Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
قوله: (وَلا يُوضَعُ شَيْءٌ لِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) ذكر في الموطأ أنه مجمع عليه. اللخمي: والقياس أنه يحط عنه ما ينوبه؛ لأن كل واحد منهم اشترى نفسه بما ينوبه من تلك الكتابة، فمن مات مات في الرق وسقطت الحمالة عنه.
قوله: (وَيَرْجِعُ مَنْ أَدَّى عَلَى غَيْرِهِ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ التَّوْزِيعِ) هو مذهب المدونة، ونسب فيها: وإن أدى أحدهم عن بقيتهم؛ رجع من أدى علىبقيتهم بحصتهم من الكتابة بعد أن تقسم الكتابة عليهم بقدر قوة كل واحد منهم على الأداء يوم الكتابة لا على قيمة رقبته. وقول ابن عبد السلام: أن ما ذكره المصنف ما ذكره أحد، إلا أن اللخمي قال: إنه القياس، ليس بظاهر. وقال أشهب: يرجع عليهم على قدر قيمتهم يوم كوتبوا. وقال مطرف وابن الماجشون: على قدر قيمتهم يوم عتقوا لا يوم كوتبوا. وقال أصبغ: يرجع على قدر قيمتهم يوم كوتبوا أو حالهم يوم عتقوا، أن لو كانت حالهم يوم كوتبوا. وقيل: يرجع على قدر عددهم.
وقوله: (مَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِمْ) هذا شرط في الرجوع؛ يعني: إذا أدى أحد المكاتبين عن بعض فإن المؤدي يرجع على من أدى عنه، إلا أن يكون ممن يعتق عليه فلا يرجع حينئذٍ عليه، وهذا خلاف مذهب المدونة، فإن الزوجة لا يرجع عليها وهوي صح ملكه لها، وإنما الذي ذكره المصنف مذهب ابن القاسم وعبد الملك وابن عبد الحكم خارج المدونة، وروى ابن وهب عن مالك: أنه لا يتبع إخوانه وكل ذي رحم منه.
ابن المواز: ثم سئل بعد ذلك، فقال: كل من كانت لهم رحم يتوارثون بها، فإنه لا يرجع بعضهم على بعض. ثم سئل أيضاً، فقال: أما الإخوة والولد؛ فإنه لا يرجع بعضهم على بعض، وأما الباعد فنعم. وقال أشهب: لا يرجع كل ذي رحم منه وإن كان ممن لا يعتق عليه بالملك ولا بينه وبينه ميراث، لا خالته ولا عمته ولا أحد بينهم رحم، وقد دار الفقه فيها الفروع بين أصلين؛ العتق على القريب، وهبة الثواب له، فيرد إلى أيِّ الأصلين هو أقوى به شبهاً.
стр. 4552
وَلَوْ أَعَتَقَ السَّيِّدُ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْكَسْبِ؛ لَمْ يَتِمَّ إِلا بإِجَازَةِ الْبَاقِينَ وَقُوَّتِهِمْ عَلَى السَّعْيِ، فَتُوضَعُ حِينَئِذٍ حِصَّتُهُ عَنِ الْبَاقِي ..
احترز بقوله: (لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْكَسْبِ) ممن أعتق صغيراً لا أداء فيه، أو صغيراً لا يبلغ السعي في الكتابة، فإن عتقه يتم ولايتوقف على إجازة الباقين؛ إذ لا منفعة لهم فيهما، ورد عتقهما من الضرر.
وقوله: (لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْكَسْبِ) ظاهره سواء اكنت قوته مساوية للباقين أو أقوى أو أضعف، وهو مذهب ابن القاسم.
اللخمي: وقيل لا يجوز إذا كان المعتق أقواهام وكانا متساويين؛ لأنا لا ندري ما يصير إليه حال الباقين من الضعف. وحكى ابن الجلاب قولاً: بأنه لا يجوز له عتق من له قوة على السعي، ولو أذن لهما لبقيت، وظاهره لو كان أضعف من الباقين في السعي.
ابن يونس: وينبغي أن ينظر في أي ذلك أنفع لهم؛ من إجازة عتقه لضعفه عن السعي؛ أو رده لقوته فيه.
وقوله: (لَمْ يَتِمَّ إِلا بإِجَازَةِ الْبَاقِينَ) وقوله: (عَلَى السَّعْيِ) يعني: أنه إنما يوز عتق من له قوة على السعي بشرطين؛ الأول: أن يجيزه الباقون؛ لأن كل واحد منهم حميل بما على الآخر، فلو أجزنا عتق السيد أحدهم بغير رضا الباقين كان فيه إسقاط حقهم في الحمالة. والثاني: أن يكون في الباقين قوة على الكسب؛ لأن الباقين إذالم يكونوا قويين على الكسب كان ذلك مؤدياً إلى إرقاقهم، فأجرى اللخمي قولاً في المسألة آخر بإمضاء إجازتهم من أحد القولين، فإن رضي المكاتب بالتعجيز- وحيث أجزنا من له قوة على السعي- فإنه يسقط عنه قدر نصيبه من الكتابة.
стр. 4553
وَأَمَّا عَبْدٌ لَكَ وَعَبْدٌ لِغَيْرِكَ فَلا يجْتَمِعَانِ
هذا هو الذي احترز منه بقوله لواحد، وعلته أنه لو هلك أو عجز أحدهما؛ أخذ سيد الهالك مال الآخر باطلاً.
سحنون: فإن نزلت فالكتابة صحيحة؛ لأن الحمالة لا تبطل الكتابة، ولم يتكلم في المدونة على حكم النزول، فيحتمل أن يكون قول سحنون خلافاً ووفاقاً. وأشار اللخمي إلى تخريج الخلاف فيها: هل يفسد، أو يبطل الشرط فقط؟ وعلى البطلان هل يفوت بالاقتضاء، أو باقتضاء نجم أوصدر منها لى ما تقدم في الشرط؟ وهذا كله إن دخلا على الحمالة، وإن كان السيدان عقداً الكتابة على الحمالة، فقال الباجي: إنها جائزة، ويجعل على كل واحد من العبدين ما ينوبه من جملة الكتابة، وأشار إلى أنه لا يختلف فيه كما اختلف في جمع الرجلين سلعتيهما في البيع.
فرع:
واختلف إذا كان العبدان شركة بين رجلين؛ فلم يجز أشهب جمعهما في كتابة واحدة، قال: لأن كل عبد تحمل لغير سيده، إلا أن يسقط حمالة [٧٦٢/ب] بعضهم عن بعض فيجوز. وقال ابن ميسر: ليس كما احتج؛ لأن كل واحد نصف عبد، فإنما يقبض كل واحد عن نصفه نصف الكتابة، فلم يقبض أحدهما عن غير ملكه شيئاً.
وَلا يُبَاعُ مُكَاتَبٌ، وَلا يُنْزَعُ مَالُهُ
هذا مذهبنا، لا يجوز بيع المكاتب. قال في المدونة: ولو رضي؛ لأن الولاء قد ثبت لعاقد الكتابة، والولاء لا يجوز نقله، ويتخرج على قول من قال من أصحابنا إن للمكاتب أن يعجز نفسه جواز البيع إذا رضي، قاله ابن القاسم في الدمياطية، فقال: إذا باع السيد رقبته برضاه جاز، فإن بيع على المشهور فسخ، إلا أن يفوت بإعتاق المشتري له؛ فيمضي
стр. 4554
العتق ويكون ولاؤه للمشتري على المشهور، وقيل: ينتقض العتق ولا ينتزع ماله؛ أي: سواء اكتسبه قبل الكتابة أو بعدها، ونص في المدونة على أن ماله يتبعه، وإن كتب: إلا أن يشترطه سيده حين كتابته؛ فذلك المال للسيد، وهو أحسن إذا كان يرى أنه لو علم به السيد لا ينتزعه ويكاتبه، وإن كان يرى أنه يقره ويزيده في الكتابة؛ كان للسيد ألا يزيد ذلك القدر في الكتابة.
نَعَمْ تُبَاعُ الْكِتَابَةُ لا نَجْمٌ مِنْهَا، وَفِي بَيْعِ جُزْءٍ مِنْهَا قَوْلانِ
لما ذكر أنه لا يجوز بيع المكاتب ذكر أنه يجوز بيع الكتابة، ومنع من بيعها وبيعه عبد العزيز بن أبي سلمة.
اللخمي: وهو أقيس للغرر؛ لأنه إذا كان للمشتري الكتابة فقط، وإن عجز عند أول نجم كان له الرقبة فقط، وإن عجز عند آخر نجم كانت له الكتابة والرقبة.
اللخمي: وأصل سحنون في مثل هذا أنه يمنع البيع مع الاختيار، ويجوز عند الضرورة لفقر أو فلس، كما قال في بيع العبد بعد الإحرام، والأمة يعتق ولدها وهو رضيع، فيباع ويشترط على المشتري كونه معها ومؤنته.
ابن عبد السلام: وظاهر كلام سحنون أنه يجوز بيع الكتابة اختياراً، ولا يجوز بيع نجم منها لأنه غرر؛ إن عجز بعد اقتضاء ذلك النجم أخذ ما ينوبه من الرقبة إلى غير ذلك، وهذا إذا كان النجم معيناً، وأما غير المعين كنجم من ثلاثة أو أربعة؛ فالمنصوص الجواز، وهو يرجع إلى بيع جزء منها، وقد حكى المصنف في الجزء قولين، وكذلك اختلف في الكاتب بين الشريكين يبيع أحدهما حصته من الكتابة، وحصل ابن رشد في هذا الفرع والذي قبله ثلاثة أقوال؛ الأول لابن القاسم: لا يجوز فيهما. الثاني: مقابله لأصبغ وسحنون. والثالث لمالك في الموطأ: يجوز لأحد الشريكين بيع نصيبه منها، ولا يجوز إذا كان العبد لواحد بيع
стр. 4555
جزء منها، واخترا جماعة الجواز فيهما؛ إذ لا فرق بين الكل والجزء، وهو أيضاً منقول عن ابن القاسم وأشهب، وإنما يجوز لأحد الشريكين بيع حصته منها على مذهب من أجازه، وإذا باعها من أجنبي دون المكاتب؛ لأن ذلك كقطاعة، ولا يجوز مقاطعته على نصيب دون إذن شريكه.
فَإِنْ وَفَّى فَالْوَلاءُ لِلأَوَّلِ، وَإِنْ عَجَزَ اسْتَرَقَّهُ مُشْتَرِيهَا
أي: إذا بيعت كتابة المكاتب، فإن أدى عتق والولاء للبائع؛ لأن الولاء قد انعقد له، وإن عجز، زاد في الموطأ: أو هلك قبل أن يؤدي الكتابة ملكه المشتري. وكذلك الحكم في بيع الجزء، اختلف فيمن وهب كتابة مكاتب لرجل فعجز المكاتب، هل تكون رقبته للواهب أو للموهوب، واختلف إذا اطلع مشتري الكتابة على عيب بالمكاتب، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ينظر، فإن أدى كتابته فلا رجوع للمشتري بشيء؛ لأنه قد حصل له ما اشترى، وإن عجز فله رده ويرد معه جميع ما أخذ من كتابته، ولم يكن ذلك كالغلة؛ لأنه إنما اشترى الكتابة. وقال غيره: ليس عليه أن يرد شيئاً مما قبض من الكتابة؛ لأن ذلك كالغلة، قال: وله رده وإن لم يعجز، فحجته أنه بالعجز يرق، ثم لا يرد معه ما قبض من كتابته؛ لأن الأمر كان فيه مترقباً ما يدري ما يحصل له الرقبة بالعجز أو الكتابة، فلما عجز فكأنه إنما اشترى الكتابة، فكان ما قبض غلة.
وَيُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ
يعني: يشترط في بيع الكتابة من أجنبي ما يشترط في بيع الدين، فتشترط السلامة من الربا وبيع الدين بالدين، ومن بيع الطعام قبل قبضه، فلو كاتبه بطعام إلى أجل؛ لم يجز أن يباع بعرض أو غيره، لبيع الطعام قبل قبضه ونحو ذلك، ولا يريد المصنف- والله أعلم- أنه مثل الدين من أجنبي في كل الوجوه حتى يشترط حضور المكاتب وإقراره كما يشترط في المديان، فإن الغرر من هذا الوجه ومن غير وجه مغتفر في بيع الكتابة.
стр. 4556
بخِلافِ بَيْعِ السَّيِّدِ لهَا مِنَ الْعَبْدِ
قد تقدم ذلك.
وَتَصَرُّفَاتُ الْمُكَاتَبِ كَالْحُرِّ إِلا فِي التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ ويُرَدُّ عِتْقُهُ، وَلا يُعْتَقُ قَرِيبُهُ
عطف (الْمُحَابَاةِ) على (التَّبَرُّعِ) لتباينهما في العرف. فالتبرع: ما خرج من غير معاوضة. والمحاباة: ما كان من زيادة في البيع أو الثمن، وأخر المحاباة لأنه قد يتوهم من خروجه لتشوش الشرع له، وأيضاً: فإن الكلام الأول في المنع ابتداء، وهذا في الرد، وإذا رد العتق مع حرمته فأحرى غيره، وإذا رد السيد عتقه فلا يلزم ذلك المكاتب إن أعتق، نص عليه في المدونة، واستحسن اللخمي أن يوقف فلا يمضي ولا يرد ولا يباع، فإن أدى المكاتب ما عليه مضى عتقه، وإن عجز رد عتقه، إلا أن يكون المكاتب قليل المال، ويرى أنه يضر به إيقافه فيرد، إلا إن قال: وعتقه بإذن سيده جائز إذا [٧٦٣/أ] كان كثير المال لا يخاف عليه أن يؤدي إلى عجزه، ويختلف فيه إذا خيف عليه لأجل العجز قياساً على قوله: إذا رضي بالعجز وله مال ظاهر.
قوله: (وَلا يُعْتَقُ قَرِيبُهُ) ظاهر؛ لأنه من جملة التبرعات.
وَيُكَاتَبُ بالنَّظَرِ
أي: على وجه ابتغاء الفضل، ففي المدونة: وكتابة المكاتب عبده على ابتغاء الفضل جائزة، وإلا لم يجز، وكذلك قوله للعبد: إن جئتني بكذا فأنت حر، ويشترط في المال ألا يكون مملوكاً للعبد حين عقد ذلك؛ إذ لا نظر في ذلك لهم، وجاز هذا للمكاتب؛ لأنه عقد معاوضة، والله أعلم.
стр. 4557
وَيَتَسَرَّى مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ
لأن ذلك لا يعيبه إذا عجز بخلاف النكاح، وينبغي أن يقيد هذا بالتسري الذي لا يؤدي لعجزه غالباً، وإلا ففي السراري من العلي من يقارب الأحرار في النفقة وغيرها وتزيد، لكن النكاح عندهم عيب عجزه، ويرجع إلى السيد معيباً بخلاف التسري.
وَلا يَتَزَوَّجُ إِلا بإِذْنِهِ
أي: لا يجوز له بغير إذنه؛ لأن ذلك يعيبه إذا عجز. وقوله: (إِلا بإِذْنِهِ) ظاهره أنه لا يفتقر إلى إذن غيره، وهو مقيد بما إذا لم يكن معه غيره.
أشهب: وإن كان معه في الكتابة غيره؛ فليس لسيده إجازة نكاحه إلا بإجازة من معه، إلا أن يكونوا صغاراً فيفسخ على كل حال، ويترك لها إن دخل ثلاثة دراهم، ولا يتبع إن عتق بما بقي.
وَلا يُكَفَّرُ إِلا بالصِّيَامِ
يعني: لا يكفر بعتق ولا إطعام، أما العتق فلعدم الولاية، وأما الإطعام فقد تقدم الخلاف فيه في باب الظهار.
وَلا يُسَافِرُ سَفَراً بَعِيداً بغَيْرِ إِذْنِهِ
احترز بالبعيد من القريب؛ فإنه جائز، قاله ابن القاسم. ونقل اللخمي أنه منع السفر مطلقاً، ورأى اللخمي المنع إذا كان صانعاً ونحوه؛ لأن القصد سعايته في الحاضرة، والجواز إن كان شأنه السفر قبل ذلك.
وَإِذَا اشْتَرى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِه صَحَّ، فَإِنْ عَجَزَ عَتَقَ
(صَحَّ) أي: الشراء، ولم يعتق على السيد؛ لأن المكاتب قد أحرز نفسه وماله، وإذا صح الشراء فللمكاتب بيعه ووطؤها إن كانت أمة، وقاله ابن القاسم في الموازية، فإن
стр. 4558
عجز المكاتب عتق العبد على السيد، فإن قيل: لا يعتق على سيد مأذون له إلا ما اشتراه المأذون له غير عالم، وها هنا المكاتب قد يشتري وهو غير عالم بأن ذلك العبد يعتق على سيده. قيل: لما أبيح للمكاتب اشتراؤهم أولاً صار أقل أموره كالمأذون يشتري وهو عالم.
وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَوَلَدُ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ فِي حُكْمِهَا، بخِلافِ مَا قَبْلَهَا إِلا أَنْ يَشْتَرِطَهُمْ ...
أي: ما ولد للمكاتبة بعد عقد الكتابة، سواء حملت به بعد العقد أو قبله، وكذلك ولد المكاتب من أمته يشترط أن يحدث بعد الكتابة، وأما لو حملت به قبلها فلا يدخل؛ لأنه ملك للسيد.
وقوله: (فِي حُكْمِهَا) أي: في حكم الكتابة. واحترز بقوله: (مِنْ أَمَتِهِ) مما لو كان من زوجته فإنه لا يتبع؛ لأنها إن كانت حرة فالولد حر، وإن كانت أمة فالولد رقيق لسيدها.
وقوله: (بخِلافِ مَا قَبْلَهَا) أي: فلا يدخل إلا أن يشترطاهم؛ أي: المكاتب والمكاتبة.
وَلَوْ وَطِئَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَتَهُ أُدِّبَ وَلا مَهْرَ، فَإِنْ نَقَصَهَا فَعَلَيْهِ الأَرْشُ إِنْ أَكْرَهَهَا
يعني: ولا حد للشبهة. قال في المدونة: ويعاقب، إلا ان يعذر بجهل، والمذهب سقوط المهر خلافاً للحسن، نعم إن نقصها فعليه الأرش، هكذا في المدونة، وقيده ابن يونس، فقال: يريد إذا كانت بكراً. وقال اللخمي: لا شيء لها إن كانت ثيباً؛ لأن ذلك لا ينقص من ثمنها، وعلى هذا فالتقييد مأخوذ من المدونة، واحترز المصنف بالإكراه لو طاوعته فإنه لا شيء عليه، لا صداق ولا ما نقصها، قاله في المدونة.
ابن يونس: ولو كانت بكراً.
стр. 4559
وَلَوْ حَمَلَتْ خُيِّرَتْ فِي بَقَاءِ الْكِتَابَةِ وَأُمَومَةِ الْوَلَدِ مَا لَمْ يَكُنْ ضُعَفَاءُ أَوْ أَقْوِيَاءُ إِنْ لَمْ يَرْضَوْا، فَإِنِ اخْتَارَتِ الأُمُومَةَ وَرَضَوْا؛ حُطَّتَ حِصَّتُهَا ...
ظاهره: أنها تخير في التعجيز ولو كانت قوية على السعي، وقاله محمد وسحنون، وعلله ابن يونس بمراعاة الخلاف، فابن القاسم قال: إذا حملت بطلت كتابته وصارت أم ولد، فلذلك كان لها تعجيز نفسها.
اللخمي: تعجيزها نفسها ليس بالبين؛ لأنه انتقل عن عتق ناجز إلى عتق بعد موت، وقد تموت قبله رقيقاً، واختلف إذا مضت على كتابتها في نفقتها، فقال سحنون وابن حبيب، ونقله عن أصحاب مالك: لها النفقة ما دامت حاملاً قياساً على المبتوتة الحامل. وقال أصبغ: لا نفقة لاختيارها حكم الكتابة، أما إن عجزت بعد اختيارها الكتابة فهي على حكم أمومة الولد.
وقوله: (مَا لَمْ يَكُنْ) هو شرط في التخيير، وقد تقدم معناه إذا أعتق السيد بعض المكاتبين، وكذلك تقدم أنه يحط عنهم حصة المعتق، ولو اختارت الكتابة ثم عجزت؛ فإنها لا ترق، بل ترجع إلى حكم أمومة الولد، وتعتق بموت سيدها، قاله في الجلاب.
وَإِذَا جَنَى وَلَوْ عَلَى سَيِّدِهِ فَالأَرْشُن فَإِنْ عَجَزَ رُقَّ، ثُمَّ يُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ إِسْلامِهِ وَفِكَاكِهِ
يعني: إذا جنى المكاتب على غيره، وجنايته على سيده كجنايته على الأجنبي؛ لأنه أحرز نفسه وماله، ووجب عليه الأرش، فإن أدى بقي على كتابته، وإن عجز فهو عجز عن الكتابة ويرجع رقيقاً، فيخير سيده في إسلامه فيكون رقيقاً للمجني عليه، وفي فكاكه فيكون رقيقاً له.
مالك: ولا ينجم على المكاتب الأرش [٧٦٣/ب] كما ينجم على العاقلة.
ابن وهب: قال عطاء وابن شهاب: بذلك مضت السنة.
стр. 4560
محمد: وإذا قال المكاتب لما طولب بالأرش: ما عندي شيء، فقد عجز ويخير سيده، وإن قال: عندي ولكن أؤدي إلى أيام، فلا يرد، ويقول له السلطان: إن تؤديه وشبهه وإلا فأنت رقيق، فإن أداه وإلا عُجِّزَ.
اللخمي: وإن أدى عنه سيده الأرش على أن يرجع عليه بما أدى؛ بقي على حاله مكاتباً؛ لأن الجناية سقطت، وإن أدى عنه ليتبعه؛ فعلى مذهب من يرى أنه يجبره على الكتابة، يجوز ذلك وتكون كتابة من السيد مبتدأة، وعلى مذهب من يرى أنه لا يجبره على الكتابة يرجع؛ لأنه من عجز الأرش فيجب إرقاقه، وقد دفع السيد ذلك عنه فداء له.
وَلَوْ جَنَى عَبْدٌ مِنْ عَبيدِ الْمُكَاتِبِ فَدَاهُ بالنَّظَرِ
في كلامه حذف معطوف تقديره: فداه أو أسلمه بانلظر.
وَلَوْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ مُكَاتَباً بَعْدَ الْجِنَايَةِ لَزِمَهُ الْفِدَاءُ
نحوه في الجواهر، وظاهره أنه لا يقبل قول السيد: لم يرد حملها، وينبغي أن يقيد بذلك كما نص عليه في المدونة في المدبر إذا أعتقه سيد، فإن أراد حمل الجناية فذلك له، وإن قال: ظننت أنها تلزم ذمته وإن كان حرّاً يتبع؛ حلف على ذلك ثم رد عتقه، فإن كان للعبد مالٌ قدر الجناية، أو وجد معيناً على أدائها مضى عتقه، ولعل ما ذكره المصنف وابن شاس إنما يجري على مذهب المغيرة: أنه إذا أعتق عالماً بالجناية أنه ضامن، كما لو أولد أمته.
