Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
المازري، وابن يونس، وابن شاس. وإلى دفع البقية للأوسط للأوسط أشار المصنف بقوله: (ويأخذ الثاني بقية الثمن).
ابن يونس: ووجهه أن الأول مدلس بعيب هلك العبد بسببه فوجب أن يرد الثمن على بائعه. أصله: لو أبق عند الثاني، وأما الثاني فلم يدلس في الثالث فلم يجب له إلا قيمة العيب من ثمنه، فإذا أخذه من بائعه الأول فلا كلام له. وليس هو قول أصبغ، وإنما رواه عن ابن القاسم. وهذا تقرير هذا المحل.
وما ذكره ابن راشد: أن مراد المصنف أن الثالث بعد أن يأخذ قيمة العيب من الأول يأخذ بقية الثمن من الثاني ليس بظاهر، ولعل ذلك لأن في نسخته: (بقية الثمن) والصواب: (بقية) كما ذكرنا.
وقال محمد: يرجع الثالث، إما على الثاني بالأرش فيكون على الأول للثاني الأقل مما غرم وكمال الثمن الأول. وإما على الأول بالأقل من الأرش وكمال الثمن الأول فلا يكون على الأول للثاني شيء ....
أي: يرجع الثالث على الثاني إن تأتي له الرجوع عليه بأرش عيب التدليس، ثم يكون على الأول لهذا الثاني الأقل من الأرش أو كماله ثمنه. مثاله: لو باعه الأول بمائة والثاني بمائة وعشرين، وكان الأرش خمسين، فيبقى بيد الثاني سبعون، فيرجع بثلاثين تمام مائته. ولو كان الأرش ثلاثين لرجع بعشرة تمام ثمنه، لأنه إن كان تمام الثمن الأقل فقصاراه أن يكون العبد هلك، ولو هلك عنده لما كان عليه إلا الثمن الذي أخذ منه، وإن كان ما غرمه أقل لم يرجع بغيره، لأنه لولا الغرم لما توجه له رجوع. وإن لم يتأتى للثالث على غريمه رجوع فيرجع على الأول، لأنه غريمه فيلزم أن يدفع له أقل الأمرين المذكورين، لأنه قصارى ما يلزم الأول للثاني.
стр. 2767
وتحصيل هذا القول عند ابن يونس: أنه لا يغرم الأول للثالث إلا ما كان يرجع به على الثاني لو غرم الثاني للثالث قيمة العيب، وهو الأقل من قيمة العيب من ثمن الثالث أو من ثمن الثاني، أو تمام رأس مال الثاني. قال: وهو الذي أراد محمد.
خليل: وفي كون الثالث لا يرجع عليه إلا بأقل الأمرين نظر. والظاهر: أنه يرجع عليه بمجموع الثمن الذي أخذه لتدليسه. والله أعلم.
وإذا أحدثت زيادة كالصبغ أخذ الأرش أو رد وكان شريكاً بما زاد، لا بقيمته ولا بمساو، دلس أو لم يدلس ....
أي: أن من اشترى ثوباً فصبغه فزادت به قيمته ثم اطلع على عيب، فإنه يكون مخيراً بين أن يأخذ قيمة العيب ويتماسك بالثوب، أو يرده على بائعه ويكون شريكاً معه في الثوب بما زاده الصبغ، وسواء دلس البائع هنا أو لم يدلس.
مثاله: لو كانت قيمته بلا صبغ عشرة، وبالصبغ اثني عشر فيكون شريكاً بالمسدس.
واختلف الشيوخ هل تعتبر هذه الزيادة يوم البيع كما يعتبر النقص وهو اختبار ابن يونس، أو لا تعتبر إلا يوم الحكم وهو قول ابن المواز والقابسي.
وقوله: (كان شريكاً بما زاد) كذلك قال سحنون: فيمن ألقت الريح ثوبه في قصرية صباغ.
فرع:
فلو كان الصبغ منقصاً في مسألة البيع كان له ردها بغير غرم إن كان البائع مدلساً، أو حبسها وأخذ الأرش، وإن كان غير مدلس كان كعيب حدث، وقد تقدم حكمه قاله في الجواهر.
والصبغ بكسر الصاد: هو ما يصبغ به وهو مراد المصنف، وأما بالفتح فهو المصدر.
стр. 2768
وأشار بقوله: (لا بقيمته) إلى مخالفة هذا الاستحقاق، فإنه إذا اشترى ثوباً فصبغه، ثم استحق من بيده فأبى البائع أن يعطي قيمة الصبغ وأبى المشتري أن يعطي قيمة الثوب، فالمشتري يكون شريكاً بقيمة الصبغ. وفرق بأنه في الاستحقاق أخذت من يده قهراً فكان شريكاً بالقيمة، إذ قد لا يزيد الصبغ فيمضي [٤٧٧/أ] باطلاً، بخلاف العيب فإنه يخير فيه. وذكر المازري عن بعض الأشياخ: أنه جعل الرد بالعيب كالاستحقاق.
وقال أصبغ في العامل في القراض يصبغ الثوب من عنده فلم يعطه رب المال ما صبغه به، أنه يكون شريكاً بما أدى. وفرق بأن له حصة في السلعة وهو مأذون له في تنمية المال، فكأنه صبغه بإذن ربه. وقالوا فيمن دفع ثوبه إلى صباغ فأخطأ وصبغه بغير ما أمر به واعترف الصباغ بذلك: أن له أن يعطيه قيمة الصبغ ويأخذ ثوبه، أو يضمنه قيمته يوم قبضه كالغاصب والسارق. وقالوا في الغاصب والسابق يصبغان الثوب: يخير ربه في إعطاء قيمة الصبغ أو يضمنها قيمة الثوب غير مصبوغ، ولا يكونان شريكين لتعديهما.
واعلم أن المصنف إنما نص على قوله: (دلس أو لم يدلس) تنبيهاً على أن التدليس لا فرق بينه وبين غيره هنا، وإن كان يفترق في مسائل أخرى.
قال جماعة: والمسائل التي يفترق فيها حكم المدلس من غيره خمس، الأولى: إذا صبغه صبغاً ينقص به، فإن كان البائع غير مدلس فذلك عيب حادث عند المشتري، فيخير إما أن يرد ويعطي أرش ما حدث عنده، أو يتماسك ويأخذ ارش القديم، وإن كان البائع مدلساً لم يكن على المشتري للنقص شيء.
والثانية: أن يحصل عيب أو عطب من العيب الذي باعه به، مثل: أن يكون ابقاً فيأبق عند المشتري، أو سارقاً فيسرق وتقطع يده. فإن كان البائع مدلساً كان ما أصابه عند المشتري منه، وإن لم يكن مدلساً فالضمان في ذلك على المشتري.
стр. 2769
والثالثة: أن يبيع الرجل سلعة وبها عيب، ثم يشتريها من المشتري بأكثر مما باعها به، فإن كان البائع مدلساً لم يكن له رجوع على المبتاع، وإن كان غير مدلس رجع عليه بما زاده على الثمن.
والرابعة: إذا دلس بعيب في سلعة فردت عليه، لم يلزم السمسار أن يرد الجعل، بخلاف ما إذا لم يدلس.
والخامسة: من باع البراءة ما يجوز بيعه بالبراءة، فإنه يبرأ مما لم يعلم به، ولا يبرأ مما علم ودلس به. والله أعلم.
ويقوم القديم والحادث بتقويم المبيع يوم ضمنه المشتري
لما ذكر حكم النقص والزيادة تكلم في كيفية التقويم بهما وفي وقته.
وقوله: (بتقويم المبيع) أي: لا يقومان بانفرادهما، وإنما يقال: كم قيمة المبيع بالعيب القديم، وكم قيمته بالحادث. و (يوم ضمنه) معمول ليقوم، أي: يقوم بالعيبين إذا احتيج إلى قَيمتها معاً، وإلى قيمة القديم وحده يوم ضمن المشتري المبيع، لا يوم الحكم ولا يوم العقد، ولا يفصل فيقال: يقوم القديم يوم ضمان المشتري والحادث يوم الحكم، خلافاً لابن المعذل، وسيأتي.
فإن أمسك قوم صحيحاً والعيب القديم
أي: فإن اختار المشتري التمسك بالمبيع وأخذ قيمة القديم حيث يكون له التخيير، فإن المبيع يكفي فيه حينئذ تقويمان، يقوم صحيحاً، ثم معيباً بالقديم. فمهما نقص أخذ نسبة النقص من الثمن.
الباجي: مثل أن تكون قيمتها سالمة عشرة وبالعيب ثمانية، فيعلم أن العيب خمس الثمن، فيرجع على البائع المشتري، فإن كان اشتراه بخمسة عشر رجع عليه بخمسها وهي ثلاثة.
стр. 2770
وإن رد قوم ثالثاً بهما
أي: وإن اختار الرد قوم تقويماً ثالثاً بالعيبين معاً- القديم والحادث- فما نقصته القيمة الثالثة عن القيمة الثانية حسب ذلك من القيمة الأول ورد المشتري على البائع تلك النسبة من الثمن. وهكذا قال الباجي، فإنه قال بعد الكلام الذي ذكرناه: فإن أراد الرد فإن القيمتين لابد منهما، فإذا تقدمتا جعلت قيمة السلعة بالعيب القديم أصلاً، ثم يقومها قيمة ثالثة بالعيبين القديم والحادث، فيرد من ثمن المبيع بقدر ذلك.
وذلك كما لو قيل في مسألتنا: إن قيمتها بالعيبين ستة. فيعلم أن العيب الحادث عند المشتري نقص من قيمة المبيع بعيبه الربع فيرجع من ثمنه بذلك، وقد علمنا أن الباقي بعد البيع الأول اثنا عشر فيرد مع العبد ربع ثمنه بالعيب القديم، وذلك ثلاثة. هذا معنى ما ذكره ابن القاسم في المدونة وغيرها. انتهى. وإن شئت قلت: يرد خمس الثمن.
ومثاله أيضاً: لو كان يساوي صحيحاً مائة، وبالعيب الأول ثمانين، وبالثاني ستين وكان الثمن مائتين، فإما أن يتمسك ويأخذ أربعين، وإما أن يرد ويعطي أربعين. وهكذا نص عليه ابن يونس، ومحمد، والمازري، وصاحب المقدمات.
فإن كانت زيادة قوم رابعاً بالجميع، وكان شريكاً بنسبة ما زاد عليها
كلام المصنف يقتضي أنه مع حدوث الزيادة لابد من أربع قيم، وفيه تفصيل، لأنه إن تمسك فلا يحتاج إلى تقويمين، يقوم صحيحاً، وبالعيب القديم ليرجع المشتري على البائع بما يقابله. ولم يتكلم المصنف على هذا لوضوحه، وإنما تكلم على الرد لأن قوله: (فإن حدثت زيادة) مفرع على قوله: (فإن رد قوم ثالثاً).
