← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 14500

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الطهارة

ابن تيمية

Полный текст (465 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ فَقِيلَ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقِيلَ لَمْ يَسْمَعْهُ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَهَذَا لِمَنْ يُثْبِتُهُ يَجْعَلُهُ مُرْسَلًا أَوْ مَوْقُوفًا، يُؤَيِّدُهُ مُرْسَلُ الْحَسَنِ فَيَصِيرُ حُجَّةً حَتَّى عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْمُرْسَلِ الْمُجَرَّدِ، وَالْمَرْجِعُ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِلَى الْعُرْفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، فَمَتَى سَقَطَ السَّاجِدُ عَنْ هَيْئَتِهِ بِتَجَافِيهِ أَوِ الْقَائِمُ عَنْ قِيَامِهِ فَانْتَبَهَ وَنَحْوَ ذَلِكَ انْتَقَضَ طُهْرُهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ رَأَى رُؤْيَا فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ هُوَ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ لَمْ يَنْتَقِضْ، وَالْمُسْتَنِدُ وَالْمُحْتَبِي كَالْمُضْطَجِعِ، وَعَنْهُ كَالْقَاعِدِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي بِمَحَلِّ الْحَدَثِ إِلَى الْأَرْضِ وَالنَّوْمُ النَّاقِضُ مِنَ الْمُضْطَجِعِ وَغَيْرِهِ هُوَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى عَقْلِهِ فَإِنَّ السَّنَةَ ابْتِدَاءُ النُّعَاسِ فِي الرَّأْسِ فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْبِ صَارَ نَوْمًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ يَسْمَعُ حَدِيثَ غَيْرِهِ وَيَفْهَمُهُ فَلَيْسَ بِنَائِمٍ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ نَامَ أَوْ لَا وَهَلْ مَا فِي نَفْسِهِ رُؤْيَا أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ لَمْ يَنْقُضِ الطَّهَارَةَ بِالشَّكِّ.

стр. 247

[مَسْأَلَةٌ لَمْسُ الذَّكَرِ بِيَدِهِ] مَسْأَلَةٌ: " وَلَمْسُ الذَّكَرِ بِيَدِهِ " مَسُّ الذَّكَرِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: (هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ)» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَقَالَ: " إِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْهُ فَلَمْ يَنْقُضْ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّقْضَ إِمَّا بِخَارِجٍ أَوْ بِمَظِنَّةِ خَارِجٍ وَكِلَاهُمَا مَفْقُودٌ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْوُضُوءُ مِنْهُ مُسْتَحَبٌّ، وَنُصَّ عَلَيْهِ حَمْلًا لِأَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ فِي

стр. 248

ذَلِكَ وَالْآثَارِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِمَا رَوَتْ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: («مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّي حَتَّى يَتَوَضَّأَ») رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ: («إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ») وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ بُسْرَةَ صَحِيحٌ. وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: («مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ») رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَثْرَمُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ صَحِيحٌ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي هَذَا الْبَابِ صَحِيحٌ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى

стр. 249

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: («إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ») رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ هَذَا مِنْ أَجْوَدِ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ رُوِيَ النَّقْضُ بِهِ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَجَاءَ النَّقْضُ بِمَسِّهِ عَنْ عُمَرَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵃، وَهُوَ شَيْءٌ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ قَالُوا عَنْ تَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُعَارِضُ هَذَا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُتَمَسِّكَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ قَيْسٍ

стр. 250

وَأَبِي أُمَامَةَ، فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا: تَضْعِيفُهُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ: قَيْسٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَجَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ كَذَّبَهُ شُعْبَةُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: هُوَ مَتْرُوكٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِأَنَّ طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ الْحَنَفِيَّ " كَانَ قُدُومُهُ وَهُمْ يُؤَسِّسُونَ الْمَسْجِدَ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَتَأْسِيسُ الْمَسْجِدِ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَخْبَارُ الْإِيجَابِ مِنْ رُوَاتِهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ وَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ خَيْبَرَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَبُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَسْلَمَتْ عَامَ الْفَتْحِ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ أَحَادِيثَنَا نَاقِلَةٌ عَنِ الْأَصْلِ، وَحَدِيثُهُمْ مُبْقٍ عَلَى الْأَصْلِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِهِ هُوَ الْمَنْسُوخَ لَزِمَ التَّعْبِيرُ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْوُضُوءِ هُوَ الْمَنْسُوخَ لَمْ يَلْزَمِ التَّعْبِيرُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَكُونُ أَوْلَى، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَنَّ النَّاقِلَ أَوْلَى مِنَ الْمُبْقِي لِمَا ذَكَرْنَا. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِحَدِيثِ تَرْكِ الْوُضُوءِ مَا إِذَا لَمَسَهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ طَلْقٍ قَالَ: «خَرَجْنَا وَفْدًا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَابَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ:

стр. 251

(وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْكَ) أَوْ قَالَ (بَضْعَةٌ مِنْكَ)» وَالْمُصَلِّي فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَمَسُّهُ مِنْ فَوْقِ ثِيَابِهِ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ بَضْعَةٌ مِنْكَ وَهَذَا التَّعْلِيلُ مُسَاوَاتُهُ كَسَائِرِ الْبَضَعَاتِ وَالْمُضَغِ وَهَذِهِ التَّسْوِيَةُ مُتَحَقِّقَةٌ فِيمَا فَوْقَ الثَّوْبِ، فَأَمَّا دُونَ الثَّوْبِ فَيَتَمَيَّزُ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالْمَهْرِ وَالْحَدِّ وَفَسَادِ الْعِبَادَاتِ بِإِيلَاجِهِ وَتَنَجُّسِ الْخَارِجَاتِ مِنْهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُقَاسُ بِغَيْرِهِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّا قَدَّرْنَا التَّعَارُضَ، فَأَحَادِيثُنَا أَكْثَرُ رُوَاةً وَأَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَقْرَبُ إِلَى الِاحْتِيَاطِ وَذَلِكَ يُوجِبُ تَرْجِيحَهَا. [مَسْأَلَةٌ مَسُّ ذَكَرِ غَيْرِهِ كَمَسِّ ذَكَرِهِ] مَسْأَلَةٌ: وَمَسُّ ذَكَرِ غَيْرِهِ كَمَسِّ ذَكَرِهِ وَأَوْلَى، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ («يَتَوَضَّأُ مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَذَكَرُ الصَّغِيرِ كَذَكَرِ الْكَبِيرِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَذَكَرُ الْمَيِّتِ كَالْحَيِّ فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ لَا يَنْقُضُ كَمَسِّ الْمَيْتَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّهْوَةَ هُنَاكَ مُعْتَبَرَةٌ بِخِلَافِ مَسِّ الذَّكَرِ مِنَ الْمَيِّتِ " وَسَوَاءٌ مَسَّهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَنْهُ إِنَّمَا يَنْقُضُ إِذَا تَعَمَّدَ مَسَّهُ سَوَاءٌ ذَكَرَ الطَّهَارَةَ أَوْ نَسِيَهَا بِخِلَافِ مَا وَقَعَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵇: " إِذَا لَمْ تَتَعَمَّدْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ " ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ تَعَمُّدَ مَسِّهِ مَظِنَّةُ حُدُوثِ الشَّهْوَةِ، وَعَنْهُ إِنْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ لِشَهْوَةٍ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، كَمَسِّ النِّسَاءِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَظِنَّةَ خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ

стр. 252

مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ الْحَشَفَةِ وَسَائِرِ الْقَضِيبِ، لِأَنَّ اسْمَ الذَّكَرِ يَشْمَلُ ذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَعَنْهُ لَا يَنْقُضُ إِلَّا مَسُّ الْحَشَفَةِ لِأَنَّهُ هُوَ مَخْرَجُ الْحَدَثِ وَبِهِ تَتَعَلَّقُ الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى، وَسَوَاءٌ مَسَّهُ بِبَطْنِ يَدِهِ أَوْ ظَهْرِهَا مِنَ الْأَصَابِعِ إِلَى الْكُوعِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَنْهُ إِنَّ النَّقْضَ يَخْتَصُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ لِأَنَّ اللَّمْسَ الْمَعْهُودَ بِهِ، وَعَنْهُ يَنْقُضُ مَسُّهُ بِالذِّرَاعِ جَمِيعِهِ لِأَنَّ الْيَدَ فِي الْوُضُوءِ هِيَ الْيَدُ فِي الْمِرْفَقِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ («إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ») وَالْيَدُ الْمُطْلَقَةُ فِي الشَّرْعِ تَنْتَهِي إِلَى الْكُوعِ كَمَا فِي آيَةِ السَّرِقَةِ وَالْمُحَارَبَةِ وَالتَّيَمُّمِ، وَقَوْلِهِ («إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ») يَعُمُّ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا كَمَا عَمَّهَا قَوْلُهُ: يَغْمِسْ يَدَهُ، وَآيَةُ التَّيَمُّمِ، فَأَمَّا مَسُّ الذَّكَرِ بِغَيْرِ الْيَدِ فَلَا يَنْقُضُ إِلَّا إِذَا مَسَّهُ بِفَرْجِهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ أَدْعَى إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَأَفْحَشُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ بَعِيدٌ. وَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مِنْهَا وَمِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَفِي الْأُخْرَى لَا يُنْقَضُ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَشْهُورَةَ " «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ» " وَمَفْهُومُهَا انْتِفَاءُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ الذَّكَرِ. وَالْأَوَّلُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَسَّ فَرْجَهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ، وَذِكْرُ بَعْضِ الذَّكَرِ وَحْدَهُ لَا يُخَالِفُ؛ لِأَنَّ الْخَاصَّ الْمُوَافِقَ لِلْعَامِّ لَا يُخَصِّصُهُ بَلْ يُؤَكِّدُهُ دَلَالَةُ الْقَدْرِ الْمُوَافِقِ مِنْهُ وَيَبْقَى الْبَاقِي مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالْعُمُومِ فَقَطْ، وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا تَخْصِيصَهُ لَحَظَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مُرَادًا وَالْمَفْهُومُ هُنَا غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّ تَخْصِيصَ

стр. 253

الذَّكَرِ بِالذَّكَرِ لِأَنَّ الْخِطَابَ كَانَ لِلرِّجَالِ وَلِهَذَا قُلْنَا مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ وَذَكَرَ غَيْرِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: " ذَكَرَهُ " إِنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَمَسُّ ذَكَرَ نَفْسِهِ، وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «أَيُّمَا رَجُلٍ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي مَسِّ حَلَقَةِ الدُّبُرِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَنْقُضُ، اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ " «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ» "، وَلِأَنَّهُ مَخْرَجُ الْحَدَثِ فَيَنْقُضُ " كَالذَّكَرِ " وَالْأُخْرَى لَا يَنْقُضُ وَاخْتَارَهَا بَعْضُهُمْ، قَالَ الْخَلَّالُ: " وَالْعَمَلُ وَالْأَشْيَعُ فِي قَوْلِهِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ مَنْ مَسَّ الدُّبُرَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ " " فَيَكُونُ هُوَ الْمُرَادَ بِالْفَرَجِ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] وَقَوْلِهِ ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وَلَا يُمْكِنُ إِلْحَاقُهُ بِهِ لِأَنَّ مَسَّهُ لَيْسَ هُوَ مَظِنَّةً لِخُرُوجِ خَارِجٍ أَصْلًا بِخِلَافِ الْقُبُلِ وَلَا يَنْقُضُ مَسُّ الْفَرْجِ الْمَقْطُوعِ الْمُنْفَصِلِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَيَنْقُضُ فِي الْآخَرِ لِأَنَّهُ مَسَّ ذَكَرَهُ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ لِأَنَّهُ بِالِانْفِصَالِ لَمْ يَبْقَ لَهُ جُرْمٌ وَلَا مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ خَارِجٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الذَّكَرِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَسَّ يَدًا

стр. 254

مَقْطُوعَةً مِنِ امْرَأَةٍ، وَلَا يَنْقُضُ وُضُوءَ الْمَلْمُوسِ فَرْجُهُ، رِوَايَةَ أَحْمَدَ، وَقِيلَ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ مَا عَدَا الذَّكَرَ مِنَ الْأَرْفَاعِ وَالْأُنْثَيَيْنَ وَمَا بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا بِمَسِّ فَرْجِ الْبَهِيمَةِ سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولَةً أَوْ مُحَرَّمَةً كَثَيْلِ الْجَمَلِ وَقُنْبِ الْحِمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ. وَأَمَّا الْخُنْثَى فَتَنْبَنِي عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ: مَسِّ النِّسَاءِ، وَمَسِّ الذَّكَرِ، وَمَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا، وَانْتِقَاضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فَمَتَى وُجِدَ فِي حَقِّهِ مَا يَحْمِلُ النَّقْضَ وَعَدَمَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ اسْمًا كَيَقِينِ الطَّهَارَةِ وَمَتَى وُجِدَ فِي حَقِّهِ مَا يَنْقُضُ نَفَيْنَاهُ بِقَضَائِهِ، وَوَجْهُ التَّقْسِيمِ أَنَّ اللَّمْسَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْفَرْجَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِلَامِسٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخُنْثَى أَوْ غَيْرَهُ أَوْ هُوَ وَغَيْرَهُ وَذَلِكَ الْغَيْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى وَالتَّفْرِيعُ عَلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ فِي الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ مَعَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الِانْتِقَاضِ لَا يَبْقَى تَفْرِيعٌ فَمَتَى مَسَّ فَرْجَيْهِ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ انْتَقَضَ وُضُوءُ اللَّامِسِ لِأَنَّهُ مَسَّ فَرْجًا أَصْلِيًّا وَلَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَالْمَلْمُوسُ إِنَّمَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ إِذَا مَسَّ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَالْمَرْأَةُ الرَّجُلَ وَلَوْ مَسَّ أَحَدَ الْفَرْجَيْنِ لَمْ يُنْقَضْ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا إِلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ، وَالْمَرْأَةُ قُبُلَهَا لِشَهْوَةٍ لِأَنَّ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ إِنْ كَانَ الْمَلْمُوسُ أَصْلِيًّا نَقَضَ وَإِنْ كَانَ زَائِدًا فَقَدْ وُجِدَ لَمْسٌ لِشَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ لِعَدَمِ الْيَقِينِ فَإِنْ مَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ وَالْمَرْأَةُ فَرْجَهَا لِشَهْوَةٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ هُنَا لِتَيَقُّنِ أَنَّهُ مَلْمُوسٌ لِشَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَلَوْ كَانَ مَسَّ أَحَدَهُمَا انْتَقَضَ لِشَهْوَةٍ وُضُوءُهُ فَقَطْ دُونَ الْخُنْثَى " وَاللَّامِسُ الْأَوَّلُ " فَإِنْ مَسَّهُمَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ

стр. 255

لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُ الْخُنْثَى وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبْنِي عَلَى يَقِينِ طَهَارَتِهِ فِي الْمَشْهُورِ وَعَنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْوُضُوءُ وَلَوْ مَسَّ الرَّجُلُ فَرْجَهُ وَالْمَرْأَةُ ذَكَرَهُ فَكَذَلِكَ، وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْخُنْثَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَسُّهُمَا لِشَهْوَةٍ وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي اللَّمْسِ مُبَاشَرَةً، فَأَمَّا اللَّمْسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَائِلِ فَلَا يَنْقُضُ لِمَا تَقَدَّمَ. [مَسْأَلَةٌ لَمْسُ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ] مَسْأَلَةٌ: " وَلَمْسُ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ " ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الرَّجُلَ مَتَى وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ بَشْرَتِهِ عَلَى بَشْرَةِ أُنْثَى بِشَهْوَةٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ مِثْلَ أَنْ يُقَبِّلَهَا رَحْمَةً لَهَا أَوْ يُعَالِجَهَا وَهِيَ مَرِيضَةٌ أَوْ تَقَعُ بَشْرَتُهُ عَلَيْهَا سَهْوًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَضْ، وَعَنْهُ يَنْقُضُ اللَّمْسُ مُطْلَقًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وَقِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ (أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) وَحَقِيقَةُ الْمُلَامَسَةِ الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ لَا سِيَّمَا اللَّمْسُ فَإِنَّهُ بِالْيَدِ أَغْلَبُ كَمَا قَالَ: لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى. وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄ " الْقُبْلَةُ مِنَ اللَّمْسِ وَفِيهَا الْوُضُوءُ " وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: " قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ

стр. 256

مِنَ الْمُلَامَسَةِ " وَلِأَنَّهُ مَسٌّ يَنْقُضُ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الشَّهْوَةُ، كَمَسِّ الذَّكَرِ وَلِأَنَّ مَسَّ النِّسَاءِ فِي الْجُمْلَةِ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَأَسْبَابُ الطَّهَارَةِ مِمَّا نِيطَ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْمَظَانِّ، بِدَلِيلِ الْإِيلَاجِ وَالنَّوْمِ وَمَسِّ الذَّكَرِ، وَعَنْهُ أَنَّ مَسَّ النِّسَاءِ لَا يَنْقُضُ بِحَالٍ. لِمَا رَوَى حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : " «كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى بِأَنَّ عُرْوَةَ الْمَذْكُورَ هُوَ عُرْوَةُ الْمُزَنِيُّ كَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ " مَا " حَدَّثَنَا حَبِيبٌ إِلَّا عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ، وَعُرْوَةُ هَذَا لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ، وَإِنْ كَانَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَإِنَّ حَبِيبًا لَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: " لَا تَظُنُّوا أَنَّ حَبِيبًا لَقِيَ عُرْوَةَ " وَفِي الثَّانِي: بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ

стр. 257

التَّيْمِيَّ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ عَائِشَةَ: وَجَوَابُ هَذَا أَنَّ عَامَّةَ مَا فِي الْإِسْنَادِ نَوْعُ إِرْسَالٍ وَإِذَا أُرْسِلَ الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ اعْتَضَدَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ زَيْنَبَ السَّهْمِيَّةِ عَنْ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ مَسٌّ فَلَمْ يَنْتَقِضْ كَمَسِّ الْبَهِيمَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ فِي الْآيَةِ الْمُرَادُ بِهَا الْجِمَاعُ كَذَلِكَ قَدْ فَسَّرَهَا عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ اخْتَلَفَ الْمَوَالِي وَالْعَرَبُ فِي الْمُلَامَسَةِ فِي الْآيَةِ فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْعَرَبُ

стр. 258

هِيَ الْجِمَاعُ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْمَوَالِي هِيَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَيُّهُمَا كُنْتَ قُلْتُ فِي الْمَوَالِي قَالَ: " غُلِبَتِ الْمَوَالِي إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي عَمَّا يَشَاءُ وَإِنَّهُ كَنَّى بِالْمُلَامَسَةِ عَنِ الْجِمَاعِ " وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ قَالَ: " اللَّمْسُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالْإِفْضَاءُ وَالرَّفَثُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْجِمَاعُ ". وَلِأَنَّ اللَّمْسَ كَالْمَسِّ وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَالْمُلَامَسَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، فَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى الْجِمَاعِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ ذِكْرَ مَسِّ النِّسَاءِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ هُوَ الْمَسُّ الْمَقْصُودُ مِنَ النِّسَاءِ وَهُوَ اللَّمْسُ لِلتَّلَذُّذِ وَقَضَاءِ الشَّهْوَةِ فَإِنَّ اللَّمْسَ لِغَرَضٍ آخَرَ لَا يُفْهَمُ مِنْ تَخْصِيصِ النِّسَاءِ بِالْمَسِّ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ غَيْرِهِنَّ فِي ذَلِكَ الْمَسِّ وَاللَّمْسِ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا لَكِنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى النِّسَاءِ أَوْحَتْ تَخْصِيصَهُ بِالْمَقْصُودِ مِنْ مَسِّهِنَّ كَمَا خُصَّ فِي الطِّفْلَةِ وَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَسٍّ وَمُبَاشَرَةٍ وَإِفْضَاءٍ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مَعَ الشَّهْوَةِ، وَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ بِمَسِّهِنَّ مِثْلُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْمُعْتَكِفِ وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِي الْإِحْرَامِ وَانْتِشَارِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَحُصُولِ الرَّجْعَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ إِنَّمَا تَثْبُتُ فِي مَسِّ الشَّهْوَةِ وَلَا يُقَالُ: مَسُّ النِّسَاءِ فِي الْجُمْلَةِ هُوَ مَظِنَّةُ أَنْ يَكُونَ لِشَهْوَةٍ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ لِأَنَّنَا نَقُولُ: إِنَّ

стр. 259

الْحِكْمَةَ إِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً نِيطَ الْحُكْمُ بِهَا دُونَ مَظِنَّتِهَا وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَلِأَنَّ اللَّمْسَ مَعَ الشَّهْوَةِ هُوَ الْمَظِنَّةُ لِخُرُوجِ الْمَذْيِ وَالْمَنِيِّ فَيُقَامُ مَقَامَهُ كَالنَّوْمِ مَعَ الرِّيحِ بِخِلَافِ الْخَالِي مِنَ الشَّهْوَةِ، فَإِنَّهُ كَنَوْمِ الْجَالِسِ يَسِيرًا وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِمَاعَ خَاصَّةً لَاكْتُفِيَ بِذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَلَوْ أُعِيدَ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ وَهُوَ الْجَنَابَةُ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَلِيَعُمَّ الْجَنَابَةَ بِالْوَطْءِ وَبِالِاخْتِلَافِ، وَجَمِيعُ الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَسُّ لِشَهْوَةٍ مُطْلَقًا مِنَ الْجِمَاعِ وَمَا دُونَهُ كَقَوْلِهِ ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلِهِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وَقَوْلِهِ ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] يَعُمُّ نَوْعَيِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَيُفِيدُ التَّيَمُّمُ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى الْوُضُوءِ مَعَ الشَّهْوَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " أَمَرَ الْمُجَامِعَ إِذَا لَمْ يُمْنِ أَنْ يَتَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ " حِينَ كَانَ " لَا مَاءَ إِلَّا مِنَ الْمَاءِ» " لَمْ يَكُنِ الْمَسُّ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِمَا أَمَرَ بِذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَضَ الْغُسْلَ وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا وَجَبَ أَوَّلًا لَا رَفْعٌ لَهُ، وَرَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يُصِيبُ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ إِلَّا قَدْ أَصَابَهُ مِنْهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا؟ فَقَالَ: (تَوَضَّأْ وُضُؤًا حَسَنًا، ثُمَّ قُمْ فَصَلِّ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ

стр. 260

الْآيَةَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ مُعَاذٌ أَهِيَ خَاصَّةٌ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً قَالَ: (بَلْ هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. فَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ مَعَ الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمُ إِنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ اللَّمْسَ كَانَ يُرَادُ إِكْرَامًا وَرَحْمَةً وَعَطْفًا أَوْ أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ النِّسَاءِ كَمَا قُلْنَا فِي مَسِّ الذَّكَرِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ اللَّمْسِ لَا يَنْقُضُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: " «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلِي فَقَبَضْتُهَا وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهَا، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ " «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُوتِرُ وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ اعْتِرَاضَ الْجِنَازَةِ حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ مَسَّنِي بِرِجْلِهِ» ". وَرَوَى الْحَسَنُ قَالَ: («كَانَ رَسُولُ ﷺ جَالِسًا فِي مَسْجِدِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَبَضَ عَلَى قَدَمِ عَائِشَةَ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ») رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَالنَّسَائِيُّ، وَمَتَى كَانَ اللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَذَوَاتِ

стр. 261

الْمَحْرَمِ وَالْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي قَدْ تُشْتَهَى، فَأَمَّا الَّتِي لَا تُشْتَهَى أَصْلًا فَلَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا لِشَهْوَةٍ، وَلَمْسُ الْمَيْتَةِ كَلَمْسِ الْحَيَّةِ عِنْدَ الْقَاضِي كَمَا أَنَّ جِمَاعَهَا سَوَاءٌ فِي إِيجَابِ الْغُسْلِ. وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْقُضُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ فَلَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا كَالشَّعْرِ وَمَسِّ الْبَهِيمَةِ بِخِلَافِ الْجِمَاعِ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَحَلٍّ وَمَحَلٍّ وَبَيْنَ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا بِدَلِيلِ مَا لَوِ اسْتَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ نَائِمٍ وَلَمَسَ الْمَرْأَةَ الرَّجُلُ يُنْقَضُ وُضُوءُهَا كَلَمْسِهِ لَهَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ لَمْسَهَا أَدْعَى إِلَى الْحَدَثِ لِفَرْطِ شَهْوَتِهَا، وَالْأُخْرَى لَا يُنْقَضُ لِأَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا جَاءَ فِي لَمْسِ الرَّجُلِ الْمُفْضِي إِلَى الْمَذْيِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَإِذَا قُلْنَا بِنَقْضِ وُضُوءِ اللَّامِسِ فَهَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: فَإِذَا قُلْنَا يُنْقَضُ اعْتَبَرْنَا الشَّهْوَةَ فِي الْمَشْهُورِ كَمَا نَعْتَبِرُهَا فِي اللَّامِسِ حَتَّى يَنْتَقِضَ وُضُوءُهُ إِذَا وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ فِيهِ دُونَ اللَّامِسِ، وَلَا يَنْتَقِضُ إِذَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ وَإِنْ وُجِدَتْ فِي اللَّامِسِ، وَلَا يَنْقُضُ اللَّمْسُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ وَإِنْ كَانَ لِشَهْوَةٍ لِأَنَّ اللَّمْسَ لَمْ يُوجَدْ وَمُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَمَا لَوْ وُجِدَتْ فِي لَمْسِ الْبَهِيمَةِ أَوْ بِنَظَرٍ أَوْ بِفِكْرٍ، وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ شَعْرِ الْمَرْأَةِ وَلَا ظُفْرِهَا وَلَا سِنِّهَا كَمَا لَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَالسِّنِّ وَلَا مَسُّ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَإِنْ كَانَ أَمْرَدًا وَلَا مَسُّ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ فِي الْمَشْهُورِ الْمَنْصُوصِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ فِي الْأَصْلِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَنْقُضُ إِذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ لِأَنَّهُ لَمْسُ آدَمِيٍّ لِشَهْوَةٍ، وَقَالَ الْقَاضِي يَنْقُضُ لَمْسُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشَرَةٌ لِآدَمِيٍّ حَقِيقَةً بِخِلَافِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ.

стр. 262

[مَسْأَلَة الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ] مَسْأَلَةٌ: " وَالرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ " الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ أَنَّ الِارْتِدَادَ عَنِ الْإِسْلَامِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْقَاضِي فِي خِصَالِهِ وَجَامِعِهِ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ مِنَ النَّوَاقِضِ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمَا عَدَمُ النَّقْضِ بِهَا كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَيُشْبِهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنْ يَكُونَا تَرَكَا ذِكْرَهَا لِعَدَمِ ظُهُورِ فَائِدَتِهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ إِذَا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَا مَعْنَى لِنَقْضِ وُضُوئِهِ وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ فِي الْمَنْصُوصِ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْوُضُوءِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوُضُوءُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَاضِيَ قَدْ صَرَّحَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِذَلِكَ وَقَالَ: " لَا مَعْنَى لِجَعْلِهَا مِنَ النَّوَاقِضِ مَعَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى بِالْإِسْلَامِ " وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ " يَظْهَرُ فَائِدَتُهُ " إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّا نُوجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ وَإِنْ نَوَاهُمَا بِغُسْلِهِ أَجْزَأَهُ فِي الْمَشْهُورِ كَمَا إِذَا نُقِضَ وُضُوءُهُ بِغَيْرِ الرِّدَّةِ وَمَنْ لَمْ يُنْقَضْ وُضُوءُهُ بِالرِّدَّةِ لَمْ يُوجَبْ عَلَيْهِ إِلَّا الْغُسْلُ، وَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى هَذِهِ الطَّهَارَةِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَاغْتَسَلَ فِي خُفَّيْهِ لَمْ يَكُنِ الْمَسْحُ لِأَنَّهُ لَبِسَ الْخُفَّ مُحْدِثًا وَلَوْ قُلْنَا هُوَ طَاهِرٌ لَجَازَ لَهُ الْمَسْحُ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَهَا. وَقَدِ احْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِهَا فَإِنَّ الْمَوْتَ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].

стр. 263

شَرْطٌ لِلْخُلُودِ لَا يُحْبِطُ الْعَمَلَ، وَالْحُجَّةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِيهَا نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ إِلَّا بِالْمَوْتِ عَلَيْهَا، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ صِحَّةَ الْحَجِّ فِي الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ، وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ فِيهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِحْبَاطَ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى الثَّوَابِ دُونَ حَقِيقَةِ الْعَمَلِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ فِي الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الرِّدَّةَ إِنَّمَا تَقَعُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِبَادَةِ وَأَحْكَامِهَا، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا وَبَقَاءِ أَحْكَامِهَا، أَوْ فِي أَثْنَاءِ وُجُودِهَا. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّهَا إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهَا لَا تُبْطِلُهَا أَصْلًا، وَإِنَّمَا تُحْبِطُ الثَّوَابَ إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ الْمَوْتِ عَلَيْهَا عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ أَفْسَدَتِ الْعِبَادَةَ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَهُوَ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْوُضُوءِ قَدِ انْقَضَى، وَإِنَّمَا حُكْمُ الطَّهَارَةِ بَاقٍ، فَهُنَا يُبْطِلُ حُكْمَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَيَنْقُضُهَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْإِحْبَاطِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْإِبْطَالِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِذَا كَانَتْ تُحْبِطُ ثَوَابَ مَا مَضَى فَلَأَنْ يَفْسُدَ الْحَاضِرُ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُنَافِي الْعِبَادَاتِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَدَوَامُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالْكَفْرُ يُنَافِي ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ أَبُو الْحَسَنِ الْجَزَرِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» " فَإِذَا بَطَلَ الْإِيمَانُ بِالْكُلِّيَّةِ فَشَطْرُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ ابْتِدَاءَ الْوُضُوءِ مَنَعَ اسْتَدَامَتَهُ، كَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَظُهُورِ الْقَدَمِ فِي حَقِّ الْمَاسِحِ، وَرُؤْيَةِ الْمَاءِ فِي حَقِّ الْمُتَيَمِّمِ، وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ الْكُفْرُ ابْتِدَاءَهُ مَنَعَ دَوَامَهُ كَالنِّكَاحِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وَعَكْسُهُ مِلْكُ الْمَالِ، فَإِنَّ الرِّدَّةَ لَمَّا لَمْ تَمْنَعِ ابْتِدَاءَهُ لَمْ تَمْنَعْ دَوَامَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكُفْرَ إِنَّمَا مَنَعَ نِكَاحَ الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ أَهْلًا لِمِلْكِ أَبْضَاعِ الْمُسْلِمَاتِ، وَهَذَا لَا يَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالدَّوَامُ، وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ مُنِعَ مِنْهَا الْكَافِرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الطَّهَارَةِ وَالْقُرْبِ وَالْعِبَادَاتِ، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ

стр. 264

الِابْتِدَاءُ وَالدَّوَامُ، بَلِ الدَّوَامُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ، وَيُقَوِّي الشَّبَهَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْوُضُوءِ وَالنِّكَاحِ يَسْتَوِيَانِ فِي مُفَارَقَةِ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَطَهَّرُ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ - لَمْ يَحْنَثْ، وَقَدْ أَبْطَلَ الْكُفْرُ النِّكَاحَ، فَكَذَلِكَ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ، فَأَمَّا الْكَلَامُ الْمُحَرَّمُ كَالْقَذْفِ وَالْكَذِبِ وَالِاغْتِيَابِ فَيُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ، وَلَا يَجِبُ؛ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " لَأَنْ أَتَوَضَّأُ مِنَ الْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَوَضَّأَ مِنَ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ ". وَرَوَى عَنْهُ قَالَ: " «الْحَدَثُ حَدَثَانِ؛ حَدَثُ اللِّسَانِ وَحَدَثُ الْفَرْجِ، وَحَدَثُ اللِّسَانِ أَشَدُّ مِنْ حَدَثِ الْفَرْجِ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى الرِّدَّةِ؛ إِذْ لَيْسَ فِي اللِّسَانِ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ غَيْرُهَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْحَدَثَ بِاللِّسَانِ - وَهُوَ الْكَلَامُ الْمُحَرَّمُ - يُوجِبُ الْإِثْمَ وَالْعِقَابَ، فَهُوَ أَعْظَمُ مِمَّا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَطْ، وَرَوَى حَرْبٌ عَنْهُ «أَنَّ رَجُلَيْنِ صَلَّيَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ، وَكَانَا صَائِمَيْنِ، فَلَمَّا قَضَيَا الصَّلَاةَ قَالَ: " أَعِيدَا وُضُوءَكُمَا وَصَلَاتَكُمَا، وَامْضِيَا فِي صَوْمِكُمَا وَاقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ " قَالَا: " لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " اغْتَبْتُمَا فُلَانًا». وَفِي إِسْنَادِهِ نَوْعُ جَهَالَةٍ، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِحْبَابُ؛ لِأَنَّ إِسْبَاغَ الْوُضُوءِ يَمْحُو الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ، فَسُنَّ عِنْدَ أَسْبَابِهَا كَمَا تُسَنُّ الصَّلَاةُ. وَقَدْ «رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: " كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَنِي - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - أَنَّهُ

стр. 265

سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِلَّا غَفَرَ لَهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ، فَوَجَبَ تَنْزِيهُهَا عَنِ الْكَلَامِ الْخَبِيثِ كَالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ. وَأَمَّا انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ مِنْهُ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: " أَجْمَعَ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْقَذْفَ، وَقَوْلَ الزُّورِ، وَالْكَذِبَ، وَالْغِيبَةَ، لَا تُوجِبُ طَهَارَةً، وَلَا تَنْقُضُ وُضُوءًا ". وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوَائِلِ أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِالْوُضُوءِ مِنَ الْكَلَامِ الْخَبِيثِ "، وَذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ عِنْدِنَا مِمَّنْ أَمَرَ بِهِ قَالَ: " وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتَ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» " وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِوُضُوءٍ. فَصْلٌ وَمِنَ الْكَلَامِ الْقَهْقَهَةُ، فَإِنَّهَا لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا خَارِجَ الصَّلَاةِ، لَكِنَّهَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَقَطْ كَمَا يُبْطِلُهَا الْكَلَامُ؛ لِقَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: " «مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ

стр. 266

وَصَحَّحَهُ، وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ صَحَابِيٍّ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُضُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ، وَأَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَلَامَ مُحَرَّمٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْقَهْقَهَةَ مُحَرَّمَةٌ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً. الثَّانِي: أَنَّ الصَّلَاةَ تَمْنَعُ الْوُضُوءَ مِمَّا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ خَشْيَةَ إِبْطَالِهَا؛ وَلِهَذَا نُهِيَ الشَّاكُّ فِي وُضُوئِهِ أَنْ يُبْطِلَ صَلَاتَهُ لِأَجْلِ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَكَّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ. وَالْمُتَيَمِّمُ إِذَا رَأَى الْمَاءَ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ اتِّفَاقًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ، فَفِيهِ خِلَافٌ. وَهَلْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنَ الْقَهْقَهَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فِي بَصَرِهِ سُوءٌ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ، فَضَحِكَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ " أَمَرَ مَنْ كَانَ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الضَّوْءَ وَالصَّلَاةَ» ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مُرْسَلًا، عَنِ الْحَسَنِ،

стр. 267

وَإِبْرَاهِيمَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَرَاسِيلُهُمْ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى أَبِي الْعَالِيَةِ، وَمَرَاسِيلُهُ قَدْ ضُعِّفَتْ. وَرُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ وُجُوهٍ وَاهِيَةٍ جِدًّا، وَقَدْ طُعِنَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمُ الضَّحِكُ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الَّذِي ضَحِكَ بَعْضُهُمْ، وَلَعَلَّهُمْ مِنَ الَّذِينَ انْفَضُّوا مِنَ الْجُمُعَةِ لَمَّا جَاءَتِ الْعِيرُ وَسَمِعُوا اللَّهْوَ، ثُمَّ الضَّحِكُ أَمْرٌ غَالِبٌ قَدْ يُعْذَرُ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يُوجِبُ شَرِيعَةً لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ وَلَا نَظِيرٌ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا عَمِلْنَا بِهِ فِي الِاسْتِحْبَابِ لِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُسْتَحَبَّاتِ يُحْتَجُّ فِيهَا بِالْأَحَادِيثِ الضِّعَافِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغْيِيرُ أَصْلٍ؛ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

стр. 268

" «مَنْ بَلَغَهُ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ فِيهِ فَضْلٌ فَعَمِلَ بِهِ رَجَاءَ ذَلِكَ الْفَضْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ» ". وَثَانِيهَا: أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِانْتِقَاضِ وُضُوئِهِمْ، لَعَلَّهُمْ أُمِرُوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي الصَّلَاةِ ذَنَبٌ وَخَطِيئَةٌ، فَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ عَقِبَهَا، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَمَا أَمَرَ اللَّذَيْنِ اغْتَابَا بِأَنْ يُعِيدَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَمَا قَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ مُعَاذٍ فِي الَّذِي لَمَسَ الْمَرْأَةَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي الصَّلَاةِ اسْتِخْفَافٌ بِهَا وَاسْتِهَانَةٌ، فَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهَا كَالْوُضُوءِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَأَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ، فَحَمْلُ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ أَوْلَى. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: " لَا أَرَى عَلَيْهِ الْوُضُوءَ " فَإِنْ تَوَضَّأَ فَذَلِكَ إِلَيْهِ؛ إِذْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ. وَلَوْ أَزَالَ مِنْ مَحَلِّ وُضُوئِهِ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا - ظَهَرَتْ بَشَرَتُهُ أَوْ لَمْ تَظْهَرْ - فَإِنَّ

стр. 269

وُضُوءَهُ بِحَالِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِظَاهِرِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ، فَظُهُورُ الْبَاطِنِ لَا يُبْطِلُهُ، كَمَا لَوِ انْكَشَطَ جِلْدُهُ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ؛ وَلِهَذَا لَا يُجْزِئُ غَسْلُ الْبَشَرَةِ الْمُسْتَتِرَةِ بِاللِّحْيَةِ عَنْ ظَاهِرِهَا، بِخِلَافِ قَدَمِ الْمَاسِحِ وَرَأْسِهِ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَسِيرٌ فَهُوَ، كَمَا لَوْ نَتَفَ شَعْرَةً. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَلَّمَ أَظَافِرَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: " أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ " فَقَالَ: " أَتَوَضَّأُ؟ إِنَّكَ لَأَكْيَسُ مِمَّنْ سَمَّتْهُ أُمُّهُ كَيْسَانَ ". وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَمُرَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ، فَفِيهِ خُرُوجٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ. وَقَدْ رَوَى حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ " أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إِذَا قَلَّمَ أَظْفَارَهُ وَأَخَذَ شَارِبَهُ تَوَضَّأَ، وَإِذَا احْتَجَمَ اغْتَسَلَ " وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَالْقَاضِي اسْتِحْبَابُ مَسْحِهِ بِالْمَاءِ. [مَسْأَلَةٌ أَكْلُ لَحْمِ الْإِبِلِ] " مَسْأَلَةٌ " " وَأَكْلُ لَحْمِ الْإِبِلِ " هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي نَصِّهِ وَمَذْهَبِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ كَسَائِرِ اللُّحُومِ وَالْأَطْعِمَةِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ

стр. 270

الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ: " «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ» " رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ. أَوْ يَكُونُ الْوُضُوءُ أُرِيدَ بِهِ غَسْلُ الْيَدِ وَالْفَمِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى وُضُوءًا، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا فِي جَمِيعِ الْأَطْعِمَةِ لَا سِيَّمَا مِنَ الدَّسَمِ، فَإِنَّ لَحْمَ الْإِبِلِ فِيهِ زِيَادَةُ زُهُومَةٍ وَحَرَارَةٍ. كَمَا حَمَلَ بَعْضُهُمُ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَلَوُّثِ الْيَدِ بِمَسِّهِ لَا سِيَّمَا مِنَ الْمُسْتَجْمِرِينَ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ اسْتِحْبَابًا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : " «أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ " قَالَ: " إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ " قَالَ: " أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ " قَالَ: " نَعَمْ تَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ " قَالَ: " أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ " قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: " أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ " قَالَ: " لَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ فَقَالَ: " تَوَضَّأْ مِنْهَا ". وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ فَقَالَ: " لَا تَتَوَضَّأْ مِنْهَا ". وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَقَالَ: " لَا تُصَلُّوا فِيهَا "، فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ ". وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَقَالَ: " صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 271

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: " «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَوَضَّأَ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا نَتَوَضَّأَ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، مِنْ حَدِيثِ ذِي الْغِرَّةِ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: " صَحَّ فِي الْبَابِ حَدِيثَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 272

وَسَلَّمَ؛ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ " وَهَذِهِ سُنَنٌ صَحِيحَةٌ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا، وَلَا يَصِحُّ ادِّعَاءُ نَسْخِهِ؛ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ، فَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ هَذَا، وَنَهَى عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ هَذَا، وَلَوْ كَانَ هَذَا قَبْلَ النَّسْخِ لَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُمَا. وَثَانِيهَا: أَنَّ لَحْمَ الْإِبِلِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِكَوْنِهِ لَحْمَ الْإِبِلِ، لَا لِكَوْنِهِ مَمْسُوسًا بِنَارٍ يَقْتَضِي الْوُضُوءَ، نَيُّهُ وَمَطْبُوخُهُ، لَكِنْ كَانَ النَّقْضُ بِمَطْبُوخِهِ لِعِلَّتَيْنِ زَالَتْ إِحْدَاهُمَا وَبَقِيَتِ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ مَسَّ الرَّجُلُ فَرْجَ امْرَأَتِهِ لِشَهْوَةٍ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ لِسَبَبَيْنِ، فَلَوْ زَالَتِ الشَّهْوَةُ بَقِيَ مُجَرَّدُ مَسِّ الْفَرْجِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ حَدِيثٌ بِنَسْخِهِ، فَإِنَّ قَوْلَ جَابِرٍ: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» " إِنَّمَا هُوَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ وَحِكَايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ لَحْمٍ مَسَّتْهُ النَّارُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْ لَحْمٍ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَذَاكَ كَانَ لَحْمَ غَنَمٍ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ، فَأَخْبَرَ جَابِرٌ ﵁ أَنَّ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِنْهُ كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا عُمُومٌ، وَلَمْ يَحْكِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَفْظًا عَامًّا، وَإِنَّمَا يُفِيدُ هَذَا أَنَّ مَسِيسَ النَّارِ لَا أَثَرَ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: " لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَصْرِيحِ السُّنَّةِ بِالْفَرْقِ " وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: " ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، وَهَذَا قِيَاسٌ فَاسِدُ الْوَضْعِ؛ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صِفَةٌ عَامَّةٌ بِتَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ - مَعَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ - لَكَانَ عَامًّا، وَالْعَامُّ لَا يَنْسَخُ الْخَاصَّ، لَا سِيَّمَا الَّذِي فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ، بَلْ يَكُونُ الْخَاصُّ مُفَسِّرًا لِلْعَامِّ وَمُبَيِّنًا لَهُ.

стр. 273

وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ لَوِ انْدَرَجَ فِي الْعُمُومِ قَصْدًا لَمْ يُفِدِ الْعُمُومَ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ مَسَّتْهُ النَّارُ، وَلَا يَبْقَى الْمُتَوَضِّئُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، كَمَا لَوْ نُسِخَ التَّوَضُّؤُ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ لَمْ يَنْفِ التَّوَضُّؤَ مِنْ مَسِّ فَرْجِ الْمَرْأَةِ لِشَهْوَةٍ، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مُخَالِفًا مُعْتَقًا وَقَدْ نُسِخَ مِيرَاثُ الْمُخَالِفِ، لَمْ يُنْسَخْ إِرْثُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُعْتَقٌ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّوَضُّؤِ مِنْ لَحْمِهَا مَعَ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِهَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، مَعَ تَرَخُّصِهِ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ، وَإِذْنِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِهَا، وَذَلِكَ اخْتِصَاصُ الْإِبِلِ بِوَصْفٍ قَابَلَتْ بِهِ الْغَنَمَ، اسْتَوْجَبَتْ لِأَجْلِهِ فِعْلَ التَّوَضُّؤِ وَتَرْكَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا الْحُكْمُ بَاقٍ ثَابِتٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوُضُوءِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ قَدْ أَشَارَ ﷺ فِي الْإِبِلِ إِلَى " «أَنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ» يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الشَّيَاطِينِ وَنَوْعِهِمْ، فَإِنَّ كُلَّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ شَيْطَانٌ مِنْ أَيِّ الدَّوَابِّ كَانَ، كَالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ شَيْطَانٌ، وَالْإِبِلُ شَيَاطِينُ الْأَنْعَامِ، كَمَا لِلْإِنْسِ شَيَاطِينُ وَلِلْجِنِّ شَيَاطِينُ؛ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا أَرْكَبُوهُ بِرْذَوْنًا فَجَعَلَ يُهَمْلِجُ بِهِ فَقَالَ: " إِنَّمَا أَرْكَبُونِي شَيْطَانًا ". وَالتَّجَالُسُ وَالِاجْتِمَاعُ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَلَى كُلِّ ذُرْوَةِ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ. وَالْغَنَمُ هِيَ مِنَ السَّكِينَةِ، وَالسَّكِينَةُ مِنْ أَخْلَاقِ الْمَلَائِكَةِ، فَلَعَلَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَكَلَ لَحْمَ الْإِبِلِ أَوْرَثَتْهُ نِفَارًا وَشِمَاسًا وَحَالًا شَبِيهًا بِحَالِ الشَّيْطَانِ. وَالشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِهَا؛ كَسْرًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ وَقَمْعًا لِتِلْكَ الْحَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ قَلْبَ الْإِنْسَانِ وَخُلُقَهُ يَتَغَيَّرُ

стр. 274

بِالْمَطَاعِمِ الَّتِي يَطْعَمُهَا؛ وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّهُ الْخَبَائِثَ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ حَرَّمُ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ؛ لِمَا فِي طِبَاعِهَا مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ، فَيُورِثُ بِطِبَاعِ آكِلِهَا مَا فِي طِبَاعِهَا، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ وَمَا يُقَارِبُهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِيمَاءُ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا دَعْوَى كَوْنِ الْوُضُوءِ هُوَ غَسْلُ الْيَدِ وَالْفَمِ فَفَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْوُضُوءُ الْمُطْلَقُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ هُوَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي سِيَاقِ الصَّلَاةِ مُبَيِّنًا حُكْمَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، وَالْوُضُوءُ الْمَقْرُونُ بِالصَّلَاةِ هُوَ وُضُوءُهَا لَا غَيْرُ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَفَهِمَ مِنْهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، وَأَوْجَبَهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ. وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَعَ غَيْرِهَا كَمَا يُقَالُ فِي مَسِّ الذَّكَرِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ نَاهِيًا عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ، أَوْ مُخَيِّرًا بَيْنَ الْوُضُوءِ وَتَرْكِهِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى اسْتِحْبَابِ غَسْلِ الْفَمِ وَالْيَدِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ (وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ) فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ". فَكَيْفَ يَأْذَنُ فِي تَرْكِ غَسْلِ الْيَدِ وَالْفَمِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ وَهُوَ يُلْزِمُ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا: مَا كَانَ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ لَهُ رَائِحَةٌ أَوْ زُهُومَةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدِ وَالْفَمِ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَالْخُبْزِ وَالثَّمَرِ، فَإِنْ شَاءَ غَسَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.

стр. 275

وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَوْنُ الْإِبِلِ مُخْتَصَّةً بِزِيَادَةِ زُهُومَةٍ وَدُسُومَةٍ لَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَهَا بِالْأَمْرِ، " «فَإِنَّهُ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا» ". وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لَبَنِ الْإِبِلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ دَسَمَهَا دُونَ دَسَمِ لَحْمِ الْغَنَمِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ غَسْلَ الْيَدِ وَالْفَمِ، وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَبِعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ، وَالْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحُكْمَ فِي جَوَابِ السَّائِلِ، وَالْحُكْمُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا الْإِيجَابُ، كَالْوُضُوءِ مِنَ الصَّوْتِ وَالرِّيحِ وَمَسِّ الذَّكَرِ؛ وَلِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ، وَالنَّهْيُ فِي لَحْمِ الْغَنَمِ إِنَّمَا أَفَادَ نَفْيَ الْإِيجَابِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي لَحْمِ الْإِبِلِ مُفِيدًا لِلْإِيجَابِ؛ لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ، وَلِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِذَلِكَ صِفَةً فِي الْإِبِلِ تَقْتَضِي الْوُضُوءَ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْوُضُوءِ أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً؛ وَلِأَنَّ اسْتِحْبَابَ الْوُضُوءِ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ دُونَ الْغَنَمِ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ خَارِجٍ عَنْ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَلَإِنْ قَالَهُ قَائِلٌ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَهَذِهِ عِلَّةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ لَيْسَتْ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً لِنَفْسِ الْحُكْمِ، وَالشَّارِعُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِالْحُكْمِ لِمَعْنَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى أَنْ يُوجِبَ الْوُضُوءَ أَوْ لَا يُوجِبَهُ، أَوْ لَا يَقْتَضِيَهُ، ثُمَّ لَمْ يُسَلِّمِ اخْتِصَاصُ الْإِبِلِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَنْعَامِ بِوَصْفٍ يُسْتَحَبُّ مَعَهُ الْوُضُوءُ بِطَلَبِ جَمِيعِ أَدِلَّتِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ دَلِيلٌ يُوجِبُ صَرْفَ الْأَمْرِ عَنِ الْوُجُوبِ، وَيُقَالُ: إِنْ جَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ جَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِوُجُوبِهِ، وَهُوَ الْمَعْقُولُ مِنَ الْكَلَامِ، فَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ، ثُمَّ الْجَوَابُ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ أَنَّهَا احْتِمَالَاتٌ مَرْجُوحَةٌ وَتَأْوِيلَاتٌ بَعِيدَةٌ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ دَلِيلٍ قَوِيٍّ أَقْوَى مِنْ تِلْكَ الدَّلَالَةِ يُوجِبُ الصَّرْفَ عَنِ الظَّاهِرِ وَالْمَصِيرِ إِلَى الْبَاطِنِ، وَلَيْسَ فِي عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِلُحُومِ الْإِبِلِ دَلِيلٌ يُقَارِبُ تِلْكَ الدَّلَالَةَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِصْحَابُ حَالٍ وَقِيَاسٌ طَرْدِيٌّ يَحْسُنُ اتِّبَاعُهَا عِنْدَ عَدَمِ

стр. 276

الدَّلَالَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَقَدْ تَعَجَّبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِمَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّرِيحَ الصَّحِيحَ، وَيُنْقَضُ الْوُضُوءُ بِالْقَهْقَهَةِ، مَعَ أَنَّهَا أَبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الْعُقُولِ وَالْأُصُولِ، وَحَدِيثُهَا مِنْ أَوْهَى الْمَرَاسِيلِ، وَيَتْرُكُ الْعَمَلَ بِهَذَا أَوْ يَعْمَلُ بِحَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ مَعَ تَعَارُضِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ النَّقْضِ لَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الصِّحَّةِ وَالظَّنِّ، فَمَنْ يُخَالِفُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَمِعُوهُ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ، فَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ. وَكَذَلِكَ فِي انْتِقَاضِ وُضُوءِ الْجَاهِلِ بِهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْجَاهِلِ، وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بَعْدَ أَكْلِهِ بِوُضُوئِهِ الْمُتَقَدِّمِ، قَالَ الْخَلَّالُ: " وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا "؛ لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ فِي شَيْءٍ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، فَعُذِرَ الْجَاهِلُ بِهِ كَمَا يُعْذَرُ فِي الْجَهْلِ بِالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ الْحَدِيثُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَالنَّاشِئُ بِبَادِيَةٍ. بِخِلَافِ الْوُضُوءِ مِنَ الْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا هُوَ مَنْ لَمْ يَسْمَعِ الْحَدِيثَ مِنَ الْعَامَّةِ وَنَحْوِهِمْ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ، فَعَنْهُ يُعِيدُ، وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ إِذَا تَرَكَهُ عَلَى التَّأْوِيلِ وَطَالَتِ الْمُدَّةُ، وَعَنْهُ إِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ وَفَحُشَتْ مِثْلَ عَشْرِ سِنِينَ، لَمْ يُعِدْ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ قَصِيرَةً، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَإِنَّ عِلْمَ هَذَا قَدِ انْتَشَرَ، يَعُمُّ طَرْدُ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَ لَا يَرَى النَّقْضَ بِخُرُوجِ النَّجَاسَاتِ أَوْ بِمَسِّ الذَّكَرِ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ مَا كَانَ صَلَّاهُ، وَقِيلَ عَنْهُ: لَا يُعِيدُ إِذَا تَرَكَهُ مُتَأَوِّلًا بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ مَنْكَانَ صَلَّى بِتَقْلِيدِ عَالِمٍ وَشِبْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَعْذُورُونَ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِيمَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَوْ شَرَائِطِهَا الْمُخْتَلِفِ فِيهَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، حَيْثُ يُعْذَرُ بِهِ اجْتِهَادٌ أَوْ تَقْلِيدٌ وَنَحْوُهُ ثُمَّ عَلِمَ، فَأَمَّا مَنْ يُحْكَمُ بِخَطَئِهِ مِنَ الْمُخَالِفِينَ مِثْلَ مَنْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَكْثَرَ مِنَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ

стр. 277

تَقْلِيدًا لِحَدِيثِ عُمَرَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ قَدْ خَالَفَ حَدِيثًا صَحِيحًا لَا مُعَارِضَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ، بِخِلَافِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ. فَصْلٌ وَفِي الْوُضُوءِ مِنْ أَلْبَانِهَا - إِذَا قُلْنَا: يَتَوَضَّأُ مِنْ لَحْمِهَا رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «تَوَضَّأْ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ، وَلَا تَوَضَّأْ مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ» " وَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ فَقَالَ: " تَوَضَّأْ مِنْ أَلْبَانِهَا " وَسُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ فَقَالَ: " لَا تَتَوَضَّأْ مِنْ أَلْبَانِهَا» " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " تَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» " رَوَاهُ الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» " وَفِيهِ جَهَالَةٌ.

стр. 278

وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْقُضُ اخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «تَمَضْمَضُوا مِنَ اللَّبَنِ؛ فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَهَذَا يُفِيدُ الِاكْتِفَاءَ بِالْمَضْمَضَةِ فِي كُلِّ لَبَنٍ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِهَا اسْتِحْبَابٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ أُتِيَ بِلَبَنٍ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ فَشَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ: " أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ " فَقَالَ: " لَا أُبَالِيهِ بَالَةً اسْمَحْ يُسْمَحْ لَكَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ «الْأَعْرَابَ الَّذِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا مَعَ كَوْنِهِمْ حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْوُضُوءِ». وَحَدِيثُ أُسَيْدٍ فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (فِيهِ) بَقِيَّةُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: " فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ " يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا سِوَاهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِمَا اللَّبَنُ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ. أَمَّا الْمَضْمَضَةُ مِنَ اللَّبَنِ، فَلَا يَنْفِي وُجُوبَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ مَأْمُورٌ بِهَا عِنْدَ الشُّرْبِ لِإِزَالَةِ الدَّسَمِ، وَالْوُضُوءُ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، كَالْأَمْرِ بِغَسْلِ الْيَدِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، وَالْأَمْرُ بِالِاسْتِنْشَاقِ وَالسِّوَاكِ لَا يَنْفِي وُجُوبَ غَسْلِ الْيَدِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِسَبَبٍ وَهَذَا لِسَبَبٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ اللَّبَنَ كَاللَّحْمِ، وَاللَّحْمُ تُغْسَلُ مِنْهُ الْيَدُ وَالْفَمُ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِنْهَا، وَالنَّجَاسَةُ الْخَارِجَةُ يُغْسَلُ مَوْضِعُهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِنْهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ ﵁ لَمْ تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ بَلَاغًا تَقُومُ عَلَيْهِ

стр. 279

بِهِ الْحُجَّةُ، كَمَا لَمْ يَبْلُغْ عَلِيًّا خَبَرُ بَرْوَعِ بِنْتِ وَاشَقٍ، وَلَمْ يَبْلُغِ ابْنَ عُمَرَ ﵄ خَبَرُ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَمْ يَبْلُغِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَحَادِيثُ الْمُتْعَةِ وَالصَّرْفِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فَقَدْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَأَحَادِيثُ الْوُضُوءِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ رُوَاتِهَا مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ لَمْ يَصْحَبَا النَّبِيَّ ﷺ (إِلَّا فِي آخِرِ حَيَاتِهِ). وَقَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ إِنَّمَا أَرَادَا (بِقَوْلِهِمَا) حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاصْطِلَاحِهِمْ. وَأَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَهُ صَحِيحًا مَعَ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ، يُضَعِّفُ الْحَدِيثَ ثُمَّ يَعْمَلُ بِهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ عَنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ، وَمَعَ هَذَا فَرَاوِيهِ مُقَارِبٌ وَلَيْسَ مُعَارِضٌ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ الْحَسَنُ؛ وَلِهَذَا يُضَعِّفُ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ مَعَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِأَكْثَرِ الْمَرَاسِيلِ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ فَثِقَةٌ، أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ جَلِيلٌ، إِلَّا أَنَّهُ يُدَلِّسُ عَنْ رِجَالٍ مَجْهُولِينَ، وَالْقِيَاسُ يُوَافِقُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، فَإِنَّ اللَّبَنَ مُتَحَلِّلٌ مِنَ اللَّحْمِ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْطَى حُكْمَهُ كَمَا أُعْطِيَ

стр. 280

حُكْمَهُ فِي التَّطْهِيرِ وَالتَّنْجِيسِ، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْبَوْلَ كَذَلِكَ، لَمْ يُسْتَبْعَدْ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مَأْكُولٌ مُعْتَادٌ، بِخِلَافِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّ الْبَوْلَ وَالْعَرَقَ وَالشَّعْرَ لَا يَنْقُضُ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي أَوْجَبَتِ النَّقْضَ بِاللَّحْمِ لَمْ تَخْلُصْ لَنَا؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، وَاللَّبَنُ يُشَارِكُ اللَّحْمَ فِي عَامَّةِ أَحْكَامِهِ. وَفِي النَّقْضِ بِالْأَجْزَاءِ الَّتِي لَا تُسَمَّى لَحْمًا كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالسَّنَامِ وَالْكِرْشِ وَالْمَصِيرِ وَالْجِلْدِ - وَجْهَانِ، وَقِيلَ فِيهَا رِوَايَتَانِ: لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا مُخَرَّجَتَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا (فَمِنْهُمْ) مَنْ يُطْلِقُهُمَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْنِيهِمَا عَلَى اللَّبَنِ. إِحْدَاهُمَا: لَا تَنْقُضُ وَإِنْ قُلْنَا بِالنَّقْضِ فِي اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ؛ إِذْ لَا نَصَّ فِيهِ قَوِيٌّ وَلَا ضَعِيفٌ، وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ. وَالثَّانِيَةُ: تَنْقُضُ سَوَاءٌ إِنْ قُلْنَا يَنْقُضُ اللَّبَنُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ اللَّحْمِ فِي الْحَيَوَانِ يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ اللَّحْمَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ أَغَلَبُ الْأَجْزَاءِ، وَلِهَذَا دَخَلَتْ فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْخِنْزِيرِ، وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْبَعْضِ مِنَ اللَّبَنِ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ اللَّحْمَ وَاللَّبَنَ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ سَائِرَ الْأَجْزَاءِ، وَلِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْجَزُورِ فَنَقَضَتْ كَاللَّحْمِ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْكَبِدِ وَالسَّنَامِ مَنْ أَبَيْنِ الْأَشْبَاهِ؛ وَلِهَذَا اشْتَرَكَا فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَالدُّسُومَةِ وَالزُّهُومَةِ، وَقَوْلُهُمْ: الْحُكْمُ بَعِيدٌ إِنْ أُرِيدَ بِهِ هُنَا مُجَرَّدُ امْتِحَانٍ وَابْتِلَاءٍ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ إِشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى التَّعْلِيلِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّا نَحْنُ لَمْ نَعْتَقِدِ الْعِلَّةَ، فَهَذَا مُسَلَّمٌ لِمَنِ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ قِيَاسِ الشَّبَهِ مَعَ أَنَّنَا أَوْمَأْنَا إِلَى التَّعْلِيلِ فِيمَا تَقَدَّمَ بِمَا فَهِمْنَاهُ مِنْ إِيمَاءِ الشَّارِعِ، حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْإِبِلَ حِينَ خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ وَأَنَّهَا شَيَاطِينُ، فَأَكْلُ لَحْمِهَا يُورِثُ ضَرْبًا مِنْ طِبَاعِهَا وَنَوْعًا مِنْ أَحْوَالِهَا، وَالْوُضُوءُ يُزِيلُ ذَلِكَ الْأَثَرَ، وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ اللَّحْمُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَجْزَاءِ، وَلَعَلَّهُ -

стр. 281

وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ قَدْ شَرَعَ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ إِمَّا إِيجَابًا وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا بِالْمَاءِ؛ لِمَا تَكْتَسِبُهُ مِنْ تَأْثِيرِ النَّارِ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْهَا الشَّيَاطِينُ، لَكِنَّ أَثَرَ النَّارِ عَارِضٌ يَزُولُ وَلَا يَبْقَى مَعَ الْإِنْسَانِ، بِخِلَافِ اللَّحْمِ، فَإِنَّ تَأْثِيرَهُ عَنْ طَبِيعَةٍ وَخَلِيقَةٍ فِيهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ يُزِيلُهُ، فَكَذَلِكَ صَارَ هُنَا وَاجِبًا دُونَ ذَلِكَ. وَفِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِاللُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: " تَنْقُضُ " نَصَّ عَلَيْهَا فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَخَصَّ أَبُو بَكْرٍ النَّقْضَ بِهِ لِتَغْلِيظِ تَحْرِيمِهِ، وَعَمَّمَ غَيْرُهُ فِي جَمِيعِ اللُّحُومِ وَالْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالنَّقْضِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا تَنْقُضُ، حَكَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ؛ إِذْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَيْسَ الْقِيَاسُ بِالْبَيِّنِ حَتَّى تُقَاسَ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَكَذَلِكَ لَا يُنْقَصُ بِمَا يُحَرَّمُ مِنْ غَيْرِ اللُّحُومِ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنْ سَائِرِ الْمَطَاعِمِ مُبَاحًا، وَمُحَرَّمِهَا فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدِ وَالْفَمِ مِنَ الطَّعَامِ كَمَا يُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ إِلَّا مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، فَفِي اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، ثُمَّ نُسِخَ الْوُجُوبُ مِنْهُ أَوْ صُرِفَ عَنِ الْوُجُوبِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي

стр. 282

أُمَيَّةَ وَمَيْمُونَةُ ﵃ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ: " وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» ". وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ - صَلَّى بِنَا الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِسَوِيقٍ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ النَّاسِخُ (فِعْلُ) الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَوَضَّئُونَ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهَا وَنَاسِخِهَا، وَإِذَا زَالَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَهَبَ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهَا، وَقَالَ رِجَالٌ مِنَ التَّابِعِينَ:

стр. 283

الْوُضُوءُ مِنْهَا هُوَ النَّاسِخُ، فَفِي الْوُضُوءِ احْتِيَاطٌ وَخُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى تَرْكِهِ أَخِيرًا وَهُوَ لَا يُدَاوِمُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ قَدِيمًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ الْأَمْرَ بِهِ، وَإِنَّمَا صَحِبَهُ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَحَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ فِي تَرْكِهِ كَانَ فِي مَخْرَجِهِ إِلَى خَيْبَرَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ اسْتِحْبَابًا وَيَفْعَلُهُ وَيَتْرُكُهُ أَحْيَانًا، ثُمَّ يَتْرُكُ بِالْكُلِّيَّةِ، بِدَلِيلِ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. فَصْلٌ كَلَامُ الشَّيْخِ ﵁ يَقْتَضِي أَنْ لَا وُضُوءَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَغَيْرِهِمَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجِسٍ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا فِي خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيِّ وَعَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَهُمَا مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ يَمَّمَهُ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوؤُهُ، فَكَذَلِكَ إِذَا غَسَّلَهُ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ

стр. 284

فَلَمْ يَنْتَقِضْ كَغُسْلِ الْحَيِّ وَغُسْلِ نَفْسِهِ، وَحَمَلُوا الْآثَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا فِيهِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ " وَقَالَ: " أَرْجُو أَنْ لَا يَجِبَ الْغُسْلُ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ " وَكَذَلِكَ قَالَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: " إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْوُضُوءِ ". رَوَى عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ " كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ ". وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " يَكْفِي فِيهِ الْوُضُوءُ " وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي تَرْكِهِ رُخْصَةٌ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُ انْتَهَتْ رُخْصَتُهُ إِلَى الْوُضُوءِ، وَكَانَ الْوُضُوءُ مِنْهُ شَائِعًا بَيْنَهُمْ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمُ الْإِخْلَالُ بِهِ، قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " غَسَّلَ أَبَاكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَمَا زَادُوا عَلَى أَنْ حَسِرُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَجَعَلُوا ثِيَابَهُمْ فِي حُجُزِهِمْ، فَغَسَّلُوا ثُمَّ تَوَضَّئُوا ثُمَّ خَرَجُوا " وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ " أَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ

стр. 285

فَغَسَّلَتْهُ، ثُمَّ أَرْسَلَتْ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلٍ؟ قَالُوا: لَا، فَتَوَضَّأَتْ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ فِي مَسْنَدِهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ مِنْهُ، كَمَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ. فَظَاهِرُهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ الَّذِي هُوَ بَعْضُهُ، فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا زَادَ عَلَى الْوُضُوءِ بَقِيَ الْوُضُوءُ بِحَالِهِ، أَوْ يُقَالُ: الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ أَمْرٌ بِالْوُضُوءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَفَحْوَى الْخِطَابِ، فَإِذَا تُرِكَ دَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ لَمْ يَجِبْ أَنْ نَتْرُكَ دَلَالَةَ فَحَوَاهُ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ، وَيَكْفِي فِيهِ الْوُضُوءُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَالْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ؛ وَلِأَنَّهُ وُضُوءٌ مَشْرُوعٌ لِسَبَبٍ مَاضٍ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْتَزَمَ أَنْ لَا وُضُوءَ مِنَ الْقَهْقَهَةِ، وَلَا مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، أَوْ يَقُولُ: وُضُوءٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَوْ مَشْرُوعٌ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ؛ وَلِأَنَّهُ وُضُوءٌ عَنْ سَبَبٍ مَاضٍ يُشْرَعُ لَهُ الْغُسْلُ، فَكَانَ وَاجِبًا كَوُضُوءِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ شَرْعَ الْغُسْلِ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْمُقْتَضِي لِلطَّهَارَةِ، فَإِذَا نَزَلَ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُوجِبَ الْوُضُوءَ، بِخِلَافِ الْأَسْبَابِ الْمُسْتَقْبِلَةِ كَغُسْلِ الْإِحْرَامِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا النَّظَافَةُ فَقَطْ، وَهَذَا الْقِيَاسُ مِنْ أَقْوَى الْأَشْبَاهِ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ، وَلِأَنَّ بَدَنَ الْمَيِّتِ صَارَ فِي حُكْمِ الْغُرُورِ بِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ كَرَاهَةِ مَسِّهِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ لَا لِحَاجَةٍ، وَهُوَ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ النَّجَاسَاتِ، فَجَازَ أَنْ يُوجِبَ الْوُضُوءَ كَمَسِّ الذَّكَرِ، وَلَا يَنْتَقِضُ بِمَسِّهِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِلنَّوْعِ وَالْجَوَازِ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِأُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ؛ وَلِأَنَّ لَمْسَ النَّاقِضِ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ مَمْسُوسٍ وَمَمْسُوسٍ، فَمَسُّ الْفَرْجِ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، وَمَسُّ النِّسَاءِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، وَمَسُّ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّغْسِيلِ لَهُ سَوَاءٌ مَسَّهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ أَوْ بَاشَرَهُ، وَهَذَا أَجْوَدُ مِنْ تَعْلِيلِ مَنْ عَلَّلَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الْغَاسِلَ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ مَسِّ ذَكَرِهِ.
следующие страницы →