Полный текст (1 489 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
مرتقية من أدنى الأحياء إلى الأعلى فالأعلى، وأن الإنسان قد كان قمة تطورها.
٢ - وبقاء بعض الأنواع وانقراض بعضها يرجع إلى ظاهرة الصراع من أجل البقاء، فالبقاء يكون للنوع المكافح الأفضل، وأما النوع الخامل الذي لا يكافح من أجل البقاء فإنه يضمر، ثم يضمحل، ثم ينقرض. وهو ما يسمى بالانتقاء الطبيعي.
٣ - والعضو الذي يهمل إذ لا تبقى له وظيفة عمل في النوع الواحد، يضمر شيئًا فشيئًا، حتى يضمحل، ولا يبقى منه إلا أثر يدل عليه، وقد لا يبقى له أثر.
كانت هذه هي الداروينية في عالم الأحياء، ثم عممت حتى شملت الوجود المادي كله، من الغاز السديمي الأول ـ كما يسمونه ـ حتى المجرات فالكواكب، فالمواد الصالحة لظهور الحياة، فالنبات، فالحيوان، وأمسى التطور مذهبًا.
وقد أجرى الداروينيون تنقيحات وتعديلات في آراء داروين من بعده، وحشدوا لفكرة التطور الطبيعي في الأحياء أسانيد يرجع كلها إلى العناصر الثلاثة السابقة.
١ - تعتمد النظرية على أساس ما شوهد في زمن (داروين) من الحفريات الأرضية، فقد وجدوا: أن الطبقات القديمة تحتوي على كائنات أولية، وأن الطبقات التي تليها تحتوي على كائنات أرقى فأرقى. فقال (داروين): إن تلك الحيوانات الراقية قد جاءت نتيجة للنشوء والارتقاء من الحيوانات والكائنات الأولى.
стр. 737
ثم وجد الداروينية من هذه الحفريات ما يسمونه بإنسان بلتداون بجمجمة إنسان وفك قرد.
٢ - وتعتمد أيضًا على ما كان معروفاً في زمن (داروين) من تشابه جميع أجنة الحيوانات في أدوارها الأولى، فهو يوحي بأن أصل الكائنات واحد، كما أن الجنين واحد، وحدث التطور على الأرض كما يحدث في أرحام الكائنات الحية.
٣ - كما تعتمد النظرية على وجود الزائدات الدودية في الإنسان التي هي المساعد في هضم النباتات، وليس لها الآن عمل في الإنسان، مما يوحي بأنها أثر بقي من القرود لم يتطور، لأنها تقوم بدورها في حياة القرود الآن.
٤ - تأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض.
وقالوا في كيفية عملية التطور: أن هناك ثلاث وسائل في إكمال عملية التطور، وهي:
أ- الانتخاب الطبيعي: تقوم عوامل الفناء بإهلاك الكائنات الضعيفة الهزيلة، والإبقاء على الكائنات القوية، وذلك ما يسمى بزعمهم بقانون (البقاء للأصلح)، فيبقى الكائن القوي السليم الذي يورث صفاته القوية لذريته، وتتجمع الصفات القوية مع مرور الزمن مكونة صفة جديدة في الكائن، وذلك هو (النشوء) الذي يجعل الكائن يرتقي بتلك الصفات الناشئة إلى كائن أعلى، وهكذا يستمر التطور وذلك هو الارتقاء.
ب- الانتخاب الجنسي: وذلك بواسطة ميل الذكر والأنثى إلى التزوج بالأقوى والأصلح، فتورث بهذا صفات الأصلح، وتنعدم صفات الحيوان
стр. 738
الضعيف لعدم الميل إلى التزاوج بينه وبين غيره.
ج- كلما تكونت صفة جديدة ورثت في النسل.
هذا آخر ما تخيلوا من الشبه، والتي يتشبثون بها في محاولة الإنكار للخلق المباشر، ولننظر فيما يلي مدى واقعية هذه الفكرة، ومدى صحتها لدى العلماء الغربيين أيضًا، فضلاً عن كونها من الأساطير والخرافات لدى أصحاب المل الثلاث.
تفنيد الأساس الذي قامت عليه النظرية:
١ - أما استدلالهم بالحفريات:
فيقال: إن علم الحفريات لا يزال ناقصًا، فلا يدعي أحد أنه قد أكمل التنقيب في جميع طبقات الأرض وتحت الجبال والبحار فلم يجد شيئًا جديدًا ينقض المقررات السابقة.
وعلى فرض ثبات مقررات هذا العلم فإن وجود الكائنات الأولى البدائية أولاً، ثم الأرقى، ليس دليلاً على تطور الكائنات الأدنى، بل هو دليل على ترتيب وجود هذه الكائنات فقط عند ملاءمة البيئة لوجودها على أي صورة كان هذا الوجود، وإذا كانت الحفريات في زمن داروين تقول: إن أقدم عمر للإنسان هو ستمائة ألف سنة، فإن الاكتشافات الجديدة في علم الحفريات قد قدَّرت أن عمر الإنسان يصل إلى عشرة ملايين من السنين.
أليس هذا أكبر دليل على أن علم الحفريات متغير لا يبنى عليه دليل قطعي؟
стр. 739
وأنه قد ينكشف في الغد من الحقائق عكس ما كنا نأمل؟
يقول الدكتور (جمال الدين الفندي) أستاذ الفلك في كلية العلوم بجامعة القاهرة: إن من الأدلة التي تنفي نظرية داروين أن عمر الأرض كما قدره الفلكيون والطبيعيون لا يربو على ثلاثة بلايين سنة، بينما يقدر علماء الحياة أن المدة اللازمة لتطور الأحياء على الأرض إلى حين عصر الحياة القديمة تزيد على سبعة بلايين سنة، بمعنى أن عمر الأرض لابد أن يكون عشرة بلايين سنة؛ أي ضعف عمر الشمس.
