← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وَأَمَّا مَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالْجَرَادِ فَالْمَشْهُورُ: يَفْتَقِرُ وَيَكْفِي قَطْعُ رُؤُوسِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا وَكَذَلِكَ الْحَرْقُ وَالسَّلْقُ عَلَى الْمِشْهُورِ، وَِقيلَ غَيْرُ الْجَرَادِ يَفْتَقِرُ باتِّفَاقٍ ... حاصله أن في غير الجراد طريقين، وقد تقدم الكلام على ذكاة الجراد. وما حكاه من الخلاف في السلق نحوه لابن بشير، وهو خلاف ما تقدم من كلام صاحب البيان أنه متفق عليه. * * *

стр. 1332

الأُضْحِيَّةِ فِي وُجُوبِهَا قَوْلانِ عياض: الأضحية بضم الهمزة وتشديد الياء وأضحية أيضاً بكسر الهمزة، وجمعها أضاحي بتشديد الياء. ويقال الضحية بفتح الضاد المشددة وجمعها ضحايا. ويقال: أضحاة وجمعه أضاحٍ وأضحى سميت بذلك؛ لأنها تذبح يوم الأضحى ووقت الضحى، وسمي يوم الأضحى من أجل الصلاة في ذلك الوقت. كما سمي يوم التشريق على أحد التأويلين، أو لبزور الناس فيه عند شروق الشمس للصلاة. يقال: أضحى الرجل إذا برز للشمس، والشمس تسمى الضحى والضحاء ممدود، أو من الكل منها ذلك اليوم. يقال: تضحَّى القوم إذا تغذوا. وقد تسمى الأضحية من هذا المعنى، وسمي يوم الأضحى لذبح الأضاحي فيه. والمشهور أنها سنة، وللشيوخ في نقل حكمها ثلاث طرق: أولها: أن المذهب كله أنها سنة. وما ذكر في الروايات مما يوهم خلاف ذلك فراجع إليه. ثانيها: أن المذهب على قولين: السنة والوجوب. ثالثها: يزاد إلى هذين القولين ثالث بالاستحباب. فرع: والمشهور أن الضحية أفضل من التصدق. قال في المدونة: ولا يدع أحد الضحية ليتصدق بثمنها. ابن حبيب: وهي أفضل من العتق؛ لأن إحياء السنة أفضل من التطوع. وعن مالك: التصدق أفضل. لأَنَّ فِيهَا: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدَرَ أَنْ يُضَحِّيَ، وَفِيهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أُضْحِيَّةٌ فَأَخَّرَهَا حَتَّى انْقَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ أَثِمَ، وَحُمِلَ عَلَى أَنْهُ كَانَ أَوْجَبَهَا ... لما ذكر في الأضحية قولين ذكر كلامه في المدونة لكونه يتضمن القولين؛ لأن قوله: (يُسْتَحَبُّ) نص في عدم الوجوب. وقوله: (أَثِمَ) ظاهر في الوجوب؛ إذ الإثم من خصائصه. وأجيب بثلاثة أوجه:

стр. 1333

أولها: أن التأثيم أو الاستغفار في كلامهم ليس خالصاً بالوجوب، بل يطلقون التأثيم كثيراً على ترك السنن، وربما أبطلوا الصلاة ببعض السنن، ويقولون: تارك بعضها يستغفر الله، كما قال مالك في المدونة في تارك الإقامة. ثانيها: وهو الذي ذكره المصنف أنه محمول على أنه كان أوجبها، وسيأتي بماذا تجب. ثالثها: أن التأثيم من قول ابن القاسم واجتهاده، وما ذكره من الاستحباب من قول مالك فلا تناقض فيه لاختلاف القائل. واعلم أن هذا الكلام ليس له هنا كبير جدوى؛ لأن القولين منصوصان خارج المدونة، وكلامه يوهم أنه للقولين أصل من كلامه في المدونة وليس كذلك. وَتَجِبُ بِالْتِزَامِ اللِّسَانِ أَوْ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الشِّرَاءِ عَلَى الْمَعْرُوفِ فِيهِمَا كَالتَّقْلِيدِ وَالإِشْعَارِ فِي الْهَدْيِ، وَبِالذَّبْحِ ... لما ذكر أن مسألة المدونة حملت على الوجوب أخذ يبين بماذا تجب، وذكر أنها تجب بثلاثة أمور: اثنان مختلف فيهما، والثالث متفق عليه. فالأولان: الأول منهما: التزام اللسان؛ أي: مع النية وإلا فاللفظ وحده يكفي. والثاني: النية مع الشراء، ولا يريد خصوصية الشراء بل فعل مع النية أي فعل كان، وذكر أن هذا هو المعروف. وفي الجواهر: إذا قال جعلت هذه الشاة أضحية تعينت. وحكى القاضي أبو الوليد في المذهب قولاً بأنها لا تجب إلا بالذبح. انتهى. وفي قوله: "حكى الباجي" قولاً. نظرٌ؛ لأنه المذهب عند الباجي، ففي الباجي: ولا تتعين الأضحية بشرائها لذلك على سبيل الوجوب، وإنما تتعين على سبيل الوجوب بالذبح. وقال إسماعيل: وقبل فري الأوداج؛ لأنه قد وجد منه النية والفعل. وقد قال إسماعيل وجماعة من شيوخنا: تتعين بالنية والقول باللسان، وتجب بذلك كما تجب

стр. 1334

بالذبح، ويكون ذلك فيها كالإشعار والتقليد في الهدي. انتهى. وفي البيان: لا تجب عند مالك بالتسمية. وقد قال إسماعيل القاضي: إذا قال: "أوجبتها أضحية" تعينت. [٢٣٠/ب] وهو بعيد. ولا تتعين عند مالك إلا بالذبح، قال: وقال إسماعيل: لا يلزمه بدلها إذا تعينت. وفي المقدمات: لاتجب إلا بالذبح بخلاف الهدي الذي يجب بالتقليد والإشعار. وقد روى ابن القاسم عن مالك في العتبية ما يدل على أنها تجب بالتسمية قبل الذبح فقال: لا تُجَزُّ الضحية بعد أن تسمى، فإن فعل انتفع بصوفها ولم يبعه. وقال سحنون: أشهب: لا بأس ببيعه إذا جزه قبل الذبح، وخفف ذلك. أصبغ: وهو الذي يأتي على أنها لا تجب إلا بالذبح، وهو المشهور في المذهب. انتهى. فصرح بأن المشهور عدم تعيينها بالتسمية، وحمل في البيان رواية ابن القاسم على الاستحباب. وفي التنبيهات: وقولُه في المدونة- في الذي إذا ذبح أضحيته، فاضطربت فانكسرت رجلها أو أصابت السكين عينها-أنها لا تجزئه ظاهرٌ بين أنها لا تتعين بالنية والقصد والتسمية إلا بذكاتها؛ إذ ليس في التعيين أوضح من إضجاعها للذبح، خلاف ما ذهب إليه البغداديون من أنه إذا عينها أضحية تعينت كالهدايا، ولم يجز له بدلها، ولم يضره ما حدث بها من عيب. انتهى. وقال ابن يونس بعد قول إسماعيل: وهذا القول أحسن غير أن ظاهر قول مالك خلافه. وقد قال في الموازية فيمن اشترى أضحيته سليمة وأوجبها، فلم يذبحها حتى نزل بها عيب لا تجوز به في الضحايا: أنها لا تجزئه بخلاف الهدي بعد التقليد والإشعار، وذلك أن الضحايا لا تجب إلا بالذبح. انتهى. وفي الذخيرة: المشهور أنها لا تتعين إلا بالذبح أو بالنذر. وعلى هذا قول المصنف المعروف ليس بجيد؛ لأن المعروف خلافه. وقوله: (وَبِالذَّبْحِ) معطوف على قوله: (بالْتِزَامِ اللِّسَانِ) أي: وتجب بالذبح، وهذا هو الثالث ولا خلاف فيه.

стр. 1335

وَإِذَا لَمْ يُوجِبْهَا جَازَ بَدَلُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا لا بِدُون وَلعَلَّهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَإِلا فَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ التَّرْكِ ... قوله: (بخَيْرٍ مِنْهَا) يريد: أو مثلها، ولفظ التهذيب: وله أن يبدل أضحيته بمثلها أو بخير منها. قلت: فإن باعها واشترى دونها، ما يصنع بها وبفضلة الثمن؟ قال: قال مالك: لا يجوز أن يستفضل من ثمنها شيئاً، وأنكر الحديث الذي جاء في مثل هذا. وتعقب على البرادعي بأنه لم يقل في الأم: يبدلها بمثلها، وإنما قال: لا يبدلها إلا بخير منها، وإن كان إبدالها بمثلها جائزاً لكن لا ينبغي للمختصر أن يزيد شيئاً، ولعل المصنف إنما اقتصر على قوله: (بِخَيْرٍ مِنْهَا) لهذا، وينبغي أني كون إبدالها بخير منها مستحبّاً. وقول المصنف: (وَلَعَلَّهُ) أي: ولعل منعه إبدالها بدون على الكراهة. قوله: (وَإِلا فَمُقْتَضَاهُ) يحتمل أمرين: أولهما: وإلا فبمقتضى مشهور المذهب جواز تركها رأساً. والثاني: وإلا فبمقتضى عدم إيجابها جواز الترك، ووقع في بعض النسخ: (البدل) عوض (التَّرْكِ). وأشار ابن عبد السلام إلى أنه لم يصرح في المدونة بما أراده المصنف من أنه كره لمن باع أضحيته أن يستفضل بعض ثمنها؛ لاحتمال أن يكون تكلم على من عين ثمناً ليشتري به أضحية ثم اشترى بدون ذلك الثمن واستفضل بقيته، بل هذا أولى من الأول، وفيه جاء حديث حكيم بن حزام الذي أشار إليه في المدونة والعتبية، ولأجل الاحتمال المذكور، واختصر البرادْعي المسألة على الجواب والسؤال، وهكذا الغالب من حاله في مثل هذا. وقد يقال: إن الكراهة فيما ذكره المصنف على الاحتمالين؛ لأنه إذا كره أن يستفضل من الثمن الذي أخرج ثمناً للأضحية، فلأن يكره بيع الأضحية ليستفضل من ثمنها من باب الأولى. انتهى. وحديث حكيم المشار إليه هو ما خرجه الترمذي: أنه صلى الله عليه

стр. 1336

وسلم بعثه ليشتري له أضحية بدينار، فاشترى أضحية فاربح فيها ديناراً، فاشترى أخرى مكانها، فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله ﷺ فقال: "ضحِّ بالشاة وتصدق بالدينار". ابن القاسم: وأنكر مالك هذا الحديث. وَلَوْ مَاتَ اسْتُحِبَّ لِوَرَثَتِهِ، بِخِلافِ مَا أَوْجَبَ فَإِنَّهَا تُذْبَحُ استحب للورثة الذبح؛ لأن فيه تنفيذ قصد الميت كما في سائر القرب التي مات ولم ينفذها. ابن عبد السلام: قال بعضهم: ولا خلاف في ذلك. انتهى. وفي الجواهر: استحب ابن القاسم أن يذبح عنه، ولم يره أشهب. انتهى. وانظر هل قول أشهب ينقض الاتفاق، أو الاتفاق راجع إلى الاستحباب من حيث الجملة. وخلاف أشهب إنما هو راجع إلى الاستحباب عن الميت. وقوله: (بِخِلافِ مَا أَوْجَبَ) أي: فيجب عليهم ذبحه بناء على ما قدمه من أنها تجب، لا على المشهور. ثُمَّ فِي جَوَازِ قِسْمَتِهَا أَوِ الانْتِفَاعِ بشَرِكَةٍ قَوْلانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ تَمْييزُ حَقٍّ أَوْ بَيْعٍ .... الباجي: وتورث الأضحية بعد الذبح، ولورثته أكلها. ولاخلاف بين أصحابنا أنهم يمنعون من بيعها؛ لأنها إنما تنقل إليهم على حسب ما كان للمضحي فيها، وأما قسمتها فروى مطرف وابن الماجشون عن مالك وعيسى عن ابن القاسم إجازة ذلك، ومنع منه في كتاب محمد، قال: لأنه يصير بيعاً بناء على اختلاف قول مالك وأصحابه في قسمة القرعة هل هي بيع أو تمييز حق؟ وأما قسمة التراضي فبيع، وهكذا فرض التونسي المسألة بعد [٢٣١/أ] الذبح، ونسب لابن القاسم أنها تؤكل، ولاتقسم على المواريث، ولأشهب القسم، قال: وقول ابن القاسم أِبه؛ لأنه قد وجبت قربة بالذبح، واتفق على

