Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
وقال فضل بن أبي سلمة: لا ينبغي ذلك وإن استطيع تحريهما، إلا أن يستثني كل واحد جلد شاته. وروى يحيي بن يحيي نحوه عن ابن القاسم، لأنه لحم وجلد بلحم وجلد. ورده الباجي بما تقدم، فإنه يؤكل كثيراً مسموطاً. سند: وعلى قول الباجي الصوف فيفرق بين المجزورتين وغيرهما. ونقل بعضهم قولاً بجواز بيع الشاتين المذبوحتين في السفر لا في الحضر.
وأجيز بيع الخبر بالخبز تحرياً، وفي التحري، ثالثها: بالدقيق في خبز الصنفين، وبالرطوبة الواحد. قال الباجي: ينبغي الوزن وحده ...
يعني: أنه يجوز بيع الخبز بالخبز تحرياً، نص مالك على ذلك في الموطأ، وفي السلم الأول من المدونة. وحكى بعض الشيوخ عن مالك أن الخبز بالخبز يجوز فيه التفاضل، وهو مشكل.
وقوله: (وفي التحري) أي: إذا أجزنا بيع بعضه ببعض متماثلاً فاختلف في كيفية التحري على ثلاثة أقوال، الأول: يتحرى دقيقهما، وهو قول ابن القاسم في العتبية. الباجي: وهو مذهب جمهور أصحابنا. وقال في موضع آخر: هو ظاهر المذهب، لكن قيده بما إذا كان الخبزان من صنف واحد.
وذكر ابن راشد: لا خلاف أن المعتبر في الخبزين إذا كان أصلهما مختلفاً على مذهب من يرى أن الأخبار كلها صنف واحد، فليس هذا القول على عمومه كما قاله المصنف.
والثاني: أن المعتبر الوزن، وهو الذي أراده بقوله: (وبالرطوبة) أي: أنه تعتبر الرطوبة في الوزن فلا التفات إلى الدقيق. الرطوبة: ما يجعل في الدقيق من الماء والملح والخبز.
والثالث: أنه يتحرى الدقيق إن كانا من صنفين ويتحرى الوزن إن كانا من صنف واحد. وفي كلامه نظر من وجوه:
стр. 2627
أولها: ما تقدم أن كلامه يقتضي أن الأول يعتبر الدقيق مطلقاً، وليس كذلك.
ثانيها: أن القول الثالث عكس فيه النقل، لأن المنقول أن الخبزين إن كان الأصل الذي خبزا منه لا يحل التفاضل فيه كقمح وشعير يوزن الدقيقان لا يوزن الخبزان. وإن كان ما خبزا منه يجوز فيه التفاضل كقمح وفول اعتبر تساويهما في الوزن، قاله بعض القرويين، هكذا نقله المازري، وابن يونس وغيرهما. [٤٥٤/أ].
ثالثها: أن هذا لا يكون ثالثاً إلا إذا كان القول الأول على عمومه، وقد تقدم ما فيه.
رابعها: يوهم ما نقله عن الباجي أنه قول رابع، وليس كذلك إذ هو الثاني.
والمذهب أن النهي يدل على الفساد إلا بدليل
هكذا حكاه عبد الوهاب، وهو المختار عند أهل الأصول، ومحل ذلك كتب الأصول، ويستدل لهذه القاعدة بالحديث الصحيح: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)).
فمنه بيع الحيوان باللحم، ومحمله عند مالك على الجنس الواحد للمزابنة، فيجوز بيع الطير بلحم الغنم وبالعكس ....
روى مالك في مراسله عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: أن الرسول ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم. والمحمل: اسم مصدر، أي: اسم للحمل. فقياسه على هذا: أن يكون مفتوح اليمين، لأن كل مضارع على يفعل كيضرب، ولم تكن فاؤه واواً اسم مصدره على مفعل بفتح العين، وللزمان والمكان بكسرها، أي: ومحمل هذا النهي عند مالك- ﵀ على الجنس الواحد، لأن بيع اللحم بالحيوان بيع معلوم بمجهول، وهو معنى المزابنة. وفي كلامه إشارة إلى أنه لو كان هذا الحيوان غير مباح الأكل لجاز بيعه باللحم وهو كذلك، فيجوز بيع الخيل باللحم لعدم المزابنة حينئذ. وأشار بقوله: (عند مالك) إلى محمل الليث والشافعي، فإنهما حملاه على عمومه. وروي عن أشهب جواز بيع اللحم بالحيوان.
стр. 2628
قوله: (فيجوز بيع ...) إلى آخره. لأن المزابنة شرطها اتحاد الجنس.
وخصصه القاضيان بالحي الذي لا يراد إلا للذبح
أي: كالشاة المعلوفة والكبيرة، فهو تخصيص للنهي بعد تخصيص الإمام، وهو متجه لظهور القصد إلى المزابنة في هذا النوع وبعدها في الصحيح، وهو قول الأبهري وغيره من البغداديين. فلا يقال: يرد عليه ما أورده المازري وغيره على قول مالك من أن المزابنة تمتنع حيث لا تكثر في إحدى الجهتين كثرة بينة. ومالك منع مطلقاً فلم تطرد العلة، لأنا نقول: إذا ظهرت الزيادة فالمنع لأجل التفاضل عندهما- وإن شك- فالمنع عندهما للمزابنة والتفاضل. ولأجل أن مالكاً لم يطرد العلة وقال بالمنع وإن ظهر الفضل، مع كونه علل بالميزانية، أجرى اللخمي قولاً ثالثاً بالجواز في الجنس الواحد إذا تبين الفضل.
وما لا تطول حياته وما لا منفعة فيه، إلا اللحم كاللحم خلافاً لأشهب، وهما روايتان ....
يعني: أن قول مالك اختلف فيما لا تطول حياته من الحيوان كطير الماء، وما لا منفعة فيه من الحيوان إلا اللحم.
ابن عبد السلام: كالخصي من المعز، هل هو كاللحم فلا يجوز بيعه بحيوان من جنسه وبه أخذ ابن القاسم، أولاً وبه أخذ أشهب، لأنه يصدق عليه أنه حيوان. ومنع ابن القاسم أيضاً بيع هذا الحيوان بلحم، لأنه حي إلا أن يجعله مع الحيوان لحماً ومع اللحم حيواناً احتياطياً.
فإن طالبت أو كانت المنفعة يسيرة كالصوف في الخصي فقولان
يعني: إذا فرعنا على ما أخذ به ابن القاسم، فإن كان الحيوان تطول حياته كالشارف الذي لا يراد إلا للذبح، أو كانت منفعته يسيرة كصوف الخصي من الضأن، ففي كل نوع قولان. أما ما تطول حياته، فقال ابن المواز: كره مالك، وابن القاسم الشارف والمسكور
стр. 2629
من الأنعام باللحم، ثم أجازه مالك، وخففه أصبغ. والمراد بالكراهة التحريم. وقد صرح اللخمي بذلك في تعليله.
وأما ما فيه منفعة يسيرة، فقال ابن القاسم: لا يجوز بيع الكبش الخصي بالطعام إلى أجل، إلا أن يكون مما يقتني لصوفه. قال: وأما التيس الخصي بالطعام إلى أجل فلا يحل، لأنه لا يقتني لصوفه إنما هو للذبح، وأجازه أصبغ وأشهب، كان فيه منافع أو لا.
وفهم من قوله: (المنفعة يسيرة) أنها لو كانت كثيرة- كما إذا كان لها صوف ولبن ويقصد منها الولادة- أنها ليست كاللحم. ابن رشد: ولا خلاف في ذلك.
ومن ثم اختلف في بيعه بالطعام نسيئه
يعني: ولأجل الخلاف في كونه كاللحم أو كالحيوان اختلف المذهب في بيع هذا الحيوان بالطعام إلى أجل، فمن عده طعاماً منع، لأنه طعام بطعام إلى أجل، وهو قول ابن القاسم.
قال ابن القاسم في العتبية: فلا يجوز بيع الكبش الخصي بالطعام إلى أجل إلا أن يكون كبشاً يقتني لصوفه. مالك: ,اما التيس الخصي بالطعام إلى أجل فلا يحل، لأنه لا يقتنى لصوفه إنما هو للذبح.
ابن المواز: وأجازه أشهب وأصبغ. مالك: وليس كل شارف سواء، وإنما ذلك في الذي قد شارف الموت، فأما ما كان يقبل ويدبر ويرتفع فلا.
وفي المطبوخ بالحيوان قولان
ظاهر كلامه: أن القولين بالإجازة والمنع، والذي حكاه ابن المواز أن ابن القاسم أجازه، وأشهب كرهه. وإذا كان اللحم ينتقل بالطبخ عن جنسه فلا يجوز بالحيوان من باب الأولى. ووجه الكراهة: الوقوف مع لفظ الحديث.
стр. 2630
ومنه المزابنة، وهو بيع معلوم بمجهول ومجهول بمجهول من جنسه، فإن علم أن أحدهما أكثر جاز فيما لا ربا فيه ...
أي: ومن المنهي عنه- وكذلك في كل ما يأتي- وصح من حديث ابن عمر- ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة.
والمزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً، وبيع الزبيب بالعنب كيلاً. وضمير (هو) يعود على المضاف المحذوف، أي: بيع المزابنة. وتفسيرها الواقع في الحديث إنما هو في الربوي، لأن غير الربوي وإن لم يدخل تحت المزابنة فثم عمومات يدخل تحتها كالنهي عن الغرر.
وقوله: (فإن علم أن أحدهما أكثر جاز فيما لا ربا فيه) لانتفاء المزابنة عنه إذ منعت من حلابها، ومنه الزبانية لدفعهم الكفرة، فكان كل واحد من المتابعين يدفع صاحبه عن مراده ويعتقد أنه الغالب، فإذا علم أن أحدهما أكثر انتفى هذا.
وعموم قوله: (جاز فيما لا ربا فيه) يشمل غير المطعومين والمطعومين غير الربويين، وهو مقتضى النظر، لكن ذكر ابن راشد في جواز بيع الرطب باليابس إذا كان غير ربويين ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز وإن تبين الفضل، وهو دليل ما في سماع عيسى وما في سماع أصبغ، لعموم النهي عن الرطب باليابس.
الثاني: أنه يجوز بشرط تحري المساواة، وهو أيضاً في سماع عيسى.
والثالث: التفصيل- كما أشار المصنف إليه- جائز إن لم يتبين الفضل، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد.
стр. 2631
ابن عبد السلام: وهو الصحيح. وقد ذهب فضل إلى أن هذا ليس باختلاف، وأن القولين الأولين راجعان إليه.