ويقول أحد علماء الغرب في كتابه (الإنسان الأول): (من المؤسف أنه لا يوجد لدينا إلا وثائق غير تامة من الحفريات عن أصل قرد الإنسان، ولا نعلم في أي وقت ولا في أي مكان بدأ شكل الإنسان يختلف عن شكل القرد).
فالحفريات لا تعتبر دليلاً أبدًا، حتى إن الرأي الأخير من الحفريات هو يناقض تمامًا ما قالته الداروينية، وذلك لما وجدوا من الجماجم الإنسانية التي تدل على وجود هذا النوع من مدة سحيقة موغلة أكثر مما يثبته الداروينيون لعمر الإنسان.
وأما ما قيل من أنهم عثروا على إنسان بلتداون بجمجة إنسان وفك قرد، مما يدل على أن الإنسان تطور من القرد، وأن إنسان بلتداون صورة من صور الحلقات المفقودة في عملية التطور، فيقال في الرد عليهم:
إن التجارب الأخيرة على إنسان بلتداون أثبتت أنه ليس قديمًا كما
стр. 740
تصوروا، بل إن هناك من قام بإحداث عدة تغييرات في هذه الجثة للإيهام بأنها تعود إلى أزمان غائرة جدًا، وليس هذا فحسب، بل تبين أن الأسنان المغروسة في عظم الفلك بردت بمبردة للتمويه وللإيهام بأنها تآكلت على مر الزمن، وكانت علامات البرد ظاهرة لكل عين متفحصة، وأخيرًا أعلنت النتيجة في تشرين الثاني سنة ١٩٥٣ م، وكانت كما يلي:
(إن (إنسان بلتداون) ليس إلا قضية تزوير وخداع، تمت بمهارة من قبل أناس محترفين، فالجمجمة تعود إلى إنسان معاصر، وأما عظام الفك فهي لقرد أورنج بعمر عشر سنوات، والأسنان هي أسنان إنسان غرست بشكل اصطناعي وركبت على عظام الفلك، وظهر ذلك، إن العظام عوملت بمحلول ديكرومايت البوتاسيوم لإحداث آثار بقع للتمويه وإعطاء شكل تاريخي قديم لها).
٢ - وأما الاستدلال بتشابه أجنة الحيوانات:
فذلك خطأ كبير وقع فيه بعض العلماء نتيجة عدم تقدم الآلات المكبرة التبي تبين التفاصيل الدقيقة التي تختلف بها أجنة الحيوانات بعضها عن بعض في التكوين والتركيب والترتيب، إلى جانب التزييف الذي قام به واضع صور الأجنة المتشابهة العالم الألماني (أرنيست هيكل)، فإنه أعلن بعد انتقاد علماء الأجنة له: أنه اضطر إلى تكملة الشبه في نحو ثمانين في المائة من صور الأجنة لنقص الرسم المنقول.
ثم لما تقدمت الآلات المكبرة في العصر الحاضر بينت هذه الآلات تفاصيل دقيقة بين أجنة الحيوانات، وظهر أنه لا تشابه بين أجنة الحيوانات أبدًا، وأن أجنة
стр. 741
الإنسان تختلف عن أجنة القردة من عدة جوانب.
٣ - أما الاستدلال بوجود الزائدة الدودية على نظرية النشوء الذاتي:
فيقال: إن وجود الزائدة الدودية في الإنسان كعضو أثري للتطور القردي فليس دليلاً قاطعًا على تطور الإنسان من القرد، بل يكون سبب وجودها هو وراثتها من الإنسان الجد الذي كان اعتماده على النباتات، فخلقت لمساعدته في هضم تلك النباتات.
ثم القول بأن الزائدة الدودية ليست لها وظيفة خاليًا في جسم الإنسان قول غير صحيح، فإنه أثبت الطب حديثاً: أن الزائدة الدودية ذات وظيفة في جسم الإنسان، وهي جهاز لمفاوي مناعي في البطن كغيره من أجهزة المناعة في جسم الإنسان، لذلك تدعى باسم (لوزات البطن).
كما أن العلم قد يكشف لها حقيقة أخرى لا تزال غائبة عنا حتى اليوم، فالعلم كل يوم في ازدياد، وإذا كانت الخنوثة من صفات الكائنات الأولية الدنيا، والزوجية من خصائص الكائنات الراقية، فإن الثدي من أمارات الأنوثة، ونجد الفيل الذكر له ثدي كما للإنسان، في حين ذكور ذوات الحافر كالحصان والحمار لا ثدي لها إلا ما يشبه أمهاتها، فكيف بقي أثر الخنوثة في الإنسان، ولم يبق فيما هو أدنى منه؟ مع أن داروين يزعم أن الإنسان تطور مما هو أدنى منه.
стр. 742
٤ - أما الاستدلال بتأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض على إثبات نظرية التطور:
فيقال: إن تأخر ظهور بعض الأنواع الراقية عن أنواع سابقة لها في الوجود لا يقتضي أن السابق أب أو جد لما ظهر بعده، إذ الاحتمال الأقرب للتصور أن يكون مبدع النوع الأول قد أبدع بعده النوع الأرقى، ثم أبدع بعد ذلك الأرقى فالأرقى، ثم أبدع أخيرًا الإنسان.