стр. 1337

أنها لا تباع في الدين، فأشبهت الحبس، فينتفع بها الورثة، غير أنهم جعلوا لجميع الورثة من زوجة وغيرها في ذلك حقّاً؛ لأن الميت هكذا قصد، ولا يصح أن يزيد بعض الورثة في فرضه على الانتفاع بها، ويكون على هذا حظ الأنثى مثل حظ الذكر إذا تساويا في الأكل. وأشهب يقسمها على المواريث، ولا يقضي منها دينه، وكيف يصح ميراث قبل قضاء الدين؟ انتهى. وإذا كان الخلاف إنما نقله الأشياخ إذا مات بعد الذبح علمت أن كلام المصنف ليس كما ينبغي؛ لأن كلامه إنما هو فيما قبل الذبح، وقد أجراه ابن عبد السلام على ظاهره، فقال: يعني إذا مات بعدما أوجبها أضحية، وضحى بها الورثة عنه واستحب لهم ذبحها، أو مات بعد ذبحها فاختلف. وذكر القولين، ولم أر القولين إلا فيما ذكرته، وكذلك ذكر اللخمي وابن يونس وابن شاس وغيرهم. وَتُبَاعُ مُطْلَقاً فِي الدَّيْنِ كَمَا يُرَدُّ الْعِتْقُ وَالْهَدْيُ مراده بالإطلاق سواء أوجبها أم لا، وهذا ما لم تذبح، فإن ذبحت لم تبع، نص عليه مالك في المختصر والواضحة وابن القاسم في العتبية. التونسي: وإذا كان للغرماء بيعها قبل ذبحها فلم لا يبيعون اللحم؟ لأنه يصير متعدياً بالذبح وقد أحاط الدين بماله فأشبه ما لو أعتق وقد أحاط الدين بماله، فللغرماء رد عتقه، وإن كانوا عاملوه على أن يضحي، فليس لهم بيعها قبل الذبح. فانظره. وما ذكره المصنف في الهدي- أي: بعد تقليده- نقله الباجي عن ابن القاسم، وقيده ابن زرقون بالدين القديم قبل التقليد. الباجي: والفرق بين تقليد الهدي وذبح الأضحية أن التقليد لا يضمن به الهدي، والذبح تضمن به الأضحية فكان ذلك فوتاً فيها.

стр. 1338

وَما أَخَذَهُ عَنْ عَيْبٍ لا تُجْزِئُ بِهِ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ أي: إذا اشترى أضحيته ووجد بها عيباً لا تجزئ معه أضحيته، فأخذ شيئاً عن ذلك العيب فإنه يصنع به ما شاء. قال في العتبية: ويبدل مكانها إن كان في أيام النحر، وإن فاتت فهو كمن لم يضحِّ. فالضمير في (بِهِ) عائد على (مَا)، وفي بعض النسخ: (صنع بها) فيعود الضمير على الأضحية، والنسخة الأولى أحسن؛ لأن فرض المسألة فيما أخذه عن عيب لا في الأضحية، إلا أن يقال: ذكر الأضحية يستلزم الحكم في العيب؛ لأنه إذا صنع بالأضحية ما شاء فأحرى المأخوذ عن عيب وفيه نظر. ويلزم عليه أيضاً مخالفة المذهب؛ لأن المنقول عن مالك عدم جواز بيعها لكونها خرجت مخرج القرب، وإنما هو قول أصبغ، ووجهه أنه إنما التزامها أضحية، والفرض أنها لا تجزئ كما لو ضلت ووجدها بعد أيام النحر. ولو ذبحت قبل ذبح الإمام فقال ابن القابسي: لا يجوز بيعها ولو كانت لاتجزئ؛ لقوله ﷺ لأبي بردة في العناق: "هي خير نسيكتك"، فسمي ما أجزاه وما لم يجزه نسكاً. ومن الشيوخ من قال بجواز البيع، وإنما أطلق على ما لم يجزه نسكاً باعتبار قصد الذابح. ويؤيده قوله ﷺ : "ومن ذبح قبل الإمام فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء". ونص ابن القاسم على منع بيع ما ذبح من الأضاحي يوم التروية، وأنكر ابن رشد بعد تسليمه مذهب ابن القاسم. ونص ابن حبيب على منع بيع شاة أضجعت للذبح فانكسرت رجلها أو أصابتها السكين في عينها. ونص التونسي على منع البيع في قح من جهل فضحى بذات عيب، أو وجد بها عيباً بعد أن ضحى بها، واضطرب الأندلسيون فيمن اشترى أضحيته فذبحها فوجدها عجفاء لا تنقي، هل له في ذلك مقال ويردها مذبوحة إن شاء، أو ليس له ردا ويأخذ قيمة العيب خاصة؟ ووقع في بعض النسخ: (صنع بهما ما شاء) فيكون الضمير عائداً على الأرش والأضحية، وهو ظاهر مما تقدم.

стр. 1339

وَعَنْ عَيْبٍ تُجْزِئُ بِهِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فَكَلَحْمِهَا، وَفِي أَمْرِهِ بذَلِكَ فِي غَيْرِ الْوَاجِبَةِ قَوْلانِ هذا كقول ابن بشير: وإن كانت تجزئ به. فأما هي تبقى أضحية، وأما المأخوذ؛ فإن أوجبها على ما قلناه تصدق به، أو أكله كما يصنع بلحمها بعد الذبح، وإن لمي وجبها فهل يؤمر بالصدقة، أو يفعل به ما شاء؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه كالجزء فيؤمر بالصدقة أو الأكل، والثاني: أنها لا تجب، فيصنع به ما شاء. ابن راشد: وكذلك إذا أتلفها الأجنبي فأخذ منه قيمتها، فيختلف: هل عليه أن يشتري به غيرها، أو يفعل به ما شاء؟ انتهى. والذي نص عليه ابن القاسم في الواضحة من رواية أصبغ، وهو قول أصبغ: أنه إذا وجد عيباً تجزئ بمثله بعد الذبح، أنه يتصدق بالثمن. ابن القاسم: وذلك بخلاف ما يرجع به من قيمة عيب بعبد قد أعتقه، هذا يصنع به ما شاء، وإن كان عيباً لا تجزئ بمثله؛ أي: في الرقاب الواجبة. ابن يونس: يريد إذا كان تطوعاً لأنه يجوز عتق المعيب دون الضحية به، وظاهر قول ابن القاسم أنه يتصدق به خاصة، [٢٣١/ب] ولا ينتفع به كلحمها. ابن عبد السلام: وهذا خلاف ما قال المؤلف، إلا أن يتأول كلامه على حذف مضاف؛ أي: فكثمن لحمها إذا بيع كما سيأتي. خليل: والظاهر أنه لا يريد هذا المحذوف؛ لأنه يغلب على الظن أنه تبع هنا. ابن بشير: ولأنه حذف ما لا دليل عليه. فإن قيل: ما الفرق بين الأضحية والعبد على قول ابن القاسم؟ فجوابه من وجهين: أولهما: أن المقصود في الضحية إنما هو القربة فإذا أخرج فيها ثمناً لم يرجع فيه، بخلاف العبد فإنه قد يراد لمعنى فيه فالمقصود فيه إنما هو فكاك رقبته وقد حصل. وثانيهما: ما أشار إليه بعضهم من أن ذلك خلاف سؤال؛ لأنه في الأضحية أخرج الثمن لقصد القربة، وفي مسألة العبد إنما اشتراه ليملكه وبعد الشراء أعتقه، ولو اشتراه

стр. 1340

بنية العتق لكان كالضحية فيتصدق بالأرش، كما أنه لو اشترى الشاة ليملكها ثم ضحى بها لم يؤمر بالصدقة بقيمة العيب. قال في الوجيز: وإن ابتاع أضحية فلما ذبحها ظهر على عيب دلس به البائع، فقال أبو عمران: يرجع عليه بقيمة العيب. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: يردها عليه ويرجع بالثمن كله ويشتري به أضحية، فإن فضل منه شيء فعند ابن المواز يتصدق به، وعند أشهب يأكله. انتهى. وَحُكْمُ لَبَنِهَا وَصُوفِهَا وَوَلَدِهَا كَذَلَِكَ أي: فيفرق بين ما أوجبه وما لم يوجبه. وتبع المصنف ابن بشير في هذا والنقل لا يساعدهما. ففي المدونة: لم أسمع من مالك في لبنها شيئاً، إلا ما أخبرتك أنه كره لبن الهدي، وقد روي في الحديث: "لا بأس بالشرب منه بعد ري فصيلها"، فإن لم يكن للأضحية ولد فأرى ألا يشربه، إلا أن يضر بها فليحلبها وليتصدق به، ولو أكله لم أرَ عليه شيئاً، وإنما أنهاه عنه، كما أنهاه عن جز صوفها قبل ذبحها. ابن عبد السلام: وظاهرها الكراهة إذا لم يكن لها ولد، وهي أحرى إذا كان لها ولد. وعن مالك له شربه بخلاف لبن الهدي؛ لأن الأضحية لم تجب بعدُ بخلافه. اللخمي: وقال أِهب في مدونته: يصنع باللبن ما شاء، وله أن يحرمه ولدها. ولمالك في المبسوط: التفرقة؛ فيكره شربه إذا كان لها ولد، ويجوز إذا لم يكن. هذا تحصيل القول في اللبن. وأما الصوف ففي المدونة: لا يجوز جز صوفها قبل الذبح، ولا يبيع من أضحيته لحماً ولا جلداً ولا شعراً ولا غيره. ابن المواز: إلا في الوقت الذي ينبت مثله قبل الذبح. اللخمي: وحكم الصوف بعد الذبح كحكم الأضحية، وأما قبله فاتفق ابن القاسم وأشهب على أنه ليس له أن يجزه؛ لأن فيه جمالاً لها، واختلفا إذا فعل فقال ابن القاسم: ينتفع به ولا يبيعه. وقال أشهب وسحنون: يبيعه. والأول أحسن؛ لأنه قد نواه مع الشاة