وما ذكره المصنف من الأربع قيم نحوه في المازري، فإنه قال بعد أن فرض أن الزيادة التي زادها المشتري خياطة، وإن كان العيب الذي حدث عند المشتري هو قطع الثوب،
стр. 2771
أعني: إذا كان البائع غير مدلس أو كان مدلساً لكنه قطعه غير القطع المعتاد كما قدمناه. ويقال: ما قيمة هذا الثوب لا عيب فيه؟ فإن قيل: وما قيمته وبه العيب الذي كان [٤٧٧/ب] عند البائع؟ فإن قيل: تسعون. قيل: وما قيمته مقطوعاً؟ قيل: ثمانون. قيل: وما قيمته مخيطاً؟ فإن قيل: تسعون. فقد علمت أن العشرة التي وجبت على المشتري لنقص القطع قد جبرها ما فعل من الخياطة، فلا يكون على المشتري قيمة نقص القطع. وإن قيل: قيمته مخيطاً خمسة وثمانون. فقد جبرت الخياطة نصف مقدار العيب، ويطالب بمقدار نصف عشر الثمن. وإن قيل: ثمنه مخيطاً خمسة وتسعون. فقد جبرت الخياطة قيمة النقص وزادت على ذلك خمسة دنانير وهي نصف العشر، فيكون المشتري شريكاً في الثوب بمقدار ذلك.
وقال ابن عبد السلام: فيما ذكره المصنف نظر. ولا احتياج على تقويمه صحيحاً، بل ذكر التقويم صحيحاً يوهم أن يكون البائع شريكاً بقيمته صحيحاً. ولا يصح لأنه إنما خرج من يده معيباً، وكذلك أيضاً لا احتياج إلى تقويمه بالحادث، لأن الزيادة إنما تظهر بعد بجبره بالصنعة المزيدة. فلو شارك المشتري البائع بما زادته الصنعة على مجموع العيبين مع أن العيب الثاني إنما حدث في ملك المشتري، لكان في حيف على البائع. نعم يحتاج إلى ثلاث قيم إذا شك في الصبغ هل يجبر الحادث، أم لا؟ فالذي يوجبه النظر أن يقوم بالعيب القديم وحده، لأن ذلك هو الذي خرج من يد البائع، ثم يقوم بالصنعة الحادثة، فإن وقعت زيادة على ذلك في مثل تلك الزيادة تكون الشركة الواجبة للمشتري مع البائع.
خليل: وفيه نظر، لأنه لابد من تقويمه بالعيب الحادث ثم بالصنعة، ليعلم هل تلك الصنعة تجبر العيب الحادث أم لا، وقد سلم أنه يقوم بالعيب القديم، فهذه ثلاث تقويمات.
стр. 2772
وقوله: نعم قد يحتاج إلى ثلاث قيم إذا شك. يقتضي أنه قد يستغنى عن بعض هذه الثلاث ولا يمكن ذلك، وحينئذ إنما ينتفي تقويمه صحيحاً.
وجوابه: أنه لا يعلم العيب القديم إلا بتقويمه صحيحاً، ولو كان كما قال، لزم فيما إذا لم يحدث زيادة ألا يقوم إذا أراد المشتري الرد إلا تقويمين، يقوم بالعيب القديم، إذا لم يحدث زيادة ألا يقوم إذا أراد المشتري الرد إلا تقويمين، يقوم بالعيب القديم، ثم بالحادث، ويرد نسبته لأنه لا احتياج إلى تقويمه صحيحاً، لأن السلعة لم تخرج من يد البائع إلا معيبة. ولا خفاء في عدم ذلك كما صرح به الباجي والمازري وغيرهما. والله أعلم.
وقيل: يقوم الحادث يوم الرد
هذا قول أحمد بن المعدل بناه على أن الرد بالعيب فسخ بيع.
وإذا تعدد البائع، جاز رد حصة أحدهما
يعني: إذا باع رجلان فأكثر سلعة أو سلعاً على الشركة فاطلع المشتري على عيب، فله أن يرد نصيب أحدهما دون الآخر، ولا مقال لمن رد عليه، لأن ملكه تبعض ابتداء.
وفي رد أحد المشتريين قولان
اختلف إذا تعدد المشتري واتحد البائع، هل لأحد المشتريين الرد دون الآخر قياساً على تعدد البائع أو لا، لأن في التشقيص ضرر على البائع؟ ورجع مالك إلى الأول. ابن القاسم: وهو أبين، إذ لو فلس أحدهما لم يتبع إلا بنصف الثمن. وأخذ أشهب بالثاني، فقال: ليس لهما إلا أن يرد أو يحبسا. والقولان في المدونة. ومنشأ الخلاف: هل العقد يتعدد بتعدد المبتاع كما لو تعدد بتعدد البائع أو لا؟ وإذا فرعنا على الرواية التي اختارها أشهب ولم يرض البائع بتبعيض الصفقة، فقال ابن وهب: إذا أراد أحدهما الرد وأبى الآخر تقاوما، لأن البائع لا يقبله إلا كله. وقال ابن المواز: للمتمسك أخذ نصيب الرادَّ.
стр. 2773
وحكى عبد الوهاب عن المذهب: إذا أبى أحد المتبايعين من الرد مع صاحبه لم يكن لصاحبه الرد، وكان له الرجوع بقيمة العيب.
الباجي: وهكذا يجب أن يكون الصحيح من المذهب مثل ما حكاه ابن القاسم عن مالك في الذي يشتري عبداً فيبيع نصفه ثم يطلع على عيب فيريد الرد، فإنه يخير البائع إما أن يقبل النصف الباقي أو يدفع قيمة نصف العبد.
الباجي: وهذا مقتضى القياس. وعلى قول أشهب يحتمل أن يكون معنى قوله: إما أن يردا جميعاً أو يمسكا جميعاً، ولم يبين إذا رد أحدهما.
وإذا تعدد المبيع، فإن كان المعيب وجه الصفقة أو كأحد الخفين فكالمتحد
لما تكلم على تعدد البائع والمشتري تكلم على تعدد المبيع، أي: إذا وجد عيباً في وجه الصفقة، أو بأحد الشيئين الذي لا يستغني أحدهما عن الآخر كأحد الخفين، وكذلك الأم مع ولدها، لأن الشرع منع من التفرقة بينهما فكالمتحد، فليس له إلا رد الجميع. ولهذا كان الصحيح فيمن استهلك أحد المزدوجين وجوب قيمتها.
واختلف فيمن استهلك سِفْراً من ديوان أو سِفْرَين، فقال بعضهم: يرد السالم وما نقص. وظاهر كلام عبد الوهاب في شرح الرسالة عند ذكر النعلين: أنه يغرم الجميع.
وإلا فليس له رد المعيب بحصته يوم عقده
هذا ظاهر، ونص ابن المواز على أن وجه الصفقة ما زاد على النصف، وهو معنى ما في المدونة على ما نص عليه ابن يونس، وهذا إنما هو فيما عدا المثليات، وأما المثليات فلها حكم آخر سيأتي.
стр. 2774
فإن كان الثمن سلعة، فقيمة الحصة التي قابلت المردود لا جزءها على الأصح، لضرر الشركة ....
مثاله: لو اشترى ستة كتب بدار ثم اطلع على عيب في أحدها ورده، فإنه يرجع بنسبته من قيمة الدار لا في جزء الدار على الأصح. فلو [٤٧٨/أ] كانت الدار تساوي ستمائة وكل كتاب يساوي مائة فعلى الأصح يأخذ مائة، وهو مذهب المدونة والمشهور. وعلله المصنف بضرر الشركة، أي: على تقدير الرجوع في الدار. وعليه فهل تعتبر القيمة يوم البيع وهو ظاهر كلام المتقدمين، أو إنما تعتبر يوم الحكم وهو اختيار التونسي؟ ومعناه: إذا كانت قائمة يوم الحكم ولم تفت قبل ذلك، وعلى مقابله يرجع في سدس الدار وهو لأشهب في الموازية، وهو الأصل، ولاسيما إن كان المعيب النصف فإنه ينوبه من الثمن النصف، وليس تغليب حق البائع على المشتري أولى من العكس. وعلى هذا القول فهل ينقلب الخيار للبائع لما لحقه من ضرر الشركة؟ ذكر بعضهم في ذلك قولين.
وإذا تنازعا في العيب الخفي أو قدمه، فالقول قول البائع إلا أن تشهد العادة للمشتري فالقول قوله ....
قال في الجواهر: والنزاع في العيب في صورتين، الأولى: في وجوده، ولا يقبل دعوى المبتاع أن بالسلعة عيباً دون أن يبينه بالمشاهدة إن كان مشاهداً، أو بالبينة إن كان غير مشاهد.
الصورة الثانية: النزاع في قدمه وحدوثه لا يخلو إما أن يكون مما لا يحدث عند المشتري، أو مما يعلم أنه لم يكن عند البائع.
فالقول في الموضعين قول من قوي سببه منهما مع يمينه، وأن يكون محتملاً فيثبته المبتاع بالبينة. ثم قال: فإن لم توجد البينة فالقول قول البائع مع يمينه، إذ الأصل لزوم العقد. وعلى هذا فقول المصنف في حدوث العيب إشارة إلى الصورة، أي: في وجود العيب الخفي. وأشار إلى الثانية بقوله: أو في قدمه.
стр. 2775
وحمل ابن عبد السلام كلامه هنا على صورة واحدة، وهي: إذا تنازعا في القدم والحدوث. ورد الحمل الذي قلناه بأنه لو حمل كلامه الأول- أعني قوله: إذا تنازعا في الخفي- على ما إذا تنازعا في وجود العيب وعدمه، لزم أن يكون كلامه على خلاف ما نص عليه أهل المذهب: أن القاضي لا يلزم البائع الجواب عن قدم العيب وحدوثه، ولا غير ذلك من أحكامه حتى يثبت المشتري وجود العيب، أو يوافقه البائع عليه.
خليل: وفيه نظر، لأن ما ذكره المصنف من أن القول قول البائع إذا تنازعا في وجود العيب وعدمه لا خلاف فيه. وما ذكره من أن القاضي لا يُلزم البائع الجواب يدل له لا على خلافه، نعم هو شرط لما قاله.
وقوله في الجواهر: فالقول قول من قوى سببه منهما مع يمينه. يريد: إذا رجحت البينة قول أحدهما فقط، وأما لو قطعت البينة بالقدم أو الحدوث فلا يمين، نص عليه محمد.
