Полный текст (746 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والصحابة كلهم عُدُولٌ، وهو المُعتَقَدُ، وهو مَذهَبُ السَّلَفِ وجمهور الخَلَفِ، والمعنى بذلك أن أَخْبَارَهُمْ مَقْبُولَةٌ من غير بَحث من أسباب العَدَالةِ.
وقيل: حكمهم في العَدَالةِ حُكمُ غَيرِهِم في التَّوَقُّفِ على البَحثِ، وقيل ذلك من حِين الفِتَنِ بينهم.
وقيل: عُدُولٌ إلَّا من قَاتَلَ عَلِيًّا، ويُعْزَى لبعض المعتزلة.
وَرَدَّ بَعْضُ القَدَرِيَّةِ شَهَادَةَ علي، وطلحة، والزبير مجتمعين ومتفرقين، ومنهم من قَبِلَهُم مُتَفَرِّقِينَ.
стр. 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والأَوَّلُ وهو عَدَالةُ الكُلِّ أَصَحُّ؛ لتزكية الله -تعالى- لهم، ورِضَاهُ، وكذلك رَسُولُهُ ﵇ ولا تَعدِيلَ فَوقَ تَعدِيلِ الله -تعالى- ورسوله؛ قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وقال ﵇: "أَصحَابِي كَالنُّجُوم بِأيِّهِمُ اقتَدَيتُمُ اهتَدَيتُمُ" وقال: "لَوْ أَنفَقَ أحَدُكُم مِلْءَ الأَرْضِ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيفَهُ" وقال: "إِن اللهَ تَعَالى اختَارَ لِي أَصحابًا وَأَصهَارًا وَأَنصَارًا"، وقال: "لا تَسُبُّوا أَصحَابِي" وقال: "خَيرُ القُرُونِ قَرْنِي" إلى غير ذلك، هذا مع ما علم من حالهم في الجِدِّ، والاجتِهَادِ، والصِّدق، والإخلاص، وبذل المُهَج والأَموَالِ، واستحقار ذَهَابِ العَشِيرَةِ والأَهلِ في نُصرَةِ الحق، وما نقلوه من المَطَاعِنِ غَيرُ مَعلوم، فلا يُعَارِضُ المَقطُوعَ.
стр. 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال النَّظَّام: لَا شكَّ عند أَهلِ النَّقلِ في طَعنِ بَعضِهِم على بَعضٍ، فإن لم يَصدُقِ الطَّعنُ، فليجرح الطاعن.
قلنا: الطَّاعِنُ منهم بَنَى ظَنَّهُ على اعتِقَادٍ غلط فيه، ومن لا يَعتَقِدُ فِسقَ نَفْسِهِ، فهو مَقبُول.
والصَّحَابِيُّ قيل: من رَآه ﷺ وإن لم يَرو عَنهُ، ولم تَطُل صُحبَتُهُ. وقيل: إن طَالت.
стр. 529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقيل إن اجتَمَعَا والثاني أَقرَبُ للعرف. وإن صَحَّ إِطلاقُ اسْمَ الصُّحبَةِ بدون الطُّولِ لُغَةً؛ إذ يقال: صحبه لَحظَة.
وهذه المَسألَةُ وإن كانت لَفظِيَّة، فتنبني عليها المَسألَةُ السَّابِقَةُ.
وتُعرَف العَدَالةُ بالخبرة والتزكية.
قال المُحَدِّثُونَ: ولا يَثبت التَّعدِيلُ والتَّجريحُ إلَّا بِعَدْلَينِ في الرِّواية والشهادة. وقال القاضي: يكتفى بالواحد فيهما. وقال الأكثرون: يكفي في الرِّواية فقط.
احتج المُحَدِّثُونَ بأن الاكتِفَاءَ في العَمَلِ بِقَولِ الوَاحِدِ علم مِن سِيرَةِ الصّحابة، ولم ينقل عنهم ذلك في التَّعدِيلِ والتجريح؛ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى قاعدة الشَّرِيعَةِ؛ فَإنَّ ما يحتاج إلى إِثبَاتِهِ لا يثبت بدون عَدلَينِ.
وأجيبوا بأن شرط الشَّيءِ لا يزيد على أَصلِهِ؛ كشرط الإِحصَانِ في الزِّنَا؛ وعلى هذا يكتفى بتعديل العَبدِ والمَرأَةِ في الرِّواية.
قال القاضي: ويكفي الإِطلاقُ في التَّعدِيلِ والتجريح؛ لأنَّه إن لم يكن عَارِفًا بأسبَابِهِ لم يُقْبَل.
وقال قوم: لا يكفى فيهما؛ لاختِلافِ العُلَمَاءِ فيما يُجرَحُ به، ولتَسَارعُ النَّاسِ في الثَّنَاءِ.
وقال الشَّافِعِي: يَكفِي في التَّعدِيلِ؛ لأَنَّ أَسبَابَهُ تَكثُرُ، ويعتبر ذِكرُهَا في الجَرحِ؛ إذ الجَرحُ يحصل بِخَصلَةٍ.
وقيل: بالعكس؛ لأنَّ العَدَالةَ مُلتَبسَة؛ فيخاف التصنع.
وقال الإِمَامُ: يقبل إن كان عَالِمًا بِأسبَابِهِمَا، وإلا فلا.
والأَسَدُّ: إن كان عَالِمًا بِأسبَابِ التعديل قُبِلَ، وإلا استفصل؛ كما فَعَلَ عُمَرُ ﵁ ولا يقبل الجرح إلَّا مُفَصَّلًا، كما ذكره.
وأعلَى مَرَاتِبِ التَّعدِيلِ أن يُحكَمَ بِشَهَادَةِ من عُلِمَ أنَّه لا يَكتَفِي في العَدَالةِ بِسَلامَةِ الظاهِرِ.
стр. 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودونه قوله: هو عَدلٌ عندي لكذا. ودونه التَّعدِيلُ المُطْلَقُ. وأمَّا العَمَلُ بروايته أَظُنُّهُ لا يكون تَعدِيلًا؛ فإن له أسبَابًا أُخَر.
والجرح مُقَدَّم على التَّعدِيلِ، إلَّا إذا عَيَّنَ الجَارِح سببًا، ونَفَاهُ المُعَدّل بطريق يَقتَضِي ذلك؛ كَمَا لو قَال الجَارح: قتل فُلانًا ظلمًا وَقْتَ كذا، فيقول الآخَرُ: كان حَيًّا في ذلك الوَقتِ، فَيَتَعَارَضَانِ. ولا ترجيح بكثرة المعدِّلِينَ.
وأمَّا ما يَرْجِعُ من الشُّروط إلى المخبر عنه: فَهُوَ ألا يَكُونَ مَدلُولُهُ مُخَالفًا لِدليل قَاطِعٍ.
وأمَّا ما يرجع إلى الخَبَرِ. فالنَّظَرُ في كَيفِيَّةِ لَفظِ الراوي، وهي مَرَاتِبُ أعلاها: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: سمعت رَسُولَ الله ﷺ ، أو أخبرني، أو شافهني.
ودونه أن يقول: قال رسول الله ﷺ ، أو حَدَّثَنَا، أو أخبَرَنَا، وليس كالأَوَّلِ؛ لاحتمال أن يَقُولَ ذلك عن وَاسِطَةِ كما في كثير رَوَوْا، ورَجَعُوا بَعْدَ الإطلاقِ، فقالوا: سَمِعنَاهُ من فُلانِ، وإن كان الظَّاهِرُ عند الإِطْلاقِ سَمَاعَهُ من الرَّسُولِ ﷺ .
ودونه أن يقول: أمرنا رسول الله ﷺ ، أو نَهَانَا، أو أَبَاحَ، أو حَرَّمَ؛ لاحتِمَالِ اعتِقَادِهِ مَا لَيسَ بِأمرِ أَمرًا، وما لَيسَ بِنَهي نَهيًا، وإن كان بَعِيدًا، وهُوَ حُجَّة، خِلافًا لِدَاوُد، وبعض المتكلمين.
ودُونهُ أن يقول: أمِرنَا بكذا؛ كقول أَنَسٍ: "أُمِرَ بِلالٌ أن يشفع الأذَانَ، ويُوتِر الإِقَامَةَ"؛
стр. 531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لاحتمال أن يكون الآمِرُ غَيرَ رَسُولِ الله ﷺ من الخُلَفَاءِ، أو فهمه عن اجْتِهَادٍ، وهو حُجَّة، خِلافًا للصَّيرَفِيِّ، والكَرخِيِّ، وهذا الاحتمال في غير الصَّحَابِيِّ أَظهَر.
ودونه أن يَقُولَ: من السُّنةِ كذا؛ كقول عَلِيّ - كَرَّم الله وَجْهَهُ -: "من السُّنَّةِ ألا يُقْتَلَ حُرّ بِعَبدٍ"؛ لأنَّه يحتمل أن يكون من سُنَّةِ الخُلَفَاءِ؛ يقول عَلِيّ -كَرَّم الله وجهه-: جَلَدَ رَسُولُ الله ﷺ في الخَمرِ أرْبَعِينَ، وجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ثمانين، وكل سُنَّة" وقال ﵇: "عَلَيكُمُ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعدِي"، وسُنَّةُ الخُلَفَاءِ في الظَّاهِرِ ما رَأوهُ، وحملُه على ما رَوَوهُ بَعِيدٌ.
وظاهر مَذهَبِ الشَّافِعِي أنَّه حُجَّة، خلافًا للصَّيرفيِّ أيضًا؛ لأنَّ الشَّافِعِيَّ احتَجَّ على قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ في صَلاةِ الجَنَازَةِ بِإِسنَادِهِ عن عَبدِ اللهِ بن عبَّاس؛ أنَّه ﷺ صَلَّى على جَنَازَةٍ، وقرأ فاتحة الكِتَابِ، وجَهَرَ بها، وقال: "إنَّما فَعَلتُ هذا؛ لِتَعلَمُوا أنها سُنَّة"، فمطلق السُّنَّةِ من قَولِ
стр. 532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الصَّحَابِيِّ مَحمُولٌ على سُنَّةِ الرَّسُولِ ﵇ ظاهرًا، واحتمال سُنَّةِ الخلفاء في إِطلاقِ التَّابعي أَقرَبُ ودونه قَولُ الصَّحَابِيِّ: عن رَسُولِ الله ﷺ ، واحتمال أنَّه من غَيرِهِ قَرِيبٌ.
ودونه أن يقول: كانوا يَفعَلُونَ كذا؛ كقول عَائِشَةَ ﵂: "كَانُوا لَا يَقطَعُونَ في الشيءِ التَّافِهِ"، وهذا ظاهر في التَّشرِيعِ، والظاهر أنَّه إِجمَاع، أو تَقرِير من رَسُولِ الله ﷺ فهذه سَبْعُ مَرَاتِبَ.
فأمَّا رِوَايَةُ غَيرِ الصحابي: فإنَّها على سَبعِ مَرَاتِبَ أيضًا:
أَعلاهَا أن يَقُولَ: سَمِعتُ من فُلانِ. ثم إن كان الشَّيخُ قَصَدَ إِسمَاعَهُ وَحدَهُ، أو مع غَيرِهِ - جاز أن يَقُولَ: أَسمَعَنِي، وأَخبَرَنِي، وحدثني وإن لم يَقصِدْ إِسمَاعَهُ قال: أَخبَرَ، أَوْ حَدَّثَ.
الثَّانية: أن يَقُولَ السَّامِعُ للمسموع عليه بَعْدَ القِرَاءَه: أسمعت؟ فيقول: نَعَم، أو الأمر كما قرئ، وهو كَقِرَاءَتِهِ عليه؛ قال الحَاكِمُ: القِرَاءَةُ على الشَّيخِ إِخْبَارٌ، وعليه عَهِدنَا أَئمَّتَنَا، ونقله عن الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ.
الثالثة: أن يكتب إليه، فلِلمَكتُوبِ إليه إن علم أنَّه خَطُّهُ، أو ظنه- أن يَقُولَ: أَخبَرَنِي؛ لأنَّ الكِتَابَةَ إِخبَارٌ، ولا يجوز.
الرَّابِعَةُ: أن يَقرَأَ عليه، فيقول له بَعْدَ السَّمَاع: أسمعت؟ فيشير بِرَأسِهِ، أو غير ذلك من أَنوَاعِ الإِيمَاءِ؛ فهي كالعِبَارَةِ في التَّصدِيقِ؛ فهو حُجَّة؛ لأنَّ المَقصُودَ منه الدَّلالةُ، لكن لا يَقُولُ: حَدَّثَنِي، ولا أخبرني، ولا سَمِعتُهُ مُطلقًا، بل يقول: حَدَّثني، أو أخبرني قِرَاءَةَ عليه، ويجوز في عُرفِ المُحَدِّثِينَ أن يَقُولَ: سَمِعتُهُ قِرَاءَةَ عليه ومُطلَقًا على الأَصَحّ.
ويجب العَمَلُ به، وفي الرِّوَايَةِ به خِلافٌ، وَأَجَازَهَا المُحَدَّثُونَ [و] الفُقَهَاءُ، وأَنكَرَهَا المُتَكَلِّمُونَ وبعض الظاهرية.
احتج المحدثون والفُقَهَاءُ بأن الإِخبَارَ: ما أفاد العِلمَ، أو الظَّنَّ، والسكوتُ والحالة هذه كذَلِكَ.
واحتج المُتَكَلِّمُونَ بأنه لم يُحَدِّثْهُ، ولم يخبره؛ فكان قولُهُ كذبًا.
стр. 533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجوابه لا نُسلِّمُ أنَّه كَذِبٌ، بل إِطلاقُ الإِخبَارِ عليه مَجَازٌ شَائِعٌ.
السَّادِسَةُ: المُنَاولَةُ؛ وهي أن يشير الشَّيخُ إلى كِتَاب، أو صَحِيفَةٍ، فيقول: هذا سَمَاعِي سَمِعتُهُ من فُلانٍ، فله أن يَرويَ عَنهُ، سواء قال: اروهِ عني، أو لم يقل؛ كما يَشْهَدُ على شَهَادَتِهِ إذا رَآهُ يُؤدِّيهَا عِنْدَ الحَاكِمِ، وإن لم يُحَمِّلهُ؛ ولا حَاجَةَ إلى مُنَاوَلَةِ الكِتَابِ، ولا يجوز أن يَرويَ من غير تلك النُّسخَةِ؛ لأنَّ النُّسَخَ تَخْتَلِفُ، إلَّا إذا أمِنَ الاختِلافَ.
السابعة: الإِجَازَةُ؛ وهي أن يَقُولَ: أجَزتُ لك أن تَرويَ عَنِّي كِتَابَ كذا وَمَا صَحَّ عندك من حَدِيثي، وهي مُعتَبَرَة عند المُحَدِّثِينِ مُسَلَّطَّةٌ على الرِّوَايَةِ عنه، فيقول: أَجَازَني، أو أخبَرَنِي إِجَازَةَ، وأكثر على مَنعِ حَدَّثَنِي، وأخبرني مُطْلَقًا بِخِلافِ النافي للفرق، وقال أبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُفَ: لا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بها.
стр. 534
الْمَسْألَةُ السَّابِعَةُ
إِذَا رَوَى رَاوي الفَرْعِ: فَرَاوي الأَصلِ إِن صَدَّقَهُ -فَلَا كَلامَ فِي قَبُولِهِ، وَإن كَذَّبَهُ- فَلَا كَلامَ فِي رَدِّهِ؛ لأَنَّهُ إِن كَانَ صَادِقًا فِي هذَا التَّكذِيبِ -فَالحَقُّ مَا قُلْنَا، وَإنْ كَانَ كَاذِبًا- صَارَ رَاوي الأَصلِ وَاجِبَ الرَّدِّ؛ فَالْفَرعُ أوْلَى أَن يُرَدَّ. وَإِنْ قَال: لَا أَعرِفُ أَنِّي رَوَيتُ أَمْ
===
وقال أَبُو بَكْرٍ الرَّازي -من أَصحَابهِ-: يجوز إن كانا عَالِمَينِ بِمَضْمُونِ الكتاب.
وقال الأُستَاذُ أبُو بَكر: يُعَوَّلُ عليها في أحكام الآخرة.
فرع: وفي الإِجَازَةِ لجميع المَوجُودِينَ من الأُمَّةِ، أو لِنَسلِ فلان، أو لمن يُوَجَدُ من نسلِهِ- خلاف.
لنا: أن الظَّاهِرَ أَنَّهُ لا يروى عنه إلا بَعْدَ عِلْمِهِ، أو ظنه لِعَدَالتِهِ؛ فوجب أن تصح.
قالوا: ظَنُّ؛ فلا يَجُوزُ الاعتِمَادُ عليه؛ كالشهادة.
أجِيبُوا بأن بَابَ الشَّهَادَةِ أضيَقُ؛ كما علم.
قال الغَزَّاليُّ: إذا قال: أَجَزتُ لَكَ أن تَرْويَ عني ما صَحَّ عِندَكَ من مَسْمُوعَاتِي مُطلَقًا، فهذا لفظٌ مبهم لَا بُدَّ فيه من تَثبُّت فَليَقَعِ البِنَاءُ على اليقين، وثَلجِ الصُّدُورِ، وليجتنب رواية كل ما تَرَدَّدَ فيه.
قال: ولا يَجُوزُ التَّعويلُ على خطأ المُخبِرِ المكتوب على حَاشِيَةِ النسخ أصلًا.
قوله: "المسألة السابعة: إِذَا رَوَى راوي الفَرع، فَرَاوي الأَصلِ إِن صَدَّقَهُ، فلا كَلامَ [في قبوله] وَإِنْ كَذَّبَهُ، فلا كَلامَ فِي رَدِّهِ ... " إلى آخِرِهِ:
الحَاصِلُ: أنَّه متى عَمِلنَا بهذا الحَدِيثِ مع جَزمِ الأَصلِ بتكذيبه- فَقَد عَمِلنَا بِرِوَايَةِ كَاذِب؛ فإنَّه إن صُدِّقَ الأَصلُ، كُذِّبَ الفَرعُ، أو بالعكس، وله طَرِيق في جَزمِهِ بِتَكذِيبِهِ، بأن يكون جَمِيعُ ما رَوَاهُ مَعلُومًا له مَضْبُوطًا. ولا يكون جَرحًا لواحد منهما؛ لِتَعَارُضِهِمَا، وهو كَتَعَارُضِ البَيِّنَتَينِ، وكما لو قَال أَحَدُهُما: إن كان هذَا الطَّائرُ غرابًا، فزوجتي طَالِقٌ، وقال الآخر: إن لم يَكُنْ غُرَابًا، فزوجتي طالق، وطَارَ ولَم يعرف، فَإنَّهُ مع العلمِ بأنه لا يَخرُجُ عن النَّقِيضَينِ- لا يقع به طلاق.
стр. 535
لَا - فَالأَقْرَبُ: أَنَّ ذلِكَ الْخَبَرَ صَحِيحٌ؛ لأنَّ رِوَايَةَ رَاوي الفَرْعِ تُوجِبُ الْقَبُولَ، وَلَم يَصْدُرْ عَنْ رَاوي الأصلِ مَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا؛ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ.
===
قَوله: "وإن قال لا أعلَمُ أنِّي رَوَيتُهُ أم لا، فالأقرَبُ أن ذلك الخَبَرَ صَحِيح؛ لأنَّ رِوَايَةَ [راوي] الفَرْعِ تُوجِبُ القَبُولَ":
يعني: أنَّه عَدلٌ جَازِمٌ بالرواية.
قوله: "ولم يُوجَد من الأَصلِ ما يَصْلُحُ مُعَارِضًا لَهُ، فَوَجَبَ القَبُولُ":
يعني: أن المُعَارِضَ لَا يَقوَى على مُعَارَضَة الجَزمِ؛ فإنَّه مُتَرَدِّدٌ بين أن يكون لم يَروهِ، وبين أن يَكُونَ رَوَاهُ ونَسِيَهُ والمُتَشَابِهُ لا يُعَارِضُ المُحكَمَ، وأي رَاوٍ يَحفَظُ مع تَطَاوُلِ الزَّمَانِ كُلَّ مَا يرويه؟ ! وقد رَوَى لسُهَيل بن أبي صالِح عن أبيه عن أبي هُرَيرَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قَضَى بالشَّاهِدِ مع اليَمِينِ، ونَسِيَهُ، فكان يقول: "حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عني"، ولم ينكر عليه أَحَدٌ، ونقل
стр. 536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مثله عن الزُّهْرِيِّ، والنسيان غالبٌ على نوع الإِنسَانِ؛ فأول ناس أول النَّاس.
стр. 537
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ
قَال الجُبَّائِي: الشَّرطُ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ رِوَايَةُ العَدْلَينِ، وَعِندَنَا أَنَّهُ غَيرُ وَاجِبِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]- يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَة؛ فَهذَا
===
وَقَال الكَرخِيّ، وأَحمَدُ -في إحدى الرِّوَايَتَينِ عنه-: لا تقبل؛ كما لو شَكَّ شَاهِدُ الأصلِ.
وفرق بأن بَابَ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ؛ فإنا لا نُعَرِّجُ على الفَرْعِ مع حُضُورِ شَاهِدِ الأَصلِ، بخلاف الرِّوَايَةِ.
قالوا: لو جَازَ العَمَلُ به، لجاز لِلْحَاكِمِ إذا شَهِدَ عنده عَدلانِ بحكمه وَنَسِيَهُ أن يَحكُمَ به.
قلنا: نَحْنُ لا نُوجِبُ العَمَلَ على النَّاسي، وإنما أوجَبنَاهُ على الجَازِمِ.
فإن قالوا: نِسبَةُ النِّسيَانِ إليهما على السَّوَاءِ، كنسبة التَّكذِيبِ عند الجَزمِ.
قلنا: لَا نُسَلِّمُ الاستِوَاءَ مع تَصرِيحِ الرَّاوي بالجَزمِ، واستِرَابَةِ الأَصلِ.
قوله: "المسألة الثامنة":
قال الجُبَّائِيّ: يُشْترطُ في قَبُولِ الخَبَرِ رِوَايَةُ العَدلَينِ، وَعِندَنَا: أنَّه غَيرُ وَاجِب، والدليل عليه قَوْلُهُ تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ﴾ [الحجرات: ٦] ... " إلى آخرها:
ذهب الجُبَّائِيّ إلى أنَّه لا يُعمَلُ إلَّا بما يَنقُلُهُ عَدلانِ، أو يعضد رِوَايَتَهُ دَلِيل من إشهَادِ، أو اجتهاد، أو عَملِ بعض الصّحابة، أو موافقة ظاهر، وشرط عند تَكرَارِ الأَعصَارِ أن يتحمل قَولَ كُلِّ رَاوٍ عَدْلانِ إلى أن يَنتَهِيَ إلينا.
قال الغَزَّالي: وهذا استِئصَالٌ لهذه القَاعِدَةِ؛ إذ لا يَستَقِيمُ على هذا المَذَاقِ حَدِيثٌ في
стр. 538
يَقْتَضِي أَن يَكُونَ رَدَّ رِوَايَةِ الفَاسِقِ مُعَلَّلًا بِفِسْقِهِ، وَهذَا التَّعلِيلُ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَت رِوَايَة الْعَدلِ الخَالِي عَنِ الْفِسْقِ مَقْبُولَةً.
===
عَصرِنَا، وروى عنه أنَّه اعتَبَرَ في الزِّنَا أَربَعَةً؛ كما في الشَّهَادَةِ عليه، ومُعتَمَدُنَا اكتِفَاءُ الصَّحَابَةِ في العَمَلِ بِنَقلِ الواحد؛ كما تقدم نقله.
فإن قيل لم يقبل رسول الله ﷺ خَبَرَ ذِي اليَدَينِ حتَّى صَدَّقَهُ أَبُو بَكْرٍ وعمر، ولم يقبل
стр. 539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبُو بَكر خَبَرَ المُغِيرَةِ بنِ شعبَةَ في ميراث الجَدةِ حتى وافقه مُحَمّدُ بن مَسلَمَةَ، وطالب أَبُو بَكر، وعمر وعثمان بن عفان ﵃ في رَدِّ الحَكَمِ بْنِ أبي العاص بِثَانٍ، ولم يَقْبَل عَلِي حديث مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ في المُفَوِّضَةِ المُتَوَفى عنها زَوجُهَا، ولم يقبل عُمَرُ خَبَرَ فاطمة بِنْتِ قَيسٍ في السكنَى، وكان عَلِي يُحَلفُ الراوي؟ !
قلنا: قد نَقَلنَا عمن نَقَلتُم عنه العَمَلَ بخبر المُنفَرِدِ، فمحمل الرد على سَبَب: إما عَدَمُ حُصُولِ غَلَبَةِ الظن بروايته، أو التهمة أو قوة مُعَارِضِ عنده، أو استظهار، هذَا جَوَاب جُملي، وأما تفصيل الجَوابِ عما ذكروه ففي المُطَولاتِ.
وأما احتِجَاجُ المُصَنفِ بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ﴾ [الحجرات: ٦] فنقول: إن تَعلِيلَ الردِّ بالفِسقِ يَدُلُّ على أن خَبَرَ العَدلِ مَقبُول، يقال له: مسلم، ولكن لم قُلتُم: إنه يَجِبُ استِقلالُهُ في العَمَلِ به؟ والله أعلم.
стр. 540
الْمَسْألةُ التاسِعَةُ
قَال الشافِعِي ﵁: إِذَا كَانَ مَذهَبُ الراوي بِخِلافِ رِوَايَتِهِ، لَمْ يَلزَم مِنهُ طَعْن فِي الحَدِيثِ. وَقَال الأكثَرونَ: يُوجِب الطعنَ لَهُ.
لَنَا: أَنهُ لَو لَم يكنْ فَاسِقًا، وَجَبَ أَن تَكُونَ رِوَايَتُهُ مَقْبُولَة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحُجُرَاتُ: ٦]، وَالْمُعَارِضُ الْمُوْجُودُ -وَهُوَ مُخَالفَةُ الراوي- لَا يَصلُحُ مُعَارِضًا لَهُ؛ لاحتِمَالِ أَن تَكُونَ تِلْكَ المُخَالفَةُ لأجلِ أَنهُ أعتَقَدَ وجُودَ دَلِيلِ آخَرَ أَقْوَى مِنَ الأَولِ؛ وَلَا يَكُونُ كَذلِكَ.
===
[المسألة التاسعة]
[قوله]: "قال الشافِعِي: إذا كَانَ مَذهَبُ الراوي بِخِلافِ رِوَايَتِهِ، لم يَلزَم منه الطعنُ في الرواية، وقال الأَكثَرُونَ: يوجب.
لنا أنه لما لم يكن فَاسِقًا، وَجَبَ أن تَكُونَ رِوَايَتُهُ مَقبُولَة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ ... [الآية: الحجرات ٦] الآية.
والمُعَارِضُ المَوجُودُ -وهو مخالفة الراوي- لَا يَصلُحُ مُعَارِضًا؛ لاحتمال أن تكون تلك المُخَالفَةُ لأجل أنه اعتَقَدَ وُجُودَ دليل أقوى":
الحَاصِلُ: أن المُقتَضِي للعمل قَائِمٌ، وهو جَزْمُ العَدلِ بالرواية، والمُعَارِضُ المَوجُودُ لا يقوى لِمُعَارَضَتِهِ؛ فإنه مُتَرَدِّدٌ؛ إذ يحتمل أنه خالف قبل الرواية، أو بعدها مع النِّسيَانِ، أو مع الذكرِ؛ لدليل راجح في نَظَرِهِ؛ كمخالفة مَالِك لحديث: "المُتَبايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا"؛
стр. 541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لاعتقاد أن الإجماع أَهلِ "المدينة" حُجة، وأنه أَقوَى، وكمخالفة أبي حنيفة الحديث للقياس الجَلِي، ولا يَلزَمُنَا تَقلِيدُهم في اجْتِهَادِهِم؛ فإن الحُجَّةَ فيما رَوَوهُ، لا فيما رَاوهُ، ولا يلزم مجتهدًا تَقلِيد مُجتَهِد، وكذلك التَّأويل المُخَالِفُ لِظَاهِرِهِ مَردُود عند الشَّافِعِي لذلك.
أما تفسيره للفظ المُحمَلِ كَحمل ابْنِ عمر قَولَهُ ﵇: "الذَّهب بالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاء" على القَبضِ في المَجلِسِ-فهو أَولَى من غَيرِهِ؛ لأنه أعرَفُ بِقَرَائِنِ الأَحوَالِ، وَلَيسَ في العَمَلِ به مُخَالفَةُ ظَاهِر.
ومما يلحق بهذا الأصلِ؛ أعني: ما وجد المُقتَضِي فيه لِوُجُوبِ العَمَلِ، وتخيل فيه المَانِعِيةُ، وإن عدمه شرط، وليس كذلك- أمور:
الأول: رِوَايَة الحَدِيثِ بالمَعنَى: وقد أوجب المُحَدِّثُونَ نَقلَ ألفَاظ الرسول ﷺ على وَجهِهَا، حتى غَلَوا، ومَنَعُوا إِبدَال اسم الله -تعالى- باسم آخَرَ من أسمائه تَمَسكًا بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤].
قيل: المراد بـ "الحِكمَةِ" ها هنا السُّنَّةُ، وكما يتعين نَقلُ ألفَاظِ القرآن، فكذلك السنةُ، ولقوله ﵇: "نَضَّرَ اللهُ امرأ سَمِعَ مَقَالتِي فَوَعَاهَا، وَأَداهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُب مُبَلغ أوعَى مِن سَامِع، وَرُب حَامِلِ فِقه غيرُ فَقِيه، وَرُب حَامِلِ فِقه إلَى من هُوَ أفقَهُ مِنهُ".
стр. 542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحق: أنه إذا لم يَتَعَلَّق تَعَبد بلفظه؛ كحديث التشَهْدِ، وَالقُنُوتِ، والأذان، ونحو ذلك، فَيَجُوزُ بِشَرطِ أن يَكُونَ الناقِلُ على ثَبْت من تبقية المَعنَى لوجهين:
أحدهما: أن الصحَابَةَ رَوَتِ القِصةَ الوَاحِدَةَ بألفاظ عَدِيدَة، مع اتحاد المَعنَى؛ كقوله ﵇: "إذَا قَامَ أَحَدُكُم مِن نَومِه وإذَا استَيقَظَ أَحَدُكُم مِن نَومِهِ فَلَا يَغمس يَدَهُ وَلَا يُدخِل يَدَهُ"، ونحو ذلكَ، ومن المَعلُومِ أن الصحَابَةَ كَانَت تَسمَعُ الحديث ولا ترويه إلا عند
стр. 543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحَاجَةِ إليه، هذا أَبُو بَكر ﵁ مع مُلازَمَتِهِ لرسول الله ﷺ مُدَّةَ حياته، قيل: إنه لم يَرو سِوَى اثنَي عَشَرَ حَدِيثا؛ لدعاء الحَاجَةِ إليها، ومع طُولِ الزّمَانِ العَادَةُ تقضي أنه لا تَبقى تلك الألفَاظُ بعينها.
الثاني: أن تَرجَمَتَهُ بالفَارِسِيَّةِ وغيرها مَقبُولَة بالإجمَاعِ، فالعربية أَولَى، وأما قيَاسُ الحَدِيثِ
стр. 544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على الكِتَاب، فبعيد؛ لأن القُرآن مُعجِزَة، وإعجَازُهُ في نَظمِهِ؛ ولأنه مُتَعَبد بِتِلاوَتهِ، وأما الحَدِيثُ المُتَمَسِّكُ به فمحمول على الأَولَى، وعلى الحَثِّ على التثَبُّتِ في الروَايَةِ، ومن أدى المَعْنَى بِتَمَامِهِ، فَقَد أَدى مَا وَعَى، كيف ونَفسُ هذا الحَدِيثِ قد رُويَ بألفاظ مُختَلِفَة مع اتحَادِ المَعنَى.
ومنها: الإكثار في الرواية لا يَمنع إلا إذا كَثُرَ مع قِصَرِ المُدةِ كَثرَة لا تَحتَمِلُهَا المدةُ؛ فيرد الجميع.
ومنها: انفِرَادُ العَدلِ بالزيادة، وهي مَقبُولَة، كما لو انفَرَدَ بأصلِ الحَدِيثِ؛ ولإمكان الجمع بين صِدْقِهِ، وصدقهم باحتمال نِسيَانِهِم واتصاله بالجَمَاعَةِ قبل إِتمَامِ الحَدِيثٍ، أو الغفلة عنها، وطروء شَاغِلٍ، إلا أَن تَكُونَ الزِّيَادَةُ مغيرة للإعراب؛ كقول الجَمَاعَةِ: "في أربَعَينَ شَاة شَاةٌ" فيروى وَاحِد نِصفَ شَاةٍ، فلا يمكن الجَمعُ، وقد تُعُجبَ من رَدِّ الحنفية زِيادَةَ العَدلِ، وقَبُولِ القِرَاءَةِ الشاذةِ المقتضية للزيادة؛ كقراءة ابن مسعُود: "فَصِيَامُ ثَلاثةِ أيام مُتَتَابِعَات" مع أن طَرِيقَ إِثبَاتِ القُرآنِ التوَاتُرُ.
ومنها: انفرادِ العَدلِ بما تَعُمُّ به البَلوَى، فإنه مَقبول عندنا، خلافا لِلكَرخِي وبعض الحَنَفِيةِ ولابن داود؛ لأن أدِلةَ العَمَلِ شَامِلَة، وقد عمل المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ برواية عَائِشَةَ: "إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ، وَجَبَ الغسلُ"، قالوا: لو كان صَحِيحًا؛ لَتَوَاتَرَ لِوُجُوبِ إِشَاعَتِهِ عليه -صلوات الله عليه- ولكثرة السؤال عنه والجواب، والعَادَة تَقتضِي في مِثلِ ذلك التواتر، فحيث لم يَتَوَاتَر دَلَّ
стр. 545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على عَدَمِ صحته.
وأُجِيبَ بِمَنْعِ العَادَةِ مع العِلمِ باكتفاء رَسُولِ الله ﷺ فِي بَيَانِ تَفَاصِيلِ الأَحكَامِ بالآحَادِ؛ فإنه لم يَتَكَلف أن يُرسِلَ إلى كل جِهَةٍ في تَعلِيم ذلك عَدَدَ التواتر، بل اكتَفَى فيه بِخَبَرِ الآحاد والأقيسة، ثم ما أَصَّلُوهُ نَقَضُوهُ في نقض الوُضوء بِالقَيءِ والرُّعَافِ، والقهقهة في الصلاة،
стр. 546
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ
خَبَرُ الْوَاحِدِ: إِذَا وَرَدَ عَلَى خِلافِ الْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ، فَعِنْدَنَا: أَنَّ الْخَبَرَ رَاجِحٌ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ ﵁: الْقِيَاسُ رَاجِحٌ كَمَا فِي خَبَرِ الْمُصَرَّاةِ.
===
ووجوب الوتر، ولا يَنْفَعُهُمُ الاعتِذَارُ بأن الوتْرَ مُتَوَاتِرٌ، فإن التَّوَاتُرَ في شَرْعِهِ، لا في وُجُوبِهِ.
ولا يَقدَحُ انفراد بَعْضِ التَّلامِيذ بِحَدِيثٍ عن شَيخِهِ، ولا اتصال ما أَرْسَلَهُ غَيرُهُ من الرُّوَاةِ عنه؛ إذ لاختصاصه به أَسْبَابٌ، وهو عَدَمُ قَدْحٍ جَازِمٍ بذلك، وزعم المُحَدِّثُونَ أن جَمِيعَ ذلك قَادِحٌ، والله أعلم.
ومنها: خَبَرُ الوَاحِدِ فيما يوجب الحَدَّ مقبول عند الأكثرين، خلافًا لِلْكَرخِيِّ، وأبي عبد الله البَصْرِيِّ.
قالوا: لأنه حد؛ فَيَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ.
وأجيب بأنه لا شُبْهَةَ مع الحديث الصَّحِيح؛ كما لا شبهة مع الشَّهَادَةِ، وظاهرِ الكتاب بالإجماع، هذا مع إيجابهم له بالاستحسان في مَسْأَلَةِ شهود الزِّنَا.
[المسألة العاشرة]
خَبَرُ الوَاحِدِ إِذا كان على خِلافِ القِيَاسِ المَظنُونِ، فعندنا أن الخَبَرَ رَاجِحٌ.
стр. 547
لَنَا: أَن خَبَرَ مُعَاذٍ ﵁ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَأَيضًا: خَبَرُ الْوَاحِدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَتَينِ: إِحْدَاهُمَا: رِوَايَتُهُ، وَالثَّانِيَةُ: دَلالةُ أَلْفَاظِهِ.
===
وقالت الحَنَفِيَّةُ القِيَاسُ رَاجِحٌ، كما في خَبَرِ المُصَرَّاةِ.
لنا: خبر مُعَاذٍ، وأن العَمَلَ بالخبر يَتَوَقَّفُ على مُقَدِّمَتَينِ:
إحداهما: روايته، والثانية: دَلالةُ أَلْفَاظِهِ، وأما القِيَاسُ فهاتان المقدمتان معتبرتان في الدَّلِيلِ الدَّالِّ على ذلك الحُكمِ في أَصلِ القياس، وأما سائر المُقَدِّمَاتِ- وهي أَنَّ تَعلِيلَ الحُكْمِ في الأَصلِ بعلة مُعَينة، ثم بيان أنها حَاصِلَة في الفَراعِ، ثم بيان انتِفَاءِ المَوَانِعِ عن الفَرعِ- فكلها زائدة، فَوَجَبَ أن يَكُونَ الحكم الثَّابِتُ بالخَبَرِ أَقْوَى، فيكون رَاجِحًا على القياس:
جُمْلَةُ الأمر: أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ المخالف للقياس، إذا تَعَارَضَا من كل جِهَةٍ؛ بحيث لا يمكن العَمَلُ بهما - فالأكَثَرُ على أن الخَبَرَ مُقَدَّمٌ.
وقالت المالكية: إذا كان مُخَالِفًا لقياس الأُصُولِ، فالقِيَاسُ أَوْلَى، ونحوه عن الحنفية كخبر المُصَرَّاةِ، والتفليس، والقُرْعَةِ.
стр. 548
وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَهَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ مُعْتَبَرَتَانِ فِي الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى ثُبُوتِ ذلِكَ الْحُكْمِ فِي أَصْلِ ذلِكَ الْقِيَاسِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْمُقَدِّمَاتِ -وَهِيَ تَعْلِيلُ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ بِعِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ
===
وقال أبو الحُسينِ: إن كانت العِلِّيَّةُ، وحكم الأَصْلِ بِنَصٍّ قاطع -فالقِيَاسُ أَوْلَى، وإن كان الأَصْلُ مَقطُوعًا به خَاصَّةً فموضع اجْتِهَادٍ، وإلا فالخبر أَوْلَى، والمُختَارُ إن كَانَتِ العِلَّةُ المَنْصُوصَةُ رَاجِحَةً على الخَبَرِ في الدَّلالةِ، وكان وُجُودُهَا في الفَرْعِ مَقْطُوعًا به- فالقياس أَوْلَى، وإن كانت رَاجِحَةً ووجودها في الفَرْعِ مَظْنُونٌ، فالوقف، وإلَّا فَالخَبَرُ أَوْلَى.
هذا إذا قلنا: إن النَّصَّ على العِلةِ لا يُخرِجُهُ عن القِيَاسِ، وهو الصحيح.
احتج الأَصْحَابُ بأن عُمَرَ تَرَكَ القِيَاسَ في الجَنِينِ بخبر حمَلِ بن مَالِكٍ، وقال: لَوْلَا هذا لَقَضَينَا بغرة؛ يعني: لأن فيه إِيجَابَ الضَّمَانِ مع الشك في سببه، وهو أنه مَاتَ بِجِنَايَتِهِ، وتركَ القياس في احْتِسَابِ دِيَةِ الأَصَابِعِ على قَدْرِ مَنَافِعِهَا؛ لحديث عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ من غير إنكار، وكان رَأْيُهُ أن في السَّبَّابَةِ عَشْرًا، وكذا الوُسْطَى، وفي البِنْصَرِ تِسْعٌ، وفي الخِنْصَرِ ست، وفي الإِبْهَامِ خمس عشرة، وفي دَعْوَى أن هذا قِيَاسٌ نَظَرٌ، ولا ننكر أن القِيَاسَ يَقْتَضِي التَّفَاوُتَ على هذَا الوَجْهِ، فبعيد من نَظَرِ العَقْلِ.
احتج المَانِعُونَ بأن مُتَعَلَّقَ الاسْتِدَلالِ بالقياس فِعْلُ نَفْسِهِ، ومتعلقه في الخَبَرِ فِعْلُ غَيرِهِ، والثقة بما هُوَ من فِعْلِ نَفْسِهِ أَقْوَى.
ورد بأن القِيَاسَ يَتَوَقَّفُ على حُكْمِ الأَصْلِ، وهو فعل غيره، وقد نَقَضَتِ الحَنَفِيَّةُ ما أَصَّلُوهُ بِأَنَّ من أَكَلَ نَاسِيًا لا يفطر؛ لحديث أبي هُرَيرَةَ: "اللهُ أَطْعَمَكَ"، وفي إيجاب الوُضُوءِ بنبيذ
стр. 549
بَيَانُ أَنَّهَا حَاصِلَةٌ فِي الْفَرْعِ، ثُمَّ بَيَانُ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ- فَكُلُّهَا زَائِدَةٌ؛ فَوَجَب أَنْ يَكُونَ الْحُكمُ الثَّابِتُ بِالْخَبَرِ الْوَاحِدِ أَقْوَى؛ فَيَكُونُ رَاجِحًا.
===
التَّمْرِ في السَّفَرِ بخبر ابْنِ مَسْعُودِ، وإيجاب الوُضُوءِ بالقَهْقَهَةِ في الصَّلاةِ، مع أن القِيَاسَ أن ما
стр. 550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا يَنقض خارجها لا ينقض فيها، وخَبَر القَسَامَةِ، وما ذكره المُصَنِّفُ من حديث مُعَاذٍ، فإنه
стр. 551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قدم مُطْلَقَ السُّنَّةِ على الاجتهاد، وما اعتمد عليه من قِلَّةِ المُقَدِّمَاتِ فإن احتمال الخَطَأ يَكُونَ أقَلَّ، وبين أن كُلَّ ما يَتَوَقَّفُ عليه العَمَلُ بخبر الوَاحِدِ، يَتَوَقَّفُ عليه العَمَلُ بالقِيَاسِ، مع مَزِيدِ مُقَدِّمَاتٍ، وهي أن الأَصْلَ مُعَلَّلٌ، وأنه مُعَلَّلٌ بغير هذه العِلَّةِ، وانتفاء المُعَارِضِ في الأصل، وَوُجُودُ غير تلك العِلَّةِ في الفَرْعِ، وانتفاء المُعَارِضِ فيه أيضًا كَلامٌ ظَاهِرٌ لا خَفَاءَ فيه، والله أعلم.
стр. 552
الْبَابُ التَّاسِعُ فِي الْقِيَاسِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى
الْقِياسُ: عِبَارَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ مِثْلِ حُكمِ صُورَةٍ فِي صُورَةٍ أُخرَى؛ لاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمُثْبِتِ.
===
الْبَابُ التَّاسِعُ فِي الْقِيَاسِ
"وَفِيهِ مَسَائِلُ:
المَسْأَلَةُ الأُولَى: القياسُ عِبَارَة عن إِثبَاتِ مِثْلِ حُكمِ صُورةٍ في صورةٍ أُخرى؛ لاشتراكهما في علَّة الحُكم عند المُثْبِتِ":
اعْلَمْ أن النَّظَر في هذا الْبَاب مِنْ أَهَمِّ مقاصِدِ أُصُولِ الفِقْهِ؛ فإنه مناطُ الاجتهادِ، وأصلُ الرأي، ومنه يتشعَّب الفقه، وعلَيهِ مدارُ الفُرُوعِ وعِلْمُ الخِلاف، ومنْه يَسْتَمدُّ، وإِلَيه يَسْتَنِدُ، وبه تَعُمُّ أحكامُ الوقائِعِ التي لا نهايَةَ لها؛ فإنَّ اعتقاد المحقِّقين: أنه لا تَخْلُو واقِعَةٌ عن حُكمِ اللهِ تعالى، ومواقعُ النصوص والإِجماعات محصورةٌ؛ والمتكفِّل بتعميم الأَحْكَامِ هو القياسُ.
والقياس في اللغة: عبارةٌ عن المساواةِ والتَّقْدِيرِ؛ يقال: قِسْتُ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ، وقِسْتُ
стр. 553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأَرْضَ إذا قَدَّرْتُها بشيءٍ معلومٍ، وفُلانٌ لا يقاسُ بفلانٍ، أي: لا يساويه.
وأمَّا في الاصطلاحِ فقيلَ: لا يمكنُ حَدُّه ولا رَسْمُهُ؛ لأنه يتركَّب من معلوماتٍ مختلفةِ الحَقَائِق، ووجودٍ وعدمٍ، والمختلفاتُ لا تجتمعُ في فَصْلٍ واحدٍ، ولا خاصيَّةٍ واحدةٍ، والحقُّ: أنه لا يمتنع اجتماعُ بعْضِ المختَلِفَاتِ في أمْر ما يتميَّز بخاصيَّةٍ؛ فيكونُ الاسمُ والحَدُّ مَقُولًا عليها باعتبارِ ذلك، ثُمَّ إِنَّه إذا كان القياسُ من الأُمُور الجَعْلِيَّةِ المصْطَلَح عَلَيها - فلا يمتنعُ حده، أو رسمه؛ كسائر الحقائق الشرعية الجعلية وغيرها.
وأَسَدُّ عبارة اعْتَمَدَهَا المتقدِّمون، واخْتَارَهَا المحقِّقون عبارَةُ القاضِي؛ وهي: حَمْلُ مَعْلُوم عَلَى معلوم في إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيهِ عَنْهُمَا بأَمْرٍ جَامِعٍ بَينَهُمَا مِنْ حُكمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا.
وعدل عن لفظ "شَيء" إلى "معْلوم"؛ ليحوى به الموجُودَ والمَعْدُومَ؛ فإن قياسَ الدَّلالةِ يَجْرِي في المعدوم، والتعليلُ بالمانِعِ قياسٌ في نفي مَا لَهُ عرضيَّةُ الثبوتِ، وأَشَارَ إلى أنَّه لا يتمُّ إلا بجامع؛ فإِنَّ الجَمْعَ بِغَيرِ جَامِعٍ يَجُرُّ إِلى التعْطيل والتَّشْبِيهِ، ثم فَصَّلَ الجامعَ إلى "حُكْمٍ"؛ كقولك: "نَجِسٌ، فلا يَجُوزُ بَيعُهُ"، أو "صِفَةٍ"؟ كقولك: "مُسْكِرٌ؛ فَلا يَجُوزُ شُرْبُهُ"، أَوْ "نَفْيِ حُكْمٍ"؛ كقولك: "غَيرُ مَعْصُومِ؛ فَلَا يُضْمَنُ"، أَوْ "نَفْيِ صِفَةٍ"؛ كقولك: "غَيرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ بَيعُهُ".
وأُورِدَ عَلَيهِ أسئِلَةٌ:
الأَوَّل: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُحْمَلُ إِثبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ احَدِهِما للآخَرِ، فقَوْلُهُ: "في إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا": تَكْرَارٌ، وإن أراد غيره، فلا بُدَّ من إثباته.
الثَّاني: قولُهُ: "في إثبات حُكْمٍ لهما": يشعر بأن الأصْلَ ثبوتُ الحكْمِ في الأصل بالقياسِ، وهو دَوْرٌ، ويشْعِرُ بأَنَّ الثابت في الفَرْعِ عينُ حُكْمِ الأَصْلِ، وإِنه محالٌ؛ لاختلافِ المتعلَّق، ولأنَّ ثبوتَ الحُكمِ في الأَصْلِ مقطوعٌ به، وفي الفَرْعِ مظنونٌ، وفي الأَصْلِ مُجْمَعٌ علَيهِ، وفي الفَرْعِ مُخْتَلَفٌ فيه، وثبوتُهُ في الأَصْلِ بالنَّصِّ والإِجماعِ، وفي الفرعِ بالعِلَّةِ، وهو في الأَصْلِ أَصْلٌ، وفي الفَرْعِ فَرْعٌ فكَيفَ يَتَّحِدُ؟ ! .
الثالِثُ: تفصيلُهُ لِلْجَامِعِ: إمَّا أن يكُونَ مفتَقِرًا إلَيهِ، أَوْ لا: فإن كان مُفتَقِرًا إِلَيه، فَهَلَّا فصلَ المَقِيسَ إلى حُكْم وصفةٍ؛ فإنَّ القياسَ يجري في الصِّفَة؛ كإثباتِ أَنَّ البَارِيَ تعالى عَالِمٌ؛ لثبوتِ العَالِمِيَّةِ لَهُ؛ قياسًا على الشَّاهِدِ؛ فَإِنَّ المُعْتَزِلِيَّ يُسَلِّم تلازُمَ العِلْمِ للعالِمِيَّةِ شِاهدًا، ويسلم ثبوت الْعَالِمِيَّةِ غائبًا؛ فيلزمُهُ ثُبُوتُ العِلْم غائبًا، وإن لم يكُنْ مفتَقرًا إلَيه، وإنما هو أَمْرٌ عَرضَيٌّ للجامع، فَكَانَ زيادةً.
стр. 554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الرَّابعُ: استعماله لفظة "أَوْ"، وهي ظاهرةٌ في الشك المنافِي للبَيَانِ.
الخَامِسُ: أنَّه قاصِرٌ؛ لخروجِ الفَاسِدِ مِنْه.
والجوابُ عن الأوَّل: أنَّا لا نعني بالحَمْل مجرَّدَ ثبوته أو نفيه في الفَرْع؛ ليكون تكرارًا، وإنَّما نعني به ثبوتَهُ في الفَرْعِ أو نفيَهُ تَبَعًا لثبوتِهِ في الأصل أو نَفْيِهِ، ولا يتميَّز حكم الفرع عن حكم الأَصْل إِلا بذلك؛ فاستعمالُ لفْظِ "الحَمْلِ" فيه مِنْ أَرْشَقِ العباراتِ وأَحْسَن البلاغَات؛ فكيف يُعَدُّ استدرَاكًا؟ !
وعن الثاني: أن ثبوته لَهُمَا معًا بصِفة الجمعيَّةِ من أَثَر القياسِ.
وقولُهُ: "إنه يشعر باتِّحاد حُكْمِ الأصْلِ والفَرْعِ، وإِنَّه محالٌ بالوجوه المذكورة":
قلْنا: المرادُ: اتحادُهُما بالنَّوْعِ والحقيقة، لا بالشخص، وجميعُ ما مَيَّز به أمورٌ عرضيَّةٌ معتبرةٌ في التشخيصِ.
وعن الثالث: أنَّ إثباتَ الصفَةِ بالقِيَاسِ نوْعٌ منَ الحكم.
وقولهم: "فيستغني عن تفصيل الجَامِعِ":
قلنا: الحقُّ أنَّه مستغنى عَنْه، وإنما ذَكَرهُ القاضِي ﵀ لِوَجْهَينِ:
الأَوَّل: للتفهيمِ لا للتَّتْميمِ؛ وذلك شأْنُ مَنْ يريد الإفادة والتعليم.
الثاني: أنَّ في ذلك إشارة إلى أمورٍ وقَعَ الخلافُ فيها بَينَ القائِسِينَ؛ فَنَبَّهَ على مَذهبه فيها وما هو الحقُّ فِيهَا؛ مِنْ ذلك التعليل بالأحكامِ الشرعيَّةِ؛ فأشار إِلى أنَّه يصحُّ، ومِنْ ذلك التعليلُ بالعَدَم؛ فأشار إلى أنه يصحُّ الجمْعُ به، وإِنِ امتنعَ الجَمْع به في قياسِ المعْنَى، فلا يمتنعُ في قيَاسِ الدَّلالةِ؛ فإنَّ القياس جنْسٌ يتنوَّع إلى: قياسِ عِلَّةٍ، وقياسِ دَلالةٍ؛ فإنه لا يخلُو: إما أن يَجْمَعَ القائِسُ بعَين العلَّة أو بلازِمِها، والأوَّل: قياسُ العلَّة، والثاني: قياسُ الدلالة.
ثم قياسُ العلَّة ينقسمُ إِلَى: قياسِ المَعْنَى والإِخَالةِ، وإلى القياسِ في معنَى الأَصْلِ، وإلى قياسِ الشَّبَهِ، وعند بعضِهِمْ قياسُ السَّبْر والطَّرْدِ؛ على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وعن الرَّابعِ: أنَّه الثابتُ عَلَى أحَدِ الوُجوه المذكُورةِ، وأَحَدُ الوجوهِ المذكَورة بما هو أحد الوجوه أمر واحدٌ، وأن المذكور رَسْمٌ، وكونُ الشَّيءِ ملزومًا لأَحَدِ الشيئَينِ أو الأَشيَاءِ خاصَّةً يصحُّ التمييزُ بها.
وعن الخامِسِ: أنَّ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، فهو عنده لَا يَحْتَاجُ إلى مَزِيدٍ، وإن اعتقَدَ أنَّ المصيب واحدٌ، فلا بُدَّ أن يزيد فيه "فِي ظَنِّ المُجْتَهِدِ".
وأمَّا ما ذكره المصنف في الحَدِّ، وهو: "إثباتُ حُكمِ صورةٍ في صُورَةٍ أُخرَى؛ لاشتراكهما في علَّةِ الحُكم عنْدَ المُثبِتِ"، أو قَوْلُ من قال: "إِنه إثباتُ مِثْلِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ في معلومٍ آخَرَ؛ لاشتباهِهِمَا في علَّةِ الحُكْمِ عند المُثْبِتِ" وَإِنِ احْتَرَزَ عن الأسئلة الواردة عَلَى القاضِي، إلا أنه يحتاج في تعميمه في النفْيِ إلى غَايَةٍ في حمل الإِثباتِ على الحُصُولِ الذِّهْنِيِّ، مع أنه قاصِرٌ لا
стр. 555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يَدْخُلُ فيه قياسُ الدَّلالة إذا عَيَّنا الجامِعَ بالعلَّة.
وأَوْرَدُوا علَيهِ: أَنَّه يُشكلُ بقياسِ العَكْس والتلَازُمِ والاقترانِ، والجميعُ غير وارد:
أما قياسُ العَكسِ، فلا بُدَّ من فهمه أوَّلًا، فَاعْلَمْ أنَّ القياسَ ينقسِمُ إلى قيَاس طَرْدٍ، وقياسِ عَكْسٍ:
فقياسُ الطَّرْدِ: أن يُعَيَّنَ القائِسُ علَّيَّةَ الأَصْل المجمَع علَيه، ويُحَقِّقَ علَّتَهَا بطريقٍ ما، ثم يَطرُدَهَا في الفَرْعِ المتنازَعِ فيه؛ كقولِهِ: الشِّدَّةُ المُطْرِيَةُ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ، وقَدْ تَحَقَّقَتْ فِي النَّبيذِ، فَيَحْرُمُ.
وقياسُ العَكْسِ: أن يحقِّق علَّةَ الخَصْمِ أَوَّلًا في الفرعِ على زَعْمِهِ، ثم يحقِّقها في صُورَةِ إِجْماعٍ مع تخلُّف الحُكمِ عنها بِالاتِّفاق؛ فينعكسُ الأَمْرُ في جَعْلِ محلِّ الإِجماعِ فَرْعًا للعلَّة، ومَحَلِّ النزاعِ أَصْلًا؛ فيسمَّى قياسَ العَكسِ لذلك، وهو بالحقيقةِ راجِعٌ إلى إِبْطَالِ مَأخَذِ الخَصْمِ بتعيين علَّتها ونَقْضِها.
مثالُ ذلك: قولُنَا في الخَارجِ من غَير السَّبِيلَينِ: إنه لا يَنْقُضُ الوضُوءَ مع تَسْلِيمِ الحَنَفِيِّ أنَّ قليلَهُ لا ينقُضُ الوضُوءَ، وتعليله النَّقْضَ بأنَّه خارجٌ نجسٌ؛ فحينئذ يقولُ: لو نَقَضَ كثير الخارج النجس من غير السبيلَينِ، لَنَقَضَ قليلُهُ، كالخارجِ من السبيلَينِ؛ ولا ينقض قليلهُ بالإِجماعِ؛ فلا ينقض كثيره، والحُكم في هذا النَّظمِ في الأَصْلِ في مسألة الخارج من السبيلَينِ بثبوتِ النقْضِ، وفي الفرع وهو الخارج من غير السبيلين عَدَمُ النقض؛ فمِق ها هنا كان إبطالًا لعكسِ الحَدِّ.
وجوابُه: أن هذا النظْمَ يرجِعُ إلى الشَّرْطِ المتصلِ، وقياسُ الطَّرْدِ فيه مستعملٌ لتحقيقِ القضيَّةِ الشرطيَّةِ، ثم استثْنى فيه نفْي الأَوَّلِ لنفْيِ الثاني، وهو عينُ عكسِ النقيضِ، فيجوزُ أن يكونَ
стр. 556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سُمِّيَ قياس العَكْسِ كذلك أيضًا، والشرطيَّانِ معًا؛ أعْني: المتَّصِلَ -كما ذَكَرَ- والمُنْفَصِلَ؛ كقولنا: لَو انْعقَدَ بيعُ الغائِبِ: فإمَّا أن ينعقِدَ جائزًا أو لازِمًا؛ والقسمَانِ باطلانِ.
والحَمْلِيُّ: كقولنا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ حرامٌ، وإن كانت أدِلَّةَ، فليستْ من أنواعِ القياسِ في اصطلاح الفقهاءِ، وإنما يسمُّونها "استدلالًا"، ويخصُّون اسمَ القياسِ بِالاستدلالِ على الجزء بالجزء، وهو التمثيلُ عنْد المنطقيِّين، والمنطقيُّون يخصُّون اسمَ "القياسِ" بالاستدلال بالكُلِّي على الجزئي، ويسمُّون عكسَ هذا، وهو الاستدلالُ بالجزئِيِّ على الكلِّي - "الاستقراء"، والشرطيُّ عندهم في تقدير الحَمْلِيِّ؛ فالشرطيَّةُ هي الكبرى، والاستثنائيَّةُ الصغرَى؛ فإنك إذا قلْتَ: إن كُلَّ مَنْ صلاته صحيحةٌ، فهو متطهِّر، لكنْ صلاتُهُ صحيحةٌ - ينتج: فهو متطهِّرٌ - كان تقديره: هذا صلاتُهُ صحيحةٌ، وَكُلُّ مَنْ صحَّتْ صلاتُهُ، فهو متطهِّر ينتج: هذا متطهر.
وإذا لم تكُنْ هذه الأنواعُ من الأدلَّة قياسًا في اصطلاحِ الفقهاءِ، فلا يضرُّهم خروجُها من حَدِّهم، بل يجبُ الاحترازُ في الحد عنها؛ فلا إِشكَال في المعنى، وإنما ذلك مغالطةً بلفظ مشتَركٍ وُضِعَ باصطلاحَين، واصطلاحُ الفقهاءِ على إطلاقِ القياسِ على التمثيلِ فقَط - أقربُ إلى اللغَةِ؛ لتحقُّقِ المساواة فيه وظهورِها، وإطلاقُ المَنْطِقِيِّينَ له على الحمليِّ، وما في معناه من
стр. 557
اعْلَمْ: أَنَّ حَاصِلَ الْكَلَامِ في الْقِيَاسِ: أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ: أَنَّ الْحُكمَ في مَحَلِّ الْوفَاقِ مُعَلَّلٌ بِالصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ، ثُمَّ عَلِمْنَا أوْ ظَنَنَّا: حُصولَ تِلْكَ الصِّفَةِ في صُورَة أُخرَى، فَيَغلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْحُكْمَ في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يُسَاوي الحُكْمَ في الصُّورَةِ الأُولَى -: فَهذَا الظَّنِّ إِذَا حَصَلَ لِلمُجْتَهِدِ، فَهَل يَجُوزُ العَمَلُ بِهِ؟ وَهَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفتِيَ بِهِ غَيرهُ أَو لَا؟
فَهذَا هُوَ المُرَادُ بِقَوْلنَا: الْقِيَاسُ حُجَّةٌ أَوْ لَا؟ وَعِندَ هَذَا: يَظهَرُ أَن الْحُكْمَ أَصْلٌ في الأَصْلِ، وَفَرْعٌ في الفَرعِ، وَأَن الْعِلَّةَ فَرْعٌ في الأَصْلِ، وَأَصْل في الفَرعِ؛ لأَنَّا نَعْرِفُ الْحُكْمَ أَوَّلًا في مَحَلِّ الْوفَاقِ، ثُمَّ نُفَرِّعُ عَلَيهِ مَعْرِفَةَ العِلَّةِ، ثُمَّ إِنَّا نُثْبِتُ الْعِلَّةَ في مَحَلِّ النَّزَاع، ثُمَّ نُفَرِّعُ عَلَيهِ الْحُكمَ.
===
الشرطَيَّينِ، وتخصيصُ اسْم القياسِ بذلك باعتبارِ أنَّ أعتقادَ النتيجةِ مساوٍ لاعتقادِ المقدِّمَات - بعيدٌ؛ فإنه يلزمُ علَيه تسميةُ كُلِّ دليل قياسًا، وإنْ كان نَصًّا أَوْ إِجماعًا كذلك.
قولُهُ: "وَاعْلمْ أنَّ حاصِلَ الكلامِ في القياسِ أنَّه إذا غَلَبَ على الظَّنِّ أنَّ الْحُكْمَ في محلِّ الوفاقِ معلَّلٌ بالصفة الفلانيَّة، ثم عَلِمْنا أو ظَنَنَّا أن تلك الصفةَ في صورة أُخرَى، فَغَلَبَ على ظنِّنا أن حُكمَ اللهِ - تعالى - في الصورة الثانيَةِ مُسَاوٍ للحُكم في الصُّورة الأولَى -: فهذا الظَّنِّ إذَا حصَلَ للمجتَهِدِ، فهلْ يَجُوز له العَمَلُ به، وهل يجوزُ له أَنَّ يُفْتِيَ به ... " إلى قوله: "وعند هذا نقولُ: إِنَّ الحُكْمَ أصْلٌ في الأَصْلِ، فَرعٌ في الفَرْعِ؛ وَإِنَّ العلَّةَ فَرعٌ في الأَصْلِ، أصْلٌ في الفَرْعِ":
اعْلَمْ أَن أركَانَ القياسِ أربعة:
الأصْلُ: وهو اسْمٌ للصورةِ المقِيسِ عليها، المَنْطُوقِ بِحُكمِهَا أو الْمُجْمَعِ عليه.
وَالفَرْعُ: وهو اسْمٌ لصورةِ المَسْكُوتِ عنْهُ المُلْحَقِ بالمنقولِ، أو المُجْمَعِ عليه، ومن فَسَّره بمَحَلِّ النِّزَاعِ، فمرادُهُ بَينَ المُتَنَاظِرَينِ.
وَالجَامِعُ: وهو العلَّة أو لازمُها.
وَالْحُكمُ: وقد عرفتَه. هذا المشهورُ عندَ الفقهاءِ.
وقال المتكلِّمون: الأَصْلُ هو: النَّصُّ الدَّال على الحُكمِ في مَحَلِّ الوفاقِ.
وقال الفَخر: الأصْلُ: هو الحُكم الثابِتُ في مَحَلِّ الوفاقِ، أو علَّة ذلك الحُكم، قال: والحُكمُ أصْلٌ في مَحَلِّ الوفاقِ؛ يعني: لأنه مع المناسَبَةِ دليلُ العِلِّيَّةِ، وفرعٌ في مَحَلِّ النزَاع؛ لأنَّه الأَثَرُ، والعلَّةُ فَرعٌ في الأَصْلِ - لِمَا ذُكِرَ- أَصْل في الفرع؛ لأنها المعرِّفَةُ للحُكمِ فيه، والخلافُ فيه، والبَحْثُ لفظيٌّ.
والمَشهُورُ عندَ الفقَهَاءِ: أن الأَصْل عبارةٌ عن الصُّورَةِ المَقِيسِ عَلَيها على مقابَلَةِ الفَرْعِ، وإذا كان الأَصْلُ في اللُّغَةِ عبارةً عَمَّا ينبني عَلَيهِ غيرُهُ، أو مَا يَسْتَغْنِي عن غيره - فإطلاقُهُ على ما اصطَلَحَ عليه الفقهاءُ واضحٌ؛ ولا مُشَاحَّةَ في التَّسْمِيَةِ.
стр. 558
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ بِحُجَجٍ:
===
قولُهُ: "الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ في القِيَاسِ:
إِذا فَهِمْتَ معنى القِيَاسِ وَحَدَّهُ وتمثيلَهُ وانقسامَهُ إلى عقليٍّ وشرعيٍّ - فقد اختلَفَ الناسُ فيهما: فأنكرهما الحَشويَّةُ، وأَثْبَتَهما الجماهيرُ، وردَّتِ الحنابلةُ قياس العَقلِ دون الشَّرْعِ، وَردَّ النَّظَّامُ مُعْظَم قياسِ الشَّرْعِ دون العَقلِ، ورَدَّ الإمامُ في "البُرهَانِ" قياسَ الغائِبِ على الشَّاهِدِ بالجَوَامِعِ الأربعةِ؛ أعني: العِلَّة، والدَّلِيلَ، والشَّرْطَ، والحَقِيقَةَ.
وقال: الدَّلِيلُ المذكورُ لا يَخلُو: إِما أن يتحقَّق في الغائِبِ حيثُ تَحَقّيقُهُ في الشاهدِ أَو لَا: فإن لم يتحقَّق، فلا دَلالةَ، وإن تحقَّق، فلا حاجة إلى الشَّاهِدِ.
ورُدَّ عليه: بأنه مِنَ الشاهِدِ يعرف كونه دليلًا فيطرد في الغالب فلا يستغنى عن المشاهد فإنه لا معْنَى للدَّليل إِلا وجودُ مستَلزِمٍ للحُكمِ؛ فلا بُدَّ من بيان اسْتلزامِه للحُكم؛ ومعرفةُ ذلِكَ من الشاهد، وهي المقدِّمة الكُبرَى، ولا بد من بيانِ وجُودِهِ في المَحْكُومِ عليه؛ أَغنِي: تحقُّقَهُ في الغائِبِ، وهو المقدِّمةُ الصُّغرَى.
واسْتَضعَفَ الفَخرُ قياسَ العَقلِ بأنَّ إِسقاطَ تعيُّنِ الأَصْلِ عن التَّأثِيرِ، وتعيُّنِ الفَرْع عن المانعيَّة - عَسِيرٌ، قال: والمُشكِلُ فيه تحقيقُ أن الحُكمَ في الأَصْلِ باعتبارِ المشتَرَكِ، والقَطعَ بهِ عَسِيرٌ، والدَّوَرَانُ -وإن اعْتَمَدَ عليه المعتزلةُ- فلا يفيدُ إلا الظَّنَّ، والمقصود بالبَحْث هَهُنَا هو الشرعيُّ، وأصولُ المذاهِب فيه ثلاثة:
الأوَّلُ: أنَّه يمتنعُ التعبُّد به عَقْلًا، والقائلون بذلك اختلفوا:
فمنهم: مَنْ خصَّ ذلك شرعيًّا، وهو النَّظَّامُ، وساعَدَنَا على العَمَلِ بالقطعيِّ منه، والمنصوصِ على علَّته.
ومنهم: مَنْ لم يَخُصَّهُ، وهو بَعْضُ المعتَزِلَةِ والخَوَارج والرافضَةِ إلا الزَّيدِيَّةَ.
ثم اختلف المانعُونَ في مأخذ المَنْع:
فمنهم: مَنْ رَدَّهُ؛ لأنه لا يفيدُ عِلْمًا ولا ظَنًّا في زَعْمه.
ومنهم: من سلَّم إفادته لِلظَّنِّ، وزَعَمَ أن التعبُّد بِهِ توريطٌ في الجهالات.
ومنهم مَنْ قال: الظَّنُّ قبيحٌ؛ لأنه ضِدُّ العلْمِ المحكوم بحُسْنِهِ، والقبيحُ لا يُؤمَرُ به؛ ومِنَ القائِلِينَ بذلكَ أَبُو هَاشِم، وقد قال: أَوَّلُ واجِب الشكُّ، والشَّكُّ في الله كُفرٌ، وهو قبيحٌ لعَينه، والغفلةُ والغَشيةُ مِن أضَداد العلْم، وقد سلّم أنَّهما من أفعال الله تعالى، ومن أصْلِهِ أن الله - تعالى - لا يَفْعَلُ ما يقضي العَقلُ بقُبْحِهِ، وقد ساعَدَ أَيضًا على العَمَلِ بما نَصَّ عليه الشارعُ من تشْبِيهٍ وتمثيل؛ كقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ الْنَّعَمِ﴾ [المائدة ٩٥].
المذهب الثاني: أَنَّه لا يمتنعُ التعبُّد به عَقْلًا، لكن لا يجوزُ العَمَلُ به شَرْعًا، والقائلون بهذا
стр. 559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أهْلُ الظاهر كَابْنِ دَاوُدَ والقَاشاني والنَّهْرَوَانيِّ، ثم اختَلَفُوا في مَأْخَذِ ذلك:
فمنهم: مَن زَعَمَ أنَّه لا دليلَ علَى التعبُّد به؛ فينتفي.
ومنهم: مَنْ نَفَاهُ لوجودِ النافي له من الكِتَاب والسُّنَّة والإِجماعِ على زعمه؛ وسَاعَدَنا بَعضُهُم على العَمَلِ بالقياسِ في معنى الأَصْل قَطعًا؛ كإِلحَاق الأَمَة بالعبد في سراية العِتْقِ. وقياسِ الأولى؛ كقياسِ العَمْيَاءِ على العَوْرَاءِ في مَنْعِ التَّضْحِيَةِ بها - وعلى كُلِّ قياسِ دلَّ النصُّ أو الظاهرُ أو الإيماءُ على التعليلِ فيه وكُلِّ ما يمكنُ التَّنْصِيصُ عليه؛ كَقِيَمِ المُتلَفَاتِ، وأُرُوشِ الجنَايَاتِ، وتَقدِيرِ النَّفَقَاتِ.
وكان الحَامل لهم عَلَى تَسْلِيم الأَوَّلِ والثانِي القَطْعَ، أو أنَّه لَيس بقياسٍ، وعلى الثالث: أنَّ النصَّ على التعليلِ نصَّ على التعميمِ؛ بِنَاءً علَى أنَّ العلَّة الشرعيَّةَ لا تَقْبَلُ التخصيصَ، فمتَى نَصَّ الشارعُ علَى علَّةٍ، فلازمُ علَّتها ثُبُوتُ الحُكم بها أينَمَا وُجِدَتْ، وعلى الرابع الضَّرُورَةَ؛ لتعذُّر التنصيصِ عَلَيهِ على الإفْرَادِ.
المذهَبُ الثالِثُ: أَنَّهُ جائزٌ عَقلًا وشَرْعًا، ويجبُ التعبُّد به شرعًا، وهو مَذهَبُ أكثَرِ الفقَهَاءِ والمتكلِّمين على الجملةِ، وإِنِ اخْتَلَفُوا في تفاصِيلَ:
منْهَا: أن القَفَّال وأبا الحُسَينِ يزعُمَانِ أن دَلَالةَ العقلِ علَيهِ أيضًا.
ومنْها: أنَّ أبا الحُسَين يزعُمُ أن دَلَالةَ السَّمْع عَلَيه ظنِّيَّة، والحقُّ أن بعْضَ ما تمسَّكوا به كذلك.
ومنها: قَوْلُ بعضِهم: "إِنه لا يجري في الأَسْبَاب والمَوانِعِ والشُّرُوطِ".
ومنها: قولُ بعْضِ القَدَريَّة: "لا يَجْرِي إِلا في المَنْهِيَّاتِ دُونَ المَأْمُورَاتِ".
ومنها: قولُ الحنفيَّة: "إِنه لا يَجْرِي في الحُدُودِ والكَفَّارات والمُقَدَّرَات، ولا في الرُّخَصِ".
والمختار: أنَّه حجةٌ شرعيَّة، أينَما تحقَّق ما لا يَمْنَعُ منه مانِعٌ من مصادَمَةِ نصٍّ أوْ إِجْماعٍ أو قياسٍ أَرْجَحَ مِنْهُ.
стр. 560
الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحَشرُ: ٢]:
وَالاعْتِبَارُ مَأخُوذٌ مِنَ الْعُبُورِ وَالْمُجَاوَزَةِ؛ وَلِذلِكَ سُمِّيَتِ الدَّمْعَةُ "عَبْرَةً"؛ لانْتِقَالِهَا مِنَ الْعَينِ إِلَى الخَدِّ، وَسُمِّيَتِ السَّفِينَةُ: "مَعْبَرًا"؛ لأَنَّهُ يَحْصُلُ الانْتِقَال [بِهَا]، وَسُمِّيَ تَأْويلُ الْمَنَامِ: "تَعْبيرًا"؛ لأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِن ذَلِكَ المُتَخَيَّلِ فِي النَّوْمِ إِلَى مَعْنَاهُ، وَسُمِّيَ الاعْتِبَارُ: "اعْتِبَارًا"؛ لأَنَّ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ فِيهِ مِنْ حَالِ غَيرِهِ إِلَى حَالِ نَفْسِهِ.
===
قولُهُ: "وقد تَمَسَّكُوا بِحُجَج: الأُولَى: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر ٢] ... " إلى آخر التقدِيرِ:
حاصِلُهُ أنَّ القياسَ اعتبارٌ، وَالاعْتِبَارُ مَأمُورٌ؛ فالقياسَ مَأمُورٌ به.
أمَّا أَنَّ القياسَ اعتبارٌ؛ فلأنَّهُ مجاوَزَةٌ على الأَصْلِ إلى الفَرْعِ، والمجاوزةُ اعتبارٌ بدَلالةِ الاستعمالِ؛ مِن ذلك تسميةُ الدمْعَةِ عَبرَة؛ لانتقالها من العَينِ إلى الخَدِّ، وتسميةُ السَّفينَةِ مَعْبَرًا؛ لحصول الانتقالِ بها، وتسميةُ تأويلِ الرؤيَا تَعْبيرًا؛ لأنه انتقال من الصورة التخيُّليَّة إلى ما يطابِقُها ويشَابِهُها من الأُمُور الخارجَةِ، وسُمِّيَ الاتعاظُ اعتبارًا؛ لأنه انتقالٌ من حالِ غيره إلى حالِ نَفْسِهِ، والقياسُ كذلك؛ فيندرج تحْتَ مسمَّى الاعتبار.
وأمَّا أنَّ الاعتبارَ مأمورٌ به؛ فلقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر ٢]، وظاهِرُ الأَمْر الوجوبُ، ولم يُورِدِ الفَخرُ على هذا المَسْلَكِ ها هنا سِوَى اعْتِراضٍ واحِدٍ، ولم يُجِبْ عنه، ونحنُ نُورِدُ ما ذُكِرَ من الأسْئِلَةِ متضمِّنَة لما ذَكَرَهُ، ونجيبُ عنها، إن شاء الله تعالى:
الأول: قوله: "الاعتبارُ حقيقةٌ في المجاوَزَةِ" - ممنوعٌ، بل هو حقيقةٌ في الاتِعاظِ، وما ذَكَرُوا من الاستعمالِ مُعَارَضٌ بمثله؛ كقولهم: "السَّعِيدُ مَنِ اعْتَبَر بغَيرِهِ"، والأَصْلُ في الإطلاق الحقيقةُ.
الثاني: سلَّمنا أنَّه حقيقةٌ في المُجَاوَزَةِ، لكنْ لا يمكن حملُهُ في الآية على القيَاسِ بِدَلالةِ السِّيَاقِ؛ فإنه لَوْ صَرَّح به، فقال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢] فَقِيسُوا الذُّرَةَ عَلَى البُرِّ" - لَم يَحْسُنْ، ولم ينتظم.
سَلَّمنا صحَّةَ حَمْلِ الآية على المجاوَزَةِ، لكنَّ المجاوزة قدْرٌ مشتَرَكْ بين القيَاس وسائِرِ الأدلَّة، عقليَّةً كانَت أو نقليَّةً، فإنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بشَيءٍ على شيءٍ، فقد انْتَقَلَ من الدَّلِيلِ إلى المدْلُولِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةٌ﴾ [المؤمنون ٢١]، وقد تقدَّم أنَّ الأَمْرَ بالماهيَّة الكُلِّيَّةِ لا يكُونُ أمْرًا بشيءٍ من جزئيَّاتها، وهذا معنى سؤالِهِ المَذْكُور في الكتَاب.
قوله: "لا يقال: ذلك المفهومُ الكُلِّي لا يُمكِنُ إِدخالُهُ في الوجُودِ إلا بواسِطَةِ إِدْخَالِ أَحَدِ أَنْوَاعِهِ؛ فيكونُ واجبًا، ولا أولويَّةَ لبعضها دُونَ بعض؛ فيجبُ الجميعُ؛ لأنَّا نقولُ: لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الأولويَّة، بَل ها هنا أمْرٌ لا بُدَّ من إِيجابه، وهو الاعتبارُ بما أَشَارَ إِلَيهِ بقَوْلِهِ تعالى: ﴿يُخْربُونَ بُيُوتَهُم﴾ [الحشر ٢]، فإِنَّه لا بُدَّ من الاعتبارِ بهذه الصُّورة، وإذا صُرِفَ إليه، كفَى في الخُرُوجِ عن عُهْدَةِ
стр. 561
فَثَبَتَ: أَنَّ الاعْتِبَارَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعُبُورِ، وَالْقِيَاسُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الْعُبُورِ؛ لأَنَّ الرَّجُلَ يَعْبُرُ مِن مَعْرِفَةِ حُكمِ الأَصْلِ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكمِ الفَرعِ؛
فَثَبَتَ: أَنَّ الْقِيَاسَ دَاخِلٌ تَحْتَ حُكمِ الاعْتِبَارِ؛ فَكَانَ الأَمْرُ بِالاعْتِبَارِ أَمرًا بِالْقِيَاسِ.
ولِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ مَنِ اسْتَدَل بِشَيءٍ عَلَى شَيءٍ، فَقَدِ انْتَقَلَ مِنَ الدَّلِيلِ إِلَى المَدْلُولِ؛ فَكَانَ مَعْنَى الاعْتِبَارِ حَاصِلًا فِيهِ.
إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ قَد يَكُونُ عَقْلِيًّا، وَقَذ يَكُونُ نَقْلِيًّا قَطعِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ [نَقْلِيًّا] ظَنِّيًّا مِن بَابِ التَّمَسُّكِ بِأَخْبَارِ الآحَادِ وَالْعُمُومَاتِ الْمَظنُونَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّمَسْكِ بِاسْتِصْحَابِ الحَالِ، وَقَذ يَكُونُ مِن بَابِ التَّمسُّكِ بِالْقِيَاسِ، وَالاعْتِبَارُ هُوَ الْمَفْهُومُ الْمُشتَرَكُ بَينَ الكُلِّ، وَمَا بِهِ الْمُشَارَكَةُ غَيرُ مَا بِهِ الْمُخَالفَةُ، وَغَيرُ مُستَلْزِمِ لِشَيءٍ مِنْهَا،
===
الأَمْرِ، فلم يَبْقَ له دَلالةٌ على الْقِيَاسِ.
سَلَّمنا دَلَالتَهُ على القِيَاسِ، لكنه مُطلَقٌ، والمطلَقُ تتأتى دلالتهُ بصورةٍ، ونحن نقولُ به؛ فإنا نحملُهُ على القِيَاسِ المقْطُوع به، أو قياسِ الأَوْلَى، أو المَنْصُوصِ على عِلَّتِه، أو عَلَى ما يتعذَّر التنصيصُ علَيهِ.
سلَّمنا دلالتَهُ على جميعِ الأقْيِسَةِ، لكنَّها دَلَالةٌ ظَنِّيَّةٌ، والمسألةُ عِلْمِيَّةٌ؛ لأنه بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ؛ فيكون أَصْلًا في الشريعة تستَنِدُ إليه كثيرٌ من الأَحْكَام، ومثله لا يثبت بالظَّنِّ.
والجوابُ عن الأَوَّل: أَنَّا قد دلَّلْنَا على استعمالِهِ بمعنَى المجاوَزَةِ، وبيَّنَا أنَّه قَدْرٌ مُشْتَرَك في جميعِ صُوَرِ الإِطلاقِ من الاتعاظِ والدَّلالة وغَيرِهِمَا؛ فيتعيَّن أن يكُونَ حقيقةٌ فيه؛ دَفْعًا لِلاشتِراكِ والمَجَازِ.
قولُهُمْ: "السِّيَاقُ مانِعٌ من حَمْلِهِ على القياسِ":
قلْنَا: نحنُ لا ندَّعِي تناولَهُ لصُوَرِ القياسِ بخصوصيَّاتها، وَإِنما ندَّعِي أنَّه أَمْرٌ بالقَدْرِ المُشْتَرَكِ بين القياساتِ كلِّها، والاتِّعاظُ إِنَّما يتحقَّق بالقياسِ، وهو: أنَّكم إذا فَعَلْتُم فِعْلَهُمْ لم تأمَنُوا أن يَنْزِلَ بكم ما نَزَلَ بهم.
قوله: "الأَمْرُ بالماهيَّةِ الكُلِّيَّةِ لا يكُونُ أمْرًا بشيءٍ مِن جزئياتها":
قلنا: نُسَلِّمُ أنَّه لا يَسْتَلْزِمه بعَينه، لكنْ يَعُمُّها بقَدْرٍ مشتَرَكٍ، ولأنه إن لم يَدُلُّ عليه حقيقة لا يمتنع إرادَتُهُ إذا دَلَّ عليه دليلٌ، وقد دَلَّ عليه دليلٌ؛ وهو صحَّةُ استثناءِ أَيِّ فَرْدِ كان من الاعتبارِ منْهُ، والاستثناءُ حقيقةٌ في إِخراج الدَّاخِلِ، والسؤالُ قَويٌّ.
قوله: "نحملُهُ على العَمَلِ بَالأَقْيِسَةِ المتَّفَقِ عَلَيهَا":
قلنا: تخصيصٌ، وَتَقييدٌ بغَير دليلٍ.
قوله: "الدَّلَالةُ ظَنِّيَّةٌ":
стр. 562
وَالاعْتِبَارُ مُغَايِرٌ لِهذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ، وَغَيرُ مُسْتَلْزِمٍ لِشَيءٍ مِنهَا؛ فَالأَمْرُ بِالاعْتِبَارِ لَا يَكُونُ أمرًا - أَلْبَتَّةَ - بالاعْتِبَارِ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ الْقِيَاسُ.
وَلَا يُقَالُ: ذلِكَ الْمَفهُومُ الْمُشْتَرَكُ لَا يُمْكِنُ إِدْخَالُهُ في الْوُجُودِ إلا بِوَاسِطَةِ إِدْخَالِ أَحَدِ أَنْوَاعِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ؛ فَكَانَ إِدْخَالُ أَحَدِ أَنْوَاعِهِ في الْوُجُودِ وَاجِبًا، ثُمَّ لَيسَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ البَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْبَاقِي؛ فَوَجَب حَمْلُهُ عَلَى إِيجَابِ الكُلِّ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ:
لأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى إِيجَابِ نَوعٍ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَاجِبٌ - فَنَقُولُ: ههُنَا نَوعٌ وَاحِدٌ لَا بُدَّ مِنْ إِيجَابِهِ؛ لأَنَّهُ تَعَالى قَال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]؛ فَهذِهِ الآيَةُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ الاعْتِبَارِ في تِلكَ الصُّورَةِ؛ فَكَانَ صَرْفُ الآيَةِ إِلَى هذَا النَّوْعِ وَاجِبًا، وَإِذَا صَرَفْنَاهُ إِلَيهِ يَكْفِي ذلِكَ في الْخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ بِالأَمْرِ بِالاعْتِبَارِ؛ فَلَمْ يَبقَ فِيهَا - أَلْبَتَّةَ - دَلَالة عَلَى إِيجَابِ القِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
===
قُلْنَا: مَنْ رَأَى أنَّ المسألةَ ظَنِّيَّة، اكْتَفَى به، ومَنْ زَعَمَ أنَّها عِلمِيَّةٌ، يقولُ: الآيَةُ مقطُوعٌ بنقلها، ويمنع مِن صَرفها عَن ظاهِرِهَا مُضَافَرَتُها لِلنُّصُوصِ الدالَّة على العَمَلِ بالقياس؛ كقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَينَ الْنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وقوله ﵇: "إِنَّنِي لأَقْضِي بَينَكُمْ بِالرَّأي فِيمَا لَمْ يَنْزِل فِيهِ وَحْيٌ".
وقال: وأمره ﵇ سَعْدَ بنَ معاذٍ أن يَحْكُمَ في بني قُرَيظَةَ برأْيه، وَأَنْزَلَهُمْ على حُكمه. وقَال: "إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطَأ فَلَهُ أَجْرٌ"، والأحاديثُ التي يأتي ذكرُهَا وتَقْرِيرُهَا بما أقَرَّتْ به النصوصُ الدالَّةُ على أن الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، وهو بعيدٌ ها هنا؛ فإِن النصوصَ ثمَّ كثيرة،
стр. 563
الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: مَا رُويَ في قِصَّةِ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: "أَجْتَهِدُ رَأيِي"؛ فَصَوَّبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
===
وهي قليلةٌ ها هنا، وأكثرها آحَادٌ.
قولُه: الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: مَا رُويَ في قِصَّةِ مُعَاذٍ -رَضِيَ الله عَتهُ- أَنَّهُ قَال: "أَجْتَهِدُ رَأيِي"؛ فَصَوَّبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
стр. 564
وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَطبَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أنَّ هذَا الْخَبَرَ مُرْسَلٌ، وَقَدْ دَلَّننَا عَلَى أَنَّ الْمَرَاسِيلَ لَيسَت بِحُجَّةٍ. ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ ذلِكَ عَلَى الاجْتِهَادِ في أُمُورٍ أُخْرَى سِوَى القِيَاسِ؟ ! :
===
ولقائِلٍ أن يَقُولَ: أَطبَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أنَّ هذَا الْخَبَرَ مُرْسَلٌ ... " إلى آخر المَسْلَكِ: وقد أورد عليه أسئلة:
стр. 565
فَالأَوَّلُ: الاجْتِهَادُ فِي تَرْكِيبِ النُّصُوصِ؛ مِثلُ قَوْلِنَا فِي الْمَبْتُوتَةِ: إِنَّها لَيسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَةً لَهُ، لَكَانَ إِذَا مَاتَتْ، وَجَبَ أَنْ يَرِثَ الرَّجُلُ مِنْهَا النِّصْفَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وَبالاتِّفَاقِ: لَا يَرِثُ الرَّجُلُ مِنْهَا؛ فَلَمْ يَكنِ الرَّجُلُ زَوْجَهَا، وَلَمْ تَكُنْ هِيَ زَوْجَةً لَهُ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَحصُلَ لَهَا الْمِيرَاث مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]؛ أَثبَتَ الرُّبُعَ لِلزَّوْجَةِ، فَصَرْفُ شَيءٍ مِنْهُ إِلَى غَيرِ الزَّوْجَةِ تَرْكٌ لِلنَّصِّ، وَمَعْلُومٌ: أَن مِثْلَ هذَا الاجْتِهَادِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَيكُونُ مَعْنَى: "أَجْتَهِدُ رَأْيِي"- فِي تَرْكِيبَاتِ النُّصُوصِ، وَفِي إِدْخَالِ الْخُصُوصِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ.
===
الأول: أنه اشْتَمَلَ على الخطإِ، وحديثُهُ ﵇ مَصُونٌ عنه:
أمَّا أنَّه اشْتَمَلَ على الخَطَإِ، فَمِنْ أَوْجُهٍ:
الأوَّل: قوله: "فإِنْ لم تَجِدْهُ في كتابِ الله تعالى" فإنه مناقِضٌ لقولِهِ تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
والثاني: اشتمالُهُ على تصويب الاجتهادِ في زمَنِ رسول الله ﷺ ، وإنه خطأ؛ علَى ما سيأتي في "بَابِ الاجتهادِ" إن شاء الله تعالى.
الثالثُ: اشتِمالُهُ علي سؤالِهِ عن أهليَّة القضاءِ بَعْد التَّولِيَةِ، وحقُّه أن يكُونَ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ.
الرابعُ: أنَّه قَيَّد العَمَلَ به بعَدَمِ وجْدَانِ الحُكْمِ في السُّنَّةِ، وقَيَّدَ العَمَلَ بالسُّنَّةِ بعَدَمِ وجْدَانِهِ في الكتَاب، والأَوَّلُ خلافُ مذهبكم، والثَّانِي خلافُ الإِجْمَاع الثاني من القبح: أنه نُقِلَ أنه ﷺ قال لَهُ: "اكْتُبْ إِلَيَّ، أَكتُبْ إِلَيكَ".
الثالث: ما ذكَرَهُ المصنِّف أنَّه مُرسَلٌ، وليس بحجَّةِ عند الشافعيِّ، ولأنه خَبَرُ واحدٍ فيما تَعُمُّ به البلْوَى، وليس بحجَّةٍ عند أَبي حنيفَةَ.
السؤالُ الثَّاني على أصْلِ الحُجَّة: القولُ بموجبه؛ فإِنا نَحْمِلُ قوله: "أَجْتَهِدُ رَأْيي" على الاجتهادِ في تركيبِ النصوصِ؛ كما ذَكر المصنَّف في المبتُوتَةِ أنها لا ترثُ؛ لأنَّها ليسَت بزوجةٍ؛ لأنها لو كَانَت زوجةً، لورثَهَا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ولا يرثُها؛ فليست بزوْجَةٍ؛ فلا ترثُهُ.
أو على الاجتهادِ في إدْخَالِ الخاصِّ تحت العامِّ؛ كَتَحْقِيقِ أن النَّبَّاشَ سارِق؛ ليندَرجَ تحْتَ عمومِ قولِهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
следующие страницы →