стр. 1341

لله . واستحب أني بيع تلك الشاة إذا جز صوفها، ويشتري غيرها كاملة الصوف؛ لأن ذلك الذي فعل نقص من جمالها. قال صاحب البيان وابن زرقون: وقول ابن القاسم: استحباب؛ لأنها لا تجب عنده إلا بالذبح. وقد صرح التونسي بذلك فقال: استحب ابن القاسم ألا يبيعه. وعلى هذا فقوله: لا يجوز ليس معناه أنه حرام، بل معناه: لا يباح. نقل الباجي وابن يونس عن أشهب جواز الجز قبل الذبح، ونحوه لابن نافع. ابن عبد السلام: ومذهب ابن نافع كراهة شرب لبنها، وهو اختلاف قول. وقال عبد الحميد: إن اشترى شاة ونيته أن يجز صوفها للبيع وغيره، جاز ذلك سواء جزه قبل الذبح أو بعده، وهو تقييد لقول من منع من ذلك إن شاء الله تعالى. وهذا تحصيل القول في الصوف. وأما الولد فإن خرج بعد الذبح فسيأتي، واختلف إن خرج قبله؛ فالمشهور استحباب ذبحه كما سيأتي، وقال ابن وهب: يجب ذبحه. وقال ابن حبيب: إن شاء ذبحه وإن شاء تركه. وقال أشهب: لا يذبحه ولا يجوز. هكذا نقله التونسي والباجي واللخمي. الباجي: يريد لأن سن الأضحية معتبر وهو معدوم في السَّخْلَة، وهكذا قال ابن شاس وغيره. وقول ابن عبد السلام: ورأيت لفظة "لا يجوز" مضروباً عليها في نسخة صحيحة من النوادر؛ إن أراد بذلك مجرد الإخبار دون أن يقصد تضعيف نقل هذا القول فظاهر، وإن أراد تضعيف نقله فليس بجيد؛ لأن أئمة المذهب قد نقلوا ذلك، فيجب الرجوع إليهم. ونقل ابن يونس عن ابن المواز أن قال: واستحب أشهب ألا يذبح معها. وَفِيهَا: وَلا يَجِبُ ذَبْحُهُ إِنْ خَرَجَ قَبْلَ ذَبْحِهَا؛ لأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا لَوْ هَلَكَتْ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُمْحَى، وَالأَوَّلُ الْمَشْهُورُ ... ظاهر كلامه أنه اختلف قول مالك، فكان أولاً يقول بعدم الوجوب، ثم أمر بمحوه ورجع إلى وجوب الذبح، وليس كذلك، بل الذي أمر بمحوه وإبقائه شيء واحد. قال في

стр. 1342

التهذيب: إذا ولدت الأضحية فحسن أن يذبح ولدها معها، وإن تركه لم يكن ذلك عليه واجباً؛ لأن عليه بدل أمه لو هلكت. ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فقال: امح واترك، إن ذبحه معها فحسن. ابن القاسم: ولا أرى ذلك عليه واجباً. واستشكل الشيوخ هذا الموضع؛ لأن الذي أمر بمحوه هو قوله: "لا أرى ذلك عليه واجباً"، والذي أبقاه هو قوله: "إن ذبحه معها فحسن" سواءٌ في [٢٣٢/أ] الدلالة على عدم الوجوب، وأشار التونسي إلى أن اقتران عدم الوجوب دليل على ضعف ذلك الاستحسان، بخلاف ما إذا أبقى قوله: "فحسن أن يذبح معها ولدها" مجرداً عن عدم وجوب الذبح، فإنه قد يفهم منه تأكيد ذلك الاستحسان، وهذا التأكيد هو الذي رجع إليه مالك، والمعنى الآخر هو الذي رجع عنه، وهو الذي اختاره ابن القاسم. فلذلك أثبت اللفظ الدال عليه، فقال: لا أرى ذلك عليه واجباً. فائدة: ممحوات المدونة أربع: هذه، ونكاح المريض إذا صح قبل الفسخ، كان مالك أولاً يقول: يفسخ، ثم أمر بمحو الفسخ، والثالثة: إذا حلف ألا يكسو امرأته، فافتكَّ لها ثياباً من رهن، فقال مالك أولاً: يحنث، ثم أمر بمحوه، وقال: لا يحنث. قال ابن القاسم: وأرى إن لمتكن له نية أن يحنث. الرابعة: من سرق ولا يمين له أو له يمين شَلاَّء، فقال مالك: تقطع رجله اليمنى، ثم أمر بمحوه وأمر أن تقطع يده اليسرى. أَمَّا لَوْ ذُبِحَتْ فَكَلَحْمِهَا أي: إذا خرج الولد بعد الذبح فحكمه حينئذٍ كلحمها. ابن هارون: وهذا متفق عليه؛ لأنه كالجزء منها.

стр. 1343

وَلَوْ أَصَابَهَا عِنْدَهُ عَوَرٌ وَنَحْوُهُ لَمْ تُجْزِهِ، بِخِلافِ الْهَدْيِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ لا إشكال في هذا على القول بعدم الإيجاب، وأما على قول القاضي إسماعيل: إذا أوجبها فلا، كما تقدم. ابن رشد: وهو بعيد؛ لأنه يلزم عليه إن ماتت قبل أن يذبحها أن تجزيه، ولا يكون عليه أن يعيد ضحية أخرى. انتهى. ولولا النقل لأمكن أن يقال هنا بوجوب البدل ولو قلنا بالتعيين، والفرق بين الإيجاب ي الضحية والتقليد أن التعيين في الهدي ليس من جهة المكلف، وإنما هو شيء أمر به المكلف فصار بذلك كأنه وجب معيناً، والأصل في المعين عدم البدل، وأما التعيين في الأضحية، فإنما جاء من قبل نفسه فلا يسقط ما طلبه الشارع من طلب شاة سليمة من العيوب، ويوضح لك هذا أنه لو اشترى بعيراً وتلفظ بأن يجعله هدياً، ثم أصابه عيب قبل تقليده، فإنه لا يجزيه؛ لأن ذلك ليس مما طلبه الشارع منه، ولقائل أن يلتزم ذلك على قول القاضي. قد قال ابن شاس: وإن قال ابتداء: جعلت هذه الشاة ضحية وهي معينة، فهل تصرف إلى مصارف الضحية، أو يعوض بها سليمة؟ فيها الخلاف المتقدم في الهدي، وكذلك لو قال: لله عليَّ أن أضحي عرجاء، فهل تلزمه سليمة أولا تلزمه إلا العرجاء؟ فيه الخلاف المتقدم. وَكَذَلِكَ لَوْ ضَلَّتْ إِلَى أَنِ انْقَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ فَوَجَدَهَا صَنَعَ بهَا مَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَبَسَهَا إِلا أَنَّ هَذَا إِثْمٌ .... يعني: ولكونها لا تتعين يكون الحكم كذلك، فالإشارة بذلك إلى عدم التعيين اللازم من وجوب بدلها إذا طرأ بها عيب. قال في المدونة: وإن وجدها في أيام النحر فليذبحها، إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فيصنع بها ما شاء. قيل: وينبغي على قول القاضي إسماعيل الذي يرى أنها تجب بالنية. والقول: أن يذبحها إذا وجدها في أيام النحر ولو كان ضحى

стр. 1344

بغيرها، قال هذا القائل: وكذلك إذا مضت أيام النحر، وتقدم الكلام على قوله: (إثم) وفي بعض النسخ (ولذلك) باللام. وَلَوِ اخْتَلَطَتْ بَعْدَ الذَّبْحِ أَوْ جُزْؤُهَا فَفِي جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ قَوْلانِ ظاهر قوله: (فَفِي جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ) أنه لا فرق في العوض بين أن يكون من الجنس أو من غيره. وظاهره أن القولين فيها بالجواز والمنع، ولم أرَ في الجنس قولاً بالجواز، بل القولان فيه بالكراهة والتحريم. ففي اللخمي: قال يحيى بن عمر في رجلين أمرا رجلاً أن يذبح لهما فاختلطا بعد الذبح: أنهما يجزيان من الضحية ويتصدقان بهما، ولا يأكلان منهما شيئاً. وقال محمد بن المواز في رؤوس الأضاحي تختلط عند الشواء: أكره لك أن تأكل متاع غيرك، ولعل غيرك لا يأكل متاعك. محمد: ولو اختلطت برؤوس الشواء لكان خفيفاً؛ لأنه ضامن كمن ضمن لحم الأضاحي، وقد قيل: ليس له طلب القيمة. اللخمي: فعلى قول محمد يجوز إذا اختلطت الشاتان أن يأكلاهما؛ لأنه إنما كره أكل الرأس لإمكان أن يكون الآخر تصدق به ولم يأكله، فلا تأكل أنت متاعه، وهذا استحسان. واعترض عبد الحق قول يحيى وقال: ما أرى المنع من أكلها، وهي شركة ضرورية تشبه شركة الورثة في أضحية مات صاحبها. وأما القولان في أخذ العوض من غير الجنس، فلم أر فيه قولاً بالمنع نعم هو يلزم على قول يحيى؛ لأنه إذا منع أخذ العوض من الجنس فالمنع في غيره أولى. وعن ابن القاسم: استحب لمن سرقت رؤوس أضاحيه ألا يغرمه شيئاً. وكأنه رآه بيعاً. وقال ابن الماجشون وأصبغ: له أخذ القيمة ويصنع بها ما شاء، ألا ترى أن من حلف ألا يبيع ثوبه فيغصبه غاصب، أن له أن يأخذ قيمته. وما احتج به من قوله: "ألا ترى أن من حلف .... إلى آخره" ليس متفقاً عليه، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وقال عيسى بن دينار: أحب إلي أن يأخذ الثمن من السارق، ويتصدق به، ونحوه لابن القاسم فيمن

стр. 1345

أعطى جلداً للدبَّاغ، فادعى السرقة، إن كان يثق به فلا يأخذ منه شيئاً، وإن كان يتهمه أخذ منه قيمته وتصدق بها. ومنشأ الخلاف: هل القيمة بيع أم لا؟ [٢٣٢/ب] واستشكل في البيان قول من قال باستحباب التصدق بأن أخذ القيمة إن لم يكن بيعاً فلا وجه لاستحباب التصدق بها، وإلا فلا يجوز ذلك، وإن تصدق بها لأنه لا يجوز أني بيع الإنسان شيئاً من أضحيته ليتصدق بثمنه. وَأَمَّا قَبْلَهُ فَالْمَنْصُوصُ إِذَا قُسِمَتْ فَأَخَذَ الأَقَلَّ بَدَّلَهُ بِمُسَاوِي الأَفْضَلِ، وَقُيِّدَ بِالاسْتِحْبَابِ ... أي: وأما إن اختلطت قبل الذبح إن تساويا فواضح، وإن لم يتساويا فمن أخذ الأفضل ذبحه، ومن أخذ المفضول استحب له أن يبدله بما يساوي الأفضل. وإليه أشار بقوله: (بِمُسَاوِي الأَفْضَلِ). ومعنى (الْمَنْصُوصُ) المنقول، وليس مراده بذكر المنصوص التنبيه على خلاف، ولأجل أن مراده بالمنصوص المنقول قال: (وَقُيِّدَ) وهو ظاهر. ابن بشير: والإبدال بالمساوي ظاهر إذا عينها، وأما إذا لم يعين فإنما ذلك على طريق الاستحباب. انتهى. ونقل ابن يونس عن ابن عبد الحكم أن الضحايا إذا اختلطت فال بأس أن يصطلحا فيها؛ يأخذ كل واحد كبشاً ويجزيه. فقد يقال: هذا مخالف لكلام المصنف؛ لأن ظاهره سواء كانا متساويين أو لا، وعلى هذا فهمه بعضهم، ويحتمل أن يكون أراد المتساويين فلا يكون مخالفاً، والله أعلم. فَلَوْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ غَالِطاً لَمْ تُجْزِئْ مَالِكَهَا، وَالْمَشْهُورُ: وَلاَ الذَّابِحَ، وَثَالِثُهَا: إِنْ فَاتَتْ قَبْلَ تَخْييرِ مَالِكَهَا أَجْزَأَتْ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِ اخْتَارَ مَالِكُهَا الْقِيمَةَ أَجْزَأَتْ كَعَبْدٍ أُعتِقَ عَنْ ظِهَارٍ فَاسْتُحِقَّ إنما لم تجز مالكها لعدم نيته ونية موكله. خليل: ولم أرَ في ذلك خلافاً. وأما الذابح ففي إجزائها عنه أقوال:

стр. 1346

المشهور: لا تجزئ لوقوع القربة في غير محل، وهو أحد قولي أشهب. والثاني: أنها تجزيه، وهو أحد قولي أشهب؛ لأن أخذ القيمة يحقق له الملك بناء على أن المرتقبات إذا وقعت، هل يقدر حصولها الآن أو من الأول؟ والثالث لابن حبيب: إن كانت على وجه لا يكون لمالكها إلا أخذ قيمتها أجزأت؛ لأنه حينئذٍ يصير كأنه ضحى بملكه، وإن بقي لربها فيها خيار لم تجزئ؛ لأن ذابحها كأنه إنما ملكها بعد الذبح. وأما قول ابن المواز أنها تجزئ إذا أخذ ربها قيمتها، فهو تفسير لقول أشهب، وهو كذلك في المدونة؛ إذ لا يمكن أن يقول أشهب بالإجزاء إذا اختار ربها أخذ لحمها. ولذلك لم يعده المصنف رابعاً. وكذلك أيضاً أشار ابن المواز إلى أن قول ابن القاسم بعدم الإجزاء إنما هو إذا أخذ لحمها، وأما إذا أخذ قيمتها فإنها تجزيه. ابن المواز: وإن أسلمها وأخذ قيمتها، فابن القاسم يقول: لا تجزئ الذابح، ولا له بيع لحمها، ويأكله أو يتصدق به، وقاله أصبغ. وهذه من كتب المجالس لم تتدبر، وأحب إليَّ أن تجزئ عنه، كعبد اشتراه وأعتقه عن ظهار، ثم استحق بعد أن شهد شهادات، ونكح وطلق فأجاز ربه العتق، فإنه يجزئ معتقه وتنفذ شهادته وجميع أحكامه، وإن نقض عتقه بطلت أحكامه. وقد يفرق للمشهور بأن مشتري العبد كالمالك حقيقة عند الفقهاء، ويعطونه جميع أحكامه، وقد ضمنه بدفعه الثمن بخلاف الغالط، ولهذا قال عبد الحق: ولو اشترى الأضحية وذبحها ثم استحقت، فأجاز ربها البيع، لأجزأته وصارت كالعتق سواء لفعله ذلك بشيء ضمنه بالعوض الذي وداه. واختلف لو غصب شاة وذبحها وأخذ ربها القيمة منه، هل تجزئه لأنه ضمنها بالغصب أم لا؟ لأن هذا ضمان عداء وذلك ضمان ملك. عبد الحق: والأول أبين على طرد العلة.

стр. 1347

ابن عبد السلام: وحيث أخذها مالكها مذبوحة تصرف فيها كيف شاء. انتهى. ولا يقال إن قول ابن المواز موافق لقول ابن الحبيب؛ لأنه يظهر الفرق بينهما إذا لم تفت، واختار مالكها القيمة، فعلى قول ابن حبيب لا تجزئ، بخلاف قول محمد. وَشَرْطُهُا: أَنْ تَكُونَ مِنَ النِّعَمِ، وَفِيمَا تَوَلَّدَ مِنَ الأُنْثَى مِنْهَا قَوْلانِ احترز بالنعم من الطير والوحش. والنعم: الإبل والبقر والغنم. ابن شعبان: ولا يختلف المذهب أن الإناث إذا كانت من غير النعم لا تجزئ، وإن كانت منها فقولان. قال: والذي أقول به الجواز؛ لأن أكثر الأحكام على أن الولد تابع لأمه. وانظر هل يتخرج قول بجواز الضحية إن كانت الأم وحشية من القول بوجوب الزكاة في ذلك كما تقدم في الزكاة. وَالأَفْضَلُ الضَّانُ ثُمَّ الْمَعْزُ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ الإِبِلِ عَلَى الْبَقَرِ أَوْ الْعَكْسِ قَوْلانِ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ ذُكُورِهَا أَوِ التَّسَاوِي قَوْلانِ، وَكَذَلِكَ الْفَحْلُ وَالْخَصِيُّ وَالاقَرَنُ وَالأَبْيَضُ أَفْضَلُ ... الغنم في الضحايا أفضل؛ لفعله ﷺ ، وبها فدي الذبيح ولد إبراهيم ﵇، وهو أصل مشروعية الأضحية. ونقل الحفيد عن أشهب وابن شعبان أن الإبل أفضل من الغنم كمذهب الشافعي. والخلاف فيما بين البقر والإبل خلاف في حال، هل هذا أطيب أم هذا؟ والظاهر طيب البقر، وهو قول الجلاب وعبد الوهاب في المعونة، واستقرأه صاحب البيان من العتبية. والقائل بأن الإبل أفضل هو ابن شعبان. وظاهر المذهب تفضيل الذكور. وفي المبسوط الذكر والأنثى في الضحية والهدي سواء. وكذلك الفحل على الخصي، وهو مذهب الرسالة، وحكى ابن بزيزة قولاً بأن الخصي أفضل من الفحل لطيب لحمه. وإناث الجنس الفاضل أفضل من ذكور الجنس

стр. 1348

الذي يليه، وإناث المعز أفضل من ذكور [٢٣٣/أ] البقر. وعلى هذا فالمراتب اثنتا عشرة مرتبة ولا تخفى عليك. وخرج مسلم وأبو داود عن عائشة ﵂ أنه ﷺ ضحى بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي فقال: "يا عائشة هلمي المدية"، ثم قال ﵊: "اشحذيها بحجر"، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش وأضجعه ثم قال: "بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد"، ثم ضحى به. زاد النسائي: ويأكل في سواد. ولهذا قال ابن وهب: استحب جماعة من الصحابة والتابعين الضحية بكبش عظيم سمين أقرن أملح، ينظر في سواد ويسمع في سواد ويشرب في سواد، والجمهور على اختيار التسمين، وفي البخاري عن أبي أُمامة: كنا نسمِّن الأضحية بالمدينة. وكره ذلك ابن شعبان لئلا يتشبه باليهود. وروى البخاري ومسلم أنه ﷺ ضحى بكبشين أٌرنين أملحين. والأقرن أن يكون ذا قرون. ابن عبد البر: وأجمع الجمهور أنه لا بأس أن يضحي بالخصي إذا كان سميناً، قالوا: والأقرن الفحل أفضل من الخصي الأجم، إلا أن يكون الخصي الأجم أسمن فهو أفضل. وكذلك قال ابن حبيب: الخصي السمين أفضل من الفحل المهزول. والأملح قيل: هو كلون الملح فيه طاقات سود. وقيل: هو الأسود تعلوه حمرة. وقيل: هو المتغير الشعر بالسواد والبياض كالشهبة. وقال ابن الأعرابي: هو النقي البياض. وهو يوافق ما ذكره المصنف من تفضيل الأبيض. ويحتمل أن يكون مراد المصنف بالأبيض ما تقدم أن الصحابة استحبوه، ويكون أطلق عليه أبيض باعتبار غالبه. وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّانِ، وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِه لما خرجه مسلم وأبو داود والنسائي: أن النبي ﷺ قال: "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن".

стр. 1349

وَأَكْمَلُهُ الْجَوْدَةُ وَالسَّلامَةُ مُطْلَقاً، وَلا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، والْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الْتِي لا تُنْقِي؛ أي: لا مُخٌّ فِيهَا، وَقِيلَ: لا شَحْمَ .... لا إشكال في أفضلية الكامل، وكره مالك تغالي الناس في الضحايا، وكره لرجل يجد بعشرة دراهم أن يشتري بمائة درهم. وفي الموطأ وغيره عن البراء بن عازب: سئل رسول الله ﷺ : ماذا ينقى في الضحايا؟ فأشار بيده وقال: "أربع"، وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله ﷺ "العرجاء البيِّن ضلعها، والعوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعجفاء التي لا تُنْقِي". ابن عبد البر: وهذه العيوب مجمع عليها. عياض: وضلعها بفتح الضاد واللام. أبو الحسن: وروي بالظاء المشالة؛ أي عرجها، وهي التي لا تلحق الغنم. ابن حبيب عن مالك: وأما العرج الخفيف إذا لم يمنع أن تسير بسير الغنم فلا يمنع الإجزاء. والبين عورها هي التي ذهب بصر أحد عينيها، وإن كان بعينيها بياض على الناظر يسير لا يمنعها أن تبصر، أو كان على غير الناظر لم يمنع الإجزاء. قال محمد عن مالك: وإن كان على الناظر فهي العوراء. الباجي: وكذلك عندي لو ذهب أكثر بصر عينيها. ابن عبد السلام: وظاهر كلام أشهب انه إن نقص نظرها شيئا ًلم يَجز أن يضحي بها. وأما البين مرضها فهو وصف ظاهر، وهو الذي عمم به الفقهاء أكثر الأحكام. وإن وقع خلاف في بعضها فلتحقيقه هل هو كثير أو لا؟ ولا خلاف في إلحاق ما هو أشد من هذه العيوب بها كالعمى وقطع اليد والرجل. كما لا خفاء في عدم إلحاق ما ليس بمساوٍ لها.

стр. 1350

مالك: ولا يجوز الدبر من الإبل. ابن القاسم: يريد بذلك الدبرة الكبيرة، وأن المجروح بتلك المنزلة إن كان جرحاً كبيراً، يريد: فيلحق بالمرض. محمد: ولا تجزئ يابسة الضرع كله، وإن أرضعت ببعضه فلا بأس. وفي المبسوط: لا تجزئ البكماء. والنتَّن في الفم مما يُنَّقى، قال في الذخيرة: لنقصان الجمال واستلزامه تغر اللحم أو بعضه. والأكثر على أن معنى قوله ﷺ : "لا تنقي"؛ أي: لا مخ في عظامها، وهو المنقول عن أهل اللغة. وقال ابن حبيب: هي التي لا شحم فيها، وفسرها ابن الجلاب وغيره بالوجهين. وَكَذَلِكَ قَطْعُ الأُذُنِ وَالذَّنَبِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِنَاءً عَلَى التَّعْدِيةِ أَوِ الْقَصْرِ الشاذ لابن القصار وعبد الوهاب، ورأيا أن إشارته ﷺ بيده وتلفظه بالعدد الخاص كالحصر. والأحسن لو قال: ونحوهما، ولعله يريد بذلك الثدي. وَيُغتَفَرُ الْيَسِيرُ، وَهُوَ مَا دُونَ الثُّلُثِ، وَفِي الثُّلُثِ قَوْلانِ، وَفِيهَا: وَمَا سَمِعْتُ مَالِكاً يُوَقِّتُ نِصْفاً مِنْ ثُلُثٍ ... هذا تفريع منه على الأشهر، وحاصله أنه يغتفر ما دون الثلث، ولا يغتفر ما زاد عليه، (وَفِي الثُّلُثِ قَوْلانِ) وظاهر كلامه أن هذا في الأذن والذنب، ولابن بشير نحوه وهو صحيح، أما الأذن فقد نص ابن حبيب فيه على أن الثلث كثير. وقال ابن المواز: النصف عندي كثير من غير أن أجد يه حداً. فأخذ منه غير واحد أن الثلث يسير. وأما الذنب فنص ابن المواز وابن حبيب على كثرة الثلث فيه. وحكى التونسي قولاً بيسارته. وفي البيان بعد أن ذكر أن ما دون الثلث من الأذن يسير باتفاق، وأن النصف كثير باتفاق: وإنما اختلف في الثلث والذنب والأذن فيما يستحق سواء. وقال الباجي: الصحيح [٢٣٣/ب] أن ذهاب ثلث الأذن يسير، وذهاب ثلث الذنب كثير؛ لأن الذنب لحم وعصب، والأذن

стр. 1351

طرف جلد لا يكاد يستضر به، لكن ينقص الجمال كثرته. وما ذكره المصنف عن المدونة ظاهر أنه في الأذن والذنب وليس هو كذلك فيهما بل هو خاص بالأذن. وَالنَّهْيُ عَنِ الْخَرْقَاءِ وَالشَّرْقَاءِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُدَابَرَةِ بَيَاناً لِلأكْمَلِ عَلَى الأَشْهَرِ النهي المشار إليه خرجه ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي عن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، ولا يضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء. فالمقابلة هي التي قطع من جهة أذنها من قبل وجهها وترك معلقاً، وإن كان قطع من جهة قفاها فهي المدابرة، والشرقاء هي المشقوقة الأذن، والخرقاء: المثقوبة الأذن. هكذا فسر أهل اللغة وأصحابنا. الباجي: وأما القطع ي الأذن أو الأذنين كالمقابلة والمدابرة والخرقاء والشرقاء، فقال ابن القصار: لا يمنع الإجزاء إلا الاستحباب، وهذا قول مطلق. والمذهب على أن الكثير يمنع الإجزاء. ابن بشير: وحمل ابن القصار النهي المذكور على منع الكلام، وهو على قوله المتقدم يقصر منع الإجزاء على العيوب المذكورة. وفي الرسالة: ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيراً وكذلك القطع. وفي المدونة: ولا بأس في الأذن بمثل الميسم أو شق يسير أو قطع يسير. وأما جدع الأذن أو شقها فلا يجوز، وما سمعت مالكاً يوقت في الأذن نصفاً ولا ثلثاً. وعلى هذا ففي قول المصنف: (بيان الأكمل) على الأشهر نظر، ولا يقال: لعل كلام المصنف محمول على اليسير؛ لأنا نقول: لم يحكوا في اليسير خلافاً. وَيُغْتَفَرُ كَسْرُ الْقَرْنِ مَا لَمْ يَكُنْ مُمْرِضاً كَالدَّامِي هكذا قال في المدونة والرسالة. قال في الرسالة: وإن لم يَدْمَ فذلك جائز. وقال أشهب: لا يضحي بكسير القرن إن كان يَدْمَى، فإن فعل أجزأه. وينبغي أن يكون هذا الخلاف راجعاً إلى تحقيق العلة؛ لأن المعتبر إنما هو المرض المبين.

стр. 1352

التونسي: وإذا استؤصل قرناها وقد برئت أجزأت. وفي كتاب ابن حبيب: لا تجزئ. والصواب الأول؛ لأن ذلك ليس نقصاً في الخلقة ولا في اللحم؛ لأن النعاج لا قرن لها. وعلى الإجزاء أكثر الشيوخ، وفهم أبو عمران وغيره المدونة عليه. وَلَوْ كَانَتْ بغَيْرِ أُذُنٍ أَوْ ذَنَبٍ خِلْقَةً وَهِيَ السَّكَّاءُ وَالْبَتْرَاءُ فَكَقَطْعِهِمَا أي: فلا يجزيان، وقوله: (السَّكَّاءُ) راجع إلى المخلوقة بغير أذن، و (الْبَتْرَاءُ) راجع إلى المخلوقة بغير ذنب. وَالصَّمْعَاءُ جِدّاً كَالسَّكَّاءِ بخِلافِ الْجَمَّاءِ، وَالْبَشَمُ وَالْجَرَبُ كَالْمَرَضِ الصمعاء والسكاء ممدودان، والصمعاء الصغيرة الأذنين. أي: فإن كانت صغيرة الأذنين جداً فلا تجزئ كما لو كانت بغير أذنين، وهكذا قال الباجي؛ لأن الأذن إذا كانت من الصغر بحيث تقبح به الخلقة تمنع الإجزاء. فإن قلت: ما ذكره المصنف مخالف للمدونة لقوله فيها: ولا بأس بالجلحاء وهي الجماء، والسكاء وهي صغيرة الأذنين. ابن القاسم: ونحن نسميها الصمعاء. قيل: ليس هو خلاف؛ لأن المصنف إنما تكلم على الصمعاء جداً لا على مطلق الصمعاء. والجماء: التي لا قرن لها. ابن بشير: ولا خلاف فيها. وحكى بعضهم فيها الإجماع. والبشم: التخمة، ومعنى كون البشم والجرب كالمرض أنه إن كان بيِّناً لم تجزئ وإلا أجزأت. وَفي السِّنَّ الْوَاحِدَةِ وَالاثْنَتَيْنِ قَوْلانِ، بخِلافٍ الْكُلِّ وَالْجُلِّ عَلَى الأَشْهَرِ معناه: إن ذهب جميع الأسنان أو جلها ففيه قولان، أشهرهما أنه لا يجزئ، والقول بالإجزاء مبني على قول من قصر العيوب على الأربعة الواردة في الحديث، وعليه فلا إشكال في الإجزاء في السن والسنين، وأما على الأشهر فاختلف في الإجزاء في السن

стр. 1353

والاثنتين كما ذكر المصنف، لكن في كلامه إجمال؛ لأن محل الخلاف إنما هو إذا كان من كبر، ويتبين بكلام اللخمي، قال: فلا تجزئ إذا كانت ذاهبة الأسنان بكسر أو شبهه، وتجزئ إذا كان من إثغار. واختلف إذا كان لكبر. فقال مالك في كتاب محمد: تجزئ. وقال ابن حبيب: لا تجزئ. والأول أبين. واختلف في السن الواحدة ففي كتاب محمد: لا بأس بها. وفي المبسوط: لا يضحي بها. ومجمل قوله على الاستحباب؛ لأنه من العيوب الخفيفة. انتهى. وقد صرح في البيان بالاتفاق على الإجزاء في التي سقطت أسنانها لإثغار، وبالاتفاق على عدم الإجزاء في التي كسرت أسنانها. وَفِي الْهَرَمِ كثِيراً قَوْلانِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلا نَصَّ فِي الْمَجْنُونَةِ، وَأُرَاهُ كَالْمَرَضِ الخلاف في الهرم خلاف في حال هل هو من المرض المانع أو لا؟ وقال سحنون: في التي أقعدها الشحم أنها تجزئ. وفي جعل الباجي الجنون كالمرض إشارة إلى تفريق اللخمي بين الدائم فيمنع، وبين غيره فلا يمنع. وحكى ابن بزيزة في المجنونة خلافاً بين المتأخرين. الْمَامُورُ: مُسْتَطِيعٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ حَاجِّ بمِنّى، بخِلافِ الرَّقِيقِ وَمَنْ فِي الْبَطْنِ، وَالْمُسْتَطِيعُ مَنْ لا تُجْحِفُ بِمَالِهَ ... يعني: أن المأمور بالأضحية من اجتمعت فيه شروط أربعة. وقوله: (بِخلافِ الرَّقِيقِ) راجع إلى قوله: (حُرٌّ)، والمراد بالرقيق: الْقِن ومن فيه شائبة حرية كأم الولد والمدبر والمكاتب، واستحسن مالك الضحية لهم إذا أذن لهم [٢٣٤/أ] السيد. ومن في البطن كالعدم. مالك في الموازية: ولا يعجبني أن يضحي عن أبوين الميتين. قوله: (وَالْمُسْتَطِيعُ مَنْ لا تُجْحِفُ بِمَالِهِ) تصوره ظاهر.

стр. 1354

ابن بشير: وتحرز بالاستطاعة من الفقير، فإنها لا تلزمه، ولا يؤمر بها من تجحف بماله، وإن كان قادراً على شرائها، ولا يتحصل في المذهب حد المال المقتضي للأمر بها، لكن النظر إلى الإجحاف وعدمه. انتهى. وسئل مالك: أيضحي عن الصغير له ثلاثون ديناراً بنصف دينار؟ فقال: نعم. ابن حبيب: يلزم من ماله في يده من وصي أو غيره أن يضحي عنه منهن ويقبل قوله في ذلك كما يقبل في النفقة سواء. واحترز بـ (غير الحاج بمنى) من الحاج بمنى، فإن سنته الهدي فقط، ولا تشرع له الأضحية على المشهور، وظاهر ما في المبسوط لابن القاسم وما لأشهب في غيره أن المشروعية باقية. وقولنا: الحاج بمنى يخرج من لم يحج من أهل منى. قال في البيان: وفي المبسوط لابن كنانة: إنه لا يضحي أحد بمنى. ظاهره: وإن لم يكن من الحاج وهو شذوذ. وَيُضَحِّي عَنِ الصَّغِيرِ، وَلا يَشْتَرِكُ فِيهَا لَكِنْ لِلْمُضَحِّي أَنْ يُشْرِكَ فِي الأَجْرِ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ بخِلافِ غَيْرِهِمْ يضحي عن الصغير؛ لاجتماع الأوصاف المتقدمة فيه، وهذا إن كان له مال، وإن لم ينك فقال ابن حبيب: يلزم الإنسان أن يضحي عمن تلزمه نفقته من ولد ووالد. وفي العتبية ذلك غير لازم. ونص في المدونة على أنه لا يلزمه أن يضحي عن الزوجة. محمد عن مالك: وله أن يدخلها. ابن حبيب: وإن لم يفعل فذلك عليها بخلاف الفطرة. والفرق بين زكاة الفطر والأضحية أن زكاة الفطر من توابع النفقة، بخلاف الضحية فإنها قربة. والإنسان لا يلزمه أن يتقرب عن الغير. وقال ابن دينار: يلزمه أن يضحي عن زوجته إن لم يدخلها. قوله: (وَلا يَشْتَرِكُ فِيهَا) قال في البيان: وروى ابن وهب عن مالك الاشتراك في هدي التطوع، ويلزم ذلك

стр. 1355

في الأضاحي على القول بعدم وجوبها. وقوله: (لَكِنْ ... إلخ) أي أن هذه الشركة جائزة، وهو الاشتراك في الأجر دون الشركة في ثمنها. ولا فرق في ذلك بين أن يكونوا سبعة أو أكثر. وقوله: (مَنْ فِي نَفَقَتِهِ مِنْ أَقَارِبهِ) يريد الساكنين معه أشار إلى ذلك في المدونة. ابن حبيب: وله أن يدخل في أضحيته من بلغ من ولده، وإن كان غنياً، وأخاه وابن أخيه وأقاربه إذا كانوا في نفقته وبيته. الباجي: فأباح ذلك بثلاثة أسباب: القرابة، والمساكنة، والإنفاق. محمد: إن شاء أدخل في أضحيته أم ولده، ومن له فيه بقية رق، ولا يدخل يتيمه في أضحيته ولا يشرك بين يتيمين في أضحية وإن كانا أخوين، والجد والجدة كالأجانب. الباجي: يريد أن الجد والجدة ليسا في نفقته، ولو كانا على ذلك لجاز عندي على ما تقدم في الأقارب. وعندي أنه لا يصح التشريك لأهل بيته وإن لم يعلمهم بذلك. ولذلك يدخل فيها صغار ولده، وهم لا يصح منهم قصد القرابة. انتهى. ابن عبد السلام: وفيه نظر لأن شرط حصول الثواب على القربة النية، وأما الصغار فإنها تسقط عنهم لعدم القصد مع أنها عبادة مالية، والوالي هو المخاطب بها كالزكاة. انتهى. وقال محمد- بعد قوله: أنه لا يدخل الجد والجدة وهما كالأجنبيين-: لا يضحي إلا عن كل واحد بشاة، إلا أن تكون زوج الجد يدخلها في شاة، كما لو بعثها إلى الجد فذبحها الجد عنه وعن زوجته. ابن ميسر: وذلك بإذن الجد. وَالأَوْلَى ذَبْحُهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَنَابَ مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ الْقُرْبَةُ جَازَ لأنها قربة. ابن يونس وابن راشد: والمرأة في هذا كالرجل. وقد كان أبو موسى الأشعري يأمر بناته أن يذبحن نسكهن. محمد: إلا من ضرورة أو ضعف.

стр. 1356

ابن حبيب: أو كبر أو رعشة. وظاهر كلام مالك أنه إن استناب لا يطلب بالإعادة؛ لما ورد أنه ﷺ استناب عليّاً ﵁ في نحر بقية بدنه في الهدايا. محمد: قال مالك: إن أمر مسلم غيره من غير عذر، فبئس ما صنع وتجزيه، وقال ابن حبيب: أحب إليَّ أن يعيد إن وجد سعة. وفي مختصر ابن عبد الحكم قولُ أنه لا تجزيه إذا استناب مسلماً غيرُ مميز. فَلَوْ قَصَدَ الذَّبْحَ عَنْ نَفْسِهِ فَفِي إِجْزَائِهَا قَوْلانِ أي: فلو قصد المستناب الذبح عن نفسه، فقال مالك: تجزئ ربها، وقال أصبغ: لا تجزئ مالكها، وتجزئ عن الذابح ويضمن قيمتها، كمن تعدى على أضحية رجل فذبحها عن نفسه. وقال الفضل بن سلمة: لا يجزئ عن واحد منهما. ورد في البيان قول الفضل بأن الذابح لم يتعد في ذبحه، فوجب أن تكون النية نية ربها الحاضر، كمن أمر رجلاً أن يوضيه. وفرق بأن الذابح مذكَّ للشاة بلا شك، بدليل أنه لا يصح أن يكون مجوسيّاً، وكل مذكَّ لابد له من النية بحضور ربها، وصف طردي بخلاف مسألة الوضوء. وَلا تَصِحُّ اسْتِنَابَةُ الْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ كِتَابيّاً عَلَى الْمَشْهُورِ أي: إن كان غير كتابي فلا تصح اتفاقاً وفي الكتابي قولان؛ مذهب المدونة: لا تجزئ؛ لأنها قربة فلا تصح منه، والقول بالإجزاء لأشهب اعتباراً بنية المالك، فإن أمر رجل رجلاً يظن أنه مسلم فذبح، ثم تبين أنه نصراني، فعن مالك أنه يعيد، فإن نحر اليهودي أو النصراني من نفسه، فإن تَزَيَّا بزِيِّ المسلمين الذين [٢٣٤/ب] يذبحون ضمن ذلك وعاقبه السلطان. وَفِي تَارِكِ الصَّلاةِ قَوْلانِ بناء على فسقه فتصحن أو كفره فلا تصح.

стр. 1357

وَالاسْتِنَابَةُ بالْعَادَةِ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ تَصِحُّ عَلَى الأَصَحِّ كَالْقَرِيبِ الاستنابة تكون بالتصريح، وقد تقدمت، وبالعادة كمن ذبح أضحية ولده أو والده، وجرت عادته القيام بأموره، ثم كلام المصنف يحتمل معنيين: أحدهما: الخلاف في القريب وغيره، وعليه مشاه ابن راشد، وهكذا حكى اللخمي الخلاف في القريب وغيره. ويحتمل أن يكون القريب لا خلاف فيه. وفي غير القريب قولان، وهذا مقتضى كلام ابن بشير؛ لكونه جعل استنابة القريب بالعادة كالاستنابة باللفظ. ابن عبد السلام: وهذا ظاهر كلام المصنف. ونقل ابن عبد السلام هذه الطريقة، ولكن لم يعزها لابن بشير، ونقل طريقة ثالثة: أن الخلاف إنما هو في القريب. وكلام الباجي يقتضي أنه لا خلاف في المسألة لا في القريب ولا في غيره، وذلك لأنه وقع في المدونة بالإجزاء في القريب، ونقل عن أشهب عدم الإجزاء، فتأول الإجزاء بما إذا كان القريب مفوضاً إليه، وقول أشهب فيما إذا لم يكن مفوضاً إليه، ووقع لابن القاسم في الموازية في غير القريب قولان، قال: لو أن جاراً لي انصرف من المصلى فذبح أضحيتي إكراماً لي، فرضيت بذلك لم يجز، وقال أيضاً: إذا كان لصداقة بينهما ووثق به أنه ذبحها عنه أجزأته، فتأول ما وقع من الإجزاء على أنه كان فوض إليه. قال: وأما إن ذبحها عنه بمجرد الصداقة، فالظاهر من المذهب أنه لا تجزئه لأنه متعدَّ، ولو شاء أن يضمنه لضمنه، إلا أن تكون هذه رواية بالإجزاء في التعدي، أنه إذا لم يرد صاحبها تضمينه فله وجه، وعلى هذا فمناط الحكم في القريب وغيره القيام بجميع الأمور، وأن من كان قائماً بجميع الأمور أجزأ ذبحه قريباً كان أو لا، ومن لم يكن قائماً بالجميع لم يجز ذبحه مطلقاً. وهذه الطريقة رابعة، وتصحيح المصنف الصحة في غير القريب ليس بحسن لكونه مخالفاً للمدونة. قال فيها: ومن ذبح أَحيتك بغير أمرك، فإما ولدك أو بعض عيالك ممن فعله ليكفيك مؤنتها، فذلك مجزئ عنك، وأما على غير ذلك فلا يجزئ، ونظير هذه المسألة ما لو زوج ابن أو أخ أخته البكر بغير إذن الأب، فقال في المدونة: يجوز إن كان قد فوض إليه القيام بجميع أموره.

стр. 1358

وَيَاكُلُ الْمُضَحِّي وَيُطْعِمُ نِيئاً وَمَطْبُوخاً وَيَدَّخِرُ وَيَتَصَدَّقُ، وَلَوْ فَعَلَ أَحَدَهَا جَازَ وَإِنْ تَرَكَ الأَفْضَلُ ... المذهب كما قال أنه لو أكلها كلها أو تصدق بها كلها كان تاركاً للأفضل، وكذلك إن اقتصر على اثنين منها. وقال ابن المواز: التصدق بجميعها أفضل. وحكى عبد الوهاب رواية شاذة بوجوب الأكل. ابن حبيب: ويستحب أن يكون أول ما يأكل يوم النحر من أضحيته. وقال عثمان وابن المسيب وابن شهاب: يأكل من كبدها قبل أن يتصدق. يُكْرَهُ لِلْكَافِرِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَفِي تَحْدِيدِ الصَّدَقَةِ اسْتِحْبَاباً ثَلاثَةٌ: الثُّلُثُ، وَالنِّصْفُ، وَالْمَشْهُورُ: نَفْيُ التِّحْدِيدِ ... القولان لمالك في العتبية في النصرانية تكون ظئر الرجل. والأشهر هو اختيار ابن القاسم، ووجهه أنها قربة فلا يعان بها الكافر. وعن مالك التخفيف في الذمي دون غيره كالمجوسي، وأشار ابن حبيب إلى أن من أباح ذلك إنما هو في الذي يكون في عيال الرجل. وأما البعث إليهم فلا يجوز وكذلك فسره مطرف وابن القاسم وابن الماجشون، وقاله أصبغ. وعكس ابن رشد فجعل محل الخلاف في الكراهة والإباحة إنما هو في البعث. وأما من كان في عياله وأقاربه أو ضيفه، فلا خلاف في إباحة طعامهم. فيتحصل من الطريقتين ثلاثة أقوال، والله أعلم. قوله: (وَفِي تَحْدِيدِ الصَّدَقَةِ ... إلخ) تصوره واضح. وَيُرَدُّ الْبَيْعُ، وَإِجَارَةُ الْجِلْدِ كَالْبَيْعِ خِلافاً لِسُحْنُونٍ، وَإِذَا فَاتَ فَثَلاثَةٌ: يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَلَحْمِهَا، وَكَمَالِهِ ... قوله: (يُرَدُّ الْبَيْعُ) يدل بالالتزام على المنع منه ابتداء وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء؛ لما في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه

стр. 1359

قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال نحن نعطيه من عندنا. وكذلك لا يجوز أني دبغ بعض الجلود ببعض نص عليه ابن المواز. ومنع مالك من أن يدهن أحد شراك النعل التي يصنعها بدهن الأضحية؛ لأنها بالدهن تحسن ويكون لذلك حصة من الثمن. واختلف فيمن تصدق عليه أو وهب له لحم، فمنعه مالك من البيع؛ لأن قصاراه أني تنزل منزلة الأصل بالقياس على الوارث. وقال أصبغ: يجوز له البيع كالصدقة على الفقير، والزكاة. ابن غلاّب: وهو المشهور. قوله: (وَإِجَارَةُ الْجِلْدِ كَالْبَيْعِ ... إلخ) قال التونسي: وأجاز سحنون أن يؤاجر جلد أضحيته، وكذلك جلد الميتة، وفيه نظر؛ لأن بيع جلدها لا يجوز، واستئجارها انتهاك لأعيانها، فيؤدي ذلك إلى بيعأعيانها شيئاً فشيئاً. انتهى. وقيد ابن أبي زيد قول سحنون في جلد الميتة بأن مراده بعد الدبغ. وقوله: (فإن فات) أي: فات المبيع من لحم أو غيره فثلاثة أقوال: الأول لابن القاسم وابن حبيب: أنه يتصدق به. والثاني لسحنون: [٢٣٥/أ] أنه يصرف الثمن فيما يصرف فيه المثمون، ويجعل ثمن الجلد في ماعون، وثمن اللحم في طعام. الثالث لابن عبد الحكم: انه مال من أمواله يصنع به ما شاء. والتصدق بالثمن على قول ابن القاسم إنما هو إذا تولى المضحي البيع بنفسه أو أمر بذلك غيره، وأما لو تولاه غيره بغير أمره، كما لو باعه أهله وفرقوا ثمنه، فنص ابن القاسم في العتبية على أن ذلك لا يلزمه. قال في البيان: ومعناه إذا صرفوا الثمن يما له غنى عنه، وأما إن صرفوه فيما لا غناء له عنه، فعليه أن يتصدق به. ابن عبد السلام: وما قاله صحيح، ومعناه يتصدق بالأقل من الثمن، أو مما صرفوه، كما قالوا ذلك في المحجور يبيع شيئاً، ويصرفه في مصالحه، ثم ينقض البيع. وينبغي إذا سقط عن المضحي التصدق بالثمن ألا يسقط عن الأهل الذين تولوا البيع.

стр. 1360

الْوَقْتُ: وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلاثَةٌ، وَمَبْدَؤْهَا يَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ صَلاةِ الإِمَامِ وَذَبْحِهِ فِي الْمُصَلَّى، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَهُ أَعَادَ ... لا خلاف عندنا أن أيام النحر ثلاثة؛ يوم النحر ويومان بعده، وهو مذهب علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، ذكره في الموطأ. ومذهبنا مراعاة ذبح الإمام؛ لما في مسلم من حديث جابر أن النبي ﷺ بهم يوم النحر بالمدينة، فسبقه رجال فنحروا، وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد. وقوله: (وَذَبْحِهِ فِي الْمُصَلَّى) أي: السنة أن يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى؛ ليعلم الناس ذبحه، وأما إن لم يذبح الإمام فالمعتبر صلاته. فَإِنْ لَمْ يُبْرِزْهَا فَفِي الذَّبْحِ قَبْلَهُ قَوْلانِ، وَلَوْ تَوَانَى الباجي: إن أظهر إمام المصلى ذبح أضحيته بإثر الصلاة فمن ذبح قبله فالمشهور عن مالك أنه لا يجزيه، وإن لم يظهر فحكى المصنف في إجزاء الذبح قبله قولين تبعاً لابن بشير، فقال: إن لم يبرزها وثواني فالمشهور عدم الإجزاء؛ لما ثبت من وجوب الاقتداء به. والثاني: الإجزاء لأنه إنما يقتدي به، إذا اقتدى بفعله ﷺ في إبراز الضحية. انتهى. وعدم الإجزاء مذهب الموازية، ففيها: ون ذبح أحد قبله في وقت لو ذبح الإمام بالمصلى لكان هذا قد ذبح قبله لم يجزه. وقيد ابن يونس بأن لا يتوانى، وأما إن توانى بعد وصوله إلى داره فمن ذبح في وقت لو لم يتوانَ الإمام وذبح في داره لكان هذا ذابحاً بعده أجزأه. ونحوه لصاحب البيان قال: إلا أن يتوانى بعذر من اشتغال بقتال عدو أو غيره، فينتظرونه ما لم يخرج وقت الصلاة بزوال الشمس. وقال ابن راشد: وقوله: (وَلَوْ ثَوَانَي) يقتضي أن الخلاف في الإجزاء وعدمه إذا ذبح قبل الإمام سواء توانى الإمام في

стр. 1361

الذبح أم لا. ولم أقف على ذلك، فإن القائل بعدم الإجزاء قال: إن توانى الإمام في الذبح، فإن الذابح قبله يجزئه. ابن رشد: وقال أبو مصعب: إن لم يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى، فليس على الناس أن ينتظروه حتى يرجع إلى منزله. ومن ذبح بعد القدر الذي كان يذبح فيه في المصلى فضحيته جائزة. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَذَبْحُ أَقْرَبِ الأَئِمَّةِ إِلَيْهِ عَلَى التَّحَرِّي، فَإِنْ تَحَرَّى فَأَخْطَأَ أَجْزَأَ عَلَى الْمَشْهُورِ .... أي: فإن لم يكن لهم إمام فإنهم يتحرون أقرب الأئمة إليهم، والفرق على المشهور بين هذا الفرع والذي قبله أن الإمام إذا لم يكن عندهم يعسر الاطلاع على ذبحه، والشاذ رواه أشهب عن مالك. وَالإمَِامُ الْيَوْمَ الْعَبَّاسِيُّ أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ نحوه للخمي، وأشار إلى أن المتغلبين يكونون كمن لا إمام لهم. وقال التونسي: الإمام المعتبر ذبحه الذي يقيم الحدود والجمعة والأعياد. وقال ابن رشد: المراعي في ذلك الإمام الذي يصلي صلاة العيد بالناس، إذا كان مستخلفاً على ذلك. وَلا يُرَاعَى قَدْرُ الصَّلاةِ فِي الْيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ المشهور رواه ابن حبيب عن مالك وقاله الباجي؛ وهو قول ابن المواز قال: وتذبح إذا ارتفعت الشمس وحلت النافلة، ولو فعل ذلك بعد الفجر أجزأه. وقال أصبغ: إذا طلع الفجر جاز الذبح في هذين اليومين. فإذا تقرر هذا علمت أن من لا يراعي وقت الصلاة لا يراعي طلوع الشمس إلا استحباباً، ولا يؤخذ هذا من كلام المصنف. وتشهير المصنف هو الصحيح وإن كان ابن بشير جعل الشاذ هو المشهور.

стр. 1362

وَيُرَاعَى النَّهَارُ عَلَى الْمَشْهُورِ قد تقدم هذا. وَالأَوَّلُ أَفْضَلُ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى أَوَّلِ مَا بَعْدَهُ قَوْلانِ أما أفضلية النصف الأول من الأولى فمجمع عليه لفعله ﷺ ، واختلف هل النصف الثاني منه أضل من أول اليوم الثاني وإليه ذهب ابن المواز، أو أول الثاني أفضل؟ وهو قول مالك في الواضحة، بل صرح بكراهة ما بعد الزوال، قال: وكذلك الثاني يذبح فيه من ضحى إلى زوال الشمس، فإن فاته أمر بالصبر إلى ضحى اليوم الثالث. ابن يونس: وحكى لنا بعض فقهائنا القرويين قال: سمعت أبا الحسن ينكر قول ابن حبيب هذا، وقال: بل اليوم الأول كله أفضل من اليوم الثاني والثاني أفضل من الثالث. ورواية ابن المواز واختياره أحسن من هذا، والذي [٢٣٥/ب] عند ابن المواز هو المعروف. ولو قال المصنف: وفي أفضلية ما بعد الزوال على أول ما بعده أو العكس لكان أحسن؛ لأن كلامه ليس بنص في أن القول الآخر يقتضي أفضلية أول الثاني لاحتمال فهم التساوي. ورأى القابسي واللخمي أن هذا الخلاف جارٍ أيضاً فيما بين آخر الثاني وأول الثالث. وقال ابن رشد: لا يختلف في رجحان أول اليوم الثالث على آخر الثاني. فائدة: نقل الباجي أن الأبهري وابن القصار رويا أنه يستحب لمن أراد أن يضحي إذا رأى هلال ذي الحجة ألا يقص شعراً، ولا يقلم ظفراً حتى يضحي، قالا: ولا يحرم ذلك عليه. قال: وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ليس في ذلك استحباب. وقال احمد وإسحاق: يحرم عليه الحلق. ودليلنا على الاستحباب حديث أم سلمة: أن النبي ﷺ قال: "من رأى هلال ذي الحجة فأراد أنا يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا من

стр. 1363

أظفاره حتى يضحي". رواه مسلم والترمذي وأبو داود. الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وهذا نهي، والنهي إذا لم يقتض التحريم حمل على الكراهة. ودليلنا على نفي الوجوب حديث عائشة المتقدم في كتاب الحج: فَتلْتُ قلائدَ هدي رسول الله صلى الله عليه وسل بيدي، ثم بعثت مع أبي فلم يحرم علي رسول الله ﷺ شيئاً أحله الله له. ولا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسل ضحى في ذلك العام. الْعَقِيقَةُ: ذِبْحُ الْوِلادَةِ، وَأَصْلُهُ شَعَرُ الْمَوْلُودِ ينبغي أن تضبط الذال من (ذِبْحُ) بالكسر؛ ليكون المراد ما يذبح، ويحتمل الفتح على إرادة المصدر؛ لأن ذلك يستلزم مذبوحاً. الجوهري: والعقيقة: صوف الجذع، وشعر كل مولود من الناس والبهائم عقيقة. ويقال: عقيق أيضاً، وعقة بالكسر، ومنه سميت الشاة التي تذبح عن المولود يوم سابعه عقيقة. انتهى. ثم نقل من الشعر إلى ما يذبح من باب إطلاق السبب على المسبب، أو من باب إطلاق أحد المتلازمين على الآخر، صوار حقيقة شرعية في المذبوح للولادة. وأنكر أحمد ابن حنبل ﵁ أن تكون العقيقة مأخوذة مما تقدم، وقال: إنما العقيقة: الذبح نفسه، وهو قطع الأوداج والحلقوم، ومنه قيل لقاطع رحمه عاق. وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى مِمَّا يُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ الضمير في (هُوَ) عائد على الذبح؛ أي: ولا يبلغ السنية. وحكى صاحب البيان عن ابن حبيب أنها سُنة، وحكاه بعض الأندلسيين عن مالك. ووقع لمالك في العتبية فيمن لم يكن عنده يوم الأضحى إلا شاة أنه يعق بها ولا يضحي، فظاهره أن العقيقة آكد، إلا أنهم تأولوه، ففي البيان معناه إذا رجا أن يجد أضحية في بقية أيام الأضحى، وإلا فليضح بها؛ لأن الضحية أوجب عند مالك وجميع أصحابه؛ لأنه قيل: إنها سنة واجبة، وقيل:

стр. 1364

مستحبة. ولو كان ذلك في آخر أيام الأضحى لكانت الضحية أولى، قاله العتبي وابن حبيب، وهو قياس ما قلناه. وقوله: (لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى) أي: يكفي لكل واحد منهما شاة، ونبه على خلاف الشافعي فإنه جعل للذكر شاتين. ودليلنا ما رواه أبو داود عن أبي معمر عبد الله بن عمر عن عبد الوارث عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵁: "أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن كبشاً وعن الحسين كبشاً"، قال بعض المحدثين: وهو صحيح. وقال بعضهم: سنده صحيح. وروى الترمذي عن عائشة وصححه "أن النبي ﷺ أمرهم عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة"، وخرجه النسائي من حديث أم كرز، وبه قال الشافعي، قيل: وهو أولى لأن سماع أم كرز منه ﷺ كان عام الحديبية وهو متأخر عن حديث ابن عباس. وقوله: (مِمَّا يُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ) ظاهر. وَفِي الإِبِلِ وَالْبَقَرِ قَوْلانِ قال صاحب البيان وصاحب الجواهر: المشهور أنها كالضحية في أجناسها. قال ابن شعبان: لا يعق بشيء من الإبل والبقر. وروى مثله في العتبية؛ لأن المذكور في أحاديث هذا الباب إنما هو الغنم. وَوقْتُهُ السَّابعُ، وَلا يُعَدُّ مَا وُلِدَ فِيهِ بَعْدَ الْفَجْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ لا خلاف عندنا أن وقته السابع. قال مالك في العتبية: وحد ذبح العقائق ضحوة وهي سنة الذبح في الضحايا وأيام منى، وهي ساعة الذبائح. (وَلا يُعَدُّ مَا وُلِدَ فِيهِ بَعْدَ الْفَجْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ) يعني: إن ولد قبل الفجر اعتد بذلك اليوم، وإن ولد بعده فالمشهور ألا يحتسب به. وقيل: إن ولد قبل الزوال حسب

стр. 1365

ذلك اليوم، وإن ولدبعده لم يحسب، وهذا القول رجع عنه مالك، وقال أصبغ: يلغى ذلك اليوم وإن حسب سبعة أيام من تلك الساعة إلى مثلها أجزأ. قال في البيان: وهو قول حسن. وظاهر كلامه أن مقابل المشهور الاعتداد به وإن ولد قبل الغروب. وهذا القول هكذا إنما نقله اللخمي وصاحب البيان عن عبد العزيز بن أبي سلمة. ويحتمل أن يريد بمقابل المشهور قول أصبغ. وظاهر كلام المصنف تعرية الوجه الأول- أعني: إذا ولد قبل الفجر- عن الخلاف. وحكي في البيان عن ابن الماجشون أنه لا يحتسب إلا من غروب الشمس الآتي بعد الولادة، سواء كانت الولادة ليلاً أو نهاراً. وفِي [٢٣٦/أ] الذَّبْحِ لَيْلاً وَبَعْدَ الْفَجْرِ مَا فِي الأُضْحِيَّةِ أي: فلا يجزئ ليلاً على المشهور. وقوله: (وَبَعْدَ الْفَجْرِ) نص مالك في المبسوط على عدم الإجزاء إذا ذبحها قبل طلوع الشمس وأخذه ابن رشد من العتبية. وقال ابن الماجشون: يجيزيه إن كان بعد طلوع الفجر. قال في البيان: وهو أظهر؛ لأن العقيقة ليست منضمة إلى صلاة فكان قياسها على الهدايا أولى من قياسها على الضحايا. وهذا الخلاف يأتي على المشهور في المسألة السابقة وعلى الشاذ. وقولُ ابن عبد السلام: إنما يتمشى على غير المشهور، وأما على المشهور من إلغاء جزء من النهار فلا، ليس بظاهر. ويجزئ ذبحها أيضاً ليلاً على الشاذ، أنها لا تفوت بغروب الشمس من السابع وأنها تذبح فيما قرب، قاله مالك في العتبية. فَإِنْ فَاتَ فَفِي السَّابِعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ قَوْلانِ أي: فات السابع الأول فالمشهور الفوات. وروى ابن وهب عن مالك أنها تذبح في السابع الثاني، فإن لم تذبح فيه ففي الثالث، وجعلها ثلاثة أسابيع كما أن أيام الذبح في الضحية ثلاثة. وفي مختصر الوقار أنها تذبح في السابع الثاني فقط، وفي العتبية أنه إذا فات

стр. 1366

السابع الأول فلا يعق عنه إلا أن يكون قريباً. قال في البيان: هو خلاف المشهور. فيتحصل في المسألة أربعة أقوال. وَفِي كَرَاهَةِ عَمَلِهَا وَلِيمَةً قَوْلانِ الكراهة لمالك وابن القاسم في العتبية، علله مالك بمخالفة العمل. والقول بالجواز حكاه ابن راشد عن ابن حبيب، وعلله ابن بشير بأنه طعام سرور فأشبه الولائم. وقال ابن عبد السلام: الذي أجازه هو ابن حبيب في ظاهر كلامه، وإطعامها للفقراء أضل، ويجوز إطعامها للأغنياء، ولو أكلوها ولم يطعموا أحداً لأجزأتهم وقد فاتهم الأفضل. ابن حبيب: ويحسن أن يوسع بغير شاة العقيقة؛ لإكثار الطعام ودعاء الناس. وتأول بعضهم أن مراد ابن حبيب دعاء الناس إنما هو على المزيد على العقيقة لا على العقيقة نفسها. وكذلك حكاه بعضهم عن ابن حبيب نصّاً. وعلى هذا فلا يكون في المسألة خلاف. ابن راشد: والسُّنة أن يطعم الناس منها في مواضعهم كالأضحية. وَفِي كَرَاهَةِ التَّصَدُّقِ بزِنَةِ شَعْرِهِ ذَهَباً أَوْ فِضَّةً قَوْلانِ الكراهة حكاها ابن مزين. ابن عبد السلام: والقول بالإباحة ذكره ابن الجلاب. انتهى. ولفظه: وليس على الناس التصدق بوزن شعر المولود ذهباً أو فضة فإن فعل فلا بأس به. ونص صاحب الرسالة وغيره على الاستحباب. وَلا بَاسَ بِكَسْرِ عِظَامِهَا كَالضَّحِيَّةِ عبد الوهاب: ويجوز كسر عظامها لا أنه مستحب ولا مسنون، ولكن تكذيباً للجاهلية في تحرجهم من ذلك، وتفصيلهم إياها من المفاصل. وفي الحفيد: إن الكسر مستحب لمخالفة الجاهلية.

стр. 1367

وَلا يُلَطَّخُ الْمَوْلُودُ بِدَمِهَا قال في الرسالة: وإن خلق رأسه بِخَلوق بدلاً من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية، فلا بأس بذلك. فرع: قال مالك في العتبية: من مات ولده قبل السابع فلا عقيقة عليه. ابن يونس: ولا تسمية عليه فيه. ابن وهب: فذكرت له الحديث في السقط يقول لأبيه يوم القيامة:"تركتني من غير اسم" فلم يعرفه. وقال ابن حبيب: أحب إلي إن مات قبل السابع أن يُسمَّى. وكذلك السقط يُسمَّى لما روي من رجاء شفاته. قيل لمالك في العتبية: أيكره أن يسمى أحد قبل السابع؟ فقال: ما رأيت أحداً يسمِّي قبل السابع، إنما يعق عنه ويسمِّي يوم السابع. ابن يونس: وكره مالك الختان يوم يولد الصبي أو في سابعه، وقال: هو من فعل اليهود، ولم يكن من عمل الناس إلا حديثاً. وكان لا يرى بأساً أن يفعل لعله يخاف على الصبي. مالك: وحد الختان من وقت يؤمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر. * * *

стр. 1368

الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ: وَالْيَمِينُ الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ الْيَمِينُ باللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ غَيْرُ لَغْوٍ وَلا غَمُوسٍ، مِثْلُ: وَاللهِ وَالرَّزَّاقِ، وَعِلْمِهِ، وَقُدْرَتِه، وَاِرَادَاتِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَكَلامِهِ، وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَقِدَمِهِ، وَوُجُودِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَجَلاللَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَعَهْدِهِ، وَمِيثَاقِهِ، وَذِمَّتِهِ، وَكَفَالَتِهِ، بخِلافِ مَا تَحَقَّقَ لِلْفِعْلِ كَالْخَلْقِ، وَالرِّزْقِ، وَكُرِهَ الْيَمِينُ بـ (لعَمْرُ اللهِ)، وَأَمَانَةِ اللهِ؛ إِذْ لَمْ يَرِدْ إِطْلاقُهُمَا، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ إِنْ قَصَدَ الصِّفَةَ ... وسمي الحلف يميناً؛ لأنهم كانوا إذا حلفوا وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه وقيل: اليمين: القوة. وسمي العضو يميناً لوفور قوته على اليسار. ومنه قوله تعالى: (لأخَذَنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ([الحاقة: ٤٥] أي: بالقوة، قال في الذخيرة: فعلى هذا يكون التزام الطلاق والعتاق وغيرهما في تقدير المخالفة يميناً بخلاف التفسير الأول. والحلف بكسر اللام وسكونها. والنذور: جمع نذر، وقد يجمع على نذر، وهو في اللغة عبارة عن الالتزام، وقيل: هو التزام بشرط. ابن بشير: والأول أشهر. وهل الحلف من حيث هو مباح، وإليه ذهب الأكثر، أو أرجع الترك؟ قولان للشيوخ. ابن عبد السلام: والصحيح نقلاً ونظراً الإباحة. وقلنا: من حيث هو؛ لأنه قد يعرض له الوجوب والندب والتحريم. ولا خلاف في جواز الحلف بأسماء الله تعالى سواء دلت على الذات فقط أو مع صفة، كقوله: والله والرحمن والعزيز والقدير، وأما صفاته فالمعروف [٢٣٦/ب] من المذهب جواز الحلف بها، وخرج للخمي من قوله في الموازية فيمن حلف فقال: لعمر الله، فقال: لا يعجبني أن يحلف به أحد. ومن كراهة مالك أيضاً الحلف بأمانة الله، ومن رواية علي في مسألة الحلف بالقرآن وألفاظ وقعت لهم في هذا الباب تقتضي الخلاف في الأيمان بالصفات.

стр. 1369

واعلم أن الكفارة إنما تجب في عزة الله وأمانة الله إن قصد بذلك صفته تعالى، وأما إن أراد ما جعله الله تعالى في عباده من العزة والأمانة كقوله تعالى: (سُبّحَنَ رَبِكَ رَبِ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ ([الصافات: ١٨٠] فإنه لا كفارة عليه، نص عليه أشهب، ولا يجوز حينئذٍ الحلف بهما وقاله ابن سحنون في العزة فقط. وقاله محمد في العهد. قال في الذخيرة: أمانة الله: تكليفه؛ لقوله تعالى: (إِنَّا عَرَضّنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوتِ وَالأَرْضِ ... ([الأحزاب: ٧٢] وتكليفه: كلامه القديم، وعمر الله تعالى: بقاؤه، وهو استمرار وجوده، وعهد الله: إلزامه؛ لقوله تعالى: (وَأوْفُوا بِعَهّدِيّ ([البقرة: ٤٠] أي: بتكاليفي، فذمته: التزامه فيرجع إلى خبره، وخبره: كلامه، وكذلك كفالته وميثاقه راجعان إلى الكلام. عياض: لعَمْرُ بالفتح والضم: الحياة والبقاء، إلا أنه إذا استعمل في القسم لم يكن فيه غير الفتح ولم يحك المصنف في عهد الله خلافاً. ابن حارث: واتفقوا على وجوب الكفارة إذا قال: عليَّ عهد الله، واختلفوا إذا قال: وعهد الله. قال في المدونة: تجب. وقال الدمياطي: لاتجب. اللخمي: والعهد على أربعة أوجه تجب الكفارة في وجه، وتسقط في اثنين، واختلف في الرابع فإن قال: علي عهد الله، فعليه الكفارة، وإن قال: لك عهد الله، أو أعطيك عهداً، فلا كفارة عليه. واختلف إذا قال: أعاهد الله، فقال ابن حبيب: عليه كفارة يمين. وقال ابن شعبان: لا كفارة عليه؛ لأنه لم يحلف بالعهد إذ قولُه: أعاهد الله، عهدٌ منه وليس بصفة الله. ابن حبيب: وإذا قال: أبايع الله، فعليه كفارة يمين. اللخمي: وعلى قول ابن شعبان لا شيء عليه. ابن حبيب: "أيْمُ اللهِ" يمين. وفي الموازنة لمالك: إذا قال:"لعَمْرُ اللهِ" أو "ايْمُ اللهِ"، أخاف أن يكون يميناً. اللخمي: فتردد هل هي يمين أم لا؟ ابن عبد الحكم: وإن قال "لاها الله" فهي يمين كقوله "تالله"، وإن قال: "الله علي راعٍ" أو "كفيل"، فليس في ذلك كفارة. قال في الموازية: قال بعض أصحابنا في

стр. 1370

"معاذ الله": ليست يميناً إلا أن يريد بها اليمين. وقيل في "معاذ الله" و"حاشا لله": إنهما ليستا بيمين بحال. انتهى. وفي اللخمي قول: إنهما يمين، التونسي: والأشبه في "معاذ الله" و"حاشا لله" أنهما ليستا بيمين. وقال ابن حبيب: وقول الرجل للرجل علي عهد الله أو لك علي عهد الله إن فعلت كذا فلا كفارة عليه في هذا ولا رخصة في تركه. انتهى. وهو يخالف الاتفاق الذي حكاه ابن حارث. وقوله: (وَكُرِهَ الْيَمِينُ بـ (لعَمْرُ اللهِ)) أي: كره مالك في الموازية الحلف بعمر الله، وظاهر المدونة جواز الحلف به ففيها: الحلف بجميع أسماء الله تعالى وصفاته لازم كقوله: والعزيز والسميع والعليم، ثم قال: أو قال: وعزة الله، وكبريائه، وقدرته، وأمانته، أو قال: لعمر الله، هي كلها أيمان تكفر ولعل المراد بالكراهية- على ما في الموازية-المنع؛ لأن الصحيح أن أسماء الله تعالى توقيفية، بل أشار ابن عبد السلام إلى أن هذا ليس هو محل للخلاف؛ لأن لعمر حقيقة في حق الحادث، وكذلك الأمانة فهما مجملان، وإنما محل الخلاف ما كان صريحاً وظاهراً في معناه، وكان معناه صحيحاً، وهذا البحث إنما هو على ما علل به المصنف. ابن بشير: ويحتمل أن تكون الكراهة للتردد الذي قدمناه عن أشهب في الأمانة؛ أي: من إرادة صفة الله تعالى، أو الأمانة التي جعلها الله تعالى في عباده. تنبيه: لا فرق بين أن يقول: والله، أو وحق الله، فإن ذلك كله يمين، نص عليه في العتبية، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يلزمه حكم اليمين إذا قال: وحق الله. وَالْمَشْهُورُ: الْكَفَّارَةُ فِي الْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ، وَأُنْكِرَتْ رِوَايَةُ ابْنِ زِيَادٍ، وَقِيلَ: الْحَقُّ إِنْ أُرِيدَ الْحَادِثُ لَمْ تَجِبُ ... مقابل المشهور رواية ابن زياد، ونقلها في النوادر في المصحف، واللخمي في القرآن والمصحف، والمنكر لها ابن أبي زيد؛ لأنها توهم القول بخلق القرآن. قال: وإن صحت
следующие страницы →