Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
مسألة العتبية على ما إذا قصد حفظ زرعه، لا إتلاف الماشية، وإن قصد إتلافها فإنه يضمن كالسارق، واختلف المذهب في الكلب العقور والدابة الضوال ومن له حائط مائل، ففي البيان أربعة أقوال؛ الأول: مذهب المدونة أنه يضمن بالتقدم إلهي وإن لم يكن سلطان، وفي سماع عبد الملك أنه لا يضمن إلا أن يتقدم إليه في ذلك السلطان. وقال أشهب: يضمن وإن لم يتقدم إليه ولا أشهد عليه. وقيل: لا يضمن بحال وإن تقدم، نقله أيضاً عن أشهب: يضمن وإن لم يتقدم إليه ولا أِهد عليه. وقيل: لا يضمن بحال وإن تقدم، نقله أيضاً عن أشهب، قال: وهذا إنما هو إذا اتخذه حيث يجوز له، وأما إن اتخذه في موضوع لا يجوز له، فلا خلاف أنه ضامن.
وَلَوْ فَعَل ذَلِكَ لا لِقَصْدِ إِهْلاكٍ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يَجُوزُ لَهُ ضَمِنَ الدِّيَةَ أَوِ الْقِيمَةَ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَجُوزُُ لَهُ؛ فَإِنْ قَصَدَ ضَرَراً وَلَوْ لِسَارِقٍ ضَمِنَهُ وَغَيْرَهُ، وِإلا فَلا ...
يعني: وأما لو فعل ما تقدم من حفر البئر ونحوها لا لقصد إهلاك، كأن كان في موضع لايجوز له، وتصور كلامه ظاهر، إلا أن قوله: (فَإِنْ قَصَدَ ضَرَراً) كالمخالف لفرض المسألة؛ إذ فرضها أنه لم يقصد إهلاكاً، والجواب: المراد بالضرر ما دون الإهلاك، والله أعلم.
وَكَالإِكْرَاهِ، وَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ الْمَسْمُومِ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَرَحَ عَلَيْهِ حَيَّةٌ يَعْرِفُ أَنَّهَا قَاتِلَةٌ، وَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ ...
هو معطوف على قوله: (كَحَفْرٍ) أي: ومعناه أنه يجب القصاص على المكره لتسببه، ولذلك يقتص أيضا ًمن المكره لمباشرته، وسيصرح المصنف بذلك، وكذلك أيضاً يقتل مقدم الطعام المسموم إذا علم بذلك.
ابن عبد السلام: وقد اختلف الطرق هل قتل النبي ﷺ اليهودية التي سممت له الشاة؟ ففي الصحيح من حديث أنس ﵁: أن امرأة يهودية أتت
стр. 4167
رسول الله ﷺ بشاة فأكل منها، فجيء بها إليه ﵊، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، فقال: "مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَي ذَلِكَ". فقال عِليٌّ: أَلاَ نَقْتُلُهَا؟ قال: "لا". فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ . وذكر أبو داود من حديث أبي سلمة أنه ﵊ أمر باليهودية فقتلت، وبشر ابن البراء كان من أكل من تلك الشاة فمات (وَكَذَلِكَ لَوْ طَرَحَ عَلَيْهِ حَيَّةٌ يَعْرِفُ أَنَّهَا قَاتِلَةٌ) أي: فيقتص منه بذلك.
خليل: ولو قال بالقصاص في الحية، وإن لم يعرف أنها قاتلة ما بعُد.
وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ بالسُّمِّ قُتِلَ
وفي بعض النسخ (بهِ) فيعود على الإقرار؛ لأنه لا يقتص بالسم، وإذا أقر أنه قتله بالسم فنه يقتل، ولا يفيده رجوع لتعلق حق الآدمي، بخلاف ما لو أقر بالسم فقط، فإنه يقبل رجوعه إذا تاب، كما لو أقر شخص بالزندقة وادعى التوبة على أصح القولين.
وَفِيمَنْ أَشَارَ بالسَّيْفِ فَهَربَ فَطَلَبهُ حَتَّى مَاتَ وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ أَرْبَعَةٌ: الْقِصَاصُ، وَالدِّيَةُ، وَالْقَسَامَةُ، وَإِلْحَاقُهُ بشِبْهِ الْعَمْدِ، فَلَوْ أَشَارَ بالسَّيْفِ فَمَاتَ مِنْهُ فَخَطَأ ...
يعني: أن فيمن أشار على أحد بسيف فهرب منه فتبعه حتى مات وبينهما عداوة أربعة أقوال، ولم يذكر المصنف في فرض المسألة أنه سقط، والقول بالقصاص لابن المواز، ونصه: إن تمادى بالإشارة وهو يفر منه وطلبه حتى مات فعليه القصاص، قال: وإن مات مكانه من أول إشارة فالدية على عاقلته، والقول بالدية لابن ميسر، قال: لا قصاص في هذا، واستحسنه طائفة من القرويين، وقالوا: لا قصاص في هذا الأصل؛ يعني: المشير بالسيف، والجاري خلفه، قالوا: إذ لا يدري هل مات من شدة الخوف أو من شدة الجري أو بمجموعهما، قال: ولا يمكن إثبات القصاص إلا على نفي شبه العمد، وظاهر قول
стр. 4168
المصنف: (الدِّيَةُ) أنها دية الخطأ، ورأى اللخمي فيه الدية المغلظة، قال: لأن أمره مشكل، والقول بالقصاص بقسامة؛ أي: يقسِمون لمات خوفاً منه لابن القاسم، وذكر ابن القاسم أنه سقط ومات.
ابن القاسم: ولو أشار عليه بالسيف سقط فمات وبينهما عداوة، هذا من الخطأ. وقال ابن الماجشون فيمن طلب رجلاً بالسيف فعثر المطلوب فمات، فعليه القصاص، [٦٩٦/ب] قاله المغيرة وأصبغ وابن حبيب ولم يذكروا قسامة، وروي عن ابن القاسم أيضاً، ولم يجعل الباجي قول ابن القاسم خلافاً لقول محمد: لم يوجد شيء من فعله يحمل عليه، ورأى في الرابع التسبب والعداوة، لكن لم يتمحض عنده السبب، فألحقه بشبه المد، وعلى قول الباجي فالمسائل ثلاث: الإشارة وحدها، والإشارة مع الهروب والطلب، والإشارة مع ذلك والسقطة، وعلى قول المصنف فليس إلا مسألتان، وكلام ابن شاس هنا أحسن من كلام المصنف؛ لأنه نقل الأقوال على ما وقعت عليه في الرواية، ولم يجعل في المسألة أربعة أقوال، ولا خلاف في مسألة الإشارة أن فيها الدية.
وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ، وَقِيلَ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْلاهُ لَمْ يَقْدِرْ
أي: فيقتل الممسِك لتسببه والمباشر أيضاً، ومفهومه أنه لو أمسكه لا للقتل أنه لا يقتل، وهكذا في الموطأ، ففيه: قال مالك في الرجل يمسك الرجل فيضربه فيموت مكانه، وهو يرى أنه إنما يريد الضرب بما يضرب به الناس؛ لا نرى أنه عمد لقتله، فإنه يقتل القاتل ويعاقب الممسِك أشد العقوبة، ويحبس سنة لأنه أمسكه، ولا يكون عليه، ونحوه في المجموعة.
ابن عبد السلام: وإذا تأملته وجدته كالمخالف للقول الأول من كلام المؤلف. وقال ابن نافع: ويحبس بقدر ما يرى السلطان من دينه، ويستريب من أمره، وناحية صاحبه الذي حبسه له، وقال عيسى بن دينار: ويجلد مائة فقط.
стр. 4169
ابن مزين: والقول ما قال ابن نافع. قال في المدونة: ويستدل على حبسه للقتل بأن يرى القاتل يطلبه وبيده سيف أو رمح فقتله، فهذان يقتلان جميعاً. قال: وإن حبسه ولم يرَ معه سيفاً ولا رمحاً مشهوراً فأتاه فقتله؛ فلا قتل على الحابس وإن كان من ناحيته؛ لأنه يقول: ظننته أنه يريد غير القتل.
وقوله: (يُشْتَرَطُ ... إلخ). وهذا القول لأبي عبد الله بن هرمز البصري من أصحابنا.
فَلَوِ اشْتَرَكَ الْمُبَاشِرُونَ وَالْمُسَبِّبُونَ قَتِلُوا جَمِيعاً
كما لو اشترك جماعة في قتل رجل، بعضهم بالمباشرة، وبعضهم بالتسبب، وقد يقال بترجيح المباشر، وقد قال بذلك بعض شيوخنا في الإكراه، لكن اتفاق المذهب على أن الجماعة الحاضرين المتمالئين على قتل واحد منهم؛ أنهم يقتلون من تولى ضربه ومن لم يتولَّه، والله أعلم.
وَلَوْ تَمَالأَ جَمْعٌ عَلَى ضَرْبِهِ بِسَوْطٍ سَوْطٍ قُتِلُوا جَمِيعاً، وَكَذَلِكَ الْمُكْرِهُ وَالْمُكْرَهُ
لما في الموطأ عن عمر- ﵁ في الصبي لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به. قال في الجواهر: لو اجتمع جماعة على رجل يضربونه فقطع رجل رجله وفقأ آخر عينه وجدع آخر أنفه وقتله آخر، وقد اجتمعوا على قتله فمات؛ قتلوا به كلهم وإن كان جرح بعضهم أنكأ من جرح بعض، ولا قصاص له في الجراح ما لم يتعمد المُثْلَة، وإن لم يريدوا قتله اقتص من كل واحد بجرحه وقتل قاتله. انتهى.
ابن عبد السلام: ومسألة الأسواط جارية على أصل المذهب بشرط أن يقصدوا جميعاً إلى قتله على هذا الوجه، وأما لو قصد الضرب فليس السوط الأول ولا ما بعده مما يقرب منه مما يكون عنه القتل غالباً، فينبغي أن يقتل به الآخر، ومن قصد إلى قتله ممن تقدمه، وكذلك يقتل المكرِه والمكرَه، وكذلك أمر الظالم بعض أعوان بقتل رجل ظلماً، فإنه يقتل الآمر والمأمور.
стр. 4170
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُكَلِّفِ مِنْهُمَا فَنِصْفُ الدِّيَةِ
أي: من الكرِه والمكرَه، و (نِصْفُ الدَّيَةِ) مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: فعليه نصف الدية تحمله عاقلته؛ يعني: وعلى المكلف القصاص.
وَفِي الْحَافِرِ لإِهْلاكِ شَخْصٍ فَوَقَفَ عَلَى شَفِيرِهَا فَرَدَّاهُ آخَرُ قَوْلانِ
قيل: يقتلان جميعاً. وقيل: المردي خاصة، هذا الفرع وقع في بعض انسخ، وتصوره ظاهر، والقول بقتله لابن القطان، والثاني للقاضي أبي عبد الله بن هارون.
واحترز بقوله: (لإِهْلاكِ شَخْصٍ) مما لو حفرها لمنفعة نفسه فردَّاه غيره، فإن القود على المردي اتفاقاً ولا شيء على الحافر.
وَفِي قَتْلِ الأَبِ يَامُرُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، وَالْمُعَلِّمِ يَامُرُ الصَّغِيرَ، وَالسَّيِّدِ يَامُرُ الْعَبْدَ مُطْلَقاً قَوْلانِ ..
(مُطْلَقاً) يحتمل أن يريد به صغيراً أو كبيراً، ويحتمل عجمياً أو فصيحاً، ويحتمل أن يريدهما، واحترز بـ (الصَّغِيرَ) في مأمور الأب و (الْمُعَلِّمِ) في الكبير فيهما، فإن القتل على المأمور.
ابن القاسم: وليس على الآمر قتل ولا على عاقلته دية وعليه العقوبة، والقول بقتل الأب في المسائل لابن القاسم، والقول بنفي القتل لابن نافع، قال: ويوجع الأب والسيد عقوبة ويقتل العبد، وحكى ابن شعبان قولاً ثالثاً بعكس هذا، يقتل السيد دون العبد، وسواء على هذه الأقوال الفصيح والأعجمي، ويقتل السيد في الأعجمي، وعلى العبد جلد مائة وسجن سنة. وقال أصبغ: يقتل السيد والعبد جميعاً؛ كان العبد فصيحاً أو لا. وعلى قول ابن القاسم: يقتل الآمر، فقال ابن القاسم: ويكون على عاقلة الصبي نصف الدية، وإن كثر الصبيان فالدية على عواقلهم، وإن لم يجب على كل عاقلة إلا أقل من الثلث فإنها
стр. 4171
تحمله، ثم الخلاف في قتل الأب مقيد بما إذا لم يكن الأب حاضراً، وأما إن أرسله، أصبغ: وأما لو حضره وأمره فإنه يقتل أباً كان أو غيره، كما لو اجتمع رجلان على قتل رجل فقصدا له؛ أحدهما [٦٩٧/أ] مباشر، والآخر يقول: اقتل، فإنهما يقتلان به جميعاً، قال أصبغ: ونزلت ومشايخنا متوافرون فرأوا أن يقتل بقوله: اقتل على هذه الصفة.
