Полный текст (4 728 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وأما المسألةُ الثانية فلا يُؤخذ منها عدمُ الإعادة، والذي ذكروا فيها أنه يَسْتَانِفُ الضربةَ. وفَهِمَ ابنُ عطاء الله منه أن الضربةَ الثانيةَ سنةٌ، وأَنَّ مَنْ تَرَكَها يُعيد في الوقت. وبه قال ابن حبيب. ونَسَبَ عدمَ الإعادةِ مطلقاً لكتابِ محمد، قال: وهو مروي عن ابن القاسمِ.
وَلَوْ مَسَحَ يَدِيِْهِ عَلَى شَيْءِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ فَلِلْمُتَأَخِّرِين قَوْلانِ، بِخِلافِ النَّفْضِ الْخَفَِيفِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ ....
ابن عبد السلام: الأظهرُ أن ذلك لا يَضُرُّه، إِذْ النَّقْلُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ. انتهي.
وفيه نظرٌ؛ لأن تيممَه لم يَحْصُلْ للأعضاءِ بل للممسوحِ. وقد ذكر صاحبُ تهذيب الطالب القولين، وشُرِعَ النَّفْضُ الخفيفُ خشيةَ أن يَضُرَّه شيءٌ في عينيه.
وَالتَّرْتِيبُ والْمُوَالاةُ كَالْْوَضُوءِ
أي: على الْمَشْهُورِ فيهما على أنه يُمكنُ إجراء الأقوالِ المتقدمةِ في الترتيب هنا.
وأما الموالاةُ فلا يُمكنُ إجراءُ كلِّ تلك الأقوالِ؛ إِذْ لا يَتَأَتَّى فيها قولٌ بالفَرْقِ بَيْنَ المغسولِ والمسموحِ.
خليل: ويُمكن أن يُقال بالبطلان إِذا فَرَّقَ التيممَ ناسياً مِن جهةِ اشتراطِ اتصالهِ بالصلاةِ، لا مِنْ جِهَةِ الموالاةِ، فافهمْه. وكذلك يَنبغي أن يُفهم كلامُ المصنفِ إذا تقدَّم له كلامٌ على مسألةِ، ثم شَبَّهَ مسألةً أُخرى بها في الحُكْمِ فإنما يُشَبِّه في الْمَشْهُورِ خاصَّةً.
وَفِيهَا: فَمَنْ نَكَّسَ تَيَمُّمَهُ وَصَلَّى يُعيد لِمَا يُسْتَقْبَلُ، وَحُمِلَ عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِلا فَهُوَ وَهْمٌ ....
أي: يُعيد لما يُريد فِعْلَه مِن النوافل، وإلا فهو وهمٌ؛ لأنه اعتقد إجراءه على الوضوء، وغَفَل عن كونِه لابُدَّ مِن استئنافِه، إِذْ لا يُجمع عنده بين صلاتين بتيممٍ واحدٍ، والإعادةُ عنده محمولةٌ على الاستحبابِ. وليس الوهمُ بلازمٍ كما قال المصنفُ؛ لاحتمالِ أن يكونَ
стр. 212
مرادُه إذا تيمم مرةً ثانيةً يَفْعَلُه على سُنَّتِه من الترتيبِ، ولا يَعود إلى الخطأ، وهو أجودُ ما تؤُوِّلَ على المدونة، ذَكَرَه في التنبيهات.
ابنُ عبد السلام: وهو يظهر إذا كان تنكيسُه على وجهِ العَمْدِ، وأما النسيانُ فلا يَحسن وُرُودُ مِثْلِ هذا الكلامِ فيه. انتهى.
والقياسُ يَقتضي أنه إذا كان في الحَضْرَةِ يَمسحُ يديه فقط، وإن طال أَعادَ التيممَ، ولا يكونُ حكمُه كالوضوءِ من إعادةِ المُنكَّسِ خاصَّةً على الْمَشْهُورِ، إِذْ لا حُكْمَ له إِلا أَنْ يُؤْتَى بجميعِه لأجلِ اتصالِه. وقد يقال: هو تامٌّ، وإنما أُمِرَ أن يُرَتِّبَه للكمالِ خاصةً، والله أعلم.
وَلَوْ نَوَى فَرْضاً جَازَ النَّفْلُ بَعْدَه، وَكَذَلِكَ الطَّوَافُ وَرَكْعَتَاهُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وِقِرَاءَتُهُ وَسَجْدَتُهَا، وَرُوِيَ وَقَبْلَهُ ....
قال بعضُهم: لا خلافَ في جوازِ النفلِ بعدَ الفَرْضِ؛ لأنه تَبَعٌ. وقال بعضُ الشيوخِ: إنما يَجري هذا على القولِ بأنه يَرفعُ الحدثَ، وفيه نظرٌ. ومِن شَرْطِ جوازِ إيقاعِ النفلِ بتيممِ الفرضِ أن يكونَ النفلُ متصلاً بالفرضِ؛ فقد روى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: مَن تَيَمَّمَ لنافلةٍ ثم خرج مِن المسجدِ لحاجةٍ ثم عاد فلا يَتنفلُ به، ولا يَمَسُّ المصحفَ. وشَرَطَ فيه ابنُ رشدٍ أن تكونَ النافلةُ منويةً عند تيممِ الفريضةِ. قال: وإن لم يَنْوِها لم يُصَلِّها. ولا فرقَ بين النفلِ والسنةِ عند ابنِ حبيب، واستَحَبَّ سحنونٌ أن يتيمم للوَتْرِ.
التونسي: وإنما له أن يتنفلَ بإثْرِ الصلاةِ ما لم يَطُلْ كثيراً. انتهى.
وقيد ذلك الشافعيةُ بأن لا يَدخلَ وقتُ الأخرى، فإذا دخل فلا، وهو ظاهرٌ؛ لأن ما يفعلُه مِن النافلةِ تابعٌ للفريضةِ، ولا معنى للتابعِ حالَ عَدَمِ المتبوعِ حِسّاً وحُكماً، والله أعلم.
والْمَشْهُورِ: لا يَجوز أن يَتنفل قَبْلَ الفريضةِ. وروى يحيى بن عمر جوازَ صلاةِ ركعتي الفجرِ بتيممه للصبحِ، وهو معنى قولهِ: (وقيل: قَبْلَه).
стр. 213
وقوله: (وَكَذَلِكَ الطَّوَافُ) يُريد أنه يُصلي بتيممِ الفريضةِ ما شاءَ مِن النفلِ، ويطوفُ به ويَقرأ به، وينبغي أن يُقَيَّدَ الطوافُ بطوافِ النفلِ. وجوَّزَ فيه ابنُ هارون احتمالاً ثانياً وهو أن يكون كلاماً مُستأنفاً، ويكون في كلامِه ثلاثُ جُمَلٍ وأن التابعَ في كلٍّ يُفْعَلُ بتيممِ متبوعِهِ، وفيه نظرٌ.
فرع:
وإن تَيمم للفريضةِ فتنَفَّلَ قَبْلَها، أو صلى ركعتي الفجرِ ثم صلى المكتوبةَ، ففي الموازية: أعاد أبداً. ثم قال: هذا خفيفٌ، وأرى أن يُعيد في الوقت.
قال: وإن تيمم لنافلةٍ أو لقراءةِ مصحفٍ ثم صلى مكتوبةً أعاد أبداً.
وقال سحنون عن ابن القاسم فيمن تيمم لركعتي الفجر فصلى به الصبحَ، أو تيمم لنافلةٍ فصلى به الظهرَ: إنه يُعيد في الوقت. وقال البرقي عن أشهب: تُجزئه صلاةُ الصبحِ بتيممه لركعتي الفجرِ، ولا يُجزئه إذا تيمم لنافلةٍ أن يُصَلِّي به الظهرَ.
وَلَوْ نَوَى نَفْلاً لَمْ يُجْزِ الْفَرْضُ بِهِ، وَصَلَّى [٣٤/ ب] مِنَ النَّفَلِ مَا شَاءَ وَفَعَلَ مَا تَقَدَّمَ كَمَا يَفْعَلُهُ بِمَا تَقَدَّمَ ....
أي: أنه لا يكون الأعلى تابعاً للأدنى، وقد تَقَدَّمَ حُكْمُ ما لو فَعَلَ.
وقوله: (وَصَلَّى مِنَ النَّفَلِ مَا شَاءَ) يعني: إذا نَوَى مطلقَ النفلِ، وأما إذا نَوَى نافلةً دون الأخرى فيُمكنُ أن يَجْرَى على الخلافِ فيمن نَوَى صلاةً بعينها دونَ غيرِها– وقد تقدم.
وقوله: (وَفَعَلَ مَا تَقَدمَ) يعني: مِن الطوافِ وما عُطِفَ عليه في مسألةِ التيممِ للفريضةِ.
وقوله: (كَمَا يَفعَلُهُ بمَا تَقَدمَ) يعني: بتيممه للفريضة، وهذا ينفي ما جوزه ابن هارون في التي قَبْلَها، والله أعلم.
стр. 214
بِخِلافِ تَيَمُّمِهِ لِلنَّوْمِ وَنَحْوِهِ
يعني: أن التيمم كالوضوءِ، فكما أن مَن توضأ للنومِ لا يُصلِّي به، فكذلك مَن تيمم للنومِ. وكذلك قال في المدونة، وذكر في التنبيهات عن الواضحة: أنه يصلي بتيمم النوم.
وَلَوْ نَوَى فَرْضَيْنِ صَحَّ وَصَلَّى بِهِ فَرْضاً عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لأَنَّهُ لاا يَرْفَعُ الْحَدَثُ، أَوْلاَ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَقْتِ، أَوْ لِوُجُوبِ الطِّلَبِ لَكُلَِّ صَلاَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الثَّلاثَةِ.
لا يُقال إنه لما نَوَى فَرضين– فلا يَستبيح به إلا فرضاً واحداً– صار تيمماً غيرَ مشروعٍ، لأن القَصْدَ الأهَمَّ مِن النيةِ استباحةُ العبادةِ، وفعلُه فرضاً أو فرضين مِن لواحق التيمم. وأحدُ الفرضين منفصلٌ عن الآخَرِ، والأولُ عبادةٌ مستقلةٌ بنفسِها بخلافِ مَن نَوَى في الذبيحةِ أَنْ يُجْهِزَ حتى يُبِينَ الرأسَ، فإنه اختُلِفَ في أَكْلِها كما سيأتي.
وما ذَكَرَه المصنفُ من تعليلِ عدمِ الجمعِ بثلاثِ عللٍ قد سبقه إلى ذلك عبدُ الوهاب، وفيه نظرٌ. أما الأُولى فلأَنَّا وإِنْ سَلَّمْنَا إلى أنه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، فما المانعُ أن يَستبيحَ به ما نواه؟ وقولهم: فلا يستبيح به إلا أقل ما يمكن– دَعْوَى لا دليلَ عليها. وأما الثانيةُ فمنقوضةٌ بالفائتتين، والْمَشْهُورِ خلافُه، وأما الثالثةُ فمنقوضةٌ بالمريضِ الذي لا يَقْدِرُ على استعمال الماءِ، أو مَن كان غيرَ مريضٍ، وهو يَعْلَمُ عَدَمَه، والْمَشْهُورِ خلافُه. ويُمكن أن يُوَجَّهَ الْمَشْهُورِ بأن يُقال: ظاهرُ قوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦] يَقتضي أَلاَّ يُجْمَعَ بين فَرْضَيْنِ بوضوءٍ ولا بتيممٍ، فاستثنتِ السُّنَّةُ جوازَ الجمعِ بالوضوءِ، وبَقِيَ ما عداه على الأصْلِ. وقال ابن المسيب: مضتِ السنةُ أنه لا يَجمع المتيمُ بينَ صلاتين
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الثَّلاثَةِ) يعني: في عدمِ رفعِه للحدثِ، وتقدُّمِه على الوقتِ، ووجوبِ الطلبِ، وليس الخلافُ مخصوصاً بما إذا نَوَى فرضين، بل الخلافُ موجودٌ سواءٌ نَوَى فرضاً أو فرضين.
стр. 215
أَبُو الْفَرَجِ: يَجُوزُ فِي الْفَوَائِتِ. أَبُو إِسْحَاقَ: يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ
قولُ أبي الفَرَجِ مبنيٌّ على التعليلِ الثاني، وليس هو قولُه، وإنما رواه عن مالك. ذَكَرَه صاحبُ المقدمات وغيرهُ. وقولُ ابنِ شعبانَ على الثالثِ.
وَلَوْ صَلَّى الْفَرْضَيْنِ فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَتَا مُشْتَرَكَتَيِ الْوَقْتِ أَعَادَ الثَّانِيَةَ فِي الْوَقْتِ وَإلّا أَعَادَهَا أبداً ....
لم يُصَرِّحِ ابنُ القاسمِ بهذا، وإنما صّرح به أصبغُ، وقال: هو بمعنى قولِ ابنِ القاسم، ومَنْ يُحَرِّرُ النَّقْلَ يُفَرِّقُ بين ما هو نصٌّ أو استقراءٌ أو إجراءٌ، ويُفهم منه أن في المسألة خلافاً، وهو كذلك. ففي كتاب محمد: إِنْ فَعَلَ ذلك ناسياً أو جاهلاً جَمَعَهما أو فرَّقَهما– أعاد الأخيرةَ في الوقتِ. وقال أيضاً: يُعيدها أبداً وإِنْ ذَهَبَ الوقتُ.
وقد نقل اللخمي وابن يونس والمازري وغيرُهم هذه الثلاثةَ الأقوالَ، ونَسَبَ في النوادرِ القولَ بالإعادةِ أبداً لابن القاسم مِن روايةِ ابن المواز مطلقاً، سواءٌ كانتا مشتركي الوقت أم لا.
قال الباجي: وهو الذي يُنَاِظِرُ عليه أصحابُنا. ولابن القاسم في العتبية أنه يُعيد ما زاد على الواحدةِ في الوقتِ، ولو أعاد أبداً كان أحبَّ إليَّ.
وقال سحنون في كتاب ابنه: يُعيد الثانيةَ ما لم يَطُلْ كاليومين وأكثر.
وقال في البيان: واختُلف في الوقت الذي يُعيد فيه الثانيةَ مِن المُشْتَرَكَيَ الوقتِ، فقيل: ما لم تَغْرُبِ الشمسُ، وقيل: ما لم يَذهبِ الوقتُ المختارُ.
فرع:
قال ابن سحنون: سبيلُ السننِ في التيمم سبيلُ الفرائضِ، الوترُ وركعتا الفجر والِعيدَانِ والاستسقاءُ والخسوفُ– يَتيمم لكلِّ واحدةٍ كما في الفرائض. نقله اللخمي.
стр. 216
وَلَوْ نَسِيَ صَلاةً مِنَ الْخَمْسِ تَيَمَّمَ خَمْساً عَلَى الْمَشْهُورِ وَصَلَّى
قوله: (وَصَلَّى) أي: خمساً. وقد اختلف في أصول الفقه في هذه المسألة: هل الواجب عيه خمس أو وحدة، والبواقي لتحصيل المتروكة؟ والأول المختار بدليل أن خواص الواجب من ثواب أو عقاب يدور مع كل واحدة، والتيمم لكل واحدة يحقق هذا القول.
وأما مقابل الْمَشْهُورِ فيتيمم واحداً ويصلي به خمس صلوات، وهو يحتمل أن يكون مبنياً على قول أبي الفرج ويحتمل أن يكون مبنياً على المذهب.
الثاني: لأنه أشبه من اجتمع في حقه فرض ونفل، فيكون كمن تيمم للفريضة وتنفل قبلها، بل هو أخف لجواز أن يصادف الفريضة أولاً.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلا تُراباً فَرَابِعُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: يُصَلِّي وَيَقْضِي، وَالثَّلاثَةُ لِمَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَأَصْبَغَ ....
يُتَصَوَّرُ ذلك في المربوط والمريض إذا لم يجدُ مُناوِلاً.
وقوله: (تُرَاباً) أحسن منه لو قال: صعيداً. وعلى ما قدمناه من قاعدته فإن ابن القاسم هو القائل بالأداء والقضاء، ومالك هو القائل بنفيهما، وأشهب قائل بالأداء دون القضاء، وأصبغ بالعكس.
فدليل قول ابن القاسم قوله ﷺ في الصحيحين: "إِذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ". ورأى [٣٥/أ] القضاء عليه احتياطاً، وهو بعينه حجة لأشهب؛ لأن ظاهره الاقتصار على الأداء. واختاره الأكثر لصلاة الصحابة رضوان الله عليهم عند عدم الماء قَبْلَ نزول آية التيمم؛ لأن عدم الماء قَبْلَ شرع التيمم كعدم الماء والتراب بعد شرعه.
ودليل قول مالك: "لا يَقْبَلُ اللهُ صلاةَ أحدِكُم إذا أَحْدَثَ حتى يَتَوَضَّأ" أخرجه البخاري وأبو داوود والترمذي، وقال: حديث صحيح.
стр. 217
والقضاءُ إنما هو بأمر جديد على المختار، وهو اختيار السيوري وعياض وغيرهما.
وقد نظمت هذه الأقوال، فقيل فيها:
ومن لم يجد ماء ولا متيمما ... فأربعة أقوال يحكين مذهبا
يصلي ويقضي عكس ما قال مالك ... وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا
وجعل المازري سبب الخلاف كون الطهارة شرط في الوجوب، أو في الأداء، وأنكره ابن العربي، وقال: الطهارة شرط في الأداء باتفاق؛ بدليل خطاب المحدث بالصلاة إجماعاً.
وَفِيهَا: وَمَنْ تَحْتَ الْهَدْمِ لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ يَقْضِي
لعله أَتى بها استشهاداً لقول أصبغ، ويحتمل كلامه في المدونة أن يكون على طهارة، ولا يقدر على التَّحَرُّكِ بشيء من جسده، وترك الصلاة على هذه الحالة، فيقضي، ويحتمل أن يكون مذهبه في المريض الذي لا يستطيع الحركة القضاء، إذا لم يقصد الصلاة بقلبه، وسيأتي إن شاء الله.
الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ رُخْصَةٌ عَلَى الأَصَحُّ لِلرَّجُلِ والْمَرْأَةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: لا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ ....
الرخصة - بإسكان الخاء - عبارة عما شرع من الأحكام لعذر مع قيام المانع لولا العذر، والعزيمة بخلاف. وأما بفتح الخاء فهو الرجل المتبع للرخص.
ومقابل الأصح ما وقع في مختصر ابن الطلاع أنه مطلوب، قيل بالندب، وقيل بالوجوب. وكان شيخنا ﵀ يحمل الوجوب على ما إذا كان لابساً، فأراد خلعه لغير عذر، لا أنه يجب عليه أن يلبس ليمسح، ولا يريد - كما قيل - بمقابله أنه غير مشروع مطلقاً لا لمسافر ولا لمقيم، وإن كان بعض الأصحاب نقله عن مالك، وقال: لعله رأى المسح منسوخاً لوجهين: أحدهما: لو كان مراده كذلك لقال: مشروع رخصة على
стр. 218
الأصح، لأن مقابل الرخصة العزيمة. ثانيهما: أن هذا القول ليس بثابت في المذهب، أنكره الحفاظ. فقد قال المازري: إنما الرواية الثابتة أنه قال: لا أمسح لا في الحضر ولا في السفر. وكأنه كرهه، وإنما حكم على نفسه بما يؤثر فعله، وقد يكون الفعل جائزاً عند الفقيه ويؤثر تركه، وكيف يظن به إنكار المسح أصلاً وقد قال الحسن البصري: روى المسح عن النبي ﷺ سبعون صحابياً.
قال في الإكمال: وكذا نقلها في النوادر: إني لا أمسح. قال: وقد تأول أحمد بن حنبل قول مالك هنا على أنه آثر الغسل، قال: ويؤيد هذا التأويل قوله في البسط لابن نافع عند موته: المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح بيقين ثابت لا شك فيه، إلا أني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور، ولا أرى من مسح مقصراً فيما يجب عليه. انتهى.
ونص ابن القصار على أن إنكاره فسق. وفي النوادر: قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: لم يختلف فيه أهل السنة، ولا علمنا مالكاً ولا غيره من علمائنا أنكر ذلك في الحضر والسفر. قال ابن حبيب: لا يرتاب فيه إلا مخذول. انتهى.
والمعروف من المذهب قولان: قول بجوازه للمقيم والمسافر، والثاني جوازه للمسافر فقط.
وقوله: (لِلرَّجُلِ والْمَرْأَةِ) زيادة بيان لاحتمال أن يتوهم قصر الرخصة على الرجل، لكونه هو الذي يضطر غالباً إلى الأسباب المقتضية للبسه.
وقوله: (وَرَجَعَ إِلَيْهِ) أي عن قصره على السفر.
ثم قال: (لا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ) فيه نظر؛ فقد قال ابن وهب: آخر ما فارقته عليه المسح مطلقاً. الباجي: وهو الصحيح، وإليه رجع مالك، ويؤيده ما تقدم من رواية ابن نافع عنه في المبسوط.
стр. 219
تنبيه:
مقتضى كلامِ المصنفِ أن مالكاً كان أوّلاً يقول بمَسْحِ المسافرِ فقط، ثم رجع إلى أن المسافرَ والمقيمَ يمسحان بقوله: (وَرَجَعَ إِلَيْهِ) ثم رجع فقال: (لا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ) وإنما المنقولُ في المدونةِ أنه كان أوَّلاً يقول: يمسحُ المسافرُ والمقيمُ. ثم قال: لا يَمسح المقيمُ. ثم رَجَعَ إلى التعميمِ على ما نقلَه ابنُ نافعٍ وابنُ وهب والباجيُّ. والله أعلم.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ خُفّاً سَاتِراً لِمَحَلِّ الْوُضُوء صَحِيحاً بطَهَارَةٍ بالْمَاء كَامِلَةٍ لِلأمْرِ الْمُعْتَادِ الْمُبَاحِ ......
الضميرُ المضافُ إليه (شَرْطٌ) عائدٌ على الممسوحِ.
قال غيرُ واحدٍ: للمسحِ شروطٌ: خمسةٌ في الماسح، وخمسةٌ في الممسوحِ؛ فالتي في الماسِحِ: أَنْ يَلْبَسَهُما على طهارةٍ بالماءِ كاملةٍ غيرَ عاصٍ ولا مُتَرَفِّهِ.
والتي في الممسوحِ: أن يكون الخفُّ جِلْداً طاهِراً مَحْروزاً سائِراً لمحلِّ الفَرْضِ، تُمْكِنُ متابعةُ المَشْيِ عَلَيْهِ.
فَلا يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبِ وشَبِهْهِ وَلا عَلَى الْجُرْمُوِقِ إِلا أَنْ يَكُونَ مِنْ فَوْقِهُ وَمِنْ تَحْتِهِ جِلْدٍّ مَخْرُوزٌ ثُمَّ قَالَ: لا يَمْسَحُ عَلَيْهِ. وَاختْاَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ الأَوَّلَ، وَهُوَ جَوْرَبٌ مُجَلَّدٌ، وَقِيلَ: خُفٌّ غَلِيظٌ ذُو سَاقَيْنِ. وَقِيلَ: يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مطلقاً .....
هذا راجعٌ إلى قولِه: (خُفّا).
و (الْجَوْرَبِ) ما كان على شَكْلِ الخُفِّ مِن كَتَّانٍ أو صوفٍ، أو غيرِ ذلكَ.
(وشَبِهْهِ) الخِرَقُ تُلَفُّ على الرِّجْلِ. و (الْجُرْمُوقِ) بضمِّ الجيمِ والميمِ بينهما راءٌ ساكنةٌ، فَسَّرَهُ مالكٌ في روايةِ ابنِ القاسمِ بأنه جوربٌ مُجَلَّدٌ، مِن فوقِه ومِن تحتِه جلدٌ مَخْرُوزٌ. وعلى هذا فإطلاقُ الجرموقِ عليه قَبْلَ التجليدِ مجازٌ.
стр. 220
قال في النوادر: وقال ابن حبيب: الجُرْمُوقانِ: الخُفَّانِ الغليظان لا سَاقَ لهما. وهكذا قال [٣٥/ ب] الباجي واللخمي والمازري، وهو عكسُ ما قاله المصنف (ذُو سَاقَيْنِ) ولكن المصنفَ تَبعَ ابنَ شاسٍ، ولم نَعْلَمْ لهما موافقاً إلا أن ابن عطاء الله حكى في ذلك قولين، فقال: هما خُفان غليظان ذوا ساقين غليظين يَستعملهما المسافرون مُشَاةً. وقيل: هما خفان غليظان لا ساقَ لهما. انتهى. على أنه يمكن أن يكونَ ابنُ عطاء الله تَبعَ ابنَ شاسٍ.
وقيل: هو خُفٌّ على خُفٍّ. وضعَّفَه عياضٌ بأنه ذَكَرَ في المدونةِ المسألتين، فلو كانتا مَعاً بمعنى واحدٍ لما كَرَّرَهما.
وفي جوازِ المسحِ عليه لمالكٍ قولان: قال أولاً: يمسحُ عليهما إذا كان مِن فوقِهما أو مِن تحتِهما جِلْدٌ مَخْرُوزٌ، ثم رجع إلى أنه لا يَمْسَحُ لأن الرخصةَ لم تَرِدْ فيهما.
واختار ابنُ القاسمِ الأَوَّلَ؛ لأ، هـ خُفٌّ يُمْكِنُ متابعةُ المشي عليه.
وقوله: (وَقِيلَ: يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مطلقاً) الظاهرُ أنه راجعٌ إلى الجرموقِ، ومعنى (مطلقاً) سواءٌ قيل إنه جوربٌ مُجَلَّدٌ أو خُفٌّ غليظٌ، هكذا ظَهَرَ لي في هذا المحلِّ، والله أعلم.
وقال الشراحُ الثلاثةُ: هذا يَقتضي جوازَ الْمسْحِ على الجوربِ وإن كان غيرَ مُجَلَّدٍ.
ابن راشد وابن هارون: ولا نَعلمُه في المذهب. وهذا إنما يُفْهَمُ إذا جعلنا الإطلاقَ عائداً على الجوربِ.
وَيَمْسَحُ عَلَى الخُفِّ فوق الخف على الْمَشْهُورِ، فلو نزع الأعليين على الأسفلين كالخف مع الرجلين ...
زَعَمَ اللخمي أَنَّ الخلافَ إنما هو إذا لَبِسَ الأعليين قَبْلَ أن يَمسحَ على الأسفلين، وأما لو مسح على الأسفلين جَازَ له المسحُ على الأعليين اتفاقاً. ورَأَى غيرُه أن الخلافَ عامٌّ، ومنشأُ الخلافِ الخلافُ في القياسِ على الرُّخْصَةِ.
стр. 221
وقوله: (فَلَوْ نزعَ الأَعْلييْنِ) أي على الْمَشْهُورِ، نَزَّلَ الأسفلين منزلةَ الرِّجْلَيْنِ مع الخُفَّيْنِ. ابن عبد السلام: أما لو نَزَعَ أَحَدَ الأعليين فهل يُؤمر بنزعِ الأعلى مِن الرِّجْلِ الأُخرى أم لا؟ قولان حكاهما المازري وسببُهما هل الأعليان بَدَلٌ عن الأسفَلَيْنِ أو عن الرِّجلين؟ فإن قلنا بالأَوَّلِ نَزَعَ الآَخَرَ لظُهورِ الأَصْلِ في أحِدهما، وإلا فلا.
وَلا يَمْسَحُ عَلَى غَيْرِ سَاتِرٍ عَلَى الأَصَحِّ
أي: لا يمسح على خُفِّ غيرِ ساترٍ على الأصَحِّ، ومقابلُ الأصحِّ روايةُ الوليد بن مسلم: يمسحُه، وَيغْسِلُ ما ظَهَرَ مِن الرِّجْلَيْنِ.
وكلامُ المصنفِ يَقتضي تصحيحَ هذا القولِ مِن جهةِ النَّقْلِ، وتَوْهِيمُ الباجيِّ للوليدِ بأنَّ هذا إنما يُعْرَفُ للأوزاعي، وهو كثيرُ النَّقْلِ عنه- ليس بظاهِر؛ لأن الوليد مُخَرَّجٌ له في الصحيحِ، ولم يَنْسِبْهُ أَحَدٌ إلى الوَهْمِ.
وَلا يَمْسَحُ عَلَى ذِي الْخَرْقِ الْكَثِيرِ، وَهُوَ أَنْ يَظْهَرَ جُلُّ الْقَدَمِ عَلَى الْمَنْصُوصِ. الْعِرَاقِيُّونَ: إِذَا تَعَذَّرَتْ مُدَاوَمَةُ الْمَشْيِ عَلَيْه، فَلَوْ شَكٌ فِي أَمْرِه لَمْ يَمْسَحْ .....
يعني: أنه يجوز المسحُ على ذي الخرق اليسيرِ، إِذْ لو كان اليسيرُ مانعاً مع عَدَمِ الانفكاكِ عنه غالباً لأَدَّى إلى الحَرَجِ بخلافِ الخْرقِ الكثيرِ، فلا يَمْسَحُ عليه.
والكثيرُ أن يَظهر جُلُّ القَدَمِ- على المنصوصِ لابن القاسم في المدونة- ومقابِلُه قولُ العراقيين. وقولُ العراقيين مُقَيَّدٌ بذوي المروءات، وأما غيرُهم فيُمْكِنُ أن يمشيَ بكلِّ شيءٍ.
وقوله: (فَلَوْ شَكَّ فِي أَمْرِهِ) يعني هل هو مِن حَيِّزِ اليسيرِ أو الكثيرِ؟ لم يَمسحْ؛ لأنَّ الأصلَ الغَسْلُ، وقد شكَّ في محلِّ الرخصةِ. قال في البيان: لم يَقع في الأمهات ما فيه شفاءٌ وجلاءٌ لحَدِّ الخَرْقِ الذي يَجوز المسحُ عليه مِن الذي لا يَجوز؛ لأنه في المدونة قال: إن كان كثيراً فاحشاً يَظهر منه جُلُّ القَدَمِ فلا يَمْسَحُ، وإن كان يسيراً لا يَظهر منه القَدَمُ فَلْيَمْسَحْ.
стр. 222
وقال في الواضحة: إن كان فاحشاً لا يُعَدُّ به الخُفُّ خُفّاً لِتَفَاحُشِ خَرْقِهِ وقِلَّةِ نَفْعِهِ- فلا يَمْسَحُ، وإن لم يكن متفاحشاً مَسَحَ، وإِنْ أَشْكَلَ عليه الأمرُ خَلَعَ.
وروى ابنُ غانم عن مالك أنه يَمسح عليه ما لم تَذهب عامَّتُهُ، وقال في آخر الرواية: إن كان الخرقُ خفيفاً لم أرَ بالمَسْحِ بَأساً.
فاسْتَقْرَانَا مِن مجموعِ هذه الرواياتِ أنه يَمْسَحُ على الخَرْقِ اليسيرِ، ولا يَمْسَحُ على الخرقِ الكثيرِ. وإذا كان كذلك بإجماع وقامت الأدلةُ من الكتابِ والسُّنَّةِ على أن الثُّلُثَ آخرُ حَدِّ اليسيرِ، وأَوَّلُ حَدِّ الكثيرِ- وَجَبَ أَنْ يَمْسَحَ على ما كان الخرقُ فيه دُون الثلثِ، ولا يَمْسَحَ على ما كان الثلثَ فأكثرَ؛ أعني ثُلُثَ القَدَمِ مِنَ الخُفِّ لا ثُلُثَ جميعِ الخُفِّ. وإنما يمسحُ على الخرقِ الذي يكون أقلَّ مِن الثلثِ إذا كان ملتصقاً بعضُه ببعضٍ كالشَّقِّ.
وتحصيلُها أنه إذا كان الخَرْقُ في الخفِّ الثلثَ فأكثرَ- فلا يَمْسَحُ عليه- ظهرتْ منه القَدَمُ أولم تَظْهَرْ- وإن كان أقلَّ مِن الثلثِ فإنه يَمْسَحُ عليه ما لم يَتَّسِعَ ويَنفتحَ حتى تظهرَ منه القَدَمُ، فإن عَرُضَ الخَرْقُ حتى تظهرَ منه القَدَمُ فلا يمسحُ عليه إلا أن يكون يسيراً كالثُّقْبِ الذي لا يُمكنه أن يَغْسِلَ منه ما ظَهَرَ مِنْ قَدَمِه؛ لأنه إذا ظَهَرَ مِن ذلك ما يُمكنُه الغَسْلُ- لم يَصِحَّ له المسحُ مِنْ أَجْلِ أنه لا يجتمع مَسْحٌ وغَسْلٌ. فعلى هذا يجب أن تُخَرَّجُ الرواياتُ الْمَشْهُورِاتُ. انتهى.
فرع:
فإن مَسَحَ على خُفه ثم صَلَّى، ثم انْخَرَقَ خُفُّه خرقاً لا يَمْسَحُ على مثلِه فليَنْزِعْه مكانَه، وليَغْسِلْ رجليه. قاله ابن القاسم في العتبية. وعليه فلو انْخَرَقَ في الصلاة لقَطَعَ، والله أعلم.
стр. 223
تنبيه:
لم يتكلم المصنفُ- ﵀ على ما يتعلق بقوله: (بطهارة) ولعله- والله أعلم- تَرَكَه لعدمِ الخلافِ فيه، وهو كذلك. ولا يُعلم فيه خلافٌ إلا ما وَقَعَ في العتبية فيمن غَسَلَ رجليه خاصَّة ولَبِسَ خُفَّيْهِ، ونَامَ قَبْلَ أن تَكْمُلَ طهارتهُ، فإنه يُجزئه المسحُ عليهما.
قال المازري: وهذا إذا تَرَكَ الطهارةَ المعهودةَ، واكتفى بتطهيرِ القدمينِ خاصةً- ألا ترى أنه قال: يَمْسَحُ ولو نَامَ. والنومُ يُبْطِلُ الطهارةَ- وإن كان غسل رجليه بنية الوضوء المنكس، إلا أنَّ قوله: [٣٦/أ] قبل أن يكمل وضوءَه؛ فيه إشارةٌ إلى قَصْْدِ الوضوءِ المنكسِ.
وقال ابن عطاء الله: لعله بنى هذه المقالةَ على أن المتوضئَ لو نَكَّسَ وضوءَه فغَسَلَ رجليه- اِرْتَفَعَ الحَدثُ عنهما، بناءً على أن ارتفاعَ حدثِ كلِّ عضوٍ بالفراغِ منه.
وَلا يَمْسَحُ عَلَى لُبْسٍ بِتَيَمُّمٍ، وَقَالَ أَصْبَغُ: يَمْسَحُ
هذا راجعٌ إلى قوله: (بالماء) والخلافُ على ما قاله الشيوخُ إذا لَبِسَه قَبْلَ الصلاةِ، وأمَّا إذا لَبِسَه بَعْدَ الصلاةِ فلا يُخالِفُ في ذلك أصبغُ لانقضاءِ الطهارةِ المشترطةِ حِسّاً وحُكْماً. فإن قيل: يَلزم على هذا صحةُ المسحِ بعدَ الصلاةِ لمن أراد أن يَتنقل، قيل هذا صحيحٌ لولا ما عارضَه مِن مخالفةِ الأصلِ، وهو أن الوضوءَ للنافلةِ يَجوزُ به إيقاعُ الفريضةِ.
وأَجرى بعضُهم الخلافَ على أن التيممَ هل يَرفع الحدثَ أم لا؟ ويمكن أن يُقال: بناءً على أن البَدَلَ هل يَقومُ مَقامَ المُبْدَلِ منه أم لا؟
فرع:
قال في المدونة: وتمسحُ المرأةُ المستحاضةُ على خُفَّيها.
قال ابن عطاء الله: ومذهبُنا أنها كغيرِها.
стр. 224
وَلا يَمْسَحُ إِذَا لَبِسَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ الأُخْرَى، وَلَيسَ الآخَرَ حَتَّى يَخْلَعَ الأَوَّلَ وَيَلْبَسَهُ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ: يَمْسَحُ ...
هذا راجعٌ إلى قوله: (كاملة) وتَصَوُّرُ كلامِه واضحٌ، وقد تقدم الكلام عليها في أَوَّلِ الوضوءِ.
وقوله: (حَتَّى يَخْلَعَ الأَوْلَ وَيَلْبَسهُ) أي: ليكون لبسه للخفين بعد كمالِ الطهارة.
ابن عبد السلام: وهذا كافٍ في جوازِ المسحِ، لكن يفوتُ معه فضيلةُ الابتداءِ بالميامِن، فالأحسنُ أن يَخْلَعَهُمَا. انتهى.
وفيه نظرٌ؛ لأنه قَدْ لبس اليُمْنَى قبل اليُسرى أَوّلاً، وإنما هذا النزعُ لأجلِ الضرورةِ، فأَشْبَهَ ما لو نَزَع الخفَّ اليمنى لأَجْلِ عُودٍ وَقَعَ فيه ونحوِه. ومن هذا لو نكَّسَ فغَسَلَ رجليه، ثم غَسَلَ بقيةَ أعضائِه. قال الباجي: والْمَشْهُورِ عن مالكٍ المنعُ.
وَلا يَمْسَحُ لابسٌ لِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ كَالْحِنَّاءِ أَوْ لِيَنَامَ. وَفِيهَا: يُكْرَهُ. وَقَالَ أَصْبَغُ: يُجْزِئُهُ
هذا راجعٌ إلى قوله: (للأمرِ المعتادِ).
يعني: في اشتراط هذا الشرط لا يَمْسَحُ من لبس الخفين ليمسحَ عليهما مِن غيرِ ضرورةٍ داعيةٍ إليهما، كمَن جَعَلَ حناءً في رِجْلَيْهِ ولَبِسَ الخفين ليَمْسَحَ عليهما أو لَبِسَهُما لينامَ. وقال ابن عطاء الله: والْمَشْهُورِ أن هؤلاء لا يَمْسَحُونَ.
ابن راشد وابن هارون: وإِنْ مَسَحُوا لَمْ يُجِزِهِم على الْمَشْهُورِ.
وأصبغُ يحتملُ أَنْ يجيزَ الإقدامَ على ذلك ابتداءً كما في بعض النُّسَخِ، وحكاه بعضَ الشيوخِ، ويحتمل أن يكون مذهبهُ الكراهةَ كما نقله عنه ابنُ شاس.
وما نقله المصنفُ عن المدونةِ مِن الكراهةِ- هو كذلك في التهذيب.
стр. 225
قال في البيان في باب الصلاة: وقد اختُلِفَ في المرأةِ إذا لبست الخفين لتَمْسَحَ على الخضابِ، فروى مطرف عن مالك أنه لا يَجوز لها أن تَمسح عليهما، وقد قيل أيضاً أنه يَجوز لها المسحُ عليهما، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي.
وقال مالك في المدونة: لا يُعجبني. فهذه ثلاثةُ أقوالٍ: المنعُ، والإباحةُ، والكراهةُ. انتهى.
ومقتضى كلامِه أن الْمَشْهُورِ الكراهةُ خلافَ ما شَهَّرَه ابنُ راشدٍ وغيرُه.
وَلا يَمْسَحُ الْمُحْرِمُ الْعَاصِي بِلُبْسِهِ عَلَى الأَصَحِّ. سَحْنُونٌ: وَيَمْسَحُ عَلَى الْمَهَامِيزِ
أخرج بـ (الْعَاصِي) مَنْ لَبِسَهما لضرورةٍ، فإنه يَجوزُ له المسحُ، والمرأةَ على أنها ليستْ بعاصيةٍ، على أنها تخرج بلفظة (المُحْرِمِ).
وظاهرُ كلامِه على أن مقابلَ الأصحِّ منصوصٌ. وفي المازري: مَنَعَ بَعْضُ أصحابِنا المُحْرِمَ مِنَ المَسْحِ؛ لأنه منهيُّ عن اللبس، فلا يُرَخَّصُ له في المسح عليه، وعندي أنه قد يَتَخَرَّجُ على القولين في جوازِ القَصْرِ لمن سَفَرُه معصيةٌ. انتهى.
وهل يَمْسَحُ على الخُفِّ المغصوبِ؟
ابنُ عطاء الله: واحْتَرَزْنَا بقولِنا أن يكون اللبسُ مباحاً مما لو لبس المُحْرِمُ الخفين مِن غيرِ عُذْرٍ، أو لبس الإنسانُ خفين مغصوبين- لم يَجُزِ المسحُ في المسألتين؛ لأنَّ المسحَ رخصةٌ، وحكمةُ الشرعِ تَقتضي أَلاَّ يُوَسَّعَ على العاصِي.
وقال في الذخبرة: سؤالٌ: إن قيل: كيف صَحَّتْ صلاةُ الغاصبِ إذا مَسَحَ بخلافِ المُحْرِمِ، وكلاهما عاصٍ؟ فجوابُه أن الغاصبَ مأذون له في الصلاةِ بالمسحِ على الخفين في الجملةِ، وإنما أدركه التحريمُ مِن جهةِ الغصبِ، فأَشْبَهَ المتوضئَ بالماءِ المغصوبِ والذابحَ بالسكينِ المغصوبةِ فيَاثَمَانِ، وتَصِحُّ أفعالُهما.
стр. 226
وأما المُحْرِمُ فلا يُشرع له المسحُ ألبتةَ. وكذلك نَصَّ في قواعِدِه على أنَّ الغاصبَ يَمْسَحُ عندنا.
وقوله: (وَيَمْسَحُ عَلَى الْمَهَامِيزِ) نصه في النوادر: قال سحنون: ولا بأسَ بالركوبِ بالمهاميزِ، وللمسافرِ أن يمسحَ عليهما، ولا ينزعَهما، وهذا خفيفٌ.
ونقل الباجي وغيرُه عن مالك أنه قال: لا بأسَ بسرعةِ السَّيْرِ في الحجِّ على الدوابِّ، وأَكره المهاميزَ، ولا يصلحُ الفسادُ، وإذا كَثُرَ ذلك خَرَّقَها. وقد قال: ولا بأسَ أَنْ يَنْخَسَها حتى يُدْمِيَها.
وَصِفَتُهُ فيهَا: أَرَانَا مَالِكٌ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِر أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَالْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهَا مِنْ بَاطِنِ خُفِّهِ فَأَمَرَّهُمَا إِلَى حَذْوِ الْكَعْبَيْنِ. فَقَالَ ابْنُ شَبْلُوَن بِظَاهِرِهِ: الْيُسْرَى كَالْيُمْنَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْيُسْرَى عَلَى الْعَكْسِ. وَقِيلَ: يَبْدَأ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فِيهِمَا. وَقِيلَ: الْيُمْنَى كَالأُولَى، وَالْيُسْرَى كَالثَّانِيَةِ .....
حاصلُ ما ذَكَرَه ثلاثُ صفاتٍ:
الصفةُ الأولى: ما نَسَبَه إلى المدونةِ على الوصفِ الذي ذَكَرَه.
وقوله: (أَصَابعِهِ) يُريد أصابعَ رجلِه اليمنى، كذا في التهذيب، وأطلق المصنفُ تبعاً لابن شاس.
واختلف الشيوخُ على هذه في صِفَةِ اليُسْرَى، فقال ابن شبلون: يَمْسَحُ اليسرى كاليمنى، فيضَعُ يدَه اليمنى على ظاهِرِ أطرافِ أصابعِ رجلِه اليسرى، ويدَه اليسرى مِن تحتِها. وأَخَذَ ذلك مِن اقتصارِ [٣٦/ ب] ابنِ القاسمِ على الرِّجْلِ اليُمْنَى، فظاهرُه أن اليسرى كذلك؛ إِذْ لو كانت مخالفةً لنبه على ذلك، وإلى هذا أشار بقوله: (فَقَالَ ابْنُ شَبْلُوَن بِظَاهِرِهِ).
стр. 227
وقال ابنُ أبي زيد وغيرهُ: يَجعل يدَه اليسرى على ظَهْرِ رجلِه اليسرى؛ لأنه أَمْكَنُ، وهذا معنى قوله: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْيُسْرَى عَلَى الْعَكْسِ).
ونقل ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، قال وذَكَرَ أن مالكاً أَراهما المسحَ هكذا، وأن ابنَ شهابٍ وَصَفَ لهما المسحَ وهكذا، وهذا مما يرجحُ هذه الطريقةَ.
الصفة الثانية: أن يبدأ بيَدَيْهِ مِن الكعبين مارّاً إلى القَدَمِ. والضمير المجرور في (فيهما) عائدٌ على الرِّجلين.
وانظر: هل يأتي الخلافُ المتقدمُ في كونِ اليمنى على الرِّجلين، أو اليمنى على اليمنى، واليسرى على اليسرى؟
الصفة الثالثة: أن يجعل اليَدَ اليمنى كالصفةِ الأولى، واليدَ اليسرى مِنْ عِنْدِ العَقِبِ كالصفةِ الثانيةِ، ويُمِرُّهما مختلفتين.
وهذه الصفةُ لابنِ عبدِ الحَكَمِ، وهي منقولةٌ هكذا كما ذكرتُ لك، وليس المرادُ ما يُعطيه ظاهرُ اللفظين مِن أنه يَمسح الرِّجْلَ اليمنى كالصِّفَةِ الأُولَى، والرجل اليسرى كالصِّفَةِ الثانيةِ لِعَدَمِ وُجُودِ ذلك. وإن كان ابنُ عطاء الله أَخَذَها مِن ظاهرِ كلامِ اللخمي، ولعله وَهِمَ.
ومنشأُ الخلافِ: هل يُرَاعَى في الخفين ما يُراعى في الرِّجلين مِن البدايةِ مِن القَدَمِ مع تكرمِة اليَد اليُمنى عن الوصولِ إلى محلِّ الأقذارِ، وهو أسفلُ الخُفِّ؟ أو تقديمُ إزالةِ الأقذارِ، فيبدأُ بالعَقِبِ خَوْفاً مِن أن ينعطف شيءٌ مِن الأقذارِ إلى العَقِبِ؟
والتعليلُ الأولُ أَوْلَى لما فيه مِن مشابهةِ الفرعِ للأصلِ، وما رُوعِيَ في الثاني يُمكن الاحترازُ منه بالنظرِ إلى الخِفِّ قَبْلَ المَسْحِ.
وهذا الكلامُ كلُّه إنما هو في الأفضلِ، وإلا فيكفي التعميمُ على أيِّ صِفَةٍ كانت.
стр. 228
وَيُزِيلُ عَنْهُمَا الطّينَ وَلا يَتْبَعُ الْغُضُونَ
لأن الطين حائل. و (الْغُضُونَ): التَّكاسِيرُ التي في الجِلْدِ، ولم يُؤْمَر باتباعه؛ لأن المسحَ مبنيُّ على التخفيف.
قال سند: وخالف ابنُ شعبان في غضونِ الخفينِ، والجبهةِ في التيمم.
وَلَوْ خَصَّ أَعْلاهُ أَجْزَأَهُ، وَيُعيد فِي الْوَقْتِ وَأَسْفَلَهُ لَمْ يُجْزِه. أَشْهَبُ: يُجْزِئُهُ فِيهِمَا. ابْنُ نَافِعٍ: لا يُجْزِئُهُ فِيهِمَا ...
وجهُ الْمَشْهُورِ ما رواه أبو داود وصححه عن علي ﵁: لو كان الدِّينُ يُؤْخَذُ بالقياسِ لكان مَسْحُ أَسْفَلِ الخُفِّ أَوْلَى مِنْ أعلاه، وقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ مَسَحَ على ظاهرِ خُفَّيْهِ. وكلامُه ظاهرٌ.
وَالْغَسْلُ وَالتَّكْرَارُ مَكْرُوهٌ
ابن هارون وابن عبد السلام: لا يَبْعُدُ تخريجُ الخلافِ الذي في غَسْلِ الرأسِ في الوضوء بدلاً مِن مسحِه في غسلِ الخفين، وفي كلامهِ حذفُ خبرٍ؛ أي: والغسل مكروهٌ، والتكرار مكروه، على حَدِّ قولِه:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأيُ مختلفٌ
وقول ابن هارون: والصوابُ أن يقول: مكروهان. ليس بجَيِّدٍ.
وَلا تَحْدِيدَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ: لِلْمُقِيمِ مِنْ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ. وَرَوَى أَشْهَبُ: لِلْمُسَافِرِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، وَاقْتَصَرَ. وَفِي كِتابِ السِّرِّ: وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ
روايةُ ابنِ نافعِ محمولةٌ على الاستحبابِ، وهي موافقةٌ للمذهبِ لأجْلِ غُسْلِ الجمعةِ. قاله عبد الوهاب والمازري. وتوجيهُ الأقوال معلومٌ.
وكتابُ السِّرِّ يُنسب لمالكٍ أنه كتبه إلى هارون الرشيد، رَخَّصَ له فيه أشياءَ.
стр. 229
عبدُ الوهاب: وكان أبو بكر الأبهري وغيرُه يُنْكِرُه. ويقول: كان مالكٌ أتقى الناس لله أن يُسامِحَ بدينه أحداً أو يُرَاعِيَه، وقد نظرتُ في هذا الكتابِ فوجدتُه يَنْقُضُ بعضُه بعضُاً، ولو سمع مالكٌ مَن يتكلمُ بما فيه لأوجَعَه ضَرْباً. وقد سُئِلَ ابن القاسم عنه فقال: لا يُعْرَفُ لمالكٍ كتابُ سِرٍّ.
فَلَوْ نَزَعَ الْخُفَّيْنِ فَأَخَّرَ الْغَسْلَ ابْتَدَأَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ نَزَعَ إَحْدَاهُمَا وَجَبَ غَسْلُ الأُخْرَى ....
قوله: (فَأَخَّرَ الْغَسْلَ) أي بقدرِ ما يجفُّ فيه أعضاءُ الوضوءِ. ومقابلُ الْمَشْهُورِ يأتي على أن الموالاةَ ليست بواجبةٍ.
وقوله: (فَأَخَّرَ) يريد عامداً، وأما الناسي فيبني طال أو لم يَطُلْ.
وبالجملةِ فهذا مِن لزومِ الموالاةِ، ومفهومُه أنه لو غَسَلَ في الحالِ أجزَأه، وهو كذلك. ورُوي عن مالكٍ في مختَصر ما ليس في المختصر قولٌ بعدمِ الإجزاءِ لبُعْدِ ما بينَ أولِ الطهارةِ وتمامِها. وهو بعيدٌ، إِذِ الطهارةُ قد تَمَّتْ بدليلِ صحةِ ما وقع مِن العبادة بها قَبْلُ، وإنما غَسَلَ الآن جَبْراً لما وَقَعَ فيها مِن الخلل بسببِ النَّزْعِ، وأما وجوبُ غسلِ الرِّجلين إذا نَزَع أحدَهما، فإنهما كعضوٍ واحدٍ، بدليلِ أَنَّ مَن أوجبَ الترتيبَ لم يُوجبه فيما بينهما، وأجاز أصبغُ أَنْ يَغسل إحداهما، ويمسح الأخرى.
وأشار المازري إلى أن هذا الخلافَ يجري على الخلاف في المكفِّرِ إذا أَطْعَمَ خمسةَ مساكين، وكسى خمسةً.
وحَصَّلَ ابنُ رشد في هذه المسألة وفي نزعِ أحدِ الأعليين ثلاثةَ أقوالٍ: جوازُ المسح على الرِّجلِ الواحدةِ والخفِّ الأعلى الواحدِ, وهو قوله في العتبية. والثاني لابن حبيب: لا
стр. 230
بُدَّ له مِنْ خَلْعِ صاحبِه في المسألتين جميعاً. ومذهبُ ابنِ القاسمِ الفرقُ، فيجوزُ المسحُ على أحدِ الأعليين، ولا يَجوز في خلعِ أحدِ الخفين إلا غَسْلُ الرِّجلين جميعاً، والله أعلم.
فَإِنْ عَسُرَ وَخَشِيَ الْفَوَاتَ فَكَالْجَبِيرَةِ. وَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ. وَقِيلَ: يُمَزِّقُهُ
يعني: (فَإِنْ عَسُرَ) نزعُ الخفِّ الآخرِ بعد أن نَزَعَ واحداً، وخشي فواتَ [٣٧/ أ] الوقتِ، فقيل: يَغسل التي نَزَعَ منها الخفَّ، ويَمسح الأخرى قياساً على الجبيرةِ بجامِعِ تَعَذُّرِ الغُسْلِ على ما تَحْتِ الحائلِ، قاله أبو العباس الإِبِّيَانِيّ.
(وَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ) إعطاءَ لسائِرِ الأعضاءِ حُكْمَ ما تَحْتَ الخُفِّ؛ لأن الحقيقةَ المُرَكَّبَةَ إذا بطل جزؤها بطلتْ كلُّها. (وَقِيلَ: يُمَزِّقُهُ) احتياطاً للعبادةِ.
ابن يونس: واستحسنَ بعضُ فقهائِنا إن كان قليلَ الثَّمَنِ يمزقُه، وإن كان لغيرِه فيغرمُ قيمتَه، وإن كان كثيرَ الثَّمَنِ فيمسحُ عليه كالجبيرةِ. انتهى. وهو الأظهرُ.
وَيَمْسَحُ عَلَى جِرَاحِهِ إِنْ قَدَرَ فَإِنْ خَشِيَ مَسَّ الْمَاءِ فَعَلَى الْجَبَائِرِ وَشِبْهِهَا كَالْمَرَارَةِ وَالْقِرْطَاسِ عَلَى الْجَبِينِ لِلْمَرِيضِ، وَعَلَى عِصَابَةِ الْجَبَائِر إِنِ احْتَاجَتْ وَلَوِ انْتَشَرَتْ، وَعَلَى عِصَابَةِ الْفِصَادَةِ إِنْ خَافَهَا فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَإِنْ شُدَّتْ بغَيْرِ طَهَارَةٍ .......
يعني- والله أعلم- إنما يُخشى في هذا الباب مثلُ ما يُخشى مِن الضررِ الناقلِ إلى التيمم وِفاقاً وخِلاَفاً، وقد تقدم.
وقوله: (وَعَلَى عِصَابَةِ الْجَبَائِر) لأنها لا تَثْبُتُ الجبيرةُ إلا بها. ثم فَسَّرَ شِبْهَ الجبائرِ بالمرارَةِ تُجْعَلُ على الظُّفْرِ، والقرطاس يُجْعَلُ على الصُّدْغِ.
وقوله: (وَإِنْ شُدَّتْ بغَيْرِ طَهَارَةٍ) لأن سببَها ضروريٌّ بخلافِ الخُفِّ.
стр. 231
ابن عبد السلام: ومِن هنا يُؤْخَذُ الحُكْمُ في مَن برأسِهِ عِلَّةٌ لا يَستطيعُ معها غسلُه بالماء في الطهارةِ الكبرى أنه يَنْتَقِلُ إلى المَسْحِ، خلافَ ما في أسئلة ابن رشد أنه يَنْتَقِلُ إلى التيمم. وبالأوَّلِ كان يُفتي أكثرُ مَن لقيناه.
فَإِنْ كَانَ يَتَضَرَّرُ بِمَسِّهَا أَوْ لا تَثْبُتُ أَوْ لا يُمْكِنُ، وَهِيَ فِي أَعْضَاء التَّيَمُّمِ تَرَكَهَا وَغَسَلَ مَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهَا فَثَالِثُهَا: يَتَيَمَّمُ إِنْ كَانَ كَثِيراً، وَرَابعُهَا: يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَاء وَالتَّيَمُّمِ .....
الضمير في (مَسِّهَا) عائدٌ على الجراحِ، وفي (تَثْبُتُ) عائدٌ على الجبائرِ.
وقوله: (أَوْ لا تَثْبُتُ) صوابه: ولا تَثْبُتُ على الجَمْعِ، وإن كان الواقعُ فيما رأيتُ إثباتَ الأَلِفِ؛ لأنه إذا كان لا يَقْدِرُ على مَسِّ الجِرَاحِ لا يَكفيه ذلك في جوازِ تَرْكِ المَسْحِ، بل لا بُدَّ مع ذلك مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إما أن تكون الجبيرةُ لا تَثْبُتُ كما لو كانت تحت المَارِنِ، أو كانت لا تُمكنُ أَصْلاً كما لو كانت في أَشْفَارِ العَيْنِ.
فقوله: (لا يُمْكِنُ) عطفٌ على قوله: (لا تَثْبُتُ) وأَحَدُهما- لا بِعَيْنِه- قَيْدٌ في قوله: (يَتَضَرَّرُ).
وحاصلُ كلامِه صورتان: إحداهما: لا يُمكنه مَسُّ الجراحِ، ولا تَثْبُتُ عليها جبيرةٌ أصلاً. والثانية: لا يُمكنه غَسْلُها ولا يُمكن أن تكون فيه جبيرةٌ أَصْلاً. ويُؤيد هذا كلامُ صاحبِ الجواهرِ قال: إن كان الموضعُ لا يُمكنه وضعُ شيءٍ عليه ولا ملاقاته بالماءِ فإِنْ كان في موضعِ التيممِ- ولم يُمكن مسحهُ بالتراب- فليس له إلا الوضوءُ وتَرْكُه بلا مَسْحٍ، ولا غُسْلٍ. انتهى.
فإن قلتَ: فعلى هذا قول المصنف (ولا يمكن) أي: المسحُ بالتراب ليكون موافقاً لصاحب الجواهر- قيل: الظاهرُ أنه لا يُريد هذا، إِذْ هو حَذْفُ مالا دليل عليه، وهو غيرُ
стр. 232
جائزٍ. وعلى هذا فالظاهرُ أنه لم يَتْبَعَ ابنَ شاسٍ هنا، وأن الضمير في (مسها) عائدٌ على الجبائر، لا على الجراح، ويكون كلامهُ باقياً على ظاهرِه، ويكون محتوياً على ثلاثِ صُوَرٍ، والله أعلم.
وقولُ ابن شاس: فليس إلا الوضوء. هو كقول المصنف: (تَرَكَهَا وَغَسَلَ مَا سِوَاهَا) يريد أنه لو تَيمم تَرَكَها أيضاً، فالوضوءُ الناقصُ أَوْلَى مِن التيممِ الناقصِ.
وإِنْ كانت في غيرِ أعضاءِ التيمم كالرأسِ والرجلين فأربعةُ أقوالٍ: قيل يَتيمم ليأتي بطهارةٍ كاملةٍ. وقيل: يَغسل ما صَحَّ، ويَسقط موضعُ الجبيرةِ؛ لأن التيممَ إنما يكون مع عَدَمِ الماءِ. والقولُ بالتفرقةِ مبنيٌّ على أن الأقلَّ تابعٌ للأكثرِ. والرابعُ مبنيٌّ على الاحتياط. ولم أَرَ هذه الأقوالَ مَعْزُوَّةً، ولم يَحْكِ ابنُ شاسٍ الثالثَ.
فإِنْ قُلْتُ: قد تَقَدَّمَ في باب التيمم أنه لا يَنقلُ مِن الجِراحِ أو الشِّجاجِ إليه إلا ما كَثُرَ مِثْلُ أَنْ يَبْقَى له يَدٌ أو رِجْلٌ، والخلافُ هنا مطلَقٌ بدليلِ القولِ الثالثِ.
فالجوابُ أَنَّهُ إِنما قَيَّدَ هنالك المتألمَ بأن يكون أكثرَ؛ لأن المسحَ ممكنٌ، وأَطلقَ هنا لأنه لا يُمْكِنُ فيه، فلا يَبْعُدُ أن يكون اليسيرُ هنا كالكثيرِ هناك، والله أعلم.
فَإِذَا صَحَّ غَسَلَ وَمَسَحَ الرَّاسَ فِي الْوُضُوء
قوله: (غَسَلَ) أي: ما مَسَحَه مما هو في الأصلِ مغسولٌ.
وقوله: (وَمَسَحَ الرَّاسَ فِي الْوُضُوء) ينبغي أن تكون الأذنان كذلك، وكأنه إنما اقتصر على الرأسِ لكونِه فرضاً، وحاصلُه أنه يَبْنِي كما في المَسْحِ على الخفين.
ابن عبد السلام: ولا خلافَ أَعلمُه فيه.
стр. 233
وَإِنْ سَقَطَتِ الْجَبِيرَةُ قَطَعَ الصَّلاةَ وَرَدَّهَا وَمَسَحَ
أمَّا قَطْعُ الصلاةِ فلأَنَّ الجبيرةَ لمَّا سقطتْ تَعَلَّقَ بذلك المحلِ الحدثُ، فلَمْ يَبْقَ شَرْطُ الصلاةِ بالنسبةِ إلى ما بَقِىَ مِن الصلاةِ.
وَلَوْ صَحَّ وَنَسِيَ غَسْلَهَا وَكَانَ عَنْ جَنَابَةٍ، فَفِيهَا: إِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ لا يُصِيبُهُ الْوُضُوءُ أَعَادَ كُلْمَا صَلَّى. يُرِيدُ غَسْلَ الْوُضُوءِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي مَغْسُولِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ، وَأَعَادَ مَا قَبْلَهُ ....
كان يَنبغي أَنْ يَجعلَ هذا الفرعَ بإِثْرِ قولِه: (فَإِذَا صَحَّ غَسَلَ وَمَسَحَ) لأنه مُفَرَّعٌ عليه، وإدخالُه مسألةَ سقوطِ الجبيرة بينهما ليس بجَيِّد، وكأنه تَبعَ في ذلك ابنَ شاس.
والضمير في (غَسْلَهَا) عائدٌ على الجِرَاحِ، واسم كان يحتمل أن يكون عائداً على الغسلِ، ويحتمل أن يَعود على الحَدَثِ المفهومِ مِن السياقِ. وينتهي لفظ المدونة عند قوله: (كُلْمَا صَلَّى).
وقوله: (يُرِيدُ غَسْلَ الْوُضُوءِ) يعني أن مالكاً يُريد بقولِه: (لا يُصِيبُهُ الْوُضُوءُ) غَسْلَ الوضوءِ، إذا لو كانت [٣٧/ب] في الرأسِ- ومَسَحَ عليها- صَدَقَ أن الوضوءَ أصابها، وليس هو المراد. وإنما أَجزأ غَسْلَ الوضوءِ عن غَسْلِ محلِّه للجنابةِ- وإن كانت موانعُ الجنابةِ أكثرَ- لأن الفِعْلَ فيهما واحدٌ، وهما فرضان، فنَابَ أحدُهما عن الآخَرِ.
وانظرْ هل يَجْرِي في هذه المسألة خلافٌ مِن مسألةِ ما إذا نَوَتِ الجَنَابَةَ دُونَ الحَيْضِ؟ وخالفَ الباجيُّ في هذه المسألةِ، ورآها كمسألةِ التيممِ التي تأتي.
ومما يَنْخَرِطُ في هذا المسلكِ ما حُكِيَ عن الشيخين الجليلين أبي علي ابنِ القَدَّاحِ وأبي الحسنِ المنتصرِ فيمن بقيت عليه لمُعَةٌ، فلما غَسَلَها بنيةِ الوضوءِ أَحْدَثَ قَبْلَ كَمالِ الطهارةِ. فقال أبو علي: إِنْ قلنا: إِنَّ الحدثَ لا يَرتفع إلا بالإكمالِ. لم تَطْهُرِ اللمعةُ مِن الجنابةِ، وإن قلنا: يَرتفع حدثُ كلِّ عُضْوٍ بالفراغِ منه. ارتَفَعَتْ جنابةُ اللمعةِ.
стр. 234
وقال أبو الحسن: تَطْهُرُ لمعةُ الجنابةِ مطلقاً؛ لأنها غُسِلَتْ بنيةِ الفرضِ، وكذلك أيضاً إذا لَزِمَه مَسْحُ الرأسِ في الغسلِ لضررٍ به فَنَسِيَه، ثم مَسَحَه في الوضوء. فأفتى أبو الحسن بعدمِ الإجزاءِ، وأفتى أبو علي بالإجزاءِ. وبه قال ابنُ عبد السلام.
وَاعْتُرِضَ بمَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بأَنَّ تَيَمُّمَ الْوُضُوءِ كَالْوُضُوءِ وَبأَنَّهُ بَدَلٌ
يعني: إذا تيمم لاستجابةِ الصلاةِ مِن الحدثِ الأصغرِ ناسياً للحدثِ الأكبرِ، وقد تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورِ عدمُ الإجزاءِ، فيُقالُ عليه: إِنَّ نيةَ الحدثِ الأصغرِ إما أن تَنُوَب عن الحدثِ الأكبرِ أَوْ لا. والأولُ يُوجب الاكتفاءَ بالتيمم في المسألة المذكورة، والثاني يوجب عدمَ الاكتفاءِ بغسلِ الوضوءِ. وفُرِّقَ بوجهين: الأولُ: أن تيممَ الوضوءِ كالوضوءِ، وهو لو تَوَضَّأَ ينوي الجنابةَ لَمْ يُجْزِهِ، فأَحْرَى البَدَلُ، وأما مسألةُ الجبيرةِ فالمطلوبُ في الوضوءِ والغسلِ إنما هو غَسْلُ محلِّها، والفرضُ أنه غَسَلَه بنيةِ رَفْعِ الحَدَثِ، فصحَّ الاكتفاءُ بغَسْلِها في الوضوءِ عن غَسلِها في الجنابة. والثاني: أنه بدل، والضمير في (أنه) عائدٌ على تيممِ الوضوء، وهو كلام يحتمل أن يُوجه على معنيين:
الأول- وهو الأظهر: أن التيممَ بَدَلٌ، والجنابةَ أصلٌ، فلا يَنُوبُ عن أصلٍ بخلافٍ غسلِ الوضوء، فإنه أَصْلٌ يَنُوبُ عن أصلٍ.
والثاني- وهو الذي قاله ابن عبد السلام: أن البدلَ لا بُدَّ أن يُذكر عند الإتيان بالأصل الذي هو بَدَلٌ عنه، فَشَرْطُ صِحَّةِ التيممِ في المسألةِ المفروضةِ، أنْ ينوي أنَّ هذا التيممَ بَدَلٌ عن الحدثِ الأكبرِ، وقد فاتَه، ولا بَدَليَّةَ في مسألةِ الجبائرِ، بل كلُّ واحدٍ مِن الغَسْلَيْنِ أَصْلٌ.
ثم قال: وقد بَقِيَ هنا شيءٌ، وهو: إِنْ َصَحَّ هذا الفرقُ لَزِمَ طَرْدُه في كلِّ بَدَلٍ مع أصلِه، فيَلزم المكفِّرَ في الظهار بالصوم أن يَنويَ بَدَليَّتَه عَن العتقِ، وفي الإطعامِ بدليتهَ عن
стр. 235
الصومِ، وكذلك سائرُ الكفاراتِ المُرَتَّبِة، والصومُ مع الهَدْيِ، إِلا أَنْ يُقال: الموجِبُ لهذا في التيممِ كونُه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، كما أشار إليه بعضُهم. وفيه مع ذلك نظرٌ؛ إِذْ لا مناسبةَ تُوجِبُ هذا في هذا الموضعِ دونَ غيرِه.
خليل: وقد يُقال أيضاً في الفَرْقِ أنَّ غَسْلَ اللُّمْعَةِ في الجنابةِ استَنَدَ إلى شيءٍ قد تمَّ بدليلِ صحةِ ما وقع مِن العباداتِ قَبْلَ النَّزْعِ فيبقَى معنا أَصْلُ مُتَقَدِّمٌ ناسَبَ أن يُبْنَى عليه، بخلاف تيممِ الوضوءِ، فإنه لم يتقدم قَبْلَه شيءٌ، والله اعلم.
الْحَيْضُ الدَّمُ الْخَارِجُ بِنَفْسِهِ مِنْ فَرْجِ الْمُمْكِنِ حَمْلُهَا عَادَةً غَيْرُ زَائِدٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً مِنْ غَيْرِ وِلادَةٍ ....
(الْحَيْضُ): لغةً: السَّيَلاَنُ. قيل: أصلُه مأخوذٌ مِن قولِ العربِ: حاضَتِ السَّمُرَةُ، إذا خَرَجَ منها ماءٌ أحمرُ، فكأنه مِنَ الحُمْرَةِ.
عياض: ولعل السمرة إنما شُبِّهَتْ بالمرأةِ لهذا.
وقيل: الحيضُ والمحيضُ اجتماعُ الدَّمِ هناك، ومنه سُمِّيَ الحوضُ حوضاً لاجتماعِ الماءِ فيه. انتهى.
ورُدَّ الأخيرُ بأنَّ الحوضَ مِن ذوات الواو، والحيضَ مِن ذوات الياءِ، فهما متباينان. وقد جَعَلَهما صاحبُ الصِّحَاحِ في بابين.
وحدُّه شرعاً ما ذكره؛ فالدمُ الخارجُ كالجِنْسِ، ويُخْرَجُ به غيرُ الدّمِ.
وأَخْرَجَ بقوله: (بِنَفْسِهِ) الخارجَ في النِّفَاسِ؛ لأنه بسببِ الولادةِ، أو بشيءٍ كَدَم العُذْرَةِ.
ومن ثَمَّ أجاب شيخُنا- ﵀ لما سُئِلَ عن امرأةٍ عالجتْ دمَ الحيضِ: هل تَبْرَأُ مِن العِدَّةِ؟ فأجاب: بأن الظاهرَ أنها لا تَحِلُّ. وتَوَقَّفَ- ﵀ عن تَرْكِ الصلاةِ
стр. 236
والصيامِ. والظاهرُ على بَحْثِه أن لا يُتْرَكا، وإنما قال: الظاهرُ؛ لاحتمالِ أن استعجالَه لا يُخرجه عن دمِ الحيضِ كإسهالِ البَطْنِ.
وقوله: (مِنْ فَرْجِ) يُخرج الخارجَ لا مِن الفرج كالدُّبُرِ ونحوِه؛ لأن مرادَه القُبْلَ. والأحسنُ أن لو قال: مِنْ قُبُلٍ. لِصِدْقِ الفَرْجِ على الدُّبُرِ.
وقوله: (الْمُمْكِنِ حَمْلُهَا عَادَةً) يُخرج اليائسةَ والصغيرةَ؛ لأنَّ ما يَخرج منهما لا يُسَمَّى حيضاً.
وقوله: (غَيْرُ زَائِدٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً) أي على الْمَشْهُورِ، يُخرج دمَ الاستحاضة وهذا- والله أعلم- حدُّ الغالب، وإلا فحيضُ الحَمْلِ أكثرُ، كما سيأتي.
وقوله: (مِنْ غَيْرِ وِلادَةٍ) زيادةُ بيانٍ، وإلا فهو خارجٌ بقوله: (بِنَفْسِهِ).
وأُورِدَ عليه أنه غيرُ مانعٍ لدخولِ نوعٍ مِنْ دَمِ الاستحاضةِ، وهو ما زاد على دمِ العادةِ، والاستظهارِ إذا كان أقلَّ مِنْ خمسةَ عشرَ يوماً. وأُجيب بأن ذلك نادرٌ فلا يَرِدُ.
واعتُرِضَ عليه في استعمال لفظة (بنَفْسِهِ) في غيرِ محلِّها؛ لأن النفسَ والعينَ إنما يُستعملان في التأكيد، أو حالاً مؤكدة، كقوله: هذا وجَدَّكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ.
ابن هارون: وقد يُجاب عنه بأن هذه النفسَ والعينَ ليست المذكورةَ [٣٨/ أ] في التأكيدِ؛ لأن التي في التأكيدِ بمعنى الحقيقةِ إِذْ أَنها إِنما يُؤتى بها لرفعِ تَوَهُّمِ الَمجازِ، بخلافِ هذه.
فَدَمُ بِنْتِ سِتٍّ وَنَحْوِهَا، وَاليَائِسَةِ كَبِنْتِ السَّبْعِينَ- وَقِيلَ: الْخَمْسِينَ- لَيْسَ بِحَيْضٍ
لأن كُلاًّ منهما لا يُمكنُ حَمْلُها في العادةِ.
وقوله: (السَّبْعِينَ) قال ابن رشد: والستين. والقولُ بالخمسين لابنِ شعبانَ. ووَجْهُه قولُ عمرَ بنِ الخطاب ﵁: ابنةُ الخمسينَ عجوزٌ في الغابرينَ. وقولُ عائشةَ: قَلَّ امرأةٌ تُجَاوِزُ الخمسين فتحيضُ إلا أن تكونَ قُرَشِيَّةً.
стр. 237
وما ذكره المصنف من قوله: (لَيْسَ بِحَيْضٍ) هو متفقٌ عليه في الصغيرةِ، وأما الآيِسَةُ فكذلك أيضاً بالنسبة إلى العِدَّةِ، لأن اللهَ تعالى جَعَلَ عَدَّتَها ثلاثةَ أشهرٍ.
واختُلِفَ في العبادةِ، فالْمَشْهُورِ كما قال المصنفُ، وكذلك قال ابن القاسم: إذا انْقَطَعَ هذا الدمُ لا غُسْلَ عليها.
وروى ابنُ المواز عن مالك أنها تَتْرُكُ الصلاةَ والصومَ، وعليه فيجب عليها الغُسْلُ عند انقطاعِه، وبذلك صرحَ ابنُ حبيبٍ.
وَأَقَلُّ مُدَّتِهِ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرُ مَحْدُودٍ فَالدَّفْعَةُ حَيْضٌ، وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضٌ: وَحْدَهُ، أَوْ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا ...
الفاء في قوله (فَالدَّفْعَةُ) للسببية، أي بسبب أن أَقَلَّه غيرُ محدود، كانت الدَّفْعَةُ حيضاً. ويحتمل أن يقال- على بُعْدٍ- لما كان قوله: (غير زائد على خمسة عشر يوماً) يُوجب أن يَكون ما قَصُرَ عن ذلك حيضاً، فالدفعةُ داخلةٌ في ذلك. ولا يقال: إذا كانت الدفعةُ حيضاً، ولا أقلَّ مِن ذلك، فالدفعةُ حَدٌّ لأَقَلِّه، لأنا نقول: إنما يُريد أنَّ أَقَلَّه لا حَدَّ له بالزمانِ، واحترز بالعبادةِ مِن العِدَّةِ، وسيأتي.
وقوله: (وَالصُّفْرَةُ) إلى آخرِه ظاهرُ التصورِ.
ابن بزيزة: والْمَشْهُورِ أن الصفرةَ والكدرةَ حيضٌ اعتماداً على حديثِ عائشةَ ﵂ الذي رواه مالكٌ في موطئِه.
وقد قيل: إنها لَغْوٌ؛ اعتماداً على حديثِ أمِّ عطيةَ في الصحيح، قالت: كنا لا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ والكُدْرَةَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ شيئاً.
وقد قيل: إنها إِنْ كانت في أيامِ الحَيْضِ فهي حَيْضٌ، وإلا فهي استحاضةٌ. انتهى.
стр. 238
وقال ابن راشد: لا خلافَ عندنا في أن الصفرةَ والكدرةَ حيضٌ ما لم تَرهُ عَقِبَ طُهْرِها. فإِنْ لم يَمْضِ مِن الزمان ما يكون طهراً، فقد قال ابن الماجشون: إن رأت عَقِبَ طهرِها قطرةً مِن دَم كالغُسَالَةِ- لم يَجِبْ عليها غُسْلٌ، وإنما يَجِبُ عليها الوضوءُ لقولِ أمِّ عطيةَ: كنا لا نَعُدُّ الصفرةَ والكدرةَ بَعْدَ الطُّهْرِ حيضاً. انتهى. فانْظُرْه مع كلام ابن بزيزة.
وقوله: (وَحْدَهُ، أَوْ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا) أي: سواءٌ كانت الصفرةُ والكدرةُ وَحْدَها لم يَتَقَدَّمْها دَمٌ، أو كانت في أيامِ الدمِ كذلك.
وعلى هذا فتذكيرُ الضميرِ مُشْكِلٌ، وإنما كان ينبغي أن يقول: وَحْدَهما. ولعله أعاده على المفهومِ، أي سواءٌ كان المذكورُ وحدَه، على حَدِّ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ (النحل: ٦٧).
وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً عَلَى الْمَشْهُورِ، وَخُرِّجَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَأَكْثَرُ الطُّهْرِ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَأَقَلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً عَلَى الْمَشْهُورِ، ابْنُ حَبيبٍ: عَشَرَةٌ. سَحْنُونٌ: ثَمَانِيَةٌ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ: خَمْسَةٌ. وَقِيلَ: تُسْأَلُ النِّسَاءُ
قوله: (وَأَكْثَرُهُ) إلى آخره، أي: من حيث الجملة، وإلا فالْمَشْهُورِ التفرقةُ بين المبتدأةِ والمعتادةِ كما سيأتي، ويَرِدُ عليه الحاملُ، وسيتضحُ لك التخريجُ مِن قولِ ابنِ نافعٍ، على أَنَّ في نَقْلِه تَرَدُّداً سيأتي.
وأما الطهرُ فلا حَدَّ لأكثرِه؛ لجوازِ عَدَمِ الحيضِ، وأقلُّه خمسةَ عشرَ يوماً. ونقل المصنفُ وغيرُه أنه الْمَشْهُورِ، وحكاه في الجلاب عن ابنِ مسلمة، وأكثرِ أصحاب مالك المتأخرين، قال في التلقين: وهو الظاهرُ مِن المذهبِ.
ابن عبد السلام: وأكثرُ النصوص في الكتب الْمَشْهُورِةِ إنما هو القولُ الأخيرُ، ورجحه ابنُ عطاء الله. ومنشأُ الخلافِ اختلافُ العوائدِ، فكلٌّ أفتى بما عنده مِن العادةِ.
стр. 239
تنبيه:
اعلم أن بابَ العبادةِ وباب العِدَدِ إنما يختلفان في مقدارِ الحيضِ، وأما في الطهرِ فلا، ولذلك قال المصنف في أقل الحيض: (وأقلُّ مدتِه في العبادة غيرُ محدودٍ) ولم يقُلْ ذلك في الطُّهْرِ.
قال في باب العِدَدِ بعد أن ذَكَرَ حُكم الحيضِ بالنسبة إلى العِدَدِ والاستبراِء: (وقد تقدم الطهر في الحيض) تنبيهاً منه- ﵀ على مساواةِ البابين في الطُّهْرِ. فمَنْ يَقولُ: إن الطهرَ أقلُّه خمسةَ عشرَ يوماً، أو عشرةٌ، أو ثمانيةٌ لا يُفَرِّقُ في ذلك بَيْنَ البابين.
فإن قلتَ: هذا لا يَظهر له معنى، بل الذي يَظهر أن الطهرَ في بابِ العبادةِ لا حَدَّ له، إِذْ لا خِلافَ أنها لو طَهُرَتْ يوماً صَلَّتْ فيه.
فالجوابُ أن الفائدةَ في ذلك تَظْهَرُ في المنقَطِعِ حيضُها إذا بلغتْ أكثرَ الحيضِ، فإنها حينئذٍ تُصَلِّي في يومِ دَمِها، وفي يومِ طهرِها. ولو كان كما توهمتَ مِنْ أَنَّ أقلَّ الطهرِ في العبادةِ غيرُ محدودٍ لما كانتْ تُصلي في يومِ دمِها؛ لأنه أَتَى بعد طهرٍ على ما توهمتَ، ولا خفاءَ في فسادِه.
نعم أَوْرَدَ بعضُ الأشياخِ سؤالاً، فقال: إذا قلتم: تُصلي في يومِ طهرِها، فلا يَخْلُو أن تَحْكُموا لها فيه بالطهرِ أو بالحيضِ، وضدان لا يَجتمعان، ولا جَائِزَ إلى الأولِ؛ لأنَّ أقلَّ الطهرِ خمسة عشرَ يوماً على الْمَشْهُورِ، ولا إلى الثاني، وإلا لَزِمَ أن تَقضي الصلاة. ويُجابُ عنه باختيارِ القسمِ الأولِ، ويَكون طهراً بانضمامِه إلى ما بَعْدَه إِذِ الجميعُ طهرٌ واحدٌ، والله أعلم.
وَالنِّسَاءُ: مُبْتَدَأَةٌ، وَمُعْتَادَةٌ [٣٨/ب] وَحَامِلٌ. فَالْمُبَتَدَأَةُ إِنْ تَمَادَى فَفيها خَمْسَةَ عَشَرَ. وَرَوَى ابْنُ زِيَادٍ: تَطْهُرُ لِعَادَة لِدَاتِهَا. وَرَوَى ابْنُ وَهْبِ: وَثَلاثَةُ أَيَّامٍ اسْتِظْهَاراً
قَدَّم المبتدأةَ لتَقَدُّمِ أمرِها على المعتادة، وأَخَّرَ الحاملَ لندورِ أمرِها، والْمَشْهُورِ مذهبُ المدونةِ: أن المبتدأة إذا تَمَادَى بها الدمُ تمكثُ خمسةَ عشرَ يوماً. ورَأَى في روايةِ ابنِ زيادٍ أن الطباعَ
стр. 240
لا تَختلف كاستوائِهن في النومِ واليقظةِ، والألمِ واللذةِ، ويَغْلِبُ على الظن أن الدمَ الزائدَ دَمُ عِلَّةٍ وفسادٍ. واللِّدَاتُ هن الأَتَرابُ، وهن ذواتُ أسنانِها. ابن الجلاب: مِن أهلِها، وغيرِهن.
وقال اللخمي: لو قيل: ينظر إلى ما كان عليه أمهاتُها وأخواتُها وعماتُها لكان حَسَناً.
والاستظهارُ استفعالٌ، مِن الظَّهِيرِ: وهو البرهانُ. فكأنَّ أيامَ الاستظهارِ برهانٌ على تمامِ الحيضِ. وفي التنزيل: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [لتحريم: ٤]
والاستظهارُ- على رواية ابن وهب- مشروطٌ بأن لا يزيدَ على خمسة عشر يوماً.
والْمُعْتَادَةُ إِنْ تَمَادَى فَخَمْسَةٌ، فِيهَا رِوَايَتَانِ: خَمْسَةَ عَشَرَ، ورَجَعَ إِلَى عَادَتِهَا مَعَ الاسْتِظْهَارِ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى خَمْسَةُ عَشَرَ يَوْماً فَقِيلَ: عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا. وقِيلَ: عَلَى أَقَلِّهَا. وأَيَّامُ الاسْتِظْهَارِ عِنْدَ قَائِلِهِ حَيْضٌ، ومَا بَيْنَهَا وبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ قِيلَ: طَاهِرٌ. وقِيلَ: تَحْتَاطُ فَتَصُومُ وتَقْضِي وتُصَلِّي وتَمْنَعُ الزَّوْجَ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ثَانِياً
يعني: أن في المعتادة إذا تمادى بها الدمُ خمسةَ أقوالٍ، فيها- أي في دولة المدونة- من الخمسةِ روايتان: الأُوَلى: تَمكث خمسة عشر يوماً. والثانية: رجع إليها، وهي الْمَشْهُورِةُ، تمكثُ عادتَها مع الاستظهارِ بثلاثةِ أيامٍ ما لم يَزْدَدْ على خمسةَ عشرَ يوماً، وهو الْمَشْهُورِ، فتَسْتَظْهِرُ بثلاثةِ أيامٍ إذا كانت العادةُ اثني عشرَ فأقلَّ. وإن كانت ثلاثة عشر استَظْهَرَتْ بيومين، وإن كانت أربعة عشر فبيومٍ واحدٍ. وإلى هذا أشار بقوله: (مَعَ الاسْتِظْهَارِ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى خَمْسَةُ عَشَرَ يَوْماً).
واستَضْعَفَ التونسيُّ الاستظهارَ على أقلِّ العادةِ؛ لأنه قد يكون بينَ الأقلِّ والأكثرِ أكثرُ مِن مُدَّةِ الاستظهارِ، فإذا بَنَتْ على القليلِ احتمل أن يكون هذا الدمُ مِن العادةِ الكثيرةِ، فتَفْعَلُ أفعالَ الطاهرِ وهي حائضٌ. وأُجيب بأنَّ معنى المسألة: مَنْ تَخْتَلِفُ عادتُها في الفصولِ فتحيضُ في الصيف مثلاً عشرةً، وفي الشتاءِ ثمانيةً، فإن تَمادى بها الدمُ في الشتاءِ فاختُلف على ما ذُكِرَ، وأما إن تمادى بها في فصلِ الأكثرِ فلا خلافَ أنها تَبْنِي على الأكثرِ.
стр. 241
وعلى هذا فقولُه: (فَقِيلَ: عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا. وقِيلَ: عَلَى أَقَلِّهَا) فَرْعٌ على الْمَشْهُورِ، أي: إذا بَنَيْنَا على الْمَشْهُورِ مِن الاستظهارِ على عادتِها، فاختُلِفَ إذا اختلفتْ عادتُها في الفُصُولِ على أيِّ العادَتَيْنِ تَبْنِي، والقولُ بالأكثرِ مذهبُ المدونةِ، وبالأقلِّ مذهبُ ابن حبيب.
قال ابن رشد: وذهب ابنُ لبابة إلى أنها تَغتسل عند أقلِّ أيامِها مِنْ غيرِ استظهارٍ، وهو خطأٌ، صَرَّحَ به ابنُ هارون.
واتُّفِقَ على أَنَّ أيامَ الاستظهارِ حيضٌ عِنْدَ مَنْ قال به.
وقوله: (وما بينه وبين خمسة عشر يومًا) إلى آخره، يعني أنه اختُلف – على الْمَشْهُورِ – إذا قلنا بالاستظهارِ على العادةِ فيما بين العادة وتمامِ خمسة عشر يومًا، فقيل: حكمُها حكمُ الطاهِر في تَوَجُّهِ الصلاةِ والصومِ وعدمِ القضاءِ وإتيانِ الزوجِ، وهو مذهبُ المدونة في الطهارة، ونصُّ قولِ ابنِ القاسم في الموازية، وظاهرُ المدونة في الحجِّ لقولِه: إذا حاضت قَبْلَ طوافِ الإفاضةِ أَنَّ كَرِيَّهَا يُحْبَسُ عليها قَدْرَ أيامِها والاستظهارِ، ثم تَطُوفُ. وقيل: تحتاطُ: فتصومُ لاحتمالِ الطهارةِ، وتقضي لاحتمال الحيضِ، وتصلي لاحتمالِ الطهارةِ، ولا تقضي لأنها إِنْ كانت طاهرًا فقد صَلَّتْ، وإن كانت حائضًا فلا أداءَ ولا قضاءَ. وتَمْنَعُ الزوجَ لاحتمالِ الحيضِ، وتغتسلُ عند انقطاعِه لاحتمالِ الحيضِ. وفَهِمَ الأبهريُّ وابنُ الجهم واللخمي وغيرُهم روايةَ ابنِ وهب التي في المدونةِ على هذا القولِ، وعَبَّرَ المازري عن هذين القولينِ بأنه اختُلِفَ في الزائدِ هل هو استحاضةٌ قَطْعاَ أو احتياطًا.
وذَكَرَ مِن ثمرتِه ما ذَكَرَ المصنفُ، ثم قال: ومِن ثمرتِه قضاءُ الصومِ والصلاةِ، فإن منهم مَن أَمَرَ بقضائِها كما حكيناه، ومنهم مَنْ عَدَّها استحاضةً قطعًا فلم يَأَمُرْها بالقضاءِ.
ومِنْ ثمرتِه: هل تغتسلُ؟ قال ابنُ الجهم: تغتسلُ عند الخمسةَ عشرَ يومًا غسلاً هو الواجبُ عليها بناءً على أنها مستحاضةٌ احتياطًا.
стр. 242
وقد عَبَّرَ بعضُهم عن هذه الطريقة بأن الغسلَ عند انقطاعِ أيامِ اللَّداتِ مستحبٌّ، وعند الخمسةَ عشر واجبٌ. قال المارزي: وهذه العبارةُ يجب– عندي– أن تُحَقَّقَ لئلا يغلطُ مَن لا دِرَايَةَ له بالحقائقِ، فيتوهمُ أن الغُسْلَ مستحبٌّ، فلا تَاثَمُ إن صلتْ بغير غُسْلٍ، وهي متى صَلَّتْ مِنْ غيرِ غُسْلٍ أَثِمَتْ بإجماعٍ؛ لأنها حائضٌ صَلَّتْ بغيرِ غُسْلٍ بإجماعٍ، والصلاةُ وإن كانت عند هؤلاء غيرَ واجبةٍ، فالطهارةُ لها واجبةٌ على مَن أراد الشروعَ فيها. ولعل معنى قولِ هؤلاء: الغُسْلُ مُسْتَحَبٌّ: أنها لو تَرَكَتْهُ لِتَرْكِها الصلاةَ لم تَاثَمْ، فهذا الإطلاقُ يجب أن يُحَقَّقَ هكذا.
وأمَّا مَنْ حَكَمَ بأنها مستحاضةٌ قطعًا فلا ريبَ عنده في وجوبِ الغسلِ؛ لاعتقادِه وجوبَ الصلاةِ عليها.
ومن ثمرةِ الخلاف أيضاً: إذا وجبت عليها عِدَّةٌ– كان مبتدأُ الطهر الذي هو عدتُها عند انقضاءِ أيامِ لِدَاتِها عِنْدَ مَنْ رآها مستحاضةً قطعًا، وبعد ذَهابِ [٣٩/ أ] الخمسة عشر يومًا عند مَن رآها مستحاضةً احتياطًا.
قال: ومِن ثمرته أيضاً– عندي– طلاقُها حينئذٍ، هل يُجبر الزوجُ فيه على الرجعةِ؟ فعلى الاستحاضةِ المحققةِ لا يُجْبَرُ. وهذا كلُّه– وإن ذكره المازري في المبتدأةِ– فلا فرقَ بينها وبين المعتادةِ في ذلك، والله أعلم.
والثَّالِثُ: عَادَتُهَا خَاصَّةً، وفِيمَا بَيْنَهَا وبَيْنَ الخَمْسَةَ عَشَرَ القَوْلانِ. والرَّابعُ: خَمْسَةَ عَشَرَ واسْتِظْهَارُ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. والْخَامِسُ: قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: واسْتِظْهَارُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. وأَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ ....
نَسَبَ اللخمي القولَ الثالثَ لابن عبد الحكم.
стр. 243
وقوله: (القَوْلانِ) أي: المتقدمان، الجزمُ بالطُّهْرِ والاحتياطُ. والضمير المجرور في (بينها) عائدٌ على العادةِ. والرابعُ قول مالكٍ في كتاب الحج من الموازية.
وقوله: (يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) أي: لا تَزيدُ عليهما ولا تَنقص مِن اليومين، وتُخَيَّرُ فيهما.
ودلت الواو من قوله: (واسْتِظْهَارُ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) أن هذا الاستظهارَ بَعْدَ الخمسةَ عشرَ يومًا، وكذلك قال ابنُ نافع. والتخييرُ مُشْكِلٌ، ولعل ذلك بحَسَبِ رائحتِه وخِفَّتِه، وثخانتِه ورِقَّتِه. والظاهرُ أنّ إنكارَ سحنونٍ الخامسَ مِنْ حيثُ النَّقْلُ.
المازري بعد أن حكى عن ابن نافع ما حكاه المصنف: هكذا نَقَلَه عنه ابنُ حارث وبعضُ أشياخي. وأنكر بعضُهم أن يكون ابنُ نافع حَدَّ الاستظهارَ بحَدٍّ، قال: وإنما ذكر عنه أنه قال: تَستظهر. ولعله أراد اليومين؛ لأن مِن الناسِ مَن قال: أكثرُ الحَيْضِ سبعةَ عشرَ يومًا. ولم يَقُلْ أحدٌ بالزيادة على ذلك، فلا معنى لإثباتِ الاستظهارِ في أمر اتُّفِقَ على أنه لا يبلغُ أكثرُ الحَيْضِ إليه. انتهى.
والْحَامِلُ تَحِيضُ، فَإِنْ تَمَادَى بها الدَّمُ فَفِيهَا: قَالَ مَالِكٌ: تَمْكُثُ قَدْرَ مَا يُجْتَهَدُ لَهَا. ولَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ، ولَيْسَ أَوَّلُ الْحَمْلِ كَآخِرِهِ، ورَوَى أَشْهَبُ كَالْحَائِلِ ...
كَوْنُ ما تراه الحاملُ مِن الدَّم حيضًا هو الْمَشْهُورِ. وقال الداودي: لو أُخِذَ فيه بالاحتياطِ فتصومُ وتُصلي، ولا يأتيها زوجُها لكان حسنًا. هكذا نقله الباجي وغيرُه. وجزم بعضهم عنه أنها تحتاط. وقال ابن لبابة: ليس حيضًا. واستُقْرِئَ لابن القاسم مما قاله في المطلقة إذا حاضَتْ ثم أَتَتْ بولدٍ: لو عَلِمْتُ أنه حَيْضٌ مستقيمٌ لرَجَمْتُها. فإن قيل: لو كان الحيضُ يَحْصُلُ مع الحَمْلِ– لم يكن الحيضُ دليلاً على براءةِ الرَّحِمِ. فجوابُه أنه يَدُلُّ دلالةً ظنيةً لا قطعيةً، واكتفى الشارعُ بالظَّنِّ رِفْقًا بالنساء.
стр. 244
وقوله: (فَإِنْ تَمَادَى) أي: فإن جاوزَ دمُها عادتَها. فقال مالكٌ ما ذَكَرَه المصنفُ عنه. وقولُ أشهبَ ظاهرٌ عَمَلاً بالاستصحابِ.
ومعنى (كَالْحَائِلِ) أي: فتَجلس أيامَ عدتِها.
ابن يونس: وتَسْتَظْهِرُ. وذلك عنه في الموازية والواضحة، وسواءٌ استرابتْ عنده على هذا القولِ أم لا. انتهى.
ولا يُؤخذ هذا مِن كلام المصنفِ؛ لاحتمالِ أن يُريد بقوله: (كالحائل) أنها تجلس خمسة عشر يوماً. وقد حكى المازري وابن رشد ثلاثةَ أقوال، فقيل: تجلسُ خمسة عشر يومًا كما قيل في الحائِلِ. وقيل: قَدْرَ عادَتِها، ولا تُؤْمَرُ بالاستظهارِ. وأمر به أشهبُ، واختَلف عنه رواةُ المدونة، هل تُؤمرُ بالاستظهار بِشَرْطِ الاِسْتِرَابَةِ أو بشرطِ أَلاَّ تَسْتَرِيبَ. والاسترابةُ– عند بعضِهم– أن يتأخرَ عن وقتِه، أو يزيدَ أو ينقصَ عن عَدَدِه، وعند بعضِهم أَنْ يَرتفع في أَوَّلِ الحَمْلِ. انتهى. وانظرُ ما يتعلقُ باختلافِ الرواةِ عن أشهبَ في التنبيهات.
وفِيهَا: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَمْكُثُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ ونَحْوِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ ونَحْوَهَا، وبَعْدَ سِتَّةِ الْعِشْرِينَ ونَحْوَهَا. وعَنْهُ: وآَخِرُ الْحَمْلِ ثَلاثِينَ، ولا اسْتِظْهَارَ فِيهَا
هذا تفسيرٌ لأَوَّلِ الحَمْلِ وآخرِه. واختَلَفَ الشيوخُ في الشهرِ الأولِ والثاني، فقال الإِبِّيَانّي: تَجلس خمسةَ عشرَ بمنزلةِ الثلاثةِ. وقال ابن يونس: الذي يَنبغي على قولِ مالك الذي رجع إليه أن تَجلس في الشهر والشهرين قَدْرَ أيامِها والاستظهارِ.
واختُلِفَ أيضاً في الستة: هل حكمُها حكمُ الثلاثةِ، وهو قولُ ابنِ شبلون، أو حكمُ ما بعدها، وهو قولُ جماعةِ شيوخِ إفريقيةَ؟ وهو أظهرُ؛ لأنَّ الحاملَ إذا بَلَغَتْ ستةَ أشهرٍ صارتْ في أحكامِها كالمريضةِ. ونَقْلُ ابنِ شِبْلُونَ راجعٌ إلى هذا.
стр. 245
والضميرُ المجرور بعن عائدٌ على ابن القاسم.
وظاهرُه أنه وَافَقَ في هذا القولِ قولَه الأولَ في أَوَّلِه، وهو كذلك.
قال في النوادر: قال ابن حبيب: مذهبُ ابن القاسم إن رَأَتْهُ في أَوَّلِ الحَمْلِ جلستْ خمسةَ عشرَ يومًا، وفي آخرِه ثلاثينَ. وقال ابن يونس: قال سليمان بن سالم عن ابن القاسم أنها تجلس في أول الحمل خمسة عشر، وفي آخره خسمة وعشرين، ولا أُحِبَّ أن أَبْلُغَ بها الثلاثين. ونَقَلَ ابنُ الجلاب عن ابن القاسم أنها إِنْ رأته بعد شهرين أو ثلاثةٍ مِنْ حَمْلِها تَرَكَتِ الصلاةَ ما بين خمسة عشر يومًا إلى عشرين، وإن رأته بعد ستةِ أشهرٍ أو في آخرِ حَمْلها تَركت الصلاةَ ما بين عشرين إلى ثلاثين، فتَحَصَّلَ لابنِ القاسمِ أربعةُ أقوالٍ.
ورَوَى مُطَرذِفٌ فِي أَوَّلِهِ الْعَادَةَ والاسْتِظْهَارَ، وفِي الثَّانِي مِثْلَيْ الْعَادَةِ، وفِي الثَّالِثِ ثَلاثَةَ أَمْثَالِهَا، وكَذَلِكَ إِلَى سِتِّينَ فَلا تَزِيدُ. وقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: ضِعْفَ عَادَتِهَا خَاصَّةً.
تصورُ هذا الكلام ظاهرٌ، ومرادُه بالثاني الشهرُ الثاني، وكذلك بالثالث.
وقوله: (إِلَى سِتِّينَ) أي: لا تَزال تُضَاعِفُ العادةَ إلى أن يبلغَ دمُها ستين يومًا، ولا تَزِيدُ بعد ذلكَ، ونَقَلَ المازري قولاً آخَرَ بالتضعيفِ إلى آخِرِ شهورِ الحَمْلِ، وإن زادت على الستين يومًا. [٣٩/ ب].
ومَتَى تَقَطَّعَ الطُّهْرُ غَيْرَ تَامٍّ عَلَى تَفْصِيلِهِ كُمِّلَتْ أَيَّامُ الدَّمِ عَلَى تَفْصِيلِهَا، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ عَنْهَا وتُصَلِّي وتَصُومُ وتُوطَأُ. وقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: إِنْ كَانَ الدَّمُ أَكْثَرَ وإِلا جَمَعَتْ أَيَّامَ الطُّهْرِ طُهْراً وأَيَّامَ الْحَيْضِ حَيْضاً حَقِيقَةً ....
(تَقَطَّعَ الطُّهْرُ) أي: تَخَلَّلَهُ دَمٌ، وكلامُ المصنفِ أصحُّ مِن كلامِ مَن أضافَ التقطعَ إلى الدمِ؛ لأن الدمَ لا أقلَّ له.
стр. 246
وقوله: (غَيْرَ تَامٍّ) زيادة بيانٍ؛ إذ لا يكون الطهر متقطعًا إلا إذا لم يمض منه ما يصدق عليه اسم طهرٍ.
وقوله: (عَلَى تَفْصِيلِهِ) يعني: من الخلاف في أقله.
(كُمِّلَتْ أَيَّامُ الدَّمِ عَلَى تَفْصِيلِهَا) أي: على الخلافِ في أكثرِ الحَيْضِ.
وقوله: (وتَغْتَسِلُ) إلى آخره، أي: لأنها لا تَدْرِي هل يُعاودُها دمٌ أَمْ لا؟
واختُلف إذا طَلَّقَها في يومِ طُهْرِها، فقال أو بكر بن عبد الرحمن: يُجبر على الرجعةِ للتطويلِ. وقيل: لا يجبر؛ لأنه إنما طلق في طُهْرٍ.
ولا خلافَ في إلغاءِ أيامِ الطهرِ إن كانت أيامُ دمِها أكثرَ مِن أيامِ طُهْرِها، إِذْ لا يكونُ الطهرُ أقلَّ مِن الحيضِ أصلاً. هكذا عَلَّلَ صاحبُ الذخيرةِ هذه المسألةَ.
والْمَشْهُورِ أن الحُكْمَ كذلك إن كانت أيامُ الطهرِ أكثرَ أو مساويةً. وقال ابن مسلمة وعبد الملك: تكُونُ حائضًا يومَ الحيضَ، وطاهرًا يَوْمَ الطهرِ حقيقةً، ولو بَقِيَتْ على ذلك عمرَها. وهي امرأةٌ خاضتْ مِن الشهرِ نصفَه، وطَهُرَتْ نصفَه، فقد حاضت أكثرَ الحيضِ، وطَهُرَتْ أقلَّ الطُّهْرِ، وإِنْ كان الطهرُ أكثرَ فهو واضحٌ على قولهِما.
التونسي: ويَجِبُ على قولِ ابنِ مسلمة أن تكُونَ عِدَّتُها- إذا كانت تحيض يومًا وتَطْهُرُ يوماً- ثلاثةَ أشهرٍ، إِذْ فيها تَسْتَتِمُّ ثلاثةَ أطهارٍ. قال: وانْظُرْ على قولِه هل يُطلقها في يومِ الطهرِ؛ لأنها تحتسب به؟
قال في المقدمات: وانظر هل يَصِحُّ أن تُلَفِّقَ في النفاسِ أيامَ الطهرِ على مذهبِ ابن مسلمة؟ ولا يَبْعُدُ ذلك عندي. انتهى.
تنبيه:
قولنا: حاضت يومًا وطهرت يومًا- لا نُرِيدُ به استيعابَ جميعٍ اليومِ بالحيضِ؛ فقد نقل في النوادر عن ابن القاسم في التي لا ترى الدمَ إلا في كلِّ يومٍ مرةً، فإنْ رَأَتْه عند
стр. 247
صلاةِ الظهر فتَرَكَتِ الصلاةَ، ثم رأت الطهرَ قَبْلَ العصرِ فَلْتَحْتسِبْهُ يومَ دمٍ، وتتطهرُ وتصلي الظهرَ والعصرَ.
ومَتَى مَيَّزَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ بَعْدَ طُهْرٍ تَامٍّ حُكِمَ بابْتِدَاء حَيْضٍ فِي الْعِبَادَةِ اتِّفَاقاً، وفِي الْعِدَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. والنِّسَاءُ يَزْعُمْنَ مَعْرِفَتَهُ بِرَائِحَتِهِ ولَوْنِهِ، فَإِنْ تَمَادَى فَكَمَا تَقَدَّمَ. وفِي الاسْتِظْهَارِ عِنْدَ قَائِلِهِ قَوْلانِ .....
ما ذكره ظاهرٌ.
وقوله: (فَإِنْ تَمَادَى) أي: هذا الدمُ المميَّزُ. فهل تَقتصر على عادتِها، أو تَسْتَظهر، أو تَرْفَعُ إلى خمسة عشر يوماً؟ ثلاثةُ أقوالٍ كما تقدم.
ثم اختلف القائلونَ بالاستظهارِ في الحيضِ، فابن الماجشون طَرَدَ أَصْلَه في ذلك.
ورُوِيَ عن مالك: لا تَسْتَظْهِرُ. وهو قولُ ابن القاسم في المجموعة، ورواه عن مالك في العتبية، وبه قال أصبغ؛ لأن المستحاضةَ قد تقرَّرَ لها حكمُ الاستحاضةِ، فالأصلُ أن دمَها– إذا زاد على حيضها– استحاضةٌ.
وجعل اللخمي محلَّ الخلافِ إذا أَشْكَلَ عليها الدمُ، وأما لو تحققتْ أنه حيضٌ عَمِلَتْ على ذلك، وحُكِمَ بانتقالِ عادتها ما لم تجاوز أقصى الحيض، وكذلك إذا تحققت أيضاً أنه استحاضةٌ عَمِلَتْ عليه.
ومَتَى انْقَطَعَ دَمُهَا اسْتَأنَفَتْ طُهْراً تَامّاً مَا لَمْ تُمَيِّزْ
قوله: (انْقَطَعَ) أي: حُكِمَ بانقطاعِ دَمِ الحيضِ الُمَميَّزِ، وليس المرادُ بالانقطاعِ انقطاعَه حِسّاً بدليل قوله: (مَا لَمْ تُمَيِّزْ).
стр. 248
وقوله: (طُهْرًا تَامّاً) احترازًا مما لو مَيَّزَتْ قَبْلَ كمالِه، فإنه لا اعتبارَ بذلك التمييزِ. ثم الدمُ المميَّزُ – المحكومُ بأنه حيضٌ– إما أن يكون حيضةً كاملةً أَوْ لا، أَجْرِهِ على ما تقدم.
ومعنى قوله: (مَا لَمْ تُمَيِّزْ) أي: أنها لا تزال محكومًا لها بالطهارة بعد أقَلِّ الطهرِ، ولو استمرَّ الدمُ بها شهورًا متواليةً إلى أن تُمَيَّزَ. فقولُه: (مَا لَمْ تُمَيِّزْ) مُخْرِجٌ مِنْ غَيْرِ مذكورٍ كما ذكرنا، والله أعلم.
ابن عبد السلام: وظاهر هذا أنه إن عاودها الدمُ بعد انقطاعِ الاستحاضةِ أنه لا يكون حيضًا إلا بشرطِ التمييزِ، وظاهرُ كلام أهل المذهبب أنه إنما يُرْجّعُ إلى التمييز إذا كان دمُ الاستحاة متصلاً. وفيه نظرٌ؛ لأن كلام المصنف إنما هو مفروضُ فيما إذا كان الدمُ مُتَّصِلاً، والله أعلم.
ولِلطُّهْرِ عَلامَتَانِ: الْجُفُوفُ وهُوَ خُرُوجُ الْخِرْقَةِ جَافَّةً، والْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ وهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ كَالْقَصَّةِ، وهُوَ الْجِيرُ. ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَصَّةُ أَبْلَغُ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: الْجُفُوفُ أَبْلَغُ. وغَيْرُهُمَا: هُمَا سَوَاءٌ .......
(جَافَّةً) أي: ليس عليها شيء من الدم. و (والْقَصَّةُ) ماءٌ أبيضُ، قيل: يُشْبِهُ ماءَ الجِيِر. وقيل: يُشبه ماءَ العَجِينِ. وقيل: شيءٌ كالخيطِ الأبيضِ. وروى ابن القاسم: يُشبه البولَ. وروى علي: يشبه المنيَّ.
ووجهُ قولِ ابن القاسم أن القَصَّةَ لا يُوجد بعدها دَمٌ، والجفوفَ قد يُوجدُ بَعْدَه دَمٌ.
ووجهُ قول ابن عبد الحكم– وهو قولُ ابنِ حبيب أيضاً– أن القصةَ مِن بقايا ما يُرْخِيه الرَّحِمُ، والجُفُوفَ بَعْدَهُ.
وقوله: (وغَيْرُهُمَا: هُمَا سَوَاءٌ) هو قول الداودي وعبد الوهاب.
стр. 249
وفَائِدَتُهُ أَنَّ مُعْتَادَةَ الأَقْوَى تَنْتَظِرُهُ مَا لَمْ يَخْرُجِ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ. وَقِيلَ: الضَّرُورِيُّ
الضميرُ عائدٌ على الخلافِ المفهومِ مِن الأقوالِ المذكورةِ، والانتظارُ إنما يأتي على القولين الأولين، وأما الثالثُ فأيّ العلامتين وَجَدَتْ اغْتَسَلَتْ.
وجعل ابنُ راشدٍ الخلافَ في الانتظارِ [٤٠/ أ] للوقتِ الاختياريِّ والضروريِّ مَبْنِيّاً على أَنَّ طَلَبَ الأَقْوَى هل هو مِن بابِ الأَوْلَى، أو مِن بابِ الأَوْجَبِ.
ابن عبد السلام: والظاهرُ الاختياريُّ، ولا حاجةَ إلى إيقاعِ الصلاةِ في الوقتِ المكروهِ مع أَنَّ كُلاًّ منهما علامةٌ.
وأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ومُطَرِّفٌ وابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ. وغَيْرُهُمْ: هُمَا سُوَاءٌ. قَالَ الْبَاجِيُّ: نَزَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ
ظاهرُه– وكذلك صرَّحَ ابنُ شاس أنها إن رأت القَصَّةَ تَنتظر الجفوفَ. وفي المنتقى نحوُه، فإنه قال: وأما المبتدأةُ فقال ابن القاسم وابن الماجشون: لا تَطْهُرُ إلا بالجفوف. وهذا نزوعٌ إلى قولِ ابنِ عبدِ الحكمِ. وفي النكتِ نحوَه. وقال المازري: وافق ابن القاسمِ على أن المبتدأةَ إذا رأتِ الجفوفَ طهرتْ. ولم يَقُلْ إذا رأتِ القَصَّةَ تَنتظر الجفوفُ فتأمَله، ثم حكى تعقبَ الباجي، وردَّه بأنَّ خروجَ المعتادةِ عن عادتِها ريبةٌ بخلافِ المبتدأة؛ لأنها لم تتغيرْ في حقِّها عادةٌ، فإذا رأتِ الجفوفَ أولاً فهو علامةٌ، والأصلُ عَدَمُ القَصَّةِ في حقِّها، فلا معنى للتأخيرِ لأجلِ أمرٍ مشكوكٍ فيه.
وما قاله المازري واضحٌ إن كانت صورةُ المسألة كما ذَكَرَ أنها رأت الجفوفَ ولم تَرَ القصةَ، وأما إن كان الأمرُ على ما نقله الباجي والمصنف مِن أنها إذا رأت القصةَ تنتظرُ الجفوفَ فإيرادُ الباجيِّ صحيحٌ، فتأمله.
стр. 250
ونقلُ ابن حبيب كنقلِ الباجي، فإنه قال: قال مطرف وابن القاسم وابن الماجشون: والتي بَلَغَتْ فلا تَطْهُر حتى تَرَى الجُفُوفَ، ثم تَجْرِي بعد ذلك على ما يَنكشفُ لها مِن علامةٍ. ونقلَ عبدُ الوهاب عن ابنِ القاسم مثلَ ما قاله المازري، قال في المقدمات: ونقلُه أصحُّ في المعنى وأَبْيَنُ مما نَقَلَه ابنُ حبيبٍ عنه؛ لأنه كلامٌ متناقضٌ في ظاهرِه.
فرع:
قال في النوادر: قال ابن القاسم عن مالك: وليس على المرأةِ أن تقومَ فتنظرَ طهرَها قَبْلَ الفجرِ، وليس من عَمَلِ الناسِ. قال عنه عليٌّ في المجموعة: وإنما عليها أن تنظر عند النومِ، وعندَ صلاةِ الصبحِ.
وقال ابن حبيب: إذا رأت الطهرَ غُدْوَةً فلم تَدْرِ أَكانَ قَبْلَ الفجرِ أو بَعْدَه فلا تقضي الصبحَ حتى تَتيقن أنه قَبْلَ الفجرِ، ولكن تصومُ يومَها إن كان رمضانَ، وتقضيه احتياطًا.
ويَمْنَعُ الْحَيْضُ الصَّلاةَ مطلقاً ولا قَضَاءَ، والصَّوْمَ وتَقْضِيهِ
أراد بالإطلاق سواءٌ كان فرضًا أو نفلاً، أداءً أو قضاءً.
واعلم أن ممنوعات الحيض قسمان: متفَقٌ عليها، ومختلَفٌ فيها.
فالأَوَّلُ تسعةٌ: وجوبُ الصلاةِ، وصحةُ فِعْلِها، وصحةُ فِعْلِ الصومِ، ومَسُّ المصحفِ، والطلاقُ، وابتداءُ العِدَّةِ، والوطءُ في الفَرْجِ، ورَفْعُ الحَدَثِ، ودخولُ المسجدِ. ويَنْدَرِجُ فيها الطوافُ والاعتكافُ؛ إذ لا يُوقَعَانِ في غيرِه.
والقسم الثاني سبعةٌ، وهو ينقسمُ إلى قِسمين: قسمٌ الْمَشْهُورِ فيه المنعُ، وقسمٌ الْمَشْهُورِ فيه الجوازُ.
فالأَوَّلُ خمسةٌ: الوطءُ بَعْدَ الطُّهْرِ وقَبْلَ التطهيرِ، والوطءُ بِطُهْرِ التيممِ، والوطءُ فيما دُونَ الإزارِ، ووجوبُ الصومِ، ورفعُ حَدَثِ جنابتِها.
следующие страницы →