Полный текст (1 377 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ومن باب التحلق يوم الجمعة
قال أبو داود: حدثنا مسدد نا يحيى عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر ونهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة.
الحلق مكسورة الحاء مفتوحة اللام جماعة الحلقة وكان بعض مشايخنا يرونه أنه نهى عن الحَلْق بسكون اللام وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة يوم الجمعة، فقلت له إنما هو الحلق جمع الحلقة؛ وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة والذكر فإذا فرغ منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك فقال قد فرجت عني وجزاني خيراً وكان من الصالحين ﵀.
ومن باب اتخاذ المنبر
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد نا يعقوب بن عبد الرحمن حدثني أبو حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي قال أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة قد سماها سهل أن مُري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، قال فرأيت رسول الله ﷺ كبر عليها ثم ركع وهوعليها ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ثم عاد فلما فرغ أقبل على الناس فقال أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي.
قلت: الغابة الغيضة وجمعها غابات وغاب. ومنه قولهم: ليث غاب، قال الشاعر:
وكنا كالحريق أصاب غابا ... فتخبو ساعة وتهب ساعا
وفيه من الفقه جواز أن يكون مقام الإمام أرفع من مقام المأموم إذا كان
стр. 247
ذلك لأمر يعلمه الناس ليقتدوا به، وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة وإنما كان المنبر مرقاتين فنزوله وصعوده خطوتان وذلك في حد القلة، وإنما نزل القهقرى لئلا يولي الكعبة قفاه.
فأما إذا قرأ الإمام السجدة وهو يخطب يوم الجمعة فإنه إذا أراد النزول لم يقهقر ونزل مقبلا على الناس بوجهه حتى يسجد وقد فعله عمر بن الخطاب.
وعند الشافعي أنه إن أحب أن يفعله فعل فإن لم يفعله أجزأه. وقال أصحلمب الرأي ينزل ويسجد، وقال مالك لا ينزل ولا يسجد ويمر في خطبته.
ومن باب الاحتباء والإمام يخطب
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف نا عبد الله بن يريد المقري نا سعيد بن أبي أيوب، عَن أبي مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب.
قلت: إنما نهى عن الاحتباء في ذلك الوقت لأنه يجلب النوم ويعرض طهارته للانتقاض فنهى عن ذلك وأمربالاستيفاز في القعود لاستماع الخطبة والذكر.
وفيه دليل على أن الاستناد يوم الجمعة في ذلك المقام مكروه لأنه بعلة الاحتباء أو أكثر.
ومن باب استئذان المحدث الإمام
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن الحسن المَصِيصي نا حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف.
قلت إنما أمره أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رعافا.
стр. 248
وفي هذا باب من الأخذ بالأدب في ستر العورة واخفاء القبيح من الأمر والتورية بما هو أحسن منه وليس يدخل في هذا الباب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل واستعمال الحياء وطلب السلامة من الناس.
ومن باب إذا دخل والإمام يخطب
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن عمرو بن دينار عن جابر أن رجلا جاء يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب قال أصليت يا فلان، قال لا قال قم فاركع.
قلت فيه من الفقه جواز الكلام في الخطبة لأمر يحدث وإن ذلك لا يفسد الخطبة وفيه أن الداخل المسجد والإمام يخطب لا يقعد حتى يصلي ركعتين. وقال بعض الفقهاء إذا تكلم أعاد الخطبة ولا يصلي الداخل والإمام يخطب والسنة أولى ما اتبع.
ومن باب من أدرك من الجمعة ركعة
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
قلت دلالته أنه إذا لم يدرك تمام الركعة فقد فاتته الجمعة ويصلي أربعا لأنه إنما جعله مدركا للجمعة بشرط إدراكه الركعة فدلالة الشرط تمنع من كونه مدركا لها بأقل من الركعة، وإلى هذا ذهب سفيان الثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقد روي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس وابن المسيب وعلقمة والأسود وعروة والحسن والشعبي والزهري.
стр. 249
وقال الحكم وحماد وأبو حنيفة من أدرك التشهد يوم الجمعة مع الإمام صلى ركعتين.
ومن باب الصلاة بعد الجمعة
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن الحسن حدثنا الحجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرني عطاء أنه رأى ابن عمر يصلي بعد الجمعة فينماز عن مصلاه الذي صلى الجمعة فيه قليلا غيركثير فيركع ركعتين قال ثم يمشي أنفس من ذلك فيركع أربع ركعات.
قوله فينماز معناه يفارق مقامه الذي صلى فيه، وهومن قولك مزت الشيء من الشيء إذا فرقنت بينهما، وقوله أنفس من ذلك يريد أبعد قليلا.
وقد اختلفت الرواية في عدد الصلاة بعد الجمعة، وقد رواها أبو داود في هذا الباب على اختلافها روي أربعا وروي ركعتين في المسجد، وروي أنة كان لا يصلي في المسجد حتى إذا صار إلى بيته صلى ركعتين.
قلت وهذا والله أعلم من الاختلاف المباح وكان أحمد بن حنبل يقول إن شاء صلى ركعتين وإن شاء صلى أربعا. وقال أصحاب الرأي يصلي أربعا وهو قول إسحاق وقال سفيان الثوري يصلي ركعتين ثم يصلي بعدها أربعا.
ومن كناب العيدين
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا إسحاق بن عثمان قال حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إلينا عمر بن الخطاب ﵁ فقام على الباب فسلم علينا فرددنا ﵇ ثم قال أنا رسول الله ﷺ إليكم وأمرنا بالعيدين أن نخرج فيهما الحيض والعتَّقَ ولا جمعةَ علينا ونهانا عن اتباع الجنائز.
стр. 250
العتق جمع عاتق يقال جارية عاتق وهي التي قاربت الإدراك ويقال بل هي المدركة.
أخبرني أبو عمر أخبرني أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: قالت جارية من الأعراب لأبيها اشتر لي لَوْطا أغطي به فُرعلي فإني قد عتقت تريد أدركت والفرعل ههنا الشعر واللوط الإزار.
ومن باب الخطبة في العيد
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل نا عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني عطاء عن جابر بن عبد الله قال قام رسول الله ﷺ يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب الناس فلما فرغ نبي الله ﷺ نزل فأتى النساء فذكّرهن وهو يتوكأ على يد بلال وبلال باسط ثوبه والنساء يلقين فيه صدقة تلقي المرأة فَتَخها.
الفتخ الخواتيم الكبار. واحدتها فتخة.
ومن باب تكبير العيدين
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد نا ابن لَهِيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات.
قلت وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك، عَن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وبه قال الزهري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال الشافعي ليس من السبع تكبيرة الافتتاح ولا من الخمس تكبيرة القيام.
وقال أبو ثور سبع تكبيرات مع تكبيرة الافتتاح وخمس في الثانية.
стр. 251
وروي عن ابن مسعود أنه قال يكبر الإمام أربع تكبيرات متواليات ثم يقرأ ثم يكبر فيركع ويسجد ثم يقوم فيقرأ ثم يكبر أربع تكبيرات يركع بآخرها، وإليه ذهب أصحاب الرأي، وكان الحسن يكبر في الأولى خمسا وفي الأخرى ثلاثا سوى تكبيرتي الركوع.
وروى أبو داود في هذا الباب حديثا ضعيفا، عَن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيد أربعاً تكبيره على الجنائز.
قال حدثنا محمد بن العلاء نا زيد بن حباب عن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن مكحول قال أخبرني أبو عائشة جليس لأبي هريرة، عَن أبي موسى.
ومن باب إذا لم يخرج الإمام للعيد يومه
يخرج من الغد
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر نا شعبة عن جعفر بن أبي وحشية، عَن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله ﷺ أن ركبا جاؤوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم.
قلت وإلى هذا ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق في الرجل لا يعلم بيوم الفطر إلاّ بعد الزوال.
وقال الشافعي إن علموا بذلك قبل الزوال خرجوا وصلى الإمام بهم صلاة العيد وإن لم يعلموا إلاّ بعد الزوال لم يصلوا يومهم ولا من الغد لأنه عمل في وقت إذا جاز ذلك الوقت لم يعمل في غيره، وكذلك قال مالك وأبو ثور.
قلت سنة رسول الله ﷺ أولى وحديث أبي عُمير صحيح فالمصير إليه واجب.
стр. 252
ومن باب الصلاة بعد صلاة العيد
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة حدثني عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرج رسول الله ﷺ يوم فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي خُرصها سِخابها.
الخرص الحلقة والسخاب القلادة.
وفي الحديث من الفقه أن عطية المرأة البالغة وصدقتها بغير إذن زوجها جائزة ماضية ولوكان ذلك مفتقرا إلى الأزواج لم يكن ﷺ ليأمرهن بالصدقة قبل أن يسأل أزواجهن الإذن لهن في ذلك.
ومن أبواب الاستسقاء
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي نا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر فيهما وحول رداءه فدعا واستسقى واستقبل القبلة.
قلت في قوله خرج رسول الله ﷺ بالناس يستسقي دليل على أن السنة في الاستسقاء الخروج إلى المصلى. وفيه أن الاستسقاء إنما يكون بصلاة.
وذهب بعض أهل العراق إلى أنه لا يصلي ولكن يدعو فقط. وفيه أنه يجهر بالقراءة فيها وهو مذهب مالك بن أنس والشافعي وأحمد، وكذلك قال محمد بن الحسن. وفيه أنه يحول رداءه وتأول على مذهب التفاؤل أي لينقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب.
وقد اختلفوا في صفة تحويل الرداء فقال الشافعي ينكس أعلاه ويتاخى أن
стр. 253
يجعل ما على شقه الأيمن على شقه الأيسر ويجعل الجانب الأيسر على الجانب الأيمن.
وقال أحمد بن حنبل يجعل اليمين على الشمال ويجعل الشمال على اليمين، وكذلك قال إسحاق وقول مالك قريب من ذلك.
قلت إذا كان الرداء مربعا نكسه وإذا كان طيلسانا مدورا قلبه ولم ينكسه.
قال أبو داود: حدثنا ابن عوف قال قرأت في كتاب عمرو بن الحارث الحمصي عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن ابن شهاب عن عباد بن تميم عن عمه وساق الحديث قال وحول رداعه وجعل عِطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله.
أصل العطاف الرداء وإنما أضاف العطاف إلى الرداء ههنا لأنه أراد أحد شقي العطاف الذي عن يمينه وعن شماله.
قال أبو داود: حدثنا النفيلي وعثمان بن أبي شيبة قالا، حَدَّثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، قال أخبرني أبي عن ابن عباس قال خرج رسول الله ﷺ في الاستسقاء وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد.
قلت في هذا دلالة على أنه يكبر كما يكبر في العيدين، وإليه ذهب الشافعي وهو قول ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول. وقال مالك يصلي ركعتين كسائر الصلوات لا يكبر فيها تكبير العيد غير أنه يبدأ بالصلاة قبل الخطبة كالعيد.
ومن باب رفع اليدين في الاستسقاء
قال أبو داود: حدثنا ابن أبي خلف نا محمد بن عبيد نا مسعر عن يزيد الفقيرعن جابر ﵁ قال رأيت النبي ﷺ يُواكي فقال اللهم اسقنا غيثا
стр. 254
مغيثاً مُغيثا مَريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل قال وأطبقت عليهم السماء.
قوله يواكي معناه التحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء، ومن هذا التوكؤ على العصا وهو التحامل عليها.
وقوله مريعا يروى على وجهين بالياء والباء فمن رواه بالياء جعله من المراعة وهي للخصب، يقال منه أمرع المكان إذا أخصب، ومن رواه مربعا بالباء كان معناه منبتا للربيع.
واستدل بفعل النبي ﷺ من لا يرى الصلاة في الاستسقاء، وقال ألا ترى أنه اقتصر على الدعاء ولم يصل له.
قال الشيخ قد ثبت الاستسقاء بالصلاة بما ذكره أبو داود في الأخبار المتقدمة وإنما وجهه وتأويله أنه كان بإزاء صلاة يريد أن يصليها فدعا في أثناء خطبته بالسقيا فاجتمعت له الصلاة والخطبة فجزت عن استئناف الصلاة والخطبة كما يطوف للرجل فيصادف الصلاة المفروضة عند فراغه من الطواف فيصليها فينوب عن ركعتي الطواف وكما يقرأ السجدة في آخر الركعة فينوب الركوع عن السجود.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال أصاب أهل المدينة قحط فقام رجل إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب فقال هلك الكراع والشاة فسل الله أن يسقينا فمد يده ودعا فهاجت ريح ثم أنشأت سحابا ثم اجتمع فأرسلت السماءعزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا.
العزالي جمع العزلاء وهم فم المزادة.
стр. 255
ومن باب صلاة الكسوف
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فخرج إلى المسجد فقام فكبر وصف الناس وراءه فاقترأ قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعا طويلا ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعا طويلا وهو أدنى من الركوع الأول ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف.
قلت قوله فكبر وصف الناس حوله. فيه بيان أن السنة أن يصلي الكسوف جماعة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل. وقال أهل العراق يصلون منفردين وعند مالك يصلون لكسوف القمر وحدانا وفي خسوف الشمس جماعة.
وفيه بيان أنه يركع في كل ركعة ركوعين وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي يركع ركعتين في كل ركعة ركوع واحد كسائر الصلوات.
وقد اختلفت الروايات في هذا الباب فروى أنس أنه ركع ركعتين في أربع ركعات وأربع سجدات وروي أنه ركعهما في ركعتين وأربع سجدات وروي أنه ركع ركعتين في ست ركعات وأربع سجدات. وروي أنه ركع ركعتين في عشر ركعات وأربع سجدات. وقد ذكر أبو داود أنواعا منها. ويشبه أن يكون المعنى في ذلك أنه صلاها مرات وكرات فكانت إذا طالت مدة
стр. 256
الكسوف مد في صلاته وزاد في عدد الركوع وإذا قصرت نقص من ذلك وحذا بالصلاة حذوها وكل ذلك جائز يصلي على حسب الحال ومقدار الحاجة فيه.
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن سعد حدثنا عمي نا أبي عن ابن إسحاق حدثني هشام بن عروة عن سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة قالت كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فصلى بالناس فقام فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة وحزرت قراءته، يَعني في الركعة الأخرى فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران.
قلت قولها فحزرت قراءته يدل على أنه لم يجهر بالقراءة فيها ولو جهر لم يحتج فيها إلى الحزر والتخمين. وممن قال لا يجهر بالقراءة مالك وأصحاب الرأي وكذلك قال الشافعي.
قال أبو داود: حدثنا عباس بن الوليد أخبرني أبي حدثنا الأوزاعي أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله ﷺ قرأ قراءة طويلة يجهر بها في صلاة الكسوف.
قلت وهذا خلاف الرواية الأولى عن عائشة؛ وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من أصحاب الحديث قالوا، وقوله المثبت أولى من قول النافي لأنه حفظ زيادة لم يحفظها النافي.
قلت وقد يحتمل أن يكون قد جهر مرة وخفت أخرى وكل جائز.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأسود بن قيس حدثني ثعلبة بن عباد عن سمرة بن جندب قال بينما أنا وغلام من الأنصار
стр. 257
نرمي غرضين لنا حتى إذا كانت الشمس قِيدَ رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق اسودت حتى آضت كأنها تَنُّومَةَ فقال أحدنا لصاحبه انطلق بنا إلى المسجد فوالله ليُحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله ﷺ في أمته حَدثا قال فدُفعنا إلى المسجد فإذا هو بارز وذكر صلاة رسول الله ﷺ وأنه قام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتاً.
قلت التنوم نبت لونه إلى السواد ويقال بل هوشجر له ثمركمد اللون.
وقوله فإذا هو بارز تصحيف من الراوي وإنما هو بأزز أي بجمع كثير، تقول العرب الفضاء منهم أزز والبيت منهم أزز إذا غص بهم لكثرتهم، وقد فسرناه في غريب الحديث. وفي قوله فلم نسمع له صوتا دليل على صحة إحدى الروايتين لعائشة أنه لم يجهر فيها بالقراءة.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ فلم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد ثم سجد فلم يكد يرفع ثم رفع ثم فعل في الأخرى مثل ذلك ثم نفخ في آخر سجوده فقال أف، ثم قال رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ففرغ من صلاته وقد امَّحصت الشمس.
قوله امحصت الشمس معناه انجلت، واصل المحص الخلوص يقال محصت الشيء محصا إذا خلصته من الشوب، فامحص إذا خلص منه. ومنه التمحيص من الذنوب وهو التطهير منها.
стр. 258
وفي الحديث بيان أن السجود في صلاة الكسوف يطول كما يطول الركوع وقال مالك لم نسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف كما يطول الركوع ومذهب الشافعي وإسحاق بن راهويه تطويل السجود كالركوع.
وفي الحديث دليل على أن النفخ لا يقطع الصلاة إذا لم يكن له هجاء فيكون كلمة تامة وقوله أف لا تكون كلاما حتى تشدد الفاء فيكون على ثلاثة أحرف من التأفيف كقولك أف لكذا، فأما والفاء خفيفة فليس بكلام، والنافخ لا يخرج الفاء في نفخه مشددة ولا يكاد يخرجها فاء صادقة من مخرجها بين الشفة السفلى ومقاديم الأسنان العليا ولكنه يفشيها من غير اطباق السن على الشفة وما كان كذلك لم يكن كلاماً.
وقد قال عامة الفقهاء إذا نفخ في صلاته فقال أف فسدت صلاته إلاّ أبا يوسف فإنه قال صلاته جائزة.
ومن باب صلاة السفر
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.
قلت هذا قول عائشة عن نفسها وليس برواية عن رسول الله ﷺ ولا بحكاية لقوله وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك من قوله فيحتمل أن يكون الأمر في ذلك كما قالاه لأنهما عالمان فقيهان قد شهدا زمان رسول الله ﷺ وصحباه وإن لم يكونا شهدا أول زمان الشريعة وقت إنشاء فرض الصلاة على النبي ﷺ فإن الصلاة فرضت عليه بمكة ولم تلق عائشة رسول الله ﷺ إلاّ بالمدينة ولم يكن
стр. 259
ابن عباس في ذلك الزمان في سن من يعقل الأمور ويعرف حقائقها ولا يبعد أن يكون قد أخذ هذا الكلام عن عائشة فإنه قد يفعل ذلك كثيرا في حديثه وإذا فتشت عن أكثر ما يرويه كان ذلك سماعا عن الصحابة وإذا كان كذلك فإن عائشة نفسها قد ثبت عنها أنها كانت تتم في السفر وتصلي أربعاً أخبرناه محمد بن هاشم أخبرنا الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها كانت تصوم في السفر وكانت تتم وتصلي أربعا.
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فكان أكثر مذاهب علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة، وقال حماد بن أبي سليمان يعيد من صلى في السفر أربعا، وقال مالك بن أنس يعيد ما دام في الوقت وقال أحمد بن حنبل السنة ركعتان، وقال مرة أنا أحب العافية من هذه المسألة. وقال أصحاب الرأي إن لم يقعد المسافر في التشهد في الركعتين فصلاته فاسدة لأن فرضه ركعتان فما زاد عليهما كان تطوعا فإن لم يفصل بينهما بالقعود بطلت صلاته.
وقال الشافعي هو بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر، وإليه ذهب أبو ثور. وقد روي الإتمام في السفر عن عثمان وسعد بن أبي وقاص وقد أتمها ابن مسعود مع عثمان بمنى وهو مسافر واحتج الشافعي في ذلك بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلى أربعا ولو كان فرضه القصر لم يكن يأتم مسافر بمقيم.
وأما قول أصحاب الرأي أن الركعتين الأخريين تطوع فإنهم يوجبونها على المأموم والتطوع لا يجبر عليه أحد فدل على أن ذلك من صلب صلاته.
стр. 260
قلت والأولى أن يقصر المسافر الصلاة لأنهم أجمعوا على جوازها.
واختلفوا فيها إذا أتم والإجماع مقدم على الاختلاف.
قال أبو داود: حدثنا خُشيش بن أصرم، حَدَّثنا عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن عبد الله بن طبية عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁ قصر الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله تعالى ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١] فقد ذهب ذلك اليوم فقال عجبتُ مما عجبتَ منه فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.
قلت وفي هذا حجة لمن ذهب إلى أن الإتمام هو الأصل ألا ترى أنهما قد تعجبا من القصر مع عدم شرط الخوف فلو كان أصل صلاة المسافر ركعتين لم يتعجبا من ذلك فدل على أن القصر إنما هوعن أصل كامل قد تقدمه فحذف بعضه وأبقى بعضه. وفي قوله صدقة تصدق الله بها عليكم دليل على أنه رخصة رخص لهم فيها، والرخصة إنما تكون إباحة لا عزيمة والله أعلم بالصواب.
ومن باب متى يقصر الصلاة المسافر
قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار، حَدَّثنا محمد بن جعفر، حَدَّثنا شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال أنس كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ شك شعبة يصلي ركعتين.
قلت إن ثبت هذا الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حدا فيما يقصر إليه الصلاة إلاّ أني لا أعرف أحدا من الفقهاء يقول به.
стр. 261
وقد روي عن أنس أنه كان يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ. وعن ابن عمر أنه قال إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر، وعن علي ﵁ أنه خرج إلى النُخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين ثم رجع من يومه.
وقال عمرو بن دينار قال لي جابر بن زيد أقصر بعرفة.
وأما مذاهب فقهاء الأمصار فإن الأوزاعي قال عامة الفقهاء يقولون مسيرة يوم تام وبهذا نأخذ، وقال مالك يقصر من مكة إلى عُسفان وإلى الطائف وإلى جدة وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وإلى نحو ذلك أشار الشافعي حين قال ليلتين قاصدتين، وروي عن الحسن والزهري قريب من ذلك قالا يقصر في مسيرة يومين. واعتمد الشافعي في ذلك قول ابن عباس حين سئل فقيل له يقصر إلى عرفة قال لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف، وروي عن ابن عمر مثل ذلك وهو أربعة برد وهذا عن ابن عمر أصح الروايتين وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي لا يقصر إلاّ في مسافة ثلاثة أيام.
ومن باب الجمع بين الصلاتين
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك، عَن أبي الزبير المكي، عَن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبرهم أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا.
قلت في هذا بيان أن الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة وغير المزدلفة جائز وفيه أن الجمع بين الصلاتين لمن كان نازلا في السفر غير سائر جائز.
стр. 262
وقد اختلف الناس في الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة بعرفة وبالمزدلفة فقال قوم لا يجمع بين صلاتين ويصلي كل واحدة منهما في وقتها يروى ذلك عن إبراهيم النخعي وحكاه عن أصحاب عبد الله، وكان الحسن ومكحول يكرهان الجمع في السفر بين الصلاتين.
وقال أصحاب الرأي إذا جمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر في أول وقتها ولا يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، ورووا عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يجمع بينهما كذلك.
وقال كثيرمن أهل العلم يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما إن شاء قدم العصر وإن شاء أخر الظهر على ظاهر الأخبار المروية في هذا الباب، هذا قول ابن عباس وعطاء بن أبي رباح وسالم بن عبد الله وطاوس ومجاهد، وبه قال من الفقهاء الشافعي وإسحاق بن راهويه، وقال أحمد بن حنبل إن فعل لم يكن به بأس.
قلت ويدل على صحة ما ذهب هؤلاء إليه حديث ابن عمرو وأنس عن النبي ﷺ وقد ذكرهما أبو داود في هذا الباب.
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود العتكي حدثنا حماد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر استُصرخ على صفية وهو بمكة فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم فقال إن رسول الله ﷺ كان إذا عجل به أمر في سفر جمع بين هاتين الصلاتين فسار حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا المفضَّل عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى
стр. 263
وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما.
قال أبو داود: وأخبرني سليمان بن داود المَهري حدثنا ابن وهب قال أخبرني جابر بن إسماعيل جابر هذا من أهل مصر عن عقيل بهذا الحديث قال ويؤخر المغرب حتى يجمع بينهما وبين العشاء حتى يغيب الشفق.
قلت ظاهر اسم الجمع عرفاً لا يقع على من أخر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها وعجل العصر فصلاها في أول وقتها لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها وإنما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معاً في وقت إحداهما ألا ترى أن الجمع بينهما بعرفة والمزدلفة كذلك. ومعقول أن الجمع بين الصلاتين من الرخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصهم ومعرفة أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلاً عن العامة وإذا كان كذلك كان في اعتبار الساعات على الوجه الذي ذهبوا إليه ما يبطل أن تكون هذه الرخصة عامة مع ما فيه من المشقة المربية على تفريق الصلاة في أوقاتها الموقتة.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك، عَن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر. وقال مالك أرى ذلك كان في مطر.
قلت وقد اختلف الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للممطور في الحضر فأجازه جماعة من السلف، روي ذلك عن ابن عمر وفعله عروة وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة وعامة فقهاء المدينة وهو قول مالك والشافعي وأحمد غير أن الشافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائماً وقت افتتاح الصلاتين معاً وكذلك قال أبو ثور ولم يشترط ذلك غيرهما
стр. 264
وكان مالك يرى أن يجمع الممطور في الطين وفي حال الظلمة وهو قول عمر بن عبد العزيز. وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي يصلي الممطور كل صلاة في وقتها.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثنا أبومعاوية، حَدَّثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قال فقلت لابن عباس ما أراد إلى ذلك؟ قال أراد أن لا تحرَج أمته.
قلت هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء واسناده جيد إلاّ ما تكلموا فيه من أمر حبيب، وكان ابن المنذر يقول ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث. وسمعت أبا بكر القفال يحكيه، عَن أبي إسحاق المروزي قال ابن المنذر ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله أراد أن لا تحرج أمته.
وحكي عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذه عادة.
قلت وتأوله بعضهم على أن يكون ذلك في حال المرض قال وذلك لما فيه من إرفاق المريض ودفع المشقة عنه فحمله على ذلك أولى من صرفه إلى من لا عذر له ولا مشقة عليه من الصحيح البدن المنقطع العذر.
وقد اختلف الناس في ذلك فرخص عطاء بن أبي رباح للمريض في الجمع بين الصلاتين وهو قول مالك وأحمد بن حنبل.
وقال أصحاب الرأي يجمع المريض بين الصلاتين إلاّ أنهم أباحوا ذلك على شرطهم
стр. 265
في جمع المسافر بينهما، ومنع الشافعي من ذلك في الحضر إلاّ للممطور.
ومن باب التطوع على الراحلة والوتر
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حَدَّثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ يُسبح على الراحلة أي وجه توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبه.
قلت قوله يسبح معناه يصلي النوافل والسبحة النافلة من الصلاة ومنه سبحة الضحى ولا أعلم خلافاً في جواز النوافل على الرواحل في السفر إلاّ أنهم اختلفوا في الوتر فقال أصحاب الرأي لا يوتر على الراحلة وقال النخعي كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض وإن أوترت على راحلتك فلا بأس.
وممن رخص في الوتر على الراحلة عطاء ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وروي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر، وكان مالك يقول لا يصلي على راحلته إلاّ في سفر يقصر فيه الصلاة.
وقال الأوزاعي والشافعي قصير السفر وطويله في ذلك سواء يصلي على راحلته.
وقال أصحاب الرأي إذا خرج من المصر فرسخين أو ثلاثا صلى على دابته تطوعاً.
وقال الأوزاعي يصلي الماشي على رجله كذلك يومىء إيماء قال وسواء كان مسافرا أو غير مسافر يصلي على دابته وعلى رجله إذا خرج من بلده لبعض حاجته.
قلت والوجه في ذلك أن يفتتح الصلاة مستقبلا للقبلة ثم يركع ويسجد حيث توجهت به راحلته ويجعل السجود أخفض من الركوع.
стр. 266
ومن باب متى يتم المسافر
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى، حَدَّثنا ابن عُلية، حَدَّثنا علي بن زيد، عَن أبي نصرة عن عمران بن حصين قال غزوت مع رسول الله وشهدت الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلاّ ركعتين ويقول يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا قوم سفر.
قلت هذا العدد جعله الشافعي حدا في القصر لمن كان في حرب يخاف على نفسه العدو. وكذلك كان حال رسول الله ﷺ أيام مقامه بمكة عام الفتح، فأما في حال الأمن فإن الحد في ذلك عنده أربعة أيام فإذا أزمع مقام أربع أتم الصلاة، وذهب في ذلك إلى مقام رسول الله ﷺ في حجه بمكة وذلك أنه دخل يوم الأحد وخرج يوم الخميس كل ذلك يقصر الصلاة فكان مقامه أربعة أيام، وقد روي عن عثمان بن عفان أنه قال من أزمع مقام أربع فليتم وهو قول مالك بن أنس وأبي ثور.
وقد اختلفت الروايات عن ابن عباس في مقام النبي ﷺ بمكة عام الفتح فروي عنه أن رسول الله ﷺ أقام سبع عشرة بمكة يقصر الصلاة وعنه أنه أقام تسع عشرة وعنه أنه أقام خمس عشرة وكل قد ذكره أبو داود على اختلافه فكان خبر عمران بن حصين أصحها عند الشافعي وأسلمها من الاختلاف فاعتمده وصار إليه.
وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري إذا أجمع المسافر مقام خمس عشرة أتم الصلاة، ويشبه أن يكونوا ذهبوا إلى إحدى الروايات عن ابن عباس. وقال الأوزاعي إذا أقام اثنتي عشرة ليلة أتم الصلاة وروي ذلك عن ابن عمر.
стр. 267
وقال الحسن بن صالح بن حي إذا عزم مقام عشر أتم الصلاة وأراه ذهب إلى حديث أنس بن مالك وقد ذكره أبو داود.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم المعنى قالا، حَدَّثنا وهيب، حَدَّثنا يحيى بن أبي إسحاق عن أنس بن مالك قال خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة فقلنا هل أقمتم بها شيئاً قال أقمنا عشرا.
وأما أحمد بن حنبل فإنه لا يحدد ذلك بالأيام والليالي ولكن بعدد الصلوات قال إذا جمع المسافر لاحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر فإذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك أتم. واحتج بحديث جابر وابن عباس أن النبي ﷺ قدم مكة لصبح رابعة قال وأقام الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن فكانت صلاته فيها إحدى وعشرين صلاة.
قلت وهذا التحديد يرجع إلى قريب من قول مالك والشافعي إلاّ أنه رأى تحديده بالصلوات أحوط وأحصر فخرج من ذلك زيادة صلاة واحدة على مدة أربعة أيام ولياليهن، وقال ربيعة قولا شاذا إن من أقام يوما وليلة أتم الصلاة.
ومن باب صلاة الخوف
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور، حَدَّثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد، عَن أبي عياش الزُّرَقي قال كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غِرةً لوحملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر فلما حضرت العصر
стр. 268
قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله ﷺ صفُّ وصفَّ بعد ذلك الصف صف آخر فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعا ثم سجد وسجد الصف الذين يلونه وقام الآخرون يحرسونهم فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعا فسلم عليهم جميعا فصلاها بعسفان وصلاها يوم بني سليم.
قال أبو داود رواه جابر وابن عباس وأبو موسى نحو هذا المعنى.
قلت صلاة الخوف أنواع وقد صلاها رسول الله ﷺ في أيام مختلفة وعلى أشكال متباينة يتوخى في كلًّ ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة وهي على اختلاف صورها مؤتلفة في المعاني وهذا النوع منها هو الاختيار إذا كان العدو بينهم وبين القبلة. وإن كان العدو وراء القبلة صلى بهم صلاته في يوم ذات الرقاع وقد ذكره أبو داود في هذا الباب.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوّات عن من صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم.
قلت وإلى هذا ذهب مالك والشافعي إذا كان العدو من ورائهم.
стр. 269
وأما أصحاب الرأي فإنهم ذهبوا إلى حديث ابن عمر.
قال أبو داود: حدثنا مسدد، حَدَّثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو وانصرفوا فقاموا في مقام أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم عليهم ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم.
قلت وهذا حديث جيد بالإسناد إلاّ أن حديث صالح بن خوات أشد موافقة لظاهر القرآن لأن الله سبحانه قال ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ [النساء: ١٠٢] الآية فجعل إقامة الصلاة لهم كلها لا بعضها وعلى المذهب الذي صاروا إليه إنما يقيم لهم الإمام بعض الصلاة لا كلها.
ومعنى قوله ﴿فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾ أي إذا صلوا كما روي عن النبي ﷺ أنه قال إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين أي فليركع ركعتين ثم قال ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا﴾ فكان دليل مفهومه أن هؤلاء قد صلوا وقوله فليصلوا معك مقتضاه تمام الصلاة وهوعلى قولهم لا يصلون معه إلاّ بعضها وقد ذكر الطائفتين ولم يذكر عليهما قضاء فدل أن كل واحدة منهما قد انصرفت عن كمال الصلاة، وهذا المذهب أحوط للصلاة لأن الصلاة تحصل مؤداة على سننها في استقبال القبلة وعلى مذهبهم يقع الاستدبار للقبلة ويكثر العمل في الصلاة، ومن الاحتياط في المذهب الأول أنهم إذا كانوا خارجين من الصلاة تمكنوا من الحرب إن كانت للعدو جولة وإذا كانوا في الصلاة لم يقدروا على ذلك فكان المصير إلى حديث صالح بن خوات أولى والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حَدَّثنا أبي، حَدَّثنا الأشعث عن الحسن، عَن أبي
стр. 270
بكرة قال صلى رسول الله ﷺ في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكان لرسول الله ﷺ أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين.
قلت: وهذا النوع من الصلاة أيضاً جاءت به الرواية على قضية التعديل وعبرة التسوية بين الطائفتين لا يفضل فيها طائفة على الأخرى بل كل يأخذ قسطه من فضيلة الجماعة وحصته من بركة الأسوة.
وفيه دليل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل.
قال أبو داود: حدثنا مسدد، حَدَّثنا يحيى عن سفيان حدثني الأشعث بن سليمان عن الأسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم، قال كنا مع سعيد بن العاص بطَبَرَستان فقال أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فقال حذيفة أنا فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا.
قلت: وهذا قد تأوله قوم من أهل العلم على صلاة شدة الخوف.
وروي عن جابر بن عبد الله أنه كان يقول في الركعتين في السفر ليستا بقصر إنما القصر واحدة عند القتال.
وقال بعض أهل العلم في قول الله تعالى ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١١٠] إنما هو أن يقصر ويصلي ركعة واحدة عند شدة الخوف قال وشرط الخوف ههنا معتبر باق ليس كما ذهب إليه من ألغى الشرط فيه.
قلت: وهذا تأويل قد كان يجوز أن يتأول عليه الآية لولا خبر عمر بن
стр. 271
الخطاب ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته، وكان إسحاق بن راهويه يقول أما عند الشدة تجزيك ركعة واحدة تومىء بها إيماء فإن لم تقدر فسجدة واحدة فإن لم تقدر فتكبيرة لأنها ذكر الله. ويروى عن عطاء وطاوس والحسن ومجاهد والحكم وحماد وقتادة في شدة الخوف ركعة واحدة يومىء بها إيماء.
فأما سائر أهل العلم فإن صلاة شدة الخوف عندهم لا ينقص من العدد شيئا ولكن يصلي على حسب الإمكان ركعتين أي وجه يوجهون إليه رجالا وركبانا يومئون إيماء، روي ذلك عن عبد الله بن عمر وبه قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي وهو قول مالك والشافعي. وأخبرنى الحسن بن يحيى عن ابن المنذر قال: قال أحمد بن حنبل كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز قال وقال أحمد ستة أوجه أو سبعة يروى فيه كلها جائز.
ومن باب صلاة الطالب
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن عمرو بن الحجاج أبو معمر البصري حدثنا عبد الوارث، حَدَّثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر، عَن أبي عبد الله بن أُنيس عن أبيه قال بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهُذَلي وكان نحو عُرنة وعرفات قال اذهب فاقتله فرأيته وحضرت صلاة العصر فقلت إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومىء إيماءً نحوه فلما دنوت منه قال لي من أنت قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذاك قال إني لفي ذاك فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد.
стр. 272
قلت واختلفوا في صلاة الطالب فقال عوام أهل العلم إذا كان مطلوبا كان له أن يصلي إيماء وإذا كان طالبا نزل إن كان راكبا وصلى بالأرض راكعا وساجدا، وكذلك قال الشافعي إلاّ أنه شرط في ذلك شرطا لم يشرطه غيره قال إذا قل الطالبون عن المطلوبين وانقطع الطالبون عن أصحابهم فيخافون عودة المطلوبين عليهم فإذا كان هكذا كان لهم أن يصلوا يومئون إيماء.
قلت وبعض هذه المعاني موجودة في قصة عبد الله بن أنيس.
باب تفريع أبواب التطوع
ومن باب التطوع
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا أبو المغيرة حدثني عبد الله بن العلاء حدثني عبيد الله بن زياد الكندي عن بلال أنه حدثه أنه أتى رسول الله ﷺ يؤذنه بصلاة الغداة فشغلت عائشة بلالا بأمر سألته عنه حتى فضحه الصبح فأصبح جدا وأنه أبطأ عليه بالخروج فقال إني كنت ركعت ركعتي الفجر فقال يا رسول الله إنك أصبحت جدا وساق الحديث.
قلت فضحه الصبح معناه دهمته فضحة الصبح، والفضحة بياض في غبرة وقد يحتمل أن يكون معناه أنه لما تبين الصبح جدا ظهرت غفلته عن الوقت فصار كمن يفتضح بعيب يظهر منه والله أعلم.
وقد رواه بعضهم فصَحه الصبح بالصاد غير المعجمة، قال ومعناه بان له
الصبح ومنها الإفصاح بالكلام وهو الإبانة باللسان عن الضمير.
ومن باب إذا أدرك الإمام ولم يصل ركتي الفجر
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب، حَدَّثنا حماد عن عاصم عن عبد الله
стр. 273
بن سَرجِس قال جاء رجل والنبي ﷺ يصلي الصبح فصلى الركعتين ثم دخل مع النبي ﷺ في الصلاة فلما انصرف قال يا فلان أيتهما صلاتك التي صليت وحدك أو التي صليت معنا.
قلت في هذا دليل على أنه إذا صادف الإمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر وتركهما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة.
وقوله أيتهما صلاتك مسألة إنكار يريد بذلك تبكيته على فعله.
وفيه دلالة على أنه لا يجوز أن يفعل ذلك وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإمام من صلاته لأن قوله أو التي صليت معنا يدل على أنه قد أدرك الصلاة مع رسول الله ﷺ بعد فراغه من الركعتين.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المتوكل حدثنا عبد الرزاق حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة.
قلت: وفي هذا بيان أنه ممنوع من ركعتي الفجر ومن غيرها من الصلوات إلاّ المكتوبة.
وقد اختلف الناس في هذا فروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يضرب الرجل إذا رآه يصلي الركعتين والإمام في الصلاة. وروي الكراهية في ذلك عن ابن عمر وأبي هُرَيْرَة وكره ذلك سعيد بن جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعطاء وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل.
ورخصت طائفة في ذلك روي ذلك عن ابن مسعود ومسروق والحسن ومجاهد ومكحول وحماد بن أبي سليمان.
стр. 274
وقال مالك إن لم يخف أن يفوته الإمام بالركعة فليركع خارجا قبل أن يدخل فإن خاف أن يفوته الركعة فليدخل مع الإمام فليصل معه.
وقال أبوحنيفة إن خشي أن يفوته ركعة من الفجر في جماعة ويدرك ركعة يصلي عند باب المسجد ثم دخل فصلى مع القوم، وإن خاف أن يفوته الركعتان جميعا صلى مع القوم.
ومن باب من فاتته متى يقضيها
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير عن سعد بن سعيد حدثني محمد بن إبراهيم عن قيس بن عمرو قال رأى النبي ﷺ رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله ﷺ صلاة الصبح ركعتان، فقال الرجل إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن فسكت رسول الله ﷺ .
قلت: فيه بيان أن لمن فاتته الركعتان قبل الفريضة أن يصليهما بعدها قبل طلوع الشمس وأن النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إنما هو فيمل يتطوع به الإنسان إنشاءً وابتداءً دون ما كان له تعلق بسبب.
وقد اختلف الناس في وقت قضاء ركعتي الفجر فروي عن ابن عمر أنه قال يقضيهما بعد صلاة الصبح وبه قال عطاء وطاوس وابن جريج.
وقال طائفة يقضيهما إذا طلعت الشمس، وبه قال القاسم بن محمد وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال أصحاب الرأي إن أحب قضاهما إذا ارتفعت الشمس فإن لم يفعل فلا شيء عليه لأنه تطوع.
стр. 275
وقال مالك يقضيهما ضحى إلى وقت زوال الشمس ولا يقضيهما بعد الزوال.
قال أبو داود: حدثنا الربيع بن نافع، حَدَّثنا محمد بن المهاجر عن العباس بن سالم، عَن أبي سلام، عَن أبي أمامة عن عمرو بن عنبسة السُّلمي أنه قال: قلت يارسول الله أي الليل اسمع قال جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح ثم اقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قِيسَ رمح أو رمحين فإنها تطلع بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار ثم صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله ثم أقصر فإن جنهم تسجر وتفتح أبوابها فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة حتى تصلي العصر ثم أقصر حتى تغرب النشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار وساق الحديث.
قلت: قوله أي الليل أسمع، يريد أي أوقات الليل أرجى للدعوة وأولى بالاستجابه وضع السمع موضع الاجابة كما يقول المصلي سمع الله لمن حمده، يريد استجاب الله دعاء من حمده. وقوله جوف الليل الآخر يريد به ثلث الليل الآخر وهو الجزء الخامس من أسداس الليل، وقيس رمح معناه قدر رمح في رأي العين يقال هو قيس رمح وقيد رمح بمعنى واحد.
وقوله فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، معناه أن الملائكة تشهدها وتكتب أجرها للمصلي.
ومعنى قوله حتى يعدل الرمح ظله وهو إذا قامت الشمس قبل أن تزول، فإذا تناهى قصر الظل فهو وقت اعتداله وإذا أخذ في الزيادة فهو وقت الزوال.
قلت وذكره تسجير جهنم وكون الشمس بين قرني الشيطان وما أشبه ذلك
стр. 276
من الأشياء التي تذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء أو لنهي عن شيء أمور لا تدرك معانيها من طريق الحس والعيان، وإنما يجب علينا الإيمان بها والتصديق بمخبوءاتها والانتهاء إلى أحكامها التي علقت بها وقد ذكرت فيما تقدم من الكتاب ما قيل في معنى قرني الشيطان وحكيت في ذلك أقوالا لأهل العلم فأغنى عن إعادتها ههنا.
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة، عَن أبي إسحاق عن الأسود ومسروق قالا نشهد على عائشة أنها قالت ما من يوم يأتي على النبي ﷺ إلاّ صلى بعد العصر ركعتين.
قلت صلاة النبي ﷺ في هذا الوقت قد قيل أنه مخصوص بها، وقيل إن الأصل فيه أنه صلاها يوما قضاء لفائت ركعتي الظهر وكان ﷺ إذا فعل فعلا واظب عليه ولم يقطعه فيما بعد.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله النفيلي حدثنا ابن عُلَية عن الجُريري عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة لمن شاء.
قلت أراد بالأذانين الأذان والإقامة حمل أحد الاسمين على الآخر والعرب تفعل ذلك كقولهم الأسودين للتمر والماء، وإنما الأسود أحدهما، وكقولهم سيرة العمرين يريدون أبا بكر وعمر ﵄ وإنما فعلوا ذلك لأنه أخف على اللسان من أن يثبتوا كل اسم منهما على حدته ويذكروه بخاص صفته، وقد يحتمل أن يكون ذلك في الأذانين حقيقة الاسم لكل واحد منهما لأن الأذان في اللغة معناه الإعلام. ومنه قوله تعالى ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٣] فالنداء
стр. 277
بالصلاة أذان بحضور الوقت والإقامة أذان بفعل الصلاة.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن منيع، حَدَّثنا عباد بن عباد عن واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر، عَن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: يصبح على كل سلامى من بني آدم صدقة فتسليمه على من لقي صدقة وأمره بالمعروف صدقة ونهيه عن المنكر صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة وبضعته أهله صدقة ويجزي من ذلك كله ركعتا الضحى.
قلت: السُّلامى عظام أصابع اليد والرجل ومعناه عظام البدن كلها يريد أن في كل عضو ومفصل من بدنه عليه صدقة.
ومن باب صلاة النهار
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن علي بن عبد الله البارقي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
قلت: روى هذا الحديث عن ابن عمر نافع وطاوس وعبد الله بن دينار لم يذكر فيه أحد صلاة النهار إنما هو صلاة الليل مثنى مثنى، إلاّ أن سبيل الزيادات أن تقبل وقد قال بهذا في النوافل مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد صلى رسول الله ﷺ صلاة الضحى يوم الفتح ثماني ركعات يسلم عن كل ركعتين. وصلاة العيد ركعتان والاستسقاء ركعتان وهذه كلها من صلاة النهار.
قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى، حَدَّثنا معاذ بن معاذ، حَدَّثنا شعبة حدثني عبد ربه بن سعيد عن أنس بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع عن عبد الله بن الحارث عن المطلب عن النبي ﷺ قال: الصلاة مثنى مثنى وأن تشهد في كل ركعتين وأن تبأس وتَمَسكن وتقنع بيدك وتقول اللهم فمن لم يفعل ذلك فهي خداج.
стр. 278
قلت: أصحاب الحديث يغلطون شعبة في رواية هذا الحديث، قال محمد بن إسماعيل البخاري أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع قال عن أنس بن أبي أنس وإنما هو عمران بن أبي أنس، وقال عن عبد الله بن الحارث وإنما هو عن عبد الله بن نافع عن ربيعة بن الحارث وربيعة بن الحارث هو ابن المطلب فقال هو عن المطلب، والحديث عن الفضل بن عباس ولم يذكر فيه الفضل.
قلت ورواه الليث بن سعد عن عبد ربه بن سعيد عن عمران بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن عباس عن النبي ﷺ وهو الصحيح.
وقال يعقوب بن سفيان في هذا الحديث مثل قول البخاري وخطأ شعبة وصوب الليث بن سعد، وكذلك قال محمد بن إسحاق بن خزيمة.
وقوله تبأس معناه إظهار البؤس والفاقة وتمسكن من المسكنة، وقيل معناه السكون والوقار والميم مذيدة فيها واقناع اليدين رفعهما في الدعاء والمسألة، وقوله اللهم نداء معناه يا الله، وزعم بعض النحويين أنهم لما أسقطوا ياء من أوله عوضوا منها الميم في آخره.
وقال بعضهم اللهم معناه يا الله امنا بخير أي اقصدنا بخير فحذف حذف الإضافة اختصارا؛ والخداج ههنا الناقص في الأجر والفضيلة.
ومن باب قيام الليل
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب بمكان كل عقدة عليك ليلا طويلا وذكر الحديث.
قوله قافية رأس أحدكم يريد مؤخر الرأس ومنه سمي آخر بيت الشعر قافية.
стр. 279
وقلت لأعرابي ورد علينا أين نزلت فقال في قافية ذلك المكان وسمى لي موضعا عرفته.
ومن باب صلاة الليل
قال أبو داود: حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي وابن أبي ذيب عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى أن ينصدع الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ثنتين ويوتر بواحدة ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه فإذا سكت المؤذن بالأول من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن.
قلت: قوله سكت بالأول معناه الفراغ من الأذان الأول يريد أنه لا يصلي ما دام يؤذن فإذا فرغ من الأذان وسكت قام فصلى ركعتي الفجر.
وقوله ينصدع معناه ينشق.
ومن باب ما يؤمر به من القصد
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، عَن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: اكْفَلوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا.
معناه أن الله سبحانه لا يمل أبدا وإن مللتم، وهذا كقول الشاعر الشنفرى:
صَلِيتْ مني هُذيل بحرق...... لا يمل الشرَّ حتى تملوا
يريد أنه لا يمل إذا ملوا ولوكان يمل عند ملالهم لم يكن له عليهم فضل، وقيل معناه أن الله لا يمل من الثواب ما لم تملوا من العمل، ومعنى يمل يترك
стр. 280
لأن من مل شيئا تركه وأعرض عنه.
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن سعد حدثنا عمي حدثنا أبي عن ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ بعث إلى عثمان بن مظعون فجاءه فقال يا عثمان ارغبة عن سنتي فقال لا والله يا رسول الله لكني سنتك اطلب. قال فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وافطر وصل ونم.
قوله إن لأهلك عليك حقا، يريد أنه إذا دأب نفسه وجهدها ضعفت قواه فلم يتسع لقضاء حق أهله. وقوله وإن لضيفك عليك حقا، فيه دليل على أن المتطوع بالصوم إذا أضافه ضيف كان المستحب أن يفطر ويأكل معه ليبسط بذلك منه ويزيد في إيناسه بمواكلته إياه وذلك نوع من إكرامه وقد قال ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.
باب تفريع أبواب شهر رمضان
ومن باب قيام شهر رمضان
قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو بن علقمة عن محمد بن إبراهيم، عَن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعا فأمرني رسول الله ﷺ فضربت له حصيرا فصلى رسول الله ﷺ فيه وصلى بصلاته الناس وذكر الحديث.
قولها أوزاعاً يريد متفرقين ومن هذا قولهم وزعت الشيء إذا فرقته وفيه إثبات الجماعة في قيام شهر رمضان، وفيه إبطال قول من زعم إنها محدثة.
стр. 281
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير، عَن أبي ذر، قال صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل فلما كانت السادسة لم يقم بنا فلما كانت الخامسة قام بنا حتى إذا ذهب شطر الليل فقلت يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة قال: فقال إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة، قال فلما كانت الرابعة لم يقم بنا فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال قلت وما الفلاح، قال السحور ثم لم يقم بنا بقية الشهر.
قلت: أصل الفلاح البقاء وسمي السحور فلاحا إذ كان سبباً لبقاء الصوم ومعيناً عليه.
قال أبو داود: حدثنا نصر بن علي وداود بن أمية أن سفيان أخبرهم، عَن أبي يعفور وقال داود بن أمية عن ابن عبيد بن نسطاس، عَن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر أحيا الليل وشد المئزر وأيقظ أهله.
شد المئزر يتأول على وجهين: أحدهما هجران النساء وترك غشيانهن. والآخَرُ الجد والتشمير في العمل.
أبواب قراءة القرآن وتحزيبه وترتيله
ومن باب تحزيب القرآن
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا أبو خالد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى عن عثمان بن عبد الله بن أوس بن حذيفة عن جده، قال قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف وساق الحديث قال وكان رسول الله ﷺ يأتينا كل ليلة بعد العشاء فيحدثنا قائماً على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول
стр. 282
القيام، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه قريش، قال كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلت لقد أبطأت عنا الليلة قال أنه طرأ عليّ حزبي من القرآن وكرهت أجيء حتى أتمه.
قوله يراوح بين رجليه هو أن يطول قيام الإنسان حتى يعيا فيعتمد على إحدى رجليه مرة ثم يتكئ على رجله الأخرى مرة، وسجال الحرب نوبها وهي جمع سجل وهو الدلو الكبيرة وقد يكون السجال مصدر ساجلت الرجل مساجلة وسجالا وهو أن يستقي الرجل من بئر أو ركية فينزع هذا سجلا وهذا سجلا يتناوبان السقي بينهما.
وقوله ندال عليهم ويدالون علينا يريد أن الدولة تكون لنا عليهم مرة ولهم علينا أخرى.
وقوله طرأ علي حزبي من القرآن يريد أنه كان قد أغفله عن وقته ثم ذكره فقرأه وأصله من قولك طرأ عليّ الرجل إذا خرج عليك فجأة طروءاً فهو طارئ.
قال ابو داود: حدثنا عباد بن موسى حدثنا إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل، عَن أبي إسحاق عن علقمة والأسود، قالا أتى ابن مسعود رجل فقال إني أقرأ الفصل في ركعة فقال أهذاً كهذَّ الشعر ونثراً كنثر الدَّقَل.
الهذ سرعة القراءة وإنما عاب عليه ذلك لأنه إذا أسرع القراءة ولم يرتلها فاته فهم القرآن وإدراك معانيه.
سجود القرآن
ومن باب السجود في صاد
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو عن ابن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عَن أبي سعيد الخدري أنه قال قرأ رسول الله وهو على المنبر صاد فلما بلغ السجدة نزل فسجد
стр. 283
وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال رسول الله ﷺ : إنما هو توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود فنزل وسجد وسجدوا.
قوله تشزن الناس معناه استوفزوا للسجود وتهيؤوا له وأصله من الشزن وهو القلق يقال بات فلان على شزن إذا بات قلقاً يتقلب من جنب إلى جنب.
واختلف الناس في سجدة صاد فقال الشافعي سجود القرآن أربع عشرة سجدة في الحج منها سجدتان وفي المفصل ثلاثة وليس في صاد سجدة.
وقال أصحاب الرأي في الحج سجدة واحدة وأثبتوا السجود في صاد.
وقال إسحاق بن راهويه سجود القرآن خمس عشرة سجدة وأثبت السجود في «ص» والسجدتين في «الحج» .
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن الفرات الرازي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يُقْرأ عليه القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه.
قلت: فيه من الفقه أن المستمع للقرآن إذا قرئ بحضرته السجدة يسجد مع القارئ. وقال مالك والشافعي إذا لم يكن قعد لاستماع القرآن فإن شاء سجد وإن شاء لم يسجد.
وفيه بيان أن السنة أن يكبر للسجدة وعلى هذا مذهب أكثر أهل العلم. وكذلك يكبر إذا رفع رأسه.
وكان الشافعي وأحمد بن حنبل يقولان يرفع يديه إذا أراد أن يسجد.
وعن ابن سيرين وعطاء إذا رفع رأسه من السجود يسلم وبه قال إسحاق بن راهويه
стр. 284
واحتج لهم في ذلك بقوله ﷺ تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وكان أحمد بن حنبل لا يعرف التسليم في هذا.
ومن باب الوتر
باب استحباب الوتر
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى عن زكريا، عَن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر.
قلت تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدل على أن الوتر غير واجب ولو كان واجبا لكان عاما وأهل القرآن في عرف الناس هم القراء والحفاط دون العوام وسل على ذلك أيضاً قوله للأعرابي ليس لك ولا لأصحابك.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو حفص الأبار عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عَن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ بمعناه فقال أعرابي ما تقول قال ليس لك ولا لأصحابك.
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد وقتيبة المعنى قالا: حَدَّثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن راشد الزوفي عن عبد الله بن أبي مرة الزوفى عن خارجة بن حذافة، قال أبو الوليد العدوي خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر فجعلها لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.
قوله أمدكم بصلاة يدل على أنها غير لازمة لهم ولو كانت واجبة لخرج الكلام فيه على صيغة لفظ الإلزام فيقول ألزمكم أو فرض عليكم أو نحو ذلك من الكلام.
وقد روي أيضاً في هذا الحديث أن الله قد زادكم صلاة ومعناه الزيادة في النوافل
стр. 285
وذلك أن نوافل الصلوات شفع لا وتر فيها، فقيل أمدكم بصلاة وزادكم صلاة لم تكونوا تصلونها قبل على تلك الهيئة والصورة وهي الوتر.
وفيه دليل على أن الوتر لا يقضى بعد طلوع الفجر، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وهو قول عطاء.
وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي يقضي الوتر وإن كان قد صلى الفجر، وكذلك قال الأوزاعي.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو إسحاق الطالقاني حدثنا الفضل بن موسى عن عبيد الله بن عبد الله العتكي عن ابن بريدة عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا.
قلت معنى هذا الكلام التحريض على الوتر والترغيب فيه وقوله ليس منا معناه من لم يوتر رغبة عن السنة فليس منا.
وقد دلت الأخبار الصحيحة على أنه لم يرد بالحق الوجوب الذي لا يسع غيره منها خبر عبادة بن الصامت لما بلغه أن أبا محمد رجلا من الأنصار يقول الوتر حق، فقال كذب أبو محمد ثم روى عن رسول الله ﷺ في عدد الصلوات الخمس، ومنها خبر طلحة بن عبيد الله في سؤال الأعرابي؛ ومنها خبر أنس بن مالك في فرض الصلوات ليلة الإسراء.
وقد أجمع أهل العلم على أن الوتر ليس بفريضة إلاّ أنه يقال إن في رواية الحسن بن زياد، عَن أبي حنيفة أنه قال هو فريضة وأصحابه لا يقولون بذلك فإن صحت هذه الرواية فإنه مسبوق بالإجماع فيه.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا همام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق
следующие страницы →