ولو دخلته صنعة معتبرة جاز
أي: أن المصنوع يصير معداً لغير الأصل كالخبز بالعجين.
وقوله: (جاز) يعني: البيع إن كان نقداً أو إلى أجل، تقدم المصنوع أو تأخر زمناً لا يُصنع في مثِلِه مثلُهُ، فإن تأخر قدر ما يصنع فيه منع لأنه مزابنة.
وفيها: منع بيع الفلوس بالنحاس نقداً لأنه مزابنة، وجواز بيع النحاس بالتور النحاس نقداً، واستشكله الأئمة، وفرق بقلة الصنعة في الفلوس ....
التور: بالتاء المثناة المفتوحة. الجوهري: إناء يشرب فيه. ونسب هذه للمدونة لإشكالها، لأنه جعل الصنعة في الفلوس غير معتبرة بخلاف التور. وما حكاه المصنف من التفرقة هو المشهور. ومسألة الفلوس في السلم من المدونة.
ابن عبد السلام: ومسألة التور ليست بجلية في المدونة، ولكن هو المشهور. وذكر في البيان: في تور النحاس ثلاثة أقوال:
أحدهما: جواز ذلك نقداً وإلى أجل لأجل الصنعة، وهو قول مالك في إحدى روايتي ابن وهب.
الثاني: جوازه نقداً وإن لم يتبين الفضل، ولا يجوز إلى أجل، وهو ظاهر المدونة لتشبيهه فيها ذلك بالكتان بثوب الكتان، وهي رواية ابن وهب الأخيرة.
والثالث: أن ذلك لا يجوز إلى أجل ويجوز في النقد إن تبين الفضل، وهو قول مالك في العتبية، وعليه تأول التونسي المدونة، وتأول غيره عليه عدم الجواز وإن تبين الفضل.
стр. 2632
قال في البيان: ولا أعلم خلافاً في منع بيع الفلوس بالنحاس للمزابنة. قال: وأما مصنوع بمصنوع من النحاس فلا خلاف في جوازه. واعترضه التونسي وقال: لا فرق في القياس بين مصنوع بغير مصنوع أو مصنوع، لأن الصناعة إذا لم يكن لها تأثير في جهة فكذا في جهتين. انتهى.
واستشكل الأشياخ المنع في الفلوس، وقالوا: القياس جوازه، لأن الصنعة نقلته كما في التور. والفرق الذي ذكره المصنف لابن بشير، وفيه نظر.
ومنه بيع الكالئ بالكالئ
الكالئ: مهموز، مأخوذ من الكلاءة بكسر الكاف، وهي الحراسة والحفظ. فإن قيل: فالدين مكلوٌّ فكيف أطلق عليه كالئاً، فجوابه: يحتمل أن يكون مجازاً في المفرد، أطلق الكالئ على الدين المكلو مجازاً والعلاقة الملازمة.
وقد يرد اسم الفاعل بمعنى المفعول، كقوله تعالى: ﴿مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] أي: مدفوق. ويحتمل في الإسناد، أي: إسناد الفعل إلى ملابس له بتأويل، أي: كالئ صاحبه كعيشة راضية. ويكون في الحديث إضمار تقديره: نهى ﵊ عن بيع مال الكالئ بمال الكالئ، لأن كل واحد من المتابعين يكلأ صاحبه، أي: يحرسه لأجل ما له قِبَلَهُ، ولهذا وقع النهي عنه لأنه يفضي إلى كثرة المنازعة والمشاجرة. والنهي المشار إليه ذكره عبد الرازق، وقال: أخبرني الأسلمي، قال: حدثنا عبد الله بن عمرو، وضعفه دينار قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ، وهوالدين بالدين.
قال عبد الحق: الأسلمي هو إبراهيم بن محمد بن يحيي وهو متروك، كان يرمى بالكذب. قال بعض من تكلم على هذا الموضع: ووثقه الدارقطني، والشافعي، ومحمد بن سعيد الأصفهاني، وقد رواه الدارقطني من حديث موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار:
стр. 2633
أنه ﵊ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ. وموسى بن عقبة مولى آل الزبير ثقة روى له الجميع.
وحقيقته بيع ما في الذمة بشيء مؤخر
اعلم أن هنا ثلاث حقائق:
الأولى: فسخ الدين في الدين، وهو أن تبيع الدين ممن هو عليه بشيء مؤخر من غير جنسه أو من جنسه، وهو أكثر، والمنع في هذه أشد من الأخيرتين، لأنها ربا الجاهلية أو من رباها فهي محرمة بالقرآن، بخلاف الأخيرتين فإن الآية لا تقتضيها، وإنما المنع فيهما بالحديث. ولا يجوز فيهما التأخير إلى مثل ذهابه إلى البيت، وأما أن يفارقه ثم يطلبه فلا يجوز إلا قدر ما لا يمكن القبض إلا به، فإن كان يسيراً فبقدر ما يأتي بمن يحمله. فإن كان طعاماً كثيراً جاز مع اتصال العمل ولو شهراً، قاله أشهب. قال: وهذا إذا كان ما يأخذه منه حاضراً أو في حكمه كالشيء [٤٥٥/أ] يكون في منزلة أو حانوته فيذهبان من فورهما إلى قبضه، وأما إن كان على ستة أميال، فقد كرهه مالك في الموازية حل الدين أو لم يحل.
الحقيقة الثانية: ابتداء الدين بالدين، وهو تأخير رأس مال السلم، وهذه المرتبة أخف المراتب، لأنهم أجازوا التأخير فيه بلا شرط ثلاثة أيام على المشهور.
الحقيقة الثالثة: بيع الدين بالدين، وهي كالواسطة بينهما.
اللخمي: واختلف في التأخير في بيع الدين، فمنع ذلك في المدونة إلا على المناجزة. وقال محمد: يجوز التأخير اليوم واليومين. قال: وهو أصوب، ولا فرق بين بيع الدين وابتداء الدين. وحكى ابن بشير في الصرف قولين: هل يلحق بيع الدين بابتداء الدين أو بفسخ الدين؟ ولابد في حقيقة بيع الدين أن تتقدم عمارة الذمتين أو أحدهما، كمن له دين على رجل ولثالث دين على رابع فباع كل واحد ما يملك من الدين بدين صاحبه. وكذلك لو
стр. 2634
كان لرجل دين على رجل فباعه من لثالث بدين. وعلى هذا فلابد في حقيقة بيع الدين بالدين من ثلاثة أشخاص، بخلاف فسخ الدين في الدين فإنه لا زيادة فيه على اثنين، فقد اتضح الفرق بينهما وبين ابتداء الدين بالدين، لأن ابتداء بالدين إنما يعمر الذمتين عند المعاوضة بخلافهما.
إذ تقرر هذا فكلامه يشمل بيع الدين بالدين، وفسخ الدين في الدين، لأن كلا منهما قد بيع فيه ما في الذمة بشيء مؤخر، ولا يشمل ابتداء الدين بالدين، لأنه لم يبع شيئاً قد تقرر في الذمة. وقد يقال: بل كلامه يشمل الثلاثة، لأن تقدير كلامه: بيع شيء كائن نفي الذمة بشيء مؤخر، والكائن في الذمة أعم من أن يكون تقرر قبل ذلك أولاً، وإنما يأتي الحمل الأول إذا جعلت (ما) موصولة، وأما إذا جعلت نكرة موصوفة فلا، على أنه يمكن أن يشمل كلامه الثلاثة ولو جعلناها موصولة. واعلم أن العقود التي تشترط فيها المناجزة ستة: الصرف، وبيع الطعام بالطعام، والإقالة من الطعام، والإقالة من العروض وفسخ الدين في الدين، وبيع الدين بالدين.
قال في المقدمات: وباب الصرف أضيق أبواب الربا.
ابن راشد: والإقالة من العروض دون الإقالة من الطعام في طلب المناجزة، لأن الإقالة من الطعام يحذر فيها من بيع الطعام قبل قبضه ومن فسخ الدين بالدين، والإقالة من العروض إنما يحذر فيها من فسخ الدين في الدين. وتقدم الخلاف في بيع الدين هل هو كابتداء الدين أو فسخه؟
وكذلك بيعه بمنافع، وقيل: إلا منافع عين
يعني: وكذلك يمتنع بيع الدين بمنافع مطلقاً، سواء كانت منافع معين أو منافع مضمونة.
стр. 2635
وقال أشهب: إنما يمتنع إذا كانت المنافع مضمونة، وأما منافع معين فيجوز، لأن المنفعة إذا استندت إلى معين أشبهت المعينات المقبوضة لأنه أسندت إلى معين، كأن يفسخ الدين في ركوب دابة معينة إلى بلد، أو في كراء مضمون إلى بلد، وسبب الخلاف هل قبض الأوائل كقبض الأواخر؟ ورأى ابن القاسم أن المنافع وإن كانت معينة كالدين لتأخر أجزائها، أي: لأنها لا تقبض ناجزاً، ولأن الضمان من مالك الرقبة. وسبب الخلاف في المعين هل النظر إلى التعيين، أو النظر إلى عدم القبض وتأخيره.
وكلام المصنف هنا إنما هو في بيع الدين من المدين، لأنه سيتكلم في بيعه من غيره.
وصحح المتأخرون قول أشهب، لأنه لو كانت منافع المعين كالدين يمتنع فسخ الدين فيها لامتنع اكتراء الدواب واستئجار العبد وشبهه بدين، والمذهب جوازه. وفرق بأن اللازم في محل المنع هو فسخ الدين، وفي محل الجواز ابتداء الدين بالدين، وهو أخف.
وفي بيعه بمعين يتأخر قبضه كالدار الغائبة والمواضعة، والمتأخر جذاذه، قولان ....
يعني: فلو باع الدين لمن هو عليه بدار غائبة أو أمة متواضعة أو ثمر بدا صلاحه ولا يجذ في الحال، فقولان: المشهور، وهو مذهب المدونة: المنع، لأنه قد تأخر القبض فأشبه الكالئ بالكالئ. والقول بالجواز لأشهب.
واستشكل الشيوخ المنع في الدار الغائبة، لأنه كالمقبوضة بنفس العقد على المشهور كما تقدم، بخلاف الأمة المتواضعة فإن ضمانها من بائعها، وكذلك المتأخر جذاذه فيه ضمان الجوائح. ولهذا قال جماعة: إن معنى المسألة أن الدار بيعت مدارعة فصار فيها حق توفيه.
فإن بيع من غير المدين اشترط حضوره وإقراره
يعني: فإن بيع الدين من غير من عليه الدين فيشترط حضور المديان وإقراره، أما حضوره فليعلم ملاؤه وعدمه، وأما إقراره فلئلا يكون من شراء ما فيه خصومة
стр. 2636
وهو غرر. وإذا حصل هذا الشرطان جاز شراؤه اتفاقاً، وأما شراؤه وهو على ميت فمنعه في الموطأ.