وهذا ما نلاحظه في سلسلة المبتكرات والمخترعات، فاللاحق كثيرًا ما يكون وليد فكر المبدع ونتاج عمله، بالاستناد إلى ملاحظته للسابق، وليس ثمرة التطوير للسابق نفسه في واقع العمل، بحذف شيء منه وإضافة شيء إليه، فالعملية تكون عملية فكرية، ويأتي التطبيق الواقعي غالبًا بناءً جديدًا.
ومهما يكن من أمر، فالاحتمالان أمران متكافئان إمكانًا، بشرط ربط كل منهما بأنه مظهر لاختيار مدبر خالق حكيم عليم قدير خالق، فهو أمر مستحيل عقلاً، إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطة ثابتة، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود. وإحالة الأمر على المصادفة إحالة على أمر مستحيل علميًا ورياضيًا في عمليات الخلق الكبرى. كما سبق بيانه.
تفنيد شرح داروين لعملية التطور:
أما القول بالانتخاب الطبيعي: بأن هناك ناموسًا أو قانونًا يعمل على إفناء الكائنات الحية فلا يبقى إلا الأصلح الذي يورث صفاته لأبنائه فتتراكم
стр. 743
الصفات القوية حتى تكون حيوانًا جديدًا.
فيقال: حقاً هناك نظام وناموس وقانون يعمل على إهلاك الكائنات الحية جميعها قويها وضعيفها، لأن الله قدر الموت على كل حي، إلا أن نظامًا وناموسًا يعمل بمقابلة هذا النظام؛ ذلك هو قانون التكافل على الحياة بين البيئة والكائن، لأن الله قدر الحياة فهيأ أسبابها؛ فنجد الشمس والبحار والرياح والأمطار والنباتات والجاذبية كل هذه وغيرها تتعاون للإبقاء على حياة الإنسان وغيره من الحيوانات، فالنظر إلى عوامل الفناء وغض النظر عن عوامل البقاء يحدث خللاً في التفكير، فإذا كانت هناك سنة للهلاك فهناك سنة للحياة، ولكل دور في الحياة، وإذا كانت الظروف الطبيعية: من رياح ورعد وحرارة وماء وعواصف وغيرها قادرة على تشويه الخلق أو تدمير صنعة، كطمس عين أو تهديم بناء، فإنه من غير المعقول أن تقرر هذه الظروف الطبيعة الميتة الجامدة والبليدة أن تنشئ عينًا، لمن لا يملك عينًا أو تصلح بناء فيه نقص.
ولكن للأسف، إن التطوريين يقولون بمثل هذا القول. فالانتخاب الطبيعي معبود التطوريين المحروم من الشعور، هكذا وبهذه البساطة يعتقد داروين أنه استطاع أن يشرح كيفية تحول عضو من شكل إلى آخر، أما العلم المعاصر فإنه يرفض هذا الشرح وهذا التفسير، بل يعتبره مضحكًا، فكما يصعب على الإنسان الاعتقاد بأن سيارة تسير بالبنزين قد تحولت ـ نتيجة سلسلة حوادث المرور ـ إلى سيارة تعمل بالغاز السائل، وأنها في فترات من فترات التحول كانت
стр. 744
تسير بالبنزين والغاز معًا من باب الاحتياط! ! كذلك يصعب عليه تصديق كل هذه الحكايات حول خروج الأحياء من الماء إلى اليابسة.
إذ لا مبرر هناك للاعتقاد بأن كل هذه المزاعم صحيحة من دون تحقيق وتمحيص، حتى وإن قدمها البعض تحت لبوس العلم، لأن قليلاً من العلم وقليلاً من التفكير، يكفيان لرؤية كيف أن اللوحة التي تقدمها نظرية التطور في حاجة إلى عقل وشعور خارقين.
ويمثل هنا بمثال واحد، فمثلاً قبل كل شيء يحتاج جهاز التنفس لكل يتعرض لمثل هذا التبدل والتحول إلى تعيين هدفه أمامه ... وهذا الهدف هنا هو (الخروج من الماء إلى اليابسة)، فمن الذي يعطي هذا القرار ويعين هذا الهدف؟ أهو الكائن نفسه؟ أهي جزئيات جسمه؟ أهو الماء؟ أهو الهواء؟ .
ثم يجب تعيين الخطوات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف، ووضع خطة تحتوي على تفاصيل كثيرة جدًا تشمل أجهزة الجسم كله، فمن الذي يضع هذه الخطة؟ أهو الكائن الحي؟ أهي ذرات جسمه؟ أم الهواء؟ .
ثم يجب الأخذ بنظر الاعتبار جميع العوائق والمشاكل التي قد تظهر أثناء خطوات التقدم نحو الهدف، وأخذ التدابير والاحتياطات اللازمة تجاهها، وإدراج جميع هذه التدابير في الخطة بشكل مناسب، بحيث لا تتعارض مع الخط العام للخطة. فمن الذي يرى المشاكل والعوائق والصعوبات قبل أوانها، ويفكر بالتدابير اللازمة فيؤمن التنسيق بين الأعضاء؟ أما القول بأن (الأعضاء تقوم من نفسها بتأمين نظام للتعاون والمساعدة فيما بينها) فهو قول لا يقره أي
стр. 745
عقل وأي منطق.
ثم تأتي مرحلة التنفيذ، والتطوريون يرون أنها تحقق نتيجة ملايين الحوادث التي تصيب شفرات الجينات. والغريب أن هذه الحوادث تكون وكأنها مرتبة ضمن خطة معينة! ! ثم إن حادثة معينة تأتي لتكمل (التقدم) الذي حققته الحادثة السابقة، ولتدفع خطوة أخرى إلى الأمام، ولتقرب الكائن خطوة أخرى نحو الهدف! ! ، وهكذا يتخلص هذا الكائن من غضبة الانتخاب الطبيعي (الذي يجول في الدنيا في كل ساعة من ليل ونهار دون أن يحس به أحد)! .