وَأَمَّا الْمَامُورُ لا يَخَافُ مُخَالِفَتَهُ فَعَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَيُضْرَبُ الآمِرُ وَيُحْبَسُ
يعني: أن ما تقدم إنما هو إذا كان المأمور يخاف مخالفة الآمر، أما إذا لم يخف فالقتل على المأمور وحده.
ابن القاسم وأشهب: ويضرب الآمر ويحبس سنة.
وَفِي شَرِيكِ الْمُخْطِئِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَالْقِصَاصُ بِقَسَامَةٍ، وَالْقِصَاصُ بغَيْرِ قَسَامَةٍ إِنْ كَانَ قَرِيباً، وَعَلَى الآخَرِينَ نِصْفُ الدِّيَةِ ...
أي: وفي المتعمد الكبير العاقل يشارك مخطئاً أو صبياً أو مجنوناً، فحذف الأوصاف لدلالة مقابلها عليها، وحذف أيضاً المبتدأ؛ أي: ثلاثة أقوال استغناء بذكرها مفصلة.
وقوله: (إِنْ كَانَ قَرِيباً) أي: الموت. وقوله: (وَعَلَى الآخَرِينَ) أي: المخطئ والصبي والجنون، ولم أقف على مجموعها في الدواوين في هذه المسألة وسأوقفك على ما وقفت عليه، وظاهر كلامه: أن الأول وجوب نصف الدية على الكبير المشارك للصغير وإن كانا متعمدين، وهو مذهب المدونة على تقييد اللخمي وابن يونس؛ وذلك لأن مالكاً نص في المدونة وغيرها على أن في شريك الصبي القصاص إذا كان هو والصبي متعمدين، فقيده اللخمي وابن يونس بما إذا تعاقدا على قتله.
اللخمي: وإن لم يتعاقدا على قتله وقصد كل واحد رميه ولا يعلم بالآخر؛ لم يقتل الرجل، لإمكان أن تكون رمية الصبي القاتلة، وكذلك لو كانا رجلين والنافذة ضربة أحدهما ولم
стр. 4172
يُعرف ولا يقتلان، وإن كان الكبير والصبي مخطئين أو كان الكبير مخطئاً كان فيه الدية، واختلف إذا كانت رمية الصبي خطأ ورمية الرجل عمداً، فقال ابن القاسم: عليه الدية ولايقتل الكبير؛ إذ لا يدري من أيهما مات. وقال أشهب: يقتل الكبير واختاره ابن المواز، واعترض حجة ابن القاسم بأنه إن كانت ضربة الصبي عمداً لا يدري أيضاً من أيهما مات.
اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن لئلا يقتل الرجل بالشك، إلا أن يدعي الأولياء أن ضربة أحدهما القاتلة فيقسوا عليها، فإن اقتسموا على ضربة الرجل قتلوه، وأما شريك المخطئ، فقال اللخمي: لا يقتل المتعمد عند ابن القاسم ويقتل عند أشهب. انتهى.
فالأول، قال عبد الملك: قال ولا قسامة في ذلك إن مات مكانه، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم أن الأولياء مخيرون بين أن يقسموا على ما شاءوا منهما، واستحسنه أصبغ.
ابن حبيب: ثم قال مرة يقسمون أن من ضربهما مات، ثم تكون نصف الدية من مال العامد ونصفها على عاقلة المخطئ. وحكى عبد الوهاب أنه متى اشترك في القتل القود، ومن لا يجب عليه كالعامد والمخطئ والبالغ والصغير والعاقل والمجنون؛ قتل من يلزمه القود وكان على الآخر بقسطه من الدية، وحيث ألزم الصبي شيء من الدية، فاختلف هل من ماله أو على العاقلة.
وأَمَّا شَرِيكُ السَّبُعِ وَجَارِحِ نَفْسِهِ وَالْحَرْبِيِّ وَالْمَرِيضِ بَعْدَ الْجُرْحِ فَالأَوَّلانِ
أي: فالقولان الأولان؛ وهما نصف الدية والقصاص بالقسامة، وهما لابن القاسم.
وَلَوِ اصْطَدَمَ فَارِسَانِ أَوْ مَاشِيَانِ أَوْ مُخْتَلِفَانِ بَصِيرَانِ أَوْ ضَرِيرَانِ أَوْ مُخْتَلِفَانِ عَمْداً فَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَأَحْكَامُ الْقِصَاصِ وَإِلا فَعَلى عَاقِلةِ كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةُ الآخَرِ، وَكُلُّ فَرَسٍ فِي مَالِ الآخَرِ، وَقِيلَ: نِصْفُ دِيَةِ الآخَرِ لأَنَّهُ شَرِيكٌ ...
أراد بالاختلاف الأول أن يكون أحدهما ماشياً والآخر راكباً، وبالاختلاف الثاني أن يكون أحدهما بصيراً والآخر ضريراً، وعدل عن قوله بالقصاص إلى قوله: (فَأَحْكَامُ
стр. 4173
الْقِصَاصِ) وإن كان الأول أخص؛ لأنه يتصور القصاص في موتهما، ومعنى أحكام القصاص: أنهما إذا ماتا بطل حقهما؛ لأن من وجب له قصاص يبطل حقه بموت المقتص منه، ولأن قوله: (أَحْكَامُ الْقِصَاصِ) يشمل القولين إذا عاش أحدهما، هل لا يجب عليه إلا القصاص أو التخيير بينه وبين الدية، بخلاف قوله: (فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةُ الآخَرِ) يريد: وكانا معاً مخطئين؛ لقوله: (عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ) وأما أن أحدهما متعمداً فعليه القصاص.
وقوله: (كُلُّ فَرَسٍ) أي: وقيمة كل فرس، وفي معنى الفرس: لو اصطدما وبأيدهما متاع فتلف، وقيل: إنما على كل واحد نصف دية الآخر: لأن كل واحد شارك في قتل نفسه وهذا لأشهب، نقله عنه ابن القصار، ونقله أبو عمران عن سحنون، وقد قال أشهب في المجموعة في حافري البئر ينهدم عليهما فيموت أحدهما: فإن على عاقلة الحي منهما نصف دية الآخر لشركة كل منهما في قتل نفسه.
وَالصَّبِيَّانِ كَذَلِكَ إِلا فِي الْقِصَاصِ
يعني: فإذا اصطدم صبيان كذلك؛ أي: من كونهما راكبين أو ماشيين ... إلخ، وأن مجموع دية كل منهما على عاقلة الآخر على المشهور.
وَلَوِ اصْطَدَمَ حُرٌّ وَعَبْدٌ فَثَمَنُ الْعَبْدِ فِي مَالِ الْحُرِّ وَدِيَةُ الْحُرِّ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ
المراد بالثمن القيمة، لكن المصنف تبع لفظ المدونة، وقال في المدونة: ويتقاصان- يعني: إن ماتا -فإن كانت قيمة العبد أكثر مندية الحر؛ كان الزائد لسيد العبد في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على السيد من ذلك شيء.
محمد: إلا أن يكون للعبد مال، فيكون بقية العقل [٦٩٧/ب] في مالهن وأخذ ابن رشد من هنا أن مذهب المدونة في جناية العبد أنها حالَّة؛ لأن قيمة العبد في مال الحر حالَّة، فلما
стр. 4174
قال: يتقاصان، ولم يقل يأخذها السيد ويؤدي الدية التي جناها العبد منجمة، دل ذلك على أنها حالَّة، وقال أصبغ خلاف هذا: وهو أن سيد العبد مخير في جنايته على الحر خطأٌ بين أن يسلمه فيها أو يفديه بها مؤجلة.
فلو اصْطَدَمَ سَفِينَتَانِ فَلا ضَمَانَ بشَرْطِ الْعَجْزِ عَنِ الصَّرفِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْعَجْزُ حَقِيقَةٌ لا لِخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ ظُلْمَةٍ ...
قوله: (بِشَرْطِ الْعَجْزِ) يوهم أن هذا ليس شرطاً في الفارسين إذا أجمحا فرساهما ولم يُقدر على صرفهما فكان عن ذلك تلف، فإنه لا ضمان في ذلك، وإنما يختلف الفرسان من السفينتين والفارسين إذا جهل أمرهما في قدرتهما على الصرف حملاً على الاختيار، والسفينتان بالعكس. وقال أشهب في السفينة: إذا علم أن ذلك من أمر غلبهم وليس من أمر غرقوا فيه فلا شيء عليه، وإن لم يكن يعلم فذلك على عواقلهم، وظاهره التسوية بين الفارسين والسفينتين، والفرق على المذهب: أن جري السفينتين بالريح ويس من عملهم بخلاف الفارسين، ويناقش المصنف في قوله: (بشَرْطِ الْعَجْزِ) لأنه يقتضي أنه لابد من تحقيقه، ولا يشترط تحقيق العجز، فالأولى أن لو قال: فلا ضمان، إلا أن النواتية قادرون على صرفها.
وقوله: (لا لِخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ ظُلْمَةٍ) يعني: أو كان النواتية يقدرون على صرف السفينة، ولكن يخشون مع ذلك على أنفسهم، فلم يصرفوها حتى هلكوا غيرهم فإنهم يضمنون؛ إذ ليس لهم أن يسلموا أنفسهم بهلاك غيرهم.
وقوله: (ظُلْمَةٍ) أي: كان اصطدامهم لظلمة، فإن ذلك لا يسقط الضمان عنهم كالمصطدمين في البر لظلمة، غير أن كلام المصنف يوهم أن مراده خوف الظلمة، وأنه مشارك لخوف الغرق في الحكم، والمسألة منقولة في الوجه الذي قلناه: أنه لا يصح حملها على ما فهم من كلام المصنف.
стр. 4175
فَلَوُ جَذَبَ اثْنَانِ حَبْلاً فَانْقَطَعَ فَتَلِفَا فَكَالْمُتَصَادِمَيْنِ، وَلَوْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى إِنْسَانٍ أَوْ مَتَاعٍ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا ...
يعني: إذا ماتا أو أحدهما، فيجري على ما تقدم من حكم القصاص ووجوب الدية، ولو وقع أحدهما على إنسان أو متاع؛ فالضمان عليهما، لأن وقوع المباشر إنما كان من فعلهما، أما لو دفع رجل آخر فقتله فعلى الدافع العقل دون المدفوع.
فروع:
لو قاد بصير أعمى فوقع البصير ووقع أعمى عليه فقتله، فقال مالك في رواية ابن وهب: الدية على عاقلة الأعمى. الثاني: لو سقط ابنه من يده فمات لم يلزمه شيء، ولو سقط من يده شيء عليه فمات فالدية على عاقلته. أشهب: وإن كان الأرش أقل من الثلث ففي ماله. الثالث: لو طلب غريقاً فلما أخذه خشي على نفسه الهلاك فتركه فمات الرجل، فديته على عاقلة الساقط، قاله أشهب في المجموعة والموازية، ولو انكسرت سن الساقط وانكسرت سن الآخر، فقال ابن المواز: مذهب أصحابنا أن على الساقط دية سن الذي سقط عليه وليس على الآخر دية. وقال ربيعة: على كل واحد دية ما أصيبت، ودليل الأول أن الجناية سبب الساقط دون سبب الآخر.
فلَوْ طَرَأَتْ مُبَاشَرَةٌ بَعْدَ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ عَنْ مُمَالأَةٍ قُتِلَ الْجَمِيعُ، وَلا قِصَاصَ لَهُ فِي الْجِرَاحِ مَا لَمْ يَتَعمَّدِ الْمُثْلَةَ، وَإِلا قُدَّمَ الأَقْوَى وَعُوقِبَ الآخَرُ ...
يريد: وكذلك لو كان الجراح في قوت واحد، فإن كان عن ممالأة قتل الجميع، هو ظاهر، فإنهم يقتلون في الممالأة ولو كان بعضهم واقفاً، وهذا مقيد بأن يموت مكانه، وأما لو عاش وأكل وشرب؛ فإنه لا يقسم في العمد إلا على واحد، ولا قصاص في الجراح، يعني: إذا تميزت الضربات وعلم ضارب كل واحدة، والرجل الواحد لو جرح جراحات ثم قتل لم يقتص منه في الجراحات، والقتل يأتي عليها إلا أن يقصد الجارح المُثْلَة، فيجرح أولاً كما جرح، ثم يُقْتَل.
стр. 4176
قوله: (مُمَالأَةٍ) يعني: وإن لم يتمالئوا بل قصد كل منهم إلى ضربه، قدم الأقوى: أي: من كان القتل عن ضربه ليتعين للقتل، ويقتص من كل واحد مما جرح وتلك عقوبته، هذا هو النقل لا كما يعطيه ظاهر كلام المصنف من أن المراد بالعقوبة خلاف القصاص، نعم يتعين التأديب في غير الجراحات كضرب بالعصا ونحوه.
تنبيه:
ما ذكره المصنف من تقديم الأقوى ومعاقبة الآخر مقيد بما إذا عرفت الضربات كما ذكرنا، وإن لم يعرف جرح كل واحد، ففي النوادر عن مالك: يقتلون كلهم إن مات مكانه، وإن لم يمت ففيه القسامة، وفي اللخمي خلافه، وانه إذا أنفذ أحد ولا يدري من هو أو من أي الضربات مات؛ أنه يسقط القصاص، أعني: إذا لم يتعاقدا على قتله وتكون الدية في أموالهم.
فَلَوْ جَرَحً الأَوَّلُ ثُمَّ جَزَّ الثَّانِي الرَّقَبَةَ قُتِلَ الثَّانِي
هذا مثال للمسألة السابقة، والله أعلم.
فَلَوْ أَنْفَذَ أَحَدُهُمَا الْمَقَاتِلَ ثُمَّ أَجْهَزَ الثَّانِي فَفِي تَعْيينِ ذِي الْقِصَاصِ مِنْ ذِي الْعُقُوبَةِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ ...
تصور المسألة ظاهر، واتفق على أنه لا يقتص منهما، واتفق على أنه يقتص من أحدهما، ويعاقب الآخر ويقتل الأول ومعاقبة الثاني، قال أشهب وغيره: وعليه ولا يرث ولا يورث، إلا أنه كالميت. ابن القاسم في تتميمه هذا القول [٦٩٨/أ]: ويبالغ في عقوبة الثاني، وقد أتى عظيماً، وإن كان المجروح قد أكل وشرب.
سحنون: ويقتل بغير قسامة، لكن يلزم على الأول أمور شنيعة، وهو إذا كان كالميت لا تجوز وصاياه، وقد ذهب إلى ذلك أصبغ، وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة؛ لأن عمر
стр. 4177
رضي الله عنه أوصى على تلك الحال، وأنفذ المسلمون وصاياه، ويلزم أيضاً ألا يخاطب بالصلاة، وهو خلاف ما أشار إليه عمر- ﵁ من لزومها حينئذٍ بقوله: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
ابن رشد: ولو قيل: يقتلان معاً، لكان لذلك وجه.
الثَّانِي: الْقَتِيلُ، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مَعْصُومَ الدَّمِ بإِسْلامٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، أَوْ أَمَانٍ، وَانْتِفَاءُ مُوجَبٍ لا عَفْوَ فِيهِ ...
الركن الثاني: (الْقَتِيلُ) أي: الذي يقتل قاتله أن يكون معصوم الدم، وعصمته إما بالإسلام؛ لقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
وأما بجزية؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ﴾ إلى قوله:﴾ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وأما بأمان؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ استَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
قوله: (وَانْتِفَاءُ مُوجَبٍ) مرفوع بالعطف على (أَنْ يَكُونَ) أي: وشرطه انتفاء موجب لا عفو به، واحترازاً ممن وجب عليه القصاص؛ لأن للولي أن يعفو عنه، فلو قتله غير الولي قتل به.
وَلا قِصَاصَ فِي مُرْتَدٍّ وَلا زِنْدِيقٍ وَلا زَانٍ مُحْصَنٍ، نَعَمْ يُؤَدِّبُ فِي الافْتِئَاتِ
هذا بيان لما احترز عنه بقوله: (وَانْتِفَاءُ مُوجَبٍ) ويحتمل أن يعود إلى القيد الأول، هو العصمة بالإسلام، وإذا انتفى القصاص عن قاتل المرتد مع أن المذهب استنابته، فلأن ينتفي في الزنديق من باب أولى لتحتم قتله، ونص سحنون على نفي القصاص عن قاتل المرتد ولو كان القاتل نصرانياً، وتأديب قاتل هؤلاء ظاهر لافتئاته على الإمام.
стр. 4178
وَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَمَعْصُومٌ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيُّ عَمْداً فَدَمُهُ لأَوْلِيَاءِ الأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ أَرْضًاهُمْ أَوْلِيَاءُ الثَّانِي فَدَمُهُ لَهُمْ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا شَيْءَ لأَوْلِيَاءِ الأَوَّلِ كَمَوْتِهِ ...
قوله: (فَإِنْ قَتَلَهُ) أي: القاتل (أَجْنَبِيٌّ) أي: عمداً احترازاً من الخطأ وسيأتي (فَدَمُهُ) أي: دم الأجنبي لأولياء الأول؛ أي: المقتول الأول على المشهور، وهو مذهب المدونة؛ لأن أولياء الأول استحقوا نفسه فكانوا أحق بما يكون عيناً من قصاص ودية.
وقوله: (فَإِنْ أَرْضَاهُْ) هو تفريع على المشهور، وهو أن دم الأجنبي لأولياء الأول إلا أن يرضيهم أولياء القتيل الثاني فيكون دمه لهم، وظاهر قوله: (فإن أرضاهم) أنه موقوف على اختيار أولياء الأول، وأن لهم ألا يرضوا بما بذلوا لهم من الدية وأكثر منها وهو مذهب المدونة. وقال ابن الماجشون في المبسوط: لولي الثاني أن يدفع الدية إلى ولي الأول ويقتص هو لنفسه، وفهم اللخمي منه إجبار أولياء الأول على قبول الدية.
قوله: (وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا شَيْءَ لِأَوْلِيَاءِ الأَوَّلِ كَمَوْتِهِ) لأن حقهم كان معلقاً بعينه، وهذا يقابل المشهور.
وَكَذَلِكَ لَوْ قُطِعَتْ يَمِينُ قَاطِعِ الْيَمِينِ وَنَحْوُ ذَلِكَ
فتأتى القولان، فعلى المشهور يكون القطع للمقطوع أولاً وهو ظاهر ابن القاسم في الموازية، وإن قطع يد رجل من المنكب فعدا رجل على القاطع فقطع يده من المنكب؛ أنه يقال للمقطوع يده من المنكب: إن شئت فاقتص من قاطع قاطعك من المنكب فقط ولا شيء لك غير ذلكن ويخلي بينه وبين من قطع كفه فيقتص منه ما بقي من يده بعد الكف من المنكب قصاصاً للمقطوع الأول. اللخمي: وقول محمد أحسن.
ابن عبد السلام: وفيه بعد؛ لأنه يقطع رجلين في موضعين مختلفين، ولم يتول قطعه منهما غير واحد.
стр. 4179
فَإِنْ قَتَلَهُ خَطَأً جَرَى الْقَوْلانِ فِي الدِّيَةِ
فعلى المشهور تكون الدية لأولياء القتيل الأول، وعلى الشاذ لا يكون لأولياء الأول شيء من الدية ويكون لأولياء القتيل الثاني. وظاهر قوله: (جَرَى الْقَوْلانِ) ليسا منصوصين هنا، أو العقل وليس كذلك، بل هما منصوصان أيضاً.
فَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَشِبْهُهُ عَمْداً أَوْ خَطَأً فَلَهُ الْقَوَدُ والْعَفْوُ وَالْعَقْلُ وَلاَ سُلْطَانَ لِوُلاةِ الْمَقْتُولِ ...
يعني: أن الأطراف لا تدخل تحت النفس، فلا يلزم من استحقاق الأولياء دم القاتل أن يستحقوا أجزاءه، فلذلك كان القاطع إذا قطعت يده أو فقئت عينه أو فعل به شيء عمداً أو خطأً القود في العمد والعقل في الخطأ، واختلف في عكس هذا، وهو إذا قطعت يد رجل عمداً ثم قتل القاطع خطأ أو عمداً فصالح أولياؤه في العمد على مال، فقيل: لا شيء لمن قطعت يده؛ لأن الدية إنما أخذت عن النفس. وقال محمد: إن أخذ الدية في الخطأ أو العمد فللمقطوع يده أخذ حقه من ذلك، واستحسن اللخمي الأول.
فَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْقَاطِعَ فَكَذَلِكَ أَيْضَاً عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ كَانَ سُلِّمَ لَهُ
أي: ولي المقتول هو الذي قطع من القاتل يده أو نحوها عمداً أو خطأ، والإشارة بذلك إلى القود والعفو والعقل، المشهور من مذهب المدونة، فيكون للقاتل أن يقتص من الولي، ثم للولي أن يقتله. وقال: (وَلَوْ كَانَ سُلِّمَ لَهُ) لئلا يتوهم المتوهم أن الخلاف قبل التسليم، وأما بعد فقد استحقوه حقيقة ولا يلزم الولي شيء، فبيَّن المصنف أنه لا فرق.
ابن عبد السلام: وأفاد تأخير المبالغة إلى القول الشاذ فيهما [٦٩٨/ب] قبل تسليم الجاني، وأما قبل تسليمه فلا، بخلاف ما لو قال: ولو كان سلم له على المشهور فإنه يوهم أن الخلاف مقصور على ما بعد التسليم، وعزا في الجواهر الشاذ لابن القاسم في الواضحة،
стр. 4180
وعلله بأن النفس كانت لهم، قال: وليعاقبهم الإمام، وأشار أبو عمران إلى أنه لو سلم القاتل إلى الأولياء ليقتلوه فجرحه الولي، ففلت بنفسه أنه لا شيء عليه. قال: وإنما يقتص منه إذا قصد إلى جرحه، وإن غاب عليه أولياء المقتول فأصيب- قد قطعت يداه أو رجلاه - فقالوا: إنما أردنا قتله، فاضطرب حتى أصابه ذلك، فالقول في ذلك قولهم.
الثَّالِثُ: الْقَاتِلُ، وشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ بَالِغاً، عَاقِلاً، غَيْرَ حَرْبيَّ، وَلا مُمَيَّزٍ عَنِ الْمَقْتُولِ بإِسْلامٍ مُطْلَقاً وَحُرِّيَّةٍ مَعَ تَسَاوِيهِمَا ...
الركن الثالث: القاتل الذي يقتص منه، وذكر لشرطه أربعة أجزاء؛ الأول: (أَنْ يَكُونَ بَالِغاً) فلا قصاص على صبي. الثاني: أن يكون (عَاقِلاً) فلا قصاص على المجنون. الثالث: أن يكون (غَيْرَ حَرْبيٍّ) لأن الحربي لا يقتص. الرابع: ألا يكون (مُمَيَّزٍ) بأحد وصفين؛ أولهما: الإسلام، فلا يقتل مسلم بكافر.
وقوله: (مُطْلَقاً) يعني: إن تميز القاتل بالإسلام، وغن كان عبداً مانعاً من القصاص، وإن كان مقتوله حرًّا.
ثانيهما: ألا يكون مميزاً عن المقتول بحرية، فلا يقتل حر بعبد. وقوله: (مَعَ تَسَاوِيهِمَا) أي: في الدين؛ لأنه لو تميز القاتل بالحرية والمقتول بالإسلام لاقتص من القاتل على المشهور كما سيأتي.
فَلا قِصَاصَ عَلَى صَبيٍّ وَلا مَجْنُونٍ بخِلافِ السَّكْرَانِ، وَعَمْدُهُمَا كَالْخَطَأِ، فَلِذَلِكَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الُعَاقِلَةِ مُطْلَقاً إِنْ بَلَغَتِ الثُّلُثَ، وَإِلا فَفِي مَالِهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ كَخَطَئِهِ وَخَطَأِ غَيْرِهِ ...
هذا بيان ما احترز عنه، والأصل فيه قوله ﵊:"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ". يعني: النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق.
стр. 4181
رواه أبو داود. وفي الموازية: أن ما أصابه المجنون المطبق هدر في الدماء والأموال. وفي المجموعة: في المجنون والمعتق يكسر سن رجل أو يحرق ثوبه؛ أنه لا شيء عليه، ظاهر إطلاقه أنه لا فرق في الصبي بين المميز وغيره، وقد تقدم في غير المميز الخلاف في باب الغصب، بخلاف السكران فإنه يقتص منه، وقد تقدم غير مرة الكلام على حكم السكران.
وقوله: (وَعَمْدُهُمَا) أي: الصبي والمجنون كالخطأ في نفي القصاص. وقوله: (مُطْلَقًا) أي: في العمد والخطأ (وَإِلا) أي: وإن لم يبلغ الثلث ففي مال الصغير أو في ذمته كخطأ غير الصغير إذا كان دون الثلث، وفي بعض النسخ: (كَخَطَئِهِمَا) أي: كخطأ غير الصغير والمجنون، وفي بعض النسخ (كَخَطَئِهِ) أو خطأ غيره كخطأ من غيرهما أو خطأ وغيره؛ أي: إذا شارك أحدَهما مكلفٌ، فإن لكل حكمه.
وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فِي حَالِ إَفَاقَتِهِ فَكَالصَّحِيحِ
هو ظاهر، ويقتص منه في حال إفاقته.
ابن المواز: فإن أيس من إفاقته كانت الدية عليه في ماله. وقال المغيرة: يسلم إلى أولياء المقتول فيقتلون به إن شاءوا. قال: ولو ارتد ثم جن لم أقتله حتى يصح؛ لأني أدرأ الحدود بالشبهات، ولا أقول هذا في حق الناس. ورأى اللخمي أن يكون الخيار لأولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا هذا المجنون، وإن شاءوا أخذوا الدية إن كان له مال، وإلا اتبعوه بها.
وَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ قِصَاصاً إِلا أَنْ يَقْتُلَهُ غِيلَةً، وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ
أما قتل الكافر بالمسلم فمتفق عليه، وأما عدم قتل المسلم بالكافر فهو مذهبنا خلافاً للحنفية، ودليلنا ما في الصحيح عنه ﵊: "لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ".
وقوله: (إِلا أَنْ يَقْتُلَهُ غِيلَةً) الظاهر أن الاستثناء منقطع؛ لأنه في الحقيقة لم يقتل به، بل للفساد في الأرض، بدليل أنه لو عفا ولي الكافر لم يسقط القتل، ولا يقتل الحر بالعبد،
стр. 4182
والغيلة بكسر الغين: القتل على المال، وفي معنى الغيلة الحرابة، فإن الحر يقتل فيها بالعبد والمسلم بالكافر، نص عليه ابن يونس وغيره.
وَالْكَافِرُ مِنْ نَصْرَانِيَّ أَوْ يَهُودِيَّ أَوْ مَجُوسِيَّ ذِمِّيَّ أَوْ ذِي أَمَانٍ وَمَنْ لا يُقْتَصُّ لَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِ لِنُقْصَانِ الْكُفْرِ مُتَكَافِئُونَ ...
(الْكَافِرُ) مبتدأ، (مِنْ) في (مِنْ نَصْرَانِيَّ) لبيان الجنس (وَمَنْ لا يُقْتَصُّ) معطوف على الكافر من عطف العام على الخاص؛ لأن هذا يشمل عبدة الأوثان ونحوهم، و (مُتَكَافِئُونَ) الخبر؛ لأن الكفر ملة واحدة، فلهذا لو قتل النصراني أو اليهودي مجوسياً قُتِلا به، ويحتمل أن يعطف قوله: (الْكَافِرُ) على (الْمُسْلِمِ) ويكون المعنى: أن الكافر بالمسلم، وبالكافر من نصراني أو يهودي أو مجوسي، ويكون ابتداء المسألة الثانية قوله: (وَمَنْ لا يُقْتَصُّ لَهُمْ) وعلى هذا الاحتمال مشى ابن عبد السلام، وعلى الأول مشى شيخنا وغيره، وكلاهما صحيح.
وَلا يُقْتَلُ حُرٍّ برَقِيقٍ وَلَوْ قَلَّ جُزْءُ رِقِّهِ، وَلا مَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرَّيَّةٍ مِنْ مُكَاتَبٍ أَوْ مُدَبِّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُعْتَقٍ إِلَى أَجَلٍ، وَيُقْتَلُونَ بالْحُرِّ جَمِيعاً كَالرَّقِيقِ ...
تصور كلام المصنف ظاهر ولا خلاف فيه عندنا، وفي الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لاَ يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ". وروى أيضاً عن عليًّ ﵁ أنه قال: من السنة ألا يقتل حر مسلم بذمي ولاحر بعبد. ونقل الباجي إجماع الصحابة على ذلك.
وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ حُرًّا عَمْداً خُيِّرَ وَلِيُّهُ فِي قَتْلِهِ، فَإِنِ اسْتَحْيَاهُ خُيِّرَ سَيِّدُهُ فِي [٦٩٩/أ] فِدَائِهِ بالدِّيَةِ أَوْ إِسْلامِهِ. وَفِي الْخَطَأِ يُخَيَّرُ سَيَّدُهُ فِي الدَّيَةِ أَوْ إِسْلامِهِ، وَكَذَلَِ لَوْ ثَبَتَ الأَمْرَانِ عَلَيْهِ بالْقَسَامَةِ ...
هكذا الجملة وقعت في بعض النسخ، ومعناها: إذا قتل العبد حرًّا عمداً خُيِّر وليه- أي: ولي الحر- في قتل العبد واستحيائه، فإن قتله فلا كلام، وإن استحياه خُيِّر سيده في
стр. 4183
فدائه بدية الحر وإسلامه للولي، وهذا ظاهر قول أشهب الذي يرى أن موجب العمد التخيير، وأما على قول ابن القاسم أنه ليس لولاة المقتول في العمد إلا أن يقتلوه ولا يلزموه الدية، فيفرق بين المطلوب هنا غير القاتل وهو السيد، ولا ضرب عليه في واحد من الأمرين اللذين يختارهما ولي الدم، بخلاف هذه الصورة فإن للقاتل الحر غرضاً في التمسك بماله لإغناء ورثته، وإن قتل حرًّا خطأ فالقصاص ساقط والجناية متعلقة برقبته، يخير سيده بين أن يفديه بدية الحر أو يسلمه لولي المقتول كما في سائر جنايته. قوله: (وَكَذَلك لَوْ ثَبَتَ الأَمْرَانِ عَلَيْهِ بالْقَسَامَةِ) العمد والخطأ.
وَمَنْ لا يُقْتَصُّ لَهُمْ مِنْ الْحُرِّ لِنُقْصَانِ الرِّقِ مُتَكَافِئُونَ
فتقتل أم الولد وغيرها بالعبد الْقِنِّ، وهو ظاهر.
وَلا يُقْتَلُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ بَحُرٍّ ذِمِّيٍّ، وَسَيِّدُهُ مُخَيَّرٌ فِي افْتِكَاكِهِ بالدِّيَةِ أَوْ إسْلامِهِ فَيُبَاعُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ ...
كى صاحب البيان الاتفاق على ذلك إذا لم تتكافأ دماهما، فإن حرمة الإسلام أعظم، فيخيَّر سيده في افتكاكه بدية الحر الذمي وفي إسلامه في الجناية، فيباع لأولياء الذمي لعدم جواز ملك الكافر للمسلم، وظاهر كلامه: أنه إذا بيع يعطي جميع الثمن لأولياء الذمي وإن كان أكثر من دية الحر، وهو قول ابن القاسم في المدونة وقاله مطرف، وابن الماجشون: إن فضل فضل فهو لسيده. أصبغ: والأول أصوب.
وَيُقْتَلُ الْحُرُّ الذِّمِّيُّ بالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ كَالْحُرِّ بالْحُرِّ وَالْقِيمَةُ هُنَا كَالدِّيَةِ، وَقِيلَ: لا يُقْتَلُ وَهُوَ كَسِلْعَةٍ ...
قد يتبين بالمسألة السابقة أن العبد المسلم أعظم حرمة من الذمي الحر، فلذلك قتل الحر الذمي بالعبد المسلم؛ لأنه إذا قتل بالكافر فأحرى إذا كان المقتول أعظم حرمة،
стр. 4184
وأشار بقوله: (وَالْقِيمَةُ هَنَا كَالدِّيَةِ) إلى أن سيد العبد لو أراد أن يلزم الذمي قيمة العبد لجرى على الخلاف بين ابن القاسم وأشهب في الدية، فعلى قول ابن القاسم ليس له إلا قتل الذمي وليس له أن يلزمه القيمة، وعلى قول أشهب له ذلك.
قوله: (وَقِيلَ: لا يُقْتَلُ) أي: الذمي بالعبد المسلم، هو قول سحنون وأحد قولي ابن القاسم.
وَلِلأُبُوَّةِ وَالأُمُومَةِ أَثَرٌ فِي الدَّرْءِ باحْتِمَالِ الشُّبْهَةِ إِذَا ادَّعَيَا عَدَمَ الْقَصْدِ كَمَا لَوْ حَذَفَهُ بالسَّيْفِ وَادَّعَى أَدَبَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ لا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى لَوْ شَرَكَهُ أَحَدٌ فِي قَتْلِهِ قُتِلَ ...
لما فرغ من المانع مطلقاً؛ وهو الإسلام والحرية، شرع في المانع من جهة، ولهذا قال: (أَثَرٌ فِي الدَّرْءِ) ولو بعده مانعاً مطلقاً. والدرء: الدفع؛ أي: دفع القصاص. والباء في (باحْتِمَالِ) للسببية، والسببية هي الشفعة التي جبلا عليها، فلم يتهما على إرادة القتل إذا ادعيا عدم القصد؛ أي: إلى القتل، ثم مثَّل لذلك بما لو حذفه بسيف فمات، نحوه في الموطأ في قصة المدلجي، وفيه أن عمر ﵁ غلَّظ عليه الدية؛ لأنه لما كان فعله يقتل به الغير وسقط عنه هو القتل للشبهة؛ غلظت عليه الدية توسطاً بين الحالتين. قوله: (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الأَبِ لا يُقْبَلُ مِنْهُ) أي: عدم القصد إلى قتله.
ابن عبد السلام: وفاعل (شَرَكَهُ) ضمير يفهم من السياق؛ أي: شركه أجنبي. انتهى. وقد يقال: بل هو عائد إلى غيره.
وَلِذَلِكَ قُتِلَ مُكْرِهُ الأَبِ دُونَهُ
(مُكْرِهُ الأَبِ) بكسر الراء: اسم فاعل: أي: ولأجل الشبهة وتباين حكم الأب من غيره، لو أكره الأجنبي الأب على قتل ولده؛ قتل الأجنبي فقط، وقد تقدم إلى أن المكرِه والمكرَه يقتلان معاً، فلولا ما أشار إليه لقتل الأب أيضاً.
стр. 4185
أَمَّا لَوْ قَتِلَ مَعَ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ. كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ جَوْفَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَزَّ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، أَوْ وَضَعَ يَدَهُ فِي عَيْنَيْهِ فَأَخْرَجَهَا، وَكَذَلِكَ لَوِ اعْتَرَفَ بالْقَصْدِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لا يُقْتَلُ الأَبُ بابْنِهِ بِحَالٍ ...
الأول -هو المشهور-: أنه يقتل هب إذا انتفت شبهة إرادة التأديب، ويقول أشهب في نفي القصاص عن الأب ولو كان على وجه تتعين معه الشبهة قال الشافعي، وقد روى الترمذي أحاديث ظاهرها لقول أشهب، لكن قال عبد الحق في الأحكام: لا يصح شيء منها.
وَالأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ لِلأَبِ كَالأَبِ، وَفِي كَوْنِهِمَا مِنَ الأُمِّ كَالأُمِّ أَوْ كَالأَجْنَبيِّ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ...
نحوه في الجواهر واللخمي؛ لأنه قال في الجواهر: وكذلك لا يقتل الأجداد والجدات من قبل الأب والأم، من يرث منهم ومن لا يرث، وبهذا قال عبد الملك، وقال ابن سحنون عن أبيه: اتفقوا على أنه تغلَّظ في الجد والجدة من قبل الأب، واختلفوا في الجد والجدة من قبل الأم، فقال ابن القاسم: هما كالأم، وبه قال سحنون. وقال أشهب: هما كالأجنبيين.
اللخمي: وقول عبد الملك أحسن؛ لأن كل واحد منهما حناناً لايتهم معه على القتل. وروي عن ابن القاسم التغليظ في الجد أبي الأب والجدة أم الأب، ووقف في أبي الأم وأم الأب.
قال شيخنا- ﵀: وكان ينبغي أن يعكس ما قالوه هنا؛ إذ جهة الأم أشد شفقة، بدليل تقديم لجدات لأم في الحضانة، ولا خلاف أنها لا تغلظ [٦٩٩/ب] على غير الأجداد والجدات من الأقارب.
وَشَرْطُ الْقِصَاصِ عَلَى الأَجْدَادِ أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ بالدَّمِ غَيْرَ وَلَدِ الأَبِ
يعني: إذا اقتص من الجد لإضجاعه ولد ابنه مثلاً، فشرط ذلك أن يكون القائم به عصبة غير الولد: لأنه ليس لابن أن يقتل أباه، وهكذا قال في الموازية فيمن قتل زوجته
стр. 4186
وابنها ابنه؛ أنه ليس له قتل أبيه وأرى له الدية على عاقلته، وفرض المصنف المسألة في الأجداد؛ لأنه يؤخذ منه الحكم في الآباء بطريق الأولى، كما لو قتل رجل ابنه فليس لابنه الآخر القصاص منه، لا يقال: إن ما ذكره من هذا الشرط منافٍ لما في المدونة، ويكره قصاص الابن من أبيه، فإن الكراهة لا تنافي الجواز؛ لأنا نقول المراد بالكراهة المنع، وإنما عبر بها المصنف تبعاً للمدونة، وعلى المنع حملها أبو عمران وغيره.
وَلا أَثَرَ لِفَضِيلَةِ الرُّجُولِيَّةِ وَالْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ وَالشَّرَفِ وَسَلامَةِ الأَعْضَاءِ وَصِحَّةِ الْجِسْمِ، فَيُقْتَلُ الصَّحِيحُ بالأَجْذَمِ، وَالأَعْمَى وَالْمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بالسَّالِمِ ....
قد تقدم أنه لا أثر للعدد، وأما بقية المسائل؛ فلقوله تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: ٤٥] فعم؛ فلذلك قتل الرجل بالمرأة والصحيح بالمريض. وقوله: (وَالأعْمَى وَالْمَقْطُوعُ ... إلخ). هو عكس الذي قبله، والمقصود: أنه كما يقتل السليم بالمعيب فكذلك العكس.
وقال ابن عبد السلام: وفي كلام المصنف قلب؛ لأن مقصوده قتل السالم بغيره ولا حاجة إلى دعوى القلب.
وَإِذَا صَادَفَ الْقَتْلُ تَكَافُؤَ الدِّمَاءِ لَمْ يَسْقُطْ بَزَوَالِهِ؛ كَالْكَافِرِ يُسْلِمُ، وَالْعَبْدُ يَعْتِقُ
لما تكلم على ما يمنع القصاص وما لا يمنعه، تكل في المانع إذا حصل بعد القتل، وبيَّن أنه لا عبرة به، كما لو أسلم الكافر بعد قتله كافراً، أو كما لو أعتق العبد بعد قتله عبداً، فإن القصاص لا يسقط عنهما؛ لأن العبرة التكافؤ حالة القتل وهو حاصل، ولا يعترض عليه بما أوصى لوارث فصار غير وارث أو العكس، فإن العبرة بالمثال؛ لأن الوصية عقد منحل، وفي المجموعة في نصراني قتل نصرانياً عمداً ولا ولي له إلا السلطان
стр. 4187
ثم أسلم، قال: العفو عنه إذا صار أمره إلى الإسلام أحب إليَّ؛ لأن حرمته الآن أعظم من المقتول، ولو كان للمقتول أولياء لكان القود لهم.
فَلَوْ زَالَ حُصُولِ الْمُوجِبِ وَوُصُولِ الأَثَرِ كَعِتْقِ أَحَدِهِمَا أَوْ إِسْلامِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الإِصَابَةِ وَبَعْدَ الْجُرْحِ وَقَبْلَ الْمَوتِ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْمُعْتَبَرُ فِي الضَّمَانِ حَالُ الإِصَابَةِ وَحَالَةُ الْمَوْتِ، كَمَا لَوْ رَمَى صيداً ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَسُحْنُونُ: حَالُ الرَّمْيِ، ثَم رَجَعَ سَحْنُونُ، فأَمَّا الْقِصَاصُ فَبِالْحَالْيْنِ مَعاً ...
(زَالَ) أي: التكافؤ بين (حُصُولِ الْمُوجِبِ) أي: السبب (وَوُصُولِ الأَثَرِ) أي: السبب. فقال ابن القاسم: المعتبر في الضمان- أي: ضمان دية الحر وقيمة العبد- حال الإصابة والموت؛ أي: حصول السبب، كما لو رمى صيداً أو أرسل عليه جارحاً ثم أحرم، ثم أصابه السهم أو الجارح فعليه جزاؤه، وقال أشهب وسحنون: المعتبر في الضمان حال الرمي وحال الجرح، ورجع سحنون إلى موافقة ابن القاسم، وأما القصاص: فيعتبر في الحالين معاص؛ أي: فيشترط دوام التكافؤ من حصول السبب إلى حصول المسبب اتفاقاً، ولو قيل باعتبار السبب في الجرح والمسبب في مسألة الرمي ما بعد، وفي كلام المصنف إشارة إلى ترجيح قول ابن القاسم بالوجهين، أولهما المسألة المقيس عليها، فإن أشهب وسحنوناً ليوافقا عليها، ما أحسن الاستدلال بها، وثانيهما ما اتفق عليه من اعتبار حال الإصابة في القصاص.
فَلَوْ رَمَى عَبْدٌ حُرًّا خَطَا ثُمَّ أُعْتِقَ فَالدِّيَةُ عَلَى الأَوَّلِ وَالْجِنَايَةُ فِي رَقَبَتِهِ عَلَى الثَّانِي
أي: ثم أعتق قبل الإصابة لزم الضمان على قول ابن القاسم الدية؛ لأنه حالَ الضرب كان حرًّا، وعليه القيمة على قول أشهب؛ لأن الرمي حالَ كان عبداً.
стр. 4188
وَعَكْسُهُ الدِّيَةُ عَلَى الأَوَّلِ وَالْقِيمَةُ عَلَى الثَّانِي
عكس هذا الفرع لو رمى حر عبداً ثم أعتق العبد؛ فعلى الرامي الدية على قول ابن القاسم، لأنه حال الإصابة كان حراً، وعليه القيمة على قول أشهب؛ لأن الرامي كان عبداً، ولا فرق في هذه المسألة بين أن يكون رمي العبد خطأً أو عمداً.
وَلَوْ رَمَى مُسْلِمٌ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ؛ فَدِيَةُ مُسْلِمٍ عَلَى الأَوَّلِ وَلا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي ...
لأن الرمية خرجت حالَ كون الرمي مهدور الدم، ووصلت إليه حال كونه معصوم الدم وتصوره ظاهر، وهو صحيح بالنسبة إلى الحربي، وأما بالنسبة إلى المرتد، فإنما يصح على قول سحنون في المرتد أنه لا شيء على عاقلته، وأما على قول أشهب فلا، كأنه يرى على قاتل المرتد الدية، اختلف على قوله هل دية مجوسي أو دية الدين الذي ارتد إليه.
وَلَوْ رَمَى مُرْتَدٍّ مُسْلِماً خَطَأً ثُمَّ أَسْلَمَ؛ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى الأَوَّلِ، وَفِي مَالِهِ عَلَى الثَّانِي؛ إِذْ لا عَاقِلَةَ لمُرْتَدَّ ...
هذا عكس الذي قبله. وقيل بقوله: (خَطَأٌ) لأنه لو كان عمداً لقتل على القولين، فالدية على العاقلة؛ لأن القاتل كان حال الرمي مسلماً، وكلامه ظاهر التصور.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ نَصْرَانِياًّ أَوْ مَجُوسِياًّ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ تَمَجَّسَ أَوْ تَنَصَّرَ ثُمَّ مَاتَ؛ فَدِيَةُ مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ مِنْ إِسْلامِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الأَوَّلِ [٧٠٠/أ] وَدِيَةُ مَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَى الثَّانِي ...
(ثُمَّ أَسْلَمَ) أي: أحدهما، وهذا لأن العطف باقٍ، ووقع في بعض النسخ: (أَسْلَمَا)، وأما (تَمَجَّسَ أَوْ تَنَصَّرَ) فلا يصح إلا بالإفراد؛ أي: تمجس النصراني أو تنصر المجوسي، ولا يصح تمجسهما؛ لأن معناه حينئذٍ: تمجس النصراني والمجوسي، وهو في المجوسي تحصيل الحاصل.
стр. 4189
وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ مَاتَ فَالْقِصَاصُ فِي الْقَطْعِ، وَلا قَوَدَ باتِّفَاقٍ فِيهِمَا ...
أي: لو قطع رجل يد رجل مسلم ثم ارتد المقطوعة يده ونزا في جرحه حتى مات وجب القصاص حين القطع؛ لحصول التكافؤ، فلا قصاص في النفس، كأنه صار إلى محل دمه فيه هدر.
وقوله: (فِيهمَا) يعود على القولين، ويحتمل أن يعود على القطع وعدم القود؛ لأن القولين يتفقان في الأمرين، وهذا موافق لقوله: (فَأَمَّا الْقِصَاصُ فَبِالْحَالَيْنِ مَعاً).
فَأمَّا مَا دُونَ النَّفْسِ فَإِبَانَةُ طَرَفٍ، وَكَسْرٌ، وَجُرْحٌ، وَمَنْفَعَةٌ
لما فرغ من الكلام على النفس شرع فيما دونها، وجعل ما دون النفس أربعة أقسام؛ لأن أثر الضرب إما في الذات، أو في المعنى القائم بها. الثاني: المنفعة، والأولى إما أن يقع بسبب ذلك الضرب انفصال بعض الأجزاء عن بعض أو لا، والأول: إبانة الطرف، والثاني: إما أن يكون الضرب هيئة لذلك الانفصال أو لا، والأول هو الكسر والثاني هو الجرح، فإن قيل: في كلامه هنا مع كلامه في أول الجراح تنافي؛ لأنه جعل الطرف بعض المقابل للنفس، وجعله في أول الجراح كل المقابل، ويمتنع أن يكون الشيء كلاًّ وبعضاً، قيل: تمام المقابل للنفس أولاً هو الطرف، فهو أعم من أن تحصل فيه إبانة أو كسر أو جرح أو زوال منفعة، وبعض المقابل للنفس هو إبانة الطرف وهو أخص، فلا تنافي، و (كَسْرٌ، وَجُرْحٌ) وما بعده مرفوع بالعطف على إبانة.
وَالأَمْرُ فِي الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ كَالْقَتْلِ
يعني: أن ما تقدم في أركان القصاص في النفس مشروط هنا فيما دونها.
стр. 4190
إِلا أَنَّ مَنْ يُقْتَصُّ لَهُ فِي الْقَتْلِ مِنْ النَّاقِصِ لِشَرَفِهِ لا يُقْتَصُّ لَهُ مِنْهُ فِي الأَطْرَافِ عَلَى الْمِشْهُور. كَمَا لَوْ قَطَعَ الْعَبْدُ أَوِ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ. وَرُوِيَ: الْمُسْلِمُ مُخَيَّرٌ. وَرُوِيَ: يَجْتَهِدُ السُّلْطَانُ. وَرُوِيَ: تَوَقَّفَ فِيهِ. وَقِيلَ: الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْقَوَدِ ...
ما شهره المصنف، قال الأستاذ: هو ظاهر المذهب. وقال ابن نافع ومحمد بن عبد الحكم: المسلم بالخيار إن شاء اقتص أو أخذ الدية، وجعله المصنف رواية، ولعله اعتمد على قول الأستاذ، وجعل أصحابنا هذه رواية مخرجة في العبد والكافر، فقالوا: للمسلم أن يقتص منهما، وخرجوا هذه الرواية من قول مالك ي النصراني يفقأ عين المسلم. وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه قال: يجتهد السلطان في ذلك. والرواية بالتوقف رواها أشهب في العتبية، وقيل: الصحيح وجوب القود، هكذا نقل الأستاذ عن الأصحاب، قال: وهو كما قالوا أو لتأيده بالعمومات، كقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله ﵊: "الْمُسْلِمُونَ تَتكَافَأ دِمَاؤُهُمْ". ولأن في عدم القصاص من الكافر إغراء لهم على المسلمين، وتأول جماعة- وأراه ابن عبد الحكم- من اجتهاد السلطان على وجوب القود. وروى ابن القصار عن مالك القصاص. وقوله: (وَرُوِيَ: الْمُسْلِمُ مُخَيَّرٌ) قد تقدم أن الأصحاب خرجوا ذلك في العبد أيضاً.
وَتُقْطَعُ الأَيْدِي بالْوَاحِدَةِ كَالنَّفْسِ
لعله إنما نص على هذه لئلا يتوهم أن المذهب كمذهب أبي حنيفة؛ حيث إنه قتل الجماعة بالواحد، ولا تقطع بالواحدة، وإلا فهي تؤخذ من قوله: (وَالأَمْرُ فِي الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ كَالْقَتْلِ).
стр. 4191
أَمَّا لَوْ تَمَيَّزَتِ الْجِنَايَتَانِ مِنْ غَيْرِ مُمَالأَةٍ اقْتُصَّ مِنْ كُلِّ بمِسَاحَةِ مَا جَرَحَ
احترز بقوله: (مِنْ غَيْرِ مُمَالأَةِ) مما لو تمالئوا فإنهم يقطعون، وذكر أنه يقطع من كل الجنايتين بمساحة ما جنى؛ أي: لا ينظر إلى تفاوت الأيدي بالغلظ مثلاً، بل لو قطع أحدهما النصف والآخر النصف، لقطع من يد كلٍّ منهما النصف، وهذا ظاهر إذا كان ابتداء أحدهما من غير الجهة التي ابتدأ الأول، وقطع باقي اليد مثلاً، فإنه يبتدأ في القصاص من الجهة التي بدأ بها الجاني، فتأمله.
الْجِرَاحُ: وَفِي الْمُوضِحَةِ؛ وَهِيَ: مَا أَفْضَى إِلَى الْعَظْمِ مِنَ الرَّاسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ وَلَوْ بِقَدْرِ إِبْرَةٍ، وَفِيمَا قَبْلَهَا مِنَ الدَّامِيَةِ، وَالْحَارِصَةِ؛ وَهِيَ: الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ، وَالسِّمْحَاقِ؛ وَهِيَ: الْكَاشِطَةُ لِلْجِلْدِ، وَالْبَاضِعَةِ؛ وَهِيَ: الَّتي تَبْضَعُ اللَّحْمَ؛ أَيْ: تَشُقُّهُ. وَالْمُتَلاحِمَةِ؛ وَهِيَ: الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ كَثيراً مِنْ غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَالْمِلْطَاةٍ؛ وَهِيَ: الَّتِي يَبْقَى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ سِتْرٌ رَقِيقٌ- الْقِصَاصُ
(الْقِصَاصُ) مبتدأ مؤخر (وَفِي الْمُوضِحَةِ) وما عطف عليها الخبر، وليس القصاص ترجمة كما يقع في بعض النسخ، ومعنى كلامه: أنه يقتص من الموضحة وما قبلها منالجراح، والذي قبلها ستة: ثلاثة متعلقة بالجلد، وثلاثة متعلقة باللحم.
فأما المتعلقة بالجلد؛ فأولها الدامية: وهي التي تسيل منها الدم، ثم الحارصة: وهي التي تشق الجلد، ثم السمحاق: وهي التي تكشط.
وأما الثلاثة المتعلقة باللحم؛ فأولها الباضعة: وهي التي تبضع اللحم؛ أي: تشقه، ثم [٧٠٠/ب] المتلاحمة: وهي تغوص في اللحم في عدة مواضع، ثم الملطاة: وهي التي يبقى بينها وبين العظم ستر رقيق، ولم يفسر المصنف الدامية؛ لأن لفظها ينشد عن تفسيرها على أنه يمكن أن يكون مراد المصنف أن الدامية مرادفة للحارصة، وهكذا ذكر في التنبيهات،
стр. 4192
فقال: أولها الحارصة بحاء وصاد مهملين: هي التي جرحت الجلد؛ أي: قطعته، وهي الدامعة بعين مهملة؛ لأن الدم ينبع منها كالدمع، ثم ذكر قولاً كما فسرنا به كلام المصنف أولاً، ويرجح حمل كلام المصنف على الأول، بأنه كذلك في الجواهر، وذكر ابن عبد البر قولاً ثالثاً فقال: أولها الحارصة، ويقال لها الحرصة: وهي حرصت الجلد؛ أي: شقته، قال: وقيل: بل الدامية، وهي تدمي من غير أن يسيل منها دم، ثم الدامعة، وهي: التي يسيل منها، وقيل: الدامية والدامعة سواء، ويقال: مِلطاء بكسر الميم بالمد والقصر، وملطاة. وقيل: إن الباضعة والمتلاحمة مترادفتان. وقيل: الحارصة هي السمحاق، وفي هذه الألفاظ خلاف كثير من غير ما ذكرت تركته خوف الإطالة.
وَلا قِصَاصَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْهَاشِمَةِ؛ وَهِيَ: الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ، وَالْمُنَقَّلَةِ؛ وَهِيَ: مَا أَطَارَتْ فِرَاشَ الْعَظْمِ وَإِنْ صَغُرَ، وَالأمَّةِ؛ وَهِيَ: مَا أَفْضَى إِلَى الدِّمَاغِ وَلَوْ بِقَدْرِ إِبْرَةٍ، وَالدَّامِغَةِ؛ وَهِيَ: الَّتِي تَخْرِقُ خَرِيطَةَ الدِّمَاغِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: فِي الْهَاشِمَةِ الْقِصَاصُ إِلا أَنْ تَصِيرَ مُنَقَّلةٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لابُدَّ أَنْ تَصِيرَ مُنَقَّلَةٌ
أي: بعد الموضحة، ويحتمل بعد الجراح السابقة، ويسقط على قول ابن القاسم ذكر الهاشمة؛ لأنها لابد أن تصير منقلة عنده، و (الْمُنَقَّلَة) بكسر القاف، وحكي فيها الفتح، (فَرَاشَ) بفتح الفاء وكسرها، ويقال: لأن (مَا) موصولة أيضاً، وفسر بعضهم الأمة بما فسر به المصنف الدامغة بالغين المعجمة.
ابن عبد السلام: والظاهر أنهما مترادفان أو كالمترادفين، وإذا قلنا بالقصاص في الهاشمة، فقال أشهب: يستفاد منه، فإن أدت إلى الهشم وإلا أخذ أرش الزائد.
محمد: وهو صواب إذا كان بذي جرح الأول موضحة ثم تهشمت، فأما إذا كانت الضربة هي التي هشمته فلا قود فيها.
стр. 4193
اللخمي: يريد إذا رضت اللحم وهشمت ما تحتها من العظم، فأما لو كان ذلك بسيف أو سكين، فشقت اللحم فبلغت العظم ثم هشمته، فإن له أن يقتصَّ من موضحه. انتهى.
وما ذكره المصنف من نفي القصاص في المنقَّلة هو لمالك، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب، وهو مروي عن أبي بكر الصديق ﵁، وذكر عبد الوهاب رواية ثانية بثبوت القصاص فيهما، وأقاد عبد الله بن الزبير ﵁ من المنقِّلة، وروي أنه أقاد من المأمومة، وروي من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه ﷺ قال: "لا قَوَدَ فِي الْمَامُومَةِ وَلاَ فِي الْجَائِفَةِ وَلاَ فِي الْمُنَقِلَةِ". لكنهم ضعفوه.
وَفِي جِرَاح الْجَسَدِ مِنَ الْهَاشِمَةِ وَغَيْرِهَا وَالظُّفُرِ وَنَحْوِهِ الْقَوَدُ بشَرْطِ أَنْ لا يَعْظُمَ الْخَطَرُ كَعِظَامِ الصَّدْرِ وَالْعُنُقِ وَالصُّلْبِ وَالْفَخِذِ، وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ إِنْ كَانَ مَخُوفاً بخِلافِ الْعَضُدِ وَالتُّرْقُوَةِ ...
يريد: أن ما تقدم من عدم القصاص في الهاشمة والمنقَّلة الجائفة إنما هو إذا كان في الرأس العظيم الخطر، وأما هاشمة الجسد وغيرها فذلك غير مخوف فيقاد منه، ونقل في النوادر عن ابن القاسم وأشهب القصاص في منقلة الجسد، ونص المصنف على الظفر؛ لأن فيه خلافاً، ففي النوادر: واختلف قول مالك في الظفر، فقال: إن كان يستطاع القصاص اقتص منه، وروى ابن وهب في المجموعة أن فيه الاجتهاد، و (الْقَوَدُ) مبتدأ خبره (فِي الْجِرَاحِ) ثم بين أن القصاص مشروط بألا يعظم الخطر؛ أي: لا يكون متلفاً، لأنه إذا اقتص في المتلف يؤدي إلى أخذ النفس فيما دونها وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: يقتص من كل جرح وإن كان متلفاً، إلا ما خصه الحديث عنه من المأمومة والجائفة، وبقي على المصنف شرط آخر وهو أن تتحقق فيه المماثلة، فإن كان لا تتأتى فيه المماثلة، فلا قصاص فيه اتفاقاً، كبياض العين، وإن تأتت فيه المماثلة والغالب نفيها ككسر
стр. 4194
العظام؛ فحكى عبد الوهاب فيه روايتين، و (الْخَطَرُ) بفتح الخاء المعجمة والطاء، الجوهري: وهو الإشراف على الهلاك.
قوله: (كَعِظَامِ الْصَّدْرِ) مثال لما يعظم فيه الخطر. وكذلك القطع لا قصاص فيه بخلاف العضد والترقوة ففيه القصاص.
ابن عبد السلام: قال غير واحد، ولابد من جراح العمد من تأديب القاضي للجارح، اقتص منه أو لم يقتص.
عياض: والترقوة بفتح التاء وضم القاف، وهو عظم أعلى الصدر المتصل بالعنق.
وَإِذَا بَرِئَ الْعَظْمُ الْخَطِرُ عَلَى غَيْرِ عَثَمٍ فَكَالْخَطَأِ فَلا شَيْءَ فِيهِ سِوَى الأَدَبِ فِي الْعَمْدِ، بخِلافِ الْعَمْدِ فِي غَيْرِه، فَإِنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ ...
العثم بالعين المهملة والثاء المثلثة المفتوحة العين، هكذا رأيت مضبوطاً بفتح الثاء في نسخة صحيحة من الصحاح، وقال عياض: العثم والعثل بالميم واللام والعين المهملة المفتوحة والثاء المثلثة مفتوحة مع [٧٠١/أ] اللام ساكنة مع الميم كلاهما بمعنى؛ وهو الأثر والشَّين؛ يعني: أن ما لا قصاص فيه لخطره لو برئ على غير عثم فلا شيء، أما القصاص فلما تقدم أنها مخوفة، وأما العوض فلأن الشرع لم يسمِّ فيه شيئاً، وكل ما لاتسمية فيه فإنما هو بحسب الشِّين، والفرض أنه لا شَين، نعم يؤدِّب القاضي المتعمد لتعديه.
وقوله: (بخِلافٍ الْعَمْدِ فِي غَيْرِهِ) أي: غير الخطر، وهو ظاهر.
وَيُْتَصُّ فِي الْيَدِ، وَالرِّجْلِ، وَالْعَيْنِ، وَالأَنْفِ، وَالأُذُنِ، وَالسِّنِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأَجْفَانِ، وَالشَّفَتَيْنِ ...
لقوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وجمع الأجفان وثنَّى الشفتين وأفرد ما قبلهما؛ لأن اليد وما بعدها متقاربة ي المنفعة، لأنه اتفق
стр. 4195
على تساوي اليدين وما بعدهما في الدية، وليوافق في العين وما بعد نص الآية، وثنَّي الشفتين ليبين تساويهما؛ لأن ابن المسيب يعضد السفلى كما سيأتي، وجمع الأجفان لتعددهما وليبين تساويهما، فقد روي عن الشعبي في أحد قوليه أن في الأسفل ضعف ما في الأعلى، وعكس مكحول.
وَفِي اللِّسَانِ رِوَايَتَانِ، وَفِيهَا: إِنْ كَانَ مُتْلِفاً لَمْ يُقَدْ مِنْهُ
الروايتان مبنيتان على خلاف في تحقيق: هل القصاص منه خطر أو لا، وما ذكره عن المدونة: الظاهر أنه غير متلف فيه.
ابن عبد السلام: وظاهر المدونة خلاف ما حكاه المؤلف عنها، ففيها: وسمعت أهل الأندلس سألوا مالكاً عن اللسان إذا قطع وزعموا أنه ينبت، فرأيت مالكاً يصغي إلى أنه لا يعجل حتى ينظر إلى ما يصير إذا كان القطع منعه الكلام، قلت: في الدية أو القود؟ قال: في الدية، وهذا الترديد إنما هو في مسألة أخرى، هل ينتظر بالدية إلى البرء أم لا، وكذلك بالقود عند بعض الشيوخ، لا في أنه متلف. انتهى. وفيه نظر؛ لأن فيها قبل هذا: وفي اللسان القود إذا كان يستطاع منه القود ولم ينك متلفاً مثل الفخذ والمنقلة والمأمومة وشبه ذلك، وإن كان متلفاً لم يُقَد منه.
وَفِيهَا: فِي رَضِّ الأُنْثَثَيْنِ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مُتْلِفاً، وَمَا أَدْرِي مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ
هكذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها: (فِيهَا: فِي رَضَّ الأُنْثَيَيْنِ) وهي أحسن؛ لأنها كذلك في التهذيب، لأنه نص في المدونة على وجوب القصاص في إخراجهما.
وَفِي كُلِّ بَيْضَةٍ نِصْفُ الدِّيَةِ بغَيْرِ تَفْصِيلٍ
هذه المسألة والتي بعدها لا تناسب ما تكلم فيه المصنف؛ لأنه إنما تكلم فيما يقتص منه، وإنما يناسب الكلام على الديات، ونبه بقوله: (بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ) على قول ابن المسيب
стр. 4196
في اليسرى نصف الدية، وفي اليمنى الثلث، قيل له: لَمِهْ؟ قال: لأن اليسرى إذا ذهبت لم يولد له وإذا ذهبت اليمنى ولد لهن وعلى ما حكاه ابن حبيب أن في اليسرى الدية كاملة، وهو أشهر عند المذهب من قول ابن المسيب حتى أن بعضهم نسبه لابن حبيب، والصحيح أنه نقله ولم يسم قائله، وأبعد من قال أن المصنف أشار بعدم التفصيل إلى أنه لا فرق بين أن يتقدم قطعها عن الذكر أو يتأخر عنه، وسيتكلم على ذلك في فصل الديات.
وَالشَّفَتَانِ كَذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: فِي السُّفْلَى ثُلُثُ الدِّيَةِ
علل ابن المسيب ذلك: بأن السفلى أحمل للطعامن ورد عليه في المجموعة بأن العليا أشد، كما لو قيد ابن شعبان في الشفة التي يجب بذهابها الدية كل ما زال جلد الذقن والخدين من أعلى أو أسفل مستدير بالفم، هو كل مرتفع من اللثات.
الباجي: وما كان في الجانبين فذلك الشدقان، فإن اتسعت الشفة ولم تظهر هناك مباينة أحد الجانبين للآخر ففيها حكومة، وإن ظهرت فيجب من ديتها بقدر ما ظهر؛ لأنه في معنى النقص، فإن نقص مع ذلك شيء من الكلام أعطي على أكثر الأمرين ما نقص من الشفتين من الكلام، قاله في المجموعة، وقال: هذا الأصل يجب له ما نقص من كل واحد منهما.
وَإِذَا قَطَعَ مِنْ لَحْمِهِ بَضْعَةً فَفِيهَا الْقِصَاصُ
وفي نسخة: (قَطَعَهُ) ومعناهما واحد. وقوله: (فَفِيهَا) البضعة، ويحتمل في المدونة بعدم موجب نسبة هذه المسألة للمدونة، وبضعة اللحم بفتح الباء لا غيرن وأما في العدد، فيقال: بضع وبضعة بفتح الباء وكسرها فيهما.
وَفِي ضَرْبَةِ السَّوْطِ الْقَوَدُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلا قِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ
المشهور مذهب المدونة، والشاذ أيضاً فيها؛ لأنه لا قود فيها كاللطمة، والفرق على المشهور بين اللطمة وضربة السوط.
стр. 4197
عيسى: إلا أن يقال الأصل أنه لا قصاص إلا في الجراح؛ لقوله تعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة:٤٥] واللطمة لا جرح فيها، والخلاف في السوط مبني على أنه يستلزم الجرح غالباً أو لايستلزمه.
ابن عبد السلام: والمشهور أن الضرب بالعصا لا قود فيه.
وَأَمَّا الْمَعَانِي كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ؛ فَإِنْ كَانَ ذَهَابُهُ بسِرَايَةِ مَا فِيهَ الْقِصَاصُ كَمُوضِحَةٍ اقْتُصَّ لَهُ فِيهَا. فَإِنْ ذَهَبَ اسْتَوْفَى وَإِلا فَعَلَيْهِ دِيَةُ مَا لَمْ يَذْهَبْ ..
لما فرغ من الضرب والكسر والجرح تكلم على المعنى ومثله بالسمع والبصر، وأدخل كاف التشبيه ليدل على عدم الحصر، ليدخل فيه الذوق والشم وغيرهما. وقوله: (ذَهَابُهُ) عائد على المعنى؛ أي: فإن كان ذلك المعنى بسبب جرح فيه القصاص سرى [٧٠١/ب] إلى تلف ذلك المعنى، كما أوضحه موضحة عمداً ذهب منها بصره، ويقتص من الجاني بمثلها، فإن ذهب بصره فقد حصل المطلوب، وإن لم يذهب وجبت دية البصر للمجني عليه.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي مَالِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ
أي: دية ما لم يذهب في ماله، وهو مذهب المدونة، وروى أشهب أنه من العمد الذي يتعدد القصاص بما شبه الجائفة.
وَكَذَلِكَ السِّرَايَةُ إِلَى يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَلا قِصَاصَ فِي أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ وَالْحَاجَبَيْنِ وَاللِّحْيَةِ وَهُوَ كَالخَطَأِ إِلا الأَدَبَ ...
أي: مثل السراية إلى المعنى السراية إلى الضرب، كما لو جرحه في كتفه فشلت يده، وهو ظاهر في أشفار العينين والحاجبين واللحية، وهو كالخطأ وعمد الأدب؛ لأن هذه ليست جراحاً وإنما ورد القصاص في الجراح.
стр. 4198
خليل: والمراد إذا زال الشعر لا لحم الحاجب، ومعنى كلامه: أنه إذا لم ينبت الشعر ففيه حكومة ولا قصاص في عمد الأدب والخطأ، نعم يؤدب في العمد وهذا هو المشهور. وقال أشهب وأصبغ: في ذلك القصاص، وفي إزالة شعر الرأس.
وعن المغيرة في الرجل ينتف لحية الرجل أو رأسه أو شاربه أو بعض ذلك منه عمداً؛ فلا قود فيه وفيه الأدب بالاجتهاد، لاختلاف عظم الخطر فيها، ولو نتف جميع اللحية والشارب فاقدته منه لكان ذلك أقرب إلى الصواب، أن تكون لحية بلحية وشارب بشارب، وأما إن نتف بعض ذلك فليس إلا الأدب. قال في النوادر: وأعرب أصبغ فيما أحسب أن القصاص فيه بالوزن، وعاب ذلك غيره لاختلاف اللحية للصغر والكبر. وقال الباجي: لو قيل يقتص من الرأس، وباللحية من اللحية لكان صواباً.
وَفِيهَا: إِذَا ذَهَبَ الْبَصَرُ بضَرْبَةٍ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ؛ إِنْ كَانَ يُسْتَطَاعُ الْقَوَدُ مِنَ الْبَيَاضِ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ أُقِيدَ، وَإِلا فَالْعَقْلُ ...
نسبها للمدونة لإشكالها؛ لأن القياس أن يضرب كما ضرب، وإن آل إلى الحساب عينه، وذكر أبو عمران أنه يقاد من العين التي ذهب بصرها بجناية وهي قائمة، قال: وأرفع ما في ذلك أن عثمان- ﵁ أتى برجل لطم عين رجل فذهب بصره وعينه قائمة، فأراد عثمان بقيده فأعيي ذلك عليه وعلى الناس حتى أتى علِيَّاً ﵁، فأمر بالمصيب فجعل على عينه كرسف، ثم استقبل به عين الشمس وأدنيت من عينه مرآة فالتمع بصره وعينه قائمة، وروي: أن علِيَّاً ﵁، أمر بمرآة فأحميت ثم أدنيت قطعت عينه وبقيت قائمة مفتوحة.
وَلَوْ شَلُّتْ يَدُهُ بضَرْبِهِ ضُرِبَ مِثَلَها، فَإِنْ شَلَّتْ وَإِلا فَالْعَقْلُ فِي مَالِهِ
تصوره ظاهر، وأطلق المصنف بقوله: (ضُرِبَ مِثْلَهَا) تبعاً للمدونة، وقيده أشهب، فقال: هذا إذا كانت الضربة بجرح فيه القود، وإن ضربه على رأسه بعصا فشلت يده؛ فلا قود فيه وعليه دية اليد.
стр. 4199
وَتُشْتَرَطُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَحَلِّ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، وَلا تُقْطَعُ الْيُمَنَى بالْيُسْرَى، وَلا بالْعَكْسِ، وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ وَالْعَيْنُ سَوْاءٌ، وَلا السََّبابَةُ بالْوُسْطَى، وَلا الثَّنِيَّةُ بالرَّبَاعِيَةِ، وَلا الْعُلْيَا بالسُّفْلَى، وَتَتعَيَّنُ عِنْدَ عَدَمِهَ الدِّيَةُ ..
يعني: أنه لابد من المماثلة في أمور ثلاثة؛ وهي: المحل، والقدر، والصفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
قوله: (وَلا تُقْطَعُ الْيُمْنَى بالْيُسْرَى) راجع إلى اتحاد المحل، ثم بين أنه لا فرق في ذلك بين اليد والعين من الرجل؛ لينبه على قول الحسن بن حي: أنه تؤخذ العين اليسرى باليمنى لا العكس. والرباعية بفتح الراء مخفف الياء، الجوهري: كالثمانية، هي بين الثنية والنياب. وقوله: (وَتَتَعَيَّنُ عِنْدَ عَدَمِهِ) أي: محل الجناية، ويحتمل أن يعود على المماثل المفهوم من المماثلة، وإذا تعذر القصاص وجب المصير إلى الدية، كما إذا عدم المثل في المثليات، فإن القيمة تتعين، والدية هنا في مال الجاني اتفاقاً؛ لأن الجناية عمداً.
فَإِنْ قُطِعَتْ بعد جِنَايَتِهِ بسَمَاوِيٍّ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ؛ فَلا شَيْءَ لِلْمَجْنِيٌ عَلَيْهِ ..
يعني: إذا قطع رجل يمنى آخر ثم قطعت يد الجاني بأحد الوجوه التي ذكر؛ فقد سقط حق المجني عليه، لأن حقه إنما كان في القصاص، وإذا تعذر لتعذر محله بطل حقه، وهذا بين على المشهور أنه لا حق للمجني عليه إلا في القصاص، وأما على قول أشهب أن الواجب التخيير في ذلك أو الدية بحث، وفي بعض النسخ، بغير جناية المجني عليه إذا قطعها فقد استوفى، وفي بعض النسخ: (بغَيْرِ جِنَايَةِ أَجْنَبيَّ)، واحترز بذلك بقطعها من جناية أجنبي، فإن للمجني عليه أولاً أن يقتص من الجاني ثانياً على المشهور كما تقدم.
стр. 4200
وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ جَمَاعَةٌ فَلَيْسَ لَهُمْ إِلا قَطْعُهُ لَهُمْ أَوْ لأَحَدِهِمْ، كَمَا لَوْ قَتَلَ جَمَاعَةً فَلَيْسَ لَهُمْ إِلا قَتْلُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَلَو قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَصَالَحَهُ أَوْليَاءُ أَحَدِهِمَا عَلَى مالٍ فَلأَوْلِيَاءِ الآخَرِ قَتْلُهُ ...
يعني: ومثل ما تقدم في أن الجاني لا شيء عليه بعد القطع لو قطع جماعة وقاموا فإنه يقطع لهم، وكذلك إذا قام أحدهم ولو كان آخرهم جناية فقطع له؛ فلا شيء للباقي. [٧٠٢/أ] وشبه المصنف ذلك بالقتل. وقوله: (لأَحَدِهِمْ) فيه تكرار مع قوله: (القصاص لغيره) إنما يتمشى على القول بأنه ليس لهم إلا القصاص، وأما على قول من يرى لهم الخيار في ذلك في الدية، فقال ابن عبد السلام: إذا تعمد القاضي قتله لأحدهم فقد منع الباقين من أخذ الدية، وفي تضمينه حينئذ ما منعهم منه نظر، ولاسيما من مذهبه التخيير فتأمله.
وَفِي اعْتِبَارِ الْقَدْرِ بالْمِسَاحَةِ أَوْ بالنِّسْبَةِ إِلَى قَدْرِ الرَّاسَيْنِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعَلَيْهِمَا لَوْ كَانَتِ الشَّجَّةُ نِصْفَ رَاسِ الْمَشْجُوجِ وَهِي قَدْرُ رَاسِ الشَّاجَّ، ولا تَكْمُلُ بغَيْرِ الرَّاسِ اتِّفَاقاً ...
لما ذكر أنه لابد من المماثلة في القدر أخذ يبينه وذكر أن ابن القاسم يعتبره بالمساحة، وهذا مذهب المدونة، فيقتصر في طول الجرح وقصره، وصوبه ابن رشد، لقوله تعالى: (وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥] وذكر أن أشهب اعتبر القدر بالمساحة؛ يعني: النسبة، فيجرح ربع الرأس بالربع والثلث بالثلث كذلك، ورجع إليه ابن القاسم في الموازية.
ابن المواز: وبه أقول. وذكر ابن المواز أن ابن القاسم خالف في قوله الأول أصحابه والعلماء قبله، وبقية كلام المصنف ظاهر، وإنما لم يكمل بغير الرأس اتفاقاً؛ لأنه تعتبر المماثلة بالمحل، وقال مالك فيمن قطع بعض أصبع وأصبعه أطول؛ فلا يقطع بقدره، ولكن إن كان قدر ثلث أصبع قطع من أصبع الآخر مثله، وكذلك في القصاص في
стр. 4201
الأنملة، قال أبو عمران: يحتمل أن يكون ابن القاسم مثل في هذه الرواية أشهب، ويرى فيه كما يرى في الجرح أنه يقاس، ولم يوجد عنه نص فيهما.
وَلَوْ زَادَ الطَّبِيبُ الْمُقْتَصُّ عَلَى مَا اسْتُحِقَّ فَكَالْخَطَأِ
فإن كان أنقص من الثلث ففي ماله، وإلا فعلى العاقلة، أما لو زاد عمداً اقتص منه، فإن قيل: فإذا قصت زيادة الطبيب، يلزم منه أن يكون المصنف شبه الشيء بنفسه، قيل: شبه الخطأ المستند إلى عمد ما دون فيه بالخطأ المحض، فلا يلزم ما ذكرت، وما ذكرناه من الاقتصاص من الطبيب المتعمد نص عليه الشيوخ، إلا أنه لا يمكن في غالب الحال؛ لأن زيادته إنما تكون بعدما أذن فيه، فإذا طلب القصاص من الطبيب لم يوصل إليها منه إلا بعد تقدم جرح، وقد لا يكون جرح أحداً فضلاً عن الأدب، فيتعذر القصاص، غير أنه إن برئت الزيادة على غير عثم وجب أدبه فقط، وإلا وجب الأدب مع الحكومة في ماله، هذا خطأه بالنقصان ففي المجموعة عن ابن القاسم: لا يرجع فيقتص له من حقه؛ لأنه قد اجتهد لهن وكذلك الأصبغ يخطئ فيها بأنملة، ولا يقاد مرتين، وعنه في الموازية والعتبية: إن علم بمضرة ذلك قبل أن يبرأ وينبت اللحم أتم ذلك عليه وإلا فات، ولا شيء له في تمام ذلك ولا دية. وقال أصبغ: إن قص يسيراً فلا يعاود، وإن كان في موضعه قبل البرء وبعده، وإن كان كثيراً فإن كان يصوره اقتص له تمام حقه، وإن كان برئ وأخذ الدواء فلا يرجع إليه برئ أو لم يبرأ، ويكون في الباقي العقل، كان هو ولي القصاص أو من جعله إليه السلطان.
وَلا تُقْطَعُ الصَّحِيحُةُ بِالشَّلاءِ الْعَدِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ اتِّفَاقاً وَإِنْ رَضِيَا، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ. وَقِيلَ: يُخَيَّرُ الْمُسْتَحِقُ ...
لأن الصحيحة ليست كالشلاء، فلذلك لا تقطع الصحيحة بها، ولو رضي الجاني بأن يسلم يده الصحيحة لم يكن له ذلك، وهو بمنزلة من أسلم يده لرجل ليقطعها من
стр. 4202
غير موجب، وكذلك لا يجوز، وفي بعض النسخ: رضيا، فيعود على الجاني والمجني عليه، وما ذكره المصنف من تقييده الشلاء بالعديمة النفع. ابن عبد السلام: نحوه لأشهب، وحملوا قوله على الوفاق. انتهى.
والذي في النوادر عن ابن القاسم وأشهب في أشل اليد والأصبع يقطعها أنه لا قصاص فيها، وكذلك إن شل بعضها؛ إذ لا يقدر أن يقاد له بقدر ما بقي، ولكن له من الدية بقدر ما بقي بالاجتهاد، قيل: وقول ابن عبد السلام أنهم حملوا قول أشهب على الوفاق وهْمٌ، فإن هذا إنما ذكره أشهب في العكس، وهو قطع الشلاء بالصحيحة؛ لأن الشلاء كالعدم، وهي كنوع آخر. وقيل: يخير المستحق في القصاص وتركه وأخذ الدية، وهذا رواه يحيى في العتبية. قال في البيان: والأول مذهب المدونة، ولأشهب ثالث: أنه ليس له أن يقتص إن كان جل منفعتها قد ذهب.
وَفِيهَا: وَلَوْ قَطَعَ أَقْطَعُ الْكَفِّ الْيُمْنَى يَمِينَ رَجُلٍ مِنَ الْمِرْفَقِ؛ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، وَلَوْ كَانَ الْجَانِي أَشَلَّ تَعَيَّنَ الْعَقْلُ ...
لعله نسبها للمدونة إشارة إلى معارضة هذه المسألة التي قبلها؛ لأن يد الجاني ناقصة في الصورتين، ولهذا قال: ولو كان الجاني لا يقتص منه، وأما قطع الكف ببقية ساعده بعض حق المقطوعة يده، فله أخذه.
وَأَمَّا مَا فِيهِ نَفْعٌ فَكَالصَّحِيحَةِ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ كَانَ الأَكْثَرُ بَاقِياً
هذا مقابل قوله أولاً: العديمة النفع. وحاصله: أنه في المشهور اعتبر مطلق النفع واعتبره أشهب بقيد الأكثر، وتأمل هذا مع قوله في البيان: لا خلاف إذا كان جل منفعتها [٧٠٢/ب] قائمة أن المجروح بالخيار بني أن يستفيد منها بنقصانها وبين أن يأخذ عقلها، وعلى هذا فاليد الذي فيه نفع على قسمين؛ إذا كان الجل قد ذهب فهو محل خلاف، وإن
стр. 4203
كان الجل باقياً فهو محل اتفاق، هذا فيما إذا كانت اليد هي الجانية، وأما إن كان المجني عليها؛ فلا قصاص من الصحيحة.
وَالذَّكَرُ الْمَقْطُوعُ الْحَشَفَةِ كَالأَقْطَعِ الْكَفِّ
يعني: إذا قطع صاحب ذكر مقطوع الحشفة ذكر سالمها: خير المجني عليه بين القصاص من الذكر المقطوع الحشفة وبين أخذ دية ذكره الصحيح، كما تقدم إذا قطع أقطع الكف يد شخص صحيحة من المرفق.
وَعَيْنُ الأَعْمَى وَلِسَانُ الأَبْكَمِ كَالْيَدِ الشَّلاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَحُكُومَةٌ، وَإِنْ كَانَ اقْتَصَّ لَهُمَا أَوْ أَخَذَ العَقْلَ ...
في بعض النسخ: على المشهور، وسقط ذلك من بعضها، وهي الصواب، وفي ثبوتها قلق جدًّا؛ لأنك إما أن تحمل كلامه على أن صاحب اللسان الأبكم والأعمى جانيان أو مجنياً عليهما، فعلى أنهما جانيان يكون معنى كلامه: أن الأعمى والأبكم إذا جنيا على صحيح؛ فالمشهور لا يكون للصحيح عليهما إلا العقل، ومقابل المشهور أن الصحيح مخير في العقل والقصاص، والفرق على الشك بين ذلك واليد الشلاء، أن في عين الأعمى جمالاً، وفي لسان الأبكم الإحساس والذوق، وعلى هذا الخلاف راجع إلى المشبه به، ويحتمل على هذا أن يرجع إلى المشبه والمشبه به ويكون كرره للخلاف في اليد الشلاء ليعين المشهور إذ لم يعينه أولاً، وقد نص في البيان على أن لعين الأعمى كاليد الشلاء إذا جنيا على الصحيح في دخول الخلاف، لكن يرد على هذا كله قوله: (فَحُكُومَةٌ) لا يبقى له وجه؛ لأن الحكومة إنما تجب في الجناية على الأعمى والأبكم والأشل في جنايتهما، وإن حملنا كلامه على أن الأعمى والأبكم مجني عليهما؛ فيكون في لسان الأبكم وعين الأعمى حكومة على المشهور، فيقتضي هذا أن الشاذ فيهما دية، ولا يعلم هذا في المذهب. قوله: (وَإِنْ كَانَ اقْتَصَّ ... إلخ). هو مبالغة على المشهور، وهو ظاهر.
стр. 4204
وُتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ أَصْبُعاً بالْكَامِلَةِ، وَلا دِيَةَ لِلأَصْبُعِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَصْبُعٍ خُيَّرَ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَقْلِ تَامًّا، وَقَالَ أَشْهَبُ: يَتَعَيَّنُ الْعَقْلُ ...
يعني: أن من كان له أصبع مقطوع من يد قطع يداً صحيحة، فإن المجني عليه يقتص من اليد الناقصة، واختلف بما يكون له عوض عن ذلك النقص، وهو لمالك أولاً وهو المشهور، وهو لمالك أيضاً، ولابن القاسم ثالث في الموازية أن المجني عليه يخير إما أن يقتص بغير دية الأصبع، وإما أن يأخذ عقل يده، فلا قصاص.
قوله: (فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ) أي: وإن كان النقص أكثر من أصبع كأصبعين أو ثلاثة؛ فمذهب المدونة أنه مخير بين أن يأخذ العقل تاماً أو يقتص. وقال أشهب وعبد الملك: ليس له إلا العقل، وفي العتبية قول ثالث: أنه تقطع كف تلك ويكون عليه عقل الأصبعين، غير أن قول المصنف: (فَإِنْ كَانَ النَّقْصُ أَكْثَرَ) يدخل فيه أربع أصابع، والمنصوص أصبعان أو ثلاثة، لكن لفظه في البيان كلفظ المصنف.
ابن عبد السلام: والمستحسن عندي مذهب المدونة في الأصبعين ومذهب أشهب نفي القصاص مطلقاً، وإنما أربعة أخماس دية اليد، والأنملتان كالأصبع في الثلاثة.
فَإِنْ كَانَتِ النَّاقِصَةُ يَدَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَ أَصْبُعاً فَثَلاثَةٌ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَالْمُغِيرَةِ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ غَيْرَ الإِبْهَامِ اقْتُصَّ مِنْهُ ...
قد علمت أن القول الثالث يدل على الأولين، وأن الأول من الأقوال للأول من القائلين، فمذهب ابن القاسم القصاص، سواء كان الأصبع الناقص هو الإبهام أو غيره، وهو قوله في المدونة. ومذهب أشهب نفي القصاص مطلقاً، وإنما أربعة أخماس دية اليد، والأنملتان كالأصبع في الثلاثة، كأن الأقل يتبع الأكثر، واستحسن في الأنملة القصاص ابن المواز، واختلف قوله فيه، وتصور الثالث ظاهر، ونسبه المصنف للمغيرة، وإنما رأيته منسوباً لابن الماجشون.
стр. 4205
وإِنْ كَانَ أَصْبُعَيْنِ فَلا قِصَاصَ اتِّفَاقاً
يعني: وإن كان يد المجني عليه ناقصة الأصبعين لم يقتص له من الكاملة اتفاقاً، وإنما له ثلاثة أخماس دية اليد، وهكذا حكى ابن المواز اتفاق مالك وأصحابه على هذا.
وَلَوْ قُطِعَ مِنَ الْمِرْفَقِ لَمْ يَجُزْ مِنَ الْكُوعِ وَإِن رَضِيَا
لأن المماثلة في المحل شرط، وهو خلاف قوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥] ولو جاز هذا لجاز أن يقطع غير القاطع مع الرضا.
وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالضَّعِيفَةِ خِلْقَةً أَوْ مِنْ كِبَرٍ
لأنه كما يقتص للضعيف بالضعيف من القوي، فكذلك يقتص للعين الضعيفة من السالمة، ولأنا لو شرطنا التساوي في العوضين أدى ذلك إلى عدم القصاص غالباً لعدم تحقيق مساواتهما.
فَإِنْ كَانَ مِنْ جُدَرِيٌ أَوْ رَمْيَةٍ أو شِبْهِهَا فَلا قَوَدَ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِن كَانَ فَاحِشاً. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِن كَانَ يَنْظُرُ بهَا ثُمَّ أُصِيبَ عَمْداً فَالْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَ لَهَا عَقْلاً، بِخِلافِ الْخَطَأِ ...
الجوهري في فصل الجيم مع الذال المعجمة: الجدري [٧٠٣/أ] بضم الجيم وبفتح الدال وبفتحهما لغتان، يقال: منه جدر الرجل فهو مجدر، يعني: وإن كان الإبصار بطارئ على العين من جدري أو رمية أو قرحة أو غير ذلك؛ فلا قود فيها، وفيها: يحسب ما بقي. وقيد ابن الماجشون نفي القصاص بما إذا كان النقص فاحشاً، قال: وأما النقص اليسير فله النقصان. وفرق ابن القاسم في المدونة: بأن أصيبت عمداً فله القصاص ولو أخذ لها أولاً عقلاً، وإن أصيبت خطأ فليس له إلا بحساب ما بقي، ووقع في بعض النسخ قول ابن الماجشون مقدماً على قول ابن القاسم، والنسخة الأولى أظهر.
следующие страницы →