فرع:
فلو أقام المبتاع شاهداً واحداً بقدم العيب حلف معه على البت ورجع، قاله ابن المواز، وابن القاسم، وابن نافع، والمخزومي. وقال ابن كنانة: لا يحلف معه. ومنشأ الخلاف: هل يقبل الشاهد الواحد فيما ليس بمال إذا كان يؤدي إلى المال أم لا؟.
واعلم أنه إنما يكون القول قول البائع في العيب المشكوك فيه إذا لم يصاحبه عيب قديم، أما إن صاحبه عيب قديم، فالقول قول المشتري أنه ما حدث عنده مع يمينه، لأن البائع قد وجب عليه الرد بالعيب القديم فصار مدعياً على المبتاع في الحادث، وبه أخذ ابن القاسم، وأشهب حسنه.
ومفهوم قوله في الخفي: أن الظاهر لا قيام للمشتري به لاطلاعه عليه، وهو قول ابن حبيب، وعليه يعتمد جماعة ممن صنف في الأحكام، ويعتمد عليه أصحاب الوثائق.
стр. 2776
ومذهب المدونة عند جماعة: أنه لا يلزم المشتري سوى اليمين أنه لم يره وقت البيع ويحكم له بالرد، وهو الذي ذكره المتيطي، وقد أوجب في المدونة الرد في الزلاء والأقطع والأعور. وكثرة وقوع هذه المسائل وأشباهها يضعف تأويل من تأول على المدونة، لعل ذلك إنما كان في أمة أو عبد غائبين.
فرع:
وإذا تنازعا فادعى البائع أنه أخبره بالعيب أو أراه إياه وأنكر ذلك المبتاع، فإنه يلزم المبتاع اليمين، فإن حلف رد بالعيب، وإن نكل حلف البائع وبرئ منه، قاله الباجي.
وإن لم يوجد عدول قبل غيرهم للضرورة. قال الباجي: ولو كانوا غير مسلمين
أي: إذا احتيج إلى أرباب المعرفة في إثبات القدم والحدوث، فإن وجد عدول لم يعدل عنهم، وإلا فقال الباجي، والمازري وغيرهما: يقبل غيرهم ولو كانوا على غير الإسلام للضرورة.
وفي المتيطية: الواحد منهم أو من المسلمين كافٍ والاثنان أولى، إذ طريق ذلك الخبرُ لا الشهادةِ على المشهور المعمول به.
وقال محمد: لا يرد بعيب إلا ما اجتمع عليه عدلان من أهل النظر والمعرفة. ابن الماجشون: وإن كان العبد ميتاً أو غائباً فلا يثبت إلا بعدلين باتفاق أصحاب مالك من أهل المعرفة.
وفي الطرر: إذا شهد شاهد بعيب أنه أقدم من أمد التبايع، وشهد آخر أنه أحدث من أمد التبايع، فقال في الاستغناء: شهادتهما لا توجب حكماً بالرد إذا لم يتفقا على شيء واحد، وإن كان العيب لا يطلع عليه الرجال كالعيوب التي تكون في جسد الأمة أو في فرجها تثبت بشهادة امرأتين.
стр. 2777
وقال سحنون: ما كان بالجسد بُقِرَ عنه الثوب ونظر إليه الرجال، وما كان في أحد الفرجين شهد فيه النساء.
ويمينه: بعته وأقبضته وما به من عيب. بتا في الظاهر، ونفيا للعلم في الخفي. وقال أشهب: نفيا للعلم فيهما ....
أي: إذا كان القول قول البائع مع يمينه فصفة يمينه: أن احلف أني [٤٧٨/ب] بعته وما به عيب. ويزيد فيما فيه حق توفية: بعته وأقبضته. وعلى هذا فقوله: (بعته وأقبضته) للتفصيل، والواو بمعنى أو.
وقوله: (وما به من عيب) جارٍ فيهما، وبهذا صرح في الجواهر. وإنما قلنا: إن أقبضته خاص بما فيه حق توفية، لأن ما ليس فيه حق توفية ينتقل إلى ملك المشتري بالعقد فلا يحتاج إلى الحلف بأنه أقبضه سالماً، فلا يكلف بما لا يلزمه.
وفي قوله: (وما به من عيب) نظر، إذ لا يلزمه أن يحلف إلا على ما ادعاه المشتري من العيب المخصوص. وكذا قال غيره: أنه يحلف ما باعه وهذا العيب به في علمه.
وقوله: (في الظاهر) أي: كالعرج، وضعف البصر، والخرق في الثوب. والخفي: كالزنا، والسرقة، وهذا مذهب المدونة وهو المشهور.
وعن ابن القاسم، وابن نافع: أنه يحلف على البت فيهما، واحتج ابن نافع بأنه لو ثبت قدم العيب والبائع غير عالم لرد عليه ولم ينفعه عدم علمه، فلا ينفعه الحلف على عدم علمه. وأجاب المازري بأن البينة إذا أثبتت قدم العيب فقد ثبت السبب الموجب للرد ووجب حل البيع المنعقد، وإذا لم يثبت العيب وكان مشكوكاً فيه لم يجب حل المنعقد.
وقال أشهب: يحلف على نفي العلم فيهما. واحتج بأنه إن علم به فهو حانث، وإلا فلا يلزمه حتى يثبت قدمه فلا يحلف إلا على علمه. واختلف في يمين المشتري إذا نكل
стр. 2778
البائع على ثلاثة أقوال، روى عيسى ابن القاسم: أنه يحلف على العلم في الظاهر والخفي، لأن التدليس يكون من جهة البائع دون المبتاع. وروى يحيي عنه: أنه كالبائع يحلف على البت في الظاهر وعلى العلم في الخفي، لأن الأصل في اليمين أن تنقلب على نحو ما توجهت، واختاره ابن حبيب. وقال ابن نافع، وابن أبي حازم: يحلف المبتاع على البت. ولو ثبت العيب فاختلف البائع والمبتاع في تاريخ البيع، فادعى البائع تاريخاً قديماً يكون العيب حادثاً بالنسبة إليه، وقال المشتري: إنما كان في تاريخ يكون ذلك العيب قديماً بالنسبة إليه. فقال ابن القاسم، وسحنون: القول قول البائع والمشتري مدَّعٍ. وذكر ابن حبيب اختلافاً في هذا الأصل.
ابن عبد السلام، وقوله: يحلف البائع لقد بعته. لا معنى له، لأن القاضي لا ينظر في أمرهما في هذه المسألة إلا بعد إقرار المدعى عليه بحصول البيع منهما، أو بعد ثبوته بالبينة.
خليل: وفيه نظر، لأن اليمين هنا ليست في حصول البيع، وإنما هي على وقوع البيع في حال عقد البيع والقبض فيما فيه حق توفيه.
ويرد النتاج دون الاستغلال وقيمة الانتفاع
يعني: إذا رد المبيع لعيب رد معه النتاج، وسواء اشتراها حاملاً أو حملت عنده، لأن الولد ليس بغلة دون الاستعمال، لما صححه الترمذي: أن سيدنا رسول الله ﷺ قضى بأن الخراج بالضمان.
فائدة:
والمشتري لا يرد الغلة في خمسة مواضع: في الرد بالعيب، والبيع الفاسد، والاستحقاق، والشفعة، والتفليس.
стр. 2779
وهذا إذا فارقت الثمرة الأصول، أما إن لم تفارق، فالمشهور: أنها لا ترد مع أصولها إذا أزهت ولم تجذ ولا يبست في الرد بالعيب وفي البيع الفاسد.
وأما الشفعة، والاستحقاق: فترد وإن أزهت ما لم تيبس، فإذا يبست لم يجب ردها. وفي التفليس: ترد ولو يبست ما لم يجذها.
وقيل في هذه المسائل: إن الإبار فوت. المازري: وكان بعض أشياخي يري أنه لا فريق بين هذه المسال، وأنه يخرج في كل واحدة ما هو منصوص في الأخرى.
وفي رد ثمرة ما اشتراه مأبوراً، أو صوف الغنم قولان
يعني: أن من اشترى نخلاً مؤبراً واشتراطه، أو اشترى غنماً عليها صوف تام، فجذ الثمرة وأخذ الصوف ثم اطلع على عيب، فقال ابن القاسم: يرد ما أخذه من ثمرة أو صوف، لأن لهما حصة من الثمن. وقال أشهب: لا يرد، لأنها غلة.
ابن المواز: واتفق ابن القاسم، وأشهب على عدم رد اللبن وإن كان في الضرع يوم البيع، وذلك خفيف. وعلى قول ابن القاسم، فيرد الثمرة إن كانت قائمة، وإن فاتت رد مكيلتها إن علمت، أو القيمة إن لم تعلم، وأمضاها ابن القاسم في الشفعة إذا لم تعلم بما ينوبها من الثمن. وعد ذلك سحنون اختلافاً من قوله. ونص ابن يونس في الصوف التام إذا لم يعلم وزنه أنه يرد الغنم بحصتها.
قال في المدونة: فإن ردت الثمرة كان لك أجر سقيك وعلاجك.
ابن يونس: يريد ما لم يجاوزه قيمة الثمرة.
الباجي: وعندي أنه لا يكون له من العمل إلا ما لولا الثمرة لم يعمله، لأنهم لم يذكروا في مسألة الغنم الرجوع بالرعي والسقي، وإنما يرجع بالجز عندي. قال: ولم أر فيه نصاً.
стр. 2780
تنبيه:
وقع لابن القاسم أنه لو هلكت الثمرة المأبورة عند المشتري بأمر من الله تعالى لم يضمنها المشتري. فعارض هذا بعضهم بما قاله من أنه يرد الثمرة، لأن قوله: يرد الثمرة. يدل على أن لها حصة من الثمن. وقوله: أنه لا يضمنها. يدل على أنها غير مشتراة. واعتذر عن ذلك بأنه إنما لم يضمنها لكونها غير مقبوضة للمشتري، ولهذا منع أن تشترى النخل المؤبرة بطعام، لكون الثمرة يتأخر قبضها. وقال بعض المتأخرين: إنه يضمن الثمرة إذا اشتراها بعد الزهور وإن هلكت بأمر من الله سبحانه، قاله المازري.
ولو رده فتلف قبل إقباضه، ففي ضمانه قولان، بناء على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله فعلى البائع، أو بيع الآن أو نقض الآن فعلى المشتري
[٤٧٩/أ] أي: لو رد المشتري المعيب بحكم أو بغيره فتلف قبل قبض البائع له، فقيل: ضمانه من البائع، وقيل: من المشتري. ومنشأ الخلاف كما قال: هل الرد بالعيب نقض للبيع من أصله فيكون ضمانه من البائع، أو هو نقض الآن فيكون من المشتري.
قال في البيان: واختلف فيما يدخل به المردود بالعيب في ضمان البائع على أربع أقوال، الأول لأصبغ: يدخل في ضمانه بإشهاد المبتاع على العيب، وأنه غير راض به وإن لم يرض البائع بقبضه.
والثاني: أنه لا يدخل في ضمانه حتى يرضى بالقبض، أو يثبت العيب عند السلطان وإن لم يحكم، وهو الذي يأتي على مذهب مالك في الموطأ وقول ابن القاسم في شهادات المدونة.
والثالث: أنها لا تدخل وإن رضي، حتى يمضي من المدة ما يمكنه القبض فيه، وهو معنى قول مال في العتبية.
стр. 2781
والرابع: لا يدخل في ضمانه حتى يقبضه، ولو مضى زمان يمكنه فيه القبض، وهو ظاهر العتبية أيضاً. قال: وهذا هو القياس على القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع، وأن على البائع فيه حق توفية دخل عليه مع علمه بأن المبيع قد يرجع إليه.
وزاد القابسي، فقال: ولم يعلم السمسار بتدليسه، وأما إن علم فله أجر مثله.
وقال ابن يونس: أرى أن يكون له ما سمى من الجعل، كما يكون للبائع المدلس الثمن لا القيمة، إلا أن يتعاقد مع البائع على التدليس فحينئذ يكون له أجر مثله، لأن رب السلعة قال له دلس، فإن ثم البيع فلك كذا وإلا فلا شيء لك، وهو غرر.
وزاد ابن سحنون قيداً آخر للمدونة، فقال: بشرط أن يكون الرد بقضاء قاض لا تبرعاً، ولو استحقت من يد المشتري رجع بالثمن ورجع بالجعل، وإن فاتت السلع بيد المشتري فوجب له الرجوع بقيمة العيب، رجع بتلك النسبة من الجعل.
وقال بعضهم على ما نقله ابن يونس متمماً لهذا: ولو اطلع المشتري على عيب بالمبيع عبد أن حدث به عيب يوجب له الخيار، فإن اختار التمسك والرجوع بأرش العيب القديم، فيرد السمسار من الجعل ما ينوب العيب، وإن رد المشتري السلعة وقيمة الحادث، فيرد السمسار الجعل إلا قدر ما ينوب العيب.
فرع:
إذا كان المبيع يحتاج إلى حمل ومؤنة، كالأزيار والخشب، فاستأجر المشتري على حملها، ففي المتيطية: إن ثبت أن البائع مدلس، لزمه أخذ المبيع حيث وجده ولم يكن على المبتاع رده حيث قبضه، وكذلك إذا ادعى المبتاع عليه التدليس فنكل عن اليمين.
وحكى اللخمي قولاً آخر: إن على المشتري أن يردها حيث قبضها منه، وصوب الأول. وإن كان البائع غير مدلس، بأن حمل المبيع إلى موضع قريب، لزمه رده إلى حيث أخذه، وإن نقله إلى موضع بعيد كان فوتاً يوجب له الرجوع بقيمة العيب بعد ثبوته.
стр. 2782
وإذا صرح الوكيل أو علم، فالعهدة على الموكل
الأصل أن العهدة في الرد بالعيب والاستحقاق على متولي البيع إلا في الصورتين اللتين استثناهما المصنف، الأولى: أن يصرح بأنه وكيل. والثانية: أن يعلم كونه وكيلاً. هذا مذهب المدونة، لأن فيها: ومن باع لرجل سلعة بأمره من رجل فإن أعلمه في العقد أنها لفلان فالعهدة على ربها، فإن ردت بعيب فعلى ربها ترد وعليه الثمن لا على الوكيل. وإن لم يعلم أنها لفلان حلف الوكيل وإلا ردت السلعة عليه.
وما باعه الطوافون في المزايدة مثل النخاسين وغيرهم، أو من يعلم أنه يبيع للناس فلا عهدة عليهم في عيب ولا استحقاق.
وقال أصبغ: العهدة على المتولي إلا أن يشترط عند البيع ألا عهدة عليه. وهذا الخلاف في الوكيل غير المفوض، وأما المفوض عليه، لأنه أحل نفسه محل البائع، وكذلك المقارض والشريك المفاوض.
وأما القاضي والوصي، ففي المدونة: لا عهدة عليهما فيما وليا بيعه [٤٧٩/ب] والعهدة في مال اليتامى، فإن هلك مال الأيتام ثم استحقت السلعة فلا شيء على الأيتام.
وحمله اللخمي على ما يبيعه للإنفاق عليهم للضرورة، قال: وإن تجر الوصي لليتيم أتبعت ذمته كالوكيل المفوض.
وقال ابن المواز: الذي آخذ به في الوصي والوكيل المفوض أن عليهما اليمين، وإن ذكر أنه لغيرهما، إلا أن يشترط ذو الفضل منهما أن لا يمين عليه، فذلك له اتباعاً واستحساناً لقول مالك.
فرع:
فإن علم المبتاع بعد البيع أن المبيع لغير المتولي، فخيره مالك في الرد، أو على أن عهدته على الآمر، إلا أن يرضى الرسول أن يكتبها على نفسه فلا حجة للمشتري.
стр. 2783
ابن المواز: وكذلك إذا ثبت أنه لغيره. وعارضه ابن يونس: بأن المذهب في الغاصب إذا باع ما غصبه ثم قام المغصوب منه ورضي بالبيع لا خيار للمشتري، ولم يدخل على أن العهدة على المغصوب منه. وأجاب: بأن ذمة المغصوب منه خير من ذمة الغاصب.
ورَدَّ: بأن هذا الحكم ليس مقصوراً على الغصب، بل ولا مقال للمشتري في إجازة المستحق.
وأجيب: بأنه خلف ذلك علة أخرى، وهي أن الاستحقاق قائم في جميع البياعات أو أكثرها، فصار كالعيب الذي يجهله المتبايعان، وما هذا شأنه لا يقام به، بخلاف الوكالة فإن احتمالها ضعيف، إذ الغالب أن المتولي هو المالك.
وانظر ما ذكره من انتقال العهدة وقابله بما قاله عياض في الاستحقاق، لما ذكر عن المدونة في مكتري الأرض فتستحق منه فيجيز المستحق الكراء، أنه يمضي ولا يكون للمكتري ترك الكراء، ويقول: إنما كانت عهدتي على الأول فلا أرضى أن تكون عهدتي عليك أيها المستحق، فقال هو: هذا كلام غير محصل. وقد عابه سحنون، وقال: ليس بصواب، ولو رضي بذلك لم تكن عهدته عليه، لأن العهدة لا تنتقل، كما لو باعه الغاصب فاستحقه سيده، فالعهدة على الغاصب لا تنتقل عنه، قاله مالك. انتهى.
فرع:
فإن سئل السمسار عن رب السلعة، فقال: لا أعرفه. فقال ابن أبي زمنين: يحلف أنه ما يعرف. كذا رأيت لكثير من أشياخنا. قال: وينبغي على أصولهم إن نكل عن اليمين واسترابه السلطان أن يعاقبه بالسجن على قدر ما يراه، إن شاء الله.
стр. 2784
وفي النقيصة التي لا يتغابن بمثلها طريقان، الأولى: قولان، الخيار مطلقاً، والخيار لغير العارف بها ....
هذا يسمى القيام بالغبن، سواء كان المغبون بائعاً بائعاً أو مشترياً. والغبن: بفتح الغين وسكون الباء عبارة عن اشتراء السلعة بأكثر مما جرت العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله أو اشترائها كذلك، وأما ما جرت العادة به فلا يوجب رداً اتفاقاً.
والطريق الأول عبد الوهاب في المعونة. وحاصله: أنه لا خلاف في ثبوت الخيار لغير العارف، وفي العارف قولان.
الثانية: إن كان استسلم وأخبره بجهلة فأوهمه فله الرد، وإن كان عالماً غير غالط بالغبن فلا رد، وفي غيرهما قولان .....
هذه الطريقة للمازري، وحاصلها: إن استسلم، أي: أخبر أنه غير عارف بقيمتها، فقال له البائع: قيمتها كذا فله الرد، فإن كان عالماً بالمبيع وبثمنه فلا رد له، ولا خلاف في هذين القسمين، وفيما عداهما قولان.
ابن عبد السلام: ومشهور المذهب عدم القيام بالغبن. ولصاحب المقدمات طريقة ثالثة: إن وقع البيع والشراء على وجه الاسترسال والاستمانة، فالقيام بالغبن واجب بإجماع، كما لو قال: اشتر مني سلعة مثل ما تشتري من الناس. وإن وقع على وجه المكايسة فلا قيام بالغبن اتفاقاً، ولا بالغلط على المشهور.
ومعنى الغلط: أن يبيع شيئاً ثم يظهر خلافه، كما لو باع حجراً بالثمن اليسير فظهر أنه ياقوت أو بالعكس. والقول: بأنه يرجع بالغلط هو ظاهر ما في أقضية المدونة، والذي يشتري ياقوتة ولا يعرفها البائع ولا المشتري أن البيع يرد. وهذا الخلاف في الغلط إنما هو إذا سمى الشيء بجنسه، كما لو قال في الياقوتة: من يشتري هذا الحجر؟ لأن الياقوت
стр. 2785
يسمى حجراً، وأما لو سماه بغير اسمه، كقوله: من يشتري مني هذه الزجاجة؟ فلا خلاف في وجوب الرد، قاله صاحب البيان وغيره.
والغبن، قيل: الثلث. وقيل: ما خرج عن المعتاد
أي: واختلف في الغبن الذي يقام به، وتصور كلامه ظاهر. وقال ابن القصار: إذا زاد على الثلث فيكون ثالثاً.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين الغبن المتفق عليه والمختلف فيه، وظاهر كلام غيره أن الغبن المتفق على اعتباره لا يوصل فيه إلى الثلث ولا إلى ما قاربه، بل إذا خرج عن الثمن المعتاد في ذلك المبيع صح القيام به.
واختلف في عهدة الثلاث، وعهدة السنة، فروى المدنيون: يقضى بها في كل بلد. وروى المصريون: لا يقضى بها إلا بعادة أو بحمل السلطان عليها
العهدة خاصة بالرقيق، ومعناه: كون الرقيق المبيع في ضمان البائع بعد العقد، وهي عهدتان: قليلة الزمان كثيرة الضمان، وهي عهدة الثلاث، لأنه يضمن فيها كل شيء. وكثيرة الزمان قليلة الضمان، لأنه إنما يضمن ثلاثة أمراض: الجنون، والجذام، والبرص. واختلف في وجوب الحكم بها على القولين اللذين ذكرهما المصنف.
وفي البيان ثالث: [٤٨١/أ] لا يحكم بها وإن اشترطوها. قال: وهو قول ابن القاسم في الموازية. ومحمد بن عبد الحكم يرى عهدة السنة حراماً لا يعمل بها. انتهى.
وعلى رواية المدنيين يجب حمل الناس عليها، وعلى رواية المصريين فهل يستحب أن يحمل غير بلاد العهدة عليها؟ روى ابن القاسم: وددت أن يحمل الناس عليها. وروى أشهب: لا يحمل أهل الآفاق عليها وليتركوا على حالهم.
стр. 2786
فائدة:
قال المتيطي: إحدى وعشرون مسألة لا عهدة فيها على المشهور، الأمة والعبد اللذان ينكح عليهما، والرأس المخالع به، والمصالح به في دم، والمسلم فيه، والمسلم به، والقرض، والغائب يشتري على الصفة، والمقاطع به من الكتابة، والذي يبيعه السلطان على مفلس أو غيره، والمشتري للعتق بشرط، والمأخوذ من دين، والمردود بالعيب، ورقيق الميراث، والعبد المرهون والأمة يشتريها زوجها، والعبد الموصى بشرائه للعتق، والعبد المكاتب به، والعبد الموصى ببيعه من زيد، والموصى ببيعه ممن أحب، والذي يباع بيعاً فاسداً. قال: وفي بعض ما ذكرنا تنازع بين مالك وأصحابه.
ففي الثلاث جميع الأدواء على البائع. والنفقة والكسوة بخلاف الغلة على المشهور
هذا ظاهر، وإنما كانت النفقة والكسوة عليه، لأن الضمان منه، ولذلك كان أرش الجناية له، قاله في المدونة.
ورأى ابن أبي زمنين أن البيع يفسخ هنا، لأن الحكم بالأرش موقوف على البرء، والبرء لا يعلم أمره، فلا يتأتى للمشتري انتفاع بالعبد من أجل وقفه للجناية.
قال: إلا أن يسقط البائع عن الجاني القيام بالجناية، فيزول المنع حينئذ لزوال الوقف.
قال: إلا أن تكون الجناية مهلكة فلا يجوز البيع، لأنه بيع مريض يخاف موته.
قال في المدونة في كتاب الخيار: وما وهب له في عهدة الثلاث من مال وتصدق به عليه فللبائع.
ابن حبيب: إلا أن يكون المشتري اشترط عليه ماله، فيكون ما وهب له أو تصدق به عليه للمشتري. ومقتضى هذا: أن تكون الغلة له، وجعل المصنف هذا غير المشهور، وهو قريب من كلامه في الجواهر. وفي نقلهما نظر، لأن في العتبية فيما ربح العبد في الثلاث، أو أوصى له به ولم يستثن المشتري ماله فهو للبائع.
стр. 2787
المازري: والقاضي أبو محمد أشار في بعض كتبه إلى ارتفاع الخلاف في الغلة وأنها للمشتري، قال: ولكن المنصوص هنا أن ذلك للبائع.
وفي السنة الجنون، والجذام، والبرص، ومستندهما عمل المدينة
أي: ودليلنا على العهدتين عمل أهل المدينة. وفي الموطأ: أن أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل كانا يذكران في خطبتهما عهدة الرقيق في الأيام الثلاث حين يشتري العبد أو الوليدة وعهدة السنة. ونقل ابن عبد البر: أن عمر بن عبد العزيز قضي بها. وبها قال الفقهاء السبعة. ابن شهاب: والقضاة مما أدركنا يقضون بها. وخرج أبو داود عن الحسن عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال: ((عهدة الرقيق ثلاثة أيام)).
وذكر ابن أبي شيبة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: ((عهدة الرقيق ثلاثة)). قالوا: ولم يسمع الحسن من عقبة، واختلف في سماعه من سمرة. وفي البيان: ضعف بعضهم حديث عقبة.
وابتداؤهما أول النهار من المستقبل، وقال سحنون: من حين العقد
قد تقدمت هذه ونظائرها في باب العقيقة. وظاهر كلام المصنف أن قول سحنون نص هنا.
والذي في الباجي والمازري: أنه مخرج على قوله في الصلاة، وهذا إذا كان البيع بتاً، فإن كان بيع خيار فمن يوم إمضاء البيع.
وفي تداخلهما قولان
القولان لمالك، والأقرب عدم التداخل.
ابن بزيرة: وهو المشهور، لأن الضمان في كل منهما غير الآخر فصارا كأجنبيين.
стр. 2788
وقال بالتداخل ابن الماجشون، وهو قول ابن القاسم، فإن اجتمع مع ذلك استبراء، فقال ابن القاسم: عهدة الثلاث داخلة في الاستبراء. وكذلك روى ابن القاسم عن أشهب في العتبية.
ابن المواز: وقال ابن الماجشون: يدخل في السنة الثلاث والاستبراء. وكذلك روى ابن حبيب عن مالك أن عهدة السنة من يوم البيع.
ابن يونس: ووجه رواية ابن القاسم أن الثلاث والاستبراء في البيع التام الضمان فيه من البائع من كل شيء، ولا يجوز النقد فيهما بشرط. فلما استويا دخل بعض ذلك في بعض، وعهدة السنة الضمان فيها من المبتاع من كل شيء، إلا من ثلاثة أدواء فوجب أن لا يدخل عليها.
ووجه قول ابن الماجشون: أن المراعى في عهدة السنة مرور الفصول الأربعة بذهاب السنة لبيان السلامة، فوجب أن يكون من يوم العقد. وفي الكافي قولٌ أن عهدة الثلاث لا تدخل في الاستبراء. وقال المشيخة السبعة: يبدأ بالاستبراء ثم بالثلاثة ثم بالسنة.
وما يطرأ واحتمل فيها وبعدها، فمن المشتري على الصحيح
يعني: أن ما حدث في زمان العهدة فإنه من البائع إذا علم أنه حدث فيها، وأما إن أشكل أمره هل طرأ في العهدة أو بعدها، فذكر المصنف أن الأصح أنه من المشتري- وهو قول ابن القاسم- لأنه قال في العبد يأبق في العهدة وقد [٤٨٠/ب] كان البائع قد تبرأ من إباقة فلم يعلم هلاكه أن ذلك من المشتري حتى يعلم أنه أصابه في العهدة، بناء على أن الأصل السلامة وانبرام العقد. والمنقول في اللخمي، والباجي وغيرهما عن مالك: أن ذلك من البائع.
وفي جعله مقابل الأصح نظر. وقد قال اللخمي: إن قول مالك أقيس، لأن الأصل أنه في ضمان البائع، ووجوده بعد الثلاث مشكوك فيه، فلا ينتقل عن ضمان الأول بشك.
стр. 2789
وللمشتري إسقاطها بعد العقد
أي: إذا وقع العقد على العهدة فللمشتري إسقاطها، لأنه حق له.
وللبائع قبله كعيب غيره
هكذا وقع في بعض النسخ: (وللبائع) بلام الجر، وعليها تكلم ابن راشد، فقال: يعني وللبائع إسقاط العهدة قبل العقد، كما له أن يتبرأ من سائر عيوب الرقيق.
وفي بعض النسخ: والبائع قبله كعيب غيره، فيحتمل هذا ويحتمل غيره، وهو الذي قاله ابن عبد السلام: أن البائع حكمه في العيب قبل الإسقاط كعيب غيره، أي: كالعيب مع عدم الإسقاط، كما لو اشترى عبداً على عهدة الثلاث، قبضه فبقي يوماً أو يومين ثم أسقط حقه، ثم اطلع على عيب حدث في اليوم الأول أو في الثاني، فحكمه في ذلك حكم من اشترى عبداً أو اطلع فيه على عيب قديم.
فإن حدث ما يمنع الرد كالعتق، فقيل: تسقط بقيتها. وقيل: تبقى ويرجع بالأرش. وقيل: تبقى ويرد العتق ....
أي: فلو اعتق المشتري العبد المبيع على العهدة، أو كاتبه، أو دبره، أو أولدها ونحو ذلك، ففي الموازية: تسقط بقية العهدة. وعليه فتقسط النفقة على البائع.
وقال أصبغ وسحنون: ينفذ العتق ويرجع بقيمة العيب. اللخمي: وهو أحسن.
وروى ابن حبيب عن ابن القاسم ثلاثةَ أقوال: اثنين كالمتقدمين، والثالث: يرد العتق. وذكر هذا القول في عهدة السنة.
الباجي: وهو في عهدة الثلاث أولى.
وألزم المازري على نقض العتق بما يحدث في العهدة نقضه أيضاً بعيب قديم ثم اطلع عليه، على طريق من قال: أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله.
стр. 2790
وفيها: ولا ينقد في عهدة الثلاث بشرط بخلاف السنة
تقدمت هذه المسألة مع نظائرها، وفهم من قوله: (بشرط) أنه لو طاع بذلك الجاز. قالوا: ولو تطوع به ثم أراد استرجاعه ووضعه على يد أمين لم يكن له ذلك، وجاز الاشتراط في عهدة السنة، لأنها في عيوب يسيرةٍ الغالبُ السلامة منها، فيؤمن من الوقوع في: تارة بيعاً وتارة سلفاً.
ولعله نسب المسألة للمدونة لإشكالها، لأنه منع اشتراط النقد في الثلاث، وألزم النقد في بيع الثمار بعد الزهو بمجرد العقد وكلاهما في ضمان البائع. وفرقوا بغلبة الأمن في الثمار، ولأن ما يطرأ في الثمار يستوي فيه المتبايعان بخلاف الثلاث، لاحتمال تقدم علم البائع بالعيب.
فروع:
الأول: إن بنينا على عدم الجواز بشرط قبض، محمد: على أن يجوز في المواضعة وضع الثمن عنده مختوماً عليه.
بعض الموثقين: وعهدة الثلاث لا شك فيها.
الباجي: ويجيء على قول القاضي أبي محمد في مسألة بيع العربان أن ذلك جائز. بعض القرويين: وإنما لم يجز هنا للطبع عليه بخلاف الرهن، لأن الثمن في المواضعة عين الحق، بخلاف الرهن فإنه وضع توثقاً.
الثاني، قال محمد: ولو لم يتطوع أولاً به وتشاح هو والبائع في بقائه بيد ثقة إلى انقضاء العهدة أو الاستبراء، فهل يجب ذلك على المبتاع أم لا؟ فيه عن مالك روايتان: إحداهما في العتبية: أنه لا يلزمه ذلك، وقاله في المبسوط. والأخرى في الموازية: أن ذلك لازم له، وقاله ابن القاسم، وابن حبيب، وابن عبدوس.
стр. 2791
الباجي في وثائقه: ودليل المدونة ما في العتبية، لأنه قال: وإذا اشترى الجارية وهي ممن يتواضع مثلها أيصلح أن يشترط مواضعة النقد على يد رجل؟ قال: نعم. فيدل على أنه لو لزمه لما احتاج البائع إلى الشرط.
الثالث: إن تلف هذا المال عند المودَع وخرج المبيع من العهدة سالماً، فإن ضمان الثمن من البائع وأخذ المبتاع عبده دون شيء، وإن هلك المبيع فهو من البائع ومصيبة الثمن من المبتاع.
وإن ظهر بالمبيع عيب حدث في العهدة، أو كان به قبلها وأراد المبتاع الاستمساك به، فهل يكون له ذلك مع ضياع الثمن أم لا؟ فيه عن مالك روايتان، إحداهما: أن له ذلك. ابن القاسم: بالثمن التالف. والأخرى: أنه ليس له ذلك. قال ابن الماجشون: ويفسخ البيع بينهما، إلا أن يأخذ بثمن آخر فيكون ذلك له. وقال سحنون: إن تلف الثمن قبل حدوث العيب فلا يأخذه إلا بثمن آخر، وإن تلف بعد حدوثه وقبل رضا المبتاع به فله أخذ المبيع دون ثمن.
الجنون الذي يرد به في السنة: هو ما كان عن مس الجان، ومعناه الوسوسة. الباجي وغيره: وهو مذهب مالك، إلا ابن وهب فإنه رأى الجنون مطلقاً موجباً للرد ولو كان بضربة أو غيرها.
الرابع: لو ظهر أحد الأدواء الثلاث ثم ذهب قبل الرد، فقال مالك وسحنون: يرد بالجنون إذ لا تؤمن عودته. وأما الجذام والبرص، فقال ابن حبيب: هو كالجنون. وقال ابن القاسم: لا رد له إلا أن يقول أهل المعرفة أن عودته لا تؤمن. وعلى هذا فالخلاف خلاف [٤٨١/أ] في حال.
وأما ما ذهب من العيون الحادثة في الثلاث قبل الرد، فإن كانت مما تؤمن عودته فلا رد، كذهاب البياض من العين، وأما ما يتقى عوده كالحمى، فقال سحنون: له الرد. وقال أشهب بالتوقف حتى ينظر، فإن لم يتبين ذهابها فلا رد، وإن عادت بالقرب رد.
стр. 2792
وينتقل الضمان على المشتري بالعقد الصحيح، إلا فيما فيه حق توفيه من كيل، أو عدد، أو وزن ....
لما فرغ من الكلام في لزوم العقد وجوازه شرع في بيان حكمه قبل القبض وبعده، وتكلم في أمور ثلاثة: في انتقال الضمان، وفي صورة القبض، وفي وجوبه. ثم إن البيع قسمان: صحيح، وفاسد.
وبدأ بالصحيح، والدليل على انتقال الضمان بالعقد- إلا فيما استثناه المصنف- قوله ﷺ في الصحيح: ((لخراج بالضمان)). والإجماع أن الخراج للمشتري بالعقد.
وفي الثمار قبل كمال الطيب، وفي المحبوسة بالثمن عند ابن القاسم خاصة
هذا معطوف على ما فه حق توفية، أي: أن هذين لا ينتقل فيهما الضمان بالعقد، أما الثمار فلبقاء ضمان الحوائج فيها، وأما المحبوسة، أي: سلعة بيعت وليست من الثمار قبل الطيب ولا فيها حق توفية وحبسها البائع لأجل ثمنها، فضمانها من بائعها، وهذه إحدى الروايتين عن مالك. والثانية: أن الضمان من المشتري.
ابن المواز: وإنما اختلف قول مالك في هذا إذا لم ينقد، والمشهور من قول ابن القاسم أنها تضم كالرهان، إلا أن يكون المشتري هو التارك لها فكالوديعة.
ولهذا قال سحنون في نوازله، جميع أصحاب مالك: أن المحبوسة بالثمن ضمانها من المبتاع، إلا ابن القاسم فإنه رأى حكمها كالرهن.
قال في البيان: وهو المشهور من قوله. قال: ويتحصل في تلفها إن قامت بينة عليه قولان، أحدهما: أن مصيبتها من البائع ويفسخ البيع. والثاني: أن مصيبتها من المبتاع ويلزمه الثمن. وإن لم تقم بينة على تلفها أربعة أقوال:
стр. 2793
أحدها: أن البائع يصدق مع يمينه على ما ادعاه من تلفها، كانت قيمتها مثل الثمن أو أقل أو أكثر، وينفسخ البيع، وهو قول سحنون.
الثاني: أنه يصدق مع يمينه على ما ادعاه من تلفها ويفسخ البيع، إلا أن تكون قيمتها أكثر من الثمن فلا يصدق إلا أن يصدقه المبتاع، وهو بالخيار بين أن يصدقه فيفسخ البيع، أو يضمنه القيمة ويثبت البيع، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية.
وهذا القولان على قياس القول بأن المصيبة من البائع، وينفسخ البيع إذا قامت البينة على التلف.
الثالث: أن البائع يصدق مع يمينه فتلزمه قيمتها إذا كانت أقل من الثمن أو أكثر ويثبت البيع، وهو الذي يأتي على المشهور من قول ابن القاسم أن المحبوسة بالثمن حكمها حكم الرهن.
الرابع: أن البائع مصدق مع يمينه في تلفها وتلزمه قيمتها، إلا أن تكون أقل من الثمن فلا يصدق، لأنه يتهم أن يدفع إليه القيمة ويأخذ الثمن وهو الأكثر، إلا أن يصدقه المبتاع فتكون بالخيار أن يصدقه فيأخذ القيمة ويدفع إليه الثمن، وإن كان أكثر أو لا يصدقه وينقض البيع.
وهذا القولان على قياس القول بأن مصيبة المحبوسة بالثمن مصيبتها من المبتاع إذا قامت البينة على تلفها كالرهن. انتهى.
ونقل غيره عن مالك قولاً بالتفصيل، لأنه قال في مختصر ما ليس في المختصر: إن كان المشتري من أهل البلد وهو موسر فالمصيبة من البائع، وإن كان غريباً أو ليس بموسر فالمصيبة من المشتري.
وقوله: (خاصة) عائد على ابن القاسم، أي: أن ابن القاسم انفرد به دون أصحاب مالك كما قاله سحنون. وجعله ابن عبد السلام عائداً على المحبوسة لا إلى ابن القاسم،
стр. 2794
قال: لأن ابن القاسم لم ينفرد به، بل هو أحد قولي مالك في المدونة. قال: وكذلك المحتبسة لأجل الإشهاد عند المتأخرين.
فرع:
إذا بقيت السلعة بيد البائع على سبيل المساكنة فاختلف المتأخرون، هل تلحق بالمحبوسة بالمثمن، أو بالوديعة؟ على قولين، بناء على وجوب التسليم بمجرد العقد حتى يتبين قصد احتباسها. والأصل: بقاؤها على ملكه، وإنما يرضى بتسليمها إذا قبض ثمنها.
وقيل: يشترط مضي زمن يتسع للقبض. وقيل: بشرط تمكين البائع. وقيل: لا ينتقل إلا بالقبض كالشيء الغائب والمواضعة
هذه الأقوال راجعة لصدر المسألة. أي: المشهور أن الضمان ينتقل بالعقد، وقيل: إنما ينتقل بالعقد بشرط مضي زمن يتسع فيه للقبض، حكاه المازري عن بعض الأشياخ. وقيل: بشرط تمكين البائع من القبض، وليس أخص من الذي قبله، لأنه قد يوجد تمكين البائع للمشتري من القبض إثر البيع قبل تمام الزمان الذي يتسع للقبض.
وتصور الثالث ظاهر، وعزاه ابن رشد لأشهب، وحكاه أيضاً المازري عن بعض الأشياخ، وأنكره ابن دحون، ورد عليه ابن رشد بوجوده.
وقوله: (كالشيء الغائب) أي: كما أن الشيء الغائب والمواضعة لا ينتقل ضمانها إلا بالقبض فكذلك هذا. وفي بعض النسخ: كالمستثنى والغائب، فيكون مراده بالمستثنى ما استثنى أولاً بقوله: (إلا فيما فيه حق توفية ...) إلى آخره. وليس ذكر المواضعة بيناً، لأن ضمان البائع فيها ينتهي بخروج الأمة من الحيض. بل الذي نقله الباجي أن الضمان ينتهي برؤية الدم، قال: لأن ابن القاسم [٤٨١/ب] في المدونة أجاز للمشتري برؤية الدم الاستمتاع.
стр. 2795
وما ذكره المصنف من أنها في ضمان البائع إلى قبض المشتري، ابن عبد السلام: قد أنكر وجوده في المذهب بعض كبار الشيوخ وحفاظهم. وبنى على هذا الإنكار تخطئة ما يثبته الموثقون وغيرهم من الحكم على البائع بإنزال المشتري في الربع المبيع بطواف الشهود عليه. وقال: لو كان هذا لازماً للبائع لكان ذلك حق توفية، فيكون ضمان الدار المبيعة من بائعها حتى يقبضها المشتري. وأثبت بعضهم هذا القول في المذهب، ورأى أن القول بإنزال المشتري مبني عليه. وبالجملة فهو قول مختلف في ثبوته بين الشيوخ وأصول المذهب تأباه.
والقبض في المكيل بالكيل، وفي المؤزون بالوزن، وفي المعدود بالعدد
هذا هو القسم الثاني في صورة القبض وهو ظاهر.
فرع:
وهل أجرة الكيل على البائع أو على المشتري؟ في الموازية قولان: ابن شعبان: أجرة الكيل والوزن في المبيع على البائع، وفي الثمن على المشتري.
عياض: وهذا موافق للقول أنه على البائع، إذ كل واحد منهما بائع لشيئه من صاحبه، وهو الأقرب.
وفي اعتبار قدر المناولة قولان
أي: إذا وزن أو كال فهل ينتقل بمجرد ذلك، بحيث لو أتلف حينئذ كان ضمانه من المشتري، أو لابد من اعتبار قدر المناولة؟ وأطلق الخلاف تبعاً للمازري وابن شاس. وزاد المازري ثالثاً: إن كان المشتري هو المتولي الكيل لنفسه فالضمان منه. وتبع ابن راشد، وابن عبد السلام هذه الطريقة. وقال في البيان: إن تولى البائع أو أجيره الكيل ثم سقط المكيال من يد البائع وقبل أن يصبه في وعاء المشتري، فلا خلاف أن ضمانه من البائع، وإنما الخلاف إذا تولى ذلك المشتري أو أجيره، فروى يحيي عن ابن القاسم أن مصيبته من
стр. 2796
البائع، ورواه أشهب عن مالك. وقال سحنون في نوازله: إن مصيبته من المبتاع، وسواء كان المكيال من البائع أو المبتاع، إلا أن يكون المكيال هو الذي ينصرف به المبتاع إلى منزله ليس له إناء غيره، فيكون ضمانه ما فيه منه إذا امتلأ، كان له أو للبائع واستعاره منه المبتاع، قاله ابن وهب في رواية أبي جعفر عنه.
وفي العقار التخلية
أي: والقبض في العقار بالتخلية، أي: يخلي البائع بينه وبين المشتري ويمكنه التصرف فيه بتسليم المفتاح، وشرط الشافعية فيه تفريغة من أمتعة البائع. وبه فسر ابن راشد كلام المصنف وليس بظاهر، لأن المصنف إنما قاله: التخلية. وإنما يأتي ما قالاه لو قال: الإخلاء، بل يكتفي بالتسليم وإن لم يحصل الإخلاء، لأن مقتضى كلام اللخمي: أنه يكتفي في الدور بمجرد التسليم، قال: إلا في دار السكنى فلابد من إخلائها من الشواغل. وقد نص المصنف في الرهن على أن قبضه كقبض المبيع.
وفي غيرهما العرف
أي: والقبض في غير المثلي والعقار ما يعد في العرف قبضاً، كاختبار الثوب وإعطائه رسن الدابة.
وإذا اختلفا في البداية أجبر المشتري، وقيل: يخليان، فمن سلم أجبر له الآخر
هذا هو القسم الثالث وهو الإجبار عليه. ولا شك أن كلاً من المتبايعين يجب عليه تسليم العوض، فإن اختلفا، فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض. وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أقبض.
стр. 2797
المازري: ولا أعرف فيها نصاً لمالك ولا للمتقدمين.
ابن القصار: والذي يقوى في نفسي على المذهب أحد أمرين، جبر المشتري وهو مذهب أبي حنيفة، أو إعراض الحاكم عنهما، ومن تطوع منهما أجبر له الآخر، قال: وأن يجبر المبتاع أقوى. فأنت ترى كيف لم يجزم بشيء، والمصنف قد حكى الاحتمالين قولين وليس بجيد.
وخرج عبد الحميد قولين، أحدهما: جبر المشتري من جبر الزوج على دفع الصداق قبل الدخول، لأن الزوج مشتر والمرأة بائعة.
والثاني: تبدئة البائع من اختلاف المكتري وصاحب الدابة، فإنه قال في الأكرية من المدونة: يبدأ صاحب الدابة بالدفع، فكلما مضى يوم أخذ حصته من الكراء.
ونقل بعض من تكلم على هذا المحل عن شيخه الزواوي: أنه كان يتعجب من احتياجهم إلى مثل هذا الاستقراء على ضعفه وفي المدونة ما هو نص أو كالنص على تبدئة المشتري، ففي كتاب العيوب منها: ومن اشترى عبداً فللبائع أن يمنعه من قبضه حتى يدفع إليه الثمن.
وكذا قال ابن عبد السلام وزاد موضعاً آخر كهذا، وهو أنه قال في هبة الثواب: فأما هبة الثواب فللواهب منعها حتى يقبض العوض كالبيع.
وقال القاضي إسماعيل: يدفع الثمن والمثمون إلى رجل فيدفع الرجل إلى كلًّ منهما ما يستحقه.
وصحح المازري أن المتبايعين يخرج كل واحد منهما ما عنده ويمد يده إلى صاحبه، وإن تعذر هذا انتقلا إلى القرعة.
стр. 2798
قال ابن القاسم: لا ضمان في الفاسد إلا بالقبض. وقال أشهب: أو بالتمكين، أو بنقد الثمن ....
لما قدم ما ينتقل به الضمان في البيع الصحيح أخذ فيما ينتقل به الضمان في البيع الفاسد. وتصور كلام ابن القاسم ظاهر. وزاد أشهب شيئين آخرين للضمان، وهما: تمكين المشتري من السلعة، وإعطاء الثمن للبائع. وقال سحنون: إنما يضمن بعد العقد ضمان الرهان. [٤٨٢/أ] والأظهر قول ابن القاسم، لأن المشتري إنما قبضه لحق نفسه على نحو ما يقبض المالك، ولم يقبضه للانتفاع بالمثمن كالرهن، ولا للانتفاع به مع بائقه كالعواري، ولا دخل به على احتمال رده كالخيار.
ويقوم وقت ضمانه لا وقت العقد
أي: أن المبيع فاسداً إذا فات ووجب ضمانه فيقوم في أول أزمته ضمانه، وهو يوم القبض عند الجميع، أو يوم التمكين، أو دفع الثمن عند أشهب.
ابن راشد: وما ذكره المصنف هو المشهور. وقيل: يقوَّم يوم العقد. وقيل: يوم الفوت.
واستعماله مطرح، إذ الخراج بالضمان
أي: ما استغله المشتري من المبيع بيعاً فاسداً فهو له، ولو فسخ البيع ورد المبيع، وعلله بما ذكره.
ولا ينتقل الملك فيه إلا بالقبض والفوات
يعني: أنَّا وإن قلنا: الضمان في المبيع بيعاً فاسداً ينتقل بالقبض، فالملك لا ينتقل بذلك، بل لابد من ضميمة الفوات. وفي بعض النسخ: على المعروف، إشارة إلى ما ذهب إليه سحنون: أن الملك لا ينتقل بوجه في الحرام البين. وذهب ابن مسلمة إلى أن الفسخ بعد القبض استحسان، وظاهره أن العقد الفاسد إذا اتصل به القبض نقل الملك.
стр. 2799
قال ابن القاسم في الحرام البين: المثل في المثلى والقيمة فيما سواه، وما كرهه الناس يمضي بالثمن، وقيل: بتعميم الأول ....
نسب هذا لابن القاسم لاختصاصه به، أي: أن ابن القاسم فرق في الفاسد بين أن يكون حراماً صريحاً ثبت تحريمه بنص أو إجماع وشبه ذلك، وبين أن يكون مدركُ تحريمه قياساً وعموماً بعيداً، فالأول تلزم فيه القيمة في المقوم والمثل في المثلى، والثاني يمضي بالثمن، أي: يمضي بالثمن بعد الفوات، نص عليه في الجواهر.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف أنه يمضي بالعقد الأول ولا يرد، وليس بظاهر، لأن كلام المصنف ليس فيه ما يعطيه أنه يمضي بالعقد. وباشتراطه الفوات علم أنه لم يرد المكروه الذي هو مقابل المندوب، وإنما أراد ما جرت به عادة المتقدمين من إطلاق المكروه على نوع من الحرام. ولهذا أكد الحرام بالبين في القسم الأول.
ومثل ابن القاسم المكروه بمن أسلم في حائط بعينه قد أزهى ويشترط أخذ ثمره، فإنه يفوت بالقبض.
وقوله: (وقيل: بتعميم الأول) الذي هو الحرام البين، فيفسخ مطلقاً، فإن فات وجبت فيه القيمة إن كان مقوماً والمثل إن كان مثلياً، وهو قول ابن نافع وسحنون.
وحكى اللخمي في المختلف فيه أربعة أقوال: قيل: يمضي بالعقد. وقيل: بالقبض. وقيل: بالفوات فيمضي بالثمن. وقيل: بالقيمة كسائر البياعات الفاسدة، وهو قول من لم يراعِ الخلافَ.
فإن كان درهمان وسلعة تساوي عشرة بثوب فاستحقت السلعة وفات الثوب: فله قيمة الثوب بكماله على الأصح، ويرد الدرهمين لا قيمة نصفه وثلثه .....
يعني: فلو كان التعاوض بأن دفع رجل درهمين وسلعة تساوي عشرة دراهم وأخذ ثوباً فاستحقت السلعة من يد من أخذها، فحقه أن يرد الدرهمين ويرجع فيأخذ ثوبه،
стр. 2800
لأنه لما استحق جل ما بيده انتقضت الصفقة كلها. لكن المصنف فرض فوات الثوب، وفواته بحوالة السوق فأعلى.
وقوله: (فله) أي: مع الفوات قيمة الثوب كاملاً ويرد الدرهمين لصاحب السلعة، بناءً على أن الصفقة إذا استحقت جلها انفسخت كلها به، وهذا هو المشهور.
وقيل: إنما له قيمة خمسة أسداسه في المثال المذكور، بناءً على صحة البيع فيما قابل الدرهمين لعدم استحقاقهما، لأنك قد علمت أن قيمة السلعة عشرة دراهم، فإذا أضفت إليها الدرهمين كانت نسبتهما من الجميع السدس، فيمضي البيع في سدس الثوب، فلو كانت قيمته خمسة عشر مثلاً قاصه بدرهمين ويرجع بثلاثة عشر على المشهور، وعلى مقابله باثني عشر ونصف.
فلو كانت قيمته تسعة رجع على المشهور بسبعة وقاصه بدرهمين، وعلى مقابله بسبعة ونصف.
أما لو كانت قيمته اثني عشر كعوضه، رجع بعشرة اتفاقاً ويقاص بدرهمين على المشهور ويملكها على مقابله بغير مقاصة.
وزعم ابن عبد السلام أن قوله: (لا قيمة نصفه وثلثه) لا يريد به خصوصية هذه المسألة، لاستحالة أن تكون السلعة ثلثاً ونصفاً، وإنما مراده: لا قيمة ثلثه إن كانت السلعة ثلث الصفقة كما لو كانت تساوي درهماً واحداً، ولا قيمة نصفه كما لو كانت تساوي درهمين وهذا ليس بظاهر، لما ذكرناه.
والفوات بتغيير الذات، وتغيير السوق، والخروج عن اليد بالبيع الصحيح، وتعلق حق الغير بها كرهنها أو إجارتها
لما ذكر أن الملك ينتقل بالفوات ذكر له أربعة أسباب، الأول: تغيير الذات. الثاني: تغيير السوق. الثالث: الخروج عن اليد ببيع أو هبة أو صدقة أو عتق. وليس تخصيص المصنف البيع بظاهر. والرابع: تعلق حق الغير بها كما ذكرنا.
стр. 2801
وظاهر كلامه يقتضي أن تغير الذات يفيت المثلي، وقاله ابن شاس. والذي في اللخمي والمازري وابن بشير: أنه لا يفوت، لأن المثل يقوم مقامه.
ويعتبر فوات الغرض المقصود فتفوت الدار بالهدم والبناء
أي: ويعتبر في التغيير الموجب للفوات أن يكون ذلك التغيير مفيتاً للمقصود، ولا شك أن التغيير على هذا الوجه مفيت، ومفهومه: أن العيب الذي لا يفيت الغرض ليس [٤٨٢/ب] بفوت، وظاهر النقول خلافه، ففي المدونة: ومن اشترى أمة بيعاً فاسداً فولدت عنده ثم مات الولد فذلك فوت. وقال اللخمي: تغيير المبيع في نفسه بزيادة أو نقص مفيت وأطلق.
وقوله: (فتفوت الدار بالهدم) قال في البيان في باب جامع البيوع: إن الحائط في البيع الفاسد لا يفوت بالبناء اليسير. قال في العتبية: ويكون على ربِّ الحائطِ إذا رُدَّ إليه ما أنفق في بينان جدار أو حفر بئر. وقيل: قيمة ما أنفق.
والأرض بالغرس وقلعه
قال في الجواهر: وكذلك حفر الآبار وشق العيون، ولا شك أن هذا مفيت. وقسمها أصبغ في العتبية على ثلاثة أقسام: فقال فيمن اشترى أرضاً بيضاء شراء فاسداً فقبضها فغرس حولها شجراً حتى أحاط بالأرض وعظمت في ذلك المئونة وبقي أكثرها بياضاً: أنه فوت لجميعها، وإن كان إنما غرس ناحية من الأرض فاتت تلك الناحية. وإن كان إنما غرس يسيراً لا بال له رد جميعها وكان على البائع للغارس قيمة غرسه.
ابن محرز والمازري: والصواب أن يكون له قيمتها قائمة، لأنه غرسها بشبهة. وخرج بعضهم قولاً بأنه يأخذ ما أنفق، وجعل في البيان الناحية التي تفوت بالغرس أن تكون قيمتها ثلث المجموع أو ربعه. وعلى هذا فيكون اليسير الذي لا يفوت به ما دون الربع يسقط.
стр. 2802
ونقل في البيان قولاً آخر في الغرس في الناحية: أن البيع يفسخ في الأرض كلها، فيبطل عن المبتاع جميع الثمن إن كان لم يدفعه، ويرد إليه جميعه إن كان دفعه، وعليه قيمة الناحية التي فوت بالغرس بالغة ما بلغت، وهذا القول قائم من الدمياطية لابن القاسم، واحترز بالغرس من الزرع فلا يكون فوتاً، قاله ابن القاسم.
قال ابن المواز: فإن فسخ في إبان الزراعة لم يقلع وعليه كراء المثل، وإن فسخ بعد الإبان فلا كراء عليه.
فلو باعه قبل قبضه فقولان
أي: فلو باع المشتري المبيع بيعاً فاسداً بيعا صحيحاً، فإن كان البيع بعد قبض المبيع فات، وإن كان قبله فهل يفوت؟ قولان لمالك في الموازية.
عياض: واختلفوا في حمل المدونة عليها، لا يختلفوا أنه لو علم بالفساد ثم باعها قصداً للتفويت أن بيعه غير ماض.
وقوله: (باعه) ثانياً أي: بيعاً صحيحاً، وأما الفاسد فلا أثر له.
ابن عبد السلام: وما قاله عياض إنما يتم إذا كان المشتري منه واطأه على قصد التفويت، وأما إن لم يقصده فلا يبعد أن يختلف فيه على أن بعضهم أشار إلى وجود الخلاف فيه نصاً.
ووقع في الرواية: أن المشتري إذا قصد إلى تفويته بالبيع من غيره، فإنه لا يفوت بذلك إلا العتق. انتهى.
وفي اللخمي: البيع الصحيح يفيت البيع الفاسد وإن قصد بذلك التفويت. فانظره مع كلام عياض.
стр. 2803
وتغير السوق يعمل في الحيوان والعروض دون العقار، وذوات الأمثال من المكيل والموزون من المعدود، وقيل: في الأربعة كغيره ....
يعني: أن تغير السوق بزيادة أو غيره أو نقص يعمل، أي: يفيت الحيوان والعروض باتفاق، ولا يعمل في العقار وذوات الأمثال على المشهور.
وقال ابن وهب: يعمل أيضاً فيهما، وإليه أشار بقوله: وقيل في الأربعة كغيره، لأنه أراد بالأربعة العقار، وثلاثة أنواع: المثلى المكيل، والموزون، والمعدود. وفرق للمشهور بأن غالب شراء العقار للغنية، فلا يطلب فيه كثرة الثمن وقلته بخلاف غيره، وبأن الأصل في ذوات الأمثال القضاء بالمثل والقيمة كالفرع، فلا يعدل إليها مع إمكان الأصل.
وفي بيعه قبل قبضه قولان
أي: وفي بيع المذكور وهو العقار وذوات الأمثال، وهما القولان المتقدمان. وكرره، لأنه لما لم يعمل فيها تغيير السوق فلا يتوهم لأجل ذلك لا ملك يعمل فيه تغير، فلا يخاف أن يتهم أنه يعمل فيها غيره من المفوتات، على أن الظاهر أن مراده بهذا خلا ف الأول، ويتضح لك ذلك بما قاله في الجواهر، فلو باع ما اشتراه شراء فاسداً فقد رأى المتأخرون في نفوذ المتأخرون في نفوذ البيع له وهو في يد بائعه قولين، قالوا: وكذلك عكسه، وهو أن يبيع البائع ما باعه بيعاً فاسداً بعد قبض من اشتراه الشراء الفاسد. وجعلوا سب الخلاف كون البيع الفاسد هل ينقل شبهة الملك أم لا؟ انتهى.
فيحمل كلامه في هذا الفرع على الفرع الثاني الذي في ابن شاس، وقد حكى ابن بشير هذا الخلاف أيضاً.
وفي طول الزمان في الحيوان قولان
أي: وفي مجرد الطول فقط. والقول بأنه يفيت مذهب المدونة، القول الآخر ذكره ابن شاس. وعلى المشهور فذكر فيها في العيوب أن مرور الشهر فوت، وذكر في السلم أن
стр. 2804
الشهرين لا يكون فوتاً، وحمله اللخمي على الخلاف، ورأى المازري أنه ليس بخلاف وإنما هو اختلاف شهادة.
تنبيه: سكت المصنف عن الطول في غير الحيوان، أما العقار، فقال في البيان: واختلف قول ابن القاسم في طول الزمان هل هو فوت في الأرضين والدور أم لا؟ والقولان في كتاب الشفعة من المدونة نص في موضع منها أن طول الزمان فوت، وفي موضع آخر أن الستين والثلاث ليس بفوت، فدل أن طول الزمان فوت.
ونص اللخمي والمازري أن مالكاً وابن القاسم قالا: لا يفيتها الطول. قالا، وقال أصبغ: [٤٨٣/أ] إلا أن يكون الطول عشرين سنة، فإن هذا لابد أن يدخله التغيير في بعض الوجوه والبلاد.
وأشار المازري إلى أن ما ذكر أصبغ لا يخالف فيه، والرواية المذكور فيها: أن مجرد الطول لا يفيت، إنما أطلقت على أن طول الزمان لم يغير عينها.
وأما العروض، ففي المدونة: لا يفيتها الطول، إذ لم تتغير في نفسها ولا حال سوقها. وذكر ابن راشد أن طول الزمان في العروض مفيت، قال: لسرعة التغيير فيها.
ونقل العروض والمثلي من بلد إلى بلد بتكلف أو إجارة، ووطء الأمة كتغير السوق ....
أي: فيفيت غير المثلي ولا يفيت المثلى على المشهور، وهذا ظاهر كلامه وفيه نظر، لأن الذي نقله المازري وغيره: أن نقل العروض والمثلي مفيت، ولم أر خلافه. وتقييده بتكلف وإجارة يخرج الحيوان الذي ينتقل بنفسه فلا يكون نقله فوتاً. قال المتأخرون: إلا في خوف الطريق وأخذ مكترٍ عليه، فلذلك فوت لما فيه من الضرر. ونبه بقوله: (بتكلف أو إجارة) على وجه إلحاقه بتغير السوق، وهو ما يلحق من زيادة فيها.
стр. 2805
وما ذكره المصنف من وطء الأمة هو في الموازية لابن القاسم، ووجهه: أنه يفتقر إلى إيقافها إلى الاستبراء، ويمنه السيد من التصرف فيها بالبيع والوطء وغيره، فيلحق البائع الأول الضرر.
اللخمي: ولم يجعل ابن القاسم الغيبة عليها فوتاً ولا يعلم الوطء إلا بذلك، فإن قال: وطئتها، صدق. فإن قال: لم أصبها وصدقه البائع، ردت ووقفت للاستبراء، وإن كذبه وكانت من العلي لم ترد، وإن كانت من الوخش فالقول قوله: أنه لم يصب، وردت ولم توقف.
ولو ارتفع السبب قبل الحكم بالفوات، فإن كان بتغير سوق ثم عاد لم يرتفع، وفي ارتفاعه بالبيع ثم يرجع، وبالعتق والتدبير ثم يرده الغريم، وبالإجارة والرهن والعيب ثم يزول قولان لابن القاسم وأشهب
أي: إذا وقع البيع فاسداً وحصل هنالك مفيت من الأنواع المفيتة، ثم ارتفع ذلك المفيت قبل أن يحكم القاضي بعدم الرد، وأما لو حكم لمضى اتفاقاً. فإن كان المفيت تغير سوق ثم زال، فإنه يقدر كأن التغيير حاصل، وإليه أشار بقوله: (لم يرتفع) إلى الفوات. وإن كان غيره- كما ذكر المصنف- فقال ابن القاسم: يرتفع الفوات ويكون له الرد. وقال أشهب: لا يرتفع كحوالة الأسواق.
وفرق لابن القاسم بوجوه، أولها: أن السوق الثانية غير الأولى بخلاف البيع، فإن البيع إذا رجع فهو الأول بعينه قطعاً. ورده المازري بأن المعتبر وقوع السبب وهو البيع لا السوق، فلا فرق بين سوق تغيرت ثم عادت، أو سلعة بيعت ثم عادت.
ثانيها لأبي عمران: أن حوالة الأسواق تغير في عين السلعة، لأن المقصود ثمنها. وأما خروج السلعة من يد المشتري فليس بتغير، وإنما هو لأجل أن يد المشتري فيه حائلة، فإذا زالت انتقض. المازري: وهو قريب من الأول.
следующие страницы →