ابن رشد: ولا خلاف فيه لأنه غرر، إذ قد يكون عليه أكثر من تركته فلا يكون له إلا ما نابه في الخصاص، وهو مجهول. وأما إن كان حياً ولكنه غائب فإن لم تكن عليه بينة فنص مالك في غير موضع على المنع. وظاهر قول أصبغ في العتبية: جواز بيعه، وعلى ذلك فهمها ابن رشد، وتأوله في موضع آخر على أن الغيبة قريبة، وإن كانت عليه بينة فالمشهور: أنه لا يجوز، إذ لا يدري أهو حي أم ميت، مقر هو أم منكر؟
ابن رشد: وأجازه ابن القاسم في سماع موسى إذا كانت غيبته قريبة بحيث يعرف حاله، وقاله أصبغ في نوازله، ورواه ابن دينار عن مالك. وإن كان حاضراً فهل يشترط إقراره؟ المشهور: اشتراطه.
ابن رشد: وتقوم إجازته [٤٥٥/ب] من إجازة ابن القاسم بيع الدار التي في خصومة على ما وقع في بعض روايات المدونة.
ومنه بيع الغرر، وهو ذو الجهل والخطر وتعذر التسليم
في مسلم: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وبيع الغرر. وهو يشتمل على ثلاثة أنواع، أحدها: هذا، والجهل بينه في قوله: (كزنة حجر مجهول، وكتراب الصواغين). الثاني: هو الخطر، وهو ما تردد بين السلامة والعطب، كبيع المريض في السياق، والآبق، والشارد، والثمار قبل بدو صلاحها على التبقية.
الثالث: تعذر التسليم نحو الطير في الهواء، والسمك في الماء، وقد يحتمل اثنان في محل واحد كالطير في الهواء، وكلامه ظاهر.
стр. 2637
وبعضه معفو، قال الباجي: اليسير. وزاد المازري: غير مقصود للحاجة إليه
أي: وبعض الغرر مفعو، إذ لا يكاد يخلو بيع عنه. وقوله: (قال الباجي) هو تفسير للبعض المعفو عنه. و (اليسير): خبر مبتدأ محذوف.
وزاد المازري مع قيد اليسارة قيدين آخرين: أن يكون غير مقصود، وأن يكون محتاجاً إليه. وقرره في المعلم بأن العلماء أجمعوا على فساد بعض بياعات الغرر، كالأجنة، والطير في الهواء، والسمك في الماء. وأجمعوا على صحة بعضها، كالجبة وإن كان حشوها مغيباً، وكإجازة الدار مشاهرة مع كون الشهر ناقصاً وكاملاً، وكدخول الحمام والشرب من السقاء مع اختلاف الناس في الاستعمال والشرب من السقاء. واختلفوا في بعضها، فيجب أن يبحث عن الذي يعرف منهم اتفاقهم واختلافهم، ففهمنا عنهم أنهم إنما منعوا بيع الأجنة لعظم غررها وأن الغرر فيها مقصود، وأجازوا تلك المسائل لأن الغرر فيها يسير غير مقصود وتدعو الضرورة إلى العفو عنه.
والخلاف في بعضها لتحققه، ففي بيع الإماء وغيرهن بشرط الحمل الظاهر، ثالثها: إن قصد البراءة منه صح وإلا فسد ....
يعني: والخلاف في بعض البياعات المشتملة على الغرر لتحقق ذلك القدر هل هو من اليسير فيعفى عنه أو من الكثير فلا يعفى عنه. وينبغي إذا شك في محل هل هو من اليسير أو من الكثير المنعُ، لأنه أسعد بظاهر الحديث. وقد يقال: بل الغرر مانع والشك فيه غير قادح، إذ الأصل الجواز.
وقوله: (ففي بيع الإماء) إلى آخره. يعني: أن المذهب اختلف في جواز بيع الأمة، والشاة، والناقة، والبقرة بشرط أنها حامل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه جائز، سواء قصد بشرط التبرؤ أو زيادة الثمن، لأنه تبرأ في الأول من عيب، وفي الثاني الغالب سلامته وولادته.
стр. 2638
الثاني: أنه ممتنع وهو مذهب المدونة، وعلله بأنه كأنه أخذ لجنينها ثمناً.
والثالث: لمالك في الموازية: إن قصد البراءة صح، وإن قصد الاستزادة لم يصح.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب، وبعضهم رد القولين الأولين عليه.
خليل: وفي كلام المصنف نظر، لأنه يقتضي أن القول الثاني أنه لا يصح وإن قصد البراءة، وهذا لا ينبغي أن يختلف في جوازه. وقد صرح ابن زرقون بذلك، وإنما الخلاف إذا قصد الاستزادة في الثمن والمشهور المنع ولفظ ابن زرقون: اختلف في بيع الجارية التي يزيد في ثمنها الحمل على أنها حامل والبقرة وغيرها، على ذلك فمنعه مالك في سماع ابن القاسم وإن كانت ظاهرة الحمل، وأجازه سحنون إذا ظهر الحمل، وأجازه أشهب وإن لم يظهر. فإذا قلنا بهذا القول فوجدها غير حامل، فقال أشهب: يردها. وقال ابن أبي حازم: إن باعها وهو يظن أنها حامل فإذا هي غير حامل فلا يردها، وإن علم أنها غير حامل بمعرفته أن الفحل ينزو عليها فله أن يردها، لأنه غره وأطمعه. وأما إن كانت الجارية رفيعة ينقصها الحمل فباعها على أنها حامل وهي ظاهرة الحمل، فلا خلاف في جوازه، لأن ذلك على معنى التبرؤ، وإنما لا يفسد البيع في الرمكة على أنها حامل في قول من أجازه إذا قال ذلك قولاً مطلقاً. ولو قال: إنها حامل من فرس أو من حمار لفسد البيع، لاحتمال أن يكون انفلت عليها غير الذي سماه.
وأما بشرط الخفي ففاسد إلا في البراءة
أي: فلا يجوز اشتراط الحمل الخفي إذا قصد به الاستزادة، قد تقدم قول أشهب أنه أجازه، سواء كانت ظاهرة الحمل أم لا. وما ذكره من جواز التبرؤ في الحمل الخفي إنما هو في الأمة الوخش، وأما الرائعة فلا يكون بيعها بشرط البراءة منه، لأن الحمل يضع من ثمنها كثيراً ذلك غرر، نص عليه في المدونة وغيرها. قال: وهذا مع انتفاء السيد من
стр. 2639
وطئها، وأما إن أقر بوطئها لم يجز بيعها وإن كانت وخشاً، إذ لا خلاف أن البراءة لا تنفع من حمل يلزمه.
ومنه بيع المضامين والملاقح، وحل الحبلة، وفي الموطأ، المضامين: ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح: ما في بطون الفحول. وعكس ابن حبيب، وفيه حبل الحبلة: بيع الجزور إلى أن ينتج نتاج الناقة. وروى ابن حبيب: بيع نتاج نتاج الناقة ....
النهي في الموطأ، وكلامه ظاهر التصور.
ومنه بيع الملامسة: وهو أن يلمس الثوب فيجب البيع من غير تبيين. ومنه بيع المنابذة: وهو أن يتنابذا ثوبين فيجب البيع ....
في الصحيح: أنه- ﵇ نهى [٤٥٦/أ] عن بيعتين في بيعة، وعن بيع الملامسة، وبيع المنابذة. قال في البخاري، الملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه ولا يقبله. والمنابذة: طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه وينظر إليه.
وفي مسلم، الملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك. والمنابذة: أن ينبذ بالرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض به.
ومنه بيع الحصاة: وهو أن تسقط حصاة من يده فيجب البيع، وقيل: أن تسقط على ثوب فيتعين، واستشكلهما المازري ...
سبق اللخمي المازري إلى هذا الإشكال، ووجهه ظاهر، لأنه إذا جعل سقوط الحصاة أو رميها دليلاً على البيع، فإذا حصل بذلك فلا غرر لأنه رضى.
стр. 2640
وكلام المازري الذي أشار إليه المصنف هو في المعلم، لأنه قال فيه: قيل في هذا الحديث تأويلات منها: أن يكون المراد أنه يبيع من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة، ولا شك أن هذا مجهول لاختلاف الرمي. وقيل معناه: أيُّ ثوب وقعت عليه حصاتي فهو مبيع، هذا أيضاً مجهول كالأول. وقيل معناه: ارمِ بالحصاة فما خرج فلك بعدده دنانير أو دراهم، وهذا أيضاً مجهول. وهذه تأويلات تتقارب، وكلها يصح معه المنع. وقيل تأويل رابع، وخامس، فقيل معناه: أنه إذا أعجبه الثوب ترك عليه حصاة، وهذا إذا كان بمعنى الخيارة، وجعل رمي الحصاة علماً على الاختيار لم يجب أن يمتنع إلا أن تكون عادتهم في الجاهلية أن يضيفوا إلى ذلك أموراً تفسد البيع، ويكون ذلك عندهم معروفاً ببيع الحصاة، مثل أن يكون متى ترك الحصاة ولو بعد عام وجب له البيع فإنه فاسد.
وقيل: إن كان الرجل يسوم الثوب وبيده حصاة، فيقول: إذا سقطت من يدي فيجب البيع، وهو أيضاً كالذي قبله. انتهى.
ومنه بيعتان في بيعة ومحمله عند مالك: على سلعة بثمنين مختلفين، أو سلعتين مختلفتين بثمن واحد على اللزوم لهما أو لأحدهما وإلا جاز ....
روى الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة. ومحمله عند مالك على صورتين، الأولى: أن يبيع الرجل سلعته بثمنين مختلفين، وسواء اختلفا في الجنس، أو القدر، أو الصفة على وجه يتردد نظر العاقل فيه، كما لو قال: بعشرة نقداً، أو بعشرين إلى أجل. ولو عكس جاز، لأن كل عاقل لا يختار إلا الأقل في المقدار والأبعد في الأجل. وكلام المصنف لا يؤخذ منه هذا، وكأن المصنف أسقطه لنذوره.
والصورة الثانية: أن يبيع منه سلعتين مختلفتين بثمن احد. ونقل ابن عبد السلام عن ابن حبيب الجواز في الصورة الأولى. أعني: إذا كان الثمن عيناً من صفة واحدة واختلف الأجل.
стр. 2641
وقوله: (على اللزوم) أي: وشرط منع النوعين معاً أن يكون المبيع لازماً للمتبايعين أو لأحدهما، وإن لمن يكن على اللزوم لهما أو لأحدهما جاز.
ووجه الفساد مع اللزوم: الغرر، إذ لا يدري البائع بما باع ولا المشتري بما اشترى، ولأنه يلزم منه فسخ الدين في الدين، وقد يختار الأقل ثم يفسخه في الأكثر، وإن كان بذهب وفضة لزم منه أيضاً الصرف المستأجر. وأجمل المصنف في اختلاف السلعتين. وذكر بعضهم في المسألة أربعة أقوال، أولهما للمدونة: أن ذلك ممتنع فيما عدا الجودة والرداءة من صنفيه، أو صفة، أو رقوم. وأما إن اختلفا بالجودة والرداءة فقط فيجوز، وإن اختلفت القيمة وليس من بيعتين في بيعة.
ثانيها لابن المواز: إن اختلفا في الصنفية أو الصفة اختلافاً متبايناً يبيح سلم أحدهما في الآخر فلا يجوز. وإن اختلفا في الصفة ولم يتباينا يجوز سلم أحدهما في الآخر جاز.
وثالثها لأشهب وعبد الملك: يجوز وإن اختلفا بالصنفية أو الصفة اختلافاً يبيح سلم أحدهما في الآخر.
ورابعها لابن حبيب: لا يجوز إلا أن يكون صنفاً واحداً أو صفة واحدة وقيمتها واحدة، ولو اختلفا بالجودة والرداءة وبالقيمة لم يجز.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب، لأن الإلزام مع اختلاف القيمة موجب للجهالة، وأشد منه إذا اختلفت صفاتها. ولو قيل: لا يجوز وإن تساوت قيمتها لكان له وجه.
وقوله: (وإلا جاز) أي: وإن لم يختلف الثمنان ولا المثمونان أو اختلفا وكان المتبايعان معاً بالخيار جاز.
стр. 2642
فلو قال: خذ بأيهما شئت. فروايتان، بناء على أنه التزام أو لا
يعني: لو قال البائع للمشتري: خذ هذا الثوب أو هذه الشاة بدينار، ولم يزد على ذلك. فعن مالك- ﵀ روايتان سببهما ما ذكره المصنف. والبطلان رواية لابن القاسم، وابن وهب. ابن المواز: وهي أصح، والصحة رواية لأشهب.
ولو اشترى على اللزوم ثوبا يختاره من ثوبين أو أكثر جاز، وكذلك العبيد، والبقر، والغنم، والشجر غير المثمر ما لم يكن طعاماً ....
قوله: (يختاره من ثوبين) ظاهره: ولو كانا مختلفي الثمن، وهو مذهب المدونة كما تقدم. وهذه المسألة مقيدة بما إذا كان الخيار للمشتري، وأما إن كان للبائع لم يجز كما بينه في النكاح من المدونة فيمن نكح امرأة على أحد عبديه.
وذكره المصنف في باب الصداق، فقال: ويجوز على عبد تختاره لا يختاره هو كالبيع. وقوله: (ما لم يكن) يعني: المشترى طعاماً، وسيأتي.
وإن اختلفت الأجناس لم يجز كحرير وصوف، أو بقر وغنم
هذا ظاهر، وهو حقيقة بيعتين في بيعة.
ولو اشترى نخلة مثمرة، أو ثمرة نخلة من نخلات لم يجز
لما ذكر أولاً قوله: (ما لم يكن طعاما) تكلم على ذلك، يعني: ولو فرضنا المسألة السابقة في طعام لم يجز، سواء كان مع عرض، وهو قوله: (نخلة مثمرة) أو لا عرض معه، [٤٥٩/ب] وهو قوله: (ثمرة نخلة) وسواء كان الطعام متفقاً كما مثل به، أو مختلفاً كثمرة وقمح. صرح بذلك في المدونة، وعلل بعلتين: التفاضل في بيع الطعام من صنف واحد، وبيعه قبل قبضه إن كان على الكيل، لاحتمال أن يدع واحدة بعد اختيارها ويأخذ أخرى.
стр. 2643
واختلف إذا تساوى الطعام هل يجوز ذلك فيه أم لا؟ فقال فضل: يجوز. وفي كتاب أبي الفرح والواضحة: المنع في ذلك.
ابن حبيب: ويدخله بيع الطعام قبل استيفائه. وضعفوا هذا التعليل، وقالوا: بل يدخله طعام بطعام على خيار وليس يدخله بيعه قبل قبضه، لأنه لو أسلم في محمولة جاز أن يأخذ سمراء مثل الكيل بعد الأجل وهو بلد.
واختار اللخمي في ذلك الجواز، ويحال المشتري في ذلك على دينه، ويؤمر إذا اختار شيئاً ألا ينتقل عنه.
وروى ابن حبيب عن مالك فيمن قال: أبيع منك من هذه الصبرة عشرة آصع وإن شئت من هذه الصرة التي هي من جنسها بدينار وعقدا على ذلك، لم يجز. ابن الكاتب، ومعنى ذلك: إذا تأخر الاختيار عن وقت العقد.
وقال ابن محرز: إذا اشترى عشرة أقفزة يختارها من صبرتين من جنس واحد، توقف فيها الشيخ أبو الحسن، وأجازها من لقينا من الشيوخ.
فضل: وظاهر المدونة الجواز وفيه مغمز، لأن الطعام بالطعام لا يجوز فيه خيار ساعة.
ابن عبد السلام: لا أدري من أين أخذها من المدونة، وفي أواخر كتاب الخيار من المدونة خلافه فانظره.
بخلاف البائع يستثنى أربع نخلات أو خمساً من حائطه إن كانت يسيرة يختارها، فإن مالكا أجازه بعد أن وقف أربعين ليلة، وكرهه ابن القاسم ....
أي: البائع يخالف المشتري في المسألة المتقدمة إذا كان الخيار له، فأجازه مالك إذا كان ما استثنى يسيراً. ولم يكتف المصنف بالأربع عن التقييد باليسير، لأن الحائط قد تكون نخلاته كلها يسيرة.
стр. 2644
ومراده بـ (اليسير) قدر الثلث فأدنى، كما تقدم. ونسب لابن القاسم الكراهة، الذي في الرواية، وقال ابن القاسم:: لا يعجبني ذلك، فإن وقع أمضيته لقول مالك فيه. قال: وما رأيت من أعجبه ولا أحب لأحد أن يدخل فيه. وقد أضاف الباجي إليه المنع. ونقل عنه ابن محرز أنه قال: لا خير فيه.
ابن عبد السلام: والمنع أقرب إلى لفظه.
أبو الحسن: ولو كان مراده الكراهة على بابها، لمضى على قوله ولم يحتج إلى التعليل بمراعاة قول مالك، وعلى هذا فنسبة الكراهة إليه ليست بجيدة. واختلف في الجواب عن توقف الإمام، فقال عبد الخالق: لأن البائع يعلم من حائطه جيده من رديئته، فلا يتوهم فيه أن يختار هذه ثم ينتقل، بخلاف المشتري. وقيل: لأن مالكاً يرى أن المستثنى عنده مبقى غير مشترى، ولو قال: إنه مبيع لمنع.
ومنه بيع عسيب الفحل، وحمل على استئجار الفحل على عقوق الأنثى، ولا يمكن تسليمه، فأما على أكوام أزمان فيجوز ....
روى البخاري عن ابن عمر قال: نهى رسول ﷺ عن عسيب الفحل. ويقال: عسب وعسيب بالياء ودونها. عياض في المشارق: وعسب الفحل المنهي عنه هو كراء ضرابه، العسيب هو نفسه الضراب، قاله أبو عبيدة.
وقال غيره: لا يكون العسيب إلا الضراب، والمراد: الكراء عليه، لكنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقيل: العسيب ماؤه. وفي الجوهري: العسيب الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل. ونهى عن عسب الفحل، تقول: عسب فحله يعسبه، أي: أكراه. وعسب الفحل أيضاً، ويقال: ماؤه.
стр. 2645
وحمل أهل المذهب ذلك على الإجارة المجهولة، وهو أن يستأجره حتى تحمل الأنثي، وهذا هو مراده بعقوق الأنثى، وهذا القدر مجهول، لأنه قد لا تحمل فيغبن صاحب الأنثى، أما إذا كانت الإجارة مضبوطة بأكوام أو زمان فهي جائزة.
عياض: والأكوام جمع كَوم بفتح الكاف، وهو الضراب والنزو. ويقال: كامها يكومها إذا فعل بها ذلك.
فلو سيما أكواماً فعقت في الأولى انفسخت
أي: انفسخت الإجارة في بقية المرات، وسيأتي نظائرها في باب الإجارة إن شاء الله.
وصواب قوله: (عقت): أعقت. الجوهري: وأعقت الفرس، أي: حملت فهي عقوق، ولا يقال: معق إلا في لغة رديئة، والجمع: عقق كرسول ورسل.
ومنه بيع وشرط ، وحمل على شرط يناقض مقصود العقد، مثل ألا يبيع ولا يهب غير تنجيز العتق للسنة ....
ذكر عبد الحق في أحكامه عن عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا أبو حنيفة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط. وحمله أهل المذهب على الشرط الذي لا يتم معه المقصود من البيع. ومثل ما يناقضه بأن لا يبيع ولا يهب، ثم استثنى من ذلك تنجيز العتق، فإنه وإن كان يناقض مقتضى العقد فهو جائز. وأشار بالسنة إلى حديث بريرة، واحترز بالتنجيز من تدبيره أو عتقه إلى أجل أو نحو ذلك، فإنه فاسد.
فرعان مرتبان:
الأول: إذا أجزنا البيع بشرط العتق فهل يجبر عليه وهو قول أشهب، وابن كنانة، أو لا وهو قول ابن القاسم، ثم اختلف [٤٥٧/أ] الأشياخ في محل الخلاف، فقيل: إن
стр. 2646
المشترط عليه إن عقد الشراء على أنه بالخيار في إبقائه لم يجبر، وإن قصد أنه حر بنفس التزام الشراء ألزم ذلك، كذلك إن التزم ذلك، ويجبر عليه إن امتنع وإلا أعتقه عليه الحاكم، وإنما الخلاف فيما إذا وقع الشراء على الإطلاق، وإليه ذهب اللخمي. وقيل: الخلاف فيما إذا اشترط العتق على جهة الإيجاب.
الثاني: إذا قلنا بفساد البيع لأجل اشتراط التدبير ونحوه، وقلنا بفسخه، فلو أسقط البائع شرطه، فقال ابن القاسم: يمضي. وقال أشهب: لا يمضي.
أو يعود بخلل في الثمن، كشرط السلف من أحدهما
هذا قسيم قوله: (على شرط يناقض مقتضى العقد) أي: المنهي عنه قسمان، قسم: يناقض مقتضى العقد. وقسم: يعود بجهالة في الثمن، لأنه لما وقع البيع على السلف صار من جملة الثمن والانتفاع به مجهول. والذي علل به الكثير من علمائنا المنع بأنه يؤول إلى سلف جر منفعة. وعلى هذا فيدعي أن الحكم معلل بعلتين، وما علل به المصنف هو في ابن شاس، وعلل به صاحب الاستذكار.
فلو أسقط، فقولان
أي: لو أسقط مشترط السلف شرطه، فالمشهر صحة البيع إذا تبين أنه لا مقابل له. والشاذ لابن عبد الحكم: لا يصح، لأنهما دخلا على الفساد ابتداء. ورواه المدنين عن مالك. وعلى المشهور من تخيير المتسلف في إسقاط شرطه ويصح البيع، فهل يشترط في التخيير ألا يكون قبض السلف وغاب عليه؟ وأما إن غاب عليه فلا يخير ويرد السلعة وينقض البيع، إذ ثم الربا بينهما للذي اشترط ذلك، ذهب إلى ذلك سحنون وابن حبيب، قالا: وإن فاتت بيدي المشتري ففيها القيمة ما بلغت. وذكر أصبغ عن ابن القاسم أن الغيبة على السلف لا تمنع تخيير المشتري، فيرده إن كانت السلعة قائمة، وإن فاتت فعلى
стр. 2647
المشتري الأكثر من الثمن أو القيمة. واختلف على ما تحمل عليه المدونة من القولين، والأكثرون حملها على قول ابن القاسم. وصرح ابن عبد السلام بمشهوريته. وذكر ابن راشد قول سحنون ثالثاً.
وظاهر إطلاقهم وإطلاق المصنف أنه لا فرق بين أن يكون الإسقاط قبل فوات السلعة أو بعد فواتها، لكن ذكر المازري أن ظاهر المذهب أنه لا يؤثر إسقاطه بعد فواتها في يد مشتريها، لأن القيمة حينئذ قد وجبت عليه فلا يؤثر الإسقاط بعده.
وذكر المازري أن بعض الأشياخ خرج قولاً بالصحة مع إسقاط الشرط ولو مع الفوات، واعترضه. وتركته خوف الإطالة.
ومفهوم قوله: (أسقط) أنه إن لم يسقط لم يختلف في فساده، وهو كذلك. فإن كانت السلعة قائمة ردت، وإن فاتت فثلاثة أقوال: روى يحيي عن ابن القاسم أن عليه القيمة ما بلغت، كان السلف من البائع أو من المبتاع، ويرد السلف.
الثاني مذهب المدونة- نص عليه في كتاب الآجال-: إن كان السلف من البائع فله الأقل من الثمن أو القيمة يوم القبض ويرد السلف وإن كان الثمن مائة والسلف خمسين وكان السلف من المشتري فعليه الأكثر، فإن كانت القيمة أكثر من مائة وخمسين أخذها البائع وإن كانت أقل من مائة وخمسين لم ينقص المشتري من ذلك، لأنه رضي بمائة ثمناً ومعها خمسون يدفعها سلفاً، فإذا قبضنا من المائة وأسقطنا عنه الخمسين فقد أحسنا إليه، وإن كان السلف من البائع فله الأقل منهما، فإن كانت القيمة خمسين أو ستين أخذها، وإن كانت أكثر من مائة لم يزد عليها.
الثالث الأصبغ: قال كذلك إلا لأنه رأى أن القيمة إذا زادت على المائة التي هي الثمن والخمسين السلف لا يقضى للبائع بأكثر منها، لأنه يقال له: أنت رضيت بالمائة تملكها
стр. 2648
وتتبعه بالخمسين، فإذا ملكناك السلف فقد أحسنا إليك. لكن اختلف هل هو وفاق لما في الكتاب أو خلاف، والظاهر هو الأول.
عياض: وظاهر الكتاب خلاف أصبغ. وأورد على المشهور لو باع سلعة وخمراً بثمن فإن البيع لا يصح ولو أسقط الخمر. وفرق القاضي إسماعيل بأن مشترط السلف يخير في أخذه وتركه، وإنما تكون كالسلف لو قال: أبيعك على أني إن شئت أن تزيد في زق خمر زدتني وإن شئت تركته، فلو تركه جاز البيع.
ورده صاحب الاستذكار بأن مشترط الخمر لو شاء تركه كمشترط السلف سواء فلا فرق. وأجاب ابن زرقون: بأن مشترط السلف إذا تركه لم يجبر على أخذه، بخلاف مشترط الخمر، لأنه مشترى له، ومن اشترى شيئاً أجبر على قبضه.
وفرق أيضاً: بأن البيع والسلف أصلان لو انفرد كل واحد منهما لجاز، والخمر لو انفردت وحدها لم يجز، وبأن الفساد في مسألة راجع إلى ماهية المبيع، لفساد المعقود عليه، بخلاف البيع والسلف، فإن الفساد خارج عن الماهية.
فلو باعه المدين سلعة على ألا يقاصه، ففي منعه قولان لابن القاسم وأشهب، بناء على أنه شرط للتأخير أو لا ....
يعني: لو كان لرجل دين حال على آخر فباع المدين سلعة لرب الدين بثمن من جنس الدين وشرط في عقده البيع ألا يقاصه، فقال ابن القاسم: يمنع [٤٥٧/ب] لأن العرف في مثله يقتضي أن ذلك قرينة في تأخيره، ومن أخر ما عجل عد مسلفاً.
قال شيخنا: ولو علل أيضاً بأنه يسامحه فيكون هدية مديان لكان له وجه.
وروى أشهب أنه ليس في التزام عدم المقاصة ما يقتضي تأخيره، ولو شرط التأخير فسد اتفاقاً.
стр. 2649
فأما الرهن والكفيل والأجل فلا
أي: وأما البيع باشتراط هذه الأربعة فليس من المنهي عنه.
ومنه بيع العربان ، وهو أن يعطي شيئاً على أنه إن كره البيع أو الإجارة لم يعد إليه ....
روى مالك، وأبو داود: أنه- ﵊ نهى عن بيع العربان. وكلامه ظاهر التصور. والعربان: العربون، وفيه ست لغات: عُربون وعَربون وعُربان، وبالهمزة موضع العين في الثلاثة.
فرع:
فلو وقع البيع والكراء على ذلك، فقال عيسى بن دينار: يفسخ، فإن فاتت مضت بالقيمة.
ومنه بيع الكلب ، وفي المأذون الكراهة والتحريم. وأما من قتله فعليه قيمته، وأما غير المأذون فلا شيء على قاتله، لأنه مما يقتل
قد تقدم هذا في أول البيوع.
ومنه تفريق الأم من ولدها، قال مالك: ما لم يستغن عن أمه. فقيل: الإثغار. وقيل: سبع سنين. وقيل: البلوغ ...
لقوله ﵊: (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبابه يوم القيامة). حسنه الترمذي.
وما ذكره المصنف عن مالك من تفسير النهي بحالة عدم الاستغناء هو لمالك في المدونة، وفسر فيها الاستغناء بأن في أكله وشرابه ومنامه وقيامه.
واختلف هل النهي لحق الولد- وعليه ما في المختصر- إذا رضيت الأم بالتفرقة فلا بأس؟
стр. 2650
واختار اللخمي، وابن يونس وغيرهما الأول. وقوله: (فقيل: الإثغار) هو كالتفسير للاستغناء. وظاهر كلامه: أن هذه الأقوال لأهل المذهب في تفسير الاستغناء الذي نص عليه مالك، وهو جيد لو لم يكن مالك نص على بعض هذه الأقوال.
وقد نص على الأول في المدونة، فقال: وحد ذلك الإثغار ما لم يجعل به جواريَ كنَّ أو غلماناً.
والقول بسبع سنين لابن حبيب، والقول بالبلوغ رواه ابن غانم، وقال ابن وهب: حد ذلك عشر سنين.
المازري: وقال محمد بن عبد الحكم: لا يفرق بينهما ما عاشا. ولأجل المنع من التفرقة قالوا: إذا اشتراهما شخص ثم اطلع على عيب بأحدهما فليس له إلا رد الجميع.
فإن فرقا، فقيل: يفسخ مطلقاً ويعاقبان، وقيل: إن لم يجمعاهما. وقيل: يباعان
يعني: فإن فرقا إما ببيع، أو إجارة، أو نكاح، أو نحو ذلك. والقول بفسخه- يعني مطلقاً سواء جمعاهما أو لا- ذكره ابن حبيب عن مالك وأصحابه. والقول بفسخه إن لم يجمعاهما- أي في ملك- هو مذهب المدونة. وكان ينبغي تقديمه لأنه المشهور، وقد صرح المازري بمشهوريته. والثالث لابن المواز، قال: وأما الفسخ فلا.
ومنشأ الخلاف هل منع التفرقة حق لله تعالى فيكون العقد على أحدهما فاسداً فلابد من فسخه كالخمر، أو حق لآدم فيكفي اجتماعهما؟ ثم هل في الحوز أو في الملك؟
فإن فرقا بغير عوض، فقيل: يباعان إن لم يجمعاهما في ملك. وقيل: إن لم يجمعاهما في حوز ....
كما لو وهب الأم دون ولدها أو العكس، أو وهب كلاً منهما لشخص، لم يختلف أنه لابد من الجمع. واختلف قول مالك هل لا يكتفي إلا بالاجتماع في الملك كما لو فرقا
стр. 2651
بعوض، أو يكتفى بالاجتماع في الحوز؟ لأن السيد لما ابتدأ فعله بالمعروف من الصدقة والهبة والغالب أنه لم يقصد الضرر فكان كالعتق.
وهذا الثاني هو ظاهر المدونة عند أبي زيد. وقال ابن المواز: أحب إلينا الاجتماع في الملك وإلى من لقينا، ولو جاز هذا الجاز في الوارثين. وقد قال مالك: لا يقتسمان وإن شرط ألا يفترقا في الحيازة.
وحكي عن ابن حبيب ثالث: وهو جواز الجمع في الحوز إذا كان الشمل واحداً، مثل أن تتصدق المرأة على زوجها أو هو عليها، والأب على ابنه والابن على أبيه، لا إن لم يكن الشمل واحداً، وتصح الهبة والصدقة ويؤمر بالمقاواة أو ببيعهما من واحد ويأخذ كل واحد ما ينوبه من الثمن.
تنبيه:
منع التفرقة خاص عندنا بالأم، وتجوز التفرقة في الأب والجد للأب أو للأم، قاله في المدونة وغيرها.
واختار اللخمي منع التفرقة في الأب. فإن قلت: يلزم هنا وفيما إذ فرقا بعوض وامتنعا من جمعهما في ملك جمع الرجلين سلعتهما في البيع كما أشار إليه بعضهم، قيل: يمكن أن يدفع ذلك بأن يقوَّم كل من الولد والأم قبل البيع ثم يفض الثمن عليهما فلا تقع جهالة، أو أجيز ذلك هنا للضرورة الداعية إلى ذلك بخلاف الاختيار. وأجاب بالأول غير واحد، وبالثاني أيضاً عياض.
стр. 2652
ومنه أن يبيع على بيع أخيه، ومحمله إذا ركن البائع، وفي فسخه قولان كالنكاح
في الصحيح: قال ﷺ : ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له)). وعلى ظاهره من أن النهي للبائع أن يبيع على بيع أخيه إذا ركن المشتري إليه، حمله الباجي وعياض.
وقال ابن حبيب: إنما النهي للمشتري دون البائع. وعدم الفسخ لمالك في الواضحة. ابن القاسم: ويستغفر الله ويعرضها على الأول بالثمن، زاد ابن القاسم ويؤدب.
الباجي: ولعله يريد من تكرر ذلك منه، ونقل بعضهم عن مالك: أنه يفسخ ما لم يفت.
وإذا قلنا: يعرضها على الأول، فإن كان الثاني أنفق نفقة [٤٥٨/أ] زادت بسببها أعطاه النفقة مع الثمن، وإن نقصت فإن شاء أخد المبيع ولا شيء عليه وإن شاء تركه، قاله مالك.
ابن عبد السلام: والمنصوص في المذهب أن البائع إذا ركن ليهودي فلا يزاد عليه.
ومنه: بيع النجش ، وهو أن يزيد ليغر
في الصحيح، قال رسول الله ﷺ : ((لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر)).
قوله: (وهو أن يزيد ليغر) هو معنى تفسير مالك له في الموطأ. ولا يخلو إما أن يجعل بائعها من يزيد فيها، أو يفعل ذلك أحد من قبل نفسه ليفتدي به ويزيد عليه من يرغب فيها وليس مراده هو الشراء، فهذا إذا وقع وجب به الرد كما سيأتي.
والنجش في اللغة: هو الإثار والتحريك، لأنه يثير الصدق ويحركه، والناجش للبيع يثير للفساد.
стр. 2653
فإن وقع بدسه أو بعلمه، وقيل: أو بسببه كابنه وعبده ونحوهما، فقال ابن القاسم، وهو المشهود: له أن يرد، فإن فاتت فالقيمة ما لم تزد، وقال مالك: يفسخ كالنكاح في العدة ....
ضمير (دسه) وما بعده للبائع، يعني: أنه اتفق على وقوع النجش إن دس البائع من زاد في السلعة، أو زاد فيها أحد لا يريد شراءها وعلم البائع ولم ينكر. وقوله: (وقيلَ ....) إلى آخره. هو قول ابن حبيب، لكنه لم يسقه على أنه خلاف بل على المذهب. وقد اعترضه بعض من تكلم على هذا الموضع بذلك، ثم ذكر المصنف في الحكم بعد الوقوع قولين، المشهور: أن البيع لا يفسخ. وكذلك صرح المازري بمشهوريته. والمبتاع بالخيار بين أن يتماسك بالمبيع على ثمنه في النجش أو يرد هذا في قيام السلعة، وأما في فواتها فعليه القيمة وكأنه أتلفها ما لم تزد على الثمن الذي رضي البائع وهو ثمن النجش وينبغي أن يتم هذا القول وما لم تنقص عن الثمن الذي كان قبل النجش، ونسب المصنف هذا القول لابن القاسم، ونسبه غيره لمالك. والشاذ: ذكره القزويني عن مالك، ووجهه: القياس على النكاح كما أشار إليه المصنف، وكون الأصلي في النهي أن يدل على فساد المنهي عنه.
خليل: وهذا التعليل الثاني أظهر، وأما القياس فالوصف الجامع غير ظاهر. واختار ابن العربي أن الناجش إذا بَلَّغ السلعة القيمة فهو مأجور، وفيه بعد، لأنه إن لم يرد الشراء فهو إتلاف لمال المشتري، وإن كان مع إرادة الشراء فليس بناجش. ونص ابن العربي على منعه من الزيادة على القيمة.
أشهب عن مالك: وإن أراد بيع سلعة وقال: أعطيت بها كذا وهو صادق، فلا بأس به إذا كان أعطى عن سوم، وأما النجش فلا، أو يكون عطاء قديماً فيكتم قِدَمَه والمبتاع يظن أنه حديث.
فرعان:
الأول، لمالك في الموازية: فيمن قال لرجل ما أُعطِيتَ في سلعتك فلك زيادة دينار، فقال: أعطاني فلان مائة فزاده وأخذها، ثم قال فلان: لم أعطه إلا تسعين. قال مالك:
стр. 2654
يلزمه البيع ولو شاء لتثبت، إلا أن تكون بينة حضرت عطاء فلان دون ذلك فيرد البيع إن شاء ذلك. مالك في العتبية: ولا يمين عليه.
ابن رشد: وإذا قامت البينة فاتت السلعة بما يفوت به البيع الفاسد، ففيها القيمة ما لم تزد على ما تبايعا عليه أو تنقص عما شهدت عليه البينة.
الثاني: عكس الزيادة في النجش سؤال المشتري لبعض أهل السوق الكف عن الزيادة ليشتري بدون القيمة، فإن سأل أهل السوق أو الكثير منهم لم يجز، وإن سأل الواحد، ففي الموازية عن مالك: لا بأس أن يقول المشتري لرجل حاضر كف عني ولا تزد علي، فأما الأمر العام فلا، وكره أن يقول: كف عني ولا تزد علي، فأما الأمر العام فلا، وكره أن يقول: كف عني ولك نصفها ويدخله الدلسة، ولا ينبغي أن تجتمع الباعة فيقولوا: لا تزيدوا على كذا.
ونقل في البيان عن ابن دحون، ووافقه عليه أنه لو قال: كف عني ولك دينار جاز ولزمه اشترى أو لم يشتر. قال: وإنما لم يجز قوله: ولك نصفها في الرواية إذا كان على طريق العطية، فكأنه أعطاه على أن يكف عنه ما لا يملك.
ولمالك في العتبية والواضحة: في عبدين ثلاثة، قال أحدهم لآخر: إذا تقاومناه فلا تزد ليقتدي بك صاحبنا والعبد بيني وبينك، ففعل وثبت ذلك ببينة أو إقرار أن البيع مردود.
قال ابن حبيب: ولم يأخذ به أصبغ ولم يره من النجش وبه أقول، لأن صاحبه لم يرد أن يقتدي بزيادته إنما أمسك عن الزيادة رأساً ليرخصه على نفسه وعلى صاحبه فلا بأس بذلك.
ابن عبد السلام: الذي يظهر ببادئ الرأي قول أصبغ، لكن هؤلاء الثلاثة لما جلسوا للمقاواة صاروا كجميع أهل السوق، وقد قدم عدم الجواز في أهل السوق.
стр. 2655
ومنه بيع الحاضر للبادي ، وفي الموطأ: محمله على أهل العمود لجهلهم بالأسعار، وقيل: بعمومه، لقوله: ولا يبيع مدني لمصري ولا مصري لمدني
قد تقدم النهي، وما نسبه للموطأ تبع فيه ابن شاس، وليس في الموطأ ما ذكراه، ولعلهما اعتمدا في ذلك على ذكره الحديث وسكوته ففهما منه أنه أبقى الحديث على ظاهره، والبادي ظاهر في أهل العمود.
وذكر صاحب البيان في كتاب السلطان، في أهل القرى ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النهي إنما يتناول أهل العمود خاصة دون أهل القرى المسكونة التي لا يفارقها أهلها وهي رواية أبي موسى قرة بن [٤٥٨/ب] طارق عن مالك.
الثاني: أنه يتناول أهل العمود والقرى دون أهل المدن.
الثالث: أنه يتناول أهل العمود والقرى وأهل المدن.
ابن عبد السلام: وكل من القولين الأخيرين لمالك في العتبية والموازية.
(وقيل: بعمومه) أي: بعموم الهي لأهل العمود والقرى، هذا هو القول الثاني الذي حكاه ابن رشد. وقوله: (لقوله) أي: لقول مالك في الموازية: (ولا يبيع مدني لمصري ولا مصري لمدني).
فإن وقع ففي الفسخ قولان، قال مالك: لا يشار على البادي ولا يخير بالسعر
أي: فإن باع حاضر لباد ففي فسخ البيع قولان، والقولان لابن القاسم. والفسخ مروي عن مالك وبه قال أصبغ، وبعدم الفسخ قال ابن وهب وابن عبد الحكم.
وروى عيسى عن ابن القاسم: يفسخ، فإن فات فلا شيء عليه. وروى عنه هو وسحنون أنه يؤدب الحاضر البائع للبادي، زاد عيسى عنه: إذا كان معتاداً. وقال ابن وهب: يزجر ولا يؤدب وإن كان عالماً بمكروهه، ولا يشار عليه، أي: باليد ولا بالعين.
стр. 2656
فرعان:
الأول: لو وجه البدوي متاعاً مع رسول إلى الحضري ليبيعه، فذكر القزويني عن الأبهري جواز بيعه له، وحكى الباجي عن مالك وابن القاسم فسخ البيع في هذه الصورة، وهو الأظهر. المازري: وهو المعروف من المذهب.
الثاني: أجاز مالك في الموازية والعتبية الشراء لهم. وقال ابن حبيب: الشراء كالبيع، وروي أيضاً عن مالك.
ومنه: البيع بعد نداء الجمعة الموجب للسعي على المتبايعين أو أحدهما، فإن وقع فالمشهور الفسخ، وثالثها في حق من اعتاد ذلك
النهي هو ما ورد في القرآن بصيغة الأمر بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]. وقيد النداء بالموجب للسعي احترازاً من النداء الأول، وسواء كان المتبايعان ممن تجب الجمعة عليهما أو على أحدهما. والفسخ مذهب المدونة والمشهور، وعدم الفسخ لمالك في المجموعة، والثالث لعبد الملك.
ورجح الثاني بأن المنع هنا من جهة الزمان وحده والعقدة صحيحة في أركانها وشروطها.
واختلف أيضاً فيمن أخر صلاة حتى لم يبقَ من وقتها الضروري إلا مقدار ما يوقعها فيه فباع في ذلك الوقت، فقال القاضي إسماعيل: يفسخ بيعه، وهو اختيار الشيخ أبي عمران، لوجود العلة في صلاة الجمعة هنا.
وقال ابن سحنون: لا يفسخ. المازري: ويمكن أن يقال بعدم الفسخ هنا، بخلاف الجمعة فإن الجماعة شرط فيها، فمن المصلحة منع كل ما أدى إلى افتراق جمعهم والإخلال بشرط لا تصح الجمعة إلا به، بخلاف غيرها من الصلوات فإن الجماعة ليست شرطاً فيها.
стр. 2657
وألزم القائل بالإبطال أن يبطل بياعات الغاضب، لأنها واقعة في زمان كان يجب عليهم فيه التشاغل برد الغصوبات. وألحق الغرناطي بالبيع يوم الجمعة البيعَ وقت الفتنة، يريد في حق من طلب منه الخروج.
ابن رشد: ويحرم البيع في المكان المغصوب.
فإن فاتت فالقيمة، وقيل: الثمن
القول بالقيمة لابن القاسم وأشهب، والقول بالثمن للمغيرة، وعلله ابن عبدوس بأن فساده في عقده لا في ثمنه، كالنكاح يفسد من جهة عقده.
ويقوم وقت البيع بتقدير الحل، وقال أشهب: بعد الصلاة
هذا فرع على القول بوجوب القيمة، يعني: إذا ألزمناه القيمة، فقال ابن القاسم في الواضحة: تقوم وقت قبضها سائر البياعات الفاسدة، فإنها تقوم مضافة إلى زمان قبضها. وعبارة المصنف عنه بوقت البيع ليست بجيدة، لأنها أعم من وقت القبض.
وقال أشهب: الرجوع على القيمة إنما هو لتصحيح الفاسد، والفاسد في هذا البيع إنما هو من جهة زمانه، فلو أضفنا إليه القيمة لكان تصحيحاً للفاسد بالفاسد، وفيه نظر، لأن هذا إنما هو من باب التقدير، كما تقوم أم الولد وجلد الأضحية والكلب، وإن قلنا أنه لا يجوز بيعهم.
ابن عبد السلام: وحكى بعض المعاصرين عن أصبغ وجوب القيمة يوم التحاكم، ولعله لم يصح عنه فإني لم أقف عليه في شيء من كتب الفقه.
ومنه تلقي السلع ، وروي في حده ثلاثة: الميل، والفرسخان، واليومان
قد تقدم النهي، واختلف العلماء هل النهي لحق الجالب وهو مذهب الشافعي، أو لحق أهل السوق وهو مذهب مالك. واختار ابن العربي أنه من حقهما. وظاهر المذهب أن
стр. 2658
المنع من ذلك على التحريم. وقال ابن الجهم: كان النهي عن التلقي في أول الإسلام، لئلا ينفرد المتلقي بالرخص دون أهل السوق، وأما الآن فلا يقدم أحد إلا وهو على بصيرة بسعر ما يقدم به، فينبغي أن يكره ولا يحرم. والأقوال الثلاثة التي حكاها ظاهرة التصور.
وقال الباجي: يمنع التلقي قرب أو بعد، وهو ظاهر الحديث. وأما الغلات التي يَلحق أهلَ الأصولِ ضررٌ بتفريق بيعها كثمار الحوائط التي حول البلد، فاختلف هل يجوز لبعض أهل المدينة أن يخرج ليشتريها ثم يبيع هو لأهل المدينة؟ فروى ابن القاسم عن مالك: لا بأس بذلك. وقال في سماع أشهب: هو من التلقي، رواه عن مالك. ولو ورد خير السلعة فاشتراها شخص على الصفة، فقال مالك: هو من التلقي. وإن كان الأمر بالعكس فوصلت السلعة ولم يصل بائعها فتلقاه رجل فاشتراها منه، فقال [٤٥٩/أ] الباجي: لم أر فيه نصاً وهو عندي من التلقي.
ومن مرت به سلعة ومنزله بقرب المصر المجلوب إليه على نحو ستة أميال فله أن يشتري ما يحتاج إليه لنفسه لا للتجارة، ولو كانت داره بالبلد نفسها فمرت به السلعة فقولان، ولو لم يكن للسلعة سوق فإذا دخل بيوت الحاضرة والأزقة جاز شراؤه، قاله مالك وأصحابه. وإذا بلغت السلعة سوقها ثم انقلب بها، فلا بأس أن يشتريها من مرت به.
فإن وقع، فثالثها: يمضي ولطالبها الاشتراك
أي: فإن وقع شراء التلقي، ففي المسألة ثلاثة أقوال، الأول: يمضي ولا يفسخ. المازري: وهو المشهور، وهو قول مالك وغيره من الأصحاب. الثاني: لمحمد وابن حبيب: يفسخ. المازري: وعلى عدم فسخه فروى ابن القاسم أنه لا ينتزع من يد المتلقي، وبه قال ابن القاسم. وروى ابن وهب أنها تنزع من يده. انتهى. ورواية ابن وهب هي القول الثالث في كلام المصنف. ابن القاسم عن مالك: ويُنْهَى، فإن عاد أُدِّبَ.
стр. 2659
وفي الإكمال: المشهور عن مالك وأكثر أصحابه أن تعرض على أهل السوق، فإن لم يكن سوق فأهل المصر يشترك فيها من شاء منهم.
بيوع الآجال لقب لما يفسد بعض صوره منها، لتطرق التهمة، فإنها قصدا إلى ظاهر جائز ليتوصلا به إلى باطل ممنوع حسما للذريعة ....
لما انقضى كلامه على البيوع التي نص الشرع على المنع منها عقبها ببيوع يتوصل بها إلى الممنوع، منعها أهل المذهب وغيرهم وسميت ببيوع الآجال، لأنها لا تنفك عن الأجل. وقوله: (لقب) أي: علم، ولعله عبر باللقب إشارة إلى الذم، لأن قوله: (لما يفسد) فيه إشارة إلى ذلك. ثم هل كلٌّ من لفظة البيوع والآجال باق على دلالته، أو سلبت دلالة كل واحد وصار المجموع اسماً لما ذكره فيه احتمال، والثاني أظهر.
و (ما) في: (لما يفسد) يحتمل أن تكون موصولة أو موصوفة، وضمير: (صوره) عائد على (ما) لا على اللقب كما قال ابن راشد، لأن الفاسد بعض الملقب لا بعض اللقب. وقيل: الاسم للمسمى تكلف ويلزم عليه خلو الموصول من عائد، وضمير: (منها) عائد على بيوع الآجال. ولا يقال: يلزم الدور لأنه عرف الشيء بنفسه، لأن المراد شرح اللفظ لا الحد والرسم. و (لتطرق) متعلق بـ (يفسد) و (حسما) مفعول لأجله عامله محذوف، أي: فمنعه الشارع لأجل حسم الذريعة، والذريعة: بالذال المعجمة الوسيلة، وأصله عند العرب لما تألفه الناقة الشاردة من الحيوان لتنضبط به فنقلت إلى البيع الجائز للتحيل به على ما لا يجوز فهو من مجاز المشابهة.
وأورد ابن عبد السلام دخول ما ليس من بيوع الآجال، كبيع فضة رديئة من شخص يذهب ثم يشتري به منه فضة طيبة دون الأولى وزناً في مجلس أو مجلسين متقاربين،
стр. 2660
وكاقتضاء طعام من ثمن طعام مخالف له وغير ذلك. وعلى ما تقدم من أن المراد: شرح اللفظ لا يرد هذا، ولو سلم أن المراد: الرسم، ففي صدر كلامه ما يخرجها، لأنه قال: لقب لما يفسد، أي: لقب لصور مخصوصة من البيوع الأجلية يفسد بعضها للتهمة. وتلك الصور المخصوصة مذكورة في الباب، وليست الصورتان وشبههما منها.
وأجمعت الأمة على المنع من بيع وسلف ولا معنى سواه
أتى بهذا حجة لسد الذرائع، يعني: أن كل واحد من البيع والسلف على انفراده جائز بإجماع الأمة، وأجمعت على المنع من اجتماعهما للذريعة، ولا سبب إلا التهمة على الزيادة في السلف. والأصل: عدم غيره، ولاسيما وقد يحث على غير ذلك فلم يوجد، ولا يقال: لم لا يجوز أن يكون تعبداً لأنه خلاف الأصل، ولأن المتعقل أقرب إلى الانقياد فوجب الحمل عليه. وإذا ثبت هذا فتمنع كل صورة فيها تهمة للإجماع على المنع لأجلها.
وقد يعترض هذا الدليل بأن حكاية الإجماع ليست بجيدة، لأنه إما أن يكون ذلك إذا لم يكن السلف بشرط، أو إذا كان فالأول لا يصح، لأن الشافعي يجيزه، والثاني المنع فيه عند الشافعي إنما هو لأجل الشرط لا للتهمة، لكن الظاهر منع هذه البياعات، لأن إجازتها تستدعي الوقوع في المحرم البين كما هو مشاهد بالديار المصرية.
فإن كان مما يكثر القصد إليه كبيع وسلف، أو سلف جر منفعة منع وفاقاً
لما قرر المنع وكانت أسبابه مختلفة بالقوة والضعف أخذ يبين ذلك، والقوي: ما يكثر القصد إليه. وقوله: (فإن كان) أي: الباطل الممنوع، ومثل ما يكثر القصد إليه ببيع وسلف، وسلف جر نفعاً. وإنما كان مما يكثر القصد إليه لما فيه من الزيادة، والنفوس مجبولة على حبها فلذلك يتحيل عليها.
стр. 2661
مثال البيع والسلف: أن يبيع سعلتين بدينار إلى شهر ثم يشتري واحدة منهما بدينار نقداً، وقاعدة مالك- ﵀ وأصحابه: عدُّ ما خرج من اليد وعاد إليها لغوا، وكأن البائع خرج من يده سلعة ودينار نقداً يأخذ عنهما عند الأجل دينارين، أحدهما عوضٌ عن السلعة وهو بيع، والثاني [٤٥٩/ب] عوضٌ عن الدينار المنقود وهو سلف جر منفعة.
ومثال سلف جر منفعة- المسألة التي هي أصل هذا الباب-: أن يبيع ثوباً بعشرة إلى شهر، ثم يشتريه بثمانية نقداً، فقد رجع إليه ثوبه وخرج من يده ثمانية يأخذ عنها عشرة.
وقوله: (منع) أي: البيع الموصل إلى هذا الممنوع. وأشار ابن راشد إلى أنه كان ينبغي أن يكتفي ببيع وسلف، لأن ذكر سلف جر منعفة يغني عنه، لأن البيع والسلف إنما منع لأدائه إلى سلف جر منفعة. وأجيب: بأنه وإن كان مؤدياً إليه إلا أنه تعليل بالمظنة فهو أضبط.
وإن كان مما يقل، كدفع الأكثر مما فيه الضمان وأخذ أقل منه إلى أجل، فقولان ....
(إلى أجل) متعلق بـ (دفع) أي: وإن كان الباطن الممنوع قليل الوقوع لقلة من يقصد إليه، لأن الغالب دفع الأقل لتحصيل الأكثر لا العكس، كما لو باع ثوبين بعشرة دراهم إلى شهر، ثم اشترى منه عند الأجل أو قبله ثوباً منهما بالعشرة فآل أمره إلى أنه دفع له ثوبين ليضمن له أحدهما بثوب إلى أجل. وظاهر المذهب من القولين الجواز لبعده.
ابن بشير، وابن شاس: والقولان مشهوران، ولا خلاف أن صريح ضمان بجعل ممنوع، لأن الشرع جعل الضمان والجاه والقرض لا يفعل إلا لله بغير عوض، فأخذ العوض عليه سحت.
وإن كان بعيداً جداً، كأسلفني وأسلفك، فالمشهورة: جوازه
(وأسلفك) منوصب بعد الواو على معنى الجمع، أي: ليجتمع سلف منك وسلف مني. والشاذ لابن الماشجون، ومثاله: لو باعه ثوباً بدينار إلى شره ثم اشتراه بدينار نقداً
стр. 2662
وبدينار إلى شهرين، والسلعة قد رجعت إلى صاحبها ودفع الآن ديناراً يأخذ بعد شهر دينارين إلى شهرين أحدهما عوض عما كان أعطاه، والثاني كأنه أسلفه على أن يعطي عند مضي شهر آخر، واستبعد ابن عبد السلام أن يكون هذا أضعف مما قبله، لأن العادة طلب المكافأة على السلف بالسلف.
وأجيب: بأن المستبعد الدخول على أن يسلفه الآن ليسلفه بعد ذلك بشهر، إذ الناس يقصدون السلف عند الاضطرار.
ولو اعتبر البعيد لمنع بالمثل وبأكثر نقداً، وبأقل إلى أبعد إذا كانت السلعة بيده متمكناً من الانتفاع، وقد التزمه بعضهم ....
يعني: أنه لا ينبغي أن يعتبر الباطن إذا كان بعيداً إذ لو اعتبر للزم المنع في ثلاث صور، وهي جائزة اتفاقاً، أولها: أن يبيعه سلعة بثمن إلى أجل فتقيم عند المشتري مدة يمكنه الانتفاع بها، ثم يشتريها بمثل ذلك الثمن نقداً. ثانيها: كذلك ويشتريها بأكثر نقداً. ثالثها: كذلك ويشتريها بأقل إلى أبعد، كما لو باعها أولاً بعشرة إلى شهر، ثم اشتراها بعد خمسة عشر يوماً بخمسة إلى شهرين.
ابن عبد السلام: وتبع المصنف في هذا ابن بشير. وكلامه في هذا الفصل مختل، وإنما يصح المعنى الذي قصدوه في الصورة الثالثة، لأن البائع دفع عشرة يأخذ عنها خمسة بعد ذلك والانتفاع الذي حصل من السلعة، فيكون بيعاً وسلفاً، وإنما يجوز إذا رجع إليه المثل أو الأقل، فإن رجع إليه الأكثر فلا يجوز.
وأما الصورتان الأولتان، فابن القاسم وغيره يجيزهما ولا مانع فيهما محقق ولا متوهم. وقال شيخنا: بل المعنى كما قال المصنف، وهو أن المنع يترتب على كل ما لو نطقا به ابتداء لمنع، والمنع فيهما لأجل الضمان بجعل، لأنه إذا اشتراها بالمثل نقداً فقد جعل
стр. 2663
ذلك الانتفاع جعلاً على ضمانها في مدة الانتفاع والزيادة. وإذا تبين لك ذلك في المثل كان بيانه مع الزيادة أحرى، لكون الجعل حينئذ الانتفاع والزيادة.
فقول ابن عبد السلام: وكلام ابن بشير مختل ليس بظاهر، وقول المصنف: إذا قامت السلعة بيده، تنبيه على المعنى الموجب للتهمة.
وقوله: (التزمه بعضهم) عبر بالالتزام، وعبر ابن بشير بالإلزام، فقال: وألزم بعضهم على مراعاة التهم البعيدة أن يمنع، وذكر الثلاث صور كما ذكرها المصنف. ولم يعلل ابن بشير المنع في الثلاث بما علله به شيخنا، بل علل بالبيع والسلف، ويكون الثمن سلفاً والمنفعة مبيعة بالسلعة.
وبقي هنا شيء وهو: إن كان المراد ببعضهم غير ابن محرز فحسن، لكن لم أقف عليه، وإن كان هو المراد كما قيل ففيه نظر، لأن ابن محرز إنما تكلم على الصورة الثالثة، ويتبين لك ذلك بالوقوف على كلامه، فقال: إذا باع سلعة بمائة إلى شهر، ثم اشتراها بمائة نقداً أو إلى الأجل، أو أبعد منه فذلك جائز، لأنه لا تهمة في ذلك من وجه، إلا أنه إذا اشتراها بمثل الثمن أو أقل منه إلى أبعد من الأجل كان بيعاً وسلفاً، فإن قدر ما يرجع إلى المشتري سلفاً وما زاد على ذلك ثمناً للإجارة فيما انتفع بالسلعة فصار بيعاً وسلفاً.
وكذلك إن اشتراها بأقل من الثمن إلى أبعد من الأجل، لأنه يكون إجارة وسلفاً، ولم أر يذهب إلى هذا، وإنما يعتبرون بصورة الحال عند العقد الثاني، فإذا لم تكن فيه تهمة أجازوه. فعلى هذه الطريقة [٤٦٠/أ] لا يعتبرون ما تقدم من انتفاعه بالسلعة قبل العقدة الثانية، إلا أن أبا الفرج ذكر في كتابه عن ابن الماجشون أنه قال: لا يجوز أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم يشتريها بذلك الثمن إلى أبعد من الأجل.
стр. 2664
ابن محرز: ولا أعلم له وجهاً إلا ما ذكرته من الانتفاع بالسلعة.
المازري: ولم أقف على ما نقله ابن محرز في الحاوي. قال: وإنما حكى أبو الفرج عن عبد الملك أنه يمتنع أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل، ثم يشتريها وسلعة أخرى بذلك الثمن أو بأكثر منه إلى أبعد من ذلك الأجل.
خليل: وستأتي هذه المسألة في كلام المصنف في آخر الباب.
فمن باع سلعة تعرف بعينها إلى أجل ثم اشتراها، فاعتبر ما خرج وما رجع وألغ الوسط، فإن جاز وإلا بطل ....
هذا هو القانون لهذا الباب، واحترز بقوله: (تعرف بعينها) من المكيل والموزون، فإن له حكماً يخصه سيأتي. وقوله: (إلى أجل) أي: بثمن إلى أجل، فاعتبر ما خرج من اليد، أي: السابقة بالعطاء، سواء كانت يد البائع أو المشتري، وما عاد إليها ثانياً. (وألغ الوسط) وهي السلعة المبيعة. فإن جاز بأن الراجع مثل ما خرج منها أو أقل، وحذف جواب الشرط، أي: جاز البيع - وسيظهر لك ذلك - وإلا بطل، أي: وإن لم يكن ما رجع مثل الخارج أو أقل بطل، وقد تقدم.
فإن كانت الأولى نقداً لم يتهم على المشهور إلا أهل العينة فيهما، وقيل: أو في أحدهما ....
أي: فإن كانت البيعة الأولى نقداً. ومفهوم كلامه: أن الثانية إلى أجل، فالمشهور وهو مذهب ابن القاسم وأشهب: أنه لا يتهم في ذلك إلا أهل العينة. والشاذ: أنه يتهم في ذلك كل واحد، وهو لمالك في الموازية.
ابن عبد السلام: وأما إذا كانت معاً نقداً فلا يتهم إلا أهل العينة باتفاق.
وقوله: (فيهما، وقيل: أو في أحدهما) أي: في المتبايعين، يعني: إذا لم يتهم إلا أهل العينة فلابد أن يكون المتبايعان من أهلها.
стр. 2665
وقيل: يكتفى بأحدهما وهو لمحمد. ووجهه: أنه قد يحمل صاحبه عليها.
اللخمي: يريد إلا أن يكون الآخر من أهل الدين والفضل، فلا يحمل على أنه عامله عليها.
فإن كان الثمنان عيناً على صفة واحدة فقد يكون الثاني نقداً مساوياً، وأقل، وأكثر فهذه ثلاث، وقد يكون إلى أجل في الثلاث، ثم الأجل مساو، وأقل، وأكثر صارت اثنتي عشرة صورة، فإن تعجل منها الأقل امتنع، وهي ثلاث
قوله: (على صفة واحدة) أي: سكة واحدة ونوع واحد. وقوله: (فقد يكون الثاني نقداً) أي: مع أن البيعة الأولى إلى أجل. وحاصله: أن للشراء أربعة أحوال، إما نقداً، أو إلى أجل دون الأجل، أو إلى الأجل نفسه، أو إلى أبع منه.
ثم كل من هذه الأربعة: إما بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر. صارت اثنتي عشرة صورة يمنع منها ثلاث، أشار إليها بقوله: يمتنع منها ما تعجل فيه الأقل. وهي: بأقل منه نقداً، وبأقل إلى دون الأجل، وبأكثر إلى أبعد من الأجل. وتجوز التسع البواقي، وضابطها أن تقول: إن تساوى الأجلان فاحكم بالجواز ولا تبالي باختلاف الثمنين. وإن تساوى الثمنان فاحكم بالجواز ولا تبالي باختلاف الأجلين. وإن اختلفا فانظر لليد السابقة بالعطاء، فإن رجع إليها مثل ما خرج منها أو أقل جاز، وإن رجع إليها أكثر امتنع.
بيانه: أنه باعه بعشرة إلى شهر، ثم اشتراها بثمانية نقداً أو إلى أجل نصف شهر، فقد رجعت إليه سلعته وخرج منها ثمانية يأخذ عنها بعد ذلك عشرة. وكذلك إذا اشتريت باثني عشر إلى شهرين يعطي المشتري بعد شهر عشرة يأخذ بعد ذلك اثني عشر، وعاد المشتري في هذه الثالثة مسلفاً.
следующие страницы →