وَلَوْ قُتِلَ فَلِلسَّيِّدِ الْقِيمَةُ عَلَى أَنَّهُ مُكَاتَبٌ
هذه إحدى الروايتين عن مالك، وهو مذهب المدونة عند أبي عمران وغيره، قال فيها: وعلى قاتل المكاتب قيمته عبداً مكاتباً في قوة مثله على الأداء وضعفه. قيل لأبي عمران: لِمَ قال: يقوم مكاتباً على قدر أدائه، ولم يقل: يقوم عبداً؟ قال: من أجل أن للمكاتب زيادة فيه؛ لأنه يراد فيه من أجل اجتهاده في خروجه من الرق. وروي عن
стр. 4561
مالك، وهو مذهب المدونة عند جماعة: أنه يقوم عبداً؛ لأن الكتابة بطلت بقتله، بخلاف الجناية عليه فيما دون النفس، فإنه يلزمه فيه الأرش على أنه مكاتب؛ لأن حكم الكتابة باقٍ لم يبطل لبقاء ذاته.
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي الْكِتَابَةِ أَوِ الأَدَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ
يعني: إن ادعى العبد أن السيد كاتبه وأنكر السيد، أو ادعى المكاتب دفع الكتابة وأنكر السيد، فالقول قول السيد فيهما؛ لأنه مدعىعليه، إذ الأصل عدم الكتابة والأداء، ولا يمين على السيد في الأولى، وينبغي أن يحلف في الثانية، فإن نكل حلف المكاتب وعتق.
وَيَثْبُتُ الأَدَاءُ بشَاهِدٍ وَيَمِينٍ بخِلافِ الْكِتَابَةِ
هذا نحو ما قدمه المصنف في باب الشهادات، حيث قال: ونجوم الكتابة وإن عتق بها فتجوز برجل وامرأتين، بخلاف الكتابة فإنها لا تثبت إلا بعدلين.
فرع:
واختلف هل يرد العتق بدين ثبت بشاهد ويمين، أو بامرأتين ويمين، أو شاهد وامرأتين، فظاهر المذهب أنه لا يرد بذلك، وقال القاضي إسماعيل: لا يرد العتق بذلك، وإنما يرد بذلك ماي ثبت من العتق بعد الحكم بالمال، إلا أن يثبت أن شهادة الرجل والمرأتين وشهادة الشهاد الذي حلف معه كانت قبل العتق، وكذلك فسره عبد الملك ومحمد بن سلمة، إلا أن يكون معتقاً ي وصيته فيشهد على الميت رجل وامرأتان، فقد علمنا بغير شهادتهما أن الحق كان قبل العتق. وقال مالك في الموطأ: يرد العتق بنكول السيد عن اليمين ويكون صاحب الحق، ومثله في العتبية والمجموعة.
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِهَا أَوْ جِنْسِهَا أَوْ جِنْسِهَا أَوْ أَجَلِهَا فَفِي قَبُولِ قَوْلِ الْمُكَاتَبِ وَالسَّيِّدِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
تصوره ظاهر، وهو يقتضي بصريحه أن الخلاف في الثلاث مسائل:
стр. 4562
أما الأولى: وهي اختلافهما في المقدار. كما لو قال السيد: بألف، وقال المكاتب: بل تسعمائة. وقال ابن القاسم في المدونة: القول قول المكاتب إن كان قوله يشبه؛ لأن المكاتب فوت، كما لو اشترى عبداً فكاتبه ثم اختلفا في الثمن أن المبتاع مصدق، وشبه ذلك بما رجع إليه مالك إذا اختلف البائع والمبتاع أنهما يتحالفان ما لم تفت السلعة في يد المشتري، فيكون القول قوله. وقال أشهب: ما ذكر عنه المصنف القول قول السيد.
محمد: وحجته أن يقول للمكاتب: أنت مملوكي، فلا تخرج الكتابة إلا بما أقر لك به. واعلم أن أشهب إنما قال هنا: القول قول السيد، فقال اللخمي: الرواية ناقصة. وإنما معنى ذلك أن يحلف السيد، ثم يقال للعبد: ترضى بما عليه السيد وإلا فاحلف وتفسخ الكتابة، كما في البيع سواء.
المازري: وقد لا يحتاج إلى هذا التأويل، ويكون أِهب رأى أن القول قول السيد مطلقاً، بناء على القول أن للسيد أن يجبر عبده على الكتابة؛ لأن السيد يقول: لا فائدة في يمين العبد، لأنه بعد أن يحلف تفسخ الكتابة؛ أجبره عليها بذلك.
وخرج اللخمي على قول أشهب: تفسخ الكتابة. اشتراط السيد وطء مكاتبته أو على أن ولدها له ما لم يؤدِّ نجماً، أنهما هنا يتحالفان ويتفاسخان ما لم يؤدِّ نجماً، فإن أداه تحالفاً ورجع إلى كتابة المثل ما لم يكن أكثر مما ادعاه السيد فلا يزاد، أو أقل مما قاله المشتري، وكل هذا إذا أتيا جميعاً بما يشبه، وإن أتى أحدهما [٧٦٤/أ] بما لا يشبه؛ فالقول قول الآخر مع يمينه، سواء اختلفا قبل أداء نجم أو بعده.
وفي تخريج اللخمي نظر؛ لأن شرط الكتابة لا يحل اتفاقاً، وإنما رأى من ال ببطلان الكتابة أنها فاسدة، فكانت كالبيع الفاسد، بخلاف اختلاف السيد ومكاتبه، فإن ذلك لا يوجب فساداً كاختلاف المتبايعين.
стр. 4563
وأما الثانية: فهي اختلافهما في الجنس. كما لو قال أحدهما بثياب، وقال الآخر بخلافها، فلم أر قول ابن القاسم وأشهب فيها كما يوهم كلام المصنف، ولهذا أجرى اللخمي على قول ابن القاسم: أن الكتابة فوت ويتحالفان ويكون على كتابة مثله من العين، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر؛ فالقول قول الحالف، وإن قال أحدهما عيناً والآخر عرضاً؛ فالقول لمدعي العين، إلا أن يأتي بما لا يشبه. وسكت عن قول أشهب فيه.
وقال المازري: إذا اختلفا في الجنس؛ جرى على اختلاف المتبايعين في الجنس يتحالفان ويتفاسخان، ولا خلاف منصوص في البيع فيهما. وتذاكرت مع ابن عبد الصمد بسفاقص في هذه المسألة، فقال لي: فيها قول آخر؛ أن القول للبائع فاستغربته، فقال لي: هو منصصو لمالك في كتاب أبي إسحاق، فأخرج لي الكتاب فوجدته فيه.
وأما الثالثة: وهي اختلافهما في الأجل. فكلامه محتمل لأن يكون اختلافهام في وجوده وعدمه، أو في قدره، أو في حلوله. فأما الأول، فقال اللخمي: القول قول المكاتب أنها منجمة ما لم يأت من كثرة النجوم ما لا يشبه. قيل: المذهب كله عليه. وأخرج بعضهم فيها خلافاً من اختلاف قول مالك: إذا باع من رجل سلعة، فقال المشتري: بعتها مني إلى أجل، وقال هو: بل نقداً. ورده المازري: بأن العادة في الكتابة لا تكون إلا على التنجيم بخلاف البيع وافترقا، وأما الاختلاف في قدره. وفي المدونة: إن قال المكاتب منجمة على عشرة أنجم، وقال السيد على خمسة؛ صدق المكاتب مع يمينه، وإن أتى ببينة قضى بأعدلهما، وإن تكافآ صدق المكاتب وكان كمن لا بينة له. قال غيره: يقضي ببينة السيد لأنها زادت، ونقل ابن يونس عن أِهب مثل قول ابن القاسم، وبه لا يتم أن يريد المصنف هذا الوجه؛ لأن أشهب لا يقول قول السيد، وإنما اختلافهما بحلول الأجل، ففي المدونة: القول قول المكاتب، قال: كمن أكرى داره سنة أو باع سلعة بدينار إلى سنة وادعى حلولها؛ فالمكتري أو المبتاع مصدق، ولم ينقلوا هنا قول أشهب، وبالجملة في كلام المصنف نظر، والله أعلم.
стр. 4564
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الأم في اللغة: أصل الشيء، والجمع أمات. وأصل أم: أمهة، ولذلك يجمع على أمهات. وقيل: الأمهات للناس، والأمات للنعم، وأم الولد عبارة في اللغة عن كل من ولد لها ولد، وهي خاصة في استعمال الفقهاء بالأمة التي ولدت من سيدها، وجرت عادة الفقهاء بترجمة هذا الباب بالجمع، ولعل سبب ذلك تنويع الولد الذي تحصل به الحرية للأم، فقد يكون تام الخلقة، وقد لا يكون كذلك من مضغة وعلقة وغيرهما.
عياض: ولأم الولد حكم الحرائر في ستة أوجه وحكم العبد في أربعة. أما الستة: فلا خلاف عندنا أنهن لا يبعن في دين ولا غيره، ولا يرهن، ولا يؤجرن، ولا يسلمن في جناية، ولا يستسعين. وأما الأربعة: فانتزاع أموالهن ما لم يمرض السيد، وإجبارهن على النكاح على أحد القولين واستخدامهن، لكن في خفيف الخدمة فيما لا يلزم الحرة، وكونهن لسيدهن له فيهن من الاستمتاع ما في الإماء.
وَتَصِيرُ الأَمَةُ أُمِّ وَلَدٍ بثُبُوتِ إِقْرَارِ السَّيِّدِ بالْوَطْءِ، وَثُبُوتِ الإِتْيَانِ بوَلَدٍ حَيِّ أَوْ مَيِّتٍ عَلَقَةٌ فَمَا فَوْقَهَا مِمَّا يَقُولُ النِّسَاءُ: إِنَّهُ مُنْتَقِلٌ ...
أي: وتصير الأمة أم ولد بمجموع شيئين؛ الأول: أن يقر السيد بوطئها. والثاني: أن يثبت الإتيان بولد، واحترز بالأول مما لو أنكر السيد الوطء، فإن الولد لا يلحقه، والمذهب أن اليمين لا تتوجه عليه؛ لأن ذلك من دعوى العتق. وقال عبد الملك: إذا ادعى الاستبراء يحلف وهو خلاف قول مالك، فعلى قوله ينبغي أن يحلف هنا، واختار اللخمي توجهها في العليا مطلقاً، وفي الوخش إن علم منه ميل لذلك الجنس. قال: وقد قيل: إنه لا يصدق في العليا إذا طال مقامها لكان له وجه، واحترز بالثاني مما لو أقر بالوطء وأنكر الولادة، فإن لم يكن مع الأمة ولد؛ فإن اليمين تتوجه عليه إذا ادعت عليه العلم،
стр. 4565
وإن كان غائباً في الوقت الذي يقول أنها ولدت فيه ولم يحلف. واختلف إذا أتت بامرأتين على الولادة كلٌّ تكون أم ولد؟ فقال ابن القاسم: تكون بذلك أم ولد. وقال سحنون: إذا لم يكن معها ولد فلا تكون بذلك أم ولد. واختلف إذا كان معها ولد؛ ففي المدونة: يقبل قولها. وقيل: لابد من امرأتين على الولادة. وقال محمد: يقبل قولها إذا صدقها جيرانها لواحد حضرها، وليس يحضر هذا الثقات. واختار اللخمي الرجوع إلى دلائل الأحوال في ذلك، وظاهر قول المصنف: وثبوت الإتيان بولد أنه لابد من امرأتين.
وقوله: (عَلَقَةٌ فَمَا فَوْقَهَا) ظاهره أنها لا تكون بما دون ذلك وهو مذهب أشهب، ومذهب ابن القاسم: أنها لا تكون بالدم المجتمع. قيل: وعلامة [٧٦٤/ب] كونه ولداً إذا كب عليه الماء الساخن لا يذوب. وقوله: (مُنْتَقِلٌ) أي: يبين حملاً بعد ذلك.
وَلَوِ ادَّعَتْ سَقْطاً مِنْ ذَلِكَ وَرَأَى النِّسَاءُ أَثَرَ ذَلِكَ اعْتُبِرَ
يعني: إذا أقر بالوطء وادعت سقطاً بولد حي أو ميت علقة فما فوقها، وهو قوله: (مِنْ ذَلِكَ وَرَأَى النِّسَاءُ أَثَرَ ذَلِكَ اعْتُبِرَ) هذا معنى ما في أمهات أولاد. المدونة، قيل: فإن أقرت بولد فأنكر السيد أن تكون ولدته: قال: سئل مالك عن المطلقة تدعي أنها قد أسقطت وانقضت عدتها ولا يعلم ذلك إلا من قولها؟ قال: لا يكاد يخفى عن الجيران الولادة والسقط وأنها لوجوه تصدق النساء فيها وهو الشأن، ولكن لا يكاد يخفى عن الجيران، فكذا مسألتك في ولادة الأمة، فظاهر هذا مثل ما ذكره المصنف في السقوط، وصرح في المدونة في كتاب القذف بما لم يصرح به في كتاب أمهات الأولاد في مسألة إنكار السيد الولادة، فقال: ومن أقر بوطء أمته فأتت بولد، فقال لها: لم تلديه ولم يدع الاستبراء، وقالت الأمة: بل لقد ولدته منك؛ فهي مصدقة والولد لاحق، فإذا قبل قولها في الولد مع احتمال بعد الزمان، فأحرى في السقط التي آثاره ظاهرة.
стр. 4566
وَلَوِ ادَّعَى اسْتِبْرَاءً لَمْ يَطَا بَعْدَهُ لَمْ يَلْحَقْهُ وَلا يَحْلِفُ
هذا ظاهر المدونة كما ذكر سقوط اليمين، وهو قول مالك ونص الموازية، وألزمه عبد الملك ومطرف وعيسى اليمين، ورواه أشهب عن مالك.
وقال ابن مسلمة: يحلف إن اتهم، وإن نكل لحق به الولد ولم ترد اليمين. وقال المغيرة في أول قوله: لا ينبغي بالاستبراء جملة ولا يبرأ منه إلى خمس سنين، ومال إليه اللخمي مستدلاً بأن النفي بالاستبراء ضعيف؛ لأن الحامل تحيض عندنا، إلا أن تكون الأمة ممن يظن بها الفساد فيترجح القول بالفساد بالاستقراء، وإن كانت معروفة بالعفاف والصيانة لم ينتف به.
وَاسْتِبْرَاؤُهَا حَيْضَةٌ وَانْفَرَدَ الْمُغِيرَةُ بثَلاثِ حِيَضٍ وَيَحَلِفُ
يعني: إذا قلنا أن له أن ينفي الولد بالاستبراء، فهل يكتفي بحيضة وهو المشهور، أو لابد من ثلاث؟ ولم ينفرد المغيرة كما قال المصنف، فقد نقل ابن يونس عن مالك من رواية عبد الملك مثل قول المغيرة: أنه لا ينبغي إلا بثلاث حيض مع اليمين. قال سحنون: والذي ثبت عليهمالك حيضة ولا يمين عليه.
وعن المغيرة أيضاً: أنها حيضة، ثم رجع لثلاث.
بعض الشيوخ: وإذا أوجبنا عليه اليمين فنكل عنها؛ كان ذلك كدعوى العتق مع شاهد، وَجَبَتْ اليمينُ على السيد فنكل عنها، فعلى القول أنه يعتق بالنكول لزمه هنا الولد، وعلى القول الثاني سجن أبداً.
وَلا يَنْدَفِعُ بدَعْوَى الْعَزْلِ، وَلا بالإِتْيَانِ فِي الدُّبُرِ، وَلا بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ مَعَ الإِنْزَالِ
يعني: لا يندفع الولد عنه بقوله كنت أعزل؛ لأن الماء قد يسبقه ولو اليسير منه.
стр. 4567
اللخمي: إلا أن يكون العزل البين، ولا بالإتيان في الدبر أو بين الفخذين، نحوه في المدونة، ونقل اللخمي قولاً آخر: أنه لا يلحقه الولد؛ لأن الماء إذا باشر الهوى فسد، واستحسن اللخمي القول الأول؛ لأن فساد الماء مظنون فلا يسقط به النسب، واستبعد الباجي حصول الولد عن الوطء في غير الفرج، قال: ولو صح لما حدت المرأة إذا ظهر بها حمل ولا زوج لها، لجواز أن تكون إنما وطئت في غير فرج.
اللخمي: وإن كان الإنزال بين شفري الفرج لحق الولد اتفاقاً. قال ابن القاسم: ولو قال وطئت ولم أنزل؛ لزمه الولد.
وَلَوْ أُنكحَ أَمَةً أَوْ وَطِئَهَا بشُبْهَةٍ فَوَلَدَتْ ثُمَّ اشْتَراهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ
يعني: لو تزوج أمة ووطئها بشبهة فولدت منه، ثم بعد ذلك اشتراها؛ فإنها لا تكون بذلك الولد المتقدم على الشراء أم ولد، وهذا متفق عليه عندنا.
وَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ حَامِلاً مِنْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
هما روايتان، وبالمشهور قال ابن القاسم وأكثر الأصحاب، وبالشاذ قال أشهب؛ لأن الولد قد مسه الرق وإنما عتق بالملك، ورأى في المشهور أنه لما عتق عليه بالشراء صار كما لو حملت ابتداء وهي في ملك أبيه، ولهذا لو لم يعتق عليه بالشراء لم تكن أم ولد عند الجميع، كما لو كانت الأمة لأبيه واشتراها منه؛ لأنه قد عتق على جده ولم يملكه أبوه، أما لو اشتراها من أعتق ما في بطنها؛ ففي المدونة: شراؤه جائز وتكون بما وضعت أم ولد؛ لأنه على الذي عتق بالشراء ولم يصبه عتق السيد؛ إذ لا يتم تقه إلا بالوضع، لأنه يباع عليه في فلسه ويبيعها ورثته قبل الوضع إن شاءوا، وإن لم يكن عليه دين والثلث يحملها، ولو ضربها رجل فألقته؛ فإن فيه ما في جنين الأمة، ولو كان بعدما اشتراها الزوج؛ ففيه ما في جنين الحرة. قال: وقد تزوج أمة والده فمات الأب فورثها وهي حامل، فإن كان حملاً
стр. 4568
ظاهراً أو لم يكن ظاهراً ولكنها وضعته لأقل من ستة أشهر؛ لم تكن أم ولد، لأنه قد عتق على جده في بطنها قبل أن يرثه أبوه فلم يملكه أبوه، ولا تكون أم ولد أبداً إلا عن ملك رقبتها بماف ي بطنها حتى يعتق الجنين عليه لا على غيره، قال: وإن وضعته لستة أشهر فأكثر فهي له أم ولد، ونحوه لابن الماجشون في كتاب ابن سحنون.
وَمَنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ: هَذِهِ وَلَدَتْ مِنِّي وَلا وَلَدَ مَعَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَلَوْ مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الأَصَحِّ صُدِّقَ وَعتَقَتْ مِنْ رَأَسِ مَالِهِ، وَإِلا لَمْ يُصَدَّقْ وَرَقَّتْ ...
قد يقال في كلامه تناقض [٧٦٥/أ] لأن قوله: (وَلَوْ مِنْ غَيْرِهَا) يقتضي تسوية الحكم منها ومن غيرها وهو ناف لقوله: (وَلا وَلَدَ مَعَهَا) ووقع في بعض النسخ إسقاط (لو) وهي أحسن، والقولان في المدونة؛ ففيها: وأما إن قال: هذه ولدت مني. ولا يعلم ذلك إلا بقوله: (وَلا وَلَدَ مَعَهَا) فإن كان ورثته ولده؛ صدق وعتقت من رأس المال، وإن لم يترك ولداً؛ لم يصدق ولا تعتق الأمة في الثلث وتبقى رِقّاً، إلا أن يكون معها ولد السيد أو بينة تثبت فتعتق من رأس المال. وقد قال مالك أيضاً: لا تعتق إذا لم يكن معها ولد من ثلث ولا من رأٍ مال كان ورثته ولده أو كلالة؛ كقوله: أعتقت عبدي في صحتي. فلا يعتق في ثلث ولا في رأس مال، وقاله أكثر الرواة.
اللخمي: وعلى قوله في المريض يقر بقبض كتابة مكاتبه؛ ورثته كلالة إذا كان الثلث يحملها ولم يشغل الثلث بوصية. ويجري فيها قول رابع: إن كان اعترف بوطئها قبل قوله الآن وإن لم يحملها الثلث، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة: إذا باعها، ثم قال: ولدت مني، نعم اختار اللخمي أنه يصدق في قوله وتكون على حكم أم الولد، وإن كان إقراره في مرضه ورثته كلالة من لم يحملها الثلث، أو في صحته وعليه دين؛ لما جرى من كثير من الناس كتمان مثل هذا، ثم يعترف به عند الموت ويكون معها الولد ولا سيما إن كانت دنية أو سوداء فيكتمه لمعرة ذلك، فإذا كان عند الموت أقر به لخوف الإثم.
стр. 4569
فَإِنْ قَالَ: أَعْتَقْتُهَا فِي صِحَّتِي؛ لَمْ تُعْتَقْ مِنْ رَاسِ مَالٍ وَلا ثُلُثِ عَلَى الأَكْثَرِ فِيهِمَا
يحتمل أن يعود فيهما على هذه المسألة والتي قبلها، لكن يبقى فيه نظر؛ لأنه قد تقدم من كلامه في المدونة أن الأكثر على مقابل الأصح، وعلى هذا فيعود الضمير على رأٍ المال والثلث، ويكون مقابل الأصح أنها تعتق من رأس المال على قول، ومن الثلث على قول، وقد سوىبن زرقون بين العتق والاستيلاد، فقال: اختلف فيمن أقر في مرضه أنه كان فعل شيئاً في صحته مثل عتق أوإيلاد على ستة أقوال؛ أحدها من كتاب أمهات الأولاد أيضاً: إن ورث بولد فمن رأس المال، وإن ورث بكلالة لم ينفذ من الثلث ولا من رأس المال. والرابع ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الكتابة، ونص ما في المدونة: إن ورث بولد نفذ من رأس المال، فإن ورث بكلالة نفذ من الثلث. والخامس في الموازية: ينفذ من الثلث ورث بولد أو كلالة. والسادس حكاه التونسي: إن حمله الثلث جاز، وإن لم يحمله بطل جميعه، ونحوه لابن رشد وحكاه قولاً سابعاً: إن ورث بولد هذا من الثلث، وإن ورث بكلالة لم ينفذ من رأس مال ولا ثلث. ويأتي في أم الولد قول ثامن وهو ما خرجه اللخمي: إن كان اعترف بوطئها قبل قوله الآن، وإلا فلا كما تقدم.
وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ فِيهَا إِجَارَةٌ وَلا غَيْرِهَا سِوَىَ الاسْتِمْتَاعِ وَما قَرُبَ مِنَ الْخِدْمَةِ
في المختصر: لا تؤاجر إلا برضاها؛ لأن الحر لو رضي أن يؤاجر نفسه جاز. ابن الجلاب: وإن أجرها فسخت الإجارة، فإن لم تفسخ حتى انقضت لم يرجع المستأجر على سيدها بشيء.
وقوله: (وَلا غَيْرِهَا) أي: من البيع، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور: أنها لا تباع في دين ولا غيره ونقل سحنون على ذلك، ويعضده ما رواه الدارقطني وغيره من منع بيعهن، لكن الأحاديث فيها ضعف، ومنع في املدونة كتابتها، لكن ذلك محمول عند
стр. 4570
الشيوخ على ما إذا لم ترض بذلك، وأما لو رضيت فتجوز الإجارة، ثم استثنى من ذلك الاستمتاع منها وما قرب من الخدمة، وهو قريب مما لعبد الوهاب في المعونة، فإنه قال: وله استخدامها فيما قرب ولا يشق، لكنه مخالف لما في الموازية عن ابن القاسم من التفصيل بين الرفيعة والدنية؛ لأنه قال: ليس له أن يعنت أم الولد في الخدمة، وإن كانت دنية وتبتذل في الحوائج الخفيفة ما لا تبتذل في الرفيعة. وقال الباجي: للسيد استخدام المدبرة دون أم الولد على المشهور من قول مالك، وظاهره أن مقابل المشهور له فيها الخدم ةالكثيرة، والأظهر عنده أن له فيها الخدمة؛ أي: الكثيرة، لأنها فيه على حكم الملك، وإنما منع من تملكها غيره، وقياساً على استخدام أم ولده؛ لأن حرمتهما واحدة، إذ كل ذات رحم فولدها بمنزلتها.
وَلَوْ بيعَتْ وَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي فَسَخَ وَمُصيبَتُهَا مِنَ الْبَائِعِ
(فَسخَ) أي: البيع والعتق وعادت أم الولد، وإذا فسخ العتق فأحرى الكتابة والتدبير، وكذلك أيضاً لا يفيتها إياه المشتري عالماً أنها أم ولد للبائع غرم قيمة الولد، اختلف إذا غره وكتمه أنها أم ولد، فقال ابن الماجشون: عليه قيمة الولد. وقال مطرف: لا شيء عليه لأنه أباحه إياها. اللخمي: وهو أحسن.
قوله: (وَمُصيبَتُهَا مِنَ الْبَائِعِ) يعني: أن هذا مخالف للبيع الفاسد؛ لأن الملك لا ينتقل هنا، وإذا فسخ البيع؛ ظاهر المذهب لا شيء على البائع مما أنفقه المشتري عليها ولا من قيمة خدمتها. وقال سحنون: يرجع بالنفقة، يريد ويرجع هو بالخدمة، قاله اللخمي، قال: وإذا انقضى البيع تحفظ من البائع لئلا يعود إلى بيعها ولا يؤمن من السفر بها، وإن خيف عليها ولم يمكن التحفظ منه عتقت عليه قياساً على قول مالك في المبسوط في الذي يبيع زوجته أنه لا يكون بيعها طلاق، قال: وتطلق عليه إذا خيف أن يعود، وإن غاب المشتري ولم يعلم مكانه تصدق بالثمن. انتهى.
стр. 4571
وهذا [٧٦٥/ب] إذا باعها لا شرط الحرية والعتق، وإن باعها على أنها حرة ساعتئذ، فهذه ترد ما لم تفت للعتق، فيمضي عتقها والولاء للبائع ويسوغ له الثمن، لأن المبتاع علم أنها أم ولد وشرط فيها العتق فكأنه فكاك، ولو لم يعلم أنها أم ولد لرجع بالثمن.
وَإِذَا جَنَتْ وَجَبَ فِدَاؤُهَا بالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ
لأن الشرع لما منع من إسلامها نزلت قيمتها منزلتها، فلذلك كان عليه في الجناية الأقل من قيمتها أمة وأرش الجناية، وأطلق في قوله: (قِيمَتِهَا) والمشهور: اعتبار القيمة يوم الحكم. وقال المغيرة: يوم جنت. قال محمد بن عبد الحكم: لا شيء على سيدها من جنايتها وذلك في ذمتها. وقال ابن الجهم: السيد بالخيار إن شاء أسلم أرش الجناية أو أسلم ما بقي له فيها من الخدمة فيستخدمها أو يؤاجرها، قال: ولا يلحقه من الجناية أكثر مما يملك منها، فإن وفت رجعت إلى سيدها، وإن لم توف حتى مات عتقت وأتبعت بالباقي ذمتها.
خليل: وانظر هل يتخرج فيها قول ثالث بعدم الرجوع عليها بما بقي من الدين، وإذا تعددت الجنايات وقام أهلها في وقت واحد اسلمت القيمة إليهم وتحاصوا فيها علىقدر أرش تلك الجناية، قيل: إلا أن تكون قيمتها مثل أقل الجناية؛ فيتحاصوا على السواء، واختلف إذا لزمت السيد قيمتها وبقي أقل من الأرش هل تقوم بمالها.
وَلَوْ سُبِيَتْ وَغُنِمَتْ وَقُسِمَتِ افْتَكَّهَا بجَمِيعِ مَا قُسِمَتْ بهِ وَيُتَّبَعُ بهِه إِنْ كَانَ مُعْسِراً. وَقِيلَ: بالأَقَلِّ مِنْهُ وَمِنْ قِيمَتِهَا ...
قد تقدمت هذه المسألة في الجهاد، وتقدم الخلاف فيها أكثر من هذا.
وَتُعْتَقُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ رَاسِ مَالِهِ وَلا يَرُدُّهَا دَيْنٌ
هذا مذهبنا، ولا يردها الدين سابقاً أو لاحقاً.
стр. 4572
وَوَلَدُهَا مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ الاسْتِيلادِ يُعْتَقُونَ بمَوْتِهِ وَلَهُ خِدْمَتُهُمْ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِمْ كَأُمِّهِمْ ...
قوله: (وَوَلَدُهَا) أي: أولاد أم الولد الكائنين قبل الإيلاد أرقاء، للسيد بيعهم وغيرذلك من حكم الأرقاء، ولا إشكال أن ولدها من سيدها أحرار، وأن أولادها بعد الولادة من سيدها وهم الذين تكلم عليهم المصنف الآن فحكمهم كأمهم، لأن كل ذات رحم فولدها بمنلزتها، ومعنى كلامهم أنهم يعتقون بموت سيد أمهم من رأس ماله.
قوله: (وَلَهُ خِدْمَتُهُمْ) أي: يؤاجرهم صاحب الخدمات وغيره وهم في ذلك بخلاف أمهم، وينبغي على قاعدة المذهب أن يستوي حكمهم وحكم أمهم؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها.
قوله: (وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِمْ كَأُمِّهِمْ) التشبيه في الجناية فقط؛ لأنهم في الخدمة يخالفونها كما ذكر، وعلى هذا فـ (الْجِنَايَةُ) مبتدأ وخبره (كَأُمِّهِمْ) يعني: أن أرش جنايتهم تكون لسيدهم لا لهم، وذلك هو الحكم في الجناية على أمهم، ولم يقدم المصنف الكلام على الجناية على أمهم، يفهم من قوله إثر هذا.
وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَخْذِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا؛ فَفِي كَمَالِهَا فَيَتَّبِعُهَا قَوْلانِ
لأنه يلزم منه أن السيد يأخذ أرش الجناية عليها في حياته والقولان لمالك.
ابن المواز: والقياس قوله الأول أنه لورثته، واستحسن ما رجع إليه مالك من أن ذلك يتبعها، وكذلك لو أعتقها قبل أن تؤخذ دية الجناية فإنها لها، وقال أشهب: للسيد.
وَفِي إِجْبَارِهَا عَلَى التَّزْويجِ قَوْلانِ، وَكَرِهَهُ وَلَوْ برِضَاهَا
أما القولان في الإجبار قد تقدما في النكاح (وَكَرِهَهُ وَلَوْ برِضَاهَا) أي: في تزويجها وهو ظاهر المدونة؛ ففيها: وكره مالك أن يزوج الرجل أم ولده، وعلى هذا حملها أكثر
стр. 4573
المفسرين، وقيدها فضل بغير رضاها، وعللت الكراهة بأنه ليس من مكارم الأخلاق، ونحوه في العتبية، وبأن ذلك لا يخلو غالباً من إكراه.
وَلَوْ وَطِئََ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَمَةً فَحَمَلَتْ غَرُمَ قِيمَةَ نَصِيبِ الآخَرِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِراً خُيِّرَ الآخَرُ فِي اتِّبَاعِهِ، أَوْ بَيْعِ الْجُزْءِ الْمُقَوِّمِ وَيَتَّبِعُهُ بمَا بَقِيَ وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ ...
لا شك أن أحد الشريكين لا يجوز له الوطء ابتداء، وأنه إن وطئ لا حد عليه للشبهة ويؤدب، إلا أن يعذر بجهالة على المشهور. وقال ابن حبيب: لا يعذر هنا بجهل، غير أن عقوبته أخف من العالم.
وقوله: (فَحَمَلَتْ) احترز به مما لو لم تحمل؛ فلا يجبران على التقويم، بل يخير الشريك بين التقويم على شريكه أو المتمسك. وقيل: لا شيء له. وقيل: لابد من التقويم لتتم له الشبهة. وفي الموازية: لا تقوم عليه ويلزمه نصف ما نقصها الوطء، وهو ظاهر؛ لأنه نقص يسيرٌ في الغالب.
وقوله: (غَرُمَ قِيمَةَ نَصِيبِ الآخَرِ) يعني: إذا كان موسراً؛ لمقابلته له بما إذا كان معسراً ولاتخيير لواحد منهما، واختلف في وقت التقويم؛ ففي المدونة: يوم الوطء وهي له أم ولد. وقيل: يوم الحكم. وقيل: إن شاء يوم الوطء وإن شاء يوم الحكم، واختاره محمد.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ مُعْسِراً خُيِّرَ) أي: الشريك في اتِّباع الواطئ بنصف قيمة الأمة ونصف قيمة الولد، وفي بيع ذلك النصف المقوم عليه بعد الوضع، فإن نقص ثمن ذلك الجزء عما لزمه من القيمة أتبعه بما بقي، وهذا هو المشهور. وكان مالك يقول: الأمة أم ولد للواطئ ويتبع بالقيمة ديناً كالموسر. وقيل: الشريك مخير أن يتماسك بنصفه ويتبع الواطئ بنصف قيمة الولد ديناً، أو يضمنه ويتبعه ديناً في ذمته. وفي المسألة قول رابع لابن القاسم في الموازية أن الشريك إذا تمسك بنصيبه ولم [٧٦٦/أ] تقوم اتبع بنصف قيمة الولد ونصف ما نقصها الولادة.
стр. 4574
وخامسها لمطرف وابن الماجشون: إن أحب تمسك، وإن أحب قومها عليه في الذمة، وإن أحب بيع له نصفها ولا شيء له من نصف قيمة الولد قوِّمَ أو أمسك.
وسادس لأشهب: أنها تباع عليه بما يوفي من الدين وإن كان أكثر من النصف؛ لأنه يقول: لا تكون بعض أم الولد، وللواطئ أن يتبع الباقي إن أحب.
وَلَوْ وَطِأَهَا فَحَمَلَتْ؛ فَالْقَافَةُ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيَّاً أَوْ عَبْداً
يعني: وإن وطئ الشريكان معاً في طهر واحد فأتت بولد لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني فإنه تدعى له القافة، وإن كان أحد الشريكين ذميا أو عبداً فإن ألحقوه بالذمي بقي على دين أبيه، وإن مات أحدهما قبل دعاء القافة فإن كانت القافة تعرف الميت فالحكم كما لو كان حياً، وإن كانت لا تعرفه إن قالت: هو للحي؛ يلحق به، واختلف إذا قالت: لا شيء له فيه، أو ماتا جميعاً قبل أن تدعى القافة، فقال أصبغ: إذا قالت: لا شيء فيه لهذا الحي لحق بالميت، إن مات قبل النظر فهو ابن لهما. وقال ابن الماجشون: يبقى لا أب له في الوجهين.
فَلَوْ أَشْرَكَتْهُمَا الْقَافَةُ حُكِمَ بإِسْلامِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِم: يُوَالِي مَنْ شَاءَ إِذَا كَبُرَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُلْحَقُ بأَقْوَى شَبَهٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمُةَ؛ بالْوَاطِئِ الأَوَّلِ، وَإِلا فَبأَقْوَى شَبَهٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: يَكُونُ ابْناً لَهُمَا ...
يعني: لو قالت القافة هو ابن لهما؛ فالولد محكوم له بالإسلام ولو كان أحد الواطئين كافراً، ثم اختلف في المشهور وهو قول ابن القاسم، وروايته أن الاشتراك ي الولد لا يصح خلافاً لسحنون، وعلى قول سحنون: يكون على كل واحد نصف نفقته، ونصف من كل واحد نصف ميراث، وعلى الأول فثلاثة أقوال:
الأول لمالك وابن القاسم: أنه يوالي إذا كبر من شاء منهما، فيكون له أباً فقط، واختلف في حد الموالاة، فروى ابن القاسم: إذا بلغ. قال أصبغ: إذا أثغر.
стр. 4575
والقول الثاني لابن الماجشون، وبه قال مطرف وابن نافع: لايترك يوالي من شاء، ويقال للقافة: ألحقوه بأقواهما شبهاً.
والثاثل لابن مسلمة: إن عرف الأول لحق به؛ لإمكان أن تكون حاملاً قبل أن يصيبها الآخر، وإن جهل الأول لحق بأكثرهما شبهاً فيما يرى من الرأس والصدر؛ لأنه الغالبن هكذا نقل اللخمي، وعلى قول ابن القاسم فاختلف في نفقته وكسوته قبل الولادة، فقال ابن القاسم وعيسى ومحمد بن عبد الحكم: ينفقان عليه جميعاً؛ إذ لا قرابة لأحدهما، وإن مات أحدهما أنفق على الصبي مما وقف له منميراثه منه نصف نفقته.
ابن راشد: وقال أصبغ: النفقة على الآخر منهما إلى أن يبلغ حد الموالاة، ثم لا رجوع إذا والى على رواية علي. وقال أصبغ: يرجع من انفق على من والاه.
فروع:
الأول: لو لم توجد القافة، فإن الولد يترك إلى أن يكبر فيوالي من شاء منهما. قيل: وهذا هو المشهور. وقيل: يصبر إلى أن يوجد قائفٌ.
الثاني: لو مات الولد عن مال قبل الموالاة. فقال ابن القاسم: هو بين الأبوين نصفينن حرين كانا أو عبدين، أو مختلفين، أو أحدهما مسلم والآخر ذمي، كمال تنازعه اثنان.
الثالث: إن ولدت توءمين فإن ألحقتهما القافة بأحدهما صح اتفاقاً، وإن أشركتهما فيهما فكما لواحد، وإن قالت: هذا ابن لهذا وهذا لهذا، فقال عبد الملك: لا يقبل قولهما ولا يلحقان إلا بأحدهما. وقال سحنون: يقبل قولهما، فإن كان أولهما مليّاً موسراً كانت أم ولد له وعليه نصف قيمتها لو حملت، وله على الثاني مثل ذلك، وقيل: لا شيء عليه وعتقت الأمة عليهما جميعاً.
وفروع القافة كثيرة ولنقتصر على هذا المطلب محاذاة لكلام المصنف.
стр. 4576
الْوَصَايَا أَرْكَانُ
والوصايا جمع وصية. الجوهري: أوصيت له بشيء وأوصيت إليه: إذا جعلته وصيك، والاسم الوِصَاية والوَصَاية بالكسر والفتح، وأوصيته ووصيته إيصاءً وتوصية بمعنى. انتهى. والوصية مشتقة فيما ذكر الأزهري من قولهم: وصَى الشيء بكذا يصيه، إذا وصله به.
وَحَدَّهَا بعض الحنفية بأنها: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع.
المازري: وهي مندوبة عندنا إلا أن يكون عليه حق يخشى تلفه على أصحابه إن لم يوص له فتجب. ونحوه لبعض القرويين أنه إذا كان عليه حق أو له حق فهي واجبة، وإلا فهي مستحبة. وإنما تجب عليه الوصية في ذلك فيما له بال، وجرت العادة فيه بالإشهاد من حقوق الناس، وأما اليسير من ذلك مما يجري بين الناس من المعاملات فلا تجب عليه؛ إذ لا يكلف بذلك كل يوم وليلة للمشقة. وأوجبها الظاهرية.
ولنا في مسلم: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين - وفي رواية: يبيت ثلاث ليال- إلا ووصيته عنده مكتوبة". ولو كانت واجبة لماوكلها إلى إرادته، وحمل بعض شيوخ عبد الحق هذا الحديث على أن قوله ﵊: "يبيت ليلتين" محمول على ما إذا كان موعوكاً. وقال صاحب المقامات: الصواب حمله على إطلاقه في الموعوك والصحيح؛ لان الصحيح قد يفجأه الموت.
وقوله: (أَرْكَانُ) أي: لها أركان أربعة، فحذف الخبر والصفة.
الْمُوصِي حُرٌّ مُسْلِمٌ مُمَيِّزٌ مَالِكٌ
هذا هو الركن الأول، وذكر له ثلاثة شروط، أو شرط مركب من ثلاثة أجزاء. واحترز بكُلِّ مِنْ مقابله: فاحترز بالحر من العبد؛ لأنه وإن كان يملك فلا تنفذ وصيته؛ لحق السيد.
стр. 4577
وبالمميز [٧٦٧/ب] من المجنون والصغير غير المميز، أما لو كان المجنون يفيق أحياناً وأوصى في حال إفاقته لصحت.
وبالمالك من غيره، والمراد بالمالك: من يملك ملكاً تامَّاً؛ ليحترز من المستغرق الذمة.
فَتَصِحُّ مِنْ السَّفِيهِ الْمُبَذِّرِ، وَالصَّبيِّ الْمُمَيِّزِ إِذَا عَقَلَ الْقُرْبَةَ وَلَمْ يَخْلِطْ
لأن الحجر عليهما إنما كان لأجلهما، فلو حجر عليهما في الوصية لكان الحجر لغيرهما. وقيد اللخمي إمضاء وصية السيه بأن يصيب فيه وجه الوصية.
مالك في الموازية: وإذا أدان المولى عليه ثم مات لم يلزمه ذلك، إلا أن يوصي به فتجوز في ثلثه.
ابن كنانة: وإن سمي ذلك ليقضي من رأس ماله ولم يجعله في ثلثه لم يجز ذلك على ورثته. وإن أوصى به على وجه الوصايا فهو مبدأ على وصاياه.
ولابن القاسم: إذا باع المولى عليه فلم يُرَدُّ بيعه حتى مات أنه ينفذ بيعه.
ابن زرقون: فعلى هذا يلزمه الدين بعد موته، فتأمله.
وذكرا لمصنف لإمضاء وصية الصغير ثلاثة شروط:
الأول: التمييز؛ لأن غير المميز لاتصح وصيته بالاتفاق.
والثاني: أن يعقل القربة، وهذا قد يستغنى عنه بالتمييزز
والثالث: ألا يخلط، وهذا قد ذكره في المدونة فقال: إذا أصاب وجه الوصية، وذلك إذا لم يكن فيه اختلاط.
وفسر اللخمي عدم الاختلاط بأن يوصي بما فيه قربة لله تعالى أو صلة رحم، فأما إن جعلها فيما لايحل من شرب خمر أو غيره فلا يُمْضَى.
стр. 4578
وقال أبو عمران: يريد إذالم يخلط في كلامه، مثل أن يذكر في كلامه ما يبين أنه لم يعرف ما ابتدأ به.
اللخمي: واختلف في السن الذي تجوز وصيته فيه؛ فقال مالك في المدونة: عشر سنين أو أقل بيسير. وقال في الموازية: سبع سنين. وقال أصبغ وابن شهاب في الواضحة: تجوز وصيته إذا عقل الصلاة. وقال مالك في العتبية: إذا أَثْغَرَ وأُمِرَ بالصلاة وأُدِّبَ عليها. وهذا أقل ما قيل. وقال ابن الماجشون: إذا كان يافعاً مراهقاً، وهذا أكثر ما قيل، وأشار اللخمي إلى أن النظر غلى حال كل صبي بانفراده.
أشهب: وقد أوصى بوصيته وجعل إنفاذها إلى غير الوصي فذلك إلى وصيه.
ابن عبد السلام: وهذا مما ينظر فيه، فَإِنَّ نَظَرَ الوصي ينقضي بموت الصبي، ألاترى أن جراح الصبي ينظر فيها وليه، وديته إذا قتل ليس للوصي فيها نظر، وإنما هو للورثة، إلا أن يقال: ملك الصبي للدية متعذر بعد وته، وإنفاذ الوصية بعد موته إنما يكون على تقدير ملكه، والوصي هو الناظر في أملاك الصبي، وهذا منها.
وقال أشهب أيضاً: من أوصى لبِكْرٍ بمائة دينار ولا ولي لها فدفع الورثة ذلك إليها بغير أمر الإمام فقد برئوا. واختار اللخمي إن كان لها وصي ألا يدفع إلا إليه، إلا أن يكون ما يعلم أن الميت أراد دفع ذلك إليها؛ لتتسع به في مطعم أو ملبس فيدفع إليها.
وَمِنَ الْكَافِرِ إِلا بِمِثْلِ خَمْرٍ لِمُسْلِمٍ
أي: وتصح الوصية من الكافر؛ لأنه حر مميز مالك، إلا أن يوصي لمسلم بما لا يصح تملكه من خمر ونحوه.
ومفهوم قوله: (لِمُسْلِمٍ) - وهو مفهوم كلام ابن شاس- أنه لو أوصى لكافر لصحت، وهو ظاهر؛ لأنه أوصى بها لمن يصح تملكه لها، ولم أر ذلك نصاً، وقد يؤخذ
стр. 4579
ذلك مما لابن القاسم في العتبية في نصراني أوصى بجميع ماله لكنيسته ولا وارث له، قال: يدفع إلى أساقفتهم ثلث ماله، وثلثاه للمسلمين.
وَتَبْطُلُ وَصِيَّةُ الْمُرْتَدِّ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ
قال: (وَإِنْ تَقَدَّمَتْ) ليفيد أنه لا فرق في البطلان بين ما أوصى به في حال رِدَّتِهِ أو قبلها، وهذا مقيد بأن يموت على رِدَّتِهِ، سواء قتل أو مات عليها. وأما إن رجع للإسلام فقال أصبغ: إن كانت مكتوبة جازت، وإلا فلا. وكذلك لو أوصى بها وهو مرتد وهو كالمريض إذا صح ثم مات.
وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ بمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، أَوْصَى فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ
حكى غير واحد الإجماع على أن الوصية عقد جائز، وللموصي أن يرجع عنها، سواء كانت بعتق أو غيره، وسواء كان أوصى في سفر أو مرض.
الباجي وغيره: وإنما له أن يرجع ما لم يمت.
وقوله: (مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) بيان لما يدل على الرجوع. وأضرب عن بيان الرجوع بالقول لوضوحه.
قال في الوثائق المجموعة: إذا قال: اشهدوا أني قد أبطلت كل وصية تقدمت فإنها تبطل، إلا وصية قال فيها: لا رجعة لي فيها، فلا تبطل إلا أن ينص عليهاز
وَالْفِعْلُ كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالاسْتِيلادِ
أتى بحرف العطف ليدل على معمطوف عليه محذوف؛ أي: فالقول ظاهر، (وَالْفِعْلُ) كذا؛ يعني: إن باع الثوب الموصى به مثلاً، أو أعتق العبد او كاتبه، أو استولد الأمة فذلك رجوع؛ لخروج الموصى به عن ملك الموصي.
стр. 4580
وينبغي إذا عجز المكاتب في حياة السيد أن تعود الوصية فيه كما تعود في المبيع الموصى به على أحد القولين، وههنا أولى: لأن الكتابة لا تنقل الملك.
بخِلافِ الرَّهْنِ وَتَزْوِيجِ الرَّقِيقِ وَتَعْلِيمِهِ وَالْوَطْءِ مَعَ الْعَزْلِ
أي: فإن هذ لا تكون رجوعاً في الوصية؛ لأنها لم تنقل الملك ولم تغير الاسم، وعلى الورثة خلاص الرهن.
وفي العتبية لأصبغ: إذا علمه الكتابة لا يكون ذلك رجوعاً، ويكون الورثة شركاء بقدرها.
وتبع في قوله: (وَالْوَطْءِ مَعَ الْعَزْلِ) ابن شاس، ومقتضاهما: أن الوطء من غير العزل يكون موجباً للرجوع، ومقتضى المذهب خلافه.
فقد قال ابن القاسم في الموازية: من أوصى لرجل بجارية فله وطؤها، وليس ذلك برجوع. وكذلك رواه عنه أصبغ وأبو زيد في العتبية. وفي البيان: لا اختلاف أن الوطء والاستخدام ليس برجوع.
أبو زيد عن ابن القاسم: وإن وقفت [٧٦٨/أ] الأمة بعد موته؛ خيفة أن تكونحاملاً فقتلها رجل فقيمتها للميت؛ إذ قد تكون حاملاً، ولا شيء للموصى له. وخالفه ابن عبدوس ورأى أن القيمة للموصى له وهذا كله يدل على أن الوطء مطلقاً لا يكون رجوعاً، ولم يعدوا نقل هذه الأشياء دليلاً على الرجوع في الوصية. وعدوها دليلاً على الرضا في بيع الخيار وفي العيب؛ لأن الموصى به على ملك الموصي قبل الموت؛ فله التصرف فيه. وإنما يتعلق حق الموصى له بالموت، بخلاف الخيار والعيب. والله أعلم.
وَبخِلافِ مَا لَوْ أَوْصَى بثُلُثِ مَالِهِ ثُمَّ بَاعَ جَمِيعَهُ
هذا معطوف على (خِلافِ) الأول؛ يعني: فلا يكون هذا رجوعاً؛ لأن ثلث المال لا يختص بما عنده حال الوصية، بل المعتبر ما يملكه حال الموت سواء زاد أو نقص.
стр. 4581
قال في النوادر: وإذا أوصى برقيقه ثم بدلهم، أو زاد أو نقص فإنما للموصى له مَنْ يكون عنده يوم مات، لا يوم أوصى.
وفي الجلاب: ومن أوصى لرجل بثيابه- وله ثياب يوم الوصية - فباعها واستخلف غيرها ثم مات، فللموصى له ثيابه التي استخلفها، إلا أن يبين تلك الثياب الأولى بأعيانها فلا يكون للموصى له شيء مما استخلفه.
فَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَفِي رُجُوعِ الْوَصِيَّةِ قَوْلانِ
أي: إذا أوصى بمعين "كقوله: هذا العبد لفلان" ثم باعه واشتراه ففي رجوع الوصية قولان؛ بناءً على أن بالبيع حصل الرجوع؛ فلا تعود الوصية إبا بإيصاء جديد، أو لأن الفوت قد انتفى.
ابن عبد السلام: والذي نص عليه ابن القاسم وأشهب، ولا أعلم فيه خلافاً أنه يعود إلى الوصية، كما أنه لا خلاف إذا عين الموصى به فباعه واشترى مثله أن الوصية لا تعود فيه.
واختلف إذا لم يعين ولكن وصفه بصفة ثم هلك أو باعه واستحدث مثله في صفته؛ فقال ابن القاسم: تسقط الوصية. وروى هو وأشهب عن مالك فيمن قالت: ثوبي الخز لفلانة، فذهب ثوبها واخلفت مثله- أنه لا شيء للموصى لها.
وقال أشهب فيمن أوصى برقيقه وسماهم، أو وصف سلاحه وثيابه بصفة ذلك بعينه ثم استهلكت، واستفاد مثله ثم هلك، قال: فلا يكون ذلك للموصى له، إلا أن يوافقه في الاسم والصفة، مثل أن يقول: "عبدي نجيح النوبي وقميصي المروزي لزيد، وسيفي الهندي في السبيل" أن الوصية تقع في الثاني، الذي هو مثل الأول في الاسم والصفة.
أشهب: وإذا أوصى فقال: "غلامي نجيح الصقلي حر" فباعه واشترى مَنْ اسمه نجيح، وهو نوبي- فلا وصية له فيه حتى يوافقه في الاسم والجنس. ولو قال: "حر" ولم يصفه
стр. 4582
واشترى من اسمه مبارك، فسماه نجيحاً لعتق. ولو قال: "غلامي نجيح حر" فسمي مباركاً لم تزل الوصية عنه؛ لأنه عبد بعينه، وقال أشهب: فهذا الخلاف الذي وقفت عليه في هذه المسألة. انتهى.
صاحب البيان: وإن عين الموصى به بالإشارة مثل أن يقول: "إن مت فهذا العبد لفلان" ثم هلك العبد واستبدل غيره- فلا خلاف أنه يتعين، ولا تنقل الوصية إلى بدله. وأما إن تعين بالإضافة كقوله:"عبدي لفلان" ولا عبد له غيره، أو "درعي أو سيفي" فثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتعين، ولا تنتقل الوصية إلى غيره إن استبدل غيره.
والثاني: عكسه، وأجراها على الخلاف فيمن حلف الا يستخدم عبد فلان فاستخدمه بعد أن عتق، أو بعد أن خرج عن ملكه.
والثالث: رواه أشهب بالفرق؛ فتعود الوصية في بدل السيف والدرع، ولا تعود في العبد، قال: ولا فرق في القياس.
خليل: وفي فرائض الحوفي: إذا أوصى معين ثم باعه ثم اشتراه ثم مات وهو في ملكه فإن الوصية تبطل فيه. فهذا قول ثان ببطلان الوصية، وبه يصح القولان اللذان ذكرهما المصنف.
وَلَوْ دَرَسَ الْقَمْحَ وَكَالَهُ وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ فَرُجُوعٌ، بخِلافِ الْحَصَادِ وَجَزِّ الصُّوفِ وَجُذَاذِ الثَّمَرَةِ ...
يعني: أن من أوصى بزرع فحصده ودرسه وكاله وأدخله بيته فذلك رجوع؛ لأنه يبطل اسم الموصى به؛ لأنه أ [طل اسم الزرع ونقله إلى اسم القمح، بخلاف جز الصوف وجذاذ الثمرة، فإنه لم ينقل الملك ولم يبطل الاسم، فلا يعد رجوعاً ولو أدخلها بيته. ومسألة درس القمح هو نص قول ابن القاسم في المجموعة، وقال الباجي: وهو ينتقل بالحصاد والدراس. قال: وقوله: (وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ) تأكيد لمقصده. قال: وكذلك قوله: (وَكَالَهُ) وإنما يريد بلغ حد الاكتيال.
стр. 4583
وَلَوْ جَصَّصَ الدَّارَ، وَصَبَغَ الثَّوْبَ، وَلَتِّ السِّوِيقَ فَلِلْمُوصَى لَهُ بزِيَادَتِهِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: الْوَرَثَةُ شُرَكَاءُ بمَا زَادَ ...
الجوهري: الجص: ما يبني به، وهو معروف. (وَلَتِّ) بالتاء المثناة، والقول بأن ذلك جميعه للموصى له لابن القاسم وأشهب، ورأياً أنه لما اتفق على أن تلك الصنعة ليست برجوع؛ لبقاء الاسم وما أضيف إليه تابع- وجب أن يكون الجميع للموصى له. ورأى أصبغ أن الأصل بقاء الزيادة على ملك الموصي، فلا تخرج إلا بدليل.
وظاهر قول المصنف: (بمَا زَادَ) أنه لو لم يكن للصنعة زيادةلا يكون للورثة شيء، وهو خلاف ما نقله الباجي وابن يونس عن أصبغ أنه يكون شريكاً بقيمة تلك الصنعة، إلا أن يقال: إن مراد المصنف أنه شريك بما زاد الموصي، لا بما زاد الصبغ.
وَلَوْ أَوْصَى بشَيْءٍ فِي مَرَضِهِ أَوْ عِنْدَ سَفَرِهِ وَقَالَ: إِنْ مِتُّ فِي مَرضِي هَذَا أَوْ فِي سَفَرِي وَأَشْهَدَ، فَبَرِئَ أَوْ قَدِمَ بَطَلَتْ ...
ذَكَرَ هذه في مسائل الرجوع لمناسبتها لذلك؛ لأن كلامه يفهم منه الرجوع إن لم يمت من ذلك المرض أو السفر.
قوله: (وَأَشْهَدَ) أي: من غير كتاب؛ لأنه يذكر الكتاب- فلا خلاف انها تبطل إن برئ من مرضه ذلك أو قدم من سفره ذلك، ولا خلاف أنها تصح إن حصل الموت فيهما.
واحترز [٧٦٨/ب] بقوله: (فِي مَرَضِهِ) مما لو أوصى في صحته فقال: "متى مت" وأشهد على ذلك بغير كتاب أو بكتاب، أقره عند نفسه أو وضعه عند غيره- فإن وصيته تنفذ على كل حال. قاله في البيان.
стр. 4584
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بكَتَابٍ وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَوْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ بَعْدَ بُرْئِهِ أَوْ قُدُومِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ لَمْ تَبْطُلْ ...
الإشارة عائدة إلى مسألة الإشهاد بدون كتاب؛ أي: وكذلك تبطل وصيته إذا قال: إن مت من مرضي أو سفري، وكتب وصيته في كتاب ولم يخرجه، ومات من غير ذلك المرض والسفر، فظاهره أشهد في الكتاب أم لا.
وأما إن أشهد ولم يخرجها فحكى الباجي وغيره إن قول مالك اختلف فيه؛ فمرة قال مثل ما ذكره المصنف: لا تنفذ إلا ان يموت من ذلك المرض أو السفر، وهو اختيار ابن القاسم وابن عبد الحكم وسحنون، وهو القياس عند أشهب، لما يقتضيه ظاهر اللفظ من التقييد. ومرة قال: ينفذ وإن مات في غير ذلك المرض أو السفر، وهذا هو الاستحسان عند أشهب؛ لِمَا علم أنه ليس من قصده تخصيص ذلك بالمرض والسفر، ألا ترى أنه لو بغته الموت قبل أن يسافر أن وصيته نافذة. وذكر الباجي أن هذا الثاني هو مشهور قول مالك من رواية ابن القاسم وغيره، وقال غير واحد: والقولان قائمان من المدونة.
ولأشهب قول ثالث بالفرق؛ إن مات في مرض آخر أو في سفر آخر صحت، وإن مات في غير مرض ولا سفر لم تصح، ورواه أشهب وابن القاسم وابن نافع عن مالك، واستبعده ابن رشد.
وأما إن كتب ولم يشهد ولم يخرجها من يده ففي العتبية والمجموعة في الميت توجد وصيته في بيته بخطه، ويشهد عدلان أنه خطه- فلا يجوز ذلك حتى يشهدهم عليها، وقد يكتب ولا يعزم.
وتأولها عياض وقال: معناه إذا كتبها ليشهد عليها، وأما إذا كتبها بخطه وقال: إذا مت فلينفذ ما كتبته بخطي فلينفذ ذلك إذا عرف أنه خطه، كما لو أشهد. وأما إن أخرجه فصورتان:
стр. 4585
الأولى: ألا يسترده بعد قدومه أو برئه فلا تبطل بالاتفاق.
والثانية: أن يسترده فتبطل بالاتفاق، نقلها عياض.
وَتَصِحُّ أَيْضاً إِذَا قَالَ: مَتَى حَدَثَ الْمَوْتُ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ مَرَضِي أَوْ سَفَرِ]
لما كانت الوصية على ضربين؛ مقيدة ومطلقة، وقدم الكلام على المقيدة، تكلم على المطلقة؛ يعني: وإذا أطلق الوصية فقال: متى حدث بي الموت، أو إن مت، أو إذا مت، أو متى ما مت - فإنها ماضية. وظاهره سواء كتبها في كتاب أم لا، استرجعها أم لا. أما إن لم يكتبها فقال غير واحد: إنها نافذة أبداً لا ينقضها إلا بتغييرها، قالها في صحته أو في مرضه. وإن كانت في كتاب وأشهد فيه فهي ماضية بالاتفاق، سواء أقرها عنده إلى الموت أو جعلها على يد غيره حتى مات. وأما إن قبضها من يد من جعلها على يده- سواء قبضها في الصحة أو المرض- فحكى صاحب المقدمات الاتفاق على بطلانها.
وذكر عياض أن ابن شبلون وغيره تأول الكتاب على ذلك، وأن ظاهر تأويل أبي محمد أنه إنما يضر استرجاع المقيدة لا المبهمة، وأنا أبا عمران تردد في ذلك، فيكون كلام المصنف باقياً على إطلاقه على تأويل أبي محمد، ويقيد بما إذا لم يسترجعها على قول ابن شبلون.
وَأَمَّا مَا يُبْطِلُ اسْمَ الْمُوصَى بهِ كَنَسْجِ الثَّوْبِ، وَصِيَاغَةِ الْفِضَّةِ، وَحَشْوِ الْقُطْنِ، وَتَفْصِيلِ الثَّوْبِ، وَذَبْحِ الشَّاةِ فَرُجُوعٌ ...
هذا إشارة منه إلى أن الرجوع يكون بأحد الوجهين:
أحدهما: ما ينقل الملك أو يمنع من نقله، كالبيع والعتق والاستيلاد.
ثانيهما: أن يفعل فعلاً يبطل اسم الموصى به. وكان ينبغي أن يذكر مسألة درس القمح في هذا القسم.
ولما فرغ من الأول تكلم على الثاني. ونص ابن القاسم وأشهب على مسألة الغزل.
стр. 4586
أشهب: لأنه لم يقع عليه الاسم الذي أوصى به.
خليل: وينبغي أن يقيد حشو القطن بما إذا حشي في الثياب. وأما إذا حشي في المخدة ونحوها فلا.
ابن عبد السلام: وما ذكره المصنف صحيح إلا في مسألة الثوب؛ فإن لفظ (الثوب) لا يتغير بالتفصيل.
ابن القاسم: إذا قال: ثوبي لزيد، ثم قطعه قميصاً أو لبسه ي مرضه فليس برجوع، وهو للموصى له. قال: ولو أوصى له بشقة، ثم قطعها قميصاً أو سراويل كان رجوعاً.
الباجي: فاتفق ابن القاسم وأشهب على مراعاة الاسم الذي أوصى به. وكذلك نص أشهب على البطلان إذا أوصى له بقميص، ثم قطعه قباً أو جبة، أو ببطانة ثم بطن بها ثوباً، أو بظهارة ثم ظهر بها ثوباً.
وقد يجاب عما أورده ابن عبد السلام بأن ما ذكره المصنف أحد الأقوال، فقد قال صاحب البيان: وأما الثوب يوصي به ثم يقطعه ويخيطه فيتحصل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الوصية تبطل.
الثاني: أنها لا تبطل.
الثالث: أنه إن قال: "شقتي أو ملحفتي لفلان" فيقطع ذلك قميصاً، أو سراويل - بطلت الوصية، وإن قال: "ثوبي" ثم يقطعه كذلك فلا تبطل؛ لأن الشقة والملحفة قد انتقل اسمهما بما أحدث فيهما؛ إذ لا يسمى القميص ولا السراويل شقة ولا ملحفة، بخلاف الثوب؛ لأن القميص والسراويل يسمى كل منهما ثوباً. قال: وإذا لم تبطل فاختلف هل يكون له الثوب مخيطاً، أو يكون مع الورثة شريكاً؟
стр. 4587
وَفِي بنَاءِ الْعَرْصَةِ قَوْلانِ؛ الرُّجُوعُ، وَالشَّرِكَةُ
أي: إذا أوصى له بعرصة ثم بناها داراً أو نحوها فقال أشهب [٧٦٩/أ] في المجموعة: ذلك رجوع. وقال ابن القاسم في العتبية: ليس برجوع ويكونان شريكين بقمية البناء من العرصة.
الباجي: والأول أظهر؛ لانتقال الاسم.
وَِفي نَقْضِ الْعَرْصَةِ قَوْلانِ
يعني: إذا أوصى له بدار ثم نقضها وصارت عرصة فهل يعد ذلك رجوعاً أو لا؟ قولان. وعلى هذا فـ (نَقْضِ) مصدر بفتح النون. والقول بأن ذلك ليس برجوع لأشهب؛ لأنه أوصى له بعرصة وبناء، فأزال البناء وأبقى العرصة.
الباجي: وهذا من أشهب رجوع في تعلقه بالأسماء. وفي العتبية قول آخر أنه رجوع.
ويحتمل أن يكون النون من قوله: (نُقْض) مضموم؛ أي: ما ينقض، ويكون إنما ذكر الخلاف في النقض، وأما العرصة فهي للموصى له، والمعنى صحيح؛ فإن أشهب قال: لا وصية له في النقض، وأما العرصة فهي للموصى له، والمعنى صحيح؛ فإن أشهب قال: لا وصية له في النقض، وروى ابن عبدوس أن النقض للموصى له.
وحصل ابن رشد في هذه المسألة والتي قبلها ثلاثة أقوال:
الأول لسحنون: تنفذ الوصية فيهما.
الثاني لغيره في العتبية: تبطل فيهما.
الثالث لأشهب بالتفرقة.
قال: ويختلف على القول بأن الوصية بالعرصة لا تبطل ببنائها هل تكون للموصى له أو يكون شريكاً مع الورثة؟ فإذا قلنا: الهدم ليس برجوع، فقالأشهب: لا وصية في النقض. وقال ابن القاسم: النقض للموصى له.
стр. 4588
وَلَوْ أَوْصَى بشَيْءٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بهِ لِعَمْروٍ، فَلَيْسَ برُجُوعٍ وَيَشْتَرِكَانِ
نحوه في المدونة وغيرها.
ابن المواز: ذلك في كتاب أو كتابين، إلا أن يقوم دليل على رجوعه بلفظ أو بمعنى. قال في المدونة: ولو قال: "العبد الذي أوصيت به لفلان هو لفلان" كان رجوعاً، وكان جميعه للآخر.
محمد: ولو قال: بيعوه من فلان كان رجوعاً، اشتراه أو لم يشتره، قال: وكذلك لو قال: "بيعوه" ولم يقل: "مِنْ فلان"، سمي ثمناً أو لم يسمه.
ولو أوصى بعبده لفلان والعتق في كتاب أو كتابين عمل بالأخيرة: عتقاً أو غيره، قاله في المدونة. وقال أشهب: العتق أولى، تقدم أو تأخر.
سحنون: وإن أوصى أن تباع داره من فلان بمائة، ثم أوصى أن تباع من آخر بخمسين، فإن حملها الثلث بيع نصفها لهذا بخمسين، ومن هذا بخمسة وعشرين، وإلا خير الورثة فإما أجازوا أوتبرأوا من ثلث الميت في الدار، فتكون بينهما نصفين.
وَلَوْ أَوْصَى لِوَاحِدٍ بوَصِيَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَإِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ؛ فَاكَثَرُ الْوَصِيَّتَيْنِ، وَقِيلَ: الْوَصِيَّتَانِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَتِ الثَّانِيةُ أَكْثَرَهُمَا أَخَذَهَا فَقَطْ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ أَخَذَهُمَا، أَوْ مِنْ صِنْفَيْنِ فَالْوَصِيَّتَانِ ...
يعني: إذا أوصى لرجل واحد بوصية بعد أخرى؛ فإما أن يكونا من صنف أو من صنفين، فإن كانا من صفين فله الوصيتان، سواء كانا من جنسين أو من جنس واحد، فقد نص ابن القاسم على أنه لوأوصى له بصحياني وبرني: أن له الوصيتين.
محمد: وكذلك القمح والشعير والدراهم والسبائك.
الباجي: ولا خلاف أن الدراهم من سكة واحدة متماثلة، وكذلك الأفراس والإبل والعبيدن وأما الدنانير مع الدراهم فروى ابن الماجشون عن مالك انهما صنف كالزكاة.
стр. 4589
وقال ابن القاسم وأصبغ: بل هما صنفان، ويلحق بالصنفين ما إذا كانا معينين كقوله: "عبدي مرزوق لفلان" ثم قال في تلك الوصية أو غيرها: "وعبدي ناصح له" قال أشهب: إن كان معيناً وغيره فقال له: "عبدي فلان" ثم قال: "عبد من عبيدي" فله الوصيتان جميعاً.
اللخمي: وهو أصوب إذا كان بكتاب. ونسقهما من كلامه بغير كتاب. فإن لم يكن نسقاً ففيها نظر. وإن هو قدم النكرة ثم عين أيضاً ففيه إشكال؛ هل أراد تعيين ما أبهم أو وصية ثانية؟ وإن كان من صنف واحد فحكى اللخمي وغيره ثلاثة أقوال:
الأول لمالك وابن القاسم في المدونة: أن له أكثر الوصيتين، تقدمت أو تأخرت.
والثاني رواه علي بن زياد عن مالك: إن تأخر الأكثر فهو له فقط، وإن تقدم فله الوصيتان. ونقله ابن زرقون عن مطرف.
والثالث: إن كانا في كتابين فله الأكثر تقدم أو تأخر، وإن كانا في كتاب فقدم الأكثر فهما له، وإن أخره فهو له فقط. وعزاه اللخمي لمطرف.
والقول الثالث في كلام المصنف، هو رواية علي بن زياد. ونقل ابن زرقون عن ابن الماجشون أنه له الأكثر إذا كانا في كتابين، وإن كانا في كتاب واحد فله الوصيتان جميعاً، وإن كانت الثانية أكثر بمنزلة ما إذا عطف فقال: "لفلان عشرة، ولفلان عشرون". ولو قال: "لفلان عشرة، ولفلان عشرون" كان له الأكثر. قال: وإن كانتا في كتاب واحد بينهما وصايا فكرواية علي من الفرق بين أن يبدأ بالأقل أو بالأكثر. وتبع المصنف في القول الثاني أن له الوصيتين جميعاً ابن شاس، وعزاه ابن شاس لمالك من رواية مطرف وابن الماجشون وعلي بن زياد، وفيه نظر؛ لأن الذي نقله اللخمي عن علي بن زياد بالفرق. والذي نقله ابن أبي زيد وغيره من رواية مطرف وابن الماجشون بالفرق بين الكتاب
стр. 4590
الواحد والكتابين، كما ذكر اللخمي عن مطرف. ولم أقف على القول بأن له الوصيتين مطلقاً، ولكل قولوجه لا يخفى عليك.
الباجي: وعلى حسب هذا تجري الوصيتان في الذهب والفضة والحيوان والعروض والثياب وغير ذلك، ما لم يكن في شيء معين. قاله أشهب في المجموعة وابن القاسم عن مالك. وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أن ذلك في المكيل والموزون، وأما العروض فله الوصيتان، تفاضل ذلك أو تساوى، كانا في كتاب أو كتابين [٧٦٩/ب].
ابن زرقون: وقال ابن الماجشون: إن أوصى بعرضين مختلفين فإن كانا في وصية واحدة كانا له. وإن كانا في وصيتين كان له الأكثر من قيمتها.
وقول المصنف: (وَإِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ) يخرج ما إذا كانا متساويين، وذكر الباجي في المتساويين قولين، مثل أن يوصي له بعشرة ثم يوصي له بعشرة.
الأول لمالك وأصحابه: له العددان جميعاً.
وحكى في المعونة أن له أحدهما؛ لجواز تأكيد الأول بالثاني. وهذا ينحو إلى قول أشهب فيمن أوصى لرجل بثلاثة، ثم أوصى له بثلثه.
ابن زرقون: انظر قوله: "هذا قول مالك وأصحابه" وفي الموازية عن مالك من رواية ابن القاسم: أن له أحدهما، مثل قول عبد الوهاب.
فرع:
واختلف إذا أوصى له بجزء وعدد، كما لو أوصى له بالثلث ثم بدنانير، على ثلاثة أقوال:
الأول: أن له الأكثر، وبه يحاص، كان ماله عيناً أو عرضاً، وهو ظاهرمذهب ابن القاسم.
والثاني: أنهما له ويحاص بهما من غير تفصيل، وهو مذهب أشهب.
следующие страницы →