← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

وقوله: (فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ)؛ يعني: وأما الثلث فما دونه فلا حجر عليها في ذلك، إما لأنها لما كانت محجوراً عليها لغيرها كانت كالمريض، فيكون من باب تخصيص الخبر بالقياس، وإما لما في الصحيحين أنه ﷺ خطب يوم عيد وأتى النساء فقال: «تصدقن» فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطهن وخواتمهن. فيجمع بين الحديثين بجواز اليسير دون الكثير، والثلث هو اليسير المأذون فيه؛ لقوله ﷺ : «الثلث والثلث كثير» لاسيما وقد روى ابن حبيب أنه ﷺ قال: «لا يجوز لامرأة أن تعطي من مالها شيئاً له بال بغير إذن زوجها"، وشمل الزوج العبد، وهو ظاهر المذهب، ورواه أشهب وابن نافع عن مالك، وقال ابن وهب في العتبية: العبد بخلاف الحر لزوجته الحرة أن تتصدق بجميع مالها. أصبغ: وليس بشيء وله من الحق ما للحر. محمد: ولولي السفيه أن يحجر على زوجته، ومفوم كلام المصنف أنه لا يمنعها من الثلث فأقل، ولو قصدت به الضرر، وهو قول ابن القاسم وأصبغ في الواضحة، وقال مطرف وابن الماجشون وأشهب عن مالك: إذا تصدقت بالثلث فأقل على وجه الضرر بالزوج فله رده. واختاره ابن حبيب، وقيل: إن ضرت بالثلث رد لا بأقل. قوله: (أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ) يدخل فيه التدبير، وهو قول ابن الماجشون، ولمالك في رواية ابن القاسم ومطرف أنه يمضي وإن زاد على الثلث، واختلف أيضاً إذا أعتقت ثلث عبد لا تملك غيره، فقال ابن القاسم وابن أبي حازم: ذلك ماضٍ، وقال ابن الماجشون: هو مردود. واحترز (بِمَا لَيْسَ بِمُعَاوضَةٍ) من البيع والشراء ونحوهما فلا حجر عليها في ذلك، واختلف: هل لها أن تقرض كالبيع - وهو قول ابن دحون؛ لأنها تقتضيه - أم لا كهبتها، وهو قول ابن الشقاق؟ ومنع في المدونة كفالتها؛ أي في أكثر من الثلث، واحتج به من منع قرضها، وفرق بأن في القرض هي الطالبة وفي الحمالة هي المطلوبة.

стр. 3152

وَهُوَ جَائِزٌ حَتَّى يَرُدَّهُ الزَّوْجُ، وَقِيلَ: مَرْدُودٌ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِذْنُهُ ضمير (هو) عائد على (ما) في قوله: (فِيمَا زَادَ) والقول الأول هو قول ابن القاسم رواه عن مالك، وقاسه على عتق المديان وبه قال أصبغ، قال في المقدمات: وهو المعلوم من قول مالك وأصحابه. والقول الثاني لمطرف وابن الماجشون وفرق بينها وبين المديان بأن الغرماء لا يصح لهم رد إلا بثبوت الدين واغتراق الذمة بالبينة، وهذا زوج لا يكلف البينة. ومن ثمرة هذا الخلاف ما قاله ابن رشد لو اختلف الزوجان فيما أعطته: هل هو الثلث أو أزيد؟ فمن جعل عطيتها على الرد قال: القول للزوج ومن جعل عطيتها على الإجازة قال: القول للمرأة. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَأيَّمَتْ مَضَى اتِّفَاقاً يعني: فإن لم يعلم الزوج بعطيتها أكثر من الثلث حتى تأيمت الزوجة بطلاق الزوج أو بموته مضى ما أعطته، ولم يكن للزوج ولا لورثته مقال باتفاق، أما على القول بأن فعلها على الجواز حتى يرد فظاهر، وأما على الآخر فلأن الزوجية معتبرة شرطاً في الرد وقد فقدت، ورد ابن يونس قول مطرف وابن الماجشون إن فعلها على الرد بالاتفاق في هذه المسألة، قال: لأنه إذا كان على قولهما على الرد فينبغي إذا تأيمت أن يكون لها الرجوع فيه؛ لأنه لم يزل مردوداً. ابن عبد السلام: وظاهر كلام ابن حبيب وجود الخلاف في موت الزوج هل لورثته مقال؟ والخلاف موجود فيما إذا رد الزوج فعلها ولم يخرج من يدها حتى تأيمت. وَحَتَّى مَاتَتْ: فقَوْلانِ أي: وإن لم يعلم الزوج بعطيتها حتى ماتت، فقال ابن القاسم: ذلك ماضٍ كتأيُّمها، وقال ابن حبيب: إذا لم يعلم الزوج بما فعلت من عتق وعطية حتى ماتت هي: أو لم يعلم

стр. 3153

السيد بفعل العبد حتى مات، فذلك مردود لأن لهما الميراث، ولعل القولين مبنيان على أن فعلها هل هو على الإجازة أو على الرد؟ وَإِذَا تَبَرَّعَتْ بِمَا زَادَ فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ الْجَمِيعَ أَوْ يَرُدَّهُ، وَقِيلَ: أَوْ يَرُدَّ مَا زَادَ خَاصَّةً كَالْمَرِيضِ، سِوَى الْعِتْقِ لأَنَّهُ لا يَتَبَعَّضُ .... (بما زاد) ظاهره قلَّت الزيادة أو كثرت، وهو قول ابن نافع وقال ابن القاسم في المدونة: إذا زاد كالدينار ونحوه نفذ الجميع. قوله: (أَوْ يَرُدَّهُ)؛ أي الجميع، وهذا قول ابن القاسم في المدونة والقول بأنه لا يرد إذا زادت إلا ما زاد على الثلث هو للمغيرة، وشبه ذلك بالوصايا وبقوله [٥٣٨/ب] قال ابن الماجشون وزاد فقال: وأما العبد فيعتق جميعه أو يرده؛ لئلا يعتق المالك للجميع بعض عبده بلا استتمام، ونقله ابن يونس عن مالك وابن القاسم وابن أبي حازم ومطرف وابن دينار والمغيرة وغيرهم. وهذا هو قصد المصنف بقوله: (سِوَى الْعِتْقِ)؛ لأنه لا يتبعض. ابن راشد: وقال ابن القاسم: يعتق ثلثه فقط، وإن كره الزوج، ورواه عن مالك، وعلى هذا فقوله: (سِوَى الْعِتْقِ) ليس متفقاً عليه. وقول المصنف في القول الثاني: (وَقِيلَ: أَوْ يَرُدَّ) صوابه إسقاط (أَوْ). فإن قلت: فما الفرق على المشهور هنا في أن للزوج رد الجميع وبين المريض والموصي، فإنه لا يرد لهما إلا ما زاد على الثلث، قيل: لأن الأصل إبطال الجميع في الثلاث مسائل؛ لكونه وقع على وجه الممنوع، وأبطلناه في حق الزوجة؛ لأنها يمكنها استدراك غرضها بإنشاء الثلث ثانياً بخلاف المريض والموصي، فإنا لو أبطلنا الجميع لم يمكن استدراك الغرض بموت المعطي، والله أعلم.

стр. 3154

وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ التَّبَرُّعِ بِالثُّلُثِ التَّبَرُّعُ بِبَقِيَّتِهِ إِلا فِي مَالٍ آخَرَ ظاهره سواء كان بين التبرعين زمان قريب أو بعيد، وهو قول عبد الوهاب. اللخمي: وهو أحسن. ابن راشد: وهو أصح. ووجهه المازري ها هنا بأنها لو أجيز لها بعد إخراج الثلث من هذا المال بعينه للزم أن تفنيه في كرَّات وهو خلاف المقصود، لكن فإن المعروف من المذهب أنه لا يمنعها مطلقاً، فقد قال ابن المواز: إذا تصدقت بثلث مالها ثم بثلث ما بقي، وبَعُدَ ما بين العطيتين تمضي الصدقتان، وحدَّه ابن سهل بالسنة فما فوقها، وفصل أصبغ فقال: إذا أعتقت رأساً ثم رأساً والزوج غائب ثم قدم، فإن كان بين ذلك ستة أشهر فكل واحد عتق مؤتنف ينظر فيه: هل يحمله الثلث أم لا؟ وإن كان بين ذلك اليوم واليومان فإن حمل جميعهم الثلث وإلا رد جميعهم، كعتقها لهم في كلمة وإن كان بين ذلك مثل الشهر والشهرين مضى الأول إن حمله الثلث ورد ما بعده، وإن حمله الثلث؛ لأن مخرجه للضرورة، ورده ابن يونس وغيره بأنه إذا كان مجموعهما الثلث فينبغي أن يجوز، كما لو كان بكلمة واحدة إلا أن يعلم أنها قصدت الضرر فيدخله الخلاف المتقدم. ابن عبد السلام: الأقرب ما قاله المؤلف، لكن طرده يقتضي أنها لو تصدقت بسدس مالها أو بربعه، ثم أرادت بعد ذلك بزمان طويل أن تتصدق لم يكن لها إلا تمام الثلث إن لم يتزايد مالها. * * *

стр. 3155

الصُّلْحُ: مُعَاوَضَةٌ - كَالْبَيْعِ -، وَإِبْرَاءٌ، وَإِسْقَاطٌ النووي: الصلح والإصلاح والمصالحة والاصطلاح: قطع المنازعة، وهو مأخوذ من صلح الشيء بفتح اللام أو ضمها إذا كمل، وهو خلاف الفساد، يقال: صالحته مصالحة وصِلاحاً بكسر الصاد، ذكره الجوهري وغيره، والصلح يذكر ويؤنث، وقد يقال: اصطلحا واصَّالحا وتصالحا، وروى الترمذي وحسنه أنه ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً». وقوله: (مُعَاوَضَةٌ ... إلى آخره) الظاهر أنه قصد بالإبراء والإسقاط شيئاً واحداً؛ لأنه كذلك في الجواهر والتلقين، ولأن المصنف إنما تعرض للكلام على الإبراء، فلو كان الإسقاط مبايناً له لتعرض له، ويحتمل أن يكون قسمه إلى ثلاثة أقسام، وهو الأليق باختصار المصنف، وإنه لا يذكر لفظة زائدة، وإلى هذا ذهب ابن عبد السلام وقال: المعاوضة أخذ ما يخالف الشيء المدعى فيه إما في الجنس أو الصفة، والإبراء إسقاط بعض ما في الذمة إذا كان المدعى فيه غير معين، والإسقاط وضع بعض المدعى فيه المعين، كدار أخذ بعضها، وقيل: استعمل الإسقاط للعيب والإبراء لترك البعض، وقال ابن راشد: والإبراء أعم من الإسقاط لوجوده مع عدم ثبوت الحق في الإبراء من التهم ومع ثبوته في الإبراء في الديون الثابتة، وأما الإسقاط فلا يكون إلا في الحقوق الثابتة. واعترضه ابن عبد السلام بأن المصنف لم يتعرض للإبراء من التهم فلا يحسن أن يقال: إن المصنف أراده وإن كان صحيحاً من جهة اللغة.

стр. 3156

فَالصُّلْحُ عَنِ الدَّيْنِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ، وَعَنِ الْبَعْضِ إِبْرَاءٌ عَنِ الْبَعْضِ، وَالْوَضِيعَةُ لازِمَةٌ أي: إذا ادعى عليه ديناً فأقر به فصالحه عنه، فإن صالحه عن جميعه بعرض يأخذه منه فذلك كبيعه منهن فيشترط في الصلح ما يشترط في بيعه، وإن صالحه عنه بترك بعضه فهو إبراء عن البعض وما وضع عنه فهو لازم له؛ لأنها هبة مقبوضة، ويشترط فيها قبول الموهوب في حياة الواهب، وهي يكفي في ذلك قبول الموهوب له بعد موت الواهب؟ فيه قولان. وَيُقَدَّرُ الدَّيْنُ وَالْمَقْبُوضُ كَالْعِوَضَيْنِ أي: ويقدر الدين المدعى فيه والمقبوض عنه كالعوضين في البيع؛ أي كما لو باع الدين بعوض فما يجوز في البيع يجوز في الصلح، وما يمتنع يمتنع. فَيُعْتَبَرُ: ضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَحُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ، وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ عطف بالفاء لأنه كالنتيجة عما قبله، و (ضَعْ وَتَعَجَّلْ) يكون في العين وغيرها، كما لو ادعى عليه بعشرة دراهم أو عشرة أثواب إلى شهر فأقر بذلك ثم صالحه على ثمانية نقداً. (وَحُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ) إنما يكون في غير العين، كما لو ادعى عليه بعشرة أثواب إلى شهر فصالحه على اثني عشر نقداً، وإن صالحه عنها بدنانير أو دراهم مؤجلة لم يجز؛ لأنه فسخ دين في دين، وهذا معنى قوله: (وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ)، وكذلك يعتبر الصرف المؤخر كما لو صالحه عن [٥٣٩/أ] دنانير مؤجلة بدراهم أو بالعكس، وكذلك يعتبر بيع الطعام قبل قبضه، فلا يجوز لمن ادعى بطعام من بيع أن يصالح عنه بغيره، وكذلك يشترط معرفة ما يصالح عنه، فإن كان مجهولاً لم يجز، ولذلك اشترط في المدونة في صلح الولد للزوجة على إرثها معرفتها بجميع التركة وحضور أصنافها وحضور من عليه العرض وإقراره وإلا لم يجز، وكأن المصنف نبه بالموانع الثلاثة على ما عداها.

стр. 3157

وَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ، فَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى أَنَّهُ مُبَايَعَةٌ بَعْدَ فَسْخِ الأُولَى فَيُعْتَبَرُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَفَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَأَشْهَبُ يَرَى الْبَيْعَ الأَوَّلَ بَاقِياً، وَهَذَا عِوَضٌ عَنِ الإِسْقَاطِ فَيُعْتَبَرُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مَنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَفَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ .... يعني: أن من اشترى سلعة ثم اطلع على عيب بها فقام به فأقر به البائع، أو قامت به بينة واصطلحا على شيء يدفعه له ويترك القيام بالعيب، فرأى ابن القاسم أن العقدة الأولى قد انحلت، وهذه إنشاء مبايعة أخرى، ورأى أشهب أن العقدة الأولى باقية، وما وقع به الصلح عوض عن القيام بالعيب. ومنشأ الخلاف: من ملك أن يملك هل يعد مالكاً أم لا؟ وأحسن من هذا أن يقال كما قال المازري وابن شاس وغيرهما: إن من خُيِّر بين شيئين هل يعد مالكاً لما يختاره قبل اختياره أم لا؟ فإن المتمسك بهذا المغيب ملك أن يتمسك أو يرد، فهل يقدر أنه مالك للرد قبل اختياره فيكون الصلح عما ملك، أو لا يكون مالكاً إلا لما اختاره وهو التمسك؟ واختار جماعة قول أشهب؛ لأن القيام بالعيب لا يلزم فيه حل البيع. اللخمي: وهو أقيس إذا قام بالعيب ولم يقل رددت، فإن قال: رددت، فالجواب على قول ابن القاسم، وقد نقل القصار عن مالك أن قول المشتري: رددت، فسخ للبيع وإن لم يحكم بذلك. ويظهر ما بناه المصنف على كل قول بالتمثيل. فَمَنِ اشْتَرَى عَبْداً بِمِائَةٍ نَقْداً وَنَقَدَهَا فَصَالَحَ عَنْ عَيْبٍ بِمُعَجَّلٍ مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ أَوْ مِنَ الْعُرُوضِ جَازَ عِنْدَهُمَا .... قوله: (عَبْداً) مثال وتبع في فرض المسألة المدونة، وقيدها في المدونة بما إذا كان العبد باقياً، وذكر للمسألة شرطين: أن يكون الشراء بالنقد، وأن يكون قد نقد الثمن، فإذا

стр. 3158

صالحه بنقد أو عرض جاز عند ابن القاسم وأشهب، والجواز على قول أشهب واضح، وكذلك على قول ابن القاسم؛ لأنه لما انتقض البيع الأول وجب للمشتري عند البائع مائة، أخذ عوضاً عن تسعين منها عبداً واسترد عشرة، ولهذا كان من شرط الجواز أن تكون العشرة من سكة المائة. وهو معنى قوله: (مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ) أما إذا كانت من سكة أخرى فيمتنع؛ لأنه بيع ذهب وعبد بذهب. فَلَوْ صَالَحَ بِعَشَرَةٍ إِلَى شِهْرٍ مَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ؛ لأَنَّهُ اشْتَرَى حِينَئِذٍ الْعَبْدَ بِتِسْعِينَ وَأَخَّرَ الْعَشَرَةَ، وَجَوَّزَ أَشْهَبُ؛ لأَنَّهَا عَنِ الْعَيْبِ .... منع ابن القاسم؛ لأنه لما انحلت العقدة الأولى وجب للمشتري في ذمة البائع مائة حالَّة اشترى بتسعين منها عبداً وأخره بعشرة، وذلك سلف فصار العقد مشتملاً على البيع والسلف، وجوز أشهب؛ لأن العقدة الأولى عنده منعقدة فصارت العشرة المؤخرة مأخوذة لأجل العيب، وليس فيها سلف. فَلَوْ صَالَحَ قَبْلَ نَقْدِهَا عَلَى تِسْعِينَ وَيُؤَخِّرُ الْعَشَرَةَ إِلَى أَجَلٍ، انْعَكَسَ الْقَوْلانِ؛ لأَنَّهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ: تَاجِيلٌ لِبَيْعٍ مُسْتَانَفٍ، وَهُوَ جِائِزٌ، وَعِنْدَ أَشْهَبَ: أَخَّرَهُ بِالْعَشَرَةِ لِيَسْقُطَ الْعَيْبُ، فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً أي: لو كانت المسألة بحالها: اشترى عبداً بمائة نقداً، لكن لم ينقد المشتري المائة حتى اطلع على العيب فصالحه البائع على أن يأخذ منه الآن تسعين ويؤخره بالعشرة الأولى إلى شهر مثلاً انعكس القولان؛ أي في الصورة لأن ابن القاسم منع في الأولى وأجاز أشهب وهنا بالعكس، وإلا فكل باقٍ على أصله، وإنما أجازه ابن القاسم؛ لأنه لما انحلت العقدة الأولى لم يبق للبائع في ذمة المشتري شيء ثم باعه العبد بيعاً ثانياً بمائة منها تسعون معجلة

стр. 3159

ومنها عشرة مؤجلة، ولا مانع في ذلك، ومنع أشهب؛ لأن العقدة الأولى منعقدة فللبائع في ذمة المشتري مائة معجلة أخره منها بعشرة، وذلك سلف ليسقط عنه القيام بالعيب فيكون سلفاً جر منفعة، وهذا القدر كافٍ في تصوير كلام المصنف، وإلا فالمسألة يتصور فيها ست وثلاثون صورة، وبيان ذلك أنه إما أن يشتريه بدنانير أو بدراهم وينقدها، أو بدراهم ولا ينقدها أو بنقد مؤخر، وكل من هذه الثلاثة يتصور فيها اثنتا عشرة صورة، فيقال: إذا اشتراه بنقد ونقده فإما أن يصالح بدراهم أو بذهب أو بعرض فهذه ثلاثة، ثم كل منها ينقسم إلى قسمين: معجل ومؤجل، فهذه ستة، ثم للعبد حالتان: تارة يكون قائماً وتارة يكون فائتاً، وكذلك الكلام فيما إذا اشتراه بدراهم ولم ينقد، أو بدراهم مؤجلة. ولعل المصنف استغنى عن ذكر هذه الأقسام، ورأى أن من فهم ما ذكره يمكنه فهم ما تركه، ولنترك نحن أيضاً الكلام عليها تبعاً له؛ لأن القصد الأهم حل كلامه. وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى ذَهَبٍ بِوَرِقٍ، وبَالْعَكْسِ إِذَا كَانَا حَالَّيْنِ وَعُجِّلَ هذه المسألة راجعة [٥٣٩/ب] إلى صرف ما في الذمة، ومعنى كلامه أن من ادعى على رجل ذهباً فأقر به فإنه يجوز له أن يصالح عنه بورق معجَّل وبالعكس، ولا شك في اشتراط تعجيل العوض، وأما حلول ما في الذمة فهو جارٍ على المشهور من أن المعجَّل لما في الذمة يعد مسلَفا، وأما على الشاذ أن الذمة تبرأ فيجوز وإن كان مؤجلاً، وعلى قول أشهب بمنع صرف مافي الذمة تمتنع المصالحة هنا. وَالصُّلْحُ عَلَى الإَنْكَارِ وَعَلَى الافْتِدَاءِ مِنَ الْيَمِينِ: جَائِزٌ حُكْمُهُ، وَلا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ مِنْهُمَا .... صورة الصلح على الإنكار أن يدعي عليه داراً أو عبداً أو غيرهما فينكره، ثم يصالحه على شيء، وصورة الافتداء من اليمين أن تتوجه اليمين على المدعى عليه فيفتدي منها

стр. 3160

بمال، ثم ذكر المصنف أن الصلح على الأمرين جائز حكمه؛ أي جائز في ظاهر الحكم، ولا يحل للظالم فيما بينه وبين الله تعالى أن يأخذ ما لا يحل له، والمذهب جواز الصلح على الإنكار وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد لعموم الحديث المتقدم خلافاً للشافعي وابن الجهم من أصحابنا. فقول المصنف: (جَائِزٌ) خبر عن قوله: (وَالصُّلْحُ)، وهو واضح. ابن هشام: وإن علم المدعى عليه ببراءته وطلبت منه اليمين فليحلف، لا يصالح على شيء من ماله وإن صالح أثم من أربعة أوجه: لأنه أذل نفسه، وقال ﵊: «أذل الله من أذل نفسه». الثاني: أنه أطعمه ما لا يحل له. الثالث: أنه أضاع ماله، وقد نهى ﵊ عن ذلك. الرابع: جرأه على غيره كما جرأه على نفسه. ومراد المصنف أن الصلح على الإنكار جائز من حيث الجملة وإلا فلجوازه شروط، وقد أهملها المصنف، فشروطه عند مالك ثلاثة؛ وهي: أن يجوز على دعوى المدعي، وعلى إنكار المنكر، وعلى ظاهر الحكم، وابن القاسم يشترط الأولين فقط، وأصبغ يشترط شرطاً واحداً؛ وهو ألا تتفق دعواهما على فساد؛ فلو ادعي على رجل دراهم وطعام من بيع واعترف البائع بالطعام وأنكره الدراهم فصالحه على طعام مؤجل أكثر من طعامه، أو اعترف له بالدراهم فصالحه على دنانير مؤجلة أو دراهم أكثر من دراهمه، فحكى ابن رشد الاتفاق على فاسده وفسخه لما في ذلك من السلف بزيادة، والصرف المؤخر، وإن ادعى عليه غيره عشرة دنانير فأنكره، فأراد أن يصالحه عنها بدراهم إلى أجل فهذا ممتنع على دعوى المدعي؛ إذ لا يحل له أن يأخذ في دنانير دراهم إلى أجل، وجائز على دعوى المدعى عليه؛ إذ إنما صالح عن يمين وجبت عليه فيمتنع ذلك عند مالك وابن القاسم؛ لأن من شرطه عندهما أن يجوز على دعواهما معاً، وهذا لا يجوز على دعوى المدعي.

стр. 3161

وأجازه أصبغ؛ إذ لم تتفق دعواهما على فساد، وكذلك لو ادعى عليه عشرة أرادب من قرض فقال المدعى عليه: بل لك عندي خمسة من سلم، فأراد أن يصالحه على دراهم ونحوها معجلة، فهو جائز على دعوى المدعي؛ لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ولا يجوز على دعوى المدعى عليه؛ لأن طعام السلم لا يجوز بيعه قبل قبضه، فهذا أيضاً يجيزه أصبغ، ويمنعه مالك وابن القاسم، ولو ادعى عليه مائة درهم وأنكره فصالحه على خمسين إلى أجل، أو على تأخير جميعها فهذا جائز على دعوى كل منهما؛ لأن المدعي يقول: حططت وأخرت فأنا محسن، والمدعى عليه يقول: افتديت من يمين وجبت عليَّ، وظاهر الحكم أن فيه سلفاً جر منفعة فالسلف هو التأخير والمنفعة هي سقوط اليمين المنقلبة على المدعي بتقدير نكول المدعى عليه أو حلفه فيسقط جميع المال، فهذا ممنوع عند مالك لاشتراطه الجواز في ظاهر الحكم، وأجازه ابن القاسم؛ لأنه لم يعتبر هذا الشرط، ولا إشكال في جوازه على قول أصبغ. ابن محرز: وإن وقع الصلح على السكوت من غير إقرار ولا إنكار فإنه يعتبر فيه حكم المعاوضة في الإقرار، ويعتبر فيه على مذهب مالك الوجوه الثلاثة التي بيناها في الإنكار. اللخمي: واختلف في الصلح الحرام والمكروه إذا نزل، فقال مطرف في كتاب ابن حبيب: إذا كان الصلح حراماً صراحاً فسخ أبداً، فيرد إن كان قائماً والقيمة إن كان فائتاً، وإن كان من الأشياء المكروهة مضى، وقال ابن الماجشون: إن كان حراماً فسخ أبداً، وإن كان مكروهاً فسخ بحدثان وقوعه فإن طال أمره مضى، وقال أصبغ: يجوز حرامه ومكروهه وإن كان بحدثان وقوعه. خليل: لعل المراد بالحرام الحرام المتفق على تحريمه وبالمكروه المختلف فيه.

стр. 3162

فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نَقْضُهُ لأَنَّهُ مَغْلُوبٌ؟ يعني: لو ادعى عليه بمال فأنكره فصالحه على بعضه أو خلاف، ثم ثبت الحق بعد الصلح فإما أن يثبت بإقرار أو ببينة، وبدأ المصنف بالأول وذكر أن للمدعي نقض الصلح؛ لأنه كان كالمجبور عليه، ودل قوله: (فَلَهُ نَقْضُهُ) على أن له إمضاءه، ونص سحنون على ذلك. فَلَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ لّمْ يَعْلَمْ بِهَا، فَفِيهَا: لَهُ نَقْضُهُ، وَقِيلَ: لا لعله نسب المسألة للمدونة ليبين أن المشهور أن له النقض، ووجهه أنه مغلوب كالأول، والقول بأنه ليس له النقض رواه مطرف عن مالك، والفرق بين هذه وبين التي قبلها على هذا أن المدعي عليه في الأول مقر على نفسه بالظلم، وهذا مقيم على الإنكار، وأيضاً فإن المدعي في الثانية مفرط لعدم تثبته. فَإِنْ كَانَ عَالِماً بِهَا وَصَرَّحَ بِإِسْقَاطِهَا لَمْ يَقُمْ بِهَا أي: وصرح حين المصالحة بأن لا يقوم بها، لم يقم به لإسقاطه حقه، وهكذا في المدونة، وقيدها المازري بأن تكون حاضرة حين الصلح ويكون قادراً على القيام بها. فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ، فَقَوْلانِ مُخْرَجَانِ مِنَ الْمُسْتَحْلِفِ مَعَ عِلْمِهِ بِبَيِّنَةٍ أي: فإن لم يصرح المدعي العالم بالبينة ففي ذلك قولان مخرجان على القولين فيمن استحلف خصمه وهو عالم بالبينة، ومذهب المدونة في المسألة عدم القبول، [٥٤٠/أ] أما الأولى فقال مالك فيمن ادعى قبل رجل مالاً فأنكره فصالحه على شيء أخذه ثم وجد بينة أو أقر المطلوب: فإن كان الطالب عالماً بالبينة فلا قيام له، وإن كانت له بينة غائبة فخاف موته أو إعدام الغريم إلى قدومهم فلا حجة له بذلك، ولو شاء تربص، وذكر ابن يونس فيها قولين: فقال: وإذا صالح وهو عالم بالبينة قيل: ليس له القيام بها، وقيل: ذلك له.

стр. 3163

وأما المسألة الثانية ففيها وإن استحلفه بعد علمه بالبينة تاركاً لها وهي حاضرة أو غائبة فلا حق له. عياض: والأكثر أن معنى تاركاً؛ أي: تاركاً للقيام بها مع علمه، وقال آخرون: مصرحاً بترك القيام، ونقل ابن يونس عن ابن نافع أنه روى عن مالك أنه إذا حلفه وبينته حاضرة وهو عالم بها فله القيام بها بعد ذلك، وقاله أشهب في غير كتاب، وذكر المازري أن بعض المتأخرين خرج الخلاف في الصلح على الخلاف في مسألة الاستحلاف كما أشار إليه المصنف. خليل: وقد ذكرنا القولين منصوصين فلا حاجة إلى التخريج. وَلَوْ كَانَتْ غَائِبَةً وَشَرَطَ الْقِيَامَ بِهَا فَلَهُ ذَلِكَ وفي بعض النسخ عوض (غَائِبَةً) (بعيدة)، وكذلك هو في المازري، وهو الأظهر؛ لأن القريبة في حكم الحاضرة؛ يعني إذا صالح لتعذر بينته وشرط القيام بها، وحكى المصنف الاتفاق تبعاً للمازري، وكذلك قال ابن يونس. وقال ابن يونس: لا ينبغي أن يختلف فيه. فإن قيل: يعارض هذا القول ما وقع لابن القاسم فيمن أخر من له دين عليه بشرط أنه متى ادعى القضاء لم يستحلفه، واصطلح على ذلك أن هذا الصلح لا يلزم، ومتى ادعى المديان القضاء كان له استحلاف الطالب، وقيل: لا؛ فالفرق أن اشتراط إسقاط اليمين خلاف ما يوجبه الشرع فلم يوفِ له بشرطه، وذكروا في المذهب أن الخصمين لو اصطلحا على إسقاط البينة أو على أن المدعي عليه إن نكل عن اليمين غرم الحق من غير أن يرد اليمين على المدعي أن ذلك ماضٍ، فعارض المازري بين هذا وبين ما قبله؛ لأن كون النكول يوجب الغرامة من غير رد اليمين على المدعي خلاف الشرع. وأجاب ابن عبد السلام بأن إسقاط اليمين يئول إلى سلف جر منفعة، فلا يلزم بل ولا يجوز ابتداء،

стр. 3164

وأما الصلح على إسقاط البينة فهو على إسقاط حق آدمي بعد وجوبه، وأيضاً فإسقاط البينة بعد علمه بها وبما شهدت به دليل على خلل عقد التسليم بها في شهادتها، وأما الصلح على أن المدعى عليه يغرم بالنكول من غير رد يمين فهو موافق لمقتضى الشرع على أنه رأي الحنفية وغيرهم، فلا يبعد إمضاؤه كغيره من مسائل الخلاف إذا وقع، واختلف المذهب إذا شرط من باع بثمن مؤجل أنه مصدق في عدم قبض الثمن ما لم تقم للمشتري بينة، هي يوفى بالشرط أم لا، أو يوفى للأفاضل فقط؟ على ثلاثة أقوال، المازري: وهذا إنما يحسن النظر فيه إذا وقع الصلح على معاوضة، وأما إن لم تكن معاوضة والتزم المدعى عليه ألا يرد اليمين وأسقط حقه في ردها فإن هذا لا يختلف في جوازه؛ لأنه إسقاط حق على غير عوض. وَإِنْ أَشْهَدَ سِرّاً - فَقَوْلانِ هذان القولان ذكرهما ابن يونس وغيره، ومذهب سحنون القبول، وقد قال في المقر سراً: يقول: أخرني سنة وأنا أقر لك؛ ففعل فصالحه على ذلك، ثم أقام بينة أنه إن كان أشهد سراً: أني إنما أؤخره لأنه جحدني، ولا أجد بينة، وإن وجدتها قمت بها فذلك له إن أشهد بذلك قبل الصلح، وههنا ثماني مسائل: أربع متفق عليها وأربع مختلف فيه، فأما المتفق عليها: فالأولى: إن كان له بينة غائبة وأشهد وأعلن. والثانية: إذا صالح على الإنكار ثم أقر. والثالثة: إذا صالح على الإنكار، وذكر ضياع صكه؛ أي وثيقته ثم وجده بعد الصلح؛ فهذه الثلاثة اتفق فيها على القبول.

стр. 3165

والرابعة: إذا ضاع صكه فقال له الغريم: حقك حق فَاتِ بالصك فامحه وخذ حقك، وقال: قد ضاع وأنا أصالحك. فيفعل ثم يجد ذكر الحق، فلا رجوع له باتفاق. ابن يونس: والفرق بين هذه والتي قبلها أن غريمه في هذه معترف، وإنما طلبه بإحضار صكه ليمحو ما فيه، فقد رضي هذا بإسقاطه واستعجال حقه، والأول منكر للحق، وقد أشهد أنه إنما صالحه لضياع حقه فهو كشاهده أنه إنما يصالح لغيبة بينته. وأما الأربع المختلف فهي: إذا كانت بينته غائبة وأشهد سراً كما ذكرنا، الثانية إذا صالح ولم يعلم ببينة ثم علم، والمشهور القبول كما تقدم، والثالثة: إذا صالح وهو عالم ببينته، وتقدم أن المشهور فيها عدم القبول، والرابعة: من يقر في السر ويجحد في العلانية فصالحه غريمه على أن يؤخره سنة، ولو شهد الطالب أنه إنما يؤخره لغيبة بينته، فإذا قدمت قام بها، فقيل: إن ذلك له إذا علم أنه كان يطلبه وهو يجحده، وقيل: ليس له ذلك. خليل: وأفتى بعض أشياخ شيخي بأن ذلك له للضرورة، وهو قول سحنون، والآخر لمطرف، وهذه المسألة تسمى إيداع الشهادة، والله أعلم. * * *

стр. 3166

الحوالة: نَقْلُ الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةٍ تَبْرَأ بِهَا الأُولَى عياض وغيره: مأخوذة من التحول من شيء إلى شيء لأن الطالب تحول من طلبه لغريمه إلى غريم غريمه، وهي محمولة على الندب عند أكثر شيوخنا، وحملها بعضهم على الإباحة لما أشبهت بيع الدين بالدين، وعند أكثر مشايخنا مستثناة من الدين بالدين وبيع العين بالعين من غير يد بيد، كما خصت الشركة والتولية والإقالة من بيع الطعام قبل قبضه، وكما خصت العارية من بيع الطعام بالطعام نسيئة ومتفاضلاً، [٥٤٠/ب] لما كان سبيل هذه التخصيصات المعروف، وذهب الباجي إلى أنها ليست حكمها حكم البيع، ولا هي من هذا الباب، بل هي عنده من باب النقد، وذهب أهل الظاهر إلى وجوب القبول في الحوالة، لما رواه مالك وغيره «مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». وأجيب بعد التسليم أن الأمر حقيقة في الوجوب لا الندب بأن هنا دليلاً يمنع من الوجوب؛ لأن صاحب الدين إنما عامل صاحب هذه الذمة: «والمؤمنون عند شروطهم» ولأن الحوالة مترددة بين البيع وفعل المعروف، وكلاهما غير واجب، ولأنه لو وجب لكان لكل من أحلت عليه أن يحيلك إلى ما لا نهاية له، أويحيلك على مليء ظالم، والأول مؤد للضرر، والثاني مؤد إلى إبطال الحق. وأجيب عن هذا الوجه بأن المحال يلزمه قبول الحوالة، ما لم يكثر ذلك فتخرج صورة الضرر بالدلائل الدالة على نفي الضرر، كقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» وقوله ﷺ : «فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». عياض: الصواب فيه تسكين التاء، وبعض المحدثين والرواة يشددها، يقال: تبعت فلاناً فأنا أتبعه، ساكن التاء، ولا يقال: اتبعه بفتح التاء وتشديدها إلا من المشي خلفه.

стр. 3167

فرع: وإذا مطل الغني ردت شهادته عند أصبغ، وسحنون؛ لأنه ظالم لا عند محمد ابن عبد الحكم. خليل: والظاهر أن من علم من صاحب الدين الاستحياء من المطالبة أن ذلك كالمطل، والله أعلم. وقول المصنف: (نَقْلُ الدَّيْنِ) كقوله في التلقين: تحويل الحق عن ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى؛ لأن رسم القاضي أحسن، لأنه أبقى لفظ التحويل، وإذا أمكن في الحد إبقاء الألفاظ في معناها اللغوي كان أحسن؛ لأن الخروج عن مقتضى اللغة خلاف الأصل لأن قول القاضي: (الحق) أحسن أيضاً من قوله: (الدَّيْنِ)، لأن المتبادر من الدين ما قابل المنافع بخلاف لفظ الحق، فإنه يشمل المنافع وغيرها. واعترضه ابن راشد بأن النقل حقيقة في الأجسام مجاز في المعاني، والدين لم ينتقل، وإنما يأخذ مثله من ذمة أخرى. وقول المصنف: (نَقْلُ الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةٍ) فيه حذف مضاف؛ أي من ذمة إلى ذمة. وقوله: (تَبْرَأُ بِهَا الأُولَى) هو على جهة البيان، قاله ابن راشد. واعترض ابن عبد السلام قوله: (تَبْرَأُ بِهَا الأُولَى) لأن البراءة إنما هي مرتبة على الحوالة، لأنك تقول: برأت ذمة فلان من دينه لأنه أحالني على فلان، فلا يصلح أن يدخل ذلك في الحد لأن العلة غير المعلول. خليل: ولعله احترز به من الحمالة، فإن فيها شغل ذمة أخرى بالحق ولا تبرأ به الأولى، قيل: وقوله: (نَقْلُ الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةٍ) أعم من أن يكون في الثانية دين أم لا، وإذا لم يكن في الذمة دين فإما أن تكون حوالة أم لا، فإن لم تكن فالتعريف غير مانع لصدقة عليه، وإن كانت حوالة بطل قوله في شروطها: (ومنها أن يكون على المحال عليه دين).

стр. 3168

وَلَهُ شُرُوطٌ - مِنْهَا: رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ دُونَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أي: لنقل الدين. وفي بعض النسخ (ولها) فيعود على الحوالة، وحاصل ما ذكره المصنف أربعة شروط: الأول: رضا المحيل والمحال ولا خلاف في اشتراط رضا المحيل؛ لأن الحق متعلق بذمته، فلا يجبر على أن يعطيه من ذمة أخرى، وأما رضا المحال فهو مبني على مذهب الجمهور في عدم وجوب قبول الحوالة، وأما على مذهب أهل الظاهر فلا؛ لوجوب ذلك عليه، وأما رضا المحال عليه فلا يشترط على المشهور، وحكى ابن شعبان قولاً باشتراط رضاه والأول أظهر للاتفاق أن لصاحب الحق أن يوكل من شاء على قبض دينه، وليس لمن عليه الدين كلام، وعلى المشهور فيشترط في ذلك السلامة من العداوة، قاله مالك. المازري: وإنما يعترض الإشكال لو استدان رجل من آخر ديناً ثم حدث بينهما عداوة بعد الاستدانة، هل يمنع من له الدين من اقتضاء دينه لئلا يبالغ في اقتضاء دينه ويؤذي عدوه، فيؤمر بأن يوكل غيره أو لا يمنع؛ لأنها ضرورة سبقت وقد وقعت المعاملة على أن صاحب الحق يقتضي دينه؟ تردد فيها ابن القصار، وإشارته تقتضي الميل إلى أنه لا يمكن من الاقتضاء بنفسه، وعلى المشهور فهل يشترط حضور المحال عليه وأقراره كما في بيع الدين، وهو قول ابن القاسم أو لا وهو قول ابن الماجشون؟ وللموثقين من الأندلسيين أيضاً القولان، وفي المتيطية عن مالك إجازة الحوالة مع الجهل بذمة المحال عليه، ولعل الخلاف منه على الخلاف الذي بين الشيوخ: هل الحوالة مستثناة من بيع الدين بالدين فيسلك بها مسلك البيوع أو هي أصل بنفسها؟

стр. 3169

وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِلْمُحِيلِ لأن حقيقة الحوالة تقتضي أن تكون على دين، لأنها نقل دين من ذمة إلى ذمة. الباجي: فإن لم يكن على المحال عليه دين فهي حمالة عند جميع أصحابنا، كانت بلفظ الحمالة أو الحوالة، إلا ما قاله ابن الماجشون أنها إذا كانت بلفظ الحوالة تكون حوالة، الباجي: ويلزمه على قوله أن يعتبر رضا المحال عليه. ويقع في بعض النسخ التنبيه على هذا القول بزيادة (على المشهور) بعد الكلام المتقدم. فَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى مَنْ لا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ فَعدِمَ رَجَعَ إِلا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ وَيَشْتَرِطَ الْبَرَاءَةَ فَلا رُجُوعَ لَهُ .... هذا تفريع على المشهور، فلو أحاله على غير أصل دين رجع المحال على المحيل إلا أن يعلم المحال أن المحيل لا شيء له على المحال عليه، واشترط المحيل على المحال البراءة، وهكذا قال ابن القاسم في المدونة، وحصل ابن زرقون فيها خمسة أقوال: الأول؛ لابن القاسم، لا رجوع له على المحيل. الثاني: رواية ابن وهب في المدونة لا رجوع له إلا في الموت [٥٤١/أ] والفلس. الثالث: رواية مطرف بالخيار، وهو مثل رواية عيسى عن ابن القاسم. الرابعك قول أشهب وابن الماجشون: الشرط باطل وهي حمالة لا يطالبه إلا في غيبة المحيل أو عدمه حتى يسمى الحوالة. والخامس: لمالك وابن القاسم أن الشرط لا ينفعه إلا في ذي سلطان أو سيئ القضاء، هذا إذا اشترط البراءة. وإن لم يشترطها ولكنه شرط أن يتبع أيهما شاء فثلاثة أقوال: الأول: لابن القاسم له شرطه. الثاني: أنه أيضاً لا ينتفع المشترط إلا لمعنى، مثل أن يكون الغريم ذا سلطان أو سيئ القضاء.

стр. 3170

الثالث: لمالك من رواية أشهب، وبه قال أشهب وابن الماجشون: الشرط باطل وهي حمالة لا يطالب إلا في غيبة الغريم أو عدمه. تنبيهات: الأول: قول ابن زرقون الثاني: رواية ابن وهب في المدونة؛ يدل على أنه حمل رواية ابن وهب على الخلاف، وأن مذهب ابن القاسم عدم الرجوع مطلقاً ولو فلس أو مات، وهو تأويل سحنون وابن رشد وتأوله أبو محمد على الوفاق، وحمل قول ابن القاسم: لا رجوع له على المحيل على ما إذا لم يمت المحال عليه أو فلس وجمع بينهما أيضاً أبو عمران، قال: لأن في جواب ابن القاسم اشتراط البراءة، وليس ذلك في رواية ابن وهب، قال: فابن القاسم يوافق رواية ابن وهب، وابن وهب يوافق قول ابن القاسم. الثاني: قال التونسي وابن يونس وغيرهما: وقع في المدونة لفظان في الحوالة على أصل دين، فمرة جعل ذلك حمالة يبدأ بالذي عليه الدين فإن لم يوجد عنده شيء رجع على الذي تحول عليه، ومرة يبدأ بالمحال عليه فإن فلس رجع على المحيل. الثالث: ابن عبد السلام: وقع في بعض النسخ بإثر قول المصنف: (فَلا رُجُوعَ) ما نصه على القولين وليست بصحيحة لوجهين: أما أولاً: فلأنه لم يقع في المسألة خلاف، وأما ثانياً: فلأن هذه النسخة تشعر بأن المسألة متفق عليها، وفيها خمسة أقوال كما تقدم. خليل: وقد يقال: لا نسلم قوله على القولين يشعر باتفاق. وقد ذكرنا أنه وقع في بعض النسخ زيادة (على المشهور) فتصح هذه النسخة عليها.

стр. 3171

وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالاًّ، وَلا يُشْتَرَطُ حُلُولُ مَا على الْمُحَالِ عَلَيْهِ هذا هو الشرط الثالث: أن يكون الدين أي المحال به حالاً، واستقرأه غير واحد من قوله ﵊: «مطل الغني ظلم»؛ فإن المطل لا يكون إلا بالحال، والحوالة رخصة فيقتصر بها على موردها، ولا يشترط حلول ما على المحال عليه، لأنه إذا احتال على من لم يحل كان ذلك زيادة في المعروف. إِلا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ اشْتَرَطَهُ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ ظاهر كلامه أن الاستثناء عائد على الجملة الأخيرة، وهي قوله: (وَلا يُشْتَرَطُ حُلُولُ مَا على الْمُحَالِ عَلَيْهِ). ابن عبد السلام: ويحتمل أن يعود عليها وعلى التي قبلها، ويكون الضمير في (اشْتَرَطَهُ) عائد على مطلق الدين الذي هو قدر مشترك بين الدين المحال به والمحال عليه، ويعضد هذا أنه في الجواهر ذكر الخلاف فيهما، ونصه: وتجوز الحوالة على نجوم الكتابة إن كانت الكتابة حالة، ولم يشترط غير ابن القاسم حلولها وكذلك الحوالة بالنجوم، واشترط ابن القاسم حلولها أيضاً، ولم يشترطه غيره انتهى. ولكن اعترض ما حكاه ابن شاس والمصنف في الكتابة المحال عليها، وأما الكتابة المحال بها فاشترط ابن القاسم في المدونة حلولها، قال: وإلا فهي فسخ دين في دين، وقاص ذلك ابن القاسم على ما سمعه من مالك من منع بيع كتابة المكاتب لأجنبي بما لا يجوز قاله في المدونة، وقال غيره: يجوز ويعتق مكانه، لأن ما على المكاتب ليس ديناً ثابتاً، وهو كمن قال لعبده: إن جئتني بمائة دينار فأنت حر، ثم قال: إن جئتني بألف درهم فأنت حر واشترط ابن القاسم الحلول لما تقدم أن من شرط الد=ين المحال به الحلول، ورأي الغير أن ذلك ليس ديناً ثابتاً كالديون، وإلى ذلك أشار الغير بالتشبيه بقوله: وهو كمن قال لعبده ... إلخ، وعارض الأشياخ تشبيه ابن القاسم هذه المسألة بما حكاه عن

стр. 3172

مالك من منع الأجنبي أن يشتري كتابه مكاتب بما لا يجوز، فإن الحوالة أمر بين السيد وبين مكاتبه أسقط عنه الكتابة، واعتاض ماله في ذمة الأجنبي، فلم تقع بين السيد وبين الأجنبي مبايعة، وأما بيع الكتابة من أجنبي فهي مبايعة بينه وبين الأجنبي لا بينه وبين مكاتبه، وهذا مفترق، ولهذا اختار سحنون وابن يونس وغيرهما قول الغير هنا، وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه أنه يختلف ابن القاسم وغيره إذا سكتا عن شرط تعجيل العتق وعن بقائه مكاتباً، فقال ابن القاسم: يفسخ ما لم يفت بالأداء، وعند غيره يحكم بتعجيل العتق، وأما لو أحال بشرط تعجيل العتق فلا يختلفان في الجواز ولا في عدمه بشرط عدمه. وأما كتابة المحال عليها فلا يشترط ابن القاسم ولا غيره فيها الحلول ولا يعرف فيها من قال به، ونصها في المدونة. ابن القاسم: وإن أحالك مكاتب بالكتابة على مكاتب له وله عليه مقدار ما على الأعلى فلا يجوز لك إلا أن تبتل أنت عتق الأعلى فيجوز. ابن يونس: يريد وإن لم تحل كتابة الأعلى فيجوز بشرط تعجيل العتق، كما لا تجوز الحمالة بالكتابة إلا على شرط تعجيل العتق، قال في المدونة: ثم إن عجز الأسفل كان ذلك رقاً، ولا ترجع على المكاتب الأعلى بشيء، لأن الحوالة كالبيع، وقد تمت حرمته، هذا كله بشرط أن يكون المحال السيد لا الأجنبي. التونسي: والمكاتب جائز له أن يحيل لسيده بما حل من كتابته [٥٤١/ب] على ما لم يحل، وإن كان المحال أجبنياً لم يجز. قال: وهي لو حلت لم تجز للأجنبي، لأن الحوالة إنما أجيزت في الأجنبي إذا أحيل على مثل الدين، وههنا قد يعجز المكاتب المحال عليه، فتصير الحوالة قد وقعت على جنس غير الدين، كما لو كان على رجل دين لأجنبي فأراد أن يحيله بذلك على مكاتبه ما جاز ذلك، لأنه قد يعجز فتصير الحوالة قد خالفت ما رخص فيه منها، وهو أن يكون المحال عليه من جنس المحال به.

стр. 3173

فإن قيل: فأنتم تجيزون بيع الكتابة مع إمكان أن يشتري كتابته تارة ورقبته أخرى، قيل: أصل الحوالة رخصة، لأنها مستثناة من بيع الدين بالدين، فلا يتعدى بها ما خفف منها انتهى. والاعتراض على ابن شاس أقوى منه على المصنف، لأن ابن شاس صرح بالخلاف فيها. فإن قلت: لا يلزم من عدم الاطلاع على الخلاف ألا يكون، قيل: قال ابن عبد السلام: إنما أنكرنا على المصنف وابن شاس ذكر الخلاف بعد طول البحث عنه في مظانه ولم نجده مع الاستعانة في ذلك بمن يظن حفظه، فإن قلت: لم لا تجعل الاستثناء في قوله: (إِلا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ اشْتَرَطَهُ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ) راجعاً إلى الجملة الأولى ليوافق المنقول، ولا يكون حينئذ على كلام المصنف اعتراض. قيل: لم يقل أحد بعوده إلى الجملة الأولى فقط، وإنما اختلاف هل يعود للأخيرة فقط، أو للجميع؟ نعم، قد يعود إلى الأولى بقرينة، ولا قرينة. تنبيه: عارض الأشياخ اشتراطه في المسألة الثانية في الجواز أن يعجل عتق الأعلى وقالوا: لا معنى لهذا الشرط، ورأوا أن لفظ الحوالة كاف في ذلك، لأنها تستلزم براءة ذمة المحيل بنفس عقد الحوالة. المازري: وعندي أن هذا الشرط ليس ملغى، والقدر فيه عندي أن السيد إذا أحيل على كتابة مكاتب لمكاتبه فإنه لم يتعجل قبض الكتابة، فيكون ذلك كما لو قبض من مكاتبه جميع الكتابة، فيكون حراً بقبض جميعها، وهذه هنا لم يقبض، فيمكن أن يكون القصد بها أن يوقف العتق حتى يعلم ما يحصل للسيد الأعلى أو يقصدان بذلك أن يتمادى السيد الأعلى على نجوم كتابة الأسفل، وإن عجز قام له المكاتب الأعلى ببقية الكتابة التي كانت له عليه ولو قصد ذلك لكان ذلك ممنوعاً في أحد القولين، لأن المعاوضة التي لا تجوز بين الأجنبيين يسامح بها بين المكاتب وسيده إذا اشترطا تعجيل العتق، لكون السادات يندبون إلى عتق عبيدهم، ولهم أن يعتقوا بغير

стр. 3174

عوض، وندبوا أيضاً إلى أن يضعوا شيئاً من آخر الكتابة استعجالاً للعتق، وإن فعلوا ذلك من غير اشتراط العتق أجروا مجرى الأجانب في التعاوض، هذا أحد القولين: وقيل بالجواز وإن لم يشترط تعجيل العتق التفاتاً إلى أن ما يأخذه السيد وما سلمه كأنه في حكم ملكه. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَا مُتَجَانِسْينِ، وَلا يِفْتَقِرُ إِلَى الرِّضَا لَوْ أُعْطِيَهُ فَيَجُوزُ بِالأَعْلَى عَلَى الأَدْنَى .... هذا هو الشرط الرابع: (مُتَجَانِسْينِ) كذهب وذهب وفضة بفضة، فلا تجوز الإحالة بذهب على فضة ولا بالعكس. (وَلا يِفْتَقِرُ إِلَى الرِّضَا لَوْ أُعْطِيَهُ) فيكونان متماثلين في القدر والصفة، هذا ظاهر كلامه، لكن قوله بإثره: (فَيَجُوزُ بِالأَعْلَى عَلَى الأَدْنَى) يدل على أنه إنما أراد السلامة من السلف بزيادة، وقد صرح بالجواز فيما إذا تحول من الأعلى عن الأدنى، ولا شك أن إعطاءه الأدنى عن الأعلى مفتقر إلى الرضا، وتقدير كلامه: فيجوز أن يحتال بالأعلى عن الأدنى، كما لو كان له فضة محمدية، فأحيل على يزيدية. وفي بعض النسخ (على) موضع (عن)، وقد وقع ذلك في كلام العرب، ولا يصح أن تكون (عن) باقية على معناها؛ لأنه يكون المعنى حينئذٍ: فيجوز أخذ الأعلى عن الأدنى، وذلك لا يجوز، صرح بذلك غير واحد، ومقتضى كلامه: إذا أعطى من له أدنى على أنه يجبر على قبوله، وهو مثل ماله في السلم، وقد نبهنا هناك على أن ظاهر المذهب خلافه، وما ذكره المصنف من جواز التحول بالأعلى عن الأدنى موافق للّخمي والمازري وابن شاس، ووجهه أنه أقوى في المعروف، فكان جوازه أجدر، كما لو احتال بدين حالٍّ على من لم يحل، وفي المقدمات والتنبيهات: اشتراط أن يكون الدين الذي تحول به مثل الذي تحول عليه في القدر والصفة لا أقل ولا أكثر، ولا أدنى، ولا أفضل؛ لأنه إذا كان

стр. 3175

أقل أو أكثر أو مخالفاً في الجنس والصفة لم تكن حوالة وكان بيعاً على وجه المكايسة، وحيث حكم بالمنع في هذا الفصل فإنما ذلك إذا لم يقع التقابض في الحال، وأما لو قبضه لجاز، ففي المدونة: إذا اختلفا في الصنف أو في الجودة والنصف واحد، وهما طعام أو عين أو عرض من بيع أو قرض أو أحدهما من بيع والآخر من قرض فلا تصح الحوالة وإن حلاَّ. محمد: إلا أن يقبضه قبل أن يفترقا فيجوز إلا في الطعام من بيع فلا يصح أن يقبضه إلا صاحبه، قال: وكذلك إن كان أحدهما ذهباً والآخر ورقاً فلا يحيله به، وإن حلاَّ، إلا أن يقبضه مكانه قبل افتراق الثلاث وقبل طول المجلس، وهذا مما يؤيد ما قاله ابن رشد والقاضي. وقوله: (لا يِفْتَقِرُ إِلَى الرِّضَا) يحتمل أن يبني للفاعل، وضمير الفاعل فيه عائد على المحيل، وضمير المفعول في (أُعْطِيَهُ) عائد على ما في ذمة المحال عليه؛ أي لا يتوقف على رضا المحيل لو أعطي ما في ذمة المحال عليه؛ أي لا يتوقف على رضا المحيل لو أعطى ما في ذمة المحال عليه، ولا يجوز أن يعود على [٥٤٢/أ] المحال؛ لأنه يلزم منه أن المحال إذا أعطيه الأعلى جاز، وليس كذلك، ويحتمل أن يكون مبنياً للمفعول، ويكون مفعوله عائداً على ما فهم من الكلام وهو الدين، وضمير (أُعْطِيَهُ) عائد على الدين المحال به؛ أي لا يفتقر إلى الرضا في أخذ الدين المحال به لو أعطيه من له دين. تنبيه: زاد صاحب المقدمات وصاحب التنبيهات شرطاً آخر، وهو ألا يكون الدينان طعاماً من سلم، سواء حلا أو لم يحلا؛ لئلا يدخلا بيع طعام قبل قبضه، وسواء كان الطعامان متفقين أم لا، استوت رءوس الأموال أم لا. وأجاز أشهب إذا اتفقت رءوس الأموال واتفق الطعامان تشبيهاً بالتولية، فإن كان الطعامان من قرض جاز، وإن كان أحدهما من بيع والآخر من قرض جازت الحوالة عند ابن القاسم بشرط حلول الطعامين معاً، وحكى ابن حبيب عن مالك وأصحابه إلا ابن القاسم جواز الحوالة بشرط حلول المحال به خاصة.

стр. 3176

فَلَوْ أُفْلِسَ أَوْ جُحِدَ فَعَلَى الْمُحَالِ إِلا أَنْ يِكُونَ الْمُحِيلُ عَالِماً بِالإفْلاسِ دُونَهُ يعني: فلو أفلس المحال عليه أو جحد الحق بعد تمام الحوالة فالمصيبة على المحال، ولا رجوع له على المحيل لحصول البراءة، إلا أن يكون المحيل عالماً بإفلاس المحال عليه دونه؛ أي دون المحال، فللمحال حينئذٍ الرجوع على المحيل؛ لأنه غرَّه. وقوله: (يعلم دونه) هو ظاهر إذا كان المحال عليه ظاهر الملاء، وأما لو شكل المحال في ملائه، وكان المحيل عالماً بالإفلاس. المازري: الأظهر عندي أن يكون له الرجوع كالأول، ومسألة الفلس صحيحة في المدونة وغيرها، وقيدها المغيرة فقال: إلا أن يشترط المحال الرجوع على المحيل إذا فلس المحال عليه، فيمكن من شرطه، وأما مسألة الجحود فتبع المصنف فيها ابن شاس، وذكر المازري أنه لا يعلم لمالك فيها نصاً، لكنه أشار في تعليل المذهب إلى مثل ما قاله المصنف؛ لأنه قال: وما يشير إليه من أن الحوالة كالقبض يصحح أن الجحود لا يوجب الرجوع على المحيل، وكذلك قال بعض أشياخه: إن الجحود لا يوجب الرجوع على المحيل؛ لأن المحال فرط إذ لم يشهد وعلى هذا عوَّل ابن شاس والمصنف، والله أعلم. وتردد التونسي في هذه المسألة، واختار عدم الرجوع إذا كانت الحوالة على حاضر مقر بالدين، والرجوع إذا كان غائباً، فقال: انظر لو أحاله ثم أنكر المحال عليه أن يكون عليه دين هل يكون ذلك عيباً في الحوالة لقول المحال: لو علمت أنه ليس عليه بينة ما قبلت الحوالة. أو يقال: أنت مفرط حين أحالك عليه، وهو حاضر مقر ولم تشهد عليه، وهذا هو الأظهر، ولكن لو لم يحضر فقبل الحوالة، فلما حضر أنكر لا ينبغي أن يكون للمحال في ذلك حجة.

стр. 3177

المازري: وعندي أن النظر يقتضي فيما قاله تفصيلاً، فإن كان الغالب في الديون الإشهاد عليها وترك ذلك نادر، وقال المحال حين جحود المحال عليه: إنما لم أشهد ليقيني بأن المحيل قد كان أشهد عليه على ما تقتضيه العادة، فلما كتمني أنه لم يشهد عليه صار ذلك كالتغرير منه فوجب لي الرجوع عليه، كما لو علم بفقر المحال عليه فكتمه، وأما إطلاقه القول بأن الحوالة إذا كانت على غائب أن يرجع فصحيح، بشرط أن يكون المحال لم يصدق المحيل في كونه يستحق ديناً على الغائب، وأما لو صدقه في ذلك وقبل الحوالة وهو يعلم ألا بينة على الغائب، فهذا مما ينظر فيه. وقد اختلف المذهب الاختلاف المشهور في رجل أتى لمن عنده وديعة لإنسان فقال: أرسلني من أودعكها لإقباضها، فصدقه فيما ذكر ودفعها له، ثم قدم صاحب الوديعة وأنكر الإرسال، وحكم على دافعها بغرامتها؛ هل له أن يستردها ممن قبضها ويكون إنما صدقه بشرط أن يأتي صاحب الوديعة ويصدقه فيسترد منه ما أعطاه، أو يكون تصديقه له يمنع من الرجوع على الرسول لاعتقاده أن صاحب الوديعة ظلمه في طلبه بالغرامة وقد أخذها منه؟ وهذا يلاحظ ما نحن فيه من اعتبار كون المحال إنما صدق المحيل بشرط أن يأتي الغائب فيقر بالدين أو صدقه على الإطلاق، واعتقد أنه لم يكذب. انتهى. ويقع في بعض النسخ عوض (جحد) (حجر) من الحجر، لكن الظاهر هي النسخة الأولى؛ لأنه يستغني عن الحجر بالفلس، ونقل المازري وغير واحد أنه لا يلزم المحال عند ذلك الكشف عن ذمة المحال عليه هل هو غني أو فقير، بخلاف شراء الدين فإنه لا يجوز إلا بعد أن يكون من عليه الدين حاضراً مقراً يعرف غناه من عدمه، وفرق المازري بينهما بأن الدين المشترى يختلف مقدار عوضه باختلاف حال المديان من فقير أو غني، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولاً فإذا لم يعلم حال المديان صار مشترياً بالمجهول، والحوالة ليست ببيع على أحد الطريقين عندنا؛ بل طريقها المعروف.

стр. 3178

وعورض ما ذكره المصنف وهو المذهب من أن علم المحيل بإفلاس المحال عليه يوجب للمحال الرجوع إلى ذمة المحيل إن كان غره بما في كتاب المساقاة من المدونة: أن من باع بثمن إلى أجل والمشتري مفلس ولم يعلم البائع بذلك فقد لزمه البيع ولا مقال له. وفرق التونسي والمازري بينهما بأن البياعات تتكرر كثيراً لشدة الحاجة إليها وعدم الغنى عنها، فصار الكشف عن ذمة المشتري مما يشق، فلو لم يجز البيع للبائع إلا بعد الكشف عن ذمة المشتري والبحث عنها لتوقف أكثر البياعات بخلاف الحوالة فإنها لا تتكرر، فلا يعسر الكشف عن ذمة المحال عليه، وزاد المازري فرقاً آخر وهو أن البائع يدفع للمشتري سلعة تقارب الثمن الذي يحل في ذمته فاستغنى بذلك عن الكشف بخلاف الحوالة. ابن عبد السلام: وأشبه [٥٤٢/ب] ما قيل في الفرق أن الحوالة بيع ذمة بذمة، وفلس الذمة عيب فيها فيوجب أن يثبت الخيار للمحال بسبب ظهوره على ذلك العيب، والعوض في مسألة المدونة المذكورة إنما هو الدين لا الذمة، قال: وهو ضعيف من وجهين: أحدهما: لا معنى لكونه الذمة هي العوض في الحوالة إلا أن الدين تعلق بها، وهذا مثله في مسألة المدونة قطعاً. الثاني: سلمنا أن فلس الذمة عيب في الحوالة، لكن العيوب لا يشترط في القيام بها علم البائع وتدليسه؛ بل لمن اطلع على العيب القيام به، سواء علم به البائع أم لا. وهكذا اعترض غير واحد هذه المسألة بأن فلس المحال عليه حين الحوالة إما أن يكون عيباً أم لا؛ فالأول: أن يكون للمحال الرجوع على المحيل سواء علم المحيل بفلس المحال عليه أم لا كغيره من العيوب، والثاني: لا يكون له الرجوع مطلقاً. وأجيب بأنه عيب مع علم المحيل لغرره، وأجاب عبد الحق بأن البيع مبني على المكايسة، فغلظ على البائع فيه، والحوالة طريقها المعروف فسهل على المحيل إلا أن يغر. وأجاب الباجي بأن العيب في السلعة عيب في نفس العوض، وفلس المحال عليه عيب في محل العوض لا في نفسه، وبأن الحوالة بمنزلة بيع البراءة فلا يرجع إلا بما علمه البائع،

стр. 3179

وبأن الذمم مما يخفى ظاهرها فصارت كالمبيع الذي لا يعلم باطنه فلا يرد إلا أن يعلم أن البائع دلس بعيب. فرع: فإن جهل أمر المحيل هل علم بفلس المحال عليه أم لا؟ فقال مالك: ينظر في ذلك، فإن كان يتهم أحلف. الباجي: أي يكون ممن يظن به أنه يرضى بمثل هذا حلف. فَلَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ ثُمَّ رَدَّ بِعَيْبٍ أَوِ اسْتُحِقَّ انْفَسَخَتِ الْحَوَالَةُ عِنْدَ أَشْهَبَ، وَاخْتَارَهُ الأَئِمَّةُ، وَمَضَتْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا كَالْمَعْرُوفِ أَوْ كَالْبَيْعِ .... يعني: فلو باع رجل سلعة من رجل، ثم أحال البائع على ثمنها من له عنده دين، ثم استحق المبيع من يد المشتري أو رد بعيب، فلأشهب في الموازية تنفسخ الحوالة، واختاره محمد وأكثر المتأخرين. محمد: وبه قال أصحاب مالك كلهم، وهذا معنى قوله: (وَاخْتَارَهُ الأَئِمَّةُ). وقاسه محمد على ما اتفق عليه أصحاب مالك من أن المفلس إذا بيع متاعه في دين وجب عليه، وأخذ ذلك غرماؤه ثم استحق المبيع فإن المشتري يرجع الثمن على من قبضه، ورده المازري بأن الغرماء لهم الدين كأنهم باعوا بأنفسهم، فعليهم أن يردوا الثمن إذا استحق المشتري منه، ومسألة الحوالة وقعت فيها يد ثالثة؛ وهي يد المحال، فصار ذلك كفوت الثمن، وقال ابن القاسم: وهو المنقول عن مالك: تمضي الحوالة. قوله: (وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي) هو من تمام قول ابن القاسم: إذا قلنا بإمضاء الحوالة فإن المشتري يدفع الثمن للمحال، ثم يرجع به على البائع بناء على أن الحوالة هل هي كالبيع، أو إنما طريقها الإرفاق والمعروف؟ وقول أشهب مبني على أن الحوالة كالمعروف والصدقة فينتقض بانتقاض ما بنيت عليه، كما إذا تصدق البائع بثمن سلعة أو وهبة، ثم استحقت السلعة فإن الهبة والصدقة تبطل إذا لم يقبضها على قول أشهب والمعروف من

стр. 3180

قول ابن القاسم، وسيأتي آخر المسألة ما في ذلك، وقول ابن القاسم مبني على أن الحوالة كالبيع؛ أي كبيع وقع بعد بيع، فيكون بمنزلة من باع عبداً بمائة دينار ثم اشترى بالمائة من المشتري ثوباً ثم استحق، فإن البيع في الثوب لا يبطل ببطلان ما يبنى عليه، وهو بيع العبد. المازري: وأشار بعض الأشياخ إلى أن الخلاف مبني في مسألة الحوالة على أنه هل تقدر الحوالة كالفوت لما وقعت فيه فيكون الأمر كما قال بن القاسم، أو ليس كالفوت فيكون الأمر كما قال أشهب؟ واعلم أن قول أشهب مبني على أن رد السلعة بعيب نقض للبيع من أصله، وعلى قوله إن لم يكن دفع الثمن للمحال فلا يلزمه، وإن كان قد دفعه إليه استرجعه، فإن فات عنده على مذهبه مضى له، ورجع المشتري بالثمن على البائع. قال في البيان: وقيل لا يلزمه أن يدفعه إليه فإن دفعه إيه لم يكن له أن يأخذه منه ورجع على البائع، وقيل: لا يلزمه أن يدفعه إليه، وكان له أن يرجع به عليه وإن فات من يده، وإن شاء رجع على البائع؛ لأن الغيب قد كشف أنه أحاله بما لم يملك، قال: وأما على القول بأنه ابتداء بيع فيلزمه أن يدفع إلى المحال الثمن قولاً واحداً. واعلم أن الخلاف الذي ذكره المصنف مقيد بما إذا كان البائع قد باع ما ظن أنه يملكه، وأما لو باع ما ظن أنه لا يملكه مثل أن يبيع سلعة لرجل ثم باعها من ثانٍ وأحال على الثاني بدين، فلا يختلف أن الحوالة، ويرجع المحال على غريمه، ووقع في المذهب مسألة اضطرب النقل فيها أشار بعضهم إلى إجراء ما فيها من الخلاف في مسألة الحوالة، قالوا: إن أصبغ وأبا زيد رويا عن ابن القاسم في العتبية فيمن باع عبداً بمائة، ثم تصدق بها على رجل وأحاله بها وأشهد له بذلك ثم استحق العبد أو رد بعيب: أنه إن كان المتصدق عليه قبض الثمن وفات عنده لم يرجع عليه بشيء، وإن لم يفت بيد المعطي أخذها منه المشتري، ولا شيء للمعطي.

стр. 3181

ابن زرقون: كذا نقله صاحب النوادر وهو هم، والذي في سماع أصبغ وأبي زيد في العتبية أنها تفوت بمجرد القبض فإذا قبضها الموهوب له لم يتبع بها إلا الواهب، بمنزله ما لو قبضها الواهب ثم تصدق بها، وقال ابن القاسم في الموازية مثل ما حكاه أبو محمد عن العتبية، وروى عيسى عن ابن القاسم في المدونة أن نفس الهبة فوت، ويلزم المبتاع أن يدفعه إلى المتصدق عليه والموهوب إذا كان قد جمع بينهما فأقر له، ويرجع بالثمن على الواهب وهو قول بعض الرواة [٥٤٣/أ] في المدونة في النكاح الثاني في المرأة تهب صداقها لرجل، ثم تطلق قبل الدخول: أنه يلزمه أن يدفع جميعه إلى الموهوب له ويرجع بنصفه على المرأة، قال: ويأتي على ما حكاه محمد عن ابن القاسم في المرأة تأخذ صداقها فتتصدق به وتطلق قبل الدخول أنه يرجع عليها بنصف الصداق، وترجع هي به على المتصدق عليه؛ لأنها تصدقت عليه بما لا يصح لها ملكه ألا يفوت ذلك في مسألة الحوالة بحال، وإن قبضه الموهوب له واستهلكه لأنه وهب ما لم يملك، قال: ويجري فيها قول خامس أنه إن كان البائع الواهب عديماً كان للمشتري أن يمسك الثمن إن كان لم يدفعه، وإن كان مليئاً لزمه أن يدفعه إلى الموهوب له ويتبع به الواهب، وهو قول ابن القاسم في المدونة في مسألة هبة الصداق المذكورة، وهذا إنما هو إذا بنينا مسألة الحوالة على المعروف لا على البيع فاعلمه. وَإِذَا جَرَى لَفْظُ الْحَوَالَةِ وَتَنَازَعَا فَقَالَ الْمُحِيلُ: وَكَالَةٌ أَوْ سَلَفٌ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الأَصَحِّ .... يعني: إذا صدر لفظ الحوالة بين رجلين، فقال له مثلاً: أحلتك على فلان، فقبضه المحال، فقال المحيل: إنما أردت بذلك التوكيل أو التسلف، وقال المحال: بل قبضته من دين لي عليك، فالأصح أنه لا يقبل قول المحيل تغليباً للفظ الحوالة، وقيل: القول قوله؛ لأنه لا تدرى إرادة نفسه ولا يعلم ذلك إلا من قوله، وأراد بالأصح قول ابن الماجشون في المبسوط في مسألة الوكالة، قال فيمن تحول بدين له على رجل، فقال المحيل: ادفعه لي

стр. 3182

لأني إنما وكلتك في قبضه وتسليمه إليَّ، وقال المحال: بل كنت استحققه عليك ديناً قبل الحوالة، فإن كان القابض ممن يشبه أن يكون له قبل المحيل سبب حلف وسقط عنه قول المحيل، وإن لم يشبه فإنما هو وكيل، ويحلف ما أدخله إلا وكيلاً. اللخمي: وأرى أنه حوالة حتى يقوم دليل على الوكالة؛ مثل أن يكون هذا ممن يتصرف لصاحب الدين أو تكون عادته التوكيل على التقاضي، وهذا ممن يتوكل في مثل هذا المال، وغير الأصح هو قول ابن القاسم في العتبية في السلف، قال في من أحال رجلاً بدين له على رجل: فقال المحيل: إنما أحلتك على دين لي ليكون ذلك سلفاً عندك، وقال القابض: أخذته عن دين كان لي عليك وإحالتي إقرار منك بحقي، أن القول قول المحيل وهو سلف. اللخمي: بعد قول ابن الماجشون وابن القاسم والمسألتان سواء. وعلى هذا فإن في كل واحدة قول، وخرج فيها قول آخر من الأخرى، وعلى هذا اعتمد المصنف، لكن قدح المازري فيما أخذه من قول ابن القاسم، قال: لأن قول المحيل إنما قبضته ليكون سلفاً لي عليك، يشبه الحوالة على الدين؛ لأنه لما التزم له أن يسلف مائة صار ذلك كدين له عليك لمن سألك في التسلف، فصارت الحوالة ههنا بدين على دين باتفاقهما جميعاً، وإنما تنتقل المسألة إلى أصل آخر وهو أن من قال: قبضت من زيد مائة كانت لي عليه ديناً، وقال زيد: إنما دفعتها إليك لتكون لي سلفاً، فإن في المسألة قولين: قيل: يصدق القابض؛ لأنه ما أقر بعمارة ذمته ولا أقر إلا بقبض شرط فيه أنه يستحقه، فلا يؤخذ بأكثر مما أقر به، والقول الآخر أن القول قول الدافع في أنه إنما دفع ذلك سلفاً؛ لأن القابض لو أتاه قبل أن يقبض منه شيئاً فقال: لي عليك دين، فأنكر المدعى عليه، فإن الإجماع على أن القول قول المدعى عليه، فكذلك يجب أن يكون القول قوله في صفة ما دفع وأنه دفعه سلفاً لا قضاء، ثم قال: وإذا تقرر هذا فإذا قضى القاضي، بأن القول قول

стр. 3183

المحال في أنه قبض ما استحق فلا تفريق، وإن حكم بأن القول قول المحيل فهل للمحال أن يرجع على المحيل؟ اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إذا رفع أمره إلى القاضي لم يحكم له على المحيل بشيء؛ لأنه قد اعترف المحيل ببراءة ذمته بالحوالة، فليس له أن يطالب ذمته بدين وهو معترف ببراءتها منه، ولا يصح أن يحكم له القاضي بما يعرف أن الحكم به باطل، ومنهم من ذهب إلى أنه يحكم له القاضي؛ لأن الذي حكم به القاضي من تصديق المحيل في أنه وكل وكالة على القبض لا يقتضي سقوط دعوى المحال، قال: وهذا القول إنما يتصور عندي لو كان المحيل معترفاً بدين المحال، ولكن المنازعة إنما وقعت في المقبوض. خليل: وانظر على هذا لو ادعى رب الدين على المديان أنه أحاله، وأنكره المديان فتوجهت اليمين عليه وحلف هو: هل يجوز له إذا أنكر المحال عليه الحق أن يطالب المديان؛ لأن مقتضى دعواه أنه لم يبق له قبله شيء، وإنما المحال عليه هو الذي ظلمه، أو يقال: من حُجة صاحب الدين أن يقول للمديان: أنت لما أنكرت الحوالة فأنت معترف ببقاء حقي في ذمتك، ونظير هذه المسألة لو ادعى الزوج الدخول وأنكرت ثم طلقها، فهل لها أن تطلبه بجميع الصداق لاعترافه، أو ليس لها؛ لاعترافها أنها لا تستحق إلا النصف؟ في ذلك خلاف. وقوله: (جَرَى لَفْظُ الْحَوَالَةِ) يقتضي أن الحوالة تفتقر إلى اللفظ، وهو صحيح، ففي العتبية عن ابن القاسم في المطلوب يذهب بالطالب إلى غريم له فيأمره بالأخذ منه ويأمره الآخر بالدفع، فيتقاضاه فيعطيه بعض الحق أو لا يعطيه شيئاً؛ لأن للطالب أن يرجع على الأول؛ لأنه يقول: ليس هذا حوالة بالحق، وإنما أردت أن أكفيك التقاضي، وإنما وجه التحول أن يقول: أحيلك بحقك على هذا وأبرأ إليك، وكذلك أيضاً لو قال: خذ من هذا حقك وأنا بريء من دينك. وما أشبه ذلك، قاله في البيان. قال بعض الشيوخ: وكذلك لو قال: اتبع فلاناً بحقك على الحوالة [٥٤٣/ب] فاختلف قول مالك

стр. 3184

إذا قال: اتبع فلاناً، ولعله رأى في القول بأن ذلك حوالة أن قوله ﵊: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» يدل على ذلك، وهذا معنى ما ذكره في البيان. فرع: إذا مات المحال عليه، فقال المحال: أحلتني على غير أصل دين فأرجع عليك، وقال المحيل: بل على دين فالقول قول المحيل. * * *

стр. 3185

الضَّمَانُ: شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ هذا التعريف لصاحب التلقين، وتصوره ظاهر، وأورد عليه أنه غير جامع لخروج ضمان الوجه وضمان الطلب، وأجيب بأن ضمان الوجه تشغل فيه ذمة أخرى على المشهور، وأما عل الشاذ فهو كضمان الطلب، وإطلاق الضمان عليهما بالمجاز، والعلاقة المشابهة. فإن قيل: لا نسلم أنَّ إطلاق الضمان عليهما بالمجاز بل بالحقيقة، قيل: فيلزم حينئذٍ الاشتراك؛ لأن الضمان حقيقة في ضمان المال، ودعوى المجاز خير من دعوى الاشتراك ولو سلم فتكونان حقيقتين مختلفتين، والحقيقتان لا يجمعان في حد واحد، ولما كان غير ضمان المال هو المقصود من هذه الباب حده المصنف. وأورد أيضاً على جمعه أن الضمان كما يكون شغلاً للذمة، فقد يكون شغلاً للذمتين فأكثر، وأجيب بأن المراد بـ (ذِمَّةٍ أُخْرَى) الجنس. وأورد أيضاً على منعه أن من باع رجلاً بدين ثم باع آخر بدين يصدق عليه الحد وليس بضمان، وأجيب بأن الظاهر أن (أل) في (الْحَقِّ) للعهد، والمعهود الحق الذي في الذمة الأولى. وأورد عليه أيضاً أن لفظ (الْحَقِّ) شامل للحق البدني والمالي، وأجيب بأن الحقوق البدنية خارجة بقول: (شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى) لأن الذمم لا تشغل بالحقوق البدنية. وأورد على منعه أنه لو اشترى سلعة وأشرك غيره فيها لشغل ذمة أخرى، وكذلك لو ولاه، وأجيب بأن الشاغل هنا مختلف، فإن البائع شغل ذمة المشتري والمشتري شغل ذمة المولي والمشرك، ورد بأن ليس في التعريف ذكر اتحاد الشاغل حتى يخرجهما. وأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ وفي بعض النسخ (خمسة).

стр. 3186

ابن عبد السلام: إن عددت الصِّيغة، وإلا فهي أربعة، والأقرب أن الصيغة دليل على الماهية التي الأركان أجزاؤها، والدليل غير المدلول. انتهى. وفي الجواهر أركانها خمسة، وذلك يرجح أن المصنف قصد أن الصيغة ركن؛ لأن الغالب أنه يتبعه، ورجح ذلك أيضاً القياس على البيع ونحوه. الْمَضْمُونُ عَنْهُ لا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ إذ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّى بِغَيْرِ إِذْنِهِ أي الركن الأول (الْمَضْمُونُ عَنْهُ) وهو الذي عليه الدَّين، والفقهاء يخصصونه باسم الغريم - لا يشترط رضاه، بل يجوز لغيره أن يضمن عنه الدين بغير رضاه. واستدل المصنف على ذلك بقوله: (إذ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّى بِغَيْرِ إِذْنِهِ) يعني وإذا جاز أن يؤدَّى عنه فالتزامه في الذمة أولى، ولإقرار سيدنا رسول الله ﷺ ضمان من ضمن الميت على ما رواه البخاري وغيره، والرضا منه متعذر، وفيه بحث. أَمَّا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُضَارّاً لِعَدَاوَةٍ وشِبْهِهَا فَلا يُمَكَّنُ مِنْهُ أتى بأما المقتضية للتفصيل؛ يعني أما ما تقدم من جواز الأداء من غير الرضا إنما هو مع عدم العداوة، وأما لو قصد بذلك ضرر المديان لعداوة بينهما لم يكن من طلبه ورد قضاؤه. وَفُهِمَ من قَوْلِهِ: (فَلا يُمَكَّنُ) أنه يمكن في الوجه الأول من المطالبة، ويحتمل قول المصنف (فَلا يُمَكَّنُ مِنْهُ) أنه لا يمكَّن العدو من دفع الدين ابتداء، والأول أولى؛ لأن عدم التمكين من المطالبة مستلزم للمنع ابتداءً بخلاف العكس. قال في المدونة: ومن أدَّى عن رجل ديناً بغير أمره أو دفع عنه مهر زوجته جاز ذلك إن فعله رفقاً بالمطلوب، وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته وأراد سجنه لعدمه لعداوة بينه وبينه منع من ذلك، وكذلك إن اشتريت ديناً عليه تعنيتاً لم يجز البيع ورد إن علم بهذا،

стр. 3187

وظاهرها عند ابن يونس وغيره أن قصْدَ المشتري وحده الإضرار كافٍ في فسخ المعاوضة، وكذلك قال بعض المتأخرين، وقيل: لا بد أن يكون البائع عالماً بقصد المشتري الضرر، وإلا لم يفسخ، ويباع الدين على المشتري فيرتفع الضرر. ابن يونس: وهو أظهر. اللخمي: ويرد القضاء إذا صدر من عدو إلا أن يعنت الطالب بالمال فيقيم القاضي وكيلاً ليقبض ذلك من الغريم. وقوله: (وشِبْهِهَا) أي شبه العداوة كمن عادته الضرر بالناس والتسلط عليهم. وَلَوْ تَنَازَعَا فِي أَنَّهُ دَفَعَهُ مَحْتَسِبَاً فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ إِلا بِقَرِينَةٍ يعني: إذا ادعى رجل على آخر ديناً ثم قام الدافع يطلب المال وقال المدفوع عنه: إنما دفعت عني على وجه المعروف احتساباً، فالقول قول الدافع؛ لأن الأصل عدم خروج ملكه إلا على الوجه الذي قصده، إلا أن تقوم قرينة تدل على كذب الدافع، كما إذا دفع عن الميت المفلس ثم ظهر له مال لم يعلم به فطلب الرجوع. ابن عبد السلام: إلا أن تقوم قرينة، فينبغي أن يحلف الدافع حينئذٍ ويأخذ ما دفع. وَلا يَجُوزُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ أي: لا يجوز للضامن أن يأخذ جعلاً، سواء كان من رب الدين أو المديان أو غيرهما. المازري: وللمنع علتان أولاهما: أن ذلك من بياعات الغرر؛ لأن من اشترى سلعة وقال لرجل: تحمل عني بثمنها وهو مائة على أن أعطيك عشرة دنانير، أو باع سلعة وقال الآخر: تحمل عني الدرك في ثمنها إن وقع الاستحقاق وأنا أعطيك عشرة لم يدر الحميل هل يفلس من تحمل عنه، أو يغيب فيخسر مائة دينار، ولم يأخذ إلا عشرة أو يسلم من الغرامة فيغرم العشرة؟

стр. 3188

ثانيهما: أنه دائر بين أمرين ممنوعين؛ لأنه إن أدى الغريم كان له الجعل باطلاً، وإن أدى الحميل ورجع به على المضمون صار كأنه سلف ما أدَّى وربح ذلك الجعل، فكان سلفاً بزيادة ملك ويرد الجعل. ابن القاسم في الموازية والواضحة: وإن علم بذلك الطالب سقطت الحمالة، وإلا ردَّ الجعل والحمالة تامة، وقاله مطرف وابن الماجشون وابن وهب وأصبغ. وهذا [٥٤٤/أ] إذا كان الفساد في الحمالة، أما إن كان الفساد في المتحمل به فكما لو أعطاه ديناراً في دينارين إلى شهر وتحمل له رجل بالدنانير فثلاثة أقوال: الأول: لابن القاسم في المدونة والعتبية، ورواه عن مالك وهو قول ابن عبد الحكم أن الحمالة ساقطة، ومثله في الموازية؛ لأن فيها: وكل حمالة وقعت على حرام بين المتبايعين في أول أمرهما أو بعد فهي ساقطة، ولا يلزم الحميل بها شيء علم المتبايعان أن ذلك حرام أو جهلاه، علم الحامل بذلك أو جهله. محمد: وسواء كان الفساد من عقد البيع أو سببه، وهو قول أشهب أن الحمالة بالحرام أو بالأمر الفاسد باطلة ووجه هذا القول أن الذي تحمل به هذا الحميل وهو الثمن لما سقط عن المتحمل عنه لفساد البيع سقط عن الحميل. القول الثاني: أن الحمالة لازمة على كل حال، علم الحميل بفساد البيع أو لا، وهو قول ابن القاسم في العتبية، وقول غيره في المدونة وقول سحنون في نوازله، ووجهه أن الكفيل هو الذي أدخل المتحمل له في دفع ماله للثقة به، فعليه الأقل من قيمة السلعة أو الثمن الذي تحمل به. الثالث: التفصيل بين علم الحميل بالفساد فعليه أو لا فلا شيء عليه، وهو لابن القاسم في العتبية، قال في الذي يعطي ديناراً في دينارين ويتحمل له رجل بالدينارين: إن

стр. 3189

كان علم علتهما فعليه الدينار الذي أعطاه، وإن لم يعلم فلا شيء عليه؛ لأنه يقول: لو علمت لم أتحمل ولم أدخل في الحرام، وهذا الخلاف إنما هو إذا كانت الحمالة في أصل البيع الفاسد، وأما إن كانت بعد عقده فهي ساقطة بالاتفاق. تنبيه: لا خلاف في ما ذكره المصنف من منع الضمان بالجعل إذا كان الجعل للحميل، قاله اللخمي. واخْتُلف إذا كان رب الدَّيْن أعطى المديان شيئاً على إعطائه حميلاً، فأجازه مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهما، وعن أشهب في العتبية لا يصح، وعنه أيضاً أنه كرهه. اللخمي وغيره: والجواز أبين، وهذا إن حل الدين. اللخمي: ولو قال الحميل: أنا أتحمل لك على أن تعطي لفلان - لغير الغريم - ديناراً، لم يجز. وقال أشهب في الموازية في من له على رجل عشرة دنانير إلى أجل فقال له قبل الأجل: هل لك أن أحط عنك دينارين وتعطيني بالثمانية رهناً أو حميلاً -: لا بأس به. وقال ابن القاسم: لا يجوز. اللخمي: وإنما منعه ابن القاسم؛ لأن الطالب إنما أخذ الحميل الآن خوفاً أن يعسر الغريم عند الأجل فيصبر إلى أن يوسر فإذا أعطاه حميلاً إلى أجل كأن قد تعجل دينه قبل الوقت الذي يصير إليه إذا لم يعطه حميلاً، فيصير بمنزلة من وضع بعض دينه لتعجيله قبل الأجل. وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَضْمَنَ أَحَدُهُمَا لِيَضْمَنَهُ الآخَرُ. أي: ولأجل امتناع الضمان بجعل امتنع ضمان شخص ليضمنه الآخر؛ لأن كل واحد ضمن صاحبه بجعل، وهو ضمان صاحبه له.

стр. 3190

أَمَّا لَوِ اشْتَرَيَا سِلْعَةً بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ جَازَ لِلْعَمَلِ يعني: أن ما قدمه من منع ضمان أحدهما ليضمنه الآخر محمول على ما إذا لم يشتريا سلعة بينهما على التسوية، فإن هذه الصورة جائزة، وإن كان يدخلها الضمان بجعل، لكن جوزت لعمل الماضين. ومفهوم قوله: (اشْتَرَيَا) أنه لو باع رجلان سلعة على أن كل واحد منهما حميل بالآخر لم يجز، وهو قول ابن لبابة، لكن قال ابن رشد: الصحيح خلافه، فقد أجاز في السلم الثاني من المدونة أن يسلم إلى رجلين على أن كل واحد منهما حميل بالآخر، ومنع في البيوع الفاسدة أن يبيع الرجلان سلعتيهما من رجل على أن كل واحد منهما حميل بالآخر وجعلها بعضهم اختلاف قول. ابن رشد: والصواب خلافه، والفرق بينهما أن مسألة البيوع الفاسدة لم تكن كل سلعة شركة بين المتبايعين، ولذلك منع لأنه قد تستحق سلعة أحدهما ولا تستحق سلعة الآخر. والفرق على قول ابن لبابة بين البيع والشراء أن المشتريين لو دفع البائع السلعة إلى أحدهما فيما عليه وعلى صاحبه جاز، ولون دفع المشتري إلى أحد المتبايعين اللذين كل واحد منهما حميل بصاحبه جميع الثمن، لم يجز. ومفهوم قوله أنهما لو اقترضا على أن يكون كل واحد منهما ضامناً للآخر لم يجز، وهو قول ابن الفخَّار، وأجاز ذلك ابن أبي زمنين وابن العطار. ابن عبد السلام: وهو الأصح عندي. وقوله: (سِلْعَةً) أي فأكثر، نص عليه ابن يونس في السلم الثاني. وقوله: (عَلَى السَّوَاءِ) احترازاً مما لو كان لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان، وتحمل كل واحد منهما بما على الآخر أيضاً مما اشتريا، فإنه يمتنع إلا أن يتحمل صاحب الثلث بمثل ما تحمل به الآخر فإنه جائز، نص عليه عبد الحق.
следующие страницы →