فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُو﴾ عددَ الشهور، جمعُ شهرٍ.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في حكمِ اللهِ من غير زيادةٍ ولا نُقْصانٍ.
﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ قرأ أبو جعفرٍ: بمدِّ ألفِ (اثنا)، وإسكانِ العين، ورُويَ عنه أيضًا: بحذفِ الألف، والباقون: بفتح العين بغير مدٍّ (١)، وهي أشهرُ العربِ المعروفةُ، أولُها المحرَّمُ، وآخرُها ذو الحجة، وخُصَّت باثني عشرَة لأنهم كانوا ربما جعلوها ثلاثةَ عشرَ وأربعةَ عشرَ؛ ليتسعَ لهم الوقت.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في اللوح المحفوظِ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: هذا أمر ثابتٌ مذ خلقَ اللهُ الأجرامَ والأزمنةَ، والمرادُ: الشهورُ الهلاليةُ، وهي التي يعتدُّ بها المسلمون في أمورِهم، وبالشهورِ الشمسيةِ تكونُ السنةُ ثلاثَ مئةٍ وخمسةً وستينَ يوما وربعَ يومٍ، والهلاليةُ تنقصُ عن ثلاثِ مئةٍ وستينَ بنقصانِ الأهلَّةِ، والغالبُ أنها تكونُ ثلاثَ مئةٍ وأربعةً وخمسينَ يومًا.
﴿مِنْهَا﴾ أي: من الشهورِ.
﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهي: رجبٌ، وذو القعدةِ، وذو الحجةِ، والمحرَّمُ، واحدٌ فردٌ، وثلاثة سردٌ، سُميتْ بذلك؛ لتحريمِ القتالِ فيها؛ المعنى: إن الشهورَ قد رجعتْ إلى وضعِها، وبطل النَّسيءُ، وعاد الحجُّ إلى ذي
стр. 1298
الحجة، قالَ ﷺ في حجةِ الوداعِ: "أَلاَ إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ: السَّنَةُ اثنا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَة حُرُمٌ" (١).
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الحسابُ المستقيمُ ﴿فَلَا تَظلِمُواْ فِيهِنَّ﴾ في الأشهرِ الحرمِ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ فلا تجعلوا حرامَها حلالًا، والجمهورُ على أنَّ حرمةَ المقاتلةِ فيها منسوخةٌ بقوله:
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ مصدرُ كفَّ عن الشيء في موضعِ الحالِ؛ أي: مجتمعينَ في جميع الشهور.
﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ جميعًا.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بشارة لهم بالنصرِ بسببِ تَقْواهم.
* * *
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ هو تأخيرُ تحريمِ المحرَّمِ إلى صَفَرَ؛ لحاجتِهم إلى القتالِ فيه، ومنه النسيئةُ في البيع، يقال: أَنْسَأَ اللهُ أجلَه؛ أي: أَخَّر. قرأ ورشٌ عن نافعٍ، وأبو جعفرٍ: بتشديدِ الياءِ بغير همزٍ، فعيلٌ من أنسأْتُه أَخَّرْتُه، قُلبت الهمزةُ ياءً، وأُدغمتْ فيها الياء، وقرأ الباقون: بالهمزِ والمدِّ،
стр. 1299
وإذا وقفَ حمزةُ وهشامٌ، وافقا وَرْشًا وأبا جعفرٍ (١)، وأولُ من نَسَّى النَّسِيَّ بنو كنانةَ.
﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ لأن الكافرَ كلما عملَ معصيةً، ازدادَ كفرًا.
﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ، عن عاصمٍ: (يُضَلُّ) بضم الياء وفتح الضاد مجهولًا، وقرأ يعقوبُ: بضمِّ الياءِ وكسرِ الضادِ؛ أي: (يُضِلُّ) الكافرونَ أتباعَهم، والباقونَ: بفتح الياءِ وكسرِ الضاد (٢)؛ لأنهم هم الضالون؛ لقوله:
﴿يُحِلُّونَهُ﴾ أي: النسيءَ من الأشهرِ الحرمِ ﴿عَامًا﴾ ويحرِّمون مكانَه شهرًا آخرَ ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ فيتركونه على (٣) حُرمتِهِ.
﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ﴾ أي: ليوافقوا عددَ (٤) ﴿مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ من الأشهرِ الحرمِ؛ أي: لم يُحِلّوا شهرًا إلا حَرَّموا مكانَه من الحلال، والمواطأةُ: الموافقة. قرأ أبو جعفرٍ: (لِيُواطُوا) بضمِّ الطاءِ بغير همزٍ، والباقون: بكسرِ الطاء والهمز (٥).
