← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

ابن عبد السلام: وقول محمد أظهر، وقال ابن راشد: والأول أقيس، ويعكس على قول محمد ما حكاه اللخمي في من غصب أرضاً فبناها. وَحَيْثُ أُلْزِمَ الْغَاصِبُ الْغَلَّةَ فَمَا أَنْفَقَ عَلَى الْعَبْدِ والدَّابَّةِ وسَقْيِ الأَرْضِ وعِلاجِهَا ونَحْوِهِ يُقَاصُّ بِهِ، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَرْجِعْ .... هذا مذهب ابن القاسم في المدونة وحاصله أنه يرجع بالأقل مما أنفق أو الغلة، وقاله ابن القاسم في الموازية ثم رجع في الموازية وقال: لا شيء للغاصب واختاره ابن المواز، والأول أظهر؛ لأن الغاصب وإن ظلم فلا يظلم، ولأن الغلة إنما نشأت عن عمله، فلهذا لو قيل: إنما يرجع فيما زاد عمله في الغلة لكان وجهاً حسناً، وهذا في كل ما ليس للمغصوب منه بد كطعام العبد وكسوته، وعلف الدابة، وأما الرعي وسقي الأرض فإن كان يستأجر له أو كان في يده فكذلك، وإن كان يتولاه بنفسه أو بعبده فلا شيء عليه، وقاله أصبغ في سقي الشجر وحرث الأرض. اللخمي: وأرى أن يكون على الغاصب الأقل من ثلاثة: إجارة المثل فيما يتولاه الغاصب، أو ما آجر به عبيده أو دوابه، أو تسليم الغلة التي اغتلها الغاصب. فَلَوْ بِيعَ الْمَغْصُوبُ أَوْ وُرِثَ؛ فَإِنْ عَلِمَ المشتري فَكَالْغَاصِبِ يعني: فلو باع الغاصب المغصوب، أو مات الغاصب فورثه ورثته، (فَإِنْ عَلِمَ المشتري) بذلك والوارث، وفي بعض النسخ: (علم) فقط، فيكون الفاعل أحدهما لا على التعيين (فَكَالْغَاصِبِ) أي في لزوم رد الغلات؛ لأنه لما علم بالغصب وجب عليه الرد ولا عذر له، بل قال أبو عمران: وإنما يشترط علم المشتري وأما الوارث فإنما ينظر إلى معرفة الناس في ذلك.

стр. 3432

وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ - فِي السَّمَاويِّ ولا فِي الْغَلَّةِ سَكَنَ أَوْ زَرَعَ أَوْ أَكْرَى - ولا عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ حِينَ بَاعَ عَلَى الْمَشْهُورِ .... وإن لم يعلم أحدهما، أي المشتري والوارث فلا شيء عليه مما هلك أو نقص مما لا صنع لأحد فيه، وهو مراده بالسماوي، قال في البيان: باتفاق. قوله: (ولا فِي الْغَلَّةِ) ظاهره أن الغلات تكون للمشتري وللوارث إذا لم يعلما، وهو صحيح في المشتري، وأما وارث الغاصب فلا غلة له باتفاق سواء انتفع بنفسه أو أكرى لغيره، فإن قيل: حكمهم للمشتري بالغلة دليل على أن الضمان منه، وقولهم: لا ضمان عليه في السماوي يدل على أن الضمان ليس منه فما وجه الجميع؟ قيل: إنما نفينا سبباً خاصاً من أسباب الضمان لا مطلق الضمان. قوله: (ولا عَلَى الْغَاصِبِ ... إلى آخره) أي لا رجوع للمغصوب منه على الغاصب بالغلة من حين باع على المشهور، وهما مبنيان على القولين فيما عطله الغاصب بالغلة من حين باع على المشهور. وفِي الرُّجُوعِ عَلَى الْغَاصِبِ الْوَاهِبِ قَوْلانِ أي: في الرجوع عليه بالغلة التي استغلها الموهوب له. ابن عبد السلام: وهما كالقولين السابقين، وهكذا نسب اللخمي لابن القاسم أنه لا رجوع على الغاصب في الهبة والتعطيل. خليل: وفي نظر؛ لأن في التهذيب: [٥٨١/أ] ومن وهب لرجل طعاماً أو إداماً فأكله أو ثياباً فلبسها حتى أبلاها ثم استحق ذلك فيرجع بذلك على الواهب إن كان مليئاً وإن كان عديماً أو لم يقدر عليه رجع بذلك على الموهوب له ثم لا يرجع الموهوب له على

стр. 3433

الواهب بشيء، وكذلك أو أعاره الغاصب هذه الثياب فلبسها لباساً ينقصها، فعلى ما ذكرنا ثم لا يرجع المستعير بما غرم من نقص الثياب على المعير. انتهى. عياض: وقوله: (ومن وهب) معناه عندهم أن الواهب غاصب، وقد صرح بذلك ابن يونس واللخمي في نقلهما فقالا: ومن غصب لرجل طعاماً ... إلى آخره؛ ولهذا قال ابن راشد: الصواب الرجوع؛ لأنه هو الذي أتلفها على ربها ونفي الرجوع مبني على أن الوهوب له هو المباشر، ولما لم يغرم لعذره بالشبهة لم يغرم للغاصب من باب أولى. وَعَلَى الرُّجُوعِ إِن أعدِمَ، فَفِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قَوْلانِ يعني: وإذا فرعنا (وَعَلَى الرُّجُوعِ) بالغلة على الغاصب الواهب فلو أعسر الغاصب فقال ابن القاسم في المدونة: يرجع المالك على الموهوب كما يرجع على الوارث الغاصب بجامع أن لاك منهما أخذ بغير عوض، وقال أشهب في الموازية: الموهوب له إذا لم يعلم بالغصب كالمشتري لا يرجع عليه بالغلة. تنبيه: ووقع في بعض النسخ عوض (أعدِمَ) (أغرم) بالغين المعجمة والراء المهملة والمعنى: إذا رجع على الغاصب بغلة الشيء المغصوب فهل يرجع الغاصب بذلك على الموهوب له؛ لأنه تبين أنه وهب شيئاً لا يملك أو لا يرجع؛ لأنه سلطه على ذلك؟ قولان، وهذا الثاني هو الذي يأتي على قول ابن القاسم في المدونة والأول يأتي على غيره فيها، وسيأتيان عند قول المصنف: (والمشهور أنه بيد الغاصب). وَلَوْ أَكَلُوهُ أَوْ لَبِسُوهُ فَأَبْلَوْهُ فَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُهُمْ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَهُ يَوْمَ لَبِسُوهُ، أَوْ تَغْرِيمُ الْغَاصِبِ، أو إمْضَاءِ بيْعِ الغَاصِبِ. الضمير في (أَكَلُوهُ) وما بعده عائد على من حصل له المغصوب من جهة الغاصب وهو وارثه وموهوبه والمشتري منه ونحو ذلك، وإن أكل هؤلاء الطعام أو لبسوا الثوب

стр. 3434

حتى أبلوه، فالمالك مخير في أمرين: إما أن يغرمهم قيمة المقوم، ومثل المثلي يوم وضع اليد؛ لأنهم لا علم لهم بالغصب، وإليه أشار بقوله: (يَوْمَ لَبِسُوهُ) وإما أن يغرم الغاصب القيمة أو المثل يوم الغصب، وله وجه ثالث في البيع وهو إمضاء بيع الغاصب؛ لأنه بيع فضولي، وظاهر قوله: (فَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُهُمْ ... أَوْ تَغْرِيمُ الْغَاصِبِ) أن المغصوب منه بالخيار، وليس هو المشهور، والمشهور أنه يبدأ بالغاصب كما سيأتي، ولعل المصنف إنما أراد تعلق الغرامة بهم من حيث الجملة ولكن أطلق لما سيذكره. واستشكل ابن يونس كون المشتري يضمن القيمة يوم اللبس فقال: وقيل: إن المشتري يضمن القيمة إذا لبسه فأبلاه يوم اللبس، وهذا في نظر؛ لأنه غير متعد وهو إذا لبسه يوماً أو أياماً ولم ينقصه ذلك لم يكن عليه شيء، وإنما يضمن قيمته بالاستهلاك، قال: والجواب أنه لمّا كان هلاكه بالانتفاع لم يفرق في ذلك بينه وبين المتعدي الغاصب ألا ترى أن ابن القاسم شبه ذلك بغلته، فلذلك كان عليه قيمته يوم لبسه، وكما لو كان ذلك عنده رهناً أو وديعة. وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ، فَإِنْ اخْتَارَ تغْرِيمَهُ فَكَانَ أَقَلّ مِنَ الثَّمَنِ فَفِي تَعْيين مُسْتَحَقِّهِ مِن المشْتَرِي أوْ رَبِّهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَب .... وكذلك أيضاً يكون المغصوب منه بالخيار إذا قتل المشتري العبد المغصوب فإن أخذ ربه القيمة منه يوم الجناية وكانت اقل من الثمن فاتفق ابن القاسم وأشهب أن الغاصب لا يستحق زيادة الثمن، واختلفا في من يستحق تلك الزيادة هل المشتري أو المالك؛ فقال ابن القاسم: يستحقها المشتري؛ لأن البيع قد انفسخ بغرم المشتري قيمة ما اشتراه، وقال أشهب بل يرجع المالك بتلك الزيادة على الغاصب ويرجع المشتري بمقدار ما أدَّى. ونقَل ابنُ يونس عن أشهب مثل ما حكى المصنف عنه ونصه: وقيل عن أشهب: إذا باعها الغاصب - أي الأمة بمائة وقتلها المبتاع وقيمتها خمسون فأغرمه المستحق فيمتها خمسين، فليرجع المبتاع على الغاصب بما غرم للمستحق في ذلك وهو خمسون ويرجع

стр. 3435

المستحق أيضاً على الغاصب بالخمسين بقية الثمن الذي أخذها فيها، قال: ولو كانت قيمتها يوم الغصب مائة وعشرين، فباعها الغاصب بمائة فقتلها المبتاع وقيمتها حينئذ خمسون فأخذ المستحق قيمتها من المشتري على قول أشهب بما غرم وذلك خمسون، ويرجع عليه المستحق بتمام القيمة يوم الغصب وذلك سبعون. خليل: وجعل ابن عبد السلام ما نقله ابن يونس عن أشهب مخالفاً لما حكاه الصنف عنه، وسبب ذلك أنه أسقط ما حكاه ابن يونس بعد قول أشهب فيرجع المبتاع على الغاصب بما غرم للمستحق وفي ذلك خمسين. قوله: (ويرجع المستحق على الغاصب بالخمسين بقية الثمن الذي أخذه فيها) ورأيت في نسخة مثل ما حكاه، لكن وجدت في نسخ مثل ما حكيته وبه يتفق نقله مع نقل المصنف ثم يلزم على ما حكاه ابن عبد السلام أن يكون في كلام ابن يونس إشكال وتناقض، أما الإشكال؛ فلأن قول أشهب على ما نقله أن الخمسين الباقية تكون للغاصب مشكل؛ لأن الغاصب لا يربح وأما التناقض؛ فلأن ما حكاه ثانياً عن أشهب يناقضه، والله أعلم. وَفِي كَوْنِ الْخَطَأِ مِنْهُ كَالسَّمَاوِيِّ أَوْ كَالْعَمْدِ قَوْلانِ تقدم أن المشتري لا يضمن بالسماوي اتفاقاً، وأشار المصنف في المسألة السابقة إلى أنه يضْمَنُ بالعمد ولا خلاف فيه، واخْتُلف في جنايته خطأ، فقال ابن القاسم في العتبية هو كالسماوي، وقال أشهب في المجموعة: يضمن به كالعمد؛ وهو أقيس لأن العمد والخطأ [٥٨١/ب] في أموال الناس سواء. واختلف في المدونة على أي القولين تحمل، فجعل في البيان ما في العتبية مفسراً له وحمل ما فيها من الضمان إذا قطع المشتري يدها على الخطأ، وقال أبو الحسن: ظاهرها أنه

