← Общие книги

Общие книги · id 14468

فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر بعد الثورة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (195 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر بعد الثورة تأليف د. محمد يسري إبراهيم الأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح دار اليسر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الثانية ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م دار الكتب المصرية فهرسة أثناء النشر إعداد الشئون الفنية إبراهيم، محمد يسري. فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر بعد الثورة محمد يسري إبراهيم القاهرة، دار اليسر ٢٠١٢م ص، ١٧سم × ٢٤ سم. تدمك ٩٧٨٩٧٧٥١٠٢١٨٨ ١ - الإسلام - دعوات سلفية - مصر ٢ - السلفيون (دعاة) أ- العنوان دار اليسر عضو اتحاد الناشرين المصريين رقم الإيداع ٧٨٨٨/ ٢٠١٢ ترقيم دولي ٨ - ١٨ - ٥١٠٢ - ٩٧٧ - ٩٧٨ فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر بعد الثورة دار اليسر للنشر والتوزيع غير مسئولة عن آراء وأفكار وإنما يعبر الكتاب عن آراء مؤلفه، يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إليكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر ٢٠ ش عبد العزيز عيسى, المنطقة التاسعة الحي الثامن, مدينة نصر, القاهرة. تليفون: ٠٠٢٠٢٢٤٧٠٩٢٦٩ فاكس: ٠٠٢٠٢٢٤٧١٤٨٠١ محمول: ٠٠٢٠١٠٦٢٢٧٦٢٠٨ خدمة العملاء: ٠٠٢٠١١١٨٠٠٦٠٦٠ Email:alyousr@gmail.com

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

مقدمة الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع هداه، أما بعد: فإن الحديث عن التيار السلفي المعاصر قد غدا بعد الثورات العربية شأنًا مهمًّا يفرض نفسه على مجالس الناس، ووسائل الإعلام في العالم بأسره، وهو حديث عن تيار متنامٍ ومترامي الأطراف، ومتعدد الصور والتجليات، ومتنوع المواقف والاجتهادات، وهذا الثَّراء يزيد من صعوبة دراسة أو بحث هذا التيار بجملته، وربما يَحُولُ هذا الاتِّساعُ دون توجيه خطاب واحد إلى مدارسه المختلفة، أو يمنعُ دون تعميمِ حكمٍ على إيجابياتٍ تُنسَبُ له، أو سلبياتٍ تُدَّعى في حقِّه! ومهما يكن من أمر فإن النقد الذاتيَّ، والنصح الداخلي للخطاب السلفي المعاصر في اللحظة الراهنة يُمَثِّلُ تسديدًا واجبًا، ودعمًا حقيقيًّا، لا يصح تجاهله، أو التشاغل عنه بحال، ومما يطرح هذا

стр. 5

العملَ ويدعو إليه - الآن بقوةٍ - تدشينُ حربٍ عالمية على السلفية في كل صِقْعٍ ومِصرٍ، بعد أحداثِ الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م، وهي حرب عالمية أيديولوجية ومسلكية في آنٍ واحد، وليس لها من سبب ظاهر إلا أن الجماعات والطوائف والرموز السلفيَّة "يهدفون إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية! وينادُون بأن الإِسلام دينٌ ودولةٌ! " (١). وقد استعملت في هذه الحرب ترسانةٌ من أسلحة التشويه والتشويش والتعويق والتشهير والمحاصرة والتضييق، حتى إذا أُحْكِمَتِ القبضةُ وظَنَّ الغربُ وحلفاؤهم في الداخل أنهم قادرون على الضربة القاضية انطلقَتِ الثوراتُ العربيةُ بإذن ربها! فَدَمَّرَتِ الإفكَ المفترى! وحطَّمَتْ أغلالَ الظلم والطغيان! وقيودَ الفسادِ والاستبدادِ! ووقف كثيرون مَشْدُوهِينَ أو ذاهلينَ واجمينَ! وهم يرقبون صعودَ القوى السلفيَّةِ التي تمالَؤُا عليها، وتقاسموا على تبييتها وأربابِهَا في ظل صمتٍ رهيبٍ فُرِضَ على الشعوب فَرْضًا! ومع أن المدَّ السلفيَّ قد أصبح حقيقةً واقعة، وظهر مشروعٌ سياسيٌّ لهذا التيار - وفي مصر تحديدًا - ليلحق بقاطرة الممارسة السلفية السياسية في الكويت والبحرين وغيرهما فإن الاجتماع على مراجعة الخطاب السلفي لتقويته من جهة، وتحريره من الملحوظات عليه من جهة أخرى يُعْتَبَرُ أولويةً حاضرةً الآن أمام المنتسبين إليه، والمحبين له على حدٍّ سواءٍ.

стр. 6

على أن عين المراقب لا تخطئ - بَعْدَ هذه الثورات العربية - أن طائفة من الشباب المنتسب إلى هذا التيار في أرجاء العالم العربي والإِسلامي يَجهرُ اليومَ بما كان يَهْمِسُ به أمسِ، وَيستعلِنُ الآنَ بما كان يُخفيه قبل آنٍ! وبغض النظر عن صحة تلك الآراء والمواقف من عدمها؛ فإن هذه النظرات النقدية تحتاج إلى فحصٍ وتمحيصٍ، وتعامُلٍ بمنهجٍ سديدٍ ووعيٍ شديدٍ، وليتأتَّى من وراء ذلك الترشيد! وما من شكٍّ في أن ضَغْطَ القاعدة الشبابية اليوم للتطوير والتغيير بإيقاعٍ سريع متلاحِقٍ قد ينطوي على مخاطرة أو مغامرة - ولو في بعض المواقع على الأقل - كما أن التثاقل في الاستجابة الواعية للمطالب قد يُفضي إلى استفحالِ المثالبِ، أو إلى خسارةٍ فادحةٍ في القواعد! ومن هنا انطلقت هذه الدراسة المعاصرة؛ لتفتح بابًا إلى المناصحة والمراجعة، ولتأخذ بزمام المبادرة في وضع هذه الملحوظات على سُلَّمِ الأولوياتِ الحاضرةِ في اللحظة الراهنة، بما يُرجَى معه أن تتنبه قياداتُ العمل السلفي المعاصر في كل ميدان قبل أن تخسر بعضَ أبنائها، أو يتساقطَ في الطريق بعضُ رُوَّادِها، أو تفوتها فرصة سانحة لتحقيق أهدافها. وعليه؛ فإن التيارَ السلفيَّ المعاصر مدعوٌّ اليوم - وفي ظل هذه الملحوظات - إلى أن يعيد تطويرَ نفسِهِ، وأن يجدِّدَ في أساليبه وطَرْحِهِ، وأن يسعى بجهده إلى أن يحدِّدَ مواقفَ أكثرَ وضوحًا وتفصيلًا، في قضايا كان الموقف منها مجملًا أحيانًا، ومترددًا أحيانًا أخرى!! كما يُرْجَى - في خاتمة المطاف - أن يخرج التيار السلفي من

стр. 7

حالة الانقسام إلى حال الاجتماع والوئام، وأن يَبْرُزَ كيانٌ عالمي يمثل هذا التيارَ، وينسق بين مجموعاته وجمعياته بما يمهد لقيام مرجعية سلفية عالمية، تَضبِطُ الاجتهاداتِ، وتتدارك الملحوظاتِ، وتُسدد المسيرةَ، وتُصحح الأخطاءَ الإداريةَ والمنهجيةَ التي تَصدر من بعض التجمعات السلفية هنا أو هناك، كما يَسعى لحلِّ الخلافاتِ السلفية، وإيجادِ المخارجِ الشرعية للمشاكلِ والنوازِل الاقتصادية والسياسية والاجتماعيةِ المُحْدِقَةِ بمجتمعات المسلمين اليوم، لا سيما بعد ارتفاعِ سقفِ الحرية، وسقوطِ الأنظمةِ الديكتاتورية، وهذا بدوره يُمهد إلى الخروج من ضِيقِ التحَزُّباتِ الجزئية إلى سَعَةِ الأمة الجامعة، ويعين على الانتقال من انتماء الوسائل إلى انتماء الغايات، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]. وبناءً على ما سبق فقد جاءت هذه الدراسةُ معتمِدَةً منهجًا توصيفيًّا، وخطابًا نقديًّا للحالة السلفية الراهنة - في مصرَ خاصة، وفي الوطن الإِسلامي عامة - ثم تفكيرًا ارتياديًّا للخروج من تلك المضايق، بوضع أولويات الخطاب السلفي المعاصر أمام أهله ورواده اليوم. وقد اكتملت هذه الدراسة عبر فصولٍ أربعةٍ، تناول الأوّل منها: مفهوم الخطاب السلفي المعاصر، وتناول الثاني: لماذا الحديث عن أولويات الخطاب السلفي؟، فيما بحث الفصل الثالث: مشكلات الخطاب السلفي وعوائقه، وانتهى الفصل الرابع والأخير إلى تقديم أولويات متعددة المجالات، ومتنوعة

стр. 8

التخصصات والسمات؛ ليدخل من خلالها التيارُ السلفيُّ إلى مرحلةٍ تاريخيَّةٍ بالغةِ الخطورةِ في إثبات جدارتهِ وأهليته للقيادةِ والريادةِ، وحملِ التبعة، والقيامِ بالأمانة في هذه الأمة. وَفَّقَ اللهُ تعالى الدعاةَ الحداةَ، والعلماءَ الهداةَ من كلِّ اتجاهٍ لإقامة ديينا، وتَرْكِ التفرُّقِ في مِلَّتِنا، وجَمَعَ على الحقِّ كلمتَنا، وهدَى مسيرتَنَا، وسَدَّدَ أعمالنا، وأعانَ على ذكره وشكره وحسنِ عبادته، وجَعَلنا وأمتنا الحبيبة أهلًا للنصر والتمكين، إنه أكرمُ الأكرمين، وأرحمُ الراحمين، والحمدُ لله ربِّ العالمين. وكتبه د. محمد يسري إبراهيم الأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح القاهرة: الاثنين ٢/ ٦/ ١٤٣٣ هـ الموافق ٢٣/ ٤/ ١٢٠١٢ م

стр. 9

الفصل الأول مفهوم الخطاب السلفي وخصائصه وأولوياته

стр. 10

مفهوم الخطاب السلفي، وخصائصه وأولوياته تحديد مفهوم الخطاب السلفي اليوم من الأهمية بمكان، وهو فرع عن تحديد مفهوم الخطاب الإِسلامي، وما يشمله هذا المصطلح من ممارسات، ثم من الذين يخاطبون باسم التيار السلفي دون غيرهم؟ وما هي أهم خصائصهم ومميزاتهم؟ وأخيرًا فلا بد من تحديد مفهوم الأولويات بشكل عام، وفقه الأولويات في الخطاب الإِسلامي بشكل خاص، وهذا ما يحاول هذا الفصل أن يلقي أضواءً عليه، ويحاول الإجابة عن تساؤلاته، وذلك عبر المباحث التالية:

стр. 11

المبحث الأوّل مفهوم الخطاب الإسلامي السلفي في لغة العرب يدور مفهوم الخطاب والمخاطبة على مراجعة الكلام، وتوجيهه إلى الأنام بقصد الإفهام، فكل كلام لا يراد به الإعلام والإفهام لا يعتبر خطابًا في لسان العرب. وقد يطلق الخطاب ويراد به مضمون الكلام ومحتواه، وقد يطلق ويراد به الطريقة التي يُؤدَّى بها الكلام؛ ولهذا سُمِّي الكلامُ المنثور المسجوع خطبة (١). وقد وردت لفظة: (خطاب) في كتاب الله تعالى في ثلاثةِ مواضعَ، هي: قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. وفصل الخطاب هو فرقان ما بين الحق والباطل والصواب والخطأ، وهو بحسب سياق الآية الكريمة قد اقترن بالحكمة؛ فيه يُتَبَيَّنُ الحق على الوجه الذي ينبغي. ومصطلح الخطاب الإِسلامي، أو المديني مُرَكَّبٌ وصفيٌّ غَدَتْ له دلالة معاصرة تَتَّسع - لدى البعض - لتشمل الدعوة الإِسلامية

стр. 12

بمناشطها المتنوعة، ووسائلها المتعددة، ومناهجها المختلفة (١). وقريب من هذا المنحى التعبير عن الخطاب الإِسلامي بأنّه البيان الذي يوجه باسم الإِسلام إلى الناس؛ مسلمين، أو غير مسلمين، لدعوتهم إلى الإِسلام، أو تعليمه لهم، وتربيتهم عليه، عقيدةً وشريعةً، عبادةً ومعاملةً، فكرًا وسلوكًا، أو لشرح موقف الإِسلام من قضايا الحياة والإنسان والعالم: فرديةً أو اجتماعيةً، روحيةً أو ماديةً، نظريةً أو عمليةً (٢). وعليه؛ فإن الخطاب الإِسلامي المقصود هنا أعمُّ من المضمون والشكل، وأوسع من القول أو الفعل، وأشمل من التحرك الجماعي أو الفردي، وأدخل في الحياة بمناشطها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وذلك بشرط استناده إلى الإِسلام في قاعدة المرجعية، وارتباطه بعلوم الكتاب العزيز، والسنة النبوية المطهرة. والخطاب الإِسلامي على هذا النحو مهيعٌ فسيحٌ وميدانٌ وسيعٌ، تتنوع أشكاله، وتتعدد صوره وألوانه، وتتغير وسائله وأدواته بتغير الزمان والمكان وبني الإنسان! قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].

стр. 13

فهو خطاب يمتدُّ رُوَاقُهُ ليشمل الخَلْقَ جميعًا، ويتناول القضايا جميعًا! وهذا الخطاب هو دعوة النبيين والمرسلين، وسبيل البلاغ المبين، ومظهر تجديد الدين، وبرهان خيرية الأمة المحمدية، وسبب إقامة الشهادة على البشرية، وطريق الفلاح والنجاح للبرية. وإذا أُضيف الخطابُ الإِسلاميُّ إلى السلف، أو وُصِف بأنه سلفي فقد أضيف إلى أشرفِ نسبةٍ، وَوُصِفَ بأكملِ نعتٍ؛ فإن ترسُّم منهج السلف من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان هو عين منهج النجاة والعصمة، وأساس طريق الهدى والرحمة، ومهيع الاتباع والاجتماع، وضمانة من الفرقة والابتداع، وسبب الازدهار والاستقرار، وتتابع الخيرات والبركات، وتحقيق التمكين لهذا الدين، وظهوره بالحجة والبيان، ونصره بالسيف والسنان! ومن وراء ذلك كله مرضاة الرحمن، والفوز بالجنان! قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وكل خطاب انتسب أصحابُهُ إلى هذا المنهج المبارك بحقٍّ فقد استحق هذه النسبة، وتشرف أصحابه بهذه التسمية، وإن لم

стр. 14

يَدَّعوها، فكل من قام بمقتضيات هذه الدعوة الشريفة بصدقٍ فقد صار من أربابها، وإن لم يرفع لها شعارًا، أو يرتدي لها رداءً! وليس لأحدٍ - مهما علا في هذا المنهج قَدْرُهُ - أن يحتكر هذه النسبة لنفسه، أو أن يَحْرِم منها غيره، فلا يكافئ بها محبَّهُ، ولا يمنعها من مُبْغِضِهِ! فليس ثمة فردٌ ولا جماعةٌ متحزبة تمثل السلفية بمعناها الشرعي، وإنما قد يوجد من ينتسب إليها، ويسعى أن يحيا بمنهجها، وقد يصيب، وقد يخطئ، وأخطاؤه لا تنسب إلى المنهج، ولا إلى غيره من الأفراد أو الدعوات التي انتسبت إلى ذات المنهج.

стр. 15

المبحث الثاني التيار السلفي ... النشأة والتطور " السلفية" نسبة إلى السلف، ومعنى "السلف" في اللغة يدور حول المتقدم والسبق، فالسلف هم الذين مَضَوا، والقومُ السُّلَّافُ هم المتقدمون (١). وأما "السلف" في الاصطلاح فيطلق على المتقدمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم المذكورون في حديثه ﷺ : "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٢). ومذهب السلف هو مذهب الصحابة الكرام، والتابعين وتابعيهم من الأئمة المذكورين المشهورين (٣). ثم إن كل من التزم بعقائد وأصول هؤلاء الأئمة كان منسوبًا إليهم، وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان، وكل من خالفهم فليس منهم، وإن عاش بين أظهرهم، وجمعه بهم نفس المكان والزمان (٤). "ولقد بدأت الحاجة إلى الانتساب للسلف حين تَفَرَّقَتِ الأمةُ الإِسلامية، وتعددتِ الاتجاهاتُ الفكرية فيها حول أصول الدين،

стр. 16

مما دعا علماءَ الأمة الأثبات وأساطينها الأعلام لتجريد أنفسهم لتلخيص وترتيب الأصول العظمى، والقواعد الكبرى للاتجاه السلفي، والمعتقد القرآني النبوي، ومن ثم نسبته إلى السلف الصالح، لقطع الباب على كل من ابتدع بدعة اعتقادية، وأراد نسبتها إليهم، حتى كانت النسبة إلى السلف رمزًا للافتخار، وعلامةً على العدالة في الاعتقاد، مما يدل على أن النسبة إلى السلف لم تكن بدعةً لفظيَّةً، ولا مجرَّدَ اصطلاحٍ كلاميٍّ، لكنه حقيقة شرعية ذاتُ مدلول محدد، ولذلك لم تؤصَّلْ قواعده، ولم تحرَّرْ موارده، إلا بقيام الحاجة في الأمة لبيانٍ متكاملٍ الصورةِ عما كان عليه أهل القرون المفضلة، المشهود لهم بالعدالة من طريقة عقدية، وسيرة توحيدية" (١). فالانتساب إلى أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، يعني: الانتساب إلى الإِسلام الصافي عن شوائب البدع، ومخالفات الفِرَقِ. وإنَّ كل من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، مقبلًا على الالتزام بالإِسلام جملة، وعلى تحكيم شريعته استسلامًا وانقيادًا، وبرئ من تبني مذهب بدعي، أو

стр. 17

الانتسابِ إلى فرقة ضالة، أو اعتمادِ أصلٍ كليٍّ من أصول البدع، فهو من أهل السنة والجماعة إجمالًا، وهذا يشمل عوامَّ المسلمين الذين لم ينضووا تحت راية بدعية، ولم يكثِّروا سوادَ فرقةٍ غيرِ مرضية. فهذا القَدْرُ يحقق انتسابًا إجماليًّا تصحُّ به النسبة إلى أهل السنة والجماعة. فالنسبة إلى السلف هي نسبة إلى أهل السنة والجماعة الذين تميزوا عن غيرهم بفهمهم لكتاب ربهم، وسنة نبيهم بفهم سلفهم الصالح، من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، ﵃ أجمعين. وعليه؛ فإن الدعوة إلى اتباع السلف، إنما هى دعوة إلى الإِسلام والسنة، ولا غضاضة في ذلك، بحال من الأحوال. قال شيخ الإِسلام ﵀: "لا عيب على من أظهر مذهب السلف، وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه؛ فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقًّا" (١). والحديث عن السلفيين في الواقع المعاصر هو حديث عن أفراد وجماعات، فمنهم: أفراد معتبرون يمثلون مرجعيات علمية أحيانًا، وقيادات عملية شعبية أحيانًا أخرى، وفي كثير من الأحوال يكون لهؤلاء وأولئك من يلوذ بهم من العامة، ومن يتلقَّى عنهم من طلبة

стр. 18

العلم، ومنهم: جماعات بعضها منظم تُرخِّصُ بعضُ الدول بوجودها، وتُقَنِّنُ أعمالها، بل وتتعاون معها أحيانًا! وجماعات أخرى منظَّمة لا تُقِرُّ بعضُ الدول بقانونيتها، بل وَتُضَيِّقُ عليها غالبًا! وبالجملة فالظاهرة السلفية المعاصرة لا تخرج - في الغالب وبالاستقراء - عن أشكال أربعة: ١ - جماعات وجمعيات منظَّمة ومرخَّصة رسميًّا. ٢ - جماعات منظَّمة غيرُ مرخَّصة. ٣ - مشايخُ علمٍ وتربية ترتبط بهم جموع من الطلاب، والخاصَّة. ٤ - مشايخُ خطابةٍ ودعوة تجتمع عليهم العامة، وجمهور الأمة. والأمثلة كثيرة ماثلة للعيان في طول العالم الإِسلامي وعرضه لهذه الأنماط الأربعة، وكثيرًا ما وُجدت تلك الصور جميعًا في البلد والقطر الواحد. وعن هذه الصور تصدر أنشطة شتى، وتأتلف جموع كبرى، ويجري نهرُ خيرٍ دافقٌ في الأمة بأسرها.

стр. 19

المبحث الثالث خصائص التيار السلفي المعاصر يتمتع التيار السلفي الواسعُ الأطيافِ بخصائصَ كثيرةٍ تجعل له أهميةً بالغةً، ومن بين تلك الخصائص: أولًا: المرجعية العلمية والولاية الشرعية: يتميز التيار السلفي المعاصر في الجملة بتربُّعِهِ على عرش المرجعية الشرعية، وتهَيُّئِهِ لولاية الأمور العلمية، وعنايَتهِ بالشئون التعليمية؛ يتجلى ذلك في المساجد والفضائيات، والمعاهد الشرعية، والجامعات، وتصدِّي رموزهِ للفُتْيَا والدعوة والإرشاد، سواء في ذلك من انخرط منهم في المؤسسات الدينية للدولة، أو من بقي داخل دوائر العمل الخيرية والأهلية. ثانيًا: الثبات المنهجي والاستقرار الفكري: إنه - وبشكل عام - قد يتميز السلفيون في جملتهم بالمرابطة على الثغور المنهجية، وحراسة الثوابت العلمية والعملية، وصيانة منهج أهل السنة والجماعة، والتصدي للمناهج الزائفة والمذاهب المنحرفة، ومقاومة تيارات البدع، والإلحاد، والتغريب، والعلمنة جميعًا. ثالثًا: الثراء في الكفاءات والتنوع في القيادات: تتنوع القيادات السلفية - داخل هذا التيار - من القيادات

стр. 20

العلمية الشرعية إلى العلمية التقنية، ومن الدعوية إلى الاجتماعية، ومن الإدارية إلى السياسية، ومن الاقتصادية إلى القانونية، فلا يكاد يخلو مجال إلا وللتيار السلفي فيه حضور بكفاءات ثرية، وقيادات غنية، على تفاوُتٍ ملحوظ في الأعداد بين هذه المجالات. رابعًا: الحضور الإعلامي العام: وقد تمثَّل هذا بقوة في العقد المنصرم، حيث لا تخلو فضائية عربية - دينية أو غير دينية - من وجود ملحوظ لهم، ومن مشاركة معلومة، ومن أنشطة وجهود مشهورة ومشكورة، وقد انفتح المجال الإعلامي واسعًا بعد الثورات العربية ليلج السلفيون إلى آفاق رحيبة في التواصل من خلال الصحف المقروءة، والمجلات السَّيَّارة، والقنوات الفضائية الطيّارة! خامسًا: القدرة على الحشد الجماهيري: يتمتع التيار السلفي - عند اجتماع طوائفه وحال اتفاق رموزه - بزَخَمٍ شعبي، ومقدرة هائلة على الحشد الجماهيري، بدا هذا واضحًا في دروس جماهيرية، ومؤتمراتٍ حاشدةٍ، وملتقياتٍ موسعة، ووقفات ثورية مليونية مشهودة، وإن كانت هذه المقدرة إنما تتحقق عند اجتماعه على قضية اتفاقية، وليست خلافية. سادسًا: صعود سياسي متنامٍ: ويبدو هذا الصعود على مستوى تجارب برلمانية اكتملت في الكويت والبحرين وباكستان وغيرها، وعلى مستوى تجارب

стр. 21

بدأت في مصر، وليبيا، وغيرها. وأما على صعيد الاتحادات الطلابية، والنقابات المهنية، والمجالس المحلية والبلدية، وجماعات الضغط السياسية فَحَدِّثْ عن صعود القوى السياسية السلفية ولا حرج! سابعًا: المصداقية الأخلاقية والسلوكية: لا شك أن التيار السلفي - وإن بدا كظاهرةٍ سياسية، أو تجلَّى في سياقٍ اجتماعي، أو ديني - لا تفارقه مصداقيته الأخلاقية، ولا يغادره انضباطه السلوكي، ولا تُبرِّرُ فيه الغايةُ الصالحةُ الوسيلةَ الطالحةَ. ثامنًا: الريادة التاريخية والحضارية: إن التيارات السلفية المعاصرة اليوم مشدودة العرى بالرموز السلفية في الجيل الماضي، والأجيال السابقة؛ فلا تنتهي في مرجعيتها عند شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، ولا تقف عند حدود الأئمة الأربعة عامة، ولا تتمحور حول الإمام أحمد خاصة، وإنما تظل مرتبطة بالمدرسة الأولى، ومنتمية إلى الرعيل المقدَّمِ، من القرون المفضلة، والسادات المبجلة، من أصحاب خاتم النبيين وإمام المرسلين ﷺ ، وتمتد حتى تصل إلى الكبار من المعاصرين، فالسلفية مدرسة منهجية، تقبس نورها من مشكاة أهل السنة والجماعة، وتستمد قوتها من معين الفِرقة الناجية، والطائفة المنصورة.

стр. 22

المبحث الرابع فقه الأولويات في الخطاب السلفي (١) ينطلق فقه الأولويات في الخطاب السلفي من قواعد السياسة الشرعية، ومن المقاصد الكلية للدعوة الإِسلامية، فهو إدراكٌ شرعيٌّ مقاصديٌّ واقعي لِرُتَبِ الأقوال والأعمال، وترتيبِهَا نظريًّا وعمليًّا، وذلك من حيث الأهميةُ والتقديمُ والأرجحية. وهذا الفقه علَّمه الله تعالى لعباده ببيان التفاوت بين الأعمال ورُتَبِها، سواء أكانت صالحة، أم طالحة. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧] قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 23

بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [التوبة: ١٩، ٢٠] كما عَلَّمَ النبيُّ ﷺ أصحابَهُ رُتَبَ الأعمالِ الدعوية، وما حَقُّهُ التقديمُ منها؛ فحين أَرسل معاذًا داعيًا ومعلمًا قال له ﷺ : "إنك تَقْدَمُ على قوم من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرْهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صَلَّوا، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم؛ تؤخذ من غنيهم، فتُرَدُّ على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك، فخذ منهم وتوقَّ كرائمَ أموال الناس" (١). وعن نبينا ﷺ أخذ عمرُ ﵁ ما كتبه لأبي موسى الأشعري ﵁ موجهًا ومفقِّهًا، فقال ﵁: "إن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، افهم إذا أُدلي إليك؛ فإنه لا ينفع كلمة حق لا نفاذَ له، آسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك؛ حتى لا يطمعَ شريف في حيفك، ولا يخافَ ضعيف من جورك" (٢). وعن كتاب ربنا، وسنة نبينا وهدي سلفنا قَرَّر العلماء قواعدَ الأولويات بين الضروريَّات والحاجيَّات والتحسينيَّات، كما أَصَّلُوا للتفاوت بين الواجبات والمندوبات، والمحرمات والمكروهات؛ في ذاتها تارةً، وعند التزاحم والتعارض أخرى.

стр. 24

وهذا الفقه الدعويُّ يقتضي موازنةً في الخطاب بين المصالح والمفاسد، ومقابلةً بين المنافع والمضارِّ عند التزاحم، كما يقتضي إدراكًا لمقاصد الشريعة ومعانيها الكليةِ التي لأجلها شُرِعَتِ الأحكامُ، والتي على أساسها تترتب مصالحُ الأنام. وجهات الأولوية متعددة متنوعة، فالأعمال المطلوبة من حيث الزمان تتفاوت رتبها؛ بناءً على إدراك واجب الوقت، وفريضة العمر، وشرف الزمان والدهر. كما تتفاوت من حيث المكان، وما يتعلق به من عمل، رعايةً لفضله، أو تقديرًا لعُرْفِ أهله، كما تتفاوت من حيث ما يطرأ من أَمْرٍ استثنائيٍّ، أو يعرض من حال خاصة، أو ما يقع مما يَعْسُرُ الاحترازُ عنه، أو تعمُّ البلوى به. وكذلك فإن الأعمال والتصرفات - سواءً أكانت قلبية، أم قولية، أم فعلية - تتفاوت في ذاتها، كما تفاوتت باعتباراتٍ من خارجها. فمعيار إدراك الأولويات - في الدرجة الأولى - شرعيٌّ، وميزان الترجيح بينها نقليٌّ؛ إذ هو المصدر المعصوم، والصدور عنه فرضٌ محتومٌ، ثم ما استند إليه من إجماع موثَّق، أو قياس محقق. ثم تأتي - في الدرجة التالية - المقاصد الشرعية، والمصالح المرعية، ومصادر التشريع الثانوية؛ كسَدِّ الذرائع، أو فتحها ... وغيرها. وأخيرًا تأتي المشتركات العامة؛ مِن تجارب الدعاة من لدن أنبياء

стр. 25

الله تعالى وإلى اليوم. ثم إن المقاصد الشرعية، والمصالح المرعية، والمشتركات الدعوية تتعلق جميعًا بالواقع، وترتبط بالحياة، وبقدر رعاية الخطاب السلفي لخصائص الواقع، ومجريات أحداثه ومؤثراته؛ تتعاظم فاعليته، وتتجلى ثمراته ونتائجه. وفقه الأولويات في الخطاب الإِسلامي السلفي له ركائزُ يقوم عليها، تمثل معاقد الاتفاق، وأصول الوفاق، وهي كالأصول المحكمات، بين سائر الدعاة أفرادًا أو جماعات، وعند التفصيل في إعمال التأصيل قد تتفاوت الاجتهادات، وتتنوع التخصصات، ومثل هذا لا تتفرق به الكلمة، ولا تتأتى معه في الصف الإِسلامي - بحمد الله - ثُلمة. وقبل الدخول إلى الحديث عن فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر، تتعين الإجابة عن سؤال مهم، وهو: لماذا الحديث عن هذا الأمر الآن؟ وما الداعي إلى الاشتغال به في هذا التوقيت الذي يُلْمَسُ فيه انتعاشٌ سلفيٌّ وحضورٌ سياسيٌّ؟! وفي الفصل الآتي بيانٌ موسَّعٌ يتضمن إجابة تطوف حول معالِمَ تاريخيَّةٍ أحيانًا، وواقعيةٍ ومنهجيةٍ أحيانًا أخرى.

стр. 26

الفصل الثانى لماذا الحديث عن أولويات الخطاب السلفي ؟

стр. 27

لماذا الحديث عن أولويات الخطاب السلفي؟ أولويات الخطاب السلفي المعاصر تتعدد، وأسباب الحديث عنه اليوم تتنوع، وهذه الأسباب منها: ما هو داخلي، ومنها: ما هو خارجي، ومنها: ما هو داخلي خارجي في نفس الوقت. وللإجابة عن هذا السؤال - الذي صُدِّرَ به هذا الفصلُ - عناصرُ متعددةٌ، نستعرضها في المباحث التالية:

стр. 28

المبحث الأول تدشين الحرب العالمية على السلفية (١) لا اختلاف على أنَّه بسقوط الشيوعية، وانتهاء صلاحية شعار: (الروس قادمون) قد انتهى الجهاد والكفاح المشترك بين الغرب والعالم الإِسلامي ضد الشيوعية في أفغانستان، وليس في هذا من عجيب، وإنما العجب أنه بمجرد تحقيق هذا الهدف سارع الغرب بإعلان الإِسلام عدوًّا جديدًا! وذلك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بأكثر من عشر سنوات، وذلك حين دعاه مبكرًا داهية الغرب (نيكسون) بالخطر الأخضر الذي ينوب عن الخطر الأحمر. ومما لا شك فيه أن الإِسلام المقصود بالحرب ليس هو إسلام العقلانية، أو العصرانية، أو الشعوذة والخرافة، أو الفِرَق أو الطرق! وليس أصحابه بطبيعة الحال من المتسوِّلين على موائد الغرب أو الشرق، وإنما هم - كما يقول نيكسون -: "المصمِّمون على استرجاع الحضارة الإِسلامية السابقة عن طريق بعث الماضي ... والذين يهدفون إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية، وينادُون بأن الإِسلام دين ودولة، وعلى الرغم من أنهم ينظرون إلى الماضي فإنهم يتخذون منه هدايةً للمستقبل، فهم ليسوا محافظين، ولكنهم ثوارٌ! " (٢).

стр. 29

ومثل هذه التصريحات تُظهر - بجلاء - أن الحرب ليست على إرهاب يُنسب إلى الإِسلام، ولا على جماعات تتبنى الجهاد، أو حتى تدين بالعنف! إنما هي حرب على إسلام العقائد والثوابت، والأصول والمبادئ بالدرجة الأولى. إنها حرب على الإِسلام المقاوِم للهيمنة الغربية، والاستعمار، والعلمنة في جميع الميادين، وشتى مناحي الحياة! إنه الإِسلام السلفي الأصولي، كما يدعونه! وفي تقرير مؤسسة راند الأمريكية الصادر عام (٢٠٠٥ م) جرت المناداة بمؤتمر دولي يدشن لقيام مؤسسة دولية، لمحاربة ما أسموه "التطرف السلفي" (١)! وعلى نفس الطريق جاء التقرير التالي في (٢٠٠٧ م) داعيًا أن يُستخدم التيار التقليدي مع الصوفي في مواجهة الإِسلام السلفي، وأحيانًا جرى التعبير عن السلفية بـ: (الوهابية) (٢). كما نصُّوا على أن أصحاب المناهج الفلسفية والكلامية هم أقدر من غيرهم على التصدي لأهل السنة، على اختلاف أطيافهم. وبناءً عليه؛ فإن الغرب يعتقد - وبحق - أن قاعدة التدين في

стр. 30

الشرق الأوسط هي قاعدة سلفية تتخذ الكتاب والسنة، ومنهج السلف مرجعية شرعية، تحكم جميع شئونها الدينية والدنيوية. ومن هنا: انطلق الغرب يبحث عمن يمكن أن يخوض بهم ومعهم هذه الحرب الفكرية الكلامية ضد طوائف أهل السنة، والدعوة الإِسلامية، والذين وضع لهم تعريفًا جامعًا، وهو أنهم يدعون - على الأقل - إلى الاعتراف بالشريعة كأساسٍ للتشريع!! (١). ومنذ ذلك التوقيت قد بدأ النفخ في وقود حرب علمية وفكرية بين السلفيين من جهة، والصوفية والأشاعرة والمعتزلة والرافضة من جهة ثانية، وبين العلمانيين والحداثيين والتغريبيين والعقلانيين من جهة ثالثة! وعلى فور إطلاق هذه الحملة الظالمة فقد استُعمِلتْ في هذه المواجهات ألوان مختلفة من الأسلحة المدمرة، ويمكن أن يُرْصَدَ من ذلك ما يلي: أولًا: كتب السب للتيار السلفي والقذف بالبهتان تنشر: واللافت للنظر ليس وجود هذه الكتب قبل ذلك، وإنما كثرتها وتعدد إصداراتها، وتنوع الجهات المصدرة لها حول العالم العربي والإِسلامي.

стр. 31

» فبدءًا من عام (٢٠٠٥ م) صدرت كتب وإصدارات كثيرة عن مركز البحوث والدراسات التابع للطريقة العزمية بالقاهرة، ووزعت مع الباعة بثمن رمزي، وقد حملت هجومًا تكفيريًّا حادًّا، وعباراتٍ نابيةً بعيدةً عن أدب الخلاف مع العلماء والفضلاء!! ومن الأمثلة على ذلك: قولهم عن ابن تيمية ﵀: "المقتدِي بأسلافه كلاب النار الحروريين (الخوارج) ... والذين كفَّروا كثيرًا من الصحابة". وقولهم: "وهو جاهل بأصول الدين جهلًا مركبًا، وقد حكم على نفسه بالشرك وعبادة غير الله، وهو لا يشعر! " (١). ولقد علق الأستاذ الدكتور محمَّد عمارة على هذه السلسلة من الكتب البذيئة - مستاءً مما ورد فيها - فقال: "تلك نماذج -مجرد نماذج - من الفحش الفكري الذي قدَّمته - وتقدِّمه - سلسلة من الكتب الجمهورية، التي تصدر شهريًّا، والتي صدر منها عند كتابة هذه الدراسة أكثرُ من عشرين كتابًا!! " (٢). » وفي ذات التوقيت التي خرجت فيه الكتب المصرية صدر

стр. 32

عن دار الرازي ودار الفتح بالأردن عددٌ من الكتب التي تهاجم العقائد والرموز السلفية التاريخية والمعاصرة على حدٍّ سواءٍ لسعيد فودة وغيره من الأشعرية والصوفية من بلاد مختلفة، وقد رُصد مثل هذا في الكويت، والمغرب، وغيرها، بل وفي السعودية أيضًا، ككتاب: (الإنصاف) الصادر عن د. عمر عبد الله كامل، والمطبوع في القاهرة (٢٠٠٩ م). ثانيًا: الندوات والمؤتمرات تُعقد: » وفي سبتمبر ٢٠٠٦م أُقيمت بماليزيا ندوة عالمية عن الهجوم على السلفية بالجامعة الإِسلامية العالمية بماليزيا، برعاية جمعية (صوفا) الماليزية الصوفية، وبحضور عربي وإسلامي، شارك فيها أشاعرة صوفية من مصر، والسعودية، والأردن، وغيرها! » وإذا كان تقرير راند (٢٠٠٥ م) قد دعا إلى مؤتمر دولي يدشن لمواجهة العقيدة والفكر السلفيَّيْنِ، فقد انعقد مؤتمر بالقاهرة عبر رابطة جديدة، حملت اسم: الرابطة العالمية لخريجي جامعة الأزهر، وكان مؤتمرها الأوّل عن أبي الحسن الأشعري والأشعرية، وذلك بفندق الإنتركونتننتال في الفترة من (٢٤ - ٢٧ جمادى الأولى ١٤٣١هـ، الموافق ٨ - ١١ مايو ٢٠١٠ م)، واستضاف نحو مائتين وخمسين ضيفًا من معظم أقطار العالم، وقد افتتحه كل من شيخ الأزهر، ومفتي الديار، ووزير الأوقاف بمصر. وقد دارت محاور المؤتمر في جملتها على إعلان قيام هذه

стр. 33

المرجعية الأشعرية بالمناوأة للمرجعية السلفية علميًّا ومنهجيًّا وفكريًّا، ومن اللافت للنظر: أن عددًا من الحضور لم يتوافق مع هذا التوجه الغريب، فلما أعلن معارضته من خلال مداخلات، أو تعليقات على ما ألقي من كلمات، أو محاضرات، كان نصيبه الهجوم اللاذع، والتقريع الصريح!! وفي (٢٤ - ٢٦ سبتمبر ٢٠١١ م) عقد بالقاهرة مؤتمر: (الصوفية منهج أصيل للإصلاح) وذلك برعاية شيخ الأزهر، وبحضور وزير الأوقاف، ومفتي الديار المصرية، وبمشاركة نحو من ثلاثمائة صوفي من مختلف البلاد العربية والإِسلامية، وبحضور مندوب عن حسن نصر الله الرافضي ممثلًا عن حزب الله اللبناني!! (١) وذلك للترويج للصوفية بعد تورط بعض غلاتهم في علاقات مشبوهة بأمريكا والغرب، مما أدى إلى سقوط أسهمهم، واتهام عدد منهم بالعمالة للأنظمة العربية من جهة، وللغرب من جهة أخرى. ثالثًا: التضييق على الدعوات والرموز السلفية على أشده: » ففي مصر الأزهر عمدت إدارة جامعة الأزهر، ثم مشيخة الأزهر بقيادة فضيلة الدكتور أحمد الطيب إلى التضييق على كل من يبدي تسامحًا مع المنهج السلفي، وفي هذا الصدد منعت عددًا من الأساتذة من التدريس، والمشاركة في الامتحانات، وأعمال التصحيح، وأحالت عددًا من هؤلاء الأساتذة الجامعيين إلى

стр. 34

تحقيقات قانونية بتهم متعددة، تدور في جوهرها حول تبني السلفية! كما اتخذت إدارة الجامعة في عهد فضيلته موقفًا متشددًا من كلية الدعوة الإِسلامية ورجالاتها بوصفها كلية سلفية!! ووجهت العمداء بضرورة رفع أسماء من ينتسبون إلى هذا المنهج، من جميع الكليات الشرعية؛ لمنعهم من التدريس، ولو بتصيُّدِ الأخطاء، وتلفيقِ التُّهَمِ! واضطر عدد من هؤلاء للسفر خارج البلاد حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا! (١). وامتدَّ هذا النطاق من المحاصرة والتضييق ليطال التدخل في مناهج ومقررات المعاهد الشرعية لإعداد الدعاة، بمختلف الجمعيات الدعوية، وإيقاف عدد من شيوخها لنفس الأسباب، وإحالة عدد من أئمة المساجد التابعين للأوقاف المتهمين بالسلفية إلى تحقيقات تنتهي - غالبًا - بالإقصاء عن المساجد المؤثرة والكبيرة بمختلف المدن. وفي الإمارات أُنهي تعاقُدُ عددٍ كبير من الأئمة المعارين للعمل بالمساجد ممن ثبت انتسابُهم للمنهج السلفي، وجرى ترحيلُهُم! وعلى خطٍّ موازٍ أُغلقت المدارسُ الشرعية الباكستانية بأوامِرَ أمريكيةٍ صريحةٍ، كما أُعيد النظرُ في مناهجَ دراسيةٍ بمختلف المراحل التعليمية بالسعودية، تحت دعوى التطوير! وجرى بالفعل استبدالُ

стр. 35

تلك المناهج! وذلك بالمخالفة لما أوصى به العلماء الرسميُّون! ومن اللافت للنظر - أيضًا - ما يُرْصدُ من استبعادٍ لبعض العلماء من مناصبهم، سواء في هيئة كبار العلماء، أو بمجلس القضاء الأعلى، أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يُرْصَدُ كذلك استيرادُ الفتاوي، وعدم الاكتفاء بالعلماء المحليين، مع منعِ الكافة من الفتيا إلا بتصريح، وإغلاق مواقع الفتيا الإلكترونية، وغير ذلك. رابعًا: الحرب الإعلامية تستعر: وعلى المحور الإعلامي قد بات الهجوم على تلك الاختيارات السلفية العلمية عقديًّا وفقهيًّا مادةً للحديث العام تلفزيونيًّا وفضائيًّا، وذلك بدءًا من الأحاديث التي ألقاها آنذاك رئيس الجامعة الأزهرية الدكتور أحمد الطيب في قناة (النيل الثقافية)، والتي تناول فيها المفردات والاختيارات السلفية العلمية والعملية، إلى تلك الأحاديث واللقاءات الدعوية والشبابية التي نقلتها قناة (اقرأ) الفضائية لرموز صوفية، وأشعرية تُهاجِمُ أيضًا المناهجَ السلفية! وفي مصرَ صدرت توجيهات للصحف بتناول هذا الموضوع عبر تحقيقات جرى فيها تناول السلف الأوائل، ومن ينتسب إليهم في العصر الحاضر بدرجات متفاوتة من النقد والتحذير، وأخيرًا التشهير! (١).

стр. 36

وهكذا صارت عناوين الهجوم على السلفية شيئًا مألوفًا في تحقيقات مجلة (روز اليوسف) المملوكة للدولة في مصر، وللتمثيل فقط هذه بعض عناوينها في السنتين الأخيرتين (٢٠٠٩ - ٢٠١٠ م): السلفيون .. الخطر الناعم في مصر. ألغام السلفية تهدد بتفجير الوحدة الوطنية. في القنوات السلفية: الفلوس للمشايخ .. والتطرف للجميع! (١). وفي مقابلة نشرت بموقع (أون إسلام) الإلكتروني مع مفتي الديار المصرية د. علي جمعة اعتبر أن السلفية المتشددة أقربُ إلى العلمانية منها إلى الإِسلام! وأن الفكر السلفي المنغلق هو الوجه الآخر للفكر العلماني! شارحًا أنه "إذا كانت العلمانية تريد أن تعزل الدين عن سير الحياة؛ فإن السلفية تسعى إلى أن تنعزل بالدين عن الواقع! " (٢). ومن أخطر ما رُصِدَ من هذه التحقيقات الصحفية: ما أجراه الصحفي مكرم محمَّد أحمد مع فضيلة شيخ الأزهر، والذي نُشر في الأهرام بتاريخ ١٠/ ٧/ ٢٠١٠ م؛ ففي سؤال حول أسبابِ تراجُعِ دورِ الأزهرِ قال فضيلته: " ... لكن سيطرة بعض العناصر الاشتراكية والماركسية على الثقافة في مصر - خلال هذه الفترة -

стр. 37

أسهمت في تحديدِ دورِ الأزهر، ومكانته، وأدَّتْ إلى تراجع دوره خارج مصر، على حين نشطت جهودُ آخرينَ لتملأ هذا الفراغ، نشطت الكنيسة الغربية في دورها التبشيري في إفريقيا، ونشطت الماركسية في جهودها للتقليل من أهمية الدين، وساد فقهُ البادية، وَسَعَتِ الوهابيةُ إلى أن تملأ جزءًا من هذا الفراغ"! وحول تحول الدين في نظر البعض إلى مظاهرَ وطقوسٍ شكلية قال الشيخ: "أعود فأقول: إنه في غيبة دور الأزهر نشط السلفيون، ونشطت بعض المذاهب الوافدة، وحاولتِ الوهابيةُ أن تملأ الفراغَ، وانتشر فقهُ البادية على حساب فقهِ الوسطِ!! وعليه، فإن الحربَ على الإرهابِ يحلُّ محلَّها الآن - في تسلُّلٍ مريبٍ - الحربُ على السلفية!! وبعدَ قيامِ الثورات العربية، وصعودِ القُوَى السلفيةِ - سياسيًا واجتماعيًّا - ازداد التمالُؤُ الداخليُّ والخارجيُّ على الدعوات السلفية، وانتشرت الشائعات الكاذبة، والحملات الإعلامية المغرضة، وقد شهدت الساحة المصرية من هذه المواجهات السياسية والإعلامية شيئًا مفزعًا، بدءًا من حَدِّ

стр. 38

قطعِ الأُذُنِ!! (١)، مرورًا بهدمِ أضرحةِ أولياءِ الله الصالحين!! (٢)،

стр. 39

وانتهاءً بتلقي دعم دول النفط!!! والبقية تأتي! وهو أمر يجب معه مؤازرة أهل الحق، ولو بالنصح والحدب، والاجتماع على مراجعة الخطاب السلفي لتقويته من جهة، ولتحريره من السلبيات من جهة أخرى، بعد رميه عن قوسٍ واحدةٍ، وفي هذا مبررٌ كافٍ بمفرده لطرح أولويات الخطاب السلفي، ومناقشة الفقه العملي الراجح في هذا الواقع المعاصر.

стр. 40

المبحث الثاني وجود مراجعات وتراجعات في الخطاب السلفي المعاصر بنهاية عقد التسعينيات، وبداية ألفية جديدة تعالت صيحات عديدة تنادي بضرورة إنجاز مراجعات شاملة، لا تنقصها الصراحة، ولا تخلو من الصرامة، وذلك بسبب ما لوحظ من انهيارات، وما جرى من انكسارات، بعد حرب الخليج الأولى والثانية، وما تبع ذلك من ضغوطات هائلة؛ أن إلى تفكك أعمال إسلامية سلفية، وغير سلفية كثيرة، وتنحي جماعات وطوائف عن منهجها ومسلكها، وانطفاء جذوة أعمالٍ عاشت الدعوة الإِسلامية في السبعينيات مرحلةَ توهُّجِها وسطوعِهَا، ثم أدرك الكثيرون حالة ذبولها وتراجعها. ورُصِدَ من أسباب هذه الظاهرة ما هو اجتماعي، سواء أكان إيجابيًّا، أم سلبيًّا؛ لتغير الحال، وحصول النضج في مرحلة الكهولة بعد الشباب، وتغير ذات اليد من فقرٍ إلى غنًى، ومن قلَّة إلى كثرة، ومن ندرة إلى وفرة في الشباب، والدعوة، والحركة، ومن انقطاع إلى الدعوة والعلم والعمل إلى اشتغال بمفضول عن فاضل، فضلًا عن الاشتغال بالأدنى عن الأعلى. ومن الأسباب: ما هو منهجي، وذلك عندما تتغير الثوابت، وتَبْلَى القواعد، وتنطمس البصائر، فتزيف الحقائق، وُيسَوَّغ التراجع باسم الدين تارةً، وباسم المصلحة تارةً أخرى، وبأسماء عديدة تاراتٍ.
следующие страницы →