← Тафсир

Тафсир · id 1447

سلسلة حتى لا نخطئ فهم القرآن

محمود محمد غريب

Полный текст (95 стр.). Показаны 71–95 · переход к 76.

стр. 71

﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الآية ٢٥ واحذروا - أيها المؤمنون - اختبارًا ومحنة يُعَمُّ بها المسيء وغيره لا يُخَص بها أهل المعاصي ولا مَن باشر الذنب , بل تصيب الصّالحين معهم إذا قدروا على إنكار الظلم ولم ينكروه , واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره ونهيه. (١٦) فِتْنَةً = محنة وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الآية ٢٨ واعلموا - أيها المؤمنون - أن أموالكم التي استخلفكم الله فيها , وأولادكم الذين وهبهم الله لكم اختبار من الله وابتلاء لعباده; ليعلم أيشكرونه عليها ويطيعونه فيها , أو ينشغلون بها عنه؟ واعلموا أن الله عنده خير وثواب عظيم لمن اتقاه وأطاعه. (١٧) فِتْنَةٌ = زينة قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ الكهف٤٦ الأموال والأولاد جَمال وقوة في هذه الدنيا الفانية، والأعمال الصالحة - وبخاصة التسبيحُ والتحميد والتكبير والتهليل - أفضل أجرًا عند ربك من المال والبنين، وهذه الأعمال الصالحة أفضل ما يرجو الإنسان من الثواب عند ربه، فينال بها في الآخرة ما كان يأمُله في الدنيا. وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ الحديد٢٠

стр. 72

اعلموا - أيها الناس - أنما الحياة الدنيا لعب ولهو , تلعب بها الأبدان وتلهو بها القلوب , وزينة تتزينون بها , وتفاخر بينكم بمتاعها , وتكاثر بالعدد في الأموال والأولاد , مثلها كمثل مطر أعجب الزُّرَّاع نباته , ثم يهيج هذا النبات فييبس , فتراه مصفرًا بعد خضرته , ثم يكون فُتاتًا يابسًا متهشمًا , وفي الآخرة عذاب شديد للكفار ومغفرة من الله ورضوان لأهل الإيمان. وما الحياة الدنيا لمن عمل لها ناسيًا آخرته إلا متاع الغرور. وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ آل عمران ١٤ حُسِّن للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين , والأموال الكثيرة من الذهب والفضة , والخيل الحسان , والأنعام من الإبل والبقر والغنم , والأرض المتَّخَذة للغراس والزراعة. ذلك زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية. والله عنده حسن المرجع والثواب , وهو الجنَّة. وقال تعالى: في سورة الأنفال ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الآية ٣٩ وقاتلوا - أيها المؤمنون - المشركين حتى لا يكون شِرْكٌ وصدٌّ عن سبيل الله; ولا يُعْبَدَ إلا الله وحده لا شريك له , فيرتفع البلاء عن عباد الله في الأرض , وحتى يكون الدين والطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره , فإن انزجروا عن فتنة المؤمنين وعن الشّرك بالله وصاروا إلى الدين الحق معكم , فإن الله لا يخفى عليه ما يعملون مِن ترك الكفر والدخول في الإسلام. (١٨) فِتْنَةٌ = شِرْكٌ المعنى ١٨ مشترك مع المعنى رقم ٣ في سورة البقرة رجاءا

стр. 73

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ الآيات ٧٢ - ٧٣ إن الذين صدَّقوا الله , ورسوله وعملوا بشرعه , وهاجروا إلى دار الإسلام , أو بلد يتمكنون فيه من عبادة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله بالمال والنفس , والذين أنزلوا المهاجرين في دورهم , وواسوهم بأموالهم , ونصروا دين الله , أولئك بعضهم نصراء بعض. أما الذين آمنوا ولم يهاجروا من دار الكفر فلستم مكلفين بحمايتهم ونصرتهم حتى يهاجروا , وإن وقع عليهم ظلم من الكفار فطلبوا نصرتكم فاستجيبوا لهم , إلا على قوم بينكم وبينهم عهد مؤكد لم ينقضوه. والله بصير بأعمالكم , يجزي كلا على قدر نيته وعمله. والذين كفروا بعضهم نصراء بعض , وإن لم تكونوا - أيها المؤمنون - نصراء بعض تكن في الأرض فتنة للمؤمنين عن دين الله , وفساد عريض بالصد عن سبيل الله وتقوية دعائم الكفر. (١٩) فِتْنَةٌ = إزهاق نفوس المؤمنين وقال تعالى: في سورة التوبة ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ الآية ٤٧

стр. 74

لو خرج المنافقون معكم - أيها المؤمنون - للجهاد لنشروا الاضطراب في الصفوف والشّر والفساد , ولأسرعوا السير بينكم بالنميمة والبغضاء , يبغون فتنتكم بتثبيطكم عن الجهاد في سبيل الله , وفيكم - أيها المؤمنون - عيون لهم يسمعون أخباركم , وينقلونها إليهم. والله عليم بهؤلاء المنافقين الظالمين , وسيجازيهم على ذلك. (٢٠) الْفِتْنَةَ = بث العداوة بينكم وقال تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ الآية ٤٨ لقد ابتغى المنافقون فتنة المؤمنين عن دينهم وصدهم عن سبيل الله من قبل غزوة (تبوك) , وكشف أمرهم , وصرَّفوا لك - أيها النبي - الأمور في إبطال ما جئت به , كما فعلوا يوم (أحد) ويوم (الخندق) , ودبَّروا لك الكيد حتى جاء النصر من عند الله , وأعز جنده ونصر دينه , وهم كارهون له. (٢١) الْفِتْنَةَ = المكر السيئ وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ الآية ٤٩ ومِن هؤلاء المنافقين من يطلب الإذن للقعود عن الجهاد ويقول: لا توقعْني في الابتلاء بما يعرض لي في حالة الخروج من فتنة النساء. لقد سقط هؤلاء المنافقون في فتنة النفاق الكبرى. فإن جهنم لمحيطة بالكافرين بالله واليوم الآخر , فلا يُفْلِت منهم أحد. (٢٢) تَفْتِنِّي = تقتلني (٢٣) الْفِتْنَةِ = النفاق ثمّ القتل المعنى ٢٣ مشترك مع المعنى رقم ٧ في سورة النساء رجاءا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ آل عمران ١٥٤

стр. 75

ثم كان من رحمة الله بالمؤمنين المخلصين أن ألقى في قلوبهم من بعد ما نزل بها من همٍّ وغمٍّ اطمئنانًا وثقة في وعد الله , وكان من أثره نعاس غَشِي طائفة منهم , وهم أهل الإخلاص واليقين , وطائفة أُخرى أهمَّهم خلاص أنفسهم خاصة , وضَعُفَتْ عزيمتهم وشُغِلوا بأنفسهم , وأساءوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه , وظنوا أن الله لا يُتِمُّ أمر رسوله , وأن الإسلام لن تقوم له قائمة , ولذلك تراهم نادمين على خروجهم , يقول بعضهم لبعض: هل كان لنا من اختيار في الخروج للقتال؟ قل لهم - أيها الرسول -: إن الأمر كلَّه لله , فهو الذي قدَّر خروجكم وما حدث لكم , وهم يُخْفون في أنفسهم ما لا يظهرونه لك من الحسرة على خروجهم للقتال , يقولون: لو كان لنا أدنى اختيار ما قُتِلنا هاهنا. قل لهم: إن الآجال بيد الله , ولو كنتم في بيوتكم , وقدَّر الله أنكم تموتون , لخرج الذين كتب الله عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون , وما جعل الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من الشك والنفاق , وليميز الخبيث من الطيب , ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال. والله عليم بما في صدور خلقه , لا يخفى عليه شيء من أمورهم. وقال تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ الأحزاب ٦١ مطرودين من رحمة الله , في أي مكان وُجِدوا فيه أُسِروا وقُتِّلوا تقتيلا ما داموا مقيمين على النفاق ونشر الأخبار الكاذبة بين المسلمين بغرض الفتنة والفساد.

стр. 76

وقال تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ التوبة ١٢٦ (٢٤) يُفْتَنُونَ = يعاقبون أولا يرى المنافقون أن الله يبتليهم بالقحط والشدة , وبإظهار ما يبطنون من النفاق مرة أو مرتين في كل عام؟ ثم هم مع ذلك لا يتوبون مِن كفرهم ونفاقهم , ولا هم يتعظون ولا يتذكرون بما يعاينون من آيات الله. وقال تعالى: في سورة يونس ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ الآية ٨٣ فما آمن لموسى ﵇ مع ما أتاهم به من الحجج والأدلة إلا ذرية من قومه من بني إسرائيل , وهم خائفون من فرعون وملئه أن يفتنوهم بالعذاب , فيصدُّوهم عن دينهم , وإن فرعون لَجبار مستكبر في الأرض , وإنه لمن المتجاوزين الحد في الكفر والفساد. (٢٥) يَفْتِنَهُمْ = يقتلهم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ الأعراف ١٢٧ وقال السّادة والكبراء من قوم فرعون لفرعون: أَتَدَعُ موسى وقومه من بني إسرائيل ليفسدوا الناس في أرض "مصر" بتغيير دينهم بعبادة الله وحده لا شريك له , وترك عبادتك وعبادة آلهتك؟ قال فرعون: سنُقَتِّل أبناء بني إسرائيل ونستبقي نساءهم أحياء للخدمة , وإنََّا عالون عليهم بقهر المُلْكِ والسلطان. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ غافر ٢٥

стр. 77

لما جاء موسى فرعون وهامان وقارون بالمعجزات الظاهرة مِن عندنا , لم يكتفوا بمعارضتها وإنكارها , بل قالوا: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه , واستبقوا نساءهم للخدمة والاسترقاق. وما تدبير أهل الكفر إلا في ذَهاب وهلاك. وقال تعالى: في سورة يونس ﴿فَقَالُواْ عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الآية ٨٥ فقال قوم موسى له: على الله وحده لا شريك له اعتمدنا , وإليه فوَّضنا أمرنا , ربنا لا تنصرهم علينا فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو يُفتن الكفارُ بنصرهم، فيقولوا: لو كانوا على حق لما غُلبوا. (٢٦) فِتْنَةً = مثلا قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ الزخرف ٥٦ (فجعلناهم سلفا) جمع سالف كخادم وخدم أي سابقين عبرة (ومثلا للآخرين) بعدهم يتمثلون بحالهم فلا يقدمون على مثل أفعالهم. تفسير الجلالين وقال تعالى: في سورة النحل ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ الآية ١١٠ ثم إن ربك للمستضعفين في "مكة" الذين عذَّبهم المشركون , حتى وافقوهم على ما هم عليه ظاهرًا , ففتنوهم بالتلفظ بما يرضيهم , وقلوبهم مطمئنة بالإيمان , ولمَّا أمكنهم الخلاص هاجروا إلى "المدينة" , ثم جاهدوا في سبيل الله , وصبروا على مشاق التكاليف , إن ربك - من بعد توبتهم - لَغفور لهم , رحيم بهم. (٢٧) فُتِنُواْ = أظهروا الكفر قال تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النحل الآية ١٠٦

стр. 78

إنما يفتري الكذب مَن نطق بكلمة الكفر وارتدَّ بعد إيمانه , فعليهم غضب من الله , إلا مَن أُرغم على النطق بالكفر , فنطق به خوفًا من الهلاك وقلبه ثابت على الإيمان , فلا لوم عليه , لكن من نطق بالكفر واطمأن قلبه إليه , فعليهم غضب شديد من الله , ولهم عذاب عظيم; فائدة جاء في الحديث الشَّريف عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ثم تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال تعالى: في سورة الإسراء ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ الآية ٦٠ (٢٨) فِتْنَةً = آية واذكر - أيها الرسول - حين قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس علمًا وقدرة. وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها عِيانًا ليلة الإسراء والمعراج من عجائب المخلوقات إلا اختبارًا للناس؛ ليتميز كافرهم من مؤمنهم، وما جعلنا شجرة الزقوم الملعونة التي ذكرت في القرآن إلا ابتلاء للناس. ونخوِّف المشركين بأنواع العذاب والآيات، ولا يزيدهم التخويف إلا تماديًا في الكفر والضلال. قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ النجم ١٨ لقد رأى محمَّد ﷺ ليلة المعراج من آيات ربه الكبرى الدالة على قدرة الله وعظمته من الجنة والنار وغير ذلك. ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ الإسراء الآية ٧٣ ولقد قارب المشركون أن يصرفوك - أيها الرسول - عن القرآن الذي أنزله الله إليك؛ لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، ولو فعلت ما أرادوه لاتخذوك حبيبًا خالصًا.

стр. 79

(٢٩) لَيَفْتِنُونَكَ = يصرفوك وقال تعالى: في سورة طه ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ الآية ٤٠ ومننَّا عليك حين تمشي أختك تتبعك ثم تقول لمن أخذوك: هل أدلكم على من يكفُله , ويرضعه لكم؟ فرددناك إلى أمِّك بعد ما صرتَ في أيدي فرعون؛ كي تطيب نفسها بسلامتك من الغرق والقتل , ولا تحزن على فَقْدك , وقتلت الرجل القبطي خطأ فنجيناك من غَمِّ فِعْلك وخوف القتل , وابتليناك ابتلاء , فخرجت خائفًا إلى أهل "مدين" , فمكثت سنين فيهم , ثم جئت من "مدين" في الموعد الذي قدَّرناه لإرسالك مجيئًا موافقًا لقدر الله وإرادته , والأمر كله لله ﵎. فائدة وقال آخرون معنى ذلك أخلصناك ذكر من قال ذلك حدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وفتناك فتونا أخلصناك إخلاصا حدثنا ابن المثنى قال ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن يعلى بن مسلم قال سمعت سعيد بن جبير يفسر هذا الحرف (٣٠) فَتَنَّاكَ فُتُوناً = أخلصناك إخلاصا أنظروا رحمكم الله تعالى كيف أن الله تعالى حفظ سيدنا موسى في طفولته ورباه في بيت عدوه وألقى محبته بين الناس ونجاه من القتل وذهب به إلى مدين وزوجه تعالى بنت سيدنا شعيب وأمدّه بالقوة وأعطاه الآيات وشدّ عضده بأخيه بسيّدنا هارون وكلمه تعالى بلا حجاب وأيده بالآيات وفلق البحر له فاهلك عدوه وأعطاه الوجاهة واصطنعه لنفسه تعالى ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ طه - ٤١ وأنعمتُ عليك - يا موسى - هذه النعم اجتباء مني لك , واختيارًا لرسالتي , والبلاغ عني , والقيام بأمري ونهيي.

стр. 80

وقال البخاري ثم تفسيرها ٤٣٦٧ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ آنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي قَالَ نَعَمْ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى". وقال تعالى: في سورة طه ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ طه - ٨٥ قال الله لموسى: فإنا قد ابتلينا قومك بعد فراقك إياهم بعبادة العجل , وإن السامري قد أضلهم. (٣١) فَتَنَّا = مكرنا بهم ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ طه - ٩٠ ولقد قال هارون لبني إسرائيل من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم إنما اختُبرتم بهذا العجل؛ ليظهر المؤمن منكم من الكافر , وإن ربكم الرحمن لا غيره فاتبعوني فيما أدعوكم إليه من عبادة الله , وأطيعوا أمري في إتباع شرعه. (٣٢) فُتِنتُم = هلكتم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الأعراف١٥٢ إن الذين اتخذوا العجل إلهًا سينالهم غضب شديد مِن ربهم وهوان في الحياة الدنيا; بسبب كفرهم بربهم , وكما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين المبتدعين في دين الله , فكل صاحب بدعة ذليل. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ النساء ١٥٣

стр. 81

يسألك اليهود - أيها الرسول - معجزة مثل معجزة موسى تشهد لك بالصدق: بأن تنزل عليهم صُحُفًا من الله مكتوبةً , مثل مجيء موسى بالألواح من عند الله , فلا تعجب - أيها الرسول - فقد سأل أسلافهم موسى ﵇ ما هو أعظم: سألوه أن يريهم الله علانيةً , فَصُعِقوا بسبب ظلمهم أنفسهم حين سألوا أمرًا ليس من حقِّهم. وبعد أن أحياهم الله بعد الصعق , وشاهدوا الآيات البينات على يد موسى القاطعة بنفي الشرك , عبدوا العجل من دون الله , فعَفونا عن عبادتهم العجل بسبب توبتهم , وآتينا موسى حجة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه. قال تعالى: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هود ٣٤ ولا ينفعكم نصحي واجتهادي في دعوتكم للإيمان , إن كان الله يريد أن يضلَّكم ويهلككم , هو سبحانه مالككم , وإليه تُرجَعون في الآخرة للحساب والجزاء. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ طه - ١٣١ ولا تنظر إلى ما مَتَّعْنا به هؤلاء المشركين وأمثالهم من أنواع المتع , فإنها زينة زائلة في هذه الحياة الدنيا , متعناهم بها; لنبتليهم بها , ورزق ربك وثوابه خير لك مما متعناهم به وأدوم; حيث لا انقطاع له ولا نفاد. (٣٣) لِنَفْتِنَهُمْ = لنستدرجهم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ آل عمران ١٧٨

стр. 82

ولا يظننَّ الجاحدون أننا إذا أَطَلْنا أعمارهم , ومتعناهم بمُتع الدنيا , ولم تؤاخذهم بكفرهم وذنوبهم , أنهم قد نالوا بذلك خيرًا لأنفسهم , إنما نؤخر عذابهم وآجالهم; ليزدادوا ظلمًا وطغيانًا , ولهم عذاب يهينهم ويذلُّهم. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ.وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ. وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الزخرف الآيات ٣٣ - ٣٥ ولولا أن يكون الناس جماعة واحدة على الكفر , لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سُقُفا من فضة وسلالم عليها يصعدون. وجعلنا لبيوتهم أبوابًا من فضة , وجعلنا لهم سررًا عليها يتكئون , وجعلنا لهم ذهبًا , وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا , وهو متاع قليل زائل , ونعيم الآخرة مدَّخر عند ربك للمتقين ليس لغيرهم. وقال تعالى: في سورة الأنبياء ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ الآية ١١١ ولست أدري لعل تأخير العذاب الذي استعجلتموه استدراج لكم وابتلاء , وأن تتمتعوا في الدنيا إلى حين; لتزدادوا كفرًا , ثم يكون أعظم لعقوبتكم. (٣٤) فِتْنَةٌ = استدراج المعنى ٣٤ مشترك مع المعنى رقم ٣٣ في سورة طه رجاءا وقال تعالى: في سورة الحج ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الآية ١١

стр. 83

ومن الناس مَن يدخل في الإسلام على ضعف وشكٍّ، فيعبد الله على تردده، كالذي يقف على طرف جبل أو حائط لا يتماسك في وقفته، ويربط إيمانه بدنياه , فإن عاش في صحة وسَعَة استمر على عبادته , وإن حصل له ابتلاء بمكروه وشدة عزا شؤم ذلك إلى دينه , فرجع عنه كمن ينقلب على وجهه بعد استقامة، فهو بذلك قد خسر الدنيا؛ إذ لا يغيِّر كفرُه ما قُدِّر له في دنياه , وخسر الآخرة بدخوله النار، وذلك خسران بيِّن واضح. (٣٥) فِتْنَةٌ = شرّ أو ضرّ قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ الزلزلة الآية ٨ ومن يعمل وزن نملة صغيرة شرًا , ير عقابه في الآخرة. ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الحج ٥٣ وما كان هذا الفعل مِنَ الشيطان إلا ليجعله الله اختبارًا للذين في قلوبهم شك ونفاق، ولقساة القلوب من المشركين الذين لا يؤثِّرُ فيهم زجر. وإن الظالمين مِن هؤلاء وأولئك في عداوة شديدة لله ورسوله وخلافٍ للحق بعيد عن الصواب. (٣٦) فِتْنَةً = استدراج وإضلال المعنى ٣٦ مشترك مع المعنى رقم ٤٣ في سورة الأنبياء و٣٣ في سورة طه رجاءا قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ الزخرف ٣٦ ومن يُعْرِض عن ذكر الرحمن , وهو القرآن , فلم يَخَفْ عقابه , ولم يهتد بهدايته , نجعل له شيطانًا في الدنيا يغويه; جزاء له على إعراضه عن ذكر الله , فهو له ملازم ومصاحب يمنعه الحلال , ويبعثه على الحرام. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ مريم ٨٣ ألم تر - أيها الرسول - أنَّا سلَّطْنا الشياطين على الكافرين بالله ورسله; لتغويهم , وتدفعهم عن الطاعة إلى المعصية؟

стр. 84

وقال تعالى: في سورة النور ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية ٦٣ لا تقولوا - أيها المؤمنون - عند ندائكم رسول الله صلِّ يا ربِّ عليه وآله وبارك وسلِّم كما تحبه وترضاه يا محمد ولا يا محمد بن عبد الله كما يقول ذلك بعضكم لبعض ولكن شرِّفوه، وقولوا: يا نبي الله , يا رسول الله. قد يعلم الله المنافقين الذين يخرجون من مجلس النبي ﷺ خفية بغير إذنه، يلوذ بعضهم ببعض، فليَحْذَر الذين يخالفون أمر رسول الله أن تنزل بهم محنة وشر، أو يصيبهم عذاب مؤلم موجع في الآخرة. (٣٧) فِتْنَةٌ = لعنة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ الأحزاب ٥٧ إن الذين يؤذون الله بالشرك أو غيره من المعاصي , ويؤذون رسول الله بالأقوال أو الأفعال , أبعدهم الله وطردهم مِن كل خير في الدنيا والآخرة , وأعدَّ لهم في الآخرة عذابًا يذلهم ويهينهم. وقال تعالى: في سورة الفرقان ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ آية ٢٠

стр. 85

وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول - أحدًا مِن رسلنا إلا كانوا بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق. وجعلنا بعضكم - أيها الناس - لبعض ابتلاء واختبارًا بالهدى والضلال، والغنى والفقر، والصحة والمرض، هل تصبرون، فتقوموا بما أوجبه الله عليكم، وتشكروا له، فيثيبكم مولاكم، أو لا تصبرون فتستحقوا العقوبة؟ وكان ربك - أيها الرسول - بصيرًا بمن يجزع أو يصبر، وبمن يكفر أو يشكر. (٣٨) فِتْنَةً = سُخْرِيّاً قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ الزخرف ٣٢ أهم يقسمون النبوة فيضعونها حيث شاؤوا؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأقوات , ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات: هذا غنيٌّ وهذا فقير , وهذا قويٌّ وهذا ضعيف؛ ليكون بعضهم مُسَخَّرًا لبعض في المعاش. ورحمة ربك - أيها الرسول - بإدخالهم الجنة خير مما يجمعون من حطام الدنيا الفاني. وقال تعالى: في سورة النمل ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ آية ٤٧ قال قوم صالح له: تَشاءَمْنا بك وبمن معك ممن دخل في دينك , قال لهم صالح: ما أصابكم الله مِن خير أو شر فهو مقدِّره عليكم ومجازيكم به , بل أنتم قوم تُخْتَبرون بالسراء والضراء والخير والشر. (٣٩) تُفْتَنُونَ = تهلكون قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ هود - ٦٥ فكذَّبوه ونحروا الناقة , فقال لهم صالح: استمتعوا بحياتكم في بلدكم ثلاثة أيام , فإن العذاب نازل بكم بعدها , وذلك وَعْدٌ من الله غير مكذوب , لا بد من وقوعه.

стр. 86

وقال تعالى: في سورة العنكبوت ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ آية ٢ (٤٠) يُفْتَنُونَ = يمحَّصون أظَنَّ الناس إذ قالوا: آمنا , أن الله يتركهم بلا ابتلاء ولا اختبار؟ قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ آل عمران الآية ١٤١ (وليمحص الله الذين آمنوا) يطهرهم من الذنوب بما يصيبهم (ويمحق) يهلك (الكافرين) تفسير الجلالين وقال تعالى: في سورة الأحزاب ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً﴾ الآية ١٤ لو دخل جيش الأحزاب "المدينة" من جوانبها , ثم سئل هؤلاء المنافقون الشّرك بالله والرجوع عن الإسلام , لأجابوا إلى ذلك مبادرين , وما تأخروا عن الشرك إلا يسيرًا. (٤١) الْفِتْنَةَ = الردة عن الاسلام وقال تعالى: في سورة الصافات ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾ الآية ٦٣ إنا جعلناها فتنة افتتن بها الظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي , وقالوا مستنكرين: إن صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة , والنار تأكل الشجر. (٤٢) فِتْنَةً = مكيدة وطعاما قال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ. إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ. فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ﴾ الصافات الآيات ٦٢ - ٦٧ أذلك الذي سبق وصفه مِن نعيم الجنة خير ضيافة وعطاء من الله , أم شجرة الزقوم الخبيثة الملعونة , طعام أهل النار؟ إنا جعلناها فتنة افتتن بها الظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي , وقالوا مستنكرين: إن صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة , والنار تأكل الشجر. إنها شجرة تنبت في قعر جهنم ,

стр. 87

ثمرها قبيح المنظر كأنه رؤوس الشياطين , فإذا كانت كذلك فلا تَسْألْ بعد هذا عن طعمها , فإن المشركين لآكلون من تلك الشجرة فمالئون منها بطونهم. ثم إنهم بعد الأكل منها لشاربون شرابًا خليطًا قبيحًا حارًّا , قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الْأَثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ الدخان الآيات ٤٣ - ٤٦ إن شجرة الزقوم التي تخرج في أصل الجحيم , ثمرها طعام صاحب الآثام الكثيرة , وأكبر الآثام الشرك بالله. ثمر شجرة الزقوم كالمَعْدِن المذاب يغلي في بطون المشركين , كغلي الماء الذي بلغ الغاية في الحرارة. وقال تعالى: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ. إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ الصافات الآيات ١٦٢ - ١٦٣ ما أنتم بمضلِّين أحدًا. إلا مَن قدَّر الله عليه أن يَصْلَى الجحيم؛ لكفره وظلمه. (٤٣) بِفَاتِنِينَ = بمضلِّين وقال تعالى: في سورة ص ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) ﴾ الآيات ٢١ - ٢٤ وهل جاءك - أيها الرسول - خبر المتخاصِمَين

стр. 88

اللذَين تسوَّرا على داود في مكان عبادته , فارتاع من دخولهما عليه؟ قالوا له: لا تَخَفْ، فنحن خصمان ظلم أحدنا الآخر، فاقض بيننا بالعدل، ولا تَجُرْ علينا في الحكم , وأرشِدنا إلى سواء السبيل. قال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون من النعاج , وليس عندي إلا نعجة واحدة , فطمع فيها، وقال: أعطنيها , وغلبني بحجته. قال داود: لقد ظلمك أخوك بسؤاله ضم نعجتك إلى نعاجه , وإن كثيرًا من الشركاء ليعتدي بعضهم على بعض، ويظلمه بأخذ حقه وعدم إنصافه مِن نفسه إلا المؤمنين الصالحين , فلا يبغي بعضهم على بعض، وهم قليل. وأيقن داود أننا فتنَّاه بهذه الخصومة , فاستغفر ربه , وسجد تقربًا لله، ورجع إليه وتاب. (٤٤) فَتَنَّاهُ = نبهناه (لضرورة جلوسه للحكم بين الخصوم في يوم العبادة) فائدة سيّدنا داوود ﵊ كان نبيّا وكان ملكا وكلاهما عبء ثقيل فكيف يقسم وقته بين مطالب الرسالة وواجب الملك؟ ؟ أضف إلى ذلك انّه كان يأكل من عمل يده ومن أشق الإعمال البدنية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) ﴾ سبأ ١٠ - ١١ وألنا له الحديد أن اعمل سابغات أي دروعا سابغات وقدر في السّرد (إشارة إلى دقة صناعته) فكيف يقسم الوقت بين: - - النبوة والملك والمصنع؟ لقد أعطى العبادة يوما لا يخرج فيه من المحراب وأعطى الملك والمصنع يوما ولكنَّ الله تعالى أراد أن يعرّف داوود إنه في اليوم الذي يخلو فيه للعبادة يقع بين الناس مظالم تحتاج إلى عدل داوود فمكن الله الرجلين (الخصمين) من الدخول عليه في يوم المحراب يوم الـ ـعبادة وشرح أحدهما قصته واظهر ما فيه من ظلم أخيه له وكيف إنه وهو الثري صاحب النعاج الكثيرة يطلب من أخيه الفقير أن يعطيه نعجته

стр. 89

ففصل داوود بين المتخاصمين وتنبّه أن الرعية يحدث بينها مظالم كثيرة في يوم العبادة فلا يجد المظلوم من يدافع عنه. . . إن الصُّلح بين الناس ونصرة المظلوم أفضل من عبادة المحراب فظن داوود أنمَّا فتناه وشغلناه بعبادة المحراب عن نصرة المظلوم. . فاستغفر ربه وخرَّ راكعا وأناب فغفرنا له ذلك إنَّ حسنات الأبرار سيئات المقربين وكلما اشتد قرب العبد من ربه أصبح موضع المؤاخذة من سيِّده. . .!! الفائدة من محاضرات الأستاذ الشيخ محمود غريب وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ سورة ص الآية ٣٤ ولقد ابتلينا سليمان وألقينا على كرسيه شق وَلَد , وُلِد له حين أقسم ليطوفنَّ على نسائه , وكلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله , ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعًا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد , ثم رجع سليمان إلى ربه وتاب، (٤٥) فَتَنَّا = آخذناه (لعدم قوله إن شاء الله) وقال تعالى: في سورة الزمر ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية ٤٩ فإذا أصاب الإنسان شدة وضُرٌّ , طلب من ربه أن يُفرِّج عنه , فإذا كشفنا عنه ما أصابه وأعطيناه نعمة منا عاد بربه كافرًا , ولفضله منكرًا , وقال: إن الذي أوتيتُه إنما هو على علم من الله أني له أهل ومستحق , بل ذلك فتنة يبتلي الله بها عباده؛ لينظر مَن يشكره ممن يكفره , ولكن أكثرهم - لجهلهم وسوء ظنهم وقولهم - لا يعلمون؛ فلذلك يعدُّون الفتنة منحة. (٤٦) فِتْنَةٌ = اختبار وقال تعالى: في سورة الدخان ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ آية ١٧

стр. 90

ولقد اختبرنا وابتلينا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون , وجاءهم رسول كريم , وهو موسى ﵇ , فكذبوه فهلكوا , فهكذا نفعل بأعدائك أيها الرسول , إن لم يؤمنوا. (٤٧) فَتَنَّا = أهلكنا ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ الأنفال٥٤ شأن هؤلاء الكافرين في ذلك كشأن آل فرعون الذين كذبوا موسى , وشأن الذين كذبوا رسلهم من الأمم السابقة فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم , وأغرق آل فرعون في البحر , وكل منهم كان فاعلا ما لم يكن له فِعْلُه من تكذيبهم رسل الله وجحودهم آياته , وإشراكهم في العبادة غيره. وقال تعالى: في سورة الذاريات ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ الآيات ١٣ - ١٤ يوم الجزاء , يوم يُعذَّبون بالإحراق بالنار , ويقال لهم: ذوقوا عذابكم الذي كنتم به تستعجلون في الدنيا. (٤٨) يُفْتَنُونَ = يُعذَّبون وقال تعالى: في سورة القمر ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ آية ٢٧ إنا مخرجو الناقة التي سألوها من الصخرة؛ اختبارًا لهم , فانتظر - يا صالح - ما يحلُّ بهم من العذاب , واصطبر على دعوتك إياهم وأذاهم لك. (٤٩) فِتْنَةً = آية = معجزة المعنى ٤٩ مشترك مع المعنى رقم ٢٨ في سورة الإسراء رجاءا قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ الإسراء الآية ٥٩

стр. 91

وما منعَنا من إنزال المعجزات التي سألها المشركون إلا تكذيب مَن سبقهم من الأمم، فقد أجابهم الله إلى ما طلبوا فكذَّبوا وهلكوا. وأعطينا ثمود - وهم قوم صالح - معجزة واضحة وهي الناقة، فكفروا بها فأهلكناهم. وما إرسالنا الرسل بالآيات والعبر والمعجزات التي جعلناها على أيديهم إلا تخويف للعباد؛ ليعتبروا ويتذكروا. وقال تعالى: في سورة الحديد ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الآية ١٤ ينادي المنافقون المؤمنين قائلين: ألم نكن معكم في الدنيا , نؤدي شعائر الدين مثلكم؟ قال المؤمنون لهم: بلى قد كنتم معنا في الظاهر , ولكنكم أهلكتم أنفسكم بالنفاق والمعاصي , وتربصتم بالنبي الموت وبالمؤمنين الدوائر , وشككتم في البعث بعد الموت , وخدعتكم أمانيكم الباطلة , وبقيتم على ذلك حتى جاءكم الموت وخدعكم بالله الشيطان. (٥٠) فَتَنتُمْ = خدعتم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) ﴾ النساء الآية ١٤٢ وقال تعالى: في سورة الممتحنة ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الآية ٥ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا بعذابك لنا أو تسلط الكافرين علينا فيفتنونا عن ديننا، أو يظهروا علينا فيُفتنوا بذلك، ويقولوا: لو كان هؤلاء على حق , ما أصابهم هذا العذاب , فيزدادوا كفرًا , واستر علينا ذنوبنا بعفوك عنها ربنا , إنك أنت العزيز الذي لا يغالَب , الحكيم في أقواله وأفعاله. (٥١) فِتْنَةً = مثلا المعنى ٥١ مشترك مع المعنى رقم ٢٦ في سورة يونس رجاءا

стр. 92

وقال تعالى: في سورة التغابن ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الآية ١٥ ما أموالكم ولا أولادكم إلا بلاء واختبار لكم. والله عنده ثواب عظيم لمن آثر طاعته على طاعة غيره , وأدَّى حق الله في ماله. (٥٢) فِتْنَةٌ = زينة المعنى ٥٢ مشترك مع المعنى رقم ١٧ في سورة الأنفال رجاءا قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ الكهف ٤٦ الأموال والأولاد جَمال وقوة في هذه الدنيا الفانية، والأعمال الصالحة - وبخاصة التسبيحُ والتحميد والتكبير والتهليل - أفضل أجرًا عند ربك من المال والبنين، وهذه الأعمال الصالحة أفضل ما يرجو الإنسان من الثواب عند ربه، فينال بها في الآخرة ما كان يأمُله في الدنيا. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ سبأ الآية ٣٧ وليست أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا قربى , وترفع درجاتكم , لكن مَن آمن بالله وعمل صالحًا فهؤلاء لهم ثواب الضعف من الحسنات , فالحسنة بعشر أمثالها إلى ما يشاء الله من الزيادة , وهم في أعالي الجنة آمنون من العذاب والموت والأحزان. وقال تعالى: في سورة الجن ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ الآية ١٧ لنختبرهم: كيف يشكرون نعم الله عليهم؟ ومن يُعرض عن طاعة ربه واستماع القرآن وتدبره , والعمل به يدخله عذابًا شديدًا شاقًّا. ٥٣) لِنَفْتِنَهُمْ = لنختبرهم المعنى ٥٣ مشترك مع المعنى رقم ٤٦ في سورة الزمر رجاءا

стр. 93

وقال تعالى: في سورة المدثر ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ الآية ٣١ وما جعلنا خزنة النار إلا من الملائكة الغلاظ , وما جعلنا ذلك العدد إلا اختبارًا للذين كفروا بالله؛ وليحصل اليقين للذين أُعطوا الكتاب من اليهود والنصارى بأنَّ ما جاء في القرآن عن خزنة جهنم إنما هو حق من الله تعالى , حيث وافق ذلك كتبهم , ويزداد المؤمنون تصديقًا بالله ورسوله وعملا بشرعه , ولا يشك في ذلك الذين أُعطوا الكتاب من اليهود والنصارى ولا المؤمنون بالله ورسوله؛ وليقول الذين في قلوبهم نفاق والكافرون: ما الذي أراده الله بهذا العدد المستغرب؟ بمثل ذلك الذي ذُكر يضلُّ الله من أراد إضلاله , ويهدي مَن أراد هدايته , وما يعلم عدد جنود ربك - ومنهم الملائكة - إلا الله وحده. وما النار إلا تذكرة وموعظة للناس (٥٤) فِتْنَةً = مكيدة قال تعالى: ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ الطارق الآية ١٦ وأكيد كيدًا لإظهار الحق , ولو كره الكافرون , قال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ الطور الآية ٤٢ بل يريدون برسول الله وبالمؤمنين مكرًا، فالذين كفروا يرجع كيدهم ومكرهم على أنفسهم. قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ المدثر الآية ٣٠ (عليها تسعة عشر) ملكا خزنتها قال بعض الكفار وكان قويا شديد البأس أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين. تفسير الجلالين

стр. 94

وقال تعالى: في سورة البروج ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ آية ١٠ إن الذين حرقوا المؤمنين والمؤمنات بالنار؛ ليصرفوهم عن دين الله , ثم لم يتوبوا , فلهم في الآخرة عذاب جهنم , ولهم العذاب الشديد المحرق. (٥٥) فَتَنُوا = حرقوا خاتمة قد تبين لكم أعزائي تباين معنى الكلمة وبحسب ما يفهم من موقعها في الآيات ونرى كلمة الفتنة جمعت كل هذه المعاني ويستطيع القارئ أن يرى إعجاز استخدام الكلمة في القرآن لأننا نستطيع أن نرى عدم إمكانية استبدال كلمة الفتنة التي وردت في الآيات السابقة بما أخرجنا من معاني لأنَّ الله استعمل كلمة الفتنة ليدل على معناها الخاص في تلك الآية وعلى جميع المعاني الأخرى التي وجدناها ليحيط بالمعنى من كل نواحيه وجانبه فسبحان الله وما أعظم بلاغة القرآن وإعجازه تمَّ بعونه تعالى والله تعالى أعلم بمراده ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 95

وصلِّ يا ربِّ على عبدك ونبيك وصفوتك من خلقك وخليلك وحبيبك سيدنا محمَّد وعلى آله وأزواجه وذريَّته وبارك وسلِّم كما تحبه وترضاه آمين.