стр. 1300
﴿فَيُحِلُّوا﴾ بتحليلهم القتالَ في الأشهرِ الحرم ﴿مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ فيها.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ قالَ ابنُ عباسٍ: يُريد: زَيَّنَ لهم الشيطانُ (١). واختلافُ القراء في الهمزتين من (سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) كاختلافِهم فيهما من (السُّفَهَاءُ أَلاَ) في سورة البقرة.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ لا يرشدُهم.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ولما رجعَ رسولُ اللهِ ﷺ من الطائفِ، أمرَ بالجهادِ لغزوِ الرومِ،
وهي غزوةُ تبوكَ، وذلك في زمنِ عُسْرَةٍ من الناسِ، والشدَّةِ، من الحرّ حينَ طابتِ الثمارُ والظلالُ، ولم يكنْ رسولُ الله ﷺ يريدُ غزوةً إلا وَرَّى بغيرِها حتى كانت تلكَ الغزوةُ، غزاها في حَرٍّ شديدٍ، واستقبلَ سفرًا بعيدًا، جَلَّى للمسلمين أمرَهم ليتأهَّبوا أُهْبَةَ غزوِهم، فشقَّ عليهم الخروجُ، وتثاقلوا، فأنزل الله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾ (٢) أي: قالَ لكم رسولُ الله ﷺ : ﴿انْفِرُوا﴾ اخرُجوا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ تباطَأْتُم ومِلْتُم عن الجهادِ ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: لزمْتُمْ مساكِنَكم.
стр. 1301
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ولذاتِها بدلًا ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ ونعيمِها.
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: فما التمتُّعُ بها ﴿فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
* * *
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ثم أوعدَهم على تركِ الجهادِ فقال: ﴿إِلَّا﴾ أي: إن لم ﴿تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقيلَ: هو احتباسُ المطرِ عنهم في الدنيا.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ بكم ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ خيرًا منكم وأطوعَ؛ كأهلِ اليمنِ وأبناءِ فارس.
﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أي: لا يقدحْ تثاقُلُكم في نصرِ دينه؛ فإنه الغنيُّ عن كلِّ شيءٍ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدرُ على النصرةِ بلا مَدَدٍ.
* * *
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ بالنفيرِ معه.
стр. 1302
﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ هذا إعلامٌ من اللهِ أنه المتكفِّلُ بنصرِه كما نصرَه.
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مكةَ حينَ مكروا به، وهَمُّوا بقتلِه.
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أحدَ اثنينِ، والمرادُ: النبيُّ ﷺ ، وأبو بكرٍ ﵁.
﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ نقبٍ في جبلِ ثورٍ بمكةَ، مكثا فيه ثلاثًا. قرأ أبو عمرو، وورشٌ عن نافعٍ: (الغَارِ) بالإمالة، بخلافٍ عن الدوريِّ وابنِ ذكوان، ورُوي عن قالونَ: الإمالةُ بينَ بينَ (١)، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ في الأنفالِ.
عن ابنِ عمرَ ﵄، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ لأبي بكرٍ: "أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ" (٢).
قال الحسينُ بنُ الفضلِ: مَنْ قالَ إن أبا بكرٍ لم يكنْ صاحبَ رسولِ اللهِ ﷺ فهو كافرٌ؛ لإنكارِه نصَّ القرآنِ، وفي سائرِ الصحابةِ إذا أنكرَ يكونُ مبتدِعًا، ولا يكونُ كافرًا (٣).
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ هو أبو بكرٍ.
﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي: بالرعايةِ والحفظِ، رُوي أن المشركين طلعوا فوقَ الغارِ، فأشفقَ أبو بكرٍ ﵁ على رسولِ الله ﷺ ، وقال:
стр. 1303
إنْ أُقتلْ فأنا (١) رجلٌ واحدٌ، وإنْ قُتلت، هَلَكَتِ الأمةُ، فقال: "مَا ظَنُّكَ بِاثنيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟! " (٢)، وأرسلَ اللهُ زوجًا من حمامٍ حتى باضا في أسفل النَّقْبِ، والعنكبوتَ حتى نسجَتْ بيتًا.
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ طُمأنينَتَهُ ﴿عَلَيْهِ﴾ على أبي بكرٍ.
﴿وَأَيَّدَهُ﴾ أي: قَوَّى النبيَّ ﷺ .
﴿بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ همُ الملائكةُ صرفوا الكفارَ عن رؤيتِهما في الغارِ، وألقوا الرعبَ في قلوبِ الكفارِ يومَ بدرٍ والأحزابِ وحنينٍ.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هي دعوتُهم إلى الكفرِ.
﴿السُّفْلَى﴾ المنخفضةَ المغلوبةَ.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ دعوتُه إلى الإيمانِ. قراءة العامة: (وَكَلِمَةُ اللهِ) بالرفعِ مبتدأٌ، خبرُه ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ العالية. وقرأ يعقوبُ: (وَكَلِمَةَ اللهِ) بالنصبِ عطفًا على (كَلِمَةَ) (٣).
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في أمرِه وتدبيره.
* * *
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾.
стр. 1304
[٤١] ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: خَفَّ عليكم ذلك أو ثَقُلَ؛ أي: لا تنأَوْا عن الغزوِ.
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وصفٌ لأكملِ بها يكون من الجهادِ وأنفعِه عند الله، فحضَّ على كمالِ الأوصافِ، وقُدِّمتِ الأموالُ في الذكرِ؛ إذ هي أولُ مصرَّفٍ (١) وقتَ التجهيزِ، فَرُتِّبَ الأمرُ كما هو في نفسِه.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ للفوزِ برضوانِ الله، وغلبةِ العدوِّ، ووراثةِ الأرضِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تنبيهٌ وهزٌّ للنفوس، قال السديُّ: هذه الآية منسوخةٌ بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٩١] (٢)، وقال القرطبيُّ: الصحيحُ أنها ليستْ بمنسوخةٍ (٣).
واتفق الأئمةُ على أن الجهادَ فرضٌ على الكفايةِ، إذا قامَ به قومٌ من المسلمين، سقطَ عن الباقين، فإذا هجمَ العدوُّ، صارَ فرضَ عينٍ بغير خلافٍ.
* * *
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾.
стр. 1305
[٤٢] ونزل في المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوةِ تبوكَ:
﴿لَوْ كَانَ﴾ ما تدعوهم إليه يا محمدُ.
﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ نفعًا دنيويًّا سَهلَ المأخذِ.
﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ سهلًا غيرَ شاقٍّ.
﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ فخرجوا معك ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ المسافةُ.
﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ أي: المخلَّفون.
﴿بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ لو كانَ لنا استطاعةُ العدَّةِ والبدَنِ.
﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ باليمينِ الكاذبة.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ لأنهم كانوا مستطيعين.
* * *
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ .
[٤٣] فأذنَ ﷺ لجماعةٍ من المنافقينَ بالتخلُّفِ، فقالَ تعالى مقدِّمًا العفوَ على العَتْبِ تأنيًا وتطيبًا لقلبه ﷺ :
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ أي: دامَ لكَ العفوُ، وهو افتتاحُ كلامٍ بمنزلةِ: أصلحَكَ اللهُ وأعزَّكَ الله، أخبرَه بالعفوِ قبلَ أن يخبرَهُ بالذنبِ، ولو بدأه ﷺ بقوله ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ لخيفَ عليه أن ينشقَّ قلبُه من هَيبةِ هذا الكلام، لكنَّ الله تعالى برحمته أخبرَه بالعفوِ حتى سكنَ قلبُه، ثم قالَ له: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ بالتخلُّف؟ وهَلَّا أخرتهم ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في اعتذارِهم ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: تعلمَ مَنْ لا عذرَ له، قال ابنُ
﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ نزلتْ في ذي الخُوَيْصِرَةِ التميميِّ، واسمُه حرقوصُ بنُ زهير أصلُ الخوارج، كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يقسمُ غنائمَ حُنين، فاستعطفَ قلوبَ أهلِ مكَّةَ بتوفيرِ الغنائمِ عليهم، فقال: اعدلْ يا رسولَ الله، فقال: "وَيْلَكَ! إِنْ لَمْ أَعْدِلْ فَمَنْ يَعْدِلُ؟! " (١) و (٢) قيل: نزلتْ في أبي الجواظِ المنافقِ، قال: ألا ترونَ إلى صاحبِكم، إنما لقيتُم صدقاتِكم في رُعاةِ الغنمِ، ويزعمُ أنه يعدلُ (٣)، (وإذا) للمفاجأةِ جُعِلَتْ جوابًا للشرط، وهي هنا ظرفُ مكانٍ، التقديرُ: إِن لم يُعْطَوا، فاجؤوا السَّخط.
* * *
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ما أعطاهم الرسولُ من الغنيمةِ والصدقةِ، وذكرُ اللهِ للتعظيم.
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كفانا فضلُه.
﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ صدقةً أو غنيمةً أخرى.
﴿وَرَسُولُهُ﴾ فيؤتينا أكثرَ مما آتانا.
стр. 1315
﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ في أن يوسِّعَ علينا من فضلِه، وجوابُ (لو) محذوفٌ، تقديره: لكانَ خيرًا لهم.
* * *
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ثم بَيَّنَ اللهُ مصارِفَ الصدقات، رُويَ عن زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائيُّ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فبايعتُه، فأتاه رجل فقال: أَعْطِني من الصدقةِ، فقالَ له رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله (١) لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ، وَلاَ غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا، فَجَرأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ، أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ" (٢).
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ أي: الزكوات، و (إنما) للحصرِ تُثْبِتُ المذكورَ، وتنفي بها عداه.
﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ مذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ: الفقيرُ: مَنْ له بعضُ ما يكفيهِ، والمسكينُ: مَنْ لا شيءَ لهُ، فالفقيرُ عندَهما أحسنُ حالًا من المسكينِ، ومذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ بعكسِه، وأبو حنيفةَ يمنعُ من الصدقةِ مَنْ يملكُ نِصابًا، فإذا لمن يملكْه، جازَ أن يُعطى نصابًا وأكثرَ، ومالكٌ
стр. 1316
يُجَوِّزُ دفعَها لمن له نصابٌ لا كفايةَ له فيه، فَيُعطى نِصابًا وما فوقَه، وعندَ الشافعيِّ وأحمدَ: مَنْ ملكَ بها لا يقومُ بكفايتِهِ مُطْلقًا، فليس بغنيٍّ، فيعطى الفقيرُ والمسكينُ عندَ الشافعيِّ كفايةَ العمرِ الغالبِ، فيشتري بهِ عقارًا يستغلُّه، وعندَ أحمدَ: يُعطى لهما ولعائلتِهما تمامُ كفايتِهم سنةً.
﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ هم الجباةُ لها ومُفَرِّقوها، يعطَون على قدرِ عَمالتِهم معَ غِناهم بالاتفاقِ.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهمْ من يُتَأَلَّفُ قلبُه ليخلصَ إيمانه، أو يُرجى بعطيتهِ إسلامُ نظيرِه، أو جبايةُ الزكاةِ ممن لا يُعطيها، أو الدفعُ عن المسلمين، أو من يُتَّقى شرُّه من الكفار، أو يُرْجى إسلامُه. قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافعٍ: (وَالْمُؤَلَّفَةِ) بفتح الواو بغير همزٍ، والباقون: بالهمز، وحكمُهم غيرُ منسوخ، وسهمُهم ثابتٌ عندَ أحمدَ، وعندَ الشافعيِّ أَن حكمَ المؤلفةِ من المسلمينَ باقٍ، وأَن الكافرَ لا يُعطى تألفًا بحالٍ، وعندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ حكمُهم منسوخٌ، وسهمُهم ساقطٌ، إلا أن مالكًا قال: إنِ احتيجَ إليهم، جازَ الدفعُ لهم.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ هم المكاتبُون، يُعْطَون منها عندَ أبي حنيفة ما يُعانونَ به في فَكِّ رقبتِهم، وعندَ الشافعي قدرَ دَيْنهم، وقالَ مالكٌ: لا يُعطى المكاتبَون، وإنما يشتري الإمامُ رقابًا ويعتقُهم، والولاءُ للمسلمين بشرطِ الإسلامِ على المشهور، وقال أحمد بجوازِ الأمرين، ووافق الشافعيَّ في إعطائِهم قدرَ دَيْنهم، وقال أيضا: يجوزُ أن يَفْديَ بها أسيرًا مسلمًا، ورُوي مثله عن مالكٍ، والمشهورُ عنه خلافُه.
﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ هُم الذين عَلَتْهم الديونُ لغيرِ معصيةٍ، فمن غرمَ لإصلاحِ
стр. 1317
نفسِه في مُباحٍ، أُعطي إِذا لم يكنْ له من المالِ بها يفي بدينِه بالاتفاق، وإن غرمَ لإصلاحِ ذاتِ البَيْنِ، أُعطي مع غِناهُ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، خلافًا لأبي حنيفةَ ومالكٍ فإنهما يشترطانِ أن يكونَ فقيرًا.
﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ همُ الغزاةُ الذين لا ديوانَ لهم، فَيُعْطَون مع غناهم عندَ الثلاثة، وقال أبو حنيفةَ: هو مخصوصٌ بالفقير منهم، وقال أحمدُ: الحجُّ من سبيلِ اللهِ، فيُعطى الفقيرُ ما يحجُّ به الفرضَ، أو يستعينُ به فيه، وافقه محمدُ بنُ الحسنِ، وخالفَ أبو يوسف.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافرُ المنقطعُ دونَ بلدِه، فَيُعطى بها يقطعُ به سفرَهُ عندَ الثلاثة، وعندَ الشافعي لا فرقَ بينَ مُنْشِئ السفرِ والمجتازِ إذا لم يكنْ معه ما يحتاجُ إليه في سفره، ويُشترط في السفر أن يكونَ مباحًا عندَ الثلاثة؛ خلافًا لأبي حنيفة.
﴿فَرِيضَةً﴾ أي: واجبةً.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ؛ أي: فرضَ الصدقاتِ فريضةً.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يضعُ الأشياءَ في مواضِعها.
واختلفَ الأئمةُ في جوازِ صرفِها إلى بعضِ الأصنافِ الثمانيةِ، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يجوزُ صرفُها إلى صنفٍ واحدٍ، وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ صرفُها إلى بعضِهم معَ وجودِ سائرِهم، وقال مالكٌ: يُتَحَرَّى في موضعِ الحاجةِ منهم، ويُقَدَّمُ الأَوْلى فالأولى من أهل الخُلَّةِ والحاجةِ، ومعنى الخلةِ: الفقيرُ.
واتفقَ الأئمةُ ﵃ على وجوبِ الزكاةِ في أربعةِ أصنافٍ من المالِ: السائمةُ من بهيمةِ الأنعام، وهي التي تَرْعى في أكثرِ الحولِ،
стр. 1318
والخارجُ من الأرض، والنقدُ، وعروضُ التجارة.
ولا تجبُ إلا بشروطٍ خمسة: الإسلام، والحرية، وملك النصاب، وتمام الملك، فلا تجبُ على مكاتَبٍ، ومضيُّ الحولِ إلا في الخارجِ من الأرضِ، وتقدَّمَ الكلامُ عليه في سورةِ الأنعام عندَ تفسيرِ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الآية: ١٤١] وهل يُشترَطُ البلوغُ والعقلُ؟ قال الثلاثةُ: لا يُشترط، بل تجبُ في مالِ الصبيِّ والمجنونِ، وقال أبو حنيفة: يُشترط، فلا تجبُ عليهما.
والزكاةُ في اللغة: الزيادةُ، يقال: زكا المالُ: إذا نما وزادَ، وفي الشرعِ: حَقٌّ واجبٌ في مالٍ خاصٍّ لطائفةٍ مخصوصةٍ في وقتٍ مخصوصٍ.
ولا يجوزُ أداؤُها إلا بالنية بالاتفاق.
ويجوز تعجيلُها عندَ أبي حنيفةَ لسنةٍ أو أكثرَ، وعندَ الشافعيِّ لحولٍ واحدٍ، وعندَ أحمدَ لحولينِ، وقال مالكٌ: لا يجوزُ إخراجُ الزكاةِ قبلَ وجوبها.
واتفقوا على أن نصابَ الإبلِ خمسٌ، ففي كُلِّ خمسٍ شاةٌ إلى أربعٍ وعشرينَ، وفي خمسٍ وعشرينَ بنتُ مخاضٍ لها سنةٌ، ثم في سِتٍّ وثلاثينَ بنتُ لَبونٍ لها سنتان، ثم في سِتٍّ وأربعينَ حُقَّةٌ لها ثلاثُ سنينَ، ثم في إحدى وستينَ جَذَعَةٌ لها أربعُ سنين، ثم في سِتٍّ وسبعينَ بِنْتا لَبون، ثم في إحدى وتسعين حُقَّتانِ إلى مئةٍ وعشرين، فإن زادتْ واحدةً، فقال أبو حنيفة: يستأنفُ الفريضةَ، ففي كلِّ خمسٍ شاةٌ كالأول إلى مئةٍ وخمسٍ وأربعين، ففيها حُقَّتان وبنتُ مخاضٍ إلى مئةٍ وخمسين، ففيها ثلاثُ حقاقٍ، ثم في الخمسِ شاةٌ كالأولى إلى مئةٍ وخمسٍ وسبعين، ففيها ثلاثُ حقاقٍ،
стр. 1319
وبنتُ مخاضٍ، وفي مئةٍ وسِتٍّ وثمانين ثلاثُ حقاقٍ وبنتُ لبون، في كلِّ أربعينَ بنتُ لَبون، وفي كلِّ خمسين حقةٌ، وعن مالكٍ إذا زادت واحدةً، روايتان: أشهرُهما أن الساعيَ بالخِيار بينَ حُقَّتين أو ثلاثِ بناتِ لبون. وفي مئةٍ وستِّ وتسعينَ أربعُ حقاقٍ إلى مئتين، ثم تستأنف أبدًا كما استأنفتَ بعدَ المئةِ وخمسين، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: إن الزيادةَ الواحدةَ تغير الفرضَ، فيكونُ في مئةٍ وإحدى وعشرين ثلاثُ بناتِ لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وعن مالك إذا زادت واحدة روايتان؛ أشهرهما أن الساعي بالخيار بين حقتين أو ثلاث بنات لبون. والروايةُ الأخرى: ليس فيها إلا حُقَّتانِ حتى تبلغَ ثلاثينَ ومئةً، فإذا صارتْ كذلك، أُخِذَ من كلِّ خمسينَ حقةٌ، ومن كل ثمانين بنتا لبون.
واتفقوا على أن نصابَ البقرِ ثلاثون، ففيها تبَيعٌ أو تبَيعةٌ، وهي التي لها سنةٌ عندَ الثلاثةِ، وعندَ مالكٍ التي لها سنتانِ، وفي الأربعينَ مُسِنَّةٌ، وهي التي لها سنتانِ عندَ الثلاثةِ، وعندَ مالكٍ التي لها أربعُ سنينَ إلى تسعٍ وخمسينَ، فإذا بلغتْ ستين، ففيها تَبيعان إلى تسعٍ وستين، فإذا بلغتْ سبعين، ففيها تبيعٌ ومسنةٌ، فإذا بلغت ثمانين، ففيها مُسِنَّتانِ، وفي تسعينَ ثلاثةُ أتبعةٍ، وفي مئةٍ تبيعانِ ومسنةٌ، وعلى هذا أبدًا يعتبر الفرضُ، ففي كلِّ ثلاثين تبيعٌ، وفي كل أربعين مسنَّةٌ.
والجواميسُ نوعٌ منه بالاتفاق. واتفقوا على أن نصابَ الغنمِ أربعونَ، وفيها شاةٌ إلى مئةٍ وعشرين، فإذا زادت واحدةً، ففيها شاتان، ثم في مئتين وواحدةٍ ثلاثُ شياه إلى أربعِ مئةٍ ففيها أربعُ شياهٍ، ثم في كل مئةٍ شاةٌ.
والمعزُ والضأنُ سواءُ بالاتفاق.
واختلفوا فيما يؤخذ من الزكاة، فقال أبو حنيفةَ: أدنى ما تتعلَّقُ به الزكاةُ
стр. 1320
ويؤخَذُ في الصدقة الثَّنيُّ، وهو ما تَمَّتْ له السنةُ، ولا يجزئُ الجَذَعُ، وهو عندَه الذي أتى عليه أكثرُ السنةِ، وقالَ الثلاثةُ: يؤخذُ الجذعُ من الضأنِ، وهو ما لَهُ سنةٌ عندَ مالكٍ والشافعيِّ، وستةُ أشهرٍ عندَ أحمدَ، والثنيُّ من المعزِ، وهو ما له ثلاثُ سنينَ عندَ مالكٍ، وسنتانِ عندَ الشافعيِّ، وسنة عندَ أحمدَ.
واختلِفَوا في الخيلِ إذا لم تكنْ معدَّةً للتجارةِ، فقالَ الثلاثة: لا زكاةَ فيها، وقال أبو حنيفةَ: فيها الزكاةُ إن كانتْ سائمةً ذكورًا وإناثًا، أو إناثًا، فإن شاءَ أعطى عن كل فرسٍ دينارًا، وإن شاءَ قَوَّمها وأعطى عن كلِّ مئتي درهمٍ خمسةَ دراهمَ، وخالفه صاحباه، فوافقا الجماعةَ.
واختلفوا فيما إذا كانتِ الغنمُ ذُكورًا، أو إناثًا، أو من الصنفينِ، فقال أبو حنيفةَ: يجزئ أخذُ الذكرِ من كلٍّ، وقالَ الثلاثةُ: إن كانتْ كلُّها ذكورًا، أجزأَ الذكرُ، وإن كانتْ إناثًا، أو من الصنفين، فلا يجزئ فيها إلا الأنثى.
واتفقوا على أن نصابَ الفضةِ مئتا درهمٍ، وأما نصابُ الذهب، فقال مالكٌ: هو عشرون دينارًا، وقال الثلاثةُ: هو عشرون مثقالًا، فإذا حالَ الحولُ، ففي كل منهما ربعُ العشرِ بالاتفاق. واختلفوا (١) في الحليِّ المباحِ مما يُلْبَسُ ويُعار، فقال أبو حنيفة: فيه الزكاةُ، وقال الثلاثة: لا زكاةَ فيه، وأما المحرَّمُ والمعدّ للتجارةِ، ففيهما الزكاةُ بغير خلافٍ.
واختلفوا في زكاةِ المعدنِ، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: تجبُ في كلِّ ما يُستخرَجُ من الأرض من ذهبٍ وفضةٍ وحديدٍ ونحوِها، واختلفا، فقال أبو حنيفةَ: لا يُعتبر فيه النصابُ، بل يجبُ في قليلِه وكثيرِه الخمسُ، وهو فيء، والباقي لمستخرجِه، وقال أحمدُ: يعتبر النصابُ، وفيه ربعُ العشر
стр. 1321
زكاةً في الحال، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يتعلَّق بشيء (١) إلا بالذهبِ والفضةِ، ووافقا أحمدَ في اعتبارِ النصابِ ووجوبِ ربعِ العشرِ زكاةً في الحال.
ولا زكاةَ فيما يخرجُ من البحرِ من اللؤلؤ والمرجانِ بالاتفاق.
واختلفوا في الرِّكازِ، وهو دفنُ الجاهليةِ، فقال الثلاثةُ: فيه الخمسُ في الحال، قلَّ أو كثرَ من أيِّ نوعِ كان، والواجدُ كالغانمِ له أربعةُ أخماسٍ، ومصرفُه مصرفُ الفيء، وقال الشافعيُّ: شرطُه النصابُ والنقدُ، لا الحولُ، وفيه الخمسُ يصرَفُ مصرفَ الزكاةِ.
واتفقوا على وجوبِ الزكاة في عُروضِ التجارة إذا بلغَتْ قيمتُها نصابًا من الذهبِ أو (٢) الوَرِقِ ففيها ربعُ العشر.
ثم اختلفوا في استقرارِ وجوبِها بالحولِ، فقال الثلاثةُ: إذا حالَ عليها الحولُ، قَوَّمَها، فإذا بلغتْ نِصابًا، زَكَاها، وقال مالكٌ: لا تجبُ الزكاةُ حتى يبيعَ، فإنْ أقامَ أحوالًا، فلا شيءَ عليه ما دامَ عرضًا، ولا تُقَوَّمُ في كلِّ سنة، فإذا باعَ، زكَّى لسنةٍ واحدةٍ.
واتفقوا على وجوبِ زكاةِ الفطرِ على الأحرارِ المسلمينَ، وتلزمُ عندَ الثلاثة مَنْ ملكَ فاضلًا عن قوتِه وقوتِ عياله يومَ العيدِ وليلَتَه ما يُخرجُه فيها، وقال أبو حنيفة: لا تجبُ إلا على من ملكَ نصابًا، ووقتُ وجوبِها عندَ أبي حنيفةَ طلوعُ الفجرِ يومَ الفطرِ، وعندَ الثلاثةِ غروبُ الشمسِ ليلةَ الفطرِ، ويجوزُ تعجيلُها عند أبي حنيفةَ قبلَ رمضانَ، وعنه خلاف، وعندَ
стр. 1322
مالكٍ وأحمدَ يجوزُ تعجيلُها قبلَ العيدِ بيومٍ ويومينِ، وعندَ الشافعيِّ من أولِ الشهرِ، ويُستحبُّ إخراجُها يومَ الفطرِ قبلَ الخروجِ إلى المصلَّى بالاتفاق.
واتفقوا على جوازِ إخراجِها من خمسةِ أصنافٍ: البُرِّ، والشعيرِ، والتمرِ، والزبيبِ، والأَقِطِ، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يجزئُ الدقيقُ والسَّويقُ أيضًا، وقال مالكٌ: يجوزُ إخراجُها من الحَبِّ من سائرِ الأقواتِ؛ كالأرزِّ، والذرةِ، والدخنِ.
واتفقوا على أن الواجبَ صاعٌ من كلِّ جنسٍ، سوى أبي حنيفةَ؛ فإنَّه قالَ: يجزئ من البُرِّ خاصَّةً نصفُ صاعٍ.
واختلفوا في قدرِ الصاعِ، فقال أبو حنيفة: ثمانيةُ أرطالٍ بالعراقيِّ، وقال الثلاثةُ وأبو يوسفَ: خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ بالعراقيِّ، وهو أربعةُ أرطالٍ وخمسةُ أسباعِ رطلٍ وثلثُ سُبع رطلٍ مصريٍّ، ورطلٌ وسبعُ رطلٍ دمشقيٍّ، وإحدى عشرةَ أوقيةً وثلاثةُ أسباعِ أوقيةٍ حلبيةٍ، وعشرُ أواقٍ وسُبْعا أوقيةٍ قدسيةٍ، وستُّ مئةٍ وخمسةٌ وثمانونَ درهمًا، وخمسةُ أسباعِ درهمٍ، وأربعُ مئةٍ وثمانون مثقالًا.
وتقدَّمَ ذكرُ المدِّ مستوفًى في سورةِ المائدةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [الآية: ٨٩].
واختلفوا في جوازِ إخراج القيمة، فقالَ أبو حنيفةَ: يجوزُ، وخالفَهُ الثلاثةُ.
واختلفوا في الأفضلِ، فقال مالكٌ وأحمدُ: التمرُ أفضلُ، ثم الزبيبُ، وقال الشافعيُّ: البُرُّ أفضلُ، وقالَ أبو حنيفةَ: أفضلُ ذلك أكثرُه نماءً، والله أعلم.
* * *
стр. 1323
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ .
[٦١] ونزل فيمن كان يؤذي النَّبي ﷺ من المنافقين، ويقولُ: نأتيه ونُنْكِر ما قلنا، ونحلفُ فيصدِّقُنا؛ فإنَّهُ أُذُن.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ (١) أي: يسمعُ كلَّ ما قيلَ له ويقبلُه.
﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي: إذا كان كما تقولون، فهو خيرٌ لكم. قرأ نافعٌ: (أُذْنٌ) بإسكان الذال فيهما، والباقون: بالرفع (٢).
﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يصدِّقهم، إلا المنافقين.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ قرأ حمزةٌ: (وَرَحْمَةٍ) بالخفض على معنى (أُذُنِ) خيرٍ و (رحمةٍ)، والباقون: بالرفع؛ أي: هو أذنُ خيرٍ، وهو رحمةٌ (٣).
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ لأنه كان هو سببَ إيمانهم ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
من نزولِ سورةٍ على المؤمنين تخبرُ بما يُضمرونَ من النفاق، فَيُفْتَضحون، وهم مع ذلكَ يستهزئون.
﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ من إنزالِ السورةِ فيكم. قرأ أبو جعفرٍ: (اسْتَهْزُوا) بضم الزاي بغيرِ همزٍ، وكذلك في (يَسْتَهْزُؤنَ) في الحرف الآتي، والباقون: بالهمزِ فيهما (١).
* * *
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ .
[٦٥] وكان جماعةٌ يستهزئون برسولِ الله ﷺ لما كانَ في غزوةِ تبوكَ، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريدُ أن يفتحَ قصورَ الشامِ وحصونَه، هيهاتَ هيهاتَ! فأخبرَ اللهُ نبيَّهُ، فدعاهم فقال: "قُلْتُمْ كَذَا؟ "، فأنكروا واعتذروا، وقالوا: إنما كنا نخوضُ ونلعبُ، فنزلَ:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ﴾ (٢) في الكلام.
﴿وَنَلْعَبُ﴾ كما يفعلُ الركبُ نقطعُ الطريقَ بالحديثِ واللعِب.
﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾ كتابِه.
﴿وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ توبيخًا على استهزانِهم بمن لا يصحُّ الاستهزاءُ به.
* * *
﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ أنكروا وعابوا على المؤمنينَ.
﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وذلكَ أنَّ أهلَ المدينةِ كانوا قبلَ قدومِ النبيِّ ﷺ في ضَنْكٍ من العيش، فلما قدم النبيُّ ﷺ استغْنَوا بالغنائمِ، وقيلَ للحسينِ بنِ الفضلِ: هل تجدُ في القرآنِ قولَ الناسِ احذَرْ شَرَّ مَنْ أحسنتَ إليه؟ فقال: نعم، قولهُ تعالى في قصةِ المنافقينَ في التوبة: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١).
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ من كفرِهم ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من نفاقِهم وهو الذي حمل الجلاسَ على التوبةِ، فقُتِلَ مولى له، فأمرَ له النبيُّ ﷺ بديتِهِ اثني عشرَ ألفَ درهمٍ، فاستغنى.
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يُعْرِضوا عن الإيمان.
﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالخزيِ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنارِ.
﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فينجيهم من العذابِ.
* * *
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾ .
[٧٥] ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يعني: المنافقين.
﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ ولنؤدَينَّ حقَّ اللهِ منه.
﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ نعملُ بعملِ أهلِ الصلاحِ فيه، نزلَتْ في ثعلبةَ بنِ حاطبٍ الأنصاريِّ، أتى النبيَّ ﷺ وقالَ: ادعُ اللهَ أن يَرْزقني مالًا،
стр. 1333
فقال ﵇: "قِليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثيرٍ لاَ تُطِيقُهُ"، فراجعَهُ وقال: والذي بعثَكَ بالحق! لئنْ رزَقني مالًا؛ لأعطينَّ كل ذي حَقٍّ حقَّهُ، فدعا لهُ فاتخذَ غنمًا، فنمَتْ كما ينمى الدودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ، فنزلَ واديًا، وانقطعَ عن الجمعةِ والجماعةِ، فسألَ عنه ﷺ ، فقيل: كثرَ مالهُ حتى لا يسعُه وادٍ، فقال: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ! "، فبعث مُصَدِّقَينِ لأخذِ الصدقاتِ، فاستقبلَهما الناسُ بصدقاتِهم، ومرَّا بثعلبةَ فسألاهُ الصدقةَ، وأقرآه الكتابَ الذي فيه الفرائضُ، فقال: ما هذهِ إلا جزيةِ، ما هذهِ إلا أختُ الجزيةِ، فارجِعا حتى أَرى رأيي، فنزلتْ، فجاءَ ثعلبةُ بالصدقةِ فقالَ: "إنَّ اللهَ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ"، فجعلَ يحثو على رأسه الترابَ، فقالَ: "هَذَا عَمَلُكَ؛ فَقَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي"، فَقُبِضَ رسولُ الله ﷺ ، فجاءَ بها إلى أبي بكرٍ في خلافتهِ، فلم يقبلْها، ثم جاءَ بها إلى عمرَ في خلافتِه، فلم يقبلْها، ثم جاء بها إلى عثمانَ فلم يقبلْها، وهلك في خلافتِه (١).
* * *
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾ .
[٧٦] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ منعوا حق الله منه ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن طاعة الله ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهم قومٌ عادتُهم الإعراضُ عنها.
* * *
стр. 1334
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ .
[٧٧] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ أي: جعلَ اللهُ عاقبةَ ذلكَ ﴿نِفَاقًا﴾ ثابتًا.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فلا يؤمنون ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ هو يومُ القيامةِ.
﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ من التصدُّقِ والصلاحِ.
﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ في يمينِهم.
قالَ ﷺ : "آَيةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ" (١).
* * *
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ .
[٧٨] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ ما أَسروه في أنفسهم من النفاق.
﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ حديثَهم فيما كان بينَهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ فلا يخفى عليه ذلك. قرأ حمزةُ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (الْغِيُوبِ) بكسر الغين، والباقون: بالضم (٢).
стр. 1335
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ .
[٧٩] ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ قرأ يعقوبُ: (يَلْمُزُونَ) بضمِّ الميم، والباقون: بالكسر (١)؛ أي: يَعيبون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ المتبرِّعيَن.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ والمرادُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، تصدَّقَ بأربعةِ آلافِ درهمٍ، وكانَ مالهُ ثمانيةَ آلافٍ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ"، فباركَ اللهُ له، حتى أنه خلفَ امرأتينِ يومَ ماتَ، فبلغ ثُمْنُ مالِه لهما مئةً وستينَ ألفًا، وتصدَّقَ عاصمُ بنُ عديٍّ بمئةِ وسقِ تمرٍ، وجاء أبو عقيلٍ الأنصاريُّ بصاعِ تمرٍ، فقالَ: يا رسولَ الله! بِتُّ ليلتي أجرُّ بالجريدِ الماءَ حتى نلتُ صاعَيْنِ، فتركْتُ صاعًا لعيالي، وجئتُ بصاعٍ، فأمرَهُ رسولُ الله ﷺ أن ينثُرَهُ على الصدقاتِ، فلمزَهم المنافقونَ وقالوا: ما أَعْطَى عبدُ الرحمنِ وعاصمٌ إلا رياء، وإن اللهَ ورسولَه لَغَنِيَّانِ عن صاعِ أبي عقيلٍ، ولكنه أحبَّ أن يذكِّرَ بنفسه ليُعطى من الصدقاتِ، فنزلَتْ:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٢) بضمِّ الجيم: طاقَتَهم، وبالفتح: