Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] للزم تغيير الكلام من الخطاب إلى الغيبة وهو خلاف الأصل، وبأن إقامة الظاهر مقام المضمر خلاف الأصل، فلو كان المراد الزواج لقيل: إلا أن يعفون أو تعفوا عما استحق لكم.
وقوله: (بَعْدَ الطَّلاق) يعني للعفو شرطان: الأول: أن يكون قبل الدخول، فلا يجوز له أن يعفو بعده. والثاني: أن يكون بعد الطلاق؛ لأنه إنما ورد كذلك، ولأنه إذا كان بعد الطلاق؛ لأنه إنما ورد كذلك، ولأنه إذا كان بعد الطلاق تحصل للبنت بعد ذلك المصلحة وهي رغبة الأزواج فيها. وأجاز ابن القاسم عفو الولي قبل الطلاق أيضاً، ورأى أنه أجاز ذلك لأجل تحصيل زوج في المستقبل، فلأن يجوز للزوج الحاصل الذي لم يطلقها أولى.
ابن عبد السلام: ونقل المؤلف هو الصحيح لا ما قاله ابن بشير أنه لم يختلف ابن القاسم ومالك في جواز التخفيف قبل الطلاق إذا ظهرت المصلحة، كما لا يختلفان في عدم جوازه إذا علم مصلحته، ولم يختلفا إذا جهل الحال.
وقول المؤلف: (مَاضٍ) لا يفهم منه الجواز والمذهب الجواز.
تَمْيِيزُ مَا يُفْسَخُ بِطَلاقٍ مِنْ غَيْرِهِ: أَكْثَرُ الرُّوَاةِ أَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ إِمْضَاؤُهُ وفَسْخُهُ، فَفَسْخُهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، كَإِنْكَاحِ الأَجْنَبِيِّ يَرُدُّهُ الْوَلِيُّ، ومَا كَانُوا مَغْلُوبِينَ عَلَى فَسْخِهِ، فَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلاقٍ، كَولايَةِ الْمَرْأَةِ والْعَبْدِ، وكَالشِّغَارِ، والْمَرِيضِ، والْمُحْرِمِ، وكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وكَالْمُجْمَعِ عَلَى فَسْخِهِ
هذا قول مالك الأول وعليه أكثر الرواة، ورأى أن كل نكاح للزوج أو للزوجة أو للولي إمضاؤه وفسخه فهو منعقد حتى ينحل، فيكون حله بطلاق.
وقوله: (كَإِنْكَاحِ الأَجْنَبِيِّ) يرده الولي، مثال: لما الخيار فيه للولي، ومثال ما الخيار فيه للزوج إذا كان بالزوجة عيب وإن كان به فالخيار للزوجة. وعن أبي جعفر الأبهري: إذا وجد الزوج المرأة مجنونة أو مجذومة أن الرد بغير طلاق.
стр. 1927
اللخمي: ويلزمه أن يكون الحكم كذلك إذا كان العيب بالزوج والمعروف أن الفسخ للعيب بطلاق.
وقوله: (وكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ) هو طريقة المغاربة.
وَعَنْ مَالِكٍ وَرَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَنَّ مَا اخْتُلِفَ فِي إِجَازَتِهِ وفَسْخِهِ، فَفَسْخُهُ بِطَلاقٍ كَوِلايَةِ الْعَبْدِ والْمَرْأَةِ، وكَالشِّغَارِ والْمَرِيضِ والْمُحْرِمِ وكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ، ومَا فُسِخَ بِطَلاقٍ يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ، والطَّلاقُ والْمُوَارَثَةُ، مَا لَمْ يَكُنِ الْفَسْخُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، ومَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي فَسْخِهِ فَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلاقٍ، ولا يَقَعُ بِهِ طَلاقُ. وَلا مُوَارَثَةَ كَالْخَامِسَةِ وأُخْتِ امْرَأَتِهِ، أَوْ عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا ..
راعى في هذا قول من قال بالصحة والاختلاف في نكاح المريض والصداق الفاسد قبل البناء في المذهب، والخلاف في نكاح المحرم وإنكاح المرأة نفسها لأبي حنيفة ﵁ فإنه يجيزهما.
وذكر في المدونة أن نكاح الشغار من المختلف فيه، وفي النكت قال بعض شيوخنا في مثل نكاح المحرم والشغار ونحوه مما لا ينعقد عندنا ويجوز عند غيرنا: تقع فيه الحرمة بلا اختلاف. وفي الباجي عن أبي عمران أن الشغار لا خلاف في منعه وإنما اختلف في فسخه، وكذل كقال غيره وقاله ابن عبد السلام.
خليل: وعلى هذا فيكون ما أشار إليه من الخلاف في المدونة في نكاح الشغار إنما هو بعد الوقوع لا في الجواز ابتداءً كما قال أبو عمران وغيره، وبه تعلم أن قول ابن عبد السلام أن ابن القاسم إنما قال بالفسخ بطلاق في المختلف في جوازه ابتداءً ليس بظاهر، ولا أعلم من قال بجواز كون العبد ولياً. ولم يتعرض للنكاح المختلف فيه ليفصل في الخلاف هل هو شاذ أو مشهور؟ ورأى ابن بشير أنه لا يختلف في مراعاة القول الشاذ من سلم مراعاة الخلاف المشهور، وقد تبين لك من كلام المصنف أن كل ما يفسخ بطلاق على القول
стр. 1928
الأول يفسخ بذلك على الثاني، وليس كل ما يفسخ بطلاق عن الثاني يفسخ به على الأول وهو واضح.
وقوله: (يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ) أي تحريم المصاهرة من كونها تحرم على أبنائه وآبائه، وتحرم عليه أمهاتها وبناتها كما تقدم.
وقوله: (والطَّلاقُ) أي إذا أوقعه الزوج قبل الفراق، ويتوارثان قبل الفسخ إلا أن يكون الفسخ لحق الورثة في نكاح المريض فلا إرث فيه، لأنا لأجل الإرث فسخناه.
وقوله: (ومَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي فَسْخِهِ ... إلخ) ظاهر التصور، واعلم أن ابن بشير وغيره ذكروا عن بعض القرويين أن ابن القاسم وإن قال بمراعاة الخلاف في هذا الباب، فإنه لا يضره ذلك حتى يفسخ نكاحاً صحيحاً على مذهبه لمراعاة مذهب غيره، مثاله: أن يتزوج تزويجاً مختلفاً فيه، ومذهبنا أنه فاسد، ثم إن طلق فيه ثلاثاً فابن القاسم يلزمه الطلاق ولا يتزوجها [٣٣٥/ ب] إلا بعد زوج، فلو تزوجها قبل زوج لم يفسخ نكاحه؛ لأن التفريق حينئذ إنما هو لاعتقاد فساد نكاحها، ونكاحها عنده صحيح، وعند المخالف فاسد، ولا يمكن الإنسان ترك مذهبه لمراعاة مذهب غيره، يريد: أن منعه من تزويجها أولاً إنما كان مراعاة للخلاف، وفسخ النكاح ثانياً لو قيل به لكان مراعاة للخلاف أيضاً، فلو رعي الخلاف فيهما لكان ترك المذهب بالكلية، وشرط مراعاة الخلاف عند القائل به لا يترك المذهب بالكلية.
ابن عبد السلام: وهو كلام لا بأس به إن كان موجب الطلاق عند ابن القاسم مراعاة الخلاف ليس إلا، وأما إذا كان لحصول شبهة النكاح المقتضية للحوق الولد ودرء الحد وغير ذلك من الأحكام التي ساوى فيها هذا النكاح الصحيح، فالطلاق حينئذ واقع كوقوعه في النكاح الصحيح، فيفسخ النكاح إن تزوجها قبل زوج، ولا يقال: لا يصح أن تكون الشبهة هي المقتضية لوقوع الطلاق لحصولها في النكاح المجمع
стр. 1929
على فساده؛ لأن الشبهة في المجمع فساده لا تساويها في المختلف فيه، فيجوز لاختلاف الشبهة اختلاف آثارها.
وَمَا فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلا صَدَاقَ، وبَعْدَهُ الْمُسَمَّى
قوله: (فَلا صَدَاقَ) أي إلا نكاح الدرهمين فلها نصفهما.
قوله: (وبَعْدَهُ الْمُسَمَّى) إن كانت هناك تسمية، وإلا فصداق المثل، وليس متوقفاً عليه كما ترى.
فرع: إذا طلق الزوج قبل البناء أو مات: ابن رشد في نوازله: الفاسد قسمان: فسد لصداقه، وقسم فسد لعقده، فأما الفاسد لصداقه فالصحيح من المذهب لا شيء للمرأة فيه إلا بالدخول، وروي عن أصبغ فيمن تزوج بغرر ثم مات قبل البناء فإن لها صداق مثلها، وإن طلقها فلا شيء لها، فجعله كنكاح التفويض، فعلى قول من أوجب فيه صداق المثل بالموت، وأما الفاسد لعقده فإن اتفق على فساده كنكاح ذات محرم والمعتدة والمرأة على عمتها أو خالتها، وما أشبه ذلك فلا صداق فيه بالموت، ولا نصف بالطلاق اتفاقاً وإنما يوجبه الدخول، وإن كان مختلفاً فيه فهو قسمان: قسم لا أثر لعقده في الصداق كنكاح المحرم والمرأة بغير ولي، فهل يقع فيه الطلاق وتجب فيه المواريث ويفسخ بطلاق أو لا؟ في الثلاثة قولان.
فعلى القول بوجوب الميراث والطلاق يجب المسمى بالموت ونصفه بالطلاق؛ إذ لا يصح أن يفرق بين الميراث والطلاق، فيجب أحدهما ويسقط الآخر؛ إذ لا مزية لأحدهما على صاحبه؛ لأن الله تعالى نص على وجوب الصداق للزوجة، كما نص على وجوب الميراث، وعلى القول الآخر لا يلزم الصداق بالموت ولا نصفه بالطلاق، ولا خلاف أنه لو عثر على هذا النكاح وفسخ قبل البناء أنه لا شيء لها، ولو قلنا أن فسخه طلاق لأن الفرقة هنا مغلوب عليها.
стр. 1930
وقسم له تأثير في الصداق كنكاح المحلل، ونكاح الأمة على أن ولدها حر، وعلى أن لا ميراث بينهما، فقيل: للمرأة بالدخول صداق المثل؛ لأن للفساد تأثيراً في فساد الصداق، وقيل: المسمى لأن فساده في عقده والصداق فيه صحيح؛ فهذا القسم لا يجب فيه للمراة من صداقها شيء بالموت أو الطلاق قبل البناء، وذها بين على القول بأن لها صداق المثل بالبناء، وأما على القول بالمسمى فينبغي ألا شيء لها إلا بالدخول، وقد يقال: لها نصفه بالطلاق، إذ ليس الصداق عوضاً عن البضع، وإن كان لا يستباح إلا به، لأن الله تعالى سماه نحلة، والنحلة الهبة. انتهى بمعناه.
وَتَمْيِيزُ مَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ مِمَّا يُفْسَخُ بَعْدَهُ أَنَّ مَا لا يُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ يُفْسَخُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، ومَا اخْتُلِفَ فِيهِ إِنْ كَانَ بِنَصِّ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ كَالْمَرِيضِ فَكَذَلِكَ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِخَلَلِ عَقْدِهِ فَفِي فَسْخِهِ بَعْدَهُ قَوْلانِ، وإِنْ كَانَ لِخَلَلِ صَدَاقِهِ فَمَشْهُورُهَا يُفْسَخُ قَبْلَهُ لا بَعْدَهُ نَحْوَ عَقْدِ الدِّرْهَمَيْنِ ..
أي: أن ما لا يختلف فيه يفسخ مطلقاً، وكذلك ما اختلف فيه وقلنا فيه بالفساد لنص كتاب أةو نص سنة أو لحق الورثة فكذلك؛ أي يفسخ بعد البناء.
وقوله: (ونص كتاب أو سنة) فيه حذف مضاف إليه من الأول وحذف مضاف من الثاني كما قررنا، ومثال ما فيه نص كتاب: الخامسة، ومثال ما فيه نص سنة: نكاح المحرم، وإنكاح المرأة نفسها ونكاح المحلل، وإن لم يكن كذلك فإن كان لخلل عقده كنكاح الخيار، أو إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا ففي فسخه بعد البناء قولان، وإن كان لخلل صداقه فثلاثة أقوال، تصورها بين مما تقدم.
стр. 1931
الْمُتْعَةُ مُسْتَحَبَّةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، أَوْ كِتَابِيَّةٍ أَوْ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ فِي نِكَاحِ لازِمِ غَيْرِ الْمُخْتَلِعَةِ والْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وقَدْ فُرِضَ لَهَا، ولا مُتْعَةَ لِمُلاعِنَةٍ ولا مُخْتَارَةٍ لِعِتْقِهَا ونَحْوِهِ، بِخِلافِ مَنْ خَيَّرَهَا أَوْ مَلَّكَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ..
المتعة: ما يعطيه الزوج لزوجته عند طلاقه لها؛ جبراً لألم الفراق، والمشهور أنها مستحبة، يؤمر بها المطلق ولا يجبر عليها، وحكى ابن مسلمة وابن حبيب الوجوب، واختاره السيوري لقوله تعالى: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: ٢٣٦] ففي الآية دليل الوجوب من أوجه الأمر، وقوله: (حَقّاً) و (عَلَى) فإنهما من ألفاظ الوجوب، وتعلقها بمال الموسع والمقتر، ورأى في المشهور أنها لما قيدت بالمحسنين والمتقين على أنها مستحبة، لأن الواجب لا يتقيد، وأجيب بأن هذا من [٣٣٦٧/ أ] باب التهييج، ولأن الإحسان والتقوى أمر بهما في غير ما آية.
وقوله: (لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ) احترز به من الفسوخات فلا متعة فيها، سواء فسخ قبل البناء أو بعده، قاله ابن القاسم؛ لأن المتعة إنما وردت في المطلقات, وسواء كان الفسخ لفساد النكاح أو لا، وقد نص ابن القاسم في الموازية فيمن اشترى زوجته على عدم المتعة: ورأى اللخميالوجوب إذا كان الفسخ من جهة الزوج فقط، كما لو تزوج رضيعة وأمر أخته وأمه أن ترضعها، واحترز بقوله: (فِي نِكَاحِ لازِمِ) من المردودة بعيب فإنها لا متعة لها لأنها غارة، ولم يشترط المصنف أن يكون النكاح صحيحاً؛ لأن الفاسد لصداقه تجب فيه المتعة إذا طلق بعد الدخول.
وقوله: (غَيْرِ الْمُخْتَلِعَةِ ... إلخ)، يعني أنها مستحبة لكل مطلقة إلا أربع نسوة: الأولى: المختلفة لأن المتعة إنما شرعت جبراً الألم الطلاق ومضرة الألم عندها لإعطائها على الطلاق شيئاً من مالها.
стр. 1932
الثانية: المطلقة قبل البناء وقد فرض لها لأنها أخذت النصف، ولم يصب سلعتها شيء، فإن لم يعرض لها شيء فلها المتعة. الثالثة: الملاعنة لأنه حصل بينهما من الشنئان ما لا تجبره متعة، وذكر الملاعنة زيادة في البيان، وإلا فقد خرجت بقوله: (الْمُطَلَّقَةِ) لأن فرقة المتلاعنين فسخ بغير طلاق على الصحيح من المذهب. الرابعة: المختارة لعتقها ونحوه أم زوجها، واخلتف في المخيرة والمملكة، فعن مالك روايتان: ثبوت المتعة؛ لأن أصل الطلاق من جهته، وسقوطها نظراً إلى أن تمام الطلاق منها، ومقتضى كلام المصنف أن المشهور ثبوت المتعة لقوله: (بِخِلافِ) وهذا على هذه النسخة، وفي بعضها: (وَلا مَنْ خَيَّرَهَا أَوْ مَلَّكَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ) وهي أحسن، لأن ابن بشير وابن شاس صرحا بأن المشهور أنهما لا متعة لهما، وأن الرواية بالمتعة لهما شاذة.
وَلا يُقْضَى بِالْمُتْعَةِ، وَلا يُحَاصُّ بِهَا الْغُرَمَاءُ.
هذا بين على المشهور أنها مستحبة.
وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُ الْعَبْدِ مِنْهَا
لأنه لما أذن له في النكاح فقد أذن له في توابعه كالارتجاع.
وَلا مُتْعَةَ لِلرَّجْعِيَّةِ إِلا بَعْدَ الْعِدَّةِ
أي: بعد انقضائها؛ لأنها زوجة ما دامت فيها، وهكذا قال فضل، وقال أبو عمران: ينظر فإن كانت نيته رجعتها لم تمتع، وإن كانت نيته ألا يراجعها متع، وإن لم تخرج من العدة ثم بدا له فراجعها لم يرجع بها؛ لأنها كالهبة المقبوضة، واختلف إذا لم تمتع الرجعية حتى فاتت ثم تزوجها، واختلف أيضاً إذا طال الزمان أو ماتت، فقال ابن القاسم: إذا جهل المتعة حتى مضت أعنواماً فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت، وإلى ورثتها إن ماتت. وقال أصبغ: لا شيء عليه إن ماتت لأنه عوض لها وتسلية من الطلاق وقد انقطع ذلك، وإن مات الزوج قبل أن تمنع فإنها لا تسقط.
стр. 1933
وَمِقْدَارُهَا عَلَى قَدْرِ حَالِهِ
أي: لا مدخل لحال الزوجة، بخلاف النفقة لأنها هبة، واعتبر ابن خويزمنداد حالها كالنفقة لأن المقصود تطييب نفسها، وذات القدر لا تطيب بالقليل.
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْمَهْرِ أَوْ صِفَتِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ ولا طَلاقٍ تَحَالَفَا وتَفَاسَخَا، ويَجْرِي الرُّجُوعُ إِلَى الأَشْبَهِ، وانْفِسَاخُ النِّكَاحِ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ وغَيْرُهُ كَالْبَيْعِ ..
في قدره كما لو قالت بألفين وقال هو بألف، أوصفته كما لو قالت بعبد تركي وقال هو بعبد زنجي، واحترز بـ (قَبْلَ الْبِنَاءِ) من بعد البناء وسيأتي حكمه.
وقوله: (مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ ولا طَلاقٍ) مما لو حصل أحدهما وسيأتي، وذكر المصنف أن الحكم التحالف والتفاسخ، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر ثبت النكاح، ولزم الناكل ما حلف عليه الآخر، وكان الأظهر أن عقد النكاح يتنزل منزلة الفوات في البيع لما يترتب هنا من الأحكام عليه من تحريم المصاهرة وكون المرأة فراشاً وغير ذلك، لكنهم لم يتعرضوا لشيء من ذلك فيما رأيت.
وقوله: (تَحَالَفَا) أي يشترط أن تكون مالكة أمر نفسها، وإلا فيحلف من عقد النكاح عليها من أب أو وصي أو ولي إن كانت محجوراً عليها، قاله المتيطي وغيره.
قوله: (ويَجْرِي الرُّجُوعُ ... إلخ) أشار ﵀ إلى مسائل:
الأولى: إذا ادعى أحدهما ما يشبه هل يكون القول قوله ويتحالفان؟ لمالك في ذلك قولان. اللخمي: والأول هو الصواب لأن ذلك كالشاهد يحلف معه من قام له.
والثانية: هل ينفسخ النكاح بتمام التحالف كاللعان قول سحنون وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه أو لا ينفسخ ولكل منهما الرجوع إلى قول الآخر وهو قول ابن حبيب والقاضيان ابن القصار وعبد الوهاب وبه جرى عمل الأندلسيين واستمرت أحكامهم.
стр. 1934
ابن محرز: وهو أصوب لأن الأيمان في التحالف في الصداق ليست موضوعة لفسخ النكاح واختاره اللخمي ولا شك على قول ابن حبيب أنه يفسخ بطلاق وانظر على قول سحنون الذي يقول أنه يفسخ بتمام التحالف كاللعان هل ينفسه بغير طلاق أم لا؟ وقد قال بعضهم: إن ظاهر المدونة فسخه بغير طلاق ونوزع في ذلك.
الثالث: المشهور تبرئة الزوجة لأنها بائعة نفسها، ولمالك في المختصر أنه بيد الزوج.
الرابعة: إذا نكلا، قال اللخمي: فقيل: إن ذلك بمنزلة إذا حلفا. وقيل: القول قول المرأة، وهذا كله داخل تحت قوله: وغيره كالبيع إلى غير ذلك من المسائل التي تقف عليها في البيع إن شاء الله تعالى.
ولفظ (انْفِسَاخُ) من كلام المصنف وكذلك (وغَيْرُهُ) مرفوعان بالعطف على فاعل (يَجْرِي).
فَإِنْ تَنَازَعَا بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ لأَنَّهُ فَوْتُ، وقَالَ ابْنُ حَبِيبِ: يَتَحَالَفَانِ مَعَ الْعِصْمَةِ، وَيجِبُ صَدَاقُ الْمِثْلِ. وقِيلَ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ ..
أي: فإن تنازعا بعد البناء في القدر أو الصفة فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأنها مكنته من نفسها، وهذا مذهب المدونة، فإن نكل فالقول قول المرأة مع يمينها.
المتيطي: وهو المشهور [٣٣٦/ ب] من مذهب مالك وأصحابه، وأشار المصنف إلى توجيهه بقوله: (لأَنَّهُ فَوْتُ) أي أن البناء هنا كفوات السلعة في البيع، والمشهور في اختلاف المتبايعين في المقدار ترجيح قول المشتري؛ لفوات المبيع عنده، وانظر هل القول قول الزوج مطلقاً، وهو أكثر إطلاق نصوص أهل المذهب، أو مقيد بما إذا وفق العرف؟ وهو الذي ذكر اللخمي وهو الذي يؤخذ من كلام صاحب الإشراف لأنه أشار فيه إلى
стр. 1935
تشبيه حكم الصداق بعد البناء بالبيع، وإنما وقع التشبيه من كلام غيره بالبيع في قبول دعوى الأشبه قبل البناء والله أعلم، وما حكاه المصنف عن ابن حبيب من التحالف مع بقاء العصمة، ويجب صداق المثل حكاه في الكافي عن مالك.
قوله: (وقِيلَ) أي وفي المسألة قول ثالث بالتفصيل، فإن اختلفا في الصفة تحالفا مع بقاء العصمة ووجب صداق المثل، وإن اختلفا في القدر فالقول قول الزوج مع يمينه.
فرع: فإن اختلفا في الجنسبعد البناء فحكى اللخمي والمتيطي في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: أنهما يتحالفان ويفسخ النكاح إن كان تنازعهما قبل البناء كان مما يصدقه النساء أم لا، وإن كان بعد البناء ثبت النكاح وترد المرأة إلى صداق مثلها ما لم يكن فوق ما ادعت أو دون ما ادعى الزوج إلا أن يرضى الزوج أن يعطيها ما ادعت وهذا كله قول مالك، وقال ابن القصار: القول قول الزوج مع يمينه بعد البناء ولا يكون عليه إلا ما أقر أنه تزوج به، ووافق إذا اختلف قبل البناء، وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: فالقول قول الزوج إن كان مما يصدقه النساء، وإن ادعى ما لا يشبه كالجلود والخشب، وادعت المرأة ما يشبه مما يتزوج به النساء فالقول قولها إذا كانت قيمة ذلك مثل ما يتزوج به فأقل، وإن كان لا يشبه قول واحد منهما تحالفا وتفاسخا وكان لها صداق المثل، وإذا قلنا بالتحالف ورد المرأة إلى صداق المثل، فهل يثبت النكاح وهو المعروف في المذهب ورواه ابن وهب عن مالك، أو يفسخ وهو الذي في الجلاب؟
وَإِنْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَتَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فِيهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وإِنِ ادَّعَى تَفْوِيضاً
(فِيهِمَا) أي: في القدر والصفة، وكان القول قوله مع يمينه، أو قول ورثته لأنه غارم، وقاعدة الشرع ترجيح قوله.
قوله: (وإِنِ ادَّعَى تَفْوِيضاً) أي: القول قول الزوج مع يمينه ولو ادعى تفويضاً، وهكذا قال في المدونة وله الميراث.
стр. 1936
اللخمي: ومحمل قول مالك على أن العادة عندهم على التسمية والتفويض، ولو كانت عادتهم التسمية خاصة لم يصدق الزوج.
وَإِذَا تَنَازَعَ أَبُو الْبِكْرِ، والزَّوْجُ تَحَالَفَا ولا كَلامَ لَهَا
إنما لم يكن لها لأن تقدير الصداق للأب لا لها، ابن حبيب: وإنما حلف الأب لأنه كوكيل مفوض.
وقوله: (ولا كَلامَ لَهَا)؛ أي سواء خالفت الأب أم لا.
وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةَ عَلَى صَدَاقَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ لَزِمَا
يعني: لو ادعى قدراً أو جنساً أو صفة وادعت خلافه، وأقام كل منهما البينة على دعواه، وعينت كل بينة زماناً غير الذي عينته للأخرى لزم الصداقان، وحمل على أنه طلقها ثم عقد عقداً آخر، ووقع بعد الكلام المتقدم في نسخة ابن راشد ما نصه: وقدر تخليل طلاق بينهما، ثم هل يقدر قبل المسيس ويكون على المرأة أن تبين وقوعه بعد الدخول، أو على الرجل على العكس؟ فيه خلاف. انتهى.
نص النسخة ونحوها في الجواهر: ولم ير هذين القولين معزوين، صاحب الجواهر وابن راشد: ومنشأهما: هل يستقر بالعقد النصف فيكون على المرأة البينة لدعواه ما يسقط الواجب عليه؟
وَلَوْ كَانَ أَبَوَاهَا مِلْكاً لَهُ فَقَالَ: أَصْدَقْتُكِ أُمَّكِ، فَقَالَتْ: بَلْ أَبِى، تَحَالَفَا وعُتِقَتِ الأُمُّ بِإِقْرَارِهِ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وعُتِقَا جَمِيعاً ..
هذه المسألة لسحنون في كتاب ابنه قال: إن تزوج امرأة فادعى أنه تزوجها على أمها وهي عالمة بها، وقالت المرأة: بل على أبي وهو مالك لأبويها، وحفظت البينة العقد ولم تحفظ على أبيها عقد، قال سحنون: الشهادة ساقطة فإن لم يدخل تحالفا وفسخ النكاح،
стр. 1937
ويلزمه عتق الأم لأنه أقر أنها حرة، وكذلك إذا نكلا، وإن كان قد دخل بها أيضاً حلف وعتقت الأم عليه ويكون بإقراره.
ابن يونس: قال بعض أصحابنا وهذا خلاف ما تقدم لابن حبيب، إذا اختلفا في نوع الصداق بعد البناء أنهما يتحالفان ويكون لها صداق المثل.
وقوله: (تَحَالَفَا وعُتِقَتِ الأُمُّ) يريد وإن نكل حلفت وعتقا معا ويكون ولاؤهما لها، قاله المتيطي، والظاهر أن المصنف إنما تكلم على المسألة إذا تنازعا قبل الدخول لقوله: (تَحَالَفَا) فما قلناه أتم.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ مُعَجَّلِ الصَّدَاقِ أَوْ مَا يُعَجَّلُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وبَعْدَ الدُّخُولِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وفِي الْمُؤَجَّلِ: قَوْلُهَا، وقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنْ كَانَ الْعُرْفُ أَلا يَتَأَخَّرَ الْمُعَجَّلُ عَنِ الدُّخُولِ، وإِلا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إِنْ كَانَ فِي كِتَابِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وإِلا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ...
يعني: إذا اختلفا في قبض معجل الصداق أو المؤجل الذي حل، فقال الزوج: قد دفعته، وقالت هي: لم أقبضه، ففي المدونة إن كان النزاع قبل البناء فالقول قول المرأة، وإن كان بعده فالقول قوله، والمشهور افتقار من جعل القول قوله إلى يمين، اللخمي وعياض: وقال ابن الماجشون: إن كان قريباً حلف وإن طال فلا يمين عليه، وجعل في المدونة ورثة كل واحد من الزوجين يتنزل منزلة موروثه [٣٣٧/ أ] سواء ماتا معاً أو أحدهما، قال في المدونة: وإن قال لورثة الزوج في المدخول بها: قد دفعه، أو قالوا: لا علم لنا فلا شيء عليهم، فإن ادعى ورثتها عليهم العلم حلفوا أنهم لا يعلمون أن الزوج لم يدفع ولا يمين على غائب ومن يعلم أنه لا علم عنده، وقال القاضي إسماعيل وغيره من شيوخنا: إنما قال مالك أن القول قول الرجل بعد البناء بالمدينة لأن عادتهم جرت بدفعه قبل البناء، وأما في سائر الأمصار فالقول قولها، وإلى هذا أشار بقوله:
стр. 1938
(وقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ .. إلخ)، وقال عبد الوهاب تبعاً للأبهري: إنما قاله مالك حيث لم يكن المعجل مكتوباً في كتاب، وإن كان في كتاب فالقول قولها، وهذان قولان إنما قصد قائلهما تقييد قول مالك، وينبغي أن يحمل قولهما على التقييد، ولا يؤخذ ذلك من كلام المصنف بل ظاهره حمل قولهما على الخلاف، ولابن وهب إن طالبته بالحال أو ما حل بإثر البناء فلا براءة للزوج منه إلا بالبينة، وإن طالبته بذلك بعد طول لم يقبل قولها، عياض: وما قاله مالك إنما هو إذا ادعى دفعه قبل الدخول، وأما إذا ادعى دفعه بعد الدخول فلا يصدق فيه كسائر الديون، واستقرأ من قوله: (أن القول قوله مع دفع المعجل) ما حل بعد الدخول أن للمرأة منع نفسها حتى تقبضه، وهو نص لعبد المالك عن محمد، وفي المنتخبة خلافه، وكذلك ذكر فضل عن يحيى بن يحيى، وإن أخذت بالصداق رهناً ثم سلمته، فالقول قول الزوج مع يمينه أنه دفع ويبرأ وسواء دخل أو لم يدخل، واختلف إذا دخل وبقي الرهن بيدها، فقال سحنون: القول قول الزوج مع يمينه، وقال يحيى في المنتخبة: القول قولها مع يمينها واختاره اللخمي وغيره.
فرع: إذا قال الموثق في الكتاب: النقد من الصداق كذا فهو مقتض لبقائه في ذمة الزوج، واختلف إذا قال: نقدها كذا، فقال سحنون: ذلك براءة للزوج من النقد، وقال محمد: لا يبرئه ذلك حتى ينص على الدفع.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ حُرَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ مُسْلِمَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ ولا بَيِّنَةَ قُضِيَ لِلْمَرْأَةِ بِمَا يُعْرَفُ لِلنِّسَاءِ: كَالطَّسْتِ، والْمَنَارَةِ، والثِّيَابِ والْحِجَالِ والْفُرُشِ، والْبُسُطِ والْحُلِيِّ، والرَّجُلِ بِمَا يُعْرَفُ لِلرِّجَالِ، وبِمَا يُعْرَفُ لَهُمَا، لأَنَّهُ بَيَّنَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا ...
يعني: إذا اختلف الزوجان قبل الطلاق وبعده في متاع البيع سواء كانا حرين أو عبدين، أو أحدهما حر والآخر عبد، أو مسلمين أو مختلفين بأن كل الزوج مسلماً والمرأة
стр. 1939
كتابية، فإن قامت للمرأة بينة بما يعرف للنساء قضي لها به من غير يمين، وكذلك هو وإن لم تقم لأحدهما بينة، وإليه أشار بقوله: (ولا بَيِّنَةَ) فإنه يقضي للمرأة بما يعرف للنساء، وللرجل بما يعرف للرجال خاصة، ويقضي له أيضاً بما يعرف للرجال والنساءلأن البيت للرجل وهذا هو المشهور، وروي عن ابن القاسم مثله إلا فيما يعرف لهما فإنه قال أنه يكون بينهما بعد أيمانهما، وإليه أشار المصنف بقوله: (عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا) لأن الضمير (أَنَّهُ) عائد على ما يصلح لهما، ونقل عن ابن وهب والمغيرة مثله، ولابن وهب أيضاً: يفسخ بينهما ما اختلفا فيه بعد أيمانهما كان من متاع النساء فقط، أو الرجالفقط، أو من متاعهما، وقال ابن مسلمة: القول قول الرجل وإن كان ما ادعاه من متاع النساء فقط، ووجه المشهور العرف، وإذا فرعنا عليه فهل بيمين وهو قول ابن حبيب؟
ابن عبد السلام: وهو مذهب المدونة عندهم.
المتيطي: وهو قول المشيخة السبعة ولا يحتاج إليها وهو قول سحنون، هكذا حكى اللخمي وابن يونس والمتيطي وابن بشير وغيرهم، ورأى صاحب البيان أنه لا يختلف في توجه اليمين إذا ادعت المرأة شيئاً من متاع النساء وكذبها الرجل أو بالعكس، وإنما الخلاف في توجه اليمين إذا تنازع ورثة الزوجين أو ورثة أحدهما مع الآخر دون تحقيق الدعوى في أيمان التهم وهذه هي التي تشهد لها أصول المذهب، والطريقة الأولى أسعد بنقل المتقدمين.
ومثل المصنف ما يعرف للمرأة بالطست والمنارة والحجال والفرش والبسط والحلي ونحوه في المدونة، والطست: إناء مبسوط القاع معطوف الأطراف يعمل في الغالب من النحاس، يعد في الغالب لغسل اليدين، والمنارة: الشيء الذي يوضع عليه السراج، والقباب: جمع قبة، والحجال: قال بعض الفقهاء: هي الستور، قال الجوهري: الحجلة بالتحريك واحدة حجال العروس وهي بيت تزين بالثياب والأسرة والستور.
стр. 1940
أصبغ وأبو عمران وغيرهما: وهذا محمول على العرب بمصر في أن المرأة تأتي بها وإن طال الأمر، فالرجل هو يخلفها.
ابن راشد: وعندنا أنها معروفة للرجال، قال في المدونة: ويقضي للمرأة بجميع الحلي إلا السيف والمنطقة والخاتم فإنه للرجل، وللرجل جميع الرقيق ذكراناً وإناثاً، وأما أصناف الماشية وما في المرابط من خيل أو بغال فلمن حاز ذلك قبل وإن لم يكن حوز فالمركوب كله للرجل.
وقوله: الخاتم؛ ابن يونس: أي الفضة [٣٣٧/ ب] يعني: وأما الذهب فهو للمرأة.
خليل: وجرت العادة عندنا أن صياغة خاتم الرجل لا تشابه صياغة خاتم المرأة فيرجع إلى ذلك، وأما الرقيق فما قاله في المدونة ظاهر في الذكور، وأما الإناث فقد يكن للنساء وقد يكن للرجال فيأتي في ذلك القول الذي ذكره المصنف آخراً، مالك في المدونة: وإن اختلفا في الدار قضي بها للرجل.
قال صاحب البيان: العرف عندنا في ذوات الأقدار أن المرأة تخرج بالدار فإذا اختلفا يجب أن يقضي لها بها، قال: وكذلك حفظت عن شيخنا ابن رزق، وإذا اختلفا في الغزل فإن عرفت البينة أن الكتان له أو أقرت له به، كانا شريكين فيه هو بقيمة الكتان وهي بقيمة الغزل، أو إن لم تعرف البينة ذلك ولا أقرت به فالغزل لها، وإن تولت المرأة نسج شقة فادعى الزوج أنها له فقال مالك: على المرأة البينة أن الغزل لها، وقال ابن القاسم: هيلها وعليه البينة أن الغزل له، فإن أقام البينة كانت الشقة بينهما، هذا بقدر قيمة الغزل وهذه بقدر قيمة النسج بعد أن تحلف: ما نسجتها له.
فرع: وإذا طلقها وعليها ثياب وطلبته بالكسوة، وقال لها: ما عليك فهو لي، وقالت: بل هو لي، أو عارية عندي.
стр. 1941
ابن راشد: فللأندلسيين في ذلك ثلاثة أقوال: قال ابن الفخار: القول قول الزوج كما لو تنازعا في رقيق البيت، وقال ابن دحون: القول قول المرأة إذ ليست الكسوة شيئاً موضوعاً في البيت.
وقال المشاور: إن كانت من كسوة البذلة فالقول قوله مع يمينه وإلا فقولها مع يمينها، فإذا حلفت كساها، ولو اشترى لزوجته ثياباً فلبستها في غير الذلة ثم فارقها وادعى أنها عارية وأنكرته، فقال الداودي: إن كان مثله يشتري ذلك لزوجته على وجه العارية فالقول قوله مع يمينه، وإلا فقولها، وسواء كان لباسه أو لا، قليلاً كان أو كثيراً، قريباً أو بعيداً، وقال غيره: القول قوله مطلقاً انتهى كلام ابن راشد.
وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شِرَاءِ مَا لا يُقْضَى لَهُ بِهِ حَلَفَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ
يعني: إذا أقام الرجل بينة على أنه اشترى ما يصلح للمرأة ولا يصلح له كالحلي أو العكس كالسيف، ونص في المدونة على الرجل يحلف أنه اشتراه لنفسه وسكت فيها عن يمين المرأة فتأول ذلك جماعة على أنه إنما سكت اكتفاءً بذكر اليمين في الرجل لعدم الفارق بينهما، وعلى هذا اقتصر المصنف، وتأول بعضهم ذلك على ألا تحتاج إلى اليمين بخلافه، قال: لأن الرجال هم القوامون على النساء دون العكس، قال في تهذيب الطالب: ومنع بعض مشايخنا هذا التأويل وأنكره، وقال لسحنون: إنما تقبل البينة إذا أقامها على أنه إنما اشتراه لنفسه، وأما على مطلق الشراء فلا؛ لأنه يمكن أن يكون اشتراؤه للزوجة.
стр. 1942
الْوَلِيمَةُ مَنْدُوبَةُ
الثعالبي والجوهري: الوليمة طعام العرس، وقال صاحب العين: الوليمة: طعام النكاح، وقيل: طعام الإملاك وقيل: طعام العرس والإملاك.
وقوله: (مَنْدُوبَةُ) هو المذهب، وقد تقدم أن ابن سهل قال: يقضي بها فتكون واجبة.
ووَقْتَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ
هذا ظاهر المذهب، واستحبها بعض الشيوخ قبل البناء.
اللخمي: وواسع قبله وبعده، ولمالك في العتبية: لا بأس أن يولم قبل البناء وبعده، وقال ابن يونس: يستحب الإطعام عند عقد النكاح وعند البناء، والمباح من الوليمة ما جرت به العادة من غير سرف ولا سمعة. الباجي: والمختار منها يوم واحد.
ابن حبيب: أكثر من يوم. ويكره استدامة ذلك أياماً، وأما أن يدعو في اليوم الثالث من لم يكن دعاه فذلك واسع.
وَنَصَّ مَالِكُ أَنَّ الإِجَابَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ
التعيين أن يلقى صاحب العرس الرجل فيدعوه، أو يقول لغيره: ادع لي فلاناً بعينه، قاله الباجي وغيره، أما إن قال له: ادع لي من لقيت فلا بأس على من دعي بمثل هذا أن يتخلف.
ومن المنكر فرش الحرير أو يكون على جدران الدار صور أو ساتر، قاله صاحب الجواهر وغيره، ولا بأس بصور الأشجار.
ابن عبد السلام: وإذا كان هناك منكر فالمشهور أن الوجوب يسقط، ولا يجوز له الإتيان. وقيل: يجوز الإتيان. وهذا كاللعب الذي لا يجوز وإن كان اللعب مباحاً، فإن كان المدعو من غير ذوي الهيئات فالوجوب وإن كان منهم فقولان، ومقتضى النظر إذا كان الإتيان
стр. 1943
واجباً لا يسقط باللعب الذي لا يجوز بل يذهب وينكر بيده أو بلسانه أو بقلبه، كما لو عارضه منكر في طريق الجمعة. انتهى.
والأرذال من يتأذى بحضوره ومجالسته من السفلة الذين تزري به مجالستهم، قاله في الجواهر؛ لأن هؤلاء لا يؤمن معهم على الدين، قال في الرسالة: وأرخص مالك في التخلف لكثرة الزحام.
قوله: ولا إغلاق باب دونه، لأن إغلاق الباب دونه يحط من قدره. وقال ابن القصار: ومذهبنا أن الوليمة غير واجبة، والإجابة غير واجبة ولكن يستحب. وصصرح الباجي بمشهورية الأول.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح ويعضده ما في الصحيح من حديث أبي بريدة أن رسول الله ﷺ قال: "شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" وهذا الذي [٣٣٨/ أ] يجب الإتيان إليه هو طعام العرس لا طعام الإملاك، رواه ابن القاسم وغيره.
وَوُجُوبُ أَكْلِ الْمُفْطِرِ مُحْتَمَلُ
أصله للباجي لأنه قال: لم أر فيه لأصحابنا نصاً جلياً، وفي المذهب مسائل تقتضي القولين، وهل عليه أن يأتي وهو صائم؟ روى محمد عن مالك: أرى أن يجيب وإن لم يأكل أو كان صائماً، وقال أصبغ: ليس بالوكيد، قال: فقول مالك مبني على أن الأكل ليس بواجب، وقول أصبغ على وجوب الأكل، ولذلك أسقط وجوب الإتيان عن الصائم الذي لا يأكل.
ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يكون القولان مبنيان على وجوب الأكل، إلا أن مالكاً رأى أن الإجابة واجب مستقل وكذلك وجوب الأكل، فإذا تعذر الأكل للصائم أو غيره بقي
стр. 1944
وجوب الإجابة لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا ما استطعم"، وقول أصبغ مبني على أن الإجابة إنما وجبت وسيلة للأكل، فإذا سقط المقصود وهو الأكل سقطت الوسيلة.
وَيُكْرَهُ نَثْرُ اللَّوْزِ والسُّكَّرِ وشِبْهِهِ
أي: يكره ذلك إذا جيء به للنهبة، وهذا قول مالك خلافاً لأبي حنيفة، ويحرم حينئذ أن يأخذ بعضهم ما حصل لصاحبه، ولو جيء به للأكل لا للنهبة، فذلك جائز وتحرم حينئذ النهبة.
فرع: قال في البيان: اتفق أهل العلم على إجازة الغربال في العرس، وفي الكبر والمزهر ثلاثة أقوال: قال ابن حبيب: يجوزان قياساً على الغربال. وقال أصبغ: لا يحمل واحد منهما محمله ولا يجوز استعماله في عرس وغيره، وعليه يأتي في سماع سحنون عن ابن القاسم أن الكبر إذا بيع فسخ بيعه، وإذا قال ذلك في الكبر فأحرى في المزهر لأنه المعني منه.
والقول الثالث: أنه يحمل محمله الكبر دون المزهر، وهو قول ابن القاسم في العتبية، ولابن كنانة في المدنية: إجازة البوق في العرس، فقيل: معنى ذلك في البوقات والزمارات التي لا تلهي.
واختلف فيما أجيز من ذلك، فقيل: هو من قبيل الجائز الذي يستوي فعله وتركه، وقيل: من الجائز الذي تركه أولى من فعله فهو من قبيل المكروه، وهو قول مالك في المدونة: أكره الدفاف والمعازف في العرس وغيره.
واختلف هل يجوز ذلك للرجال والنساء، وهو المشهور، وقول ابن القاسم في العتبية: وقال أصبغ في سماعه: إنما يجوز للنساء فقط.
стр. 1945
أصبغ في العتبية: وإذا ضرب النساء الدف فلا يعجبني التصفيق بالأيدي وهو أخف من غيره.
الْقَسْمُ والنُّشُوزُ: ويَجِبُ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ دُونَ الْمُسْتَوْلَدَاتِ، والْعَبْدُ والْمَجْنُونُ والْمَرِيضُ كَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمَرِيضُ أَقَامَ عِنْدَ مَنْ شَاءَ
يعني: ويجب على كل من له زوجات أن يعدل بينهن لقوله تعالى: (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) [النساء: ١٢٩] وقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣] المعنى إن خفتم ألا تقدروا على العدل فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم وذلك يدل على أن العدل واجب، وروى الترمذي حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: "إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط".
ابن بشير: وأجمعت الأمة على وجوب القسم من حيث الجملة.
وقوله: (دُونَ الْمُسْتَوْلَدَاتِ) لا أعلم فيه خلافاً، قال في المدونة: وليس لأم الولد مع الحرة قسم، وجائز أن يقيم عند أم ولده ما شاء ما لم يضار. ووقع في نسخة ابن عبد السلام هنا: والأولى العدل وكف الأذى، ومعناه القسم وإن لم يكن واجباً بين الزوجة والمستولدة، إلا أن الأولى ما ذكره، قال: وظاهر المدونة أن كف الأذى ليس من باب الأولى وإنما هو واجب، وذكر ما ذكرناه عنها، ولم يقع ما زاد ابن عبد السلام عن المصنف عندنا.
قوله: (والْعَبْدُ والْمَجْنُونُ) هكذا وقع في أكثر النسخ بنونين وفي بعضها بياءين، والحكم في الجميع سواء.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمَرِيضُ أَقَامَ عِنْدَ مَنْ شَاءَ) لما خرجه أبو داود أن رسول الله ﷺ بعث إلى نسائه- يعني: في مرضه- فاجتمعن، فقال: "إني لا أقدر أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذن لي فأكون عند عائشة فعلتن"، فأذن له.
стр. 1946
وهذا منه ﷺ إنما هو تشريع لأمته، وتطييب لقلوبهن، وإلا فالقسم عليه ليس واجباً على ما نص عليه العلماء.
وَالصَّغِيرَةُ الْمَوْطُوءَةُ، وَالْمَرِيضَةُ، والْجَذْمَاءُ، وَالرَّتْقَاءُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، والْمُحْرِمَةُ والْمُولَى مِنْهَا، وَالْمُظَاهَرُ مِنْهَا، وشِبْهُهُنَّ كَغَيْرِهِنَّ ..
يعني: أن من قام بها مانع لا يسقط حقها وسواء كان المانع شرعياً كالظاهر أو عقلياً كالرتقاء وكلامه ظاهر.
وَعَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَيْهِنَّ
لما قدم أن المجنون كالصحيح، بين أن ذلك على الولي لأنه كالناظر في مصالحه.
أَمَّا الْوَاحِدَةُ فَلا يَجِبُ الْمَبِيتُ عِنْدَهُا
هكذا في الجواهر، زاد: ولكن يستحب ذلك ليحصنها، وهذا مقسيد بعدم الضرر.
فرع: ولو خاصمها الرجل في الجماع، ففي الضرر عن المشاور: أنه يقضي له عليها بأربع مرات في الليل وأربع مرات في اليوم، ونقله صاحب المعيد عن عبد الله بن الزبير، ونقل عن المغيرة: أنه يفرض له أربع مرات بين اليوم والليلة، وعن أنس بن مالك: أنه يفرض له عليها عشر مرات في اليوم والليلة.
وَلا يَدْخُلُ عَلَى ضَرَّتِهَا [٣٣٨/ ب] فِي زَمَانِهَا إِلا لِحَاجَةٍ، وقِيلَ: إِلا لِضَرُورَةٍ
يعني: أنه ليس له أن يأتي في يوم واحدة ليقيم عند غيرها، واختلف هل يدخل لقضاء حاجة؟ فأجاز مالك في الموازية: أن يأتي عابراً أو لحاجة أو ليضع ثيابه عندها، وليس عند الأخرى شيء من ثيابه إذا كان منه ذلك على غير ميل ولا ضرر، وقال أيضاً: لا يقيم عند إحداهن إلا عن عذر لابد منه من اقتضاء دين أو تجارة أو علاج.
стр. 1947
ابن الماجشون: ولا بأس أن يقيم بباب إحداهما يسلم من غير أن يدخل، وأن يأكل ما تبعث به إليه. واختلف إذا أغلقت إحداهما بابها دونه، فقال مالك في الموازية: إن قدر أن يبيت في حجرتها وإلا ذهب إلى الأخرى، وقال أبو القاسم: لا يذهب إلى الأخرى وإن كانت هي الظالمة.
أصبغ: إلا أن يكثر ذلك منها ولا مأوى له سواهما.
وَيَبْدَأُ بِاللَّيْلِ اخْتِيَاراً، ولا يَزِيدُ عَلَى يَوْمٍ ولَيْلَةٍ إِلا بِرِضَاهُنَّ إِلا أَنْ يَتَبَاعَدَ بَلَدَاهُمَا فَيَقْسِمُ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ ..
قال مالك في الموازية: له أن يبدأ بالليل قبل النهار وبالنهار قبل الليل.
الباجي: لأن الذي عليه أن يكمل لكل واحدة يوماً وليلة، قال: والأظهر من قول أصحابنا يبدأ بالليل. محمد عن مالك: ولا يجوز أن يقسم لكل واحدة يومين، ولو جاز لجاز ثلاثة وأربعة.
قوله: (إِلا بِرِضَاهُنَّ إِلا أَنْ يَتَبَاعَدَ .. إلخ)، ظاهر التصور ونحوه في الباجي والجواهر.
وَلا يَجْمَعُ بَيْنَ ضَرَّتَيْنِ فِي مَكَانٍ
أما الجمع بينهما في دار واحدة ويكون لكل واحدة منزل فذلك من حقهن، فيجوز إذا رضيا.
اللخمي والمتيطي: ولا يطأ واحدة وفي البيت أخرى، ولا يجوز أن يصيب الرجل زوجته أو أمته ومعه في البيت أحد يقظان أو نائم، واختلف في جمع المرأتين في فراش واحد من غير وطء برضاهن، فمنعه مالك في كتاب محمد وكرهه ابن الماجشون، واخلتف أيضاً في الإماء، فمنعه مالك في الموازية، وكرهه مرة، وقال ابن الماجشون: لا بأس به بخلاف الحرتين، ومنع محمد بن سحنون أن يدخل الحمام بزوجتيه جميعاً، وأجازه بالواحدة.
стр. 1948
وَلا يَسْتَدْعِيهُنَّ إِلَى بَيْتِهِ عَلَى التَّنَاوُبِ إِلا بِرِضَاهُنَّ
لأن من حقهن أن يأتي غليهن فإن أسقطنه جاز، وقد كان ﷺ مع جلالة قدره يدور على نسائه.
وَلَيْسَت التَّسْوِيَةُ فِي الْوَطْءِ بِوَاجِبٍ مَا لَمْ يُقْصَدِ الضَّرَرُ، وكَذَلِكَ لَوْ كَفَّ لِتَتَوَفَّرَ لَذَّتُهُ فِي الأُخْرَى ..
بل يبقى على سجيته فمن دعته نفسه إليها أتاها، ولأن الوطء ينشأ عن المحبة، والمحبة لا تدخل تحت الاختيار، ومن الضرر الممنوع إذا دعته نفسه فكف لتتوفر لذته في الأخرى، وهل يتطوع لواحدة بأكثر مما يجب لها من النفقة والكسوة؟ فاختاره ابن حبيب، وقال مالك في الموازية: لا بأس أن يكسو إحداهما الخز والحلي، ما لم يكن على وجه الميل، وقال أيضاً: لا بأس بالشيء اليسير ما لم يكن على وجه الميل.
اللخمي: وهو أحسن، ولا تجب المساواة بينهما في النفقة والكسوة لأن إحداهما قد تكون ذات قدر ومنصب.
وَإِذَا تَجَدَّدَ نِكَاحُ بِكْرٍ بَاتَ عِنْدَهَا سَبْعاً، والثَّيِّبُ ثَلاثاً، سَوَاءُ الْحُرَّةُ والأَمَةُ، وَالْمُسْلِمَةُ والْكِتَابِيَّةُ، وَلا يُقْضَى ..
لما في الصحيحين عن أنس قال: "إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً. قال خالد الحذاء: ولو قلت: رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذا.
وفي الموطأ أنه ﵊ قال لأم سلمة حين تزوجها وأصبحت عنده: "ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت. فقالت: ثلث".
стр. 1949
ابن عبد البر: وهو حديث متصل صحيح. قال صاحب الإكمال وغيره: والمراد بالأهل في قوله ﵊: "ليس بك على أهلك" هو ﷺ .
المتيطي: والمشهور أن هذا إنما يكون إذا كانت عنده امرأة غيرها، وقد يفهم ذلك من قول المصنف (تَجَدَّدَ) وحكى أبو الفرج عن مالك أن ذلك لها وإن لم يكن عنده غيرها، وقاله ابن عبد الحكم.
وقوله: (سَوَاءُ الْحُرَّةُ والأَمَةُ، وَالْمُسْلِمَةُ والْكِتَابِيَّةُ)، ظاهر قوله: (وَلا يُقْضَى) أي: لبقية نسائه مثل ما مكث عند الجديدة.
وَفِي الْقَضَاءِ لَهَا بِهِ قَوْلانِ
حكى ابن الجلاب وعبد الوهاب في كون الإقامة المذكورة حقاً للزوج للاستمتاع بالجديدة، أو حقاً لها لتزيل ما عندها من الوحش بمفارقة أهلها روايتين.
عبد الوهاب: وفائدة ذلك أنها إن كانت له جاز له فعله وتركه، وإن كانت حقاً لها لم يجز له تركه إلا بإذنها، وحكى ابن القصار: أنها لهما جميعاً، قال الباجي: وإذا قلنا أنها حق للزوجة هل يقضي بها؟ قال محمد بن أصبغ: هو حق عليه ولا يقضى بها عليه كالمتعة، وفي النوادر عن محمد بن عبد الحكم، يقضى بها عليه، والذي ذهب إليه ابن القاسم في المدونة واختاره اللخمي وغيره، أنها حق لازم على الرجل للمرأة.
وَفِي إِجَابَةِ الثَّيِّبِ إِلَى سَبْعٍ قَوْلانِ، وعَلَى الإِجَابَةِ يَقْضِي سَبْعاً سَبْعاً
القول بعدم الإجابة رواه ابن المواز عن مالك، والإجابة حكاها القاضي أبو الحسن، قال: وإذا اختارت السبع قضى لسائر نسائه سبعاً سبعاً، لقوله ﵊: "إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن".
اللخمي: وبهذا قال أنس بن مالك والشافعي والنخعي وابن حنبل وإسحاق.
стр. 1950
ونقل ابن عبد السلام عن جماعة [٣٣٩/ أ] من محقق أهل العلم أنهم فهموا الحديث على أنه إن شئت سبعاً عندك بعد الثلاث، لأنه لو حسب الثلاث في السبع ثم قضى لهن سبعاً سبعاً لم يكن للجديدة شيء اخصت به، ويدل عليه أن في بعض طرق الحديث أم سلمة، أن النبي ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثاً ثم أراد أن يدور فأخذت بثوبه، فقال: "ما شئت، إن شئت أزيدك ثم قاصصتك به بعد اليوم".
وله بعد التسبيع والتثليث أن يبدأ بأيهما أحب. ابن المواز: أحب إلى أن يبدأ بالقديمة.
ابن يونس: وقاله مالك في القادم بإحداهن من سفر. ولا يتخلف العروس في هذه المدة عن الجماعة والجمعة.
ابن يونس: ويتصرف في حوائجه. وقال بعض الناس: لا يخرج وذلك حق لها عليه، وتأوله في تهذيب الطالب، فقال: يريد أنه لا يخرج لصلاة الجماعة، أما الجمعة فلا يدعها لأنها فرض عين.
وَالْمَشْهُورِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحُرَّةِ والأَمَةِ، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: رَجَعَ مَالِكُ إِلَى لَيْلَتَيْنِ لِلْحُرَةِ ..
المشهور هو اختيار ابن القاسم في المدونة.
وَإِذَا ظَلَمَ فِي الْقَسْمِ فَاتَ، فَإِنْ كَانَ بِإِقَامَةٍ عِنْدَ غَيْرِهَا كَفَوَاتِ خِدْمَةِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ بِأبَقٍ، واسْتَقْرَأَ اللَّخْمِيّ فِي مَنْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَأَقَامَ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ شَهْرَيْنِ ثُمَّ حَلَفَ لا يَطِأَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ حَتَّى يُوَفِّيَهُنَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمول إِذَا قَصَدَ الْعَدْلَ أَنَّهُ لا يَفُوتُ.
القول بالفوات مذهب المدونة، وهو المنصوص لأن من حجة المقيم عندها أن تقول ليس الظلم من قبلي وحقي في القسم ثابت.
стр. 1951
وقوله: (فَإِنْ كَانَ بِإِقَامَةٍ عِنْدَ غَيْرِهَا) مبالغة لأن ظلمه على وجهين، أحدهما: أن يذهب بيوم إحداهما ولا يمضي إلى الأخرى، والثاني: أن يمضي إلى الأخرى.
وتخريج اللخمي إنما في الثاني، فأشار المصنف إلى أنه لا فرق بينهما على المنصوص، والمسألة التي استقرأ منها اللخمي في السليمانية، وهي إذا كان عنده أربع نسوة فأقام عند إحداهما شهرين وأراد أن يدور على البواقي، فقالت التي أقام عندها شهرين لا تزيد على ليلة فحلف لا يطأها ستة أشهر حتى يوفي البواقي، فقال مالك: ليس بمول لأنه لم يرد الضرر وإنما أراد العدل.
اللخمي: فلو لم يلزم القضاء لكان مولياً، ورد بأنه لم يقصد الضرر بذلك بل أراد العدل، فيكون كمن حلف ألا يطأ زوجته حتى تفطم ولدها، وأجيب بأن المرضع يعود النفع إلى ولدها بخلاف هذه.
وقوله: (أَنَّهُ لا يَفُوتُ) مفعول باستقراء.
وَإِذَا وَهَبَتْ وَاحِدَةُ يَوْمَهَا لِضَرَّتَهَا فَلِلزَّوْجِ الامْتِنَاعُ لا لِلْمَوْهُوبَةِ
له الامتناع لأنه قد يكون له غرض في هذه والحق له، وفي الصحيح أن سودة لما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة.
فَإِنْ وَهَبَتِ الزَّوْجَ قُدِّرَتْ كَالْعَدَمِ ولا يُخَصِّصُ هُوَ
يعني: إذا وهبت لضرتها بقسية أيام القسم على حالها ويكون للموهوبة يومان، وأما إذا وهبت للزوج فإنها تكون كالعدم فلا يخصص هو بذلك اليوم غيرها، فإن كانت النسوة أربعاً، كان أيام القسم في المسألة الأولى أربعة على حالها، وفي الثانية ثلاثة، وينبغي إذا وهبت للزوج أن تسئل هل أرادت الإسقاط أو تمليك الزوج؟ فإن أرادت الثاني فله أن يخصص بيومها من يشاء.
стр. 1952
وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ
يعني: في الصورتين. اللخمي: وسواء كانت الهبة مقيدة بوقت أو للأبد لأن ذلك مما تدركها فيه الغيرة، ولا تقدر على الوفاء بما وهبت إلا أن يكون اليوم أو اليومين، واختلف في بيعها اليوم وشبهه، فقال مالك في الموازية: لا أحب أن تشتري من صاحبتها يوماً ولا شهراً، وأرجو أن يكون في ليلة خفيفاً.
قيل له: فإن أرضى إحدى امرأتيه بشيء أعطاها ليومها ليكون فيه عند الأخرى، فقال: إن الناس لا يفعلون ذلك وغيره أحب إلي، وإن أذنت له أن يطأ الأخرى في يومها فلا بأس.
ابن عبد السلام: والأقرب جواز البيع ولو طلب إذنها في إجبار غيرها فلم تأذن له فيخيرها بين الطلاق وألا بيات عليها فأذنت له بسبب ذلك، ففي ذلك قولان.
خليل: وانظر هل يقيد رجوعها في هذه المسالة بما إذا لم تدخل ضرتها الأخرى في شيء كما قالوا في اعتصار الأب ما وهب لولده.
وَإِذَا أَرَادَ سَفَراً بِإِحْدَاهُنَّ فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ غَزْواً أَوْ حَجّاً أَقْرَعَ وإِلا اخْتَارَ
يعني: وإذا أراد أن يسافر فهل لابد من القرعة وهي رواية ابن عبد الحكم، لما روي أنه ﵊ كان إذا هم بسفر يقرع بين نسائه، أو له أن يختار وهو أيضاً مروي عن مالك، لأن المصلحة قد تكون في إقامة إحداهن إما لثقل جسم، أو لكثرة عيالها، أو لحفظها لماله، إلى غير ذلك.
ابن بشير متمماً لهذا القول: إلا أن يكون في السفر عليها معرة ومضرة فلا يجبرها عليها، أو يقرع في الحج والغزو دون غيرها وهو أيضاً لمالك، وظاهر المدونة أنه لا يقرع إلا في الغزو فقط لقوله فيها: وإن سافر لحاجة أو حج أو غزو سافر بأيتهن شاء بغير قرعة إذا كان على
стр. 1953
غير ضرر ولا ميل، وإن كانت القرعة في الغزو وحده، لما روي أن النبي ﷺ فعله فيه، فيتحصل في المسألة أربعة أقوال، لكن فهم صاحب البيان وغيره المدونة [٣٣٩/ ب] على أنه يختار مطلقاً، فلا يكون في المسألة إلا ثلاثة أقولا، وطريق عبد الوهاب تخالف هذه، فإنه قال: إن كانت إحداهن تصلح دون الأخرى كان له الاختيار وإن كن كلهن يصلحن فإن كان سفر حج أو غزو أقرع، وفي سفر التجارة روايتان، ولا يحاسب من سافر بها بعد رجوعه بل يبتدئ القسم.
وَإِذَا نَشَزَتْ وَعَظَهَا ثُمَّ هَجَرَهَا ثُمَّ ضَرَبَهَا ضَرْباً غَيْرَ مَخُوفٍ، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لا يُفِيدُ لَمْ يَجُزْ ضَرْبُهَا أَصْلاً ....
لقوله تعالى: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) [النساء: ٣٤] الآية، ولما كان في الآية حذف مضاف، والتقدير: تخافون ضرر نشوزهن، قال المصنف: (وَإِذَا نَشَزَتْ) ولا يقال عطفه بـ (ثُمَّ) مخالف للآية للعطف فيها بالواو والمقتضية لجواز الجمع لأن العطف في الآية باعتبار جماعة النسوة، فمنهن من يصلحهن الوعظ، ومنهن من يصلحهن الهجران، ومنهن من لا يصلحهن إلا الضرب.
وتقييد المصنف الضرب بأن يكون (غَيْرَ مَخُوفٍ) صحيح، وإذا غلب على ظنه أن الضرب لا يفيد لم يجز له ضربها، لأن المقصود صلاح الحال، والوسيلة عند ظن عدم مقصدها لا تشرع.
عياض: والنشوز: الامتناع من الزوج والاستعصاء عليه، والنشوز أصله الارتفاع، والنشز ما ارتفع من الأرض، والنشوز يطلق على الرجل والمرأة، قال الله تعالى: (وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً) [النساء: ١٢٨].
стр. 1954
فَإِنْ كَانَ الْعُدْوَانُ مِنْهُ زُجِرَ عَنْهُ
أي: زجره الحاكم، وأما إن كان العدوان منها فإن رجا الحاكم إصلاحاً زجر الزوج كما تقدم وإلا زجرها هو، وإن كان العدوان منهما فإن الإمام يزجرهما.
فَإِنْ أَشْكَلَ ولا بَيِّنَةَ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَى الإِصْلاحِ أَقَامَ الْحَاكِمُ أَوِ الزَّوْجَانِ أَوْ مَنْ يَلِي عَلَيْهِمَا حُكْمَيْنِ ..
قوله: (ولا بَيِّنَةَ): لأنه لو قامت لها بينة أنه يضر بها كان لها أن تفارق.
ابن الهندي في وثائقه الكبرى: ولها تطليق نفسها وإن لم تشهد البينة بتكرر الضرر، وقيل: ليس لها ذلك حتى تشهد بتكرره، فإن لم تقم بينة وادعى كل واحد إضرار صاحبه زجراً معاً، فإن تكرر تردادهما أمره القاضي أن يسكنها بين قوم صالحين وكلفهم تفقد خبرها، وإن كان ساكناً بها بين قوم هذه صفتهم لم يكلفهم نقلها عنهم، وليس عليه أن يرحلها من البادية إلى الحاضرة، ولا من طرف المدينة إلى وسطها، إلا أن لا يجد فيمن حولهما من يضمها إليه، وإن شكت الوحدة ضمت إلى الجماعة والأمن إلا أن يتزوجها على ذلك، ثم إن خفي عن الإمام الخبر وطال التكرر ولم يتبين الظالم فظاهر المذهب وهو الظاهر في النظر أنه يعمل بأمينة بل بالحكمين، والأصل في ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) [النساء: ٣٥] قيل: ولا يكون الحكمان معهما ملازمين وإنما يدخلان عليهما المرة بعد المرة، قال جماعة: والآية محكمة.
المتيطي وغيره: ولم يترك العمل بها غير يحيى بن يحيى.
ابن عبد البر في تاريخه: وكان ذلك مما ينكر عليه وتابعه عليه ولده عبيد الله، وأنكر بعث الحكمين على من استفتاه فيه من القضاة، وقال: لم يحكم بذلك أحد ممن كان قبلك من
стр. 1955
أئمة العدل، وجهل فإن عمر بن الخطاب ﵁ حكم بذلك ذكره ابن حبيب، وبعث عثمان في ذلك علياً ومعاوية، رواه ابن وهب عن ربيعة في المدونة، وقال في الكافي: يحيى بن يحيى يفتي في الحال التي يحتاج فيها إلى إرسال الحكمين بدار أمين، وجرى العمل بذلك عندنا.
خليل: وفيه نظر، وكيف يعمل بغير مقتضى الآية ويترك مدلولها، ودعوى النسخ ضعيفة فإنه لم يثبت، وقال بعض من الأندلسيين من أصحابنا ممن وافق على الحكمين: بإنه يعمل بقول أمينة أو أمين قبلهما.
ونقل عن مطرف وأصبغ وابن دينار ويقضي بذلك عليهما، وقال غيره: لا يقضي بذلك، وإنما يكون إذا اتفق الزوجان ونفقتهما عند من يقول بهما على الزوجين.
قيل: وإن وجه الإمام أمينة فإنه يقبل قولها وحدها وهي ضرورة، ونقل في الطرر عن المشاور أن الزوج إذا ادعى أنها تضر به، ودعي إلى دار أمين كان ذلك له بأي وجه ادعاه.
قوله: (أَوْ مَنْ يَلِي عَلَيْهِمَا): أي الأبوان أو الوصيان وليس للعصبة في ذلك مدخل، ومذهبنا أن للحاكم وللزوجين ولمن يلي عليهما إقامة الحكمين، وفي المدونة: قال ربيعة: لا يبعثهما إلا السلطان.
ذَكَرَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بِذَلِكِ حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا
لا شك إذا اجتمعت في الحكمين هذه الصفات أن يجوز تحكيمهما، وأما إذا اختل بعضها ففي المدونة: لا يجوز في ذلك تحكيم عبد ولا صبي ولا مشرك أو سفيه أو امرأة ولو بعثها الإمام؛ لأن ذلك خارج عما أراده الله تعالى من الإصلاح إلى الضرر وهو لا يجوز منهم اثنان فكيف بواحد؟ ثم قال: ولو حكم الزوجان من ذكرنا أنه لا يحكم ففرق، لم يمض ذلك ولا يكون طلاقاً، لأن ذلك لم يكن على وجه تمليك الطلاق، ويدل على
стр. 1956
ذلك دخول الزوجة فيه بتحكيمهما ولا مدخل للزوجة في تمليك الطلاق، وروي عن عبد الملك وأشهب وأصبغ أن تحكيم المرأة والعبد العارفين المأمونين جائز، وحكمهما لازم ما لم يكن خطأً بيناً.
وقال ابن المواز: يمضي حكم المسخوط، وحكى في تحكيم المرأة والبد والصبي الذي يعقل ثلاثة أقوال، الجواز [٣٤٠/ أ] والمنع في العبد خاصة، ولا خلاف في النصراني والصبي المسلم الذي لا يعقل لا يجوز تحكيمهما.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَمِنْ غَيْرِهِ
أي: فإن لم يوجد أحد الحكمين على هذه الصفة من أهلها أو لم يوجدا معاً.
(فَمِنْ غَيْرِهِ) أي: غير الأهل، وظاهر كلام المصنف وهو ظاهر الآية أن كونهما من الأهل شرط واجب، وقد نص المتيطي على ذلك، وتردد اللخمي في نقض الحكم إذا حكم القاضي أجنبيين مع وجود الأهل.
ابن عبد السلام: وقال بعض الشيوخ أن هذا الشرط وكونهما فقيهين من شروط الكمال.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الزَّوْجَانِ أَوْ الْوَلِيَّانِ خَاصَّةً وَاحِداً عَلَى الصِّفَةِ لا عَلَى غَيْرِهَا
ما ذكره من أن للوليين إقامة الواحد مخالف للباجي فإنه نص أن إقامة الواحد خاص بالزوجين، قال: ولا يجوز ذلك للسلطان ولا لولي اليتيمين؛ لأن في ذلك إسقاطاً لحق الزوجين، وقال اللخمي: للسلطان أن يحكم رجلاً أجنبياً لأنه إنما جعل رجلان إذا كانا من الأهل، لأن كل واحد يستبطن علم من هو من قبلهِ، فإذا خرجا عن أن يكون من الأهل أجزأ واحد، وأجزأت امرأة على الأصل.
ففي الأحكام: إنها تجزئ بالواحد، وفي هذا أيضاً مخالفة لكلام المصنف لكونه جعل للسلطان إقامة واحد، والمصنف منع من ذلك لقوله: (خَاصَّةً) فإن قيل: لم جاز هنا
стр. 1957
تحكيم واحد، ولم يجز في تحكيم جزاء الصيد إلا اثنان، وقد جاء النص بتحكيم اثنين في الموضعين؟ فالجواب أن جزاء الصيد حق لله تعالى فلم يجز إسقاطه، والتحكيم هنا حق للزوجين فكان لهما إسقاطه.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَا جَارَيْنِ
يعني: سواء كانا من الأهل أو من غيرهم، لأن الجيران لا يخفى عليهم في الغالب أمرهما.
وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا كَذَلِكَ.
أي: في النشوز وإقامة الحكمين لأن الآية عامة في الزوجين لكن الغالب إنما يحصل ذلك في المدخول بها، ونص في المدونة والموازية على ما ذكره المصنف واحتج بعضهم على صحة قول ابن لبابة في التي شرط لها زوجها في عقد نكاحها ألا يضر بها، فإن فعل فأمرها بيدها فقامت عليه بذلك قبل الدخول بها، قال ابن لبابة: لها الأخذ بشرطها، وقال غيره من معاصريه ليس لها الأخذ بذلك.
وهُمَا حَكَمَانِ وَلَوْ كَانَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ لا وَكِيلانِ عَلَى الأَصَحِّ.
يدل على أنهما حكمان دخول الزوجة في التحكيم وهي ليس لها من الطلاق شيء حتى توكل عليه.
ابن راشد: ولم أقف على القول بأنهما وكيلان. انتهى. وحكاه في الجواهر ابن عبد السلام، ولعل محل الخلاف إن ثبت أن حكمهما الزوجان لا القاضي.
فَيَنْفُذُ طَلاقُهُمَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ وحُكْمِ الْحَاكِمِ
لأن حكم الحاكم لا يتوقف على رضى المحكوم عليه.
стр. 1958
وَعَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرَا فَإِنْ كَانَ الْمُسِيءُ الزَّوْجَ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا، وإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةَ ائْتَمَنَّاهُ عَلَيْهَا أو خَالَعَا لَهُ بِنَظَرِهِمَا، وإِنْ كَانَتْ مِنْهُمَا خَالَعَا لَهُ بِمَا يَخِفُّ بِنَظَرِهِمَا ..
يعني: أنهما ينظران أولاً بالإصلاح والألفة وحسن المعاشرة، وإن لم يمكنهما ذلك انتقلا إلى الفراق، قال جماعة: ولا يعذر الحكمان قبل حكمهما.
ابن رشد: لأنهما لم يحكما في ذلك بالشهادة القاطعة وإنما يحكمان بما خلص إليهما بعد النظر.
قوله: (فَإِنْ كَانَ الْمُسِيءُ الزَّوْجَ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا) يريد من غير أن يسقطا شيئاً من الصداق، وقاله اللخمي وغيره. وفي الكافي: ليس لهما أن يأخذا من الزوج على أن يطلق، وقد قيل ذلك جائز.
قوله: (وإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةَ) أي: فإن كان المسيء الزوجة فقط ائتمناه عليها وتقر عنده.
اللخمي: إلا أن يحب هو الفراق فيفترقان ولا شيء لها من الصداق. وقال عبد الملك في المبسوط: لو حكما عليها بأكثر من الصداق جاز ذلك إذا كان سداداً.
قوله: (وإِنْ كَانَتْ مِنْهُمَا) أي: الإساءة خالعا له بما يخف بنظرهما، كقول ربيعة في المدونة أعط الزوج بعض الصداق. واختلف في قول ربيعة هل هو وفاق المذهب؟ فقال أبو عمران: معنى ظلمه لها في هذا الوجه أي: بدعواها ولم يثبت ذلك، ولو ثبت ظلمه لم يجز أن يأخذ منها شيئاً على الفراق، ولو حمل كلام ربيعة على ظاهره كان مخالفاً للمذهب، فقد قال بعض شيوخ إفريقية: لا يجوز أن يخالع الرجل زوجته على أن يأخذ منها إذا كان الضرر منهما جميعاً، وهو منصوص لعلمائنا وخالفه الأكثرون منهم، وحمل كلامه على ظاهره ورآه موافقاً للمذهب، وأشار اللخمي إلى أنه إن كان ضررهما متساوياً أخذ له نصف الصداق، وإن كان الإضرار منها أكثر أخذ منها أكثر من ذلك، وفرق بين ما أشار إليه أبو عمران هنا وبين الخلع بأن الحكم ها هنا بغير الزوجين يحكمان في ذلك بالاجتهاد بخلاف الخلع.
стр. 1959
فرع: قال في الموازية: وإذا تنازع أحد الزوجين أو نزعا جميعاً قبل حكم الحكمين بذلك لمن نزع إلا أن يكون السلطان هو الباعث، أو يكون النزوع بعد أن استوعبا الكشف عن أمرهما وعزما على الحكم، فلا يعتبر نزوع من نزع ويلزمه الحكم.
ابن يونس: لعله يريد إذا نزع أحدهما وأما لو نزعا جميعاً ورضيا بالإصلاح والبقاء، فينبغي ألا يفرق بينهما. وذكر بعضهم قولين في نزوع الزوجين قبل الحكم بخلاف نزوعهما بعده.
وَإِذَا حَكَمَا بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لَمْ يَلْزَمِ الزَّائِدُ
وفي بعض النسخ (وقيل: يلزم).
وقوله: (يَلْزَمِ الزَّائِدُ) أي: وإنما تلزم واحدة. قال في [٣٤٠/ ب] المدونة: لأن ما زاد على الواحدة خارج عن معنى الصلاح.
المتيطي وابن راشد: وقال ابن القاسم في الموازوية: يلزمه ما أوقعا عليه وإن كان ثلاثاً إذا اجتمعا على ذلك وقاله أصبغ، وروى مطرف عن مالك في ثمانية أبي زيد: إذا اجتمعا على أكثر من واحدة لم يلزم الزوج شيء، يريد لأنهما قضيا بغير المشرع، وبنى الباجي القولين على الخلاف في العبد يتزوج بغير إذن السيد فيفرق بينهما بثلاث، والأمة تعتق تحت العبد فتختار نفسها بثلاث، هل يلزم البتات أو واحدة؟
وَإِذَا طَلَّقَهَا واخْتَلَفَا فِي الْخُلْعِ فَلِلْغَارِمِ الْمَنْعُ
الغارم هو المرأة. اللخمي: ولا يلزم الزوج طلاق.
عبد الملك: إلا أن تعطي له الزوجة المال فيلزم الزوجة الطلاق وتبين بذلك، ويجري فيها قول آخر: لا يلزمه الطلاق ولو أمضت له المال، قياساً على اختلاف الحكمين في العبد، فقال ابن القاسم: لا يجزئه وإن أخرج ما حكما به، وكأنه أخرج بغير حكم لأن الحكم لم يصح.
стр. 1960
وفِي الْعَدَدِ: مَشْهُورُهَا وَاحِدَةُ، وثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْمُخَالِفُ حَكَمَ بِاثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ فَوَاحِدَةُ وَإِنْ حَكَمَ بِالْبَتَّةِ وشِبْهِهَا لَمْ يَلْزَمْ شَيْءُ ..
يعني: فإن اختلف الحكمان في عدد الطلاق فحكم أحدهما بواحدة والآخر باثنين أو ثلاث أو البتة، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
المشهور: لزوم الواحدة لأنهما قد اجتمعا عليها، وبناء على أن البتة تتبعض.
والثاني: عدم اللزوم لأنهما لم يتفقا. والقول الثالث: إن حكم المخالف باثنتين أو ثلاث فكالمشهور واحدة، وإن حكم بالبتة لم يلزم شيء بناءً على أنها لا تتبعض.
تنبيه:
ذكر المتيطي أن الحاكم إذا وجه الحكمين وحكما بالطلاق أنهما يأتيان الحاكم ويخبرانه بما حكما به فينفذ حمكهما، قال: وكذلك ينبغي لمن استحلفه على شيء أن يخبره.
بعض الموثقين: ورأيت لابن العطار وغيره من الموثقين أنهما يشهدان بذلك عند القاضي، ولست أرى ذلك لأن طريقهما الحكم ليس الشهادة.
وحكى ابن عبد السلام عن بعضهم أنه يثبت عند القاضي بشهادتهما أنهما رأيا اتفاقاً وأنهما حكما بكذا، وعن غيره: إنما يثبت ذلك بشهادة شاهدين عدلين يحضران إصلاحهما للقاضي بذلك.
стр. 1961
الطَّلاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ بِعِوَضٍ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيُسَمَّى خُلْعاً وحُكْمُهُ الْبَيْنُونَةُ
أصله في اللغة انطلاق والذهاب، ومنه انطلق فلان في كذا، ثم استعمل في إرسال العصمة لأن المرأة تذهب عن الزوج، وحقيقته في الشرع معلومة، وهي حل العصمة الكائنة بين الزوجين بصيغة تقتضي ذلك فإذا أعطته شيئاً سمي خلعاً، ونص المصنف على أن الخلع طلاق تنبيهاً على قول ابن عباس وغيره أنه فسخ.
ولعل المصنف قدم الكلام على الخلع وإن كان أكثر المصنفين يؤخرونه، لأن أحكام الخلع معنوية وأكثرها معنوي. والطلاق الذي ليس خلعاً أكثر ما يتكلم فيه على الألفاظ ومدلولها والمعنى أشرف، فكان تقديم الكلام عليه أولى.
ونقل اللخمي وغيره عن مالك جواز الخلع ابتداءً.
ابن يونس: قال مالك: ولم أزل أسمع إجازة الفدية بأكثر الصداق لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩] ولإباحته ﵇ أن يأخذ قيس بن شماس من زوجته حبيبة بنت سهل ما أعطته إذ كرهته، وقد زادت على حديقته التي أخذتها منه.
وقال ابن القصار: هو مكروه. واقتصر عليه صاحب المقدمات وجعله من طلاق البدعة، ولعل الاختلاف في كون طلاق الخلع ليس سنياً هو المقتضي لتقديم الكلام على القسم الآخر عند من قدمه.
ولم يفصل المصنف فيما افترق بالعوض وسمى الجميع خلعاً.
وفي المدونة: والمبارئة هي التي تباري زوجها قبل البناء فتقول: خذ الذي لك واتركني، والمختلعة التي تختلع من كل الذي لها، والمفتدية التي تفتدي ببعض ما أعطاها، وكذلك المصالحة.
стр. 1962
وروي المبارئة التي تأخذ شيئاً ولا تعطي شيئاً، والمختلعة التي تعطيه ما أعطاها وتزيد من مالها، والمفتدية التي تفتدي ببعض ما أعطاها وكذلك المصالحة. وقيل: المبارئة تترك ما لها عليه من الحق، أو يترك كل واحد منهما ما له على صاحبه على الطلاق والمفتدية التي تترك جميع ما أعطاها، ولعل المصنف لما لم ير بهذا جدوى ومعنى تركه.
وقوله: (وحُكْمُهُ الْبَيْنُونَةُ) لأن المرأة إنما أعطته على ذلك، وهذا هو المعروف. قال في البيان: وكان ابن عتاب يفتي بأن من باري امرأته المباراة التي جرى بها عرف الناس ثم طلقها بعد ذلك أن الطلاق يرتدف عليها ما لم تنقض العدة، وذلك استحسان على غير قياس مراعاة لقول من رآها طلقة رجعية.
المتيطي: والمشهور أن الزوج يملك العوض ملكاً تاماً لا يفتقر فيه إلى حيازة لأنه أخذه في مقابلة عوض فأشبه البيع، وفي الموازية ما يدل على افتقاره إلى الحيازة؛ وهو قوله: إذا حال الزوج رجلاً بدين على المرأة فيما خالعها به فماتت قبل أن يقبض المحال دينه فله الرجوع على الزوج، فهذا دليل على بطلانه بالموت.
فَلَوْ وَقَعَ النَّصُّ عَلَى رَجْعِيَّةِ بِبِدَلٍ فَبَائِنُ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: إذا أعطته شيئاً على أن يطلقها طلقة رجعية فالمشهور- وهو مذهب المدونة- أنه يقع بائناً لأن حكم الطلاق على العوض البينونة فلا ينتقل عنه، وروي عن مالك [٣٤١/ أ] أنه يقع رجعياً، وبه أخذ سحنون عملاً بالشرط.
وَعَكْسُهُ لَفْظُ: الْخُلْعُ مِنْ غَيْر بَدَلَ، ثَالِثُهَا: ثَلاثُ، وفِيهَا: سُئِلَ مَالِكُ عَنِ الْمُطَلِّقِ طَلاقَ الْخُلْعِ أَوَاحِدَةُ بَائِنَةُ أَوْ رَجْعِيَّةُ أَمِ الْبَتَّةَ؟ فَقَالَ: بَلِ الْبَتَّةَ لأَنَّهُ بَائِنُ ولا يَكُونُ باَئِناً إِلا بِخُلْعٍ، أَوِ الأَقْصَى ..
يعني: وعكس الفرع الذي قبله عدم البدل مع وجود لفظ الخلع، اتفق فيه على وقوع الطلاق، واختلف فيما يلزمه على ثلاثة أقوال:
стр. 1963
الأول: لمالك وابن القاسم تلزمه طلقة بائنة، وكأن الزوج أسقط العوض، المتيطي: وبه القضاء.
والقول الثاني: أنها طلقة رجعية، ونصه عند ابن يونس، وقال مطرف: قوله: أنت طالق طلاق الخلع كقوله: أنت طالق واحدة لا رجعة لي عليك فيها فهي واحدة، وله الرجعة؛ لأن الخلع لا يكون إلا بشيء أخذه منها، ابن حبيب: وبه أقول. اللخمي: وهو قول أشهب وابن عبد الحكم.
والقول الثالث: تلزمه الثلاث ووجهه ما ذكره المصنف.
وكلام المصنف ليس بظاهر لإبهامه، أن المذهب لزوم الثلاث؛ لأنه هو الذي حكاه عن المدونة دليلاً وتقوية على عادته، ولم يبين كما فعل فيها أن هذا قول غير ابن القاسم، أي ابن الماجشون، ومذهب ابن القاسم ومالك هو ما قدمناه.
عياض عن بعضهم: وهذا الخلاف إنما هو في المدخول بها، وأما غيرها فلا خلاف أنها واحدة.
تنبيه
وهذا ما لم يقل: أنت طالق طلقة بائنة، وأما لو قال ذلك لزمه الثلاث نص عليه في المدونة وقيل: تلزمه واحدة وقيل: بائنة، وقيل: رجعية.
وَفِيهَا فِيمَنْ طَلَّقَ وأَعْطَى: أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: رَجْعِيَّةُ
لأنه بمنزلة من طلق وأعطى لزوجته المتعة، قال في التهذيب: وروي عن مالك أنها واحدة بائنة وفرق ابن المواز فقال: إن كان ذلك على وجه الخلع فهي طلقة بائنة، وإن لم يجر بينهما ذلك فله الرجعة.
وتأول ابن الكاتب القول الذي وقع في المدونة بالبينونة عليه.
стр. 1964
أبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الحق: وهذا الاختلاف إنما هو في موطأ ابن وهب، والأسدية، والموازية فيمن صالح وأعطى، ليس فيمن طلق وأعطى. قال في النكت: وهذا هو الصحيح والنقل الذي في المدونة ليس بصحيح، ولا خلاف فيمن طلق وأعطى أن له الرجعة؛ لأنه إنما وهبها هبة وطلقها وليس من الخلع في شيء.
ابن عبد السلام: ونقل عن غير واحد أنهم صححوا الأقوال الثلاثة، أي: المتقدمة في الخلع من غير عوض في ثلاث مسائل وهي: إذا طلقت طلاق الخلع من غير عوض، وإذا صالح وأعطى، وإذا طلق وأعطى.
ولَوْ أَعْطَتْهُ مَالاً فِي الْعِدَّةِ عَلَى أَنْ لا رَجْعَةَ فَقَالَ مَالِكُ: أَرَاهُ خُلْعاً بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ. وقَالَ أَشْهَبِ: لَهُ الرَّجْعَةُ ويَرُدُّ مَالَهَا. وقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَبِينُ بِالأُولَى ..
تصور كلامه ظاهر، فوجه قول مالك أن عدم الرجعة ملزوم للطلاق البائن، والأولى قد وقعت فصار كأنه أوقع أخرى، ورأى أشهب وابن وهب أن ما فعله ليس صريحاً في الطلاق ولا من كنايته غير أن أشهب رأى أن هذا شرط مخالف للرجعة التي ثبتت بالطلاق الأول فيلغي، فإذا ألغي لزم أن يرد المال إليها، ورأى ابن وهب أن الرجعة حق للزوج فكان له أن يسقطها على عوض كما لو أسقطت حقها في القسم لشيء تأخذه.
وَشَرْطُ الْمُوجِبِ أَنْ يَكُونَ زَوْجاً مُسْلِماً مُكَلَّفاً أَوْ وَلِيّاً لِصَغِيرٍ أَباً أَوْ غَيْرَهُ بِخِلافِ السَّفِيهِ الْبَالِغِ ولَوْ كَانَ أَباً وبِخِلافِ السَّيِّد فِي الْعَبْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ..
اعلم أن الخلع خمسة أركان: الموجب، والقابل، والمعوض، والعوض، والصيغ’.
وتكلم المصنف على الأول: ومراده بـ (الْمُوجِبِ): الزوج، واشتراطه الإسلام مع كون المرأة مسلمة لا يظهر له كبير معنى، وأخرج بقوله: (مُكَلَّفاً) الصبي والمجنون. وشمل كلامه السفيه والرشيد لكنه لما تكلم على السفيه بعد هذا بمفرده علم أن مراده هنا بالمكلف الرشيد.
стр. 1965
وقوله: (أَوْ وَلِيّاً) عطف على قوله: (زَوْجاً) وقوله: (أَوْ غَيْرَهُ) أي: تجوز مخالعة ولي الصبي عنه كان أباً أو وصياً أو حاكماً إذا كان على وجه النظر، ونقل بعضهم الاتفاق على أن للأب والوصي والسلطان أن يخالعوا عن الصغير، وإنما اختلف هل يطلقون عليه بغير عوض، والذي ذكره اللخمي عن مالك وابن يونس عن ابن القاسم أنهم لا يطلقون عليه بغير عوض.
قوله: (بِخِلافِ السَّفِيهِ) فيه حذف مضاف تقديره ولي السفيه، يدل عليه قوله: (ولَوْ كَانَ أَباً) يعني: وليس لولي السفيه ولو كان أباً أن يخالع عنه على المشهور؛ لأن الطلاق بيد السفيه، والذي شهره المصنف في السفيه هو مذهب المدونة، لكن نص اللخمي على أنه من قول ابن الماجشون. قال: وأجاز ابن القاسم في العتبية للوصي أن يخالع عن السفيه.
ابن عبد السلام: واتفق على أنه ليس للأب والوصي أن يطلقا عليه بغير عوض.
وقوله: (وبِخِلافِ السَّيِّد فِي الْعَبْدِ) أي فليس له أن يخالع عنه على المشهور.
ابن عبد السلام: ومراده العبد البالغ. ثم قال: وحكم العبد البالغ حكم السفيه البالغ. وقال ابن بشير: وهل [٣٤١/ ب] يجوز الخلع عن العبد والأمة بغير اختيارهما؟ قولان: المشهور جوازه، والشاذ منعه، وهما خلاف في النظر إلى الجبر على النكاح وهذا من توابعه كون العبد قد استقل ولا حكم للسيد فيه؛ ولهذا رأى أبو الحسن اللخمي أنه يخالع عن الأمة التي ليست العصمة بيدها دون العبد. انتهى.
فانظره مع كلام ابن عبد السلام، إلا أن يكون مراد ابن بشير العبد الصغير، وقد نص في المدونة على أن العبد الكبير ليس للسيد أن يخالع عنه، ولم أقف على القول بأن للسيد أن يخالع عنه، وإن ثبت فهو مشكل. وفي المدونة: إذا زوج السيد عبده الصغير لم يطلق عليه إلا بشيء يأخذه له. روى ابن نافع عن مالك فيمن زوج وصيفه أو وصيفته ولم يبلغ أنه جائز، فإن فرق السيد بينهما على النظر والاجتهاد جاز ذلك ما لم يبلغا. وقال
следующие страницы →