стр. 3436

لا فرق بين أن تكون الجناية عمداً أو خطأ، وقال ابن عبد السلام أنه ربما تأول على المدونة أنه عدم الفرق. وَلا يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي فِي تَلَفِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ ويحلِفُ ثُمَّ يَغْرَمُهُ إِنْ شَاءَ هكذا في العتبية؛ لأن فيها: ولو ادعى المبتاع أنها هلكت صدق، وفيما لا يغاب عليه من رقيق وحيوان، ولا يصدق فيما يغاب عليه ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد هلكت ويغرم قيمته إلا أن يأتي ببينة على هلاكه من غير شبهة، وكذا يفهم من المدونة، قيل: وإذا صدِّق في ما لا يغاب عليه فإنما ذلك إذا لم يظهر كذبه كالرهن والعواري، وقال أصبغ: يصدق في الضياع فيما يغاب عليه مع يمينه، وإنما حلَّفناه فيما يغاب عليه على الأول مع إنا نضمنه له مخافة أن يكون قد غيبها. ابن عبد السلام: وإذا بنينا على المشهور وضمانه فخرج بعضهم قولاً بعدم اليمين، وإذا صدقنا المشتري في الهلاك، فلا يرجع بالثمن على البائع منه؛ لأن الضياع هنا كالهلاك، وفاعل (ويحلِفُ) عائد على المشتري وكذلك يغرمه، وفاعل (شاء) عائد على المستحق. فرع ومتى يضمن ما يغاب عليه؟ نقل ابن يونس عن غيره أن الأشبه إذا رئي الثوب عنده بعد شهر من يوم اشتراه وادَّعى ضياعه لما استحق، إنه إنما يضمن قيمته يوم رئي بخلاف الصانع والمرتهن يدعي ضياعه بعد أن رئي عنده بعد شهر، فإنه يضمن القيمة يوم القبض والفرق أنهما قبضاه على الضمان، فلما غيباه اتهما على أنهما إنما قبضاه ليستهلكاه فأشبها المتعدي، بخلاف المشتري فإنه إنما قبضه على أنه هلكه فلم يتهم.

стр. 3437

وَالْمَشْهُورُ أنه يُبّدَّى الْغَاصِبُ عَلَى الْمَوْهُوبِ إَذَا أَكَلَهُ أَوْ أَبْلاهُ لا شك أن علم الموهوب له بالغصب أنه كالغاصب يتبع صاحبه أيهما شاء، وإن لم يعلم فالمشهور وهو مذهب ابن القاسم في المدونة أنه يبدأ بالغاصب؛ لأنه كالمسلط للموهوب له، فيرجع عليه بقيمة الموهوب وغلته على القول بالرجوع بها أولاً، فإن كان عديما رجع على الموهوب له. قال في البيان: وإذا رجع بها أولاً على الغاصب، فلا رجوع له على الموهوب له، وإن رجع أولاً على الموهوب له رجع على الغاصب إذا يسر، وقال غير ابن القاسم في كتاب الاستحقاق من المدونة: يرجع أولاً على الموهوب له؛ لأنه المباشر. ابن رشد: فإن لم يكن له مال رجع على الغاصب، فإن رجع على هذا القول على الغاصب رجع الغاصب على الموهوب له، وإن رجع على الموهوب له لم يرجع على الغاصب بشيء عكس الأول، ولأشهب قول ثالث أن المالك بالخيار في اتباع أيهما شاء، واختاره ابن المواز وسحنون. اللخمي: ولا خلاف أن له تغريم الغاصب؛ لأن هبته لا تسقط المطالبة عنه عند علم الغصب، وإن أحب أن يبتدئ بالموهوب فالأقوال الثلاثة، وإن كان الغاصب معسراً فله أخذ المستهلك اتفاقاً، انتهى. أشهب: بناء على قوله: (ويطلب الغاصب بالقيمة يوم الغصب) أو يطلب الموهوب له بالقيمة يوم إتلافه ما أتلف، فإن كانت قيمته يوم الغصب عشرين، وقيمته يوم الإتلاف ثلاثين، فاختار اتباع الغاصب فأخذ منه عشرين ثم يرجع على الموهوب له بالعشرة الباقية، واحتاج أشهب على قول ابن القاسم بموافقته إياه، على أن المشتري من الغاصب إذا لم يعلم بالغصب، فهو كغريم ثان يتبع المالك إن شاء الغاصب، وإن شاء المشتري إذا

стр. 3438

أتلف، والفرق لابن القاسم إذا ابتدأ تضمين المشتري كان للمشتري الرجوع على البائع، وهو الغاصب أولاً، كذلك الموهوب له فإنه إذا غرم قيمة المغصوب لم يكن له رجوع البتة على أحد، ومقابل المشهور في كلام المصنف يحتمل أن يريد به الثاني. ابن عبد السلام: وهو الأقرب لعدم إشعار كلام المؤلف بالتخيير، ويحتمل أن يريد به قول أشهب.

стр. 3439

الاسْتِحْقَاقُ: فَإِنِ اسْتَحَقَّتِ الأَرْضُ مَزْرُوعَةً بَعْدَ إِبَّانِ الزِّرَاعَةِ فِلا شَيْءَ لِلْمَالِكِ فيه زَرعهَا أَوْ أَكْرَاهَا .... يريد: إذا كان الزارع زرع بوجه شبهة؛ كالمشتري أو المكتري إذا لم يعلما، وسواء تولى زراعتها بنفسه، أو أكراها، وإنما لم يكن للمالك شيء؛ لأن الخراج بالضمان، ولهذا قال ابن القاسم: في من كان في يدِه أرض بميراث فأكراها ثم أتى رجل فأثبت أنه أخوه، إن له أن يرجع عليه بحصته من الكراء، وإن لم يعلم؛ لأنه لم يكن ضامناً. تنبيه: لم يتعرض المصنف لما إذا كان الزارع لها غاصباً، ولنذكره باختصار، فنقول: إن قام رب الأرض بعد الحرث وقبل الزراعة، ففي اللخمي وغيره أنه يأخذه بغير شيء، وقال ابن عبد السلام: يأخذه بغير شيء على أظهر القولين في تزويق الجدار وشبهه، وإن كان قيامه بعد الزراعة وقبل ظهور الزرع، أو بعد ظهوره، وقبل أن ينتفع به فله أن يأمره بقلعه أو يأخذه. ابن القاسم وأشهب: بغير ثمن ولا زريعة ولو اتفقا على إبقائه في الأرض بكراء، فمنع منه ابن المواز؛ لأنه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه، ورأى أن المالك لما كان قادراً على أخذه مجاناً وأبقاه لزراعه بكراء، كان ذلك الكراء عوضاً عنه في المعنى؛ فهو بيع له على التبقية، وخرج على قول من يرى أن من ملك أن يملك لا يعد مالكاً قول بالجواز، وإن كان قيامه بعد أن بلغ الزرع مبلغاً ينتفع به، ولم يخرج إبان الحراثة، فله أن يأمره بقلعه، وهل له أن يعطي الغاصب قيمته مقلوعاً ويبقيه لنفسه قولان. اللخمي: والقول بأن له ذلك أصوب؛ لأن نهيه ﵊ عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح على البقاء إنما هو لأنه يزيد للبقاء ثمناً، ولا يدري هل يسلم أم لا، وهذا

стр. 3440

يدفع قيمته مطروحاً، وإن كان قيامه بعد خروج الإبان فقال مالك: الزرع للغاصب وعليه [٥٨٢/أ] كراء الأرض، وليس لربِّ الأرض قلْعه. اللخمي: وهو المعروف من قوله، وذكر رواية أخرى أن للمستحق أن يقلعه ويأخذ أرضه لقوله ﵇: «ليس لعرق ظالم حق». وروي أيضاً عن مالك: الزرع للمغصوب منه الأرض وعليه نفقته وإن طاب وحصد. واختار هذه الرواية الثالثة غير واحد لما في الترمذي: «من زرع أرضاً لقوم بغير إذنهم فالزرع لرب الأرض وعليه نفقته». عبد الحق: واعلم أن ما جرى من قوله: يكلف الغاصب القلع إذا كان في إبان الزرع، إنما يعني أن إبان الشيء المزروع فيها لا غيره، فإذا فات إبان ما يزرع فيها فليس لرب الأرض تكليف الغاصب القلع وإن كان يمكنه أن يعمل فيها مقتاتاً أو شيئاً غير الذي زرع فيها، وهذا لأصبغ مبين في المستخرجة، وهو معنى ما في المدونة، وكذلك حفظت عن بعض شيوخنا القرويين. فَإِنْ كَانَ فِي إِبَّانِهَا أَوْ كَانَتْ تُزْرَعُ بُطُوناً فَلِلْمَالِكِ الْخِيَارُ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ حِينِ وُجُوبِهِ أَوْ نِسْبَةِ مَا بَقِيَ .... فإن كان قيام المستحق على الزارع بوجه شبهة في إبان الزراعة أي في وقت الزراعة أو كانت الأرض ترزع بطوناً في العام الواحد، ولم يستوف تلك البطون، فالمالك مخير في وجهين: إما أخذ كراء المثل من وقت وجبت له الأرض وقضي له بها، وإما أن يكون له نسبة ما بقي من مدة الكراء من حساب الكراء الذي أكراها به المستحق من يده، وحاصله أن للمستحق الأكثر، وما ذكره المصنف خلاف ما في المدونة؛ ففيها: قال ابن القاسم: وإن كانت أرضاً تزرع في السنة مرة فاستحقها، وهي مزروعة قبل فوات إبان الزرع، فكراء

стр. 3441

تلك السنة للمستحق وليس له قلع الزرع؛ لأن المكتري زرع بوجه شبهة، وقال عبد الملك: إن قدر ما مضى للمشتري؛ لأن بقاء الزرع ذلك الأمد قبل مجيء هذا له قدر بما ذكره المصنف، قول عبد الملك: ووجه ما في المدونة أن ربها كان قادراً على زرعها لولا زرع هذا. فرعان: الأول: ما ذكره المصنف ظاهره إذا كان المكتري قد زرع، وأما إن لم يزرع، فإما أن يستحقها قبل الحرث أو بعده، فإن لم يحرث. اللخمي: فهو كالسكني له أن يمضيه بالمسمى أو يخرجه، وإن حرث أقره بالمسمى أو أخرجه، واختلف في حكم الحرث فقيل: لا شيء للمستحق، وقال ابن القاسم في المستخرجة: المستحق بالخيار بين أن يعطيه قيمة حرثه، فإن أبى أعطاه الآخر قيمة كرائه، فإن أبى أسلمها ولا شيء له. الثاني: اللخمي: واختلف إذا قام المستحق في الإبان فحكم له بعد ذهابه، هل يكون الكراء للأول أو للمستحق؟ وذكر ابن رشد في الذي يدخل فيه الشيء المستحق في ضمان مستحقه وتكون الغلة له، ويجب التوقيف فيه، ثلاثة أقوال: الأول: إنه لا يدخل في ضمانه، ولا تجب له الغلة حتى يقضى له بها، وهو الذي يأتي على قول مالك في المدونة: إن الغلة في يديه حتى يقضى بها للطالب، وعلى هذا لا يجب توقيف الأصل المستحق توقيفاً يحال بينه وبينه، وهو قول ابن القاسم في الرباع التي لا تحول ولا تزول ولا توقف، مثل ما يحول ويزول، وإنما يوقف وقفاً يمنع من الإحداث فيها. الثاني: إنه يدخل في ضمانه وتكون الغلة له، ويجب توقيفه وقفاً يحال بينه وبينه إذا ثبت بشهادة شاهدين عدلين أو شاهد وامرأتين، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ؛ إذ قال

стр. 3442

فيه: إن الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة؛ إذ قال: إن التوقيف يجب إذا أثبت المدعي حقه وكلف المدعى عليه الدفع. والثالث: إنه يدخل في ضمانه، ويجب له الغلة والتوقيف بشهادة شاهد واحد؛ وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الدعوى والصلح: إنه يحلف مع شاهده وتكون مصيبته منه وروايته عنه في الكتاب المذكور في مسألة الزيتون إذا ادعاها وأقام شاهدا واحداً أن الثمرة له إذا توالت على معنى المسألة أنه استحق الأصل دون الثمرة، وأما على تأويل من تأول أنه ادعى الأصل والثمرة وشهد له بهما جميعاً الشاهد الذي أقامه فتخرج الرواية عن هذا الباب إلى وجه متفق عليه، وما وقع في كتاب أحد بن زياد: التوقيف يجب في الدار بالقفل، وتوقيف الغلة بشهادة الشاهد الواحد يأتي على هذا القول، وكذلك أيضاً النفقة تجري على هذا الاختلاف، وفرق في رواية عيسى عن ابن القاسم وهو ظاهر المدونة، وساوى عيسى بينهما من رواية وهو القياس، والصواب أن ما في المدونة اختلاف من القول. فَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى قيلَ لِلْمَالِكِ: ادْفَعْ قِيمَتَهُ قَائِماً، فَإنْ أَبَى قِيلَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْمُكْتَرِي: أَعْطِهِ قِيمَةَ أرْضِهِ بَرَاحاً، فَإِن كَانَا شَريكَيْنِ بِقِيمَةِ أَرْضِهِ وقَدْرِ مَا يُبْنَى بِهِ مِثْلُهُ عَلَى الأَشْهَرِ لا بِمَا زَادَ أي: فإن غرس الأرض المستحقة من يده كان مشترياً أو مكترياً فإن يقال لرب الأرض: ادفع قيمة البناء أو الغرس قائماً فإن أبى قيل: للمشتري أو المكتري: أعطه قيمة أرضه، فإن أبى كانا شريكين، وروى مطرف أن عمر ﵁ قضى بهذا. وإذا بَنَيْنَا على الشركة فقال ابن يونس وغيره: إنَّ ظَاهِرَ الْكتاب أن صاحب البناء يكون شريكاً بقيمة البناء، وقال مطرِّف: بما زاد البناء في قيمة الأرض، وفهم بعضهم المدونة عليه.

стр. 3443

ابن يونس: والأول هو الصواب؛ لأنه قد لا تزيد العمارة في مثل هذه الأرض شيئاً بل قد يكون ثمنها براحا أكثر لأعمال القبول ونحوها، فإذا قومت على ما قاله ابن الماجشون ذهب عمل العامل باطلاً، [٥٨٢/ب] وهو غير متعد، ولعل المصنف لهذا شهره. ابن الجهم: وإذا دفع ربُّ الأرض قيمة العمارة وأخذ أَرْضَهُ، كان له كراء ما مضى من السنين، ولمالك في العتبية قول ثالث أنه يكون شريكاً بما أنفق؛ لأنه قال فيمن اشترى داراً وعمرها ثم استحقت للباني عليه ما عمل من عمل الناس وأما بنيان الأمراء فلا أدري ما هو؟ قيل: فتكون للباني قيمة البنيان أو نفقته، قال في البيان: ضعف أن يكون له الرجوع فيما بنى من بنيان الأمراء، بقوله: لا أدري ما هو؟ وقوله صحيح؛ لأنه أتلف ماله لما أنفق فيما لا يسوغ له من السرف المنهي عنه، وأشار بعضهم إلى أن ما ذكره في بنيان الأمراء متفق عليه، وفي كلام المصنف إشكال، لأنه حكم أولاً أن صاحب الأرض يدفع إليه قيمة البناء قائماً وهذا يعني أنه لا يجب للباني إلا ذلك، وقال: إذا أبيا يكونان شريكين، ويكون الباني شريكاً بقدر ما يبني به مثل الأرض، فكيف يكون شريكاً بما ليس له، واستشكل أيضاً الأشياخ مذهب المدونة: فإن مالكاً أوجب له قيمة البناء قائماً وإذا قوم قائماً فقد أعطى جزءا من الأرض، وإن قومه منفكا عن الأرض صار منقوضاً، وأجاب اللخمي عنه بأنه إنما يقال: بكم يباع هذا البناء أو الغرس على أن يقلع بعد انقضاء المدة؟ ولا يقوم عليه على أنه قائم للأبد؛ لأن الباني أو الغارس لا يستحق بقاؤه إلا إلى بقيتها، قال: وإذا قوم على هذه الصفة سقط الاعتراض بأن الباني أخذ جزءاً من الأرض؛ لأنه لم يقوم على أن للباني حقاً في تلك الأرض، وإنما يقوم على أن مشتريه يضعه هناك ولا يقوم على أن مشتريه يضعه حيث أحب؛ لأنه إن كان الآن في طرف، كانت قيمته أبخس فلا يصلح أن يقوم في غير ذلك مما هو ضرر؛ لأن فيه ضرراً على المستحق، انتهى، وفيه نظر؛ إذ لا يتصور أن يكون البنيان قائماً حيث أحب.

стр. 3444

وأجاب المازري: بأن مستحق الأرض لما كان قادراً على أن يلزم الباني أو الغارس قيمة الأرض براحاً، فعدل عن ذلك كان رضاً منه بل يعطي الباني والغارس قيمته عليها قائماً؛ لأن فعلها وقع بوجه شبهة فلا سبيل إلى إعطائها قيمة ذلك مقلوعاً، وهو حسن، ولو كان رب الأرض مخيراً في أن يلزم الباني قيمة الأرض براحاً وليس كذلك، واختلف متى تراعى القيمة؟ فمذهب الكتاب يوم الحكم، وقيل: يوم البناء، وفي كتاب العارية: وقيل: للباني ما أنفق، وفي باب آخر: قيمة ما أنفق، واختلف هل هو اختلاف قول أو لا؟ وعلى الثاني وقد اختلف في كيفية الجمع، وقد ذكرناه ثم، وهذا كله ما لم تستحق الأرض بحبس، أما إن استحقت بحبس فليس للباني ألا حمل أنقاضه؛ إذ ليس ثم من يعطيه قيمة البناء قائماً، وليس له أن يعطي قيمة البقعة؛ لأن بيع الحبس، وهذه المسألة ألقاها أبو محمد صالح على أبي الفضل. وَفِي الزَّرْعِ سِنِينَ يُفْسَخُ أَوْ يَمْضِي، فإِنْ أَمْضَاهُ فَلَهُ نِسْبَةُ مَا يَنُوبُهُ كَجَمْعِ سِلْعَتَيْنِ لِرَجُلَيْنِ .... يعني: إذا أكرى الأرض المستحقة من يده للحرث سنين، وقد زرعت للحرث سنة أو أكثر، وانقضى إبان الزراعة، فكراء ما زرع للمستحق من يده، وما بقي فالمستحق بالخيار في فسخ العقد فيه وفي إمضائه، فلا يكون له الكراء على عدد السنين بل على حسب ما يراه أهل المعرفة، وذلك مجهول، واستشكل ذلك جماعة وكذلك قال ابن يونس وعياض واللخمي وغيرهم: إنه تجوز الإجارة بشرط أن يعلم ما يخصه وإلا أدى إلى البيع أو الكراء بثمن مجهول. ولعل قول المصنف: (كَجَمْعِ سِلْعَتَيْنِ) إشارة إلى ذلك؛ لأن مذهب ابن القاسم المنع إلا أن يقوماً ويدْخلا على ذلك، وقد يقال: فيما أجراه الشيوخ هنا نظر، والفرق بينهما أن الْغَرَر في جمع الرجلين سلعتيهما في البَيْع واقع في أصل العقد بخلاف هذه فإنه طارئ

стр. 3445

بعد صحتها، وهذا وإن كان ظاهراً إلا أنه قد يقال: إنه لا يسلم أن الضرر الطارئ مغتفر عند ابن القاسم، فقد منع من التمسك بباقي الصفقة إذا استحق جلها للجهالة، ويحتمل أن يكون قول المصنف: (كَجَمْعٍ) ليس إشارة إلى ما ذكرناه بل إلى بيان كيفية التراجع، والله اعلم. وَيُحَدُّ الْوَاطِئُ الْعَالِمُ والْوَلَدُ رَقِيقٌ ولا ينسَبُ لَهُ يعني: وإذا وطئ الأمة المغصوبة عالماً بغصبها غاصبا كان أو غيره فهو زان، فلذلك كان ولده رقيقاً للمغصوب منه ولا ينسب له، وهذا بشرط أن تقوم البينة قبل الوطء على أن الواطئ أقرَّ بعلمه أن الأمة مغصوبة، أو تشهد الآن بينة أنه أقر عندهم قبل الوطء بعلمه، وأما إن لم يكن إلا مجرد إقراره الآن بأنه وطئ عالماً، فقال أهل المذهب: يُحدُّ لأجلِ إقرارهِ على نفسه بالزِّنا، ويلحق به الولد لحق الله تعالى وحق الولد في ثبوت النسب، وهي إحدى المسائل التي يجتمع فيها الحد وثبوت النسب. ثانيها: أن يشتري أخته أو من يعتق عليه ويولدها ثم يقر أنه وطئها عالماً بذلك. ثالثها: أن يتزوج امرأة ويولدها ثم يقر أنه كان طلقها ثلاثاً، وأنه تزوجها قبل زوج عالماً بالتحريم. رابعها: إن يتزوجها ويولدها وهي ذات محرم منه إما من نسب أو صهر أو رضاع ثم يقر على نفسه أن يتزوجها عالماً بتحريمها. خامسها: أن يتزوجها ويولدها ثم يقر أن له أربع نسوة غيرها وأنه تزوجها عالماً بتحريمها، وليس ذلك هذا على طريق الحصر، بل الضابط في هذا أن كل حد يثبت بالإقرار ويسقط بالرجوع عنه فالنسب ثابت معه، وكل حد لازم لا يسقط بالرجوع فالنسب معه غير ثابت.

стр. 3446

وَيَضْمَنُ غَيْرُ الْعَالِمِ [٥٨٣/أ] قِيمَةَ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ إِنْ كَانَ بَاقِياً إلا أَنْ يَاخُذَ فِيهِ دِيَةً فَيَكُونَ عَلَيْهِ الأَقَلَّ مِنْهَا أَوْ قِيمَةَ الْوَلَدِ حَيَّاً .... لا خِلاَفَ أنَّ الولَدَ هنا حرٌّ ثابتُ النسب ولكن يضمن الأب قيمتَه على المشهور، وعن مالك أنه يضمنه كما سيقوله المصنف، وقد تقدَّم جُلَّ هذه المسألة في النِّكَاحِ في الأمة الغارّة فراجعه. فَإِنْ أَخَذَهَا عَنْ عُضْوٍ غَرِمَ قِيمَتَهُ نَاقِصاً مَعَ الأَقَلِّ مِنَ النَّقْصِ والدِّيَةِ، وقَالَ الْمُغِيرَةُ: الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوَضْعِ .... أي: وإن أَخَذَ الدِّيَة عن عضو واحد غرم الأب قيمته يوم الحكم. قوله: (وقَالَ الْمُغِيرَةُ) راجع إلى قوله: (يَوْمَ الْحُكْمِ). وَكَانَ مَالِك يقولُ: لمستحقها أَخْذُها إنْ شَاءَ مَعَ قِيمَةِ ولَدِهَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قِيمَتُهَا يَوْمَ اسْتَحَقَّهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قِيمَتُهَا وَحْدَهَا يَوْمَ وَطِئَهَا، قَالَ أَشْهَبُ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ .... تصور الأقوال ظاهر، وبالثالث أفتى مالك لما استحقت أم ولده إبراهيم، وتابعه عليه جماعة من أكابر أصحابه: كابن كنانة وابن دينار ثم رجع إلى الأول ابن كنانة وعليه مات، هكذا قال اللخمي والمازري: أم ولده إبراهيم؛ وقال ابن رشد: أم ولده محمد، قيل: وهو الصواب. ومنشأ الخلاف تقابل الضررين ولا يخفى عليك ذلك وأخذ ابن القاسم بالقول الأول أن له أخذها إن شاء وأخذ قيمة الولد، قال في المدونة: وعليه جماعة من الناس. وأخذ جماعة كثيرة بالقول: إنه ليس لسيدها إلا قيمتها وقيمة ولدها يوم الحكم به وهو الذي صدر به صاحب الرسالة، وأما الغارّة فالمشهور المعروف أنه له أخذها وأخذ قيمة

стр. 3447

الولد، وحكى ابن الجلاب رواية أخرى أنه يأخذ قيمة الأم ولا شيء في الولد، وذكر المصنف أن القيمة في القول الثاني يوم الاستحقاق أي يوم الحكم، وفي الثالث: يوم الوطء. قال: في المدونة في القسم بعد ذكر القولين الأولين: ولو رضي المستحق بأخذ قيمتها وقيمة ولدها لم يكن للذي أولدها أن يأبى ذلك، ويجبر حينئذ في قولي مالك جميعاً على غرم قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق، وقال أشهب في الموازية: هذا خطأ وإنما كنت أقوله - لو قلت بهذا - عليه قيمتها يوم أحْبلها ثم لا قيمة له في ولدها؛ لأن في ملكه ولد، وقال المازري: أشار أشهب إلى بقاء قولي مالك مع رضا المستحق بأخذ القيمة، وسئل سحنون في العتبية عن رجل اشترى جارية فأولدها ثم استحقها رجل فدفعها إليه الذي أولدها ثم اشتراها منه بعد ذلك، هل تكون الجارية أم ولد أم لا؟ أو حتى يولدها بعد الاستبراء، فقال: إن كان دفعها إليه بقضاء قاض ثم اشتراها، فإنها تكون أم ولد بملكه الأول حين أولدها. فَإِنْ وَطِئَ بِالْمِلْكِ فَاسْتُحِقَّتْ بِحُرِّيَّةٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: لا صَدَاقَ لَهَا، وَاسْتُشْكِلَ وخُولِفَ، والْغَلَّةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ .... الأمة إذا استحقت بعد الوطء فلا يخلوا إما أن تستحق بملك أو بحرية، فإن استحقت بملك فإن كانت ثيباً فلا شيء عليه، وإن كانت بكراً فقال مالك وابن القاسم: لا صداق لها، وهو المشهور المعروف، وقال المغيرة: لها الصداق. واختاره جماعة؛ لأن الوطء انتفاع بغير مملوكة ولا ضمان فيها، بخلاف المستحقة بملك فإن الوطء يجري مجرى غلات المضمون، وهذا وجه الإشكال الذي أشار إليه المصنف، فإن قيل: فهلا استغنى المصنف بقوله: (خُولِفَ) عن قوله: (اسْتُشْكِلَ) لأن من خالف قولاً، فقد استشكله، فجوابه يحتمل أن يكون المستشكل غير المخالف فإن

стр. 3448

الإشكال إنما يكون غالباً عن عرض القول على أصول ذلك القائل والمخالف قد يخالف في الأصول ويوافق عليها أو يخالف في الإجراء عليها. قوله: (والْغَلَّةُ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ) أي غلة هذه الأمة المستحقة، وكذلك العبد إذا استحق على هذا الخلاف، فعند مالك وابن القاسم: العبد إذا استحق بحرية منزلة على هذا الخلاف، فعند مالك وابن القاسم: لا يغرم الغلة، وعند المغيرة: يغرمها، ويحتمل أن يكون الضمير في (عَلَيْهِ) عائد على الصداق، واستصوب اللخمي قول المغيرة؛ لأن الخراج إنما يكون بالضمان والحر لا يضمن، وإذا رجع بالغلة رجع المشتري عليه بالنفقة، بخلاف الأمة فإن الصداق إنما يستحق بأول الملاقاة، وكهذه المسألة أعني إذا استحقت بحرية، أما إذا استحق الأصل بحبس، فإنه لا ضمان فيه كالحرة، فقيل: غلته للمستحق منه ولأنه ضامن الثمن الذي دفع عند عدم البيع، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في العتبية، وقيل: إنه يرد الغلة؛ لأن ما اشتراه لو تلف رجع بالثمن، وهو ظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة؛ لأنه علق الغلة بالضمان. ابن رشد: وبالأول جرى العمل عندنا. تنبيه: الغلة للمشتري في خمسة مواضع: إذا وجد البيع فاسداً فرده، أو وجد عيباً فرده، أو رد بفلس، أو أخذ بالشفعة، أو استحق، وكذلك من صار ذلك إليه من قبل المشتري ولا غلة لوارث إن طرأ عليه وارث مثله في المنزلة وأقرب منه، وإن لم يعلم؛ لأنه لم يكن ضامنا ويأخذ القادم الكل إن لم يحاب المستحق منه وإن حابَى فهو واهِب للمحاباةِ، فإن كان الواهب معسراً فاتفق على أن يرجع على المكتري، وإن كان موسرا فالمشهور أنه يرجع على المكتري إلا أن يكون له مال فعلى المكري، وقيل: إنما يرجع بذلك على المكتري إلا أن يعلم الآخر أن معه وارثاً، فيرجع عليه أخوه في عدم المكتري، وهذا على أن قول الغير

стр. 3449

خلاف وإليه ذهب جماعة، وقال الشيخ أبو محمد: إنه وفاق وإن جواب ابن [٥٨٣/ب] القاسم أن أخاه علم كما قال غيره. ابن القاسم: وأما إن سكن هذا الوارث أو زرع لنفسه ثم طرأ له أخ لم يعلم به، فالاستحسان أن لا رجوع لأخيه عليه بشيء بخلاف الكراء إلا أن يكون به عالماً فيغرم له نصف الكراء، وروي عن مالك أن عليه نصف كراء ما سكن، قالوا: وعلى قول ابن القاسم: لا رجوع عليه بثلاثة شروط: أن يسكن بنفسه، وأن لا يكون في نصيبه ما يكفيه، وأن لا يعلم، زاد ابن عبدوس: وأن يقدم الأخ بعد إبان الزراعة، ولهذا أفتى اللخمي في امرأة دَعَتْ زَوْجها للدخول فأنكر النكاح، فأثبتته عليه لما سئل هل لها عليه نفقة في أيام الخصام؟ بأنه لا نفقة عليه فيها إن كان ذلك من الزوج بتأويل وشبهه، وأما إن كان دافعها بباطل واضح؛ فإنه كالغاصب فلها النفقة فيها. وَفِيهَا: والْمُتَعَدِّي يُفَارِقُ الْغَاصِبَ؛ لأَنَّ الْمُتَعدِيَ جَنَاه عَلَى بَعْضِ السِّلْعَةِ والْغَاصِبُ أَخَذَهَا - كَكَسْرِ الصَّحْفَةِ وتَخْرِيقِ الثَّوْبِ .... لما كان المتعدي مفارقاً عند الأصحاب للغاصب، أراد المصنف أن يبين ذلك ونسب المسألة إلى المدونة لإفادة الحكم، أو لإشكاله فإنهم فرقوا في الحكم، والمعنى متفق، أو لأن ما ذكره في المدونة من الفرق لا يعم صور التعدي، فإن المكتري والمستعير إذا تعديا المسافة المدخول عليها متعديان وهل تعديا على مجموع السلعة لا بعضها؟ واعلم أنَّ أصحابنا فرقوا بين الغصب والتعدي بوجوه منها: أن التعدي جناية على بعض السلعة، والغصب جناية على جميعها. ومنها: أن المتعدي ضامن للسلعة من يوم التعدي؛ لأن يده كانت عليها بإذن ربها، أعني في المستأجر والمستعير، والغاصب ضامن من يوم الغصب.

стр. 3450

ومنها: أن الغاصب يضمن السلعة في الفساد اليسير، والمتعدي لا يضمنها إلا في الكثير. ومنها: أن المتعدي يلزمه كراء ما تعدى عليه على المشهور كما تقدم. وقوله: (كَكَسْرِ الصَّحْفَةِ) مثال للتعدي. فَان كَانَ فَسَاداً كَثِيراً خُيِّرَ رَبُّه في أَخْذِهِ وَمَا نَقَصَهُ وبَيْنَ قِيمَتِهِ، قَالُوا: بَعْدَ رَفْوِ الثَّوْبِ، وشعبِ الْقَصْعَةِ - وَضُعِّفَ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُخَيَّرُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، ورَجَعَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ كَانَ يَسِيراً فَلَيْسَ لَهُ إِلا مَا نَقَصَهُ بَعْدَ رَفْوِ الثوب بِاتِّفَاقٍ، وقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مَا نَقَصَهُ، ولا يُفرقُ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وسَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وغيْرُهُ .... حاصلُه أنَّ في التَّعَدِّي ثلاثَة أقوال: الأول لمالك: ليس عليه في التعدِّي إلا أرْش النقص، كان النقص يسيراً أو كثيراً، وإليه أشار بقوله: (وقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مَا نَقَصَهُ، ولا يُفرقُ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ) ثم رَجَعَ إلى الفرقِ بين اليسيرِ والكثير، ففي اليسير: لا يكون عليه إلا ما نقص، وفي الكثير: يخير بين أخذه بغير شيء أو يضمنه جميع قيمته، وقاله ابن القاسم أولاً، ثم رجع عنه إلى ما في المدونة، وأنَّ لهُ أخذُ النَّقص إنْ اختَارَ أخذه، وعلى هذا فاتفق في اليسير أنه ليس لربه إلا أخذ ما نقص بعد رفو الثوب وشعب القصعة، والرفو: خيطها. وقوله: (قَالُوا) يوهم تواطؤ أهل المذهب أو أكثرهم، وأن ما نقله ابن يونس عن بعض الأصحاب قال هذا القائل، وذلك بخلاف الجناية على الدَّابّة، فإنه ليس عليه ما تداوى به الدابة، والفرق بينهما أن ما ينفق في الثوب على المداواة غير معلوم، ولا يعلم هل ترجع كما كانت أم لا؟

стр. 3451

والرفو: الخياطة معلوم ما ينفق عليهما ويرجعان كما كانا. ابن يونس: وهذا الذي ذكره في الفساد الكثير في الثوب أنه يأخذه وما نقصه بعد الرفو خلاف ظاهر قولهم، ووجه فساده أنه قد يغرم من رفوِ الثُّوْب أكثر من قيمته صحيحاً وذلك لا يلزمه، ألا ترى أن أشهب وغيره يقول: ليس له أن يغرمه ما نقصه بعد الرفو، وقد يبلغ ذلك ضعف قيمته؟ وما حكاه من عدم لزوم أجر الطبيب. ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب، وحكى اللخمي في غرم الجارح أجر الطبيب قولين، قال: والأحسن أنه على الجارح كالرفوِ. وقوله: (فَإِنْ كَانَ يَسِيراً فَلَيْسَ لَهُ إِلا مَا نَقَصَهُ) قد تقدم أن هذا متفق عليه. وقوله: (بَعْدَ رَفْوِ الثوب بِاتِّفَاقٍ) يحتمل أن يعود على قوله: (فَلَيْسَ لَهُ إِلا مَا نَقَصَهُ)، ويحتمل أن يعود عليهما، ابن يونس: ولو قال قائل في اليسير: إنما عليه ما نقصه فقط لم أعبه؛ لأنه إذا أعطاه ما نقصه دخل الرفو في قيمة هذا النقص كما قالوا في من وجد أيضاً، وذلك شأنه أن له جعل مثله ولا نفقة له؛ لأن النفقة داخلة في الجعل. وقوله: (وسَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وغيْرُهُ) أي في التعدي عليه، ثم أشار المصنف إلى حد اليسير من الكثير بقوله: وَالْكَثِيرُ: مَا أَفَاتَ الْمَقْصُودَ فَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ يَسِيراً كَقَطْعِ ذَنَبِ الْبَغْلَةِ وأُذُنِهَا، وقَطْعِ طَيْلَسَانِ ذِي الْهَيْئَةِ وجُبَّتِهِ وعِمَامَتِهِ وشِبْهِ ذَكِكَ بين المصنف الكثير؛ لأن اليسير يعلم منه؛ لأنه إذا كان الكثير ما أفات المقصود، فاليسير ما لم يفته، هكذا قال ابن القصار، ومعناه ما أفات الغرض المقصود؛ فإن كثير وإن كان في الصورة يسيراً؛ كما مثل به من قطع ذنب البغلة ونحوها من مركوب، مما يعلم أنه لا يركب مثل ذلك، ولا فرق بين المركوب والملبوس؛ كقلنسوة القاضي وطيلسانه

стр. 3452

وعمامته، وهذه الرواية المشهورة عن مالك وفي الواضحة: لا يضمن إذا أفسد الأذن بخلاف الذنب. اللخمي: والأول أصوب؛ وشين ذهاب الأذن كثير [٥٨٤/أ] لا يركبها أحد من القاضي والكاتب والشاهد، وعلى هذا فاتفق على الذنب واختلف في الأذن، والواو في قوله: وأذنها بمعنى أو؛ لأن المراد أن قطع الأذن ونحوه مفيتا، وكذلك الذنب على الرواية المشهورة. وقوله: (كَقَطْعِ ذَنَبِ الْبَغْلَةِ .. إلى آخره): يريد إذا كانت البغلة تراد للحمل كان صاحبها القاضي ونحوه أم لا، فقد قال مطرف وابن الماجشون: إذا قطع ذنب بغل أو حمار أو فرس فأراه ضمن جميعه؛ لأنه أبطل الغرض المقصود من مثله؛ وهو ركوب ذوي الهيئات، قالا: بخلاف العين والأذن - يرد العين الواحدة - فقد نصَّ ابن الماجشون في الثمانية في الفرس أنه إن فقأ عينه عليه ما نقصه وإن فقأ عينيه ضمنه. فروع: الأول: اختلف فيمن استحق شيئاً من الرباع والأصول هل عليه يمين أم لا؟ فالذي ذهب إليه مالك وجرى عليه العمل أنه لا يمين عليه، وقال ابن وهب وابن القاسم في العتبية: يحلف أنه ما باع ولا وهب؛ كالحيوان والعروض، واتفقوا على اليمين في غير الأصول. الثاني: إذا تعدى على عبد الغير تعديا فاحشاً وحكمنا بتضمينه القيمة ففي المدونة: يعتق عليه، ورواه ابن كنانة عن مالك، وقال مطرف وابن الماجشون: لا يعتق عليه؛ لأنه إنما مثل بعبد غيره، قالا: وليس للسِّيد أن يختار إمساكه ويأخذ ما نقصه، وقيد بعض القرويين الأول بأن يطلب ذلك سيد العبد وأما إن أبى فله أخذ العبد وما نقصه. ابن يونس: والصواب أن العبد يعتق أحب السيد أم لا؛ لأنه بالجناية عليه لا ينتفع به، فترك السيد قيمته إنما هو من باب الضرر وإخدام العبد المعتق، وقيمته تقوم مقامه.

стр. 3453

الثالث: قال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: ولو تعدى على شاة بأمر قل لبنها، فإن معظم ما تراد له اللبن، ضَمِنَ قيمتها إن شَاءَ ربُّها وإنْ لم تَكن غزيرَةَ اللبن فإنما يضمن ما نقصها، وأما الناقة والبقرة فإنما فيهما نا نقصهما وإن كانتا غزيرتي اللبن؛ لأن فيهما منافع غير ذلك باقية. * * *

стр. 3454

الشُّفْعَةُ: أَخْذُ الشَّرِيكِ حِصَّةً جِبْراً بِشِرَاءٍ عياض وغيره: وهي بتسكين الفاء، قيل: أصل ذلك من الشفع وهو ضد الوتر؛ لأن الشفيع يضم الحصة التي أخذها إلى حصته فتصير حصته حصتين، وقيل: من الزيادة؛ لأنه يزيد مال شريكه إلى ماله، ومنه قوله تعالى: (مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً) [النساء: ٨٥]، قيل: يزيد عملاً صالحاً إلى عمله، وهو قريب من الأول، وقيل: من الشفاعة؛ لأنه يشفع بنصيبه إلى نصيب صاحبه. وقيل: كانوا في الجاهلية إذا باع الرجل حصته أتى المجاور شافعا إلى المشتري ليوليه مشتراه. وحدُّه اصطلاحاً ما ذكر فـ (أَخْذُ) جنس، وأخرج بإضافته إلى (الشَّرِيكِ) الجار فإنه لا شفعة له عندنا وبحصة ما يأخذ منه كاملاً مما لا شركة بينه وبينه فيه، وبالجبر ما يأخذه بالشراء الاختياري، وبالشراء ما يأخذه بالاستحقاق. واعترُض عليه بأن هذا الحد غير مانع لدخول ما يأخذه الشريك من شريكه من الحصص جبراً شراء في العروض وغيرها إذا كانت لا تنقسم ودعا أحدهما صاحبه إلى البيه، فإنه يعرض المشترك بينهما للبيع، فإذا وقف على ثمن فمن شاء منهما أخذه بذلك، وأجيب: بأنا لا نسلم أنه أخذ الآن حصة شريكه خاصة، وإنما أخذ المبيع كله بثمنه غير أنه أسقط عنه حصته. خليل: وأحسن من هذا أن يقال: لا نسلم أنه يأخذه هنا جبراً بل باختيار صاحبه؛ إذ له أن يزيد فوق ما أعْطَى شريكه، بخلاف الشفيع فإنه يأخذ الحصة بثمن المثل من غير زيادة ولا خيرة له بوجه. ولما كانت حقيقة الشفعة ما ذكر استلزم ذلك: مأخوذاً وآخذاً ومأخوذاً منه ومأخوذاً به، فكانت هذه الأربعة هي أركان هذا الباب، وتكلم المصنف عليها أولاً فأولاً:

стр. 3455

الْمَاخُوذُ إِنْ كَانَ عَقَاراً مُنْقَسِماً غَيْرَ مُنَاقَلٍ بِهِ وَلا تَابِعٍ أُخِذَ اتِّفَاقاً يعني: إن كانت في المبيع المشترك هذه الشروط أخذ بالاتفاق. والعقار: الأرض، وقد يطلق عليها وعلى ما يتصل بها من بناء وشجر، واحترز به من الحيوان والعروض، فلا شفعة في ذلك عندنا، وحكى الإسفرايني من الشافعية عن مالك الشفعة في ذلك. عبد الوهاب وغيره: وهذا لا يعرفه أصحاب مالك. عبد الحميد وابن زرقون: ولعله رأى أقوال مالك في الحائط يباع شقص منه وفيه الحيوان والرقيق، أن فيه الشفعة في جميع ذلك فظن أن الشفعة عند مالك في كل شيء، ورأى قوله في الثوب المشترك أو غيره من العروض إذا أراد أحدهما البيع، أن شريكه أحق به بما وقف عليه من الثمن، فظن أن ذلك شفعة. المازري: ورأيت في مختصر ما ليس في المختصر ما يستقرأ منه أقوى مما قاله عبد الحميد؛ وذلك أنه إذا كان حائط بين الشريكين باع أحدهما نصيبه، وفي الحائط رقيق ودواب ليسوا لعمل الحائط، أن الشفعة في جميع ذلك، فأوجب الشفعة في الحيوان وإن لم يحتج إليه الحائط. قوله: (مُنْقَسِماً) أي: قابلاً للقسمة، واستعمل المصنف كما ترى المنقسم في القابل وإن فعل إنما يستعمل في ما حصل لا في القابل، واحترز بذلك مما لا يقبل القسمة إلا بضرر كالحمام ونحوه؛ فإن في ذلك خلافاً كما سيأتي. قوله: (وَلا تَابِعٍ): لا يريد إذا اشترى شقصاً مع سلع فإن هذه الصورة متفق على وجوب الشفعة فيها، وإنما احترز بذلك من الأنقاض في الأرض المحبَّسة أو المعارة كما سيأتي، ولا خلاف بين الأمة في وجوب الشفعة من حيث الجملة، وفي الموطأ مرسلاً:

стр. 3456

«قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم ينقسم بين الشركاء فإذا وقعت الحدود فلا شفعة [٥٨٤/ب] فيه». مالك: وعلى ذلك السنة التي لااختلاف فيها عندنا، وسئل ابن المسيب عن الشفعة هل فيها من سنة؟ فقال: نعم الشفعة في الدور والأرضين، ولا تكون الشفعة إلا بين الشركاء، وقال سليمان بن يسار مثل ذلك، وهذا دليل على أنه لا شفعة في غير العقار؛ لأن ضرب الحدود إنما يكون فيها، وقول ابن المسيب يبين هذا وفيه دليل على أنه لا شفعة لجار؛ لأن الحدود إذا ضربت يبقى جاراً، وقد نص في الحديث على نفي الشفعة في ذلك، قال في الاستذكار: قال جابر ﵁: «إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل ما لم ينقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». أحمد بن حنبل ﵁: وهذا أصح حديث روي فيه، وقال ابن مَعِين: مرْسل مالكٍ أحبُّ إليَّ. وَالشَّجَرُ وَالْبِنَاءُ وَالْبِئرُ وَفَحْلُ النَّخْلِ تَبَعٌ لَهُ أي: (تَبَعٌ) للعقار؛ يعني أن هذه الأشياء وإن لم تكن من جنس الأرض، ولكنها لشدة اتصالها بها كالجزء منها، وأما (الْبِئرُ وَفَحْلُ النَّخْلِ) فلا يحتاج لهما هنا؛ لأن البئر جزء من الأرض، وفحل النخل من الشجر وإنما يختصان بحكم آخر وهو إذا قسمت وبقي الماء ثم يبيع فلا شفعة فيه، وفي العتبية: فيه الشفعة، واختلف هل هو اختلاف قول؟ وإليه ذهب الباجي، أو وفاق؟ وإليه ذهب سحنون وابن لبابة، ثم قال سحنون: معنى المدونة أنها بئر واحدة، ومعنى العتبية أنها آبار كثيرة. وقال ابن لبابة: معنى المدونة أنها بئر لا فناء لها، ومعنى العتبية أنها بئر لها فناء وأرض مشتركة يكون فيها القِلْد.

стр. 3457

وعلى الخلاف فرأى الباجي أن الخلاف مبني على الخلاف في الشفعة في ما لا ينقسم، قال في البيان والمقدمات: وكان من أدركنا من الشيوخ يحملون ذلك على الخلاف، ويرون الاختلاف في ذلك جار على اختلاف قول مالك فيما هو متعلق بالأرض ومتصل بها كالنقص والنخل، وهذا بين، والله أعلم. وَفِي تَبَعِيَّةِ حَجَرِ الرَّحَاءِ: قَوْلانِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَحَجَرٍ مُلْقًى، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ: لا شُفْعَةَ فِيهِ .... أي: (وَفِي تَبَعِيَّةِ حَجَرِ الرَّحَاءِ) للأرض، والقولان لمالك، ورواية ابن القاسم عنه في المدونة وهي التي قال بها ابن القاسم، وبقول أشهب قال عبد الملك وابن وهب وابن سحنون. (وَقَالَ أَشْهَبُ: لَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ: لا شُفْعَةَ فِيهِ) وهي عندنا في البنيان أثبت من الأبواب التي إذا شاء قلعها بغير هدم والشفعة تكون في حَديدِ الحائط ورقِيقِهِ، فكيف لا تكون في الرحى، قال في الموازية: وإن باع أحدهما مصابته فلشريكه الشفعة، وإن شاء فسخ بيعه إلا أن يدعوه البائع إلى المقاسمة فلا يفسخ حتى يقاسمه، فإن صار موضع الرحى للبائع جاز بيعه، وإن صار لشريكه انتقض بيعه أما لو نصبوا الرحى في غير أرضهم فلا شفعة فيها اتفاقاً. ابن راشد: وكذلك لا خلاف في الرحى إذا لم تكن مبنية أنه لا شفعة فيها، وعلى ما في المدونة ففيها: إذا بيعت معها الأرض أو البناء الذي نصبت فيه ففيها الشفعة دون الرحى بحصة ذلك، وسواء في ذلك رحى الماء والدواب، وأشار الباجي إلى أن الآلة كالرحى على القولين، واختلف الشيوخ في كلامه في المدونة فحمله التونسي وغيره: أنه لا شفعة في العليا والسفلى.

стр. 3458

عياض: وهو ظاهر كلامه، وهو تأويل أكثر الشيوخ، ويحتج لهذا الفهم بتشبيهها بالحجر الملقى، ورأى ابن وهب ذلك صريحاً. وقال بعض القرويين: إنما نفى في المدونة الشفعة في العليا وأما السفلى ففيها الشفعة وهي من البناء كقدور الحمام. ابن رشد في أكرية الدور: وهي تفرقة لا معنى لها؛ إذ لا ينتفع بأحد الحجرين دون الآخر. عياض: وأما الدار إذا بيعت وفيها مطاحن فاتفقوا أنها إن كانت غير مبنية أنها للبائع، وإن كانت مبنية فالسفلى للمشتري، واختلف في العليا، وهذا يرد من جعلها كحجر ملقى، قال بعض الشيوخ: والخلاف مبني على الخلاف في الشفعة في ما لا ينقسم إلا بفساده كالحمام والأندر، وقد اختلف قول ابن القاسم في المدونة في هذا، وعلى هذا يختلف فيها وإن بيعت بأرضِها ومناصبها لأنها لا تنقسم كما روي عنه في العتبية في مناصب الرّحى، وهذا خلاف المدونة فإنه نص فيها على وجوب الشفعة في بيتها وأرضها، وكذلك قالوا: إنه يختلف في ما إذا بيع حجرها وهو مبني. وقال صاحب المقدمات: إنما الخلاف إذا بيعت الرّحى مع غيرها وأمَّا إذا بِيعَت منفردة عن الأرض فلا شفعة فيها باتفاق، وخرج اللخمي وغيره على القول بنفي الشفعة في الرّحى قولاً بنفي الشفعة في رقيق الحائط ونحوه. وَالثَّمَرُ تَبَعٌ لِلشَّجَرِ مَا لَمْ يَسْتَغْنِ بِخِلافِ الزَّرْعِ يعني: أن من اشترى نخلاً ثم قام الشفيع فإنه يأخذ النخل بثمرها وتكون الثمرة تابعة، ولم يفرق المصنف بين أن تكون الثمرة فيها حالة الشراء أو حدثت عنده، وفرض ابن عبد السلام المسألة على ما إذا لم تكن فيها في وقت الشراء ثمرة وليس بظاهر فإن هذه المسألة إما أن لا يكون فيها ثمرة أو ثمرة مأبورة أو مزهية، فإن لم تكن فيها ثمرة وقام الشفيع قبل الإبان فللشفيع الثمرة مع الأصل.

стр. 3459

الباجي: باتِّفاق، وإن قام بعد الإبان فله أخذ الثمرة مع الأصل عند ابن القاسم، وقال أشهب: إن اشتراها مأبورة أو غير مأبورة ثم أبَّرها المبتاع فإنما يأخذ الشفيع الأصل فقط؛ لأن [٥٨٥/أ] الثمرة تبع ومأبورة الثمرة للبائع، وأما إن كانت الثمرة يوم الشراء مأبورة أو مزهية فمذهب ابن القاسم أن فيها الشفعة ما لم تيبس أو تجذ، قيل: وليس في الأمهات ما لم تيبس، وقال فيها: فيما إذا بيعت الثمرة مفردة أن فيها الشفعة ما لم تيبس، وتأول بعضهم أن مذهبه فيها الفرق بين أن تباع مع الأصل ففيها الشفعة ما لم تجذ، وبين أن تباع مفردة ففيها الشفعة ما لم تيبس، والفرق قوة الشفعة في الأول؛ لأنها ثابتة بالإجماع، وقال مرة: هو اختلاف من قوله في الوجهين، وتأولها بعضهم على أن فيها ثلاثة أقوال: مالم تجذ، وما لم تيبس، والفرق، والذي تأوله عبد الحق وغيره أن مذهب المدونة ما لم تيبس مطلقاً، وعن مالك يأخذها الشفيع إذا كانت غير مأبورة يوم الشراء، وإن جذت أو يبست، وقال أشهب: إذا كانت مزهية فللشفيع أخذ الأصول دون الثمرة وهو مبني على أن الثمرة لا شفعة فيها. الباجي: واختلف المذهب في ما إذا بيعت مزهية هل تفوت الثمرة أم لا؟ وترد المكيلة أو الثمرة أو القيمة على قولين وعلى الفوات، فقال مالك مرة: تفوت بالجذاذ أو اليبس، وقال مرة: لا تفوت إلا بأن تجذ ولا يعرف كيها أو تجذ قبل طيبها، وإذا فات فالمشهور أنه يحط عن الشفيع، واتفق أنه لا يوضع لها شيء إذا لم تؤبر حصة الثمرة المزهية والمأبورة، وقال ابن الماجشون: لا يحط عنه من الثمرة شيء، وفي نظر. قوله: (بِخِلافِ الزَّرْعِ) أي: فلا يكون تبعاً للأرض، وهذا هو المشهور أنه لا شفعة فيه سواء بيع منفرداً أو مع الأصل. فرع: قال الباجي: وإن اشترى أرضاً مزروعة بزرعها وجاء الشفيع قبل ان ينبت أخذها بزرعها، فإن نبت أخذ الأرض دون الزرع، فإن أخذ الشفيع الأرض بزرعها؛ لأنه لم

стр. 3460

ينبت فليأخذها بالثمن وبقيمة الزرع على الرجاء والخوف. وقال في الموازية: ولو قال قائل: يأخذها بالثمن وبما أنفق لم أُعبه، وهو أقيس واستحسن الأول، وقال محمد: يأخذها بالثمن وبقيمة ما أنفق من البذر والعلاج، وقال ابن القاسم: يأخذ الأرض والزرع بالثمن والنفقة، كمن اشترى نخلاً لم يؤبَّر فأخذه الشفيع بعد الإبار، وأما من اشترى أرضاً فزرعها فجاء الشفيع قبل أن ينبت الزرع فعلى مذهب ابن القاسم لا شفعةَ في الزَّرع جملة وعلى مذهب أشهب الشفعة في الأرض والزرع. ويحتمل قول ابن القاسم وجهين: أحدهما أنه يأخذ بالشفعة في الأرض، وإن لم ينبت الزرع على قول من أجرى الشفعة مجرى الاستحقاق. والثاني: ليس له أن يأخذ الأرض بالشفعة حتى ينبت على قول من أجراها مجرى البيع فإذا جاء الشفيع وقد نبت الزرع فلا شفعة في الزرع عند ابن القاسم، وقال في الموازية: له الشفعة إذا قام والزرع أخضر في الأرض والزرع جميعاً بل ليس له إلا ذلك، وقال أيضاً في موضع آخر له: الشفعة في الأرض دون الزرع وأنكر سحنون قول أشهب في الزرع وقال بقول ابن القاسم. وفي المقدمات: إذا طرأ الشفيع على الرجل في أرضه المبذورة قبل أن يطلع البذر مثل أن تكون الأرض بين الشريكين يبيع أحدهما نصيبه منها فيريد الشريك الأخذ بالشفعة وهي مبذورة قبل طلوع البذر فثلاثة أحوال: إمَّا أن يكون البذر للمشتري أو للبائع أو لأجنبي كمكتري الأرض ونحوه، فإن كان المشتري هو الباذر فيأخذها الشفيع، ويبقى البذر للمشتري على مذهب من يحمل الشفعة محمل البيع؛ إذ لا يصح للرجل أن يبيع أرضه وهي مبذورة، ويستثني بذره، وقيل: إنه يأخذه مع الأرض بقيمة البذر والعمل، وقيل: بقيمته على الرجاء والخوف بمنزلة العلاج في الثمرة وإن كان الباذر هو البائع

стр. 3461

فيأخذها الشفيع مبذورة بجميع الثمن على القول الذي يرى في الزرع الشفعة، وعلى القول بنفي الشفعة فيه يأخذها بما ينوبها من الثمن بجميع الثمن على القول أن الشفعة كالاستحقاق، وعلى أنها كالبيع: فلا يأخذها حتى يبدو الزرع، وإن كان الباذر غيرهما فيأخذ الأرض بالشفعة دون البذر بجميع الثمن من غير إشكال، قال: وكذلك إن طرأ على الأرض والبذر قد نبت لا يخلو من الثلاثة الأحوال غير أن الوجهين يتسوي الحكم فيهما، وهو أن يكون البذر للمبتاع أو للأجنبي فيأخذ فيها الشفيع الأرض دون الزرع بما ينوبها من الثمن على القول الذي لا يبرأ الشفعة في الزرع، قال: وأما إن طرأ الشفيع بعد أن يبس الزرع فلا شفعة فيه ويأخذ الأرض بجميع الثمن، انتهى. ونص في البيان على أن المشهور من المذهب أن الشفعة تجري مجرى البيع لا الاستحقاق. وَفِي قِيمَةِ سَقْيِهَا وَإِصْلاحِهَا قَوْلانِ مذهب المدونة أنه يرجع بقيمة ما سقى وعالج. ابن المواز: ولو زاد على قيمة الثمرة، وقال أشهب: يأخذ الثمرة بقيمتها على الرجاء والخوف، ولو قال قائل: له قيمة ما أنفق لم أر به بأساً. قال عبد الملك وسحنون: ليس على الشفيع إلا الثمن؛ لن المنفق أنفق على مال نفسه فلا يرجع إلا بما له عين قائمة. وَفِي الثِّمَارِ، وَالْكِتَابَةِ، وَإِجَارَةِ الأَرْضِ لِلزَّرْعِ قَوْلانِ يعني: اختلف في قبوت الشفعة إذا بيعت الثمار مفردة، والقول بالشفعة لمالك وابن القاسم وأشهب ومعظم الأصحاب. مالك: وهو شيء استحسنته ولا أعلم أحداً قال به قبلي. [٥٨٥/ب]

стр. 3462

أشهب: لأنها تنقسم بالحدود كالأرض، والقول بنفي الشفعة فيها لابن الماجشون قال: لا شفعة ولو بيعت مع أصولها، ولأشهب قول ثالث: إن بيعت مع الأصول ففيها الشفعة لا إن بيعت مفردة، واختلف إذا بيعت مفردة فلمالك في المجموعة أن الشفعة فيها مالم تزايد الأصل، ولابن القاسم في المدونة: ما لم تيبس، كما تقدم قول ابن القاسم في العتبية: والمقاثي كالثمار، وكذلك الباذنجان والقطن والقرع، ولا شفعة في البقول. الباجي: يريد أن كلَّ ما له أصل تجنى ثمرته مع بقائه ففيه الشفعة. قال في البيان: ويتخرج في البقول الشفعة من القول بوجوبها في الثمرة ما لم تجذ. فائدة: لم يقل مالك بالاستحسان إلا في أربع مسائل: الأولى: هذه، والثانية: وجوب الشفعة من الأنقاض في الأرض المحبسة ونحوها. الثالثة: القصاص بالشاهد واليمين الرابعة: في كل أنملة من الإبهام خمس من الإبل. وقوله: (وَالْكِتَابَةِ) ليست هذه المسألة من معنى الشفعة؛ إذ ليس المراد أن أحد الشريكين يدخل على الأجر، وإنما المراد أن السيد إذا باع كتابته هل يكون المكاتب أحق بذلك أم لا. ابن راشد: والكتابة من ناحية الدَّين، والدين إذا بيع اختلف هل يكون من عليه هو أحق به أم لا؟ وظاهر المدونة أنه لا يكون أحق به، وعن مالك أراه حسناً، وما أرى أن يقضى به، وقال أشهب: يقضى به. أشهب: وكذلك الكتابة، وقيِّد في سماع أشهب كون المكاتب أحق بكتابته بما إذا بيعت كلها؛ لأنه يعتق، قال: فأما ما لا يعتق به فلا يكون أحق به؛ لأنه لا يرجع إلى حرية، وليس هذا

стр. 3463

حقيقة الشفعة، ومن هذا المعنى ما في الموازية والعتبية في من له امرأة ثلثها حر وباقيها رق، وولادها منه كذلك، فأراد المولى بيعها فطلب الزوج أخذها، فذلك له؛ لأنَّ فيه منفعة الابن فليُباعا عليه، وذكر ابن حبيب عن مالك في أمة تحت حر له منها أولاد وفي حامل فبيعت مع أولادها، أنَّ الزوج أحقُّ بهم إن شاء ذلك ما بلغوا وقاله أصبغ، ومثل هذا في العتبية. ابن راشد: ولو لم يكن له منها ولد لكان المشتري أولى، والحامل مثل ذات الولد، وروى عبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز أن رسول الله ﷺ : «قضى بالشفعة في الدين: وهو الرجل يكون له الدين على الرجل فيبيعه فيكون صاحب الدين أحق به»، زاد في طريق آخر: «وإذا أدى مثل الذي أدى صاحبه». قوله: (وَإِجَارَةِ الأَرْضِ لِلزَّرْعِ) لا يريد خصوصية هذه المسألة بل كل كراء والقولان لمالك، ومذهب ابن القاسم في المدونة سقوطها، وهو قول عبد الملك والمغيرة، وبوجوبها قال مطرف وأشهب وأصبغ. واختف أيضاً في المساقاة كالكراء والأقرب سقوطها في هذا الفرع؛ لأن الضرر فيها لا يساوي الضرر في العقار الذي وجبت الشفعة فيه. وَفِي الْبِنَاءِ الْقَائِمِ فِي أَرْضِ الْحَبْسِ وَالْعَارِيَةِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ - قَوْلانِ، ويُقَدَّمُ الْمُعِيرُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ النَّقْضِ أَوِ الثَّمَنِ، فَإِنْ أَبَى فَلِلشَّرِيكِ بِالثَّمَنِ يعني: أن البناء إذا كان بين شريكين مشاعاً ولا ملك لهما في العرصة كما كانت محبسة أو معارة فباع أحدهما، فهل للآخر الشفعة أم لا؟ قولان: المشهور وجوب الشفعة؛ وهي إحدى مسائل الاستحسان كما تقدم، وقال ابن المواز: لا شفعة في ذلك. واعلم أنه اختلف أولاً، هل يجوز هذا البيع وهو المشهور أو لا؟ وهو الذي رواه أشهب، وقاله سحنون؛ لأن المعير يقدم عليه، وله أن يبقيه ويعطي قيمة نقضه، أو يأمر

стр. 3464

بقلع بنائه، فلم يدر المبتاع ما اشترى نقضا أو ذهبا أو ورقا، وإلى هذا الخلاف أشار بقوله له: على جواز بيعه. وعلى الجواز فقال المصنف: يقدم المعير إلى آخره، وهو كقوله في المدونة: وإذا بنى رجلان في عرصة رجل بإذنه ثم باع أحدهما نصيبه من النقض فلربِّ الأرض أخذ ذلك النقض بالأقل من قيمة النقض أو الثمن الذي باعه به، فإن أبى فلشريكه الشفعة بالضرر، والضرر أصل الشفعة، وقد علمت أن قول المصنف بالأقل من قيمة النقض أو الثمن، وهو مذهب المدونة، وزاد عياض وغيره قولين: أحدهما أنه يأخذه بقيمته مقلوعاً فقط. والثاني أنه يأخذه بالثمن فقط؛ ثم اختلف فقيل: يأخذه من المبتاع، وقيل من البائع بالأقل من قيمته أو الثمن، ويفسخ البيع بينه وبين المبتاع، فيرجع على البائع بما دفع له. عياض: وجميع هذه الأقوال متألوة للشيوخ على المدونة. أبو الحسن: وظاهر المدونة أنَّه لا يكون على المعير إلا قيمة النقض سواء مضى زمان تعار تلك الأرض في مثله أم لا، لكن قيدها أبو عمران بما إذا مضى زمان تعار فيه، وإلا فله قيمة بنائه قائماً. أبو عمران: وهكذا وقع لسحنون. أبو الحسن: وهو مشكل؛ لأنه وإن لم يمض أمد ما يُعار إلى مثله، فقد سقط حقه في بقية المدة إذا أراد الخروج فكان مثل ما إذا مضى أمد ما يعار إلى مثله، وهذا كله في العاريِّة المطلقة، وأما المقيدة بزمان ولم ينقض، فقال ابن رشد: إن باع قبل انقضاء أمد العارية على البقاء، فللشريك الشفعة، ولا مقال لرب الأرض ولو باعه على النقض قُدِّم رب الأرض كما تقدم.

стр. 3465

خليل: وينبغي أن يتفق في الأحكام التي عندنا بمصر أن تجب الشفعة في البناء القائم فيه؛ لأن العادة عندنا أن [٥٨٦/أ] رب الأرض لا يخرج صاحب البناء أصلاً، فكان ذلك بمنزلة مالك الأرض، وقاله شيخنا رحمه الله تعالى. وَفِي غَيْرِ الْمُنْقَسِمِ كَالْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ قَوْلانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لِضَرَرِ الشَّركَةِ أَوْ لِضَرَرِ الْقِسْمَةِ .... يعني: وفي الشفعة فيما لا يقبل القسمة إلا بضرر (قَوْلانِ) وهما لمالك. ابن عبد السلام: وفي المدونة ما يدل على كل واحد منهما، انتهى. وبعدم الشفعة قال ابن القاسم ومطرّف وابن الماجشون واصبغ. صاحب الوجيز: وعدم الشفعة هو المشهور. صاحب المعين: وبه القضاء وأفتى فقهاء قرطبة به لما جمعهم القاضي منذر بن سعيد؛ إذ كان به القضاء عندهم، فرفع الشفيع أمره إلى أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد وقال: حكم علي بغير قول مالك، فوقع بخط يده إلى القاضي أن يحمله على قول مالك، ويقضي له به، فجمع القاضي منذر بن سعيد الفقهاء، وشاورهم فقالوا: مالك يرى في الحمَّام الشفعة، فقضى منذر بذلك وحكم له بها، وقال ابن حارث: وأخبرني من أثق به أنه جرى العمل عند الشيوخ بقرطبة بإيجاب الشفعة. وقوله: (كَالْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ): أي من الأبرجة والآبار والعيون والشجرة الواحدة وشبه ذلك ومنشأهما ما أشار إليه المصنف وهو أن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر، وهل ذلك لدفع ضرر الشركة؟ فتجب الشفعة في ذلك حتى لا يضر بالشريك الداخل، أو إنما ذلك لدفع ضرر القسمة؛ لأن أخذ الشركاء له به طلب الباقين بالقسمة، فإذا اشترى أجنبي من أحدهم خشي الباقون أن يدعوهم المشتري إلى القسمة، وقد يكون

стр. 3466

ذلك مضرّاً بهم؛ لأن كل واحد يحتاج إلى استحداث مرافق في نصيبه غالباً فشرعت الشفعة لرفع هذا الضرر، وعلى هذا فلا شفعة فيما لا ينقسم، لعدم حصول هذا الضرر فيه، والأول أظهر للاتفاق على وجوب الشفعة في ما ينقسم من حيث الجملة إلا أنه لا يمكن فيه القسم لكثرة الشركاء، وتنازعا في قوله ﵇: «الشفعة فيما لا ينقسم» هل المعنى عام فيما يقبل القسمة وما لم يقبلها؟ أو هو مقصور على ما يقبلها؛ لأن نفي الصفة عن الذات يستدعي قبولها، ولهذا لا يقال: الأعمى لا يبصر، ومن منع ذلك استدل بقوله تعالى (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ) [البقرة: ٢٥٥]. وفِي الْمُنَاقَل بِهِ - وَهو أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ بِحِصَّةٍ أَوْ دَارٍ وزِيَادَةٍ - ثَالِثُهَا: إِنْ عُلِمَ الْقَصْدُ للسُّكنَى فَلا شُفْعَةَ، ورَابِعُهَا: إِنْ نَاقَلَ بِحِصَّتِهِ حِصَّةً لِبَعْضِ شُرَكَائِهِ فَلا شُفْعَةَ .... لم يختلف في وجوب الشفعة إذا بيع الشِّقص بعين أو عرَض، واختلف إذا بيع بحصة أخرى أو دارٍ كاملة لأجنبي أو بعض شركائه، فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وجوب الشفعة في ذلك. ابن القاسم في العتبية: وهو الشأن قال في البيان: وهو الصحيح؛ لأنه بيع فكان كغيره، والقول بعدم الشفعة مطلقاً لم أره، ولعلَّ صاحبه رأى أن المناقلة من باب المعروف. والقول الثالث: هو الذي كان مالك يقول: إنه إن أراد بالمناقلة السُّكنى ولم يرد البيع لا شفعة في ذلك وقاله ربيعة. والقول الرابع عده المصنف خلافاً، وهو أمر يحتمل؛ لأن الذي نقله العتبي وتبعه اللخمي وابن رشد وغيرهما أن مطرف وابن الماجشون قالا: إن المناقلة التي قال مالك:

стр. 3467

لا شفعة فيها إنما هي إذا باع الرجل شقصه من شريكه بشقص له فيه شرك فيكون كل واحد إنما أراد التوسع في حصته بما صار إليه، فأنت ترى أنهما إنما ذكرا ذلك على وجه التقييد لكن يحتمل ألا يكون مالك قصد ذلك فيكون خلافاً، ولعل ما نقلاه من قول مالك بنفي الشفعة هو القول الثاني من كلام المصنف. المتيطي: وبرواية مطرف القضاء، وكان ابن القاسم يقول: إنَّ مالكاً رجع عنه وهذا يدل على أن رواية مطرف خلاف في الوجهين، وفي المناقلة الشفعة سواء كانت بين الشركاء أو الأجانب، وقيل: ثابتة بين الأجانب ساقطة بين الشركاء، وهو المشهور، والله أعلم. وَلا شُفْعَةَ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ حَيَوَانٍ وعَرُوضٍ، وَمَمَرٍّ، وَمَسِيلِ مَاءٍ تصوره ظاهر، وحكى بعض الحنفية عن مالك وجوب الشفعة في السفن؛ لأنها تبشه الربع. ابن عبد السلام: وهو لا يصح، نعم تجب الشفعة عند أهل المذهب في رقيق الحائط ودوابِّه على أن بعض الشيوخ خرَّج في ذلك خلافاً من الخلاف في حجر الرحى. ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يخرج في الممر والمسيل الخلاف في النخلة الواحدة وشبهها. فرعان: الأول: لا شفعة لذي علو على سفل ولا بالعكس. الثاني: اختلف في الجدار المشترك بين الدارين، ففي المدونة: فيه الشفعة. ابن شبلون: معناه إذا بيع مع شيء من الدار لا أن يبيع وحده. اللخمي: وعلى أصل أشهب لا شفعة؛ لأنه منع أن يقسم وإن حمل القسم، وقال: يبقى مرتفقا لهما يحمل كل واحد منهما خشبة عليه.

стр. 3468

المتيطي: وإذا قلنا بالشفعة فيه فإن الشفعة تكون فيه بحصته من الثمن بعد التقويم، قاله غير واحد من الموثقين، قال: إنْ كان الحائط لبائع الدارِ والجار حمل خشبة عليه فالشفعة له بذلك، وحمل غير ابن شبلون المدونة على ظاهرها من وجوب الشفعة في الجدار وإن بيع مفرداً وهو الظاهر، وقال ابن نافع: لا شفعة في الجدار. وتَسْقُطُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْمُقَاسَمَةِ وَالسُّكُوتِ وَهُوَ يَبْنِي وَيَهْدِمُ وَيَغْرِسُ .... (صَرِيحِ اللَّفْظِ) كما لو قال: أسقطت شفعتي أو: لا آخذ بها ونحو ذلك، قال في البيان: وإن سلم الشفيع بعد البيع فلا مقال له علم الثمن [٥٨٦/ب] أو جهله. ابن يونس: إلا أن يأتي من ذلك ما لا يكون ثمناً لقلته فلا يلزمه تسليمه. قوله: (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) ظاهر التصور، وصرح بعض الشيوخ بنفي الخلاف من المقاسمة، أعني مقاسمة الشفيع للمشتري وأما مقاسمة الشفيع لغيره ففي المدونة عن مالك: من اشترى شقصا من دار وله شفيع غائب فقاسم الشريك ثم جاء الشفيع فله نقض القسم وأخذه؛ إذ لو باعه المشتري كان للشريك رد بيعه، وقاله ابن القاسم وأشهب، وفي الموازية مثل ذلك وإن كانت المقاسمة من السلطان. أشهب: وإنه ليأخذ بالغالب أن ليس له رد القسم؛ لأنهم قاسموا من يجوز قسمه، وقال سحنون: يمضي القسم وللشفيع أخذ ما وقع للمبتاع في القسمة بالشفعة، ومنع بعض الشيوخ من مقاسمة المشتري إذا كان الشريك غائباً؛ لدخول المشتري على أن للغائب حقا في الشفعة فكيف يقاسم؟ وأشار بعض الشيوخ إلى أن المذهب اختلف في دلالة الهدم والبناء والغرس على إسقاط الشفعة.

стр. 3469

فرع: وإن سلم على صفة ثم تبين خلافها فله الأخذ، ففي المدونة: وإذا أخبر الشفيع بالثمن فسلم ثم ظهر أن الثمن أقل فله الأخذ ويحلف لاحتمال أنه سلم كراهية في الأخذ، وقال أشهب: لا يمين عليه لظهور سبب تسليمها، وفيها: إذا قال له: وقد ابتاع فلان نصف نصيب شريكك ثم قال له: قد ابتاع الجميع فله الأخذ، ابن يونس: لأنه يقول: لم يكن لي غرض في أخذ النصف لبقاء الشركة، فلما علمت أنه أخذ الكل، أخذت لارتفاع الشركة، وقال أشهب وابن المواز: يلزم إسلام جميع النصف، وإنّما له أن يأخذ النصف الآخر، وفي المدونة: إن قيل له: قد اشترى فلان فسلم ثم ظهر أنه قد ابتاعه مع آخر فله القيام وأخذ حصتهما؛ لأنه يقول: إنما رضيت بشركة هذا، وقال أشهب: يلزمه التسليم للذي أسلم له، ويأخذ حصة الآخر إن شاء ثم تكون الحصة التي أسلمها أولا بين المشترين؛ لأنهما اشتركا في اشترائهما دفعة واحدة وإن رضيا بالتمسك بما سلم وإن شاء ألزماه أخذ ما سلم أو يسلم لهما جميعاً الشراء. وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهَا، ومُسَاوَمَتُهَا، ومُسَاقَاتُهَا، واسْتِئْجَارُهَا خِلافاً لأَشْهِبِ لما ذكر ما يدل على إسقاط الشفعة باتفاق، أتبعه بما هو مختلف فيه، وكلامه يدل على أن أشهب يخالف في الجميع، وكذلك قال ابن شاس، وقال ابن عبد السلام: لا يتصور الخلاف في الشراء؛ لأنه إذا اشترى منه فإن شفع بالصفقة الأولى، فذلك يستلزم فسخ الثانية مع إبطال الصفقة الأولى، ودليل الرضا بها موجود، وإن شفع بالصفقة الثانية فقد أبطلها، ولا فائدة في الانتقال من الشراء الثاني إلى الشفعة بثمنه. خليل: وانظر لو اشترى الشفيع الحصَّة جاهلاً بحكم الشفعة هل يعذر بذلك أم لا؟ ومذهب المدونة أن شفعته تسقط بالكراء والمساقاة والمساومة؛ لأنه ملك أخذه بغير كراء ولا مُساومة ولا مساقاة، وحكى ابن المواز عن أشهب ما حكاه المصنف عنه وهو ظاهر

стр. 3470

في المساومة؛ لأن من حجة الشفيع أن يقول: إنما ساومته رجاء أن يبيعني بأقل وإلا فلي أن أرجع إلى الشفعة وإلى هذا أشار اللخمي، قال: ويحلف ثم يأخذ بالشفعة. وقيد اللخمي هذا الخلاف بما إذا كان الكراء والمساقاة ينقضي أمدهما قبل السنة من يوم العقد، وأما إن كان لا ينقضي إلا بعدهما فلا شفعة بالاتفاق وهذا إذا انعقد الكراء مع الشفيع، فإن انعقد بين المشتري وغير الشفيع، فاختلف الأندلسيون هل للشفيع أن ينقض العقد أو لا؟ وهو الذي تدل عليه المدونة عندهم، أو يفرق بين الأجل القريب والبعيد، وعلى تقدير ألا ينقضي فالكراء للمشتري، ويؤخذ من إسقاطه في المدونة الشفعة بالكراء أن الشفيع إذا قاسم المبتاع الأرض للحرث أنه تسقط الشفعة؛ لأن كل واحد أكرى نصيبه من صاحبه، وقاله ابن عبد الغفور ولو قاسمه الغلة، فقال ابن القاسم: لا تسقط وقال أشهب: تسقط كما لو قاسمه بالخرص فيما يخرص للحاجة وأما إن جذت الثمرة فاقتسماها بالكيل فلا يقطع ذلك شفعته. وفِي بَيْعِ الْحِصَّةِ الْمُسْتَشْفَعِ بِهَا قَوْلانِ يعني: إذا وجبت الشفعة للشفيع فهل من شرط ذلك بقاء حصته بيده حين الأخذ وهو مراده بقوله: (الْمُسْتَشْفَعِ بِهَا) أو لا وله الأخذ وإن باع حصته (قَوْلانِ) وهما لمالك، واختار أشهب وغير واحد القول بسقوط الشفعة؛ لأنها إنما وجبت للضرر. ابن عبد السلام: وظاهر قول ابن القاسم التفرقة بين أن يبيعه غير عالم فالشفعة له وبين أن يبيعه عالما فلا شفعة له، وفي البيان: ظاهر ما في المدونة أنه لا شفعة له إذا باع نصيبه، وإن باع غير عالم؛ لأنه قال في من باع شقصاً بخيَار ثم باع صاحبه بتلا أنَّ الشفعة لمشتري الخيار على مشتري البتل، ونسب التفرقة بين أن يعلم أو لا لابن القاسم في سماع عيسى، قال: وعلى الإسقاط فإن باع حين حطه فله الشفعة بقدر ما بقي من حظه، ووقع اختلاف
следующие страницы →