وأخيرًا بعملية تشبه عملية تحول دراجة أطفال ذات ثلاث عجلات، إلى طائرة فانتوم، إثر تعرضها لسلسلة من الحوادث العشوائية! ! تظهر أمامنا المعجزة وتتكامل.
ثم إنه من الغريب جدًا، أن لا يؤدي عبث الصدفة بشفرات الجينات إلى كوارث، ونحن نفس عدم فهم داروين ومعاصريه هذا الأمر إلى قلة معلوماتهم، أما الإصرار ممن جاء بعدهم عليه، فلا يفسر إلا بالعناد والتعصب، ذلك؛ لأن مدَّيد العبث إليها أو تدخل الصدفة، لا تؤدي إلا إلى كارثة.
واليوم يحاول الذكاء الإنساني ـ وليست الصدفة ـ أن ينفذ إلى أعماق علوم الجينات بدراسات شاقة، فمن المستحيل قبول الادعاء بأن الصدفة والانتخاب الطبيعي استطاعا القيام بحل كل هذه الألغاز التي استعصى حلها على الذكاء الإنساني بالرغم من جميع الجهور المبذولة في هذا المجال. من المستحيل قبول هذا الادعاء وإن بذلت المحاولات لوضع قناع العلم عليه. وبالرغم من مرور قرن
стр. 746
على وفاة داروين، فإن التطوريين لم يتعبوا بعد من محاولة جعل هذا المستحيل ممكنًا.
أما شرحه الثاني لقانون التطور بأنه يحصل (التطور) أيضاً بالانتخاب الجنسي الذي يكون به الميل في التناسل بين الأفراد القوية مما سبب اندثارًا لأفراد الضعاف، وبقاء الأقوى:
فيقال: إن ذلك ليس دليلاً على حدوث تطور في النوع، بل يفهم منه بقاء النوع القوي من نفس النوع، واندثار النوع الضعيف.
ثم إنه ليس بصحيح أن الصفات الحسنة في فرد من الأفراد تنقل بواسطة الوراثة. فمثلاً: هذا الحداد القوي العضلات لا تنتقل قوة عضلاته إلى ذريته كما أن العالم الغزير العلم لا ينتقل علمه بالوراثة إلى أبنائه.
أما القول الأخير له في شرحه لعملية التطور كيف تمت هي: بأنه (كلما تكونت صفة جديدة ورثت في النسل):
فيقال في الجواب عليه: إن القول بحدوث النشوء لبعض الخصائص والصفات العارضة تم توريثها في النسل فذلك ما يرفضه علم الوراثة الحديث. فكل صفة لا تكمن في الناسلة ولا تحتويها صبغة من صبغاتها فهي صفة عارضة لا تنتقل إلى الذرية بالوراثة.
وإلى جانب مخالفة علم الوراثة (لنظرية داروين)، فإن التجربة تنقضه؛ فهاهم اليهود والمسلمون من بعدهم يختنون أبناءهم ولكن ذلك كله لم يسبب أن
стр. 747
ولد أطفالهم بعد مرور السنين مختونين، وهكذا، فكما تقدم العلم أثبت بطلان نظرية داروين.
النظرية لا يؤيدها الواقع المشاهد:
١ - لو كانت النظرية حقًا لشاهدنا كثيراً من الحيوانات والإنسان تأتي إلى الوجود عن طريق التطور، لا عن طريق التناسل فقط، وإذا كان التطور يحتاج إلى زمن طويل فذلك لا يمنع من مشاهدة قرود تتحول إلى آدميين في صورة دفعات متوالية كل سنة، أو كل عشر سنوات، أو كل مائة سنة.
٢ - لو سلمنا جدلاً: أن الظروف الطبيعية والانتخاب الطبيعي، قد طورت قردًا إلى رجل ـ مثلاً ـ فإنا لن نسلم أبدًا بأن الظروف قد قررت أيضًا أن تكون امرأة لذلك الرجل ليستمرا في التناسل والبقاء مع الموازنة بينهما.
٣ - إن القدرة على التكيف التي نشاهدها في المخلوقات ـ كالحرباء ـ مثلاً تتلون بحسب المكان هي مقدرة كائنة في تلك المخلوقات تولد معها، وهي عند بعضها وافرة وعند البعض الآخر تكاد تكون معدومة، وهي عند جميع المخلوقات محدودة لا تتجاوزحدودها، فالقدرة على التكيف صفة كامنة، لا صفة متطورة تكونها البيئة كما يزعم أصحاب النظرية، وإلا كانت البيئة فرضت التكيف على الأحجار والأتربة وغيرها من الجمادات.
٤ - تمتاز الضفادع على الإنسان بمقدرة على الحياة في البر والماء، كما تمتاز الطيور عليه بمقدرة على الطيران والانتقال السريع، وذلك بدون آلة، كما أن
стр. 748
أنف الكلب أشد حساسية من أنف الإنسان، فهل أنف الكلب أكثر رقيًا من أنف الإنسان؟ وهل الضفادع والطيور أرقى من الإنسان في بعض الجوانب؟ فهذه النظرية يخالفها الواقع المشاهد مخالفة تامة.
النظرية تعجز عن الإجابة المقنعة لكثير من الأسئلة عبر الظواهر الموجودة:
إن نظرية التطور تحسب أنها استطاعت تفسير نشوء الكائنات الحية وتكاملها، وكل شيء بـ (الانتخاب الطبيعي)، ولكن الحياة هي أشمل وأعقد من مجرد أجساد الكائنات الحية، فعلاوة على وجود الأجهزة العضوية في أجساد الكائنات، هناك علاقات متداخلة ومتشعبة ومعقدة وحساسية بين هذه الكائنات والكائنات الأخرى من جهة، وبينها وبين بيئتها، وهذا موضوع مهم لا يمكن لأية نظرية تدعي تفسير الحياة أن تهمل إيضاحها وتفسيرها، غير أننا نرى أن الظلمات تحيط بهذا الموضوع في نظرية التطور، ولا نرى أي بصيص من نور.
فمثلاً: لا تستطيع نظرية التطور تفسير كيف أن البعوضة ما أن تفتح عيونها على الحياة حتى تحاول الوصول إلى هدفها ورزق أبرتها ـ كأي ممرضة متمرسة ـ والقيام بامتصاص الدم؟
كما لا تستطيع هذه النظرية تفسير كيف تستطيع النحلة التجول بين الأزهار، وامتصاص رحيقها لعمل غذاء من أنقى الأغذية، وليس هناك من معلم أو مدرب لها؟ وكيف تستطيع بإشاراتها ورقصاتها الخاصة من التخاطب مع أفرادها مجموعتها، ثم القيام بإنشاء خلاياها بدقة هندسية متناهية، لا نشاهد فيها خطأ مليمتر واحد؟
стр. 749
أم هل تستطيع هذه النظرية تفسير كيف أن الطفل، وهو جنين في بطن أمه يتدرب لاكتساب المهارة الوحيدة المطلوبة منه، وهي عملية مصِّ الثدي، وذلك بمصِّ أصبعه؟ !
كيف تبني العناكب بيوتها؟ والطيور أوكارها؟ والنمل مساكنها؟ أسئلة لا تستطيع هذه النظرية الإجابة عليها.
ويمكن تعداد أمثلة أكثر وأكثر وكتابة مجلدات من الكتب حول هذا الموضوع، بل يمكن صرف العمر كله في تعداد هذه الأمثلة، أما الاكتفاء بالقول بأن (الغريزة) هي الكلمة السحرية التي تفسر وتوضح هذه المهارات المتعددة والمذهلة والمختلفة، فليس إلا إعلانًا عن جهل الإنسان وعماه.
موقف علماء الطبيعة من هذه النظرية:
لعلماء الطبيعة موقفان وراء هذه الفرضية:
الأول: المؤيدون للنظرية: وتأييدهم كان أكثر انتصار لحرية الفكر الذي كانت الكنيسة تحاربه، وتقاومه، وحربًا مضادة يشنها علماء الطبيعة ضد قسس الكنيسة وأفكارهم بعد أن نشبت حرب طاحنة بين الفريقين.
فالتأييد إنما هو نتيجة حرب حاقد على الأديان، لا عن علم واقتناع قلبي، فقد اعترف المؤيدون لهذه الفرضية (النظرية) أيضًا بأنها غير ثابتة وغير علمية، وفيما يلي بعض أقوالهم:
١ - (إن نظرية النشوء لا زالت حتى الآن بدون براهين، وستظل كذلك؛ والسبب الوحيد في أننا نؤمن به هو أن الدليل الوحيد الممكن لها هو الإيمان
стр. 750
بالخلق المباشر، وهذا أمر غير وارد على الإطلاق).
٢ - (إن التغيرات الإعجازية التي نفترض أنها قاصرة على القصص الخرافية أمور عادية جدًا في نظرية النشوء والارتقاء).
٣ - (إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء، لا كنتيجة للملاحظة، أو الاختبار، أو الاستدلال المنطقي، ولكن لأن فكرة الخلق المباشرة بعيدة عن التصور).
٤ - (إننا بالرغم من إيماننا بالنشوء فإننا لا نعلم كيف حدث).
٥ - (إن نظرية النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها، حتى ولو أصبحت مجرد عمل من أعمال الاعتقاد).
٦ - (كلما تعمقنا في دراسة أنتوبيولوجيا كلما اكتشفنا أن نظرية النشوء ترتكز على الاعتقاد).
هكذا يصبح واضحًا، أن هذه النظرية ليس لها أي مستند صحيح، وقد اعترف بتهافتها وعدم ثبوتها علميًا حتى مؤيدوها، وهو مدين بوجوده فقط لذلك الرفض العنيد للإيمان بوجود الخالق.
الثاني: المعارضون: لقد سبق معنا آراء المؤيدين لهذه النظرية بأنهم ما
стр. 751
أيدوها على أنها حقيقة علمية، وإنما على أنها أفضل بدليل للإيمان بالله جل شأنه، فما بال العلماء الغربيين المتنورين بالعلم والحرية لا يعارضونها؟ لقد عارضها كثير من علماء الغرب الجيولوجيون والطبيعيون بالأدلة والبراهين، والمقام لا يتسع لذكر آرائهم ها هنا.
ولكن ما موقف بعض من تأثر بهذه النظرية من المسلمين؟ لقد تأثر بهذه النظرية كثير ممن يدعي العلم في العصر الحاضر من المسلمين، كما قد قال ببعض هذه النظرية علماء مشهورون من هذه الأمة.
فممن تأثر بهذه النظرية من المعاصرين موريس بوكاي، حيث استدل في كتابه (ما أصل الإنسان؟ إجابات العلم والكتب المقدسة) على صحة هذه النظرية بقوله تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).
ويمكن أن يرد على هذا القول بأنه لم يفسر به أحد من المفسرين لا بالمأثور ولا بالرأي، ولم يقل به أحد من السلف، بل تفسير الآية على حسب ما روي عن السلف هو أن المراد بالأطوار كونه (نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا).
وممن قال ببعض هذه النظرية من العلماء القدامى المشهورين: ابن خلدون، حيث فسر قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ). على أنه من
стр. 752
القردة إلى الإنسان. كما ينسب هذا القول إلى كل من الدميري، والبلخي، والفخر الرازي، والفارابي، وغيرهم.
ويجاب عن شبهتهم هذه: بأن تفسير هذه الآيات القرآنية لا يكون إلا على ضوء ما فهمه سلفنا الصالح أو على ما يوافق الآيات القرآنية الأخر أو الأحاديث النبوية، وإذا ما وجدت يمكن أن يفسر على مقتضى طبيعة اللغة العربية وعلى فهم ما أنزل إليهم، لا إلى الأهواء والمفاهيم السيئة، وإلا سيصبح الدين كله لعبة، كلٌ يفسر الآيات القرآنية كما يهواه كما هو حال أهل البدع والزنادقة.
فالآيات المذكورة قد فسرت على تفسيرين:
الأول: هو الذي عليه أكثر المفسرين؛ منهم علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄، ومجاهد وعكرمة والشعبي، والحسن وأبو العالية والضحاك والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير: أن المراد بالآية: (ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقاً آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب).
الثاني: ما روي عن ابن عباس أنه قال: إن معنى الآية: (ننقله من حال إلى حال إلى أن خرج طفلاً، ثم نشأ صغيرًا، ثم احتلم، ثم صار شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخًا، ثم هرمًا)، وبه قال قتادة، والضحاك في رواية.
стр. 753
فترى أن التفسير الذي ذكروه يس له أي سلف، فلا يقبل مثل هذه التأويلات الباطنية للآيات القرآنية.
ولما كان هناك من المسلمين من تأثر بهذه النظرية ـ أو الفرضية على الصحيح ـ واستدل بعض هؤلاء بالآيات القرآنية، فإننا سوف نورد حديث القرآن عن أصل الإنسان وخلقه بآيات صريحة وواضحة في الدلالة لا لبس فيها ولا غموض، حتى لا يستطيع إنكاره إلا من أعمى الله بصره وجعل على قلبه غشاوة، وأضله عن سواء الصراط. ففيما يلي هذا البيان من القرآن الكريم والسنة النبوية.
حديث القرآن والسنة عن أصل الإنسان وكيفية خلقه:
إن حديثنا الآن مع الذين يؤمنون بالله ربًا، فنحن نسألهم هل تؤمنون بأن الله يعلم ما خلق، ومم خلق؟ وسيكون الجواب حتماً بنعم، وإلا يكونوا قد كفروا بالله، وإذا كانت الإجابة بنعم، فإننا نقول لهم: إن الذي خلق الخلق لا شك هو أعلم بالمخلوق، قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
فإذا كان هو أعلم بالخلق وكيفية خلقه، فقد حكى بنفسه في القرآن وبينه الرسول في السنة قصة خلق الإنسان ببيان ظاهر وواضح.
فالله يخبرنا أنه خلق الإنسان خلقًا مستقلاً مكتملاً، وقد أخبر ملائكته بشأن خلقه قبل أن يوجده: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).
وحدثنا عن المادة التي خلقه منها، فقد خلقه من ماء وتراب (طين)، قال تعالى: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ).
стр. 754
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب)).
والماء عنصر في خلق الإنسان، حيث قال: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ)، فهو إذن من ماء وتراب.
وقد شكله الله بيديه، حيث قال: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، ثم هذا الطين تحول إلى صلصال كالفخار (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ).
وقد خلقه مجوفًا منذ البداية، ففي الحديث عن أنس بن مالك قال: ((لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك)).
هذا الطين نفخ الله فيه من روحه فدبت فيه الحياة، فأصبح سميعًا بصيرًا
стр. 755
عاقلاً واعيًا، فقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم حين ينفخ فيه الروح وتدب فيه الحياة: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).
وأخبرنا بالمكان الذي خلق فيه وهو الجنة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)، وبمجرد أن تم خلقه أخذ يتكلم ويفقه ما يقال له، ففي القرآن: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ).
وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ : ((لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه، فقال له ربه: يرحمك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة ـ إلى ملأ منهم جلوس ـ فقل: السلام عليكم. قالوا: عليك السلام ورحمة الله ... )).
هذا هو الإنسان الأول؛ هو آدم ﵇، وهو أبو الناس كافة، بل إن المرأة خلقت منه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا).
ولم يكن خلق الإنسان ناقصًا ثم اكتمل، كما يقول أصحاب نظرية التطور؛
стр. 756
بل كان كاملاً ثم أخذ يتناقص الخلق، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: ((خلق الله آدم ﵇، وطوله ستون ذراعًا).
ولذلك، فالمؤمنون يدخلون الجنة مكتملين على صورة آدم.
هذه لمحة مما حكاه القرآن وبيَّنه عن خلق الإنسان الأول، لم أستقص النصوص من الكتاب والسنة في ذلك، وإلا فالقول في ذلك واسع طويل، وهو يعطي صورة واضحة لأصل الإنسان ليس فيها أي غموض، وهذا الذي بيَّنه الإسلام أصل كريم يعتز الإنسان بالنسبة إليه، أما ذلك الإنسان الذي يصوره داروين ـ ذلك القرد الذي ترقى عن فأر أو صرصور ـ فإنه أصل يخجل الإنسان من الانتساب إليه.
الفرع الرابع: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه في العلمانية:
وذلك؛ لأن (بعض العلمانيين ـ الملحدين منهم ـ ينكرون وجود الله أصلاً). وقبل أن أذكر آراءهم لابد من بيان إجمالي عن العلمانية ونشأتها، وأنواع العلمنة، وأنواع الشرك فيها
التعريف بالعلمانية:
لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (secularism) في الإنجليزية، أو (secularite) بالفرنسية.
стр. 757
وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (science)، والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (scientism) وبالنسبة إلى العلم بالإنجليزية (scientific)، وبالفرنسية (scientifique). ثم لو كان ـ فرضًا ـ إن هذه الكلمة منسوبة إلى العلم قبل في النسبة إليها: علمي، وليس علماني، إلا إذا قيل: إن زيادة الألف والنون وإن كانت غير قياسية في اللغة العربية ـ أي في الاسم المنسوب ـ إلا أنها جاءت سماعًا، ثم كثرت في كلام المتأخرين كقولهم: (روحاني، جسماني، ونوراني)، فالترجمة الصحيحة للكلمة: أنها تعني في اللغة.
١ - دنيوي أو مادي.
٢ - ليس بديني أو ليس بروحاني.
٣ - ليس بمترهب، ليس برهباني.
أما معنى هذه الكلمة فيما اصطلحوا عليه فقد ذكروا عدة عبارات، منها:
١ - هي النظرية التي تقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسًا للأخلاق والتربية.
٢ - جاء في دائرة المعارف البريطانية: (أنها حركة اجتماعية، تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب ... وظل
стр. 758
الاتجاه إلى (secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ... ).
ودائرة المعارف البريطانية حينما تحدث عن العلمانية تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد، وقد قسمت دائرة المعارف الإلحاد إلى قسمين:
أ- إلحاد نظري.
ب- إلحاد علمي. وجعلت العلمانية ضمن الإلحاد العلمي.
ولهذا لو قيل عن هذه الكلمة (العلمانية) إنها (اللادينية)، لكان أدق تعبيرًا وأصدق، أو يقال: (الدنيوية)، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص: هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد.
والتغيير الشائع في الكتب الإسلامية هو (فصل الدين عن الدولة)، وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد والسلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل: إنها (فصل الدين عن الحياة) لكان أصوب. ولذلك فإن المدلول الصحيح العلمانية هو: (إقامة الحياة على غير الدين).
والخلاصة: أن العلمانية مذهب من المذاهب الشركية التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في الحياة الدنيا، فهو مذهب يعمل على قيام الدنيا في جميع النواحي: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، والقانونية، وغيرها بعيدًا عن أوامر الدين ونواهيه.
نشأتها:
كان الغرب النصراني في ظروفه الدينية المتردية هو البيئة الصالحة،
стр. 759
والتربة الخصة، التي نبتت فيها شجرة العلمانية وترعرعت، وقد كانت فرنسا بعد ثورتها المشهور هي أول دولة تقيم نظامها على أساس الفكر العلماني، ولم يكن هذا الذي حدث من ظهور الفكر العلماني والتقيد به ـ بما يتضمنه من إلحاد، وإبعاد للدين عن كافة مجالات الحياة، بالإضافة إلى بغض الدين ومعاداته، ومعاداة أهله ـ أقول: لم يكن هذا حدثًا غريبًا في بابه؛ ذلك لأن الدين عندهم حينئذ لم يكن بمثل وحي الله الخالص الذي أوحاه إلى عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وإنما تدخلت فيه أيدي التحريف والتزييف، فبدلت وغيرت، وأضافت وحذفت، فكان من نتيجة ذلك أن تعارض الدين المبدل مع مصالح الناس في دنياهم، ومعاملاتهم، في الوقت نفسه الذي تعارض مع حقائق العلم الثابتة، ولم تكتف الكنيسة ـ الممثلة للدين عندهم ـ بما عملته أيدي قسيسيها ورهبانها من التحريف والتبديل، حتى جعلت ذلك دينًا يجب الالتزام والتقيد به، وحاكمت إليه العلماء المكتشفين والمخترعين، وعاقبتهم على اكتشافاتهم العلمية المناقضة للدين المبدل، فاتهمتهم بالزندقة والإلحاد، فقتلت من قتلت، وحرقت من حرقت، وسجنت من سجنت.
ومن جانب آخر فإن الكنيسة ـ الممثلة للدين عند النصارى ـ أقامت تحالفاً غير شريف مع الحكام الظالمين، وأسبغت عليهم هالات التقديس والعصمة، وسوغت لهم كل ما يأتون به من جرائم وفظائع في حق شعوبهم، زاعمة أن هو الدين الذي ينبغي على الجميع الرضوخ له والرضا به.
من هنا بدأ الناس هناك يبحثون عن مهرب بهم من سجن الكنيسة ومن
стр. 760
طغيانها، ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه إذ ذاك إلا الخروج على ذلك الدين ـ الذي يحارب العلم ويناصر المجرمين ـ والتمرد عليه وإبعاده، وطرده من كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والأخلاقية وغيرها.
وعلى ذلك، فالعلمانية هي ذلك اللفظ الخادع الذي استخدم بدلاً من عبارة اللادينية والتي تعتبر أصل الحركة التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي لتعبر عن وجهة نظر المنكرين لوجود الله أو الذين يفصلون بين وجود الله وتأثيره في الحياة، فعلى فرض أن الحركة لم تنكر الدين من أساسه وإنما تعزله عن المجتمع وتدع الفرد يباشر عبادته في نطاق حياته الفردية، فإن فكرة بهذه الصورة فكرة لا دينية، والمجتمع الذي يتبناها مجتمع لا ديني، لأن المجتمع الذي يلجأ إلى التخلص من الدين بعزله عن تيار الحياة وحركتها وحبسه داخل جدران الكنيسة إنما هو مجتمع لا ديني، وإن ادعى غير ذلك.
صور العلمانية:
إن للعلمانية صورتين، كل صورة منها أقبح من الأخرى:
الصورة الأولى: العلمانية الملحدة: وهي التي تنكر الدين كلية، وتنكر وجود الله الخالق البارئ المصور، ولا تعترف بشيء من ذلك، بل وتحارب وتعادي من يدعو إلى مجرد الإيمان بوجود الله، وهذه العلمانية على فجورها ووقاحتها في التبجح بكفرها إلا أن الحكم عليها أمر ظاهر ميسور لكافة المسلمين، لا ينطلي ـ بحمد الله ـ أمرها على المسلمين، ولا يقبل عليها من المسلمين إلا رجل يريد أن يفارق دينه. وخطر هذه الصورة من العلمانية من
стр. 761
حيث التلبيس على عوام المسلمين خطر ضعيف، وإن كان لها خطر عظيم من حيث محاربة الدين ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم بالتعذيب أو السجن أو القتل.
وأصحاب هذه العلمانية لا ينادون إلى نيل بغيتهم مباشرة؛ لأنهم يعرفون أن أغلب الناس يرفضون، ولهذا تراهم دائمًا يتسترون بإحدى الستائر المعروفة من الشيوعية أو الاشتراكية أو الداروينية، أو الفرويدية أو القومية أو الوطنية مثلاً، فهذه الستائر ما هي إلا صور حية واقعية للعلمانية الملحدة.
لأن العلمانية الملحدة ليست لديها من الأدلة التي تستطيع من خلالها أن تقنع المخالف لها، فلهذا هي دائمًا تتستر بإحدى النظريات المذكورة، لأن هذه النظريات يرى واضعوها ومؤيدوها ومناصروها أن لها أدلة علمية ثابتة، وإن كانت ما هي إلا سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
فهذه العلمانية الملحدة هي المقصودة عندنا في هذا الباب، لأنها شرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه والمخلوق عن خالقه، وهؤلاء ليست لهم شبهة خاصة بهم إلا ما هو موجود عند الشيوعية المادية والداروينية التطورية، وقد سبق الرد عليها مفصلاً، فلينظر إليه.
الصورة الثانية: العلمانية غير الملحدة: وهي علمانية لا تنكر وجود الله
стр. 762
وتؤمن به إيمانًا نظريًا، لكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا والحياة، وهذه الصورة أشد خطرًا من الصورة السابقة من حيث الإضلال والتلبيس على عوام المسلمين، فعدم إنكارها لوجود الله، وعدم ظهور محاربتها للدين يغطي على أكثر عوام المسلمين حقيقة هذه الدعوة الفكرية، فلا يتبينون ما فيها من الكفر لقلة علمهم ومعرفتهم الصحيحة بالدين، ولذلك تجد أكثر الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانية، والكثرة الكاثرة والجمهور الأعظم من المسلمين لا يعرفون حقيقة ذلك. وسيأتي تفصيل البيان في حكم هذه الصورة وشبهها فيما بعد.
والمقصود هنا: بيان كون العلمانية الملحدة من الشرك بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن الصانع والمخلوق عن الخالق.
الفرع الخامس: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه في القومية:
القومية: مصدر صناعي، ونسبتها إلى قوم، وقوم الرجل: شيعته وعشيرته. ولفظ قوم ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة مطلقًا ومقيدًا، وسمي القوم قومًا؛ لأنهم في الأصل يقومون بمهام الأمور ويقيمونها بما يقوم به وتصلح عليه بمشيئة الله.
وأما المقصود بالقومية: فاختلف دعاتها على أقوال:
стр. 763
منهم من يقول: هي مجرد انتساب إلى جنس معين. أو هي نتيجة التكلم بلغة واحدة، أو هي آثار من آثار وحدة الأرض والوطن والولاء للدولة القومية، أو هي نتيجة الرغبة في التعايش الاقتصادي المشترك.
أو هي: ارتباط الفرد بجماعة من الناس تعرف باسم الأمة والحرص على مصالح هذه الجماعة والعمل من أجلها.
أو هي: شعور أبناء الأمة الواحدة بأن ثمة ما يجمعهم ليكونوا أمة واحدة وما يميزهم عن غيرهم من الأمم الأخرى، سواء أكانت هذه المميزات حضارية أو تاريخية أو اقتصادية أو سياسية.
فيظهر لنا: أن عناصر القومية هي:
١ - وحدة الأصل والعِرق.
٢ - وحدة اللغة.
٣ - وحدة التاريخ.
٤ - وحدة الثقافة.
٥ - المصالح المشتركة.
٦ - وحدة المشاعر حول آلام الماضي وآمال المستقبل.
ويصرون على حذف وحدة الدين، بل هذا في مقدمة ما يحذفونه من عناصر؛ لأن الهدف من إنشاء فكرة القومية الحديثة مقاومة الدين، وعزله عن السياسة والمجتمع.
стр. 764
نشأتها:
ليس هناك تاريخ محدد لظهور الحركة القومية، ويتفق المؤرخون: أن شعار (القومية) شعار معاصر، ظهر في أوروبا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. وكان ظهور القومية في أوروبا بديلاً للرابط الديني، في أعقاب سيادة الاتجاه الألماني، وضعف الرابط الديني شعبياً، وبتره سياسيًا بترًا كليًا.
لقد كان لابد من بديل للرابط الديني الذي كان أقوى في أوروبا من الرابط القومي أما وقد تقطع الرابط بسيادة الاتجاه الألماني فإن البديل التلقائي هو ظهور الرابط القومي؛ لأن له في النفس الإنسانية دوافع فطرية ومصلحية.
وكان بعد ذلