المبحث الخامس مَنزِلَة الكِتَاب العِلْميَّة
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: أهمية الكتاب ومزاياه:
يعد هذا الكتاب من تفاسير الحنابلة التي سلمت من الضياع، والتي لم يخرج منها إلا النزر القليل (١)، ومؤلفه الإمام مجير الدين العليمي من أئمة الحنابلة في القرن العاشر الهجري، قد اعتنى فيه:
بذكر القراءات، واختلاف القراء فيها، وتوجيهها، وذكر معانيها.
وذكر فيه عقائد أهل السنة على وجه مختصر مفيد.
стр. 37
وسرد فيه فقه الأئمة الأربعة وفق منهج قويم، بعيد عن التعصب والتقليد.
واعتمد على الصحيح الراجح من أقوال المفسرين.
وجاءت عبارته سهلة ميسرة قريبة من كل العقول والأفهام.
ومن هنا امتدحه الإمام الغزي بقوله: وقفت له -أي: الإمام العليمي- على تفسير جليل على القرآن العظيم يشبه تفسير القاضي البيضاوي (١).
وقال فيه العلامة ابن بدران الحنبلي: وقد رأيته في مجلد، يفسر تفسيرًا متوسطًا، ويذكر القراءات، وإذا جاءت مسألة فرعية، ذكر أقوال الأئمة الأربعة فيها، وفيه فوائد لطيفة (٢).
* المطلب الثاني: المآخذ على الكتاب:
١ - نقل المؤلف ﵀ بعض المخالفات والإسرائيليات والاعتقادات التي لم ترد فيها نصوص صحيحة من كتب التفسير وغيرها، وإثباتها في كتابه هذا دون التنبيه إليها، ومن ذلك قوله: من قرأ حين يخاف مضرة الحيَّة والعقرب ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩] ما ضرتاه (٣).
وقوله: إن آخر آية من سورة محمد قد حوت كل حروف المعجم، ومن دعا بها الله، استجيب له (٤).
стр. 38
ومن ذلك قوله في قبر لقمان: وأنه مقصود للزيارة (١).
وكذا ما ذكره في قصة أصحاب الكهف، وغيرها.
٢ - إغفال المؤلف ﵀ للموارد التي ينقل عنها في غالب الأحيان، فقد أكثر النقل من تفسيري: "البغوي"، و"ابن عطية"، وغيرهما، ولم يصرح بالنقل عنهما إلا في مواضع قليلة جدًّا.
...
стр. 39
المبحث السادس وَصفُ النّسخِ الخَطّيَّة المُعتَمَدَة في التَّحْقِيقِ
تم الوقوف- بحمد الله- في تحقيق هذا السِّفر على أربع نسخ خطية:
أولاها: نسخة المكتبة السليمانية في تركيا.
وثانيتها: نسخة تشستربتي في مدينة دبلن بإيرلندا.
وثالثتها: نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق.
ورابعتها: نسخة خاصة من خزانة مخطوطاتي الأصلية -عمرها الله بكل نفيس مفيد، وحفظها بحفظه الدائم-.
وهذا وصف لكلِّ واحدة منها:
* النسخة الأولى:
وهي من محفوظات المكتبة السليمانية بتركيا، ضمن مجموع تحت رقم (١٤٣)، وتتألف من جزأين في (٣٧٩) ورقة:
أما الجزء الأول: فيقع في (١٩٤) ورقة، في كل ورقة وجهان، وفي الوجه (٣١) سطرًا، وفي السطر (١٨) كلمة تقريبًا.
أوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده، حمدًا يليق بجلال عظمته، ورفيع مجده. . .
стр. 40
وآخره عند سورة الإسراء. وجاء في نهايته: وقد وافق الفراغ من هذا الكتاب ثامن عشر شهر رمضان المعظم قدره، من شهور سنة ست عشرة وألف. أحسن الله ختامها، على يد أضعف العباد، الراجي عفو مالك المحامد، الفقير يحيى بن حامد، وذلك بالمسجد الأقصى الشريف المعظم قدره،. . . والحمد لله رب العالمين.
وأما الجزء الثاني: من هذه النسخة، فيقع في (١٨٥) ورقة، ويبتدئ من أول سورة الكهف، وينتهي بآخر سورة من القرآن الكريم، وجاء في آخره: قال جامعه -عفا الله عنه بكرمه-: وكان الفراغ من جمع هذا الجزء، عقب صلاة الظهر من يوم الخميس، الثالث والعشرين من شهر صفر، ختم بالخير والظفر، سنة أربع عشرة وتسع مئة، من الهجرة الشريفة النبوية المحمدية. . . وكان جمعه بالمسجد الأقصى الشريف -شرفه الله وعظمه- بقبة موسى -عمرها الله بذكره-. ووافق الفراغ من تبييضه عقب صلاة الظهر من يوم السبت، السابع والعشرين من جمادى الأولى، سنة سبع عشرة وتسع مئة وألف، الحمد لله وحده. . .
فهذه النسخة إذن قريبة العهد بمؤلفها، إذ ناسخها السيد يحيى بن حامد قد انتسخها سنة (١٠١٦ هـ).
وقد جاء على طرة الكتاب: اسم الكتاب ومؤلفه، وفهرست لأسماء السور وأرقام اللوحات الواردة فيها.
وعلى هذه النسخة عدة أختام، وقد لونت فيها الفصول وأسماء السور والآيات باللون الأحمر، ووضعت على الآيات الرموز التي التزمها المؤلف من الوقف وغيره.
стр. 41
وجاء على هوامشها تنبيهات إلي بداية ونهاية الأجزاء، وكذا أسماء السور، وفيها تنبيهات لما كرره المؤلف في بعض المواضع، وذكر المهمات التي أوردها المؤلف؛ كقول الناسخ: فائدة عزيزة، أو غريبة، أو مفيدة، ونحو ذلك. ويذكر أحيانًا توضيحات للمبهمات عند المؤلف، وإحالات على مراجع أُخر لزيادة على ما ذكره المؤلف.
وهذه النسخة نسخة جيدة في مجملها، معتمدة في إثبات نص مؤلفها، ولولا ما تخللها من بعض الأسقاط القليلة (١)، وبعض التحريفات والتصحيفات، لأغنت في بابها عن كل نسخ الكتاب الموجودة.
وقد رُمز هذه النسخة بالرمز "ت".
* النسخة الثانية:
وهي من محفوظات مكتبة تشستربتي في مدينة "دبلن" بإيرلندا، وتقع في (٣١٤) ورقة، تتألف من جزأين:
أما الجزء الأول: فهو يتألف من (١٤٥) ورقة، في كل ورقة وجهان، الوجه (٢٧) سطرًا، وفي السطر (٢٢) كلمة تقريبًا.
وهو مخروم في أوله، يبدأ عند قوله: الأربعة المشار إليهم، وربما ذكرت مذاهبهم في شيء من أصول الدين والفقه. . . إلى أن ذكر: في ذكر ما ورد في فضائل القرآن العظيم.
وآخره ينتهي عند قوله في سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]: واستعارة الشفاء للقرآن هو
стр. 42
بحسب إزالته للريب، وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات. وبعد هذا سقط إلى نهاية سورة الإسراء.
وأما الجزء الثاني: فيقع في (١٦٩) ورقة، ويبدأ من سورة الكهف بقوله: سورة الكهف مكية في قول جميع المفسرين.
وآخره: قال جامعه الفقير إلى رحمة ربه عبد الرحمن بن محمد العمري الحنبلي -ستره الله بحلمه، ولطف به-. . .: جمعته بالمسجد الأقصى الشريف -شرفه الله- في قبة موسى -عمرها الله بذكره- تجاه باب السلسلة، أحد أبواب المسجد الأقصى، في نحو ثمانية عشر شهرًا، وكان الفراغ منه في غرة يوم الجمعة الغراء من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته من شهور سنة أربع عشرة وتسع مئة من الهجرة.
وجاء بعده اسم ناسخه ابن عادل المرعشي الحنفي، الذي انتهى من نسخه سنة (٩٦٦ هـ) أي: بعد وفاة المؤلف ﵀ بثمان وثلاثين سنة.
وهذه النسخة لا بأس بها في المقابلة، إلا أنه قد أكثر فيها التصحيف والتحريف، وتكررت فيها الأسقاط (١).
وقد رُمز لهذه النسخة بالرمز "ش".
* النسخة الثالثة:
وهي من محفوظات المكتبة الظاهرية بدمشق، برقم (٩٢٨٧)، وتحتوي على المجلد الأول فقط من الكتاب، ويقع في (٣٢٢) ورقة، في
стр. 43
كل ورقة وجهان، وفي الوجه (٢٥) سطرًا، وفي السطر (١٤) كلمة تقريبًا.
أولها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده، حمدًا يليق بجلالة عظمته، ورفيع مجده. . .
وآخرها: نهاية سورة الإسراء عند قوله: قال عمر ﵁: قول العبد: الله أكبر، خير من الدنيا وما فيها، وهي أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، ثم أكدها. . .
وقد كتب في هوامشها أوائل الأجزاء، وآخرها، وأقسامها، كما ألحقت بعض الاستدراكات التي سقطت أثناء النسخ.
وهذه النسخة أفضل من سابقتيها؛ لضبط أكثر الكلام فيها بالشكل، ولخلوها من الأسقاط الموجودة في النسختين السابقتين، لولا أنها ناقصة المجلد الثاني، وإهمال رموز الوقف وغيرها التي وضعها المؤلف في أول الكتاب.
وقد رُمز لهذه النسخة بالرمز "ظ".
* النسخة الرابعة:
وهي تتألف من جزء واحد فقط، وتقع في (٢٧٠) ورقة، وفي الورقة وجهان، وفي الوجه (٢٦) سطرًا، وفي السطر (١٢) كلمة تقريبًا.
جاء على ظاهرها: الجزء الأول من "فتح الرحمن بتفسير القرآن" جمع القاضي مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي، صاحب التاريخ، نفعنا الله تعالى به.
стр. 44
وكتب عليه أيضًا: من أول القرآن إلى سورة يوسف، وقد كمل بحمد الله سبحانه في مجلدين آخرين.
وقد كتب على ظاهرها بعض التملكات.
أولها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده حمدًا يليق بجلال عظمته، ورفيع مجده.
وآخرها: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا (١٢)﴾ إلى الصحراء ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ (١٢)﴾ [يوسف: ١٢]. . . ويلهو. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: بالنون فيهما، وابن كثير: بكسر العين من (يرتع).
وهذه النسخة جيدة معتمدة أكثر من غيرها لو أنها كانت كاملة، فقد لونت فيها الآيات باللون الأحمر، وأسماء السور باللون الأخضر، والرموز التي التزمها المؤلف باللون الأصفر، إلا أنها أهملت عند نهاية سورة الأنعام، كما أثبت على هوامشها تقسيمات الأجزاء والأحزاب، وذكر العناوين والتنبيهات التي أوردها المؤلف في تفسيره. ولم يقع فيها إلا سقط واحد كما بين في (٢/ ١٥٦) من هذا الكتاب.
وقد رمز لهذه النسخة بالرمز "ن".
***
стр. 45
المبحث السابع بَيَان منْهَج التَّحقِيق
١ - نسخ النسخة الخطية لمكتبة تشستربتي، وذلك بحسب رسم وقواعد الإملاء الحديثة.
٢ - معارضة المنسوخ بالأصول الخطية المعتمدة في التحقيق، وهي نسخة المكتبة السليمانية ونسخة الظاهرية ونسختي الخاصة.
٣ - إثبات الفروق المهمة بين النسخ الخطية باعتماد الصواب في النص، والإشارة إلى الأسقاط الموجودة في النسخ كافة.
٤ - الزيادة في مواضع عدة ما كان النص لا يقوم إلا به، وجعل هذه الزيادة بين معكوفتين.
٥ - إدخال علامات الترقيم المعتادة على النص، وتفقير الكتاب.
٦ - إدراج الآيات القرآنية كاملة في بداية تفسير كل آية يتكلم عليها المؤلف برسم المصحف الشريف على رواية حفص، ملونة باللون الأخضر.
٧ - ضبط الأحاديث النبوية بالشكل، وكذا ضبط نص الكتاب بالشكل شبه الكامل، تيسيرًا وتسهيلًا على مطالعه.
٨ - تخريج الأحاديث النبوية الواردة لدى المؤلف، فإن كان الحديث
стр. 46
في "الصحيحين" أو أحدهما، فإنه يكتفي بالعزو إليهما دون غيرهما، وإلا، فمن باقي الكتب الستة، وذلك بذكر رقم الحديث والباب والكتاب اللذين ورد فيهما الحديث، مع الإشارة إلى اسم الصحابي الذي روى الحديث، فإن لم يكن فيها، تم تخريجه من غير الكتب الستة بذكر المصدر، ورقم الحديث، أو الجزء والصفحة.
٩ - عزو أسباب النزول التي ذكرها المؤلف إلى مصادرها -ما أمكن-.
١٠ - عزو القراءات إلى الكتب التي اعتنت بذلك؛ لتيسير الرجوع إلى مظانها.
١١ - عزو الآثار الواردة؛ بذكر اسم المصدر، ورقم الأثر، أو الجزء والصفحة.
١٢ - التنبيه إلى بعض القصص والأخبار والإسرائيليات في غالب الأحيان.
١٣ - عزو النقول والأقوال التي يصرح المؤلف ﵀ بذكرها.
١٤ - كتابة مقدمة للكتاب، مشتملة على ترجمة للمؤلف، ودراسة للكتاب.
١٥ - تذييل الكتاب بفهارس علمية مشتملة على:
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث النبوية.
- فهرس الآثار والأقوال.
- فهرس الإسرائيليات.
стр. 47
- فهرس موضوعات الكتاب.
- فهرس القراء.
- فهرس الأعلام.
- فهرس السور وما يحتوي الكتاب.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
***
стр. 48
صُوَر المخْطُوطات
стр. 49
صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش"
стр. 50
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش"
стр. 51
صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش"
стр. 52
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش"
стр. 53
صورة غلاف الجزء الأول من النسخة الخطية للمكتبة السليمانية بتركيا المرموز لها بـ "ت"
стр. 54
صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت"
стр. 55
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت"
стр. 56
صورة غلاف الجزء الثاني من النسخة الخطية للمكتبة السليمانية المرموز لها بـ "ت"
стр. 57
صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت"
стр. 58
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت"
стр. 59
صورة غلاف الجزء الأول من نسخة المكتبة الظاهرية المرموز لها بـ "ظ"
стр. 60
صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة الظاهرية المرموز لها بـ "ظ"
стр. 61
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة الظاهرية المرموز لها بـ "ظ"
стр. 62
صورة غلاف الجزء الأول من نسختي الخطية، المرموز لها بـ "ن"
стр. 63
صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسختي الخطية المرموز لها بـ "ن"
стр. 64
صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسختي الخطية المرموز لها بـ "ن"
стр. 65
فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ
تَأليف
الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ
المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ)
رَحِمَهُ الله تعَالى
المُجَلَّد الأَوَّلُ
اعتَنَى بِهِ
تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا
نُوْرُ الدِّيْن طَالب
إصدَارات
وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة
إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ
دولة قطر
стр. 66
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 67
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى الله عَلَى سَيِّدنَا محمَّد وَآلهِ وَصَحبهِ وَسَلَّم
الحمدُ للهِ الذي نزَّل الفرقانَ على عبدِه، حمدًا يليقُ بجلالِ عظمتِه ورفيعِ مجدِه.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، إلهٌ سَبَّحَ كلُّ شيءٍ بحمدِه.
وأشهدُ أن سيدَنا محمدًا عبدُه ونبيُّه الذي أرسلَه رحمةً للعالمين وأَيَّدَهُ بملائكةٍ من عندِه، وصلَّى اللهُ وسلَّم عليهِ وعلى آلِه وأصحابِه وأنصارِه وجندِه.
أمّا بعد:
فهذا كتابٌ لَخَّصْتُهُ مختصرًا، وهَذَّبْتُ لفظَهُ محرَّرًا، يتضمَّنُ نبذةً من تفسيرِ القرآنِ العظيمِ، وتأويل ما فيهِ من الآياتِ والذكرِ الحكيم.
اعتمدْتُ في نقلِه على كتبِ أئمةِ الإسلام، وانتقيتُه من فوائدِ العلماءِ الأعلام.
وذكرتُ فيه خلافَ القراءِ العشرةِ المشهورينَ الذين تواترتْ قراءتُهم، واشتهرت روايتُهم من طرقِ الرواةِ الثقاتِ، والأئمةِ الأثباتِ.
وهم: أبو رُوَيْمٍ نافعُ بنُ عبدِ الرحمنِ، وأبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القَعْقاعِ المدنيَّان، وأبو معبدٍ عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ المكيُّ، وأبو عمرٍو زبانُ بنُ العلاءِ المازنيُّ، وأبو محمدٍ يعقوبُ بنُ زيدٍ الحضرَميُّ البصريَّان، وأبو عمرانَ
стр. 68
عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ الشاميُّ، وأبو بكرٍ عاصمُ بنُ أبي النجودِ الأسديُّ، وأبو عمارةَ حمزةُ بنُ حبيبٍ الزيَّاتُ، وأبو الحسنِ عليُّ بنُ حمزةَ الكِسائيُّ الكوفيون.
ويدخلُ معهم أبو محمدٍ خلفُ بنُ هشامٍ البزاز؛ لموافقِته لهم ﵃ أجمعين-.
وذكرتُ فيهِ أربعةَ وقوفٍ: التامُّ، والكافي، والحسنُ، والقبيحُ مما اختارَه الإمامُ أبو عمرٍو عثمانُ بنُ سعيدٍ الداني ﵀ وغيرُه. وكتبتُ لفظَ الكتابِ العزيزِ بالأحمرِ، وتفسيرَه بالأسودِ، وإشارةَ الوقوفِ بينَ الأسطرِ بالأصفرِ، فللتامِّ (ت)، وللكافي (ك)، وللحسن (ح) وللقبيح (ق) (١).
فالوقفُ التامُّ هو الذي يحسُنُ القطعُ عليهِ والابتداءُ بما بعدَهُ؛ لأنه لا يتعلَّق بشيء مما بعدَه (٢).
والكافي هو الذي يحسُنُ الوقفُ عليه أيضًا، والابتداءُ بما بعدَه، غيرَ أنَّ الذي بعدَه متعلِّقٌ به من جهةِ المعنى دونَ اللفظ.
والحسنُ هو الذي يحسُنُ الوقفُ عليه، ولا يحسُنُ الابتداءُ بما بعدَه؛ لتعلُّقه به من جهةِ اللفظِ والمعنى جميعًا، ويسمَّى هذا الضربُ: صالحًا؛ إذ لا يمكنُ القارئ أن يقفَ في كلِّ موضع على تامٍّ ولا كافٍ؛ لأنَّ نَفَسَهُ ينقطعُ دونَ ذلكَ.
وأما الوقفُ القبيحُ، فهو الذي لا يُعرف المرادُ منه، وذلكَ نحوُ الوقفِ
стр. 69
على قوله: (بِسْمِ) و (مَالِكِ) و (رَبِّ) و (رُسُلِ) وشبهِه، والابتداءُ بقوله: (اللهِ) و (يَوْمِ الدِّينِ) و (الْعَالَمِينَ) و (السَّمَوَاتِ) و (اللهِ)؛ لأنه إذا وقفَ على ذلك لم يعلمْ إلى أَيِّ شيءٍ أُضيف، وهذا يسمَّى وقفَ الضرورة؛ لتمكنِ انقطاعِ النفسِ عندَه، والجُلَّةُ (١) من القراءِ وأهلِ الأداء ينهَوْنَ عن الوقفِ على هذا الضرب، وينكرونه، ويستحبُّونَ لمنِ انقطعَ نفسُه عليه أن يرجعَ إلى ما قبلَه حتى يصلَه بما بعده، وغيرُه يستسمِجون الوقفَ على القبيحِ؛ لأنَّ القارئَ يقدرُ على تفقُّدِه وتجنُّبِهِ.
وإذا كانَ في الآيةِ الشريفةِ حكمٌ متفَقٌ عليه، أو مختلَف فيه بينَ الأئمةِ الأربعةِ، وهم: أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ ﵃ ذكرتُه ملَخَّصًا، ولم ألتزم استيعابَ الأحكامِ، بل أذكرُ المهمَّ حسبَ الإمكان، ولم أتعرَّض لاختيارِ غيرِهم من الأئمةِ المتقدِّمين، وحيثُ أقولُ في الحكم: بالاتفاقِ، فالمرادُ: اتفاقُ الأربعةِ المشارِ إليهم.
وربما ذكرتُ مذاهبَهم في شيءٍ من أصولِ الدينِ والفقه على سبيلِ الاختصار في محلٍّ يناسبهُ، والله الموفق.
وقد جعلتُ في أولِه قبلَ الشروعِ في التفسيرِ عشرةَ فصولٍ ضَمَّنْتُها فوائدَ مما يتعلَّقُ بفضائلِ القرآنِ العظيم، وما وردَ في تفسيرهِ وجمعِه وكتابتِه، وغيرِ ذلكَ مما يحسُنُ ذكرُه إنْ شاءَ الله تعالى.
واللهُ سبحانَه المسؤولُ أن يجعلَه خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعَ بهِ بِمَنِّهِ وكرمِه، إنَّه مَنَّانٌ كريمٌ.
...
стр. 70
فَصْلٌ في ذِكْرِ ما وَرَدَ في فَضَائِل القُرآنِ العَظِيْمِ وَتَعْليمهُ وَتلَاَوتهُ وَوَعِيد مَنْ قَالَ فِيْهِ بِغَيْر عِلْمٍ
روي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ، فَقَدِ اسْتَصْغَرَ مَا عَظَّمَ اللهُ" (١).
وعنه ﷺ أنه قال: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (٢).
وعنه ﷺ أنه قال: "مَنِ اسْتَمَعَ إلى آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ، وَمَنْ قَرَأَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، كَانْتَ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣).
стр. 71
وعنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَارِ" (١).
...
стр. 72
فَصْلٌ في فَضْلِ تَفْسِيرِ القُرآنِ
رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: "لاَ يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثيرَةً" (١).
وقالَ أبو العاليةِ في تفسيرِ قوله : ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩] قالَ: الحكمةُ: الفهمُ في القرآن (٢).
وقال إياسُ بنُ معاويَة: مثلُ الذينَ يقرؤونَ القرآنَ وهم لا يعلمونَ تفسيرَهُ، كمثلِ قومٍ جاءَهم كتابٌ من مَلِكِهم ليلًا، وليسَ عندَهم مصباحٌ، فتداخَلَتْهم روعَةٌ و (٣) لا يَدْرونَ ما في الكتابِ، ومثلُ الذي يعرفُ التفسيرَ، كَمَثَلِ رَجُلٍ جاءَهم بالمصباحِ، وقرؤوا ما في الكتابِ (٤).
...
стр. 73
فَصْلٌ في الكَلاَمِ في تَفْسِيرِ القُرآنِ الكَرِيمِ
التفسيرُ أصلُه: الكشفُ والإظهارُ، وهو علمُ نزولِ الآيةِ وشأنِها وقصِتها والأسبابِ التي أنزلَتْ فيها، والأقوامِ الذينَ أريدوا بها.
والتأويل: مِنَ الأَوْلِ، وهو الرجوعُ، يقال: أَوَّلْتُهُ فآلَ؛ أي: صرفْتُهُ فانصرَفَ، فتأويلُ الآيةِ: صرفُها إلى معنىً تحتملُه موافِقًا لما قبلَها أو ما بعدَها.
ويروى أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ تَكَلَّمَ (١) فِي الْقُرآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ، فَقَدْ أَخْطَأَ" (٢).
...
стр. 74
فَصْلٌ في مَعنَى قَولِ النَّبِي ﷺ : إِنَّ هَذَا القُرآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (١)
اختلفَ العلماءُ في معنى هذا الحديثِ، وأكثرهُم على أنَّ المرادَ به: أُنزلَ على سبعِ لغاتٍ؛ أي: فيهِ عبارةُ سبعِ قبائلَ، بلغةِ جملتِها نزلَ القرآنُ، فيعبَّرُ عن المعنى فيه مرةً بعبارةِ قريشٍ، ومرةً بعبارةِ هُذَيلٍ، ومرةً بعبارةِ أسدٍ، ومرةً بغيرِ ذلكَ بحسبِ الأفصحِ والأوجزِ في اللفظِ.
وقد وَهِمَ بعضُ الناسِ فظنَّ أن المرادَ بالسبعةِ أحرفٍ الواردةِ في الحديثِ الشريفِ هي: قراءةُ الأئمةِ السبعةِ المشهورينَ، وهم: نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وهو خطأ؛ فإنَّ أئمةَ القراءةِ خلقٌ كثيرٌ، ومن جملتِهم هؤلاءِ السبعةُ، وأولُ من جمعَ قراءتَهم الأستاذُ الرُّحَلَةُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ موسى بنِ مجاهدٍ التميميُّ البغداديُّ بعدَ المئةِ الثالثةِ، واقتصرَ عليهم فقط، فظنَّ مَنْ لا علمَ له أنَّ هذهِ هي السبعةُ المذكورةُ في الخبر النبويِّ لا غيرُ، وليسَ الأمرُ كذلك، بل هي لغاتٌ للعربِ متفرقَةٌ في القرآنِ، مختلفةُ الألفاظِ، متفقَةُ المعاني.
стр. 75
فالقراءات السبعُ متواترةٌ بالاتفاقِ، وكذا الثلاثُ الزائدةُ عليها على الصحيح، وما لم يتواترْ، فليسَ بقرآنٍ، وهو ما خالفَ مصحفَ عثمانَ ﵁، وتكرهُ قراءةُ ما صحَّ منه، ولا تصح الصلاةُ به بالاتفاق، ويجوزُ عندَ أبي حنيفة أن يقرأ بالفارسيةِ إذا أدتِ المعانيَ على كمالها من غيرِ أن يخرمَ منها شيئًا، وعنهُ: لا تجوزُ القراءةُ بالفارسيةِ إلا للعاجزِ عن العربيةِ، وهو قولُ صاحبيهِ، وعليهِ الاعتمادُ، وعندَ الثلاثة: لا تجوزُ بغيرِ العربيةِ، والله أعلمُ.
ومصحفُ عثمانَ أحدُ الحروفِ السبعةِ، وهو قولُ أئمةِ السلفِ ﵃.
والتواترُ لغةً: التتابُعُ بمُهْلةٍ، واصطلاحًا: خبرُ جمعٍ مفيدٌ للعلم.
والآحاد: ما لم يتواترْ.
وللراوي شروطٌ منها: الإسلامُ والعقلُ والبلوغُ والضبطُ بالاتفاق، وكذا العدالةُ، وهي: صفة راسخةٌ في النفس تحملُ على ملازمةِ التقوى والمروءةِ، وتركِ الكبائرِ والرذائلِ بلا بدعةٍ مغلَّظةٍ.
وعن (١) أبي حنيفةَ: تُقبَلُ روايةُ مجهولِ العدالةِ، واللهُ أعلم.
...