع؟ وإن كان على غير حقٍّ فلم دخل؟! فقال ابن عباس – ﵄ – أما التحكيم فإن الله تعالى حكَّم في الدين فقال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وقال عز من قائل: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] في أرنب قيمته درهم. وأما أنه قتل وما سبي، فلو حصلت عائشة- ﵂ – في قسم أحدكم كيف يصنع؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ فقالوا: رجعنا عن هذه. وأما محوه اسمه من الخلافة حين كتب كتاب التحكيم بينه وبين معاوية، فقد محا النبي ﷺ اسمه من النبوة في المفاضلة بينه وبين قريش عليُّ بن أبي طالب – ﵁ فكتب: هذا ما قاضى رسول الله ﷺ سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لا تكتب: "رسول الله"؛ لو علمنا أنك رسول ما خالفناك، واكتب: "محمد بن عبد الله"، فقال النبي ﷺ [لعليٍّ]: "امحه"، فقال: لا أستطيع أن أمحو اسمك من النبوة، فقال له رسول الله ﷺ : "أرنيه"، فأراه فمحاه بإصبعه. فلما قال لهم ذلك رجع بعضهم، وأقام بعض على المخالفة، [وهم] نحو من أربعة آلاف. ثم المبعوث ينبغي أن يكون أميناً فطناً ناصحاً كما فعل عليٍّ، كرم الله وجهه! ثم ظاهر كلام الشيخ – ﵁ – يقتضي أن [يكون] هذا البعث

стр. 7905

واجباً، وهو قضية كلام الماوردي، وكذا ابن الصباغ؛ حيث قال: لم يكن للإمام أن يقاتلهم حتى يبعث إليهم ويسألهم عن شبهتهم. وقال البندنيجي: لم يجز قتالهم حتى تقع المراسلة. وقال الإمام: لا يحل [له] أن يبغتهم بالقتال. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن افمام لو أراد قتالهم قبل تقديم المناظرة، قال بعض أصحابنا: يحتمل وجهين؛ بناء على استتابة المرتد: إن قلنا: لا تجب الاستتابة، فله ذلك؛ لأنهما سواء في أن الشبهة اعترضت على كل واحد منهما. وأصح الوجهين: أنه يناظرهم؛ لأنهم ليسوا أسوأ حالاً من المشركين، والنبي ﷺ كان إذا وجه سريَّةً يأمرهم أولاً بأن يدعوهم إلى كلمة الشهادة. قال: فإن أبَوْا، أي: إما عن العود إلى الطاعة بعد إزالة ما ادعوه من الشبهة، أو عن المناظرة على ما امتنعوا لأجله، كما قال البندنيجي وغيره. قال: وعظهم وخوفهم بالقتال؛ لأن ذلك أقرب إلى تحصل المقصود، فإن أبوا قاتلهم، أي: إذا علم الإمام أن في عَسْكره قدرةً عليهم، ويكون القصد بالقتال دفعهم عما هم عليه – كما قاله البندنيجي- دون قتلهم. ووجهه فيمن أراد خلع الإمام قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] أي: ترجع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ كما قاله قتادة؛ فإذا أمر بقتال طائفة بغت على طائفة أخرى حتى تفيء إلى أمر الله، [فلأَنْ يقاتل الذين بغوا على الإمام إلى أن يفيئوا إلى أمر الله] أولى. وأيضاً: فإن عليًّا – كرّم الله وجهه – لما ردَّ عليه ابن عباس – ﵃ – خبر من بقي من أهل النهروان قال لأصحابه: سيروا على اسم الله تعالى؛ فلن ينقلب منهم عشرة، ولن يتقل [منّا] عشرة. فساروا معه إليهم، فقتلهم، وأفلت منهم ثمانية، وقتل من أصحاب علي – ﵁ – تسعة.

стр. 7906

وقاتل علي – ﵁ – أيضاً أهل "البصرة" يوم الجمل، ومعاوية بـ"صفين". ووجهه في مانعي الزكاة والحقوق: ما روي أن أبا بكر [الصديق] –﵁ – لما منعه أهل الردة الزكاةَ، وتمسكوا من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٣] بأمرين: أحدهما: أن الله تعالى خاطب بالأخذ نبيَّه ﷺ دون غيره. والثاني: أن صلاة ابن أبي قحافة ليست سكناً لهم كصلاته ﷺ . ظهر له فساد قولهم، وأزمع على قتالهم؛ فأشار عليه جماعة بالكف عنهم، منهم عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف؛ فقال أبو بكر – [﵁: يا أصحاب محمد، لا فرقت بين ما جمع الله – يعني قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] – والله، لو منعوني عناقاً – أو عقالاً – مما أعطو رسول الله ﷺ لقاتلهم عليه، فقال له عمر – ﵁: علامَ تقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ : "قَاتِلُوا النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ"؟! فوكز أبو بكر في صدر عمر – ﵄ – وقال: إليك عني، شديداً في الجاهلية، خوّاراً في الإسلام؟! وهل هذا إلا من حقها؟! قال عمر – ﵁: فشرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر، ﵁. فحينئذ أجمعوا معه على قتالهم مع مُقامهم على الإسلامز ولأنهم لما قوتلوا لامتناعهم من حق الإمام في الطاعة، كان قتالهام على امتناعهم من حق الله تعالى في الزكاة أولى، وقد حُكي عن الشافعي – ﵁ – أنه قال: أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول الله ﷺ ، وأخذوا السيرة من قتال المرتدين من أبي بكر – ﵁ –وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي، ﵁! ثم هذا القتال هل هو واجب أم مباح؟ قال الماوردي: هو منقسم ثلاثة أقسام:

стр. 7907

قسم يكون واجباً، وهو يؤخذ من خمسة أمور: أحدها: أن يتعرضوا لحريم أهل العدل أو لإفساد سبيلهم. والثاني: أن يتعطل جهاد المشركين بهم. والثالث: أن يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم. والرابع: أن يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم. والخامس: أن يتظاهروا على خلع الإمام الذي قد انعقدت بيعته ولزمت طاعته. وقسم يكون مباحاً، وهو ما إذا انفردوا عن الجماعة، ولم يمنعوا حقاًّ، ولا تعدوا إلى ما ليس لهم؛ فيجوز للإمام قتالهم لتفريق الجماعة، ولا يجب؛ لتظاهرهم بالطاعة. وقسم مختلف فيه هل هو مباح أو واجب؟ وهو ما إذا امتنعوا – مع انفرادهم – من دفع زكوات أموالهم الظاهرة، وأقاموا بتفريقها في أهل السُّهْمان ففيهم قولان أحدهما – وهو قياس قول الشافعي، ﵁ في القديم -: أن قتالهم عليها [واجب إذا قيل بوجوب دفعها إلى الإمام. والثاني – وهو قياس قوله في الجديد -: أن قتالهم عليها] مباح، وليس بواجب إذا قيل: إن دفعها إلى الإمام مستحب. فإذا عرفت ذلك علمت أن كلام الشيخ منطبق على القسم الأول والأخير؛ فيكون مراده: الوجوب، وهو ظاهر اللفظ، وهذا [ما] حكاه الماوردي بعد أن قال: إن إباحة قتال البغاة على بغيهم معتبرة بثلاثة شروط متفق عليها، ورابع مختلف فيه – وكذلك هي في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل"، وفي كلام الشيخ – ﵁ إشارة إلى بعضها كما نُنِّبه عليه-: أحدها: أن يكونوا في منعة بكثرة عددهم؛ بحيث لا يمكن تفريق جمعهم إلا بقتالهم، فإن كانوا آحاداً لا يمتنعون استُوفيت منهم الحقوق، ولم يقاتلوا. وهذا يؤخذ من قول الشيخ: طائفة، ومن قوله: امتنعوا بالحرب؛ لأن من لا منعة فيه ولا قوة لا يمتنع بقتال. والثاني: أن يعتزلوا عن إمام أهل العدل بدار ينحازون إليها ويتميزون بها

стр. 7908

كأهل الجمل وصفين، فإن كانوا على اختلاطهم بأهل العدل ولم ينفردوا عنهم لم يقاتلوا، ولا تجري عليهم أحكام [البغاة]؛ لانتفاء المعنى الذي لأجله نثبتها. قال الرافعي: وربما قال القائل بهذا: [و] ينبغي أن يكونوا بحيث لا يحيط بهم أجناد الإمام، بل يكونوا في طرف من الأطراف، وقد صرح الإمام بحكايته عن العراقيين، والمحققون لم يعتبروا هذا الشرط، وإنما اعتبروا استعصاءهم وخروجهم عن قبضة الإمام، حتى لو تمكنوا من [المقاومة مع] كونهم محوفين بجند الإمام – وجب الحكم بحصول الشوكة، وهذا ما اقتضاه كلام الشيخ؛ حيث لم يأت في كلامه بما يدل عليه. والثالث: أن يخالفوه بتأويل محتمل، كالذي تأوله أهل الجمل وصفين في المطالبة بدم عثمان بن عفان – ﵁[حيث اعتقدوا أنه يعرف قَتَلَتَهُ، ويقدر عليهم ويمنعهم منهم لرضاه بقتله، ومواطأته إيَّاهم، وكذا كل تأويل بطلانه مظنون، فإن] لم يكن لهم تأويل، أجرى عليهم حكم الحرابة وقطاع الطريق. قال المتولي: وإنما اعتبرنا ذلك؛ لأن من خالف بغير تأويل كان معانداً، ومن تمسك بتأويل كان [طالب حق] على اعتقاده؛ فلا يكون معانداً؛ فنسب إلى نوع حرمة بسقوط الضمان وغيره كما سنذكره. وأبدى الإمام احتمالاً فيما إذا كان لمن لا تأويل لهم شوكة في نفوذ قضاء قضاتهم. وحكى الرافعي طريقة مجرية للقولين في ضمانهم ما يتلفونه في حال القتال كأهل البغي، وقال: إنها أظهر؛ لأن المعنى المعتمد عليه هناك موجود هنا. وكذا حكى الإمام أن هذه الطريقة يدل عليها ظاهر النص، هذا ما قيدنا به كلام الشيخ، وليس فيه ما يمكن أن يؤخذ منه إلا قوله: فإن ذكروا شبهة

стр. 7909

أزالها، مع قوله: بعث إليهم، وسألهم: ما تنقمون. ولو كان بطلان التأويل مقطوعاً به ففيه وجهان: قال الرافعي: أوفقهما لما أطلقه الأكثرون: انه لا يعتبر كتأويل أهل الردة وشبهتهم الآن. والثاني: يعتبر، ويكفي تغليطهم فيه، وقد يغلط في القطعيات غالطون. قال الرافعي: وعلى الوجهين يخرج أن معاوية ومن تابعه مخطئون فيما اعتقده قطعاً أو ظنًّا؛ لأنهم باغون عند الأئمة بلا شك، وعليه يدل الخبر المشهور: "أَنَّ عَمَّاراً تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغيَةُ"، فإن شرطنا في البغي أن يكون بطلان التأويل مظنوناً فنقول: كان مبطلاً فيما ذهب إليه ظنًّا، وإن لم نشترطه وأثبتنا اسم البغي وحكمه، مع القطع ببطلان التأويل – فنقول: كان معاوية مبطلاً قطعاً. وهذا الكلام لم يظهر لي توجيهه.

стр. 7910

والرابع المختلف فيه: فهو نصب إمام لهم يجتمعون على طاعته، وينقادون لأمره، وفيه وجهان في "الحاوي"، وقولان كما حكاهما القاضي أبو الطيّب: أحدهما – وهو قول طائفة -: أنه شرط يستحق به قتالهم؛ ليستقر به تميزهم ومباينتهم، وهذا ما نسبه الرافعي إلى الجديد. وقال الإمام: إن معظم الأئمة في الطرق اعتبروه، وبه جزم الفوراني والقاضي الحسين في "تعليقه" والماوردي في "الأحكام"، ومال إليه البغوي والمتولي. والثاني –وهو قول الأكثرين من أصحاب الشافعي، كما قال المارودي، وهو الذي صححه ابن الصباغ والإمام -: أنه ليس بشرط في قتالهم؛ لأن عليًّا – ﵁ – قاتل أهل الجمل ولم يكن لهم إمام، وأهل صفين قبل أن ينصبوا إماماً لهم. قال الإمام: وعلى هذا فلابد وأن يكون لهم متبوع وإن لم يكن إماماً؛ لأن الشوكة لا تحصل إذا لم يكن لهم متبوع مطاع؛ فإن رجال النجدة – وإن كثروا –فلا قوة لهم ولا شوكة إذا لم يصدروا عن رأي. وفي "الرافعي": أن في "منهاج" الشيخ أبي محمد اعتبار امرين آخرين في أهل البغي: أحدهما: أن يمتنعوا من حكم الإمام. والثاني: أن يظهروا لأنفسهم حكماً. وعلى هذا: لا نسلم ما ذكره الماوردي في التقسيم من منازعة في إباحة القتال في القسم الثاني والثالث، مأخذها: ما سنذكره في الخوارج، إن شاء الله تعالى. فرع: إذا تقوى قوم قليل بحصن منيع، فهل يلتحقون بمن تقوى بالعَدَد والعُدَد حتى تثبت لهم أحكام البغاة؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، وراى الأولى أن يُفَصَّل فيقال: إن كان الحصن على فوهة الطريق، وكانوا يستولون بسببه لى ناحية وراء الحصن – فالشوكة حاصلة، وحكم اهل البغي ثابت؛ كي لا يتضرر أهل الناحية

стр. 7911

بتعطيل الأقضية والأحكام، وإلا فليسوا بأهل بغين ولا يبالي بما يقع من التعطيل في العدد القليل. ثم قال: ولا خلاف أنه لو تحزَّب [من] رجال القبائل المرموقين عددٌ يسير، وكانوا يقوون بما تفضل القوى على مصادمة الجموع الكثيرة - فهم على عدة تامة. قال الرافعي: ويحتمل أن ينازع فيه منازع؛ لقلة عددهم، وتجعل قواهم كالمكان الحصين. قال: وإن استنظروا مدة - أي: معينة كاليوم والثلاث والشهر والشهرين، كما قاله الفوراني؛ ليُنظَروا - أنظرهم؛ لعل يتضح لهم الحق. قال: إلا أن يخاف أنهم يقصدون الاجتماع على حربه؛ فلا ينظرهم للأمن من ذلك، ويظهر له ذلك بالبحث عن حالهم. وهذا الذي ذكره الشيخ في هذا الكتاب هو ظاهر نص الشافعي ﵁ في "المختصر" وما حكاه القاضيان أبو الطيب والحسين في تعليقهما وغيرهم. وفي "المهذب" قال: إن سألوا إنظار مدة قريبة كاليوم وإلى ثلاثة أيام، فيجابون إليه، وإن طلبوا أكثر من ذلك بحث عنهم الإمام. وذكر التفصيل المذكور وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد، [وبه جزم البندنيجي]، وهو كذلك في "الحاوي"، وأشار في كلامه إلى الفرق بين الحالين: بأنه في الثلاثة الأيام إذا أنظرهم كان عسكره مقيماً عليهم، ويحترز في هذه المدة منهم؛ لأن قتالهم لا يدوم، واتصاله ليلا ًونهاراً لا يمكن، ولابد من استراحة عسكره ودوابه، فيجعلها إجابة لسؤالهم إعذاراً وإنذاراً. ثم قال - وكذلك البندنيجي [أيضاً]- فيما إذا سألوا الإنظار مدة طويلة [و] يظهر أن قصدهم بالإنظار ليجمعوا في مدته العساكر، أو ليطلبوا آلة المناكدة،

стр. 7912

أو لينصرف عنهم العساكر -: إنا ننظر: فإن كان عسكر أهل العدل [يه قوة وصبر على قتالهم لم يُنظرهم، وإن وجد في عسكر أهل العدل] ضعفاً عنهم وعجزاً عن مطامولتهم، أنظرهم؛ ليلتمس القوة عليهم، إما بعساكر أو بأموال، ويجعل ظاهر الإنظار إجابة لسؤالهم؛ ليقيموا على الكفء الموادعة، وباطن إنظارهم لالتماس القوة عليهم، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب. وقال القاضي أبو الطيب: إن هذه الحالة إذا كانت موجودة قبل سؤالهم لا يبتدئ بقتالهم، ويؤخره ما أمكن إلى أن تحصل له قوة؛ فإنا لا نأمن الاستئصال. والذي استصوبه ابن الصباغ، وقال: إنه أولى – ما ذكره الشيخ في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز أن يكون بإنظارهم يوماً يلحقهم مدد منهم؛ فيقووا. ولا يجوز أن يُنظرهم إلا إلى غاية اتفاقاً، وحيث لا يجوز الإنظار لا نجوزه بأحد البراهين؛ لأنه لا يجوز التعرض لها. قال: ويقاتلهم إلى أن يفيئوا إلى أمر الله تعالى؛ للآية. قال: ولا يتبع في الحرب مُدْبرهم، ولا يذفِّف على جريحهم؛ لما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال:"يَابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى مِنْ أُمَّتِي؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: لاَ يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلاَ يُجَارُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، ولاَ يُقْتَلث اَسِيرُهُمْ"، وقال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ ... " الحديث. ودخل الحسين بن علي –﵄ – على مروان فقال له: ما رأيت أكرم من أبيكن ما عن ولينا ظهورنا يوم الجمل حتى نادى مناديه: ألا لا يُتبع مدبر، ولا يذفّف على جريح. وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره: أن الشافعي – ﵁ –فسر الآية، فقال: الفيء: ترك القتال بالعود إلى الطاعة، أو بالهزيمة والإعراض عن

стр. 7913

القتال، كما قال تعالى في الإيلاء: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. يعني: رجع عن الإضرار إلى إيفاء حقها بالجماع. وعلى هذا يكون الدليل على منع قتال المنهزم الآية أيضاً، ومنها استدل الشافعي بوجه آخر؛ حيث قال: الله تعالى أمر بقتال أهل البغي، ولم يأمر بقتلهم، وإنما يقال: قاتلوا، لمن يقاتل، فأما من لا يقاتل لا يقال: قاتلوه، وإنما يقال: اقتلوه. وهذا إذا لم يكن في هزيمته متحيِّزاً إلى فئة، فإن كان فقد قال القاضي الحسين والإمام: إن كانت الفئة قريبة فيتبع، وإن كانت بعيدة منه لم يتبع، خلافاً لأبي حنيفة وأبي إسحاق المروزي حيث قالا باتباعه إذا انهزم إلى فئة مطلقاً، كما حكاه ابن الصباغ وغيره، وأنه يجوز قتله؛ لأن المتحرِّف والمتحيِّز بمنزلة المقاتل. وكذا حكى البندنيجي في "تعليقه" والعمراني في "الزوائد" عن أبي إسحاق؛ بناء على هذا الأصل: أنه لا يطلق الأسير الذي انهزم متحيزاً إلى فئة. وعلى الصحيح قال الجيلي: لو قتل المدبر أو ذُفِّف على الجريح؛ لم يجب على فاعل ذلك القصاص. تنبيه: التذفيف – بالذال المعجمة -: التجهيز وتتميم القتل وتعجيله، يقال: رجل

стр. 7914

ذفيف، أي: [سريع]. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه موالاة الجرح، وإجهاز القتل. ويقال بالدال المهملة، والأول أكثر. قال: ويتجنب قتل ذي رحمه، أي: محرماً كان أو غير محرم، كما صرّح به الإمام اولقاضي الحسين وغيرهما؛ لأن ذلك يقطع صلة الرحم وهي مأمور بها؛ قال الله تعالى: "أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ بِيَدِي، وَشَقَقْتُ لَهَا اسْماً مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ"، كذا قاله القاضي الحسين. ويروي أنه – ﵇ كان يقول يوم دخل المدينة، وهو على بعير: "أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ". وقد استدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ الآية [لقمان: ١٥]، فأمر بصحبتهما بمعروف في حال دعائهما إلى الشرك، ففي هذه الحالة أولى. وهذا فيه نظر؛ لأن الدعوى عامة في ذي الرحم، وما استدل به يختص ببعضهم، ولا يلزم من مَنْعِ قَتْل هذا البعض مَنْعُ قتل بقية ذوي الأرحام، كما سنذكره في قتال المشركين. وعلى كل حال: فلو خالف وقتل ذا رحمه فقد ارتكب مكروهاً، اللهم إلا أن يقصد المَحْرم قتله؛ فلا يكره، كما إذا قصد قتله في غير القتال.

стр. 7915

قال: وإن أسر منهم رجلاً حبسه على أن تنقضي الحرب، أي: ويتفرق جمعهم؛ لينكف شره. ولا يجوز قتله؛ لما رويناه من خبر ابن مسعود – ﵁ – ولأن سيرة علي – كرّم الله وجهه – فيهم كانت هكذا، وعليها عَمِلَ المسلمون من بعده، وهذا بخلاف أهل الحرب؛ لأن المقصود ثَمَّ: قتلهم بقتالهم، وهاهنا المقصود بقتالهم –كما ذكرنا -: دفعهم عمَّا هم عليه، وقد حصل بالحبس. قال الماوردي والمصنف: فلو قتل أسيراً منهم ضمنه القاتل بالدية، وفي ضمانه بالقود وجهان، وجه المنع: أن أبا حنيفة تخير قتله؛ فصار ذلك شبهة يدرأ بها القصاص، وهذا ما اختاره في "المرشد". قال: ثم يخليه؛ لحصول الأمن منه. قال: ويأخذ عليه العهد ألا يعود إلى قتاله، احتياطاً بحسب القدرة، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا يطلقه إِلاَّ بعد مبايعته على الطاعة، [أي: قبل انقضاء الحرب]، وأن من أصحابنا من خص ما ذكرناه بما إذا أمنا بعد انقضاء الحرب رجوعهم إلى طاعة الإمام وذهاب شوكتهم، فأما ما دام يخاف شرهم فلا يلزمه إطلاقهم. والأول: هو المنصوص، فقال الإمام بعد حكاية الأول عن رواية العراقيين عن بعض الأصحاب: إن هذا [بعيد] لا أصل له. ثم محل حبسه إلى أن تنقضي الحرب مصوَّرٌ بما إذا لم يذعن للمبايعة حال أسره، أما إذا أذعن لذلك، وأظهر الطاعة عند الأسر، وقبل انقضاء الحرب – يجب أن يخلي إذا كان حرًّا. قال القاضي الحسين: والعبد يحبس إلى أن تنقضي الحرب؛ لأنه ليس من أهل المبايعة. وفي "تعليق" البندنيجي و"المهذب": إلحاقه بالنساء جزماً، وهو ما حكاه الرافعي عن [بعض] الأصحاب وإن كان يقاتل، وسيأتي حكم النساء. فرع: لا يجوز قتل من كف عن القتال من أهل البغي إذا كان واقفاً معهم في الصف؛ لأن القصد بقتاله الكف، وهو كافٌّ فصار كالأسير، وفي "الحاوي" وغيره وجه: أنه يجوز أن يعمد إلى قتله؛ لأنه رِدْءٌ لهم وعَوْن، فأجري عليه حكم مقاتليهم.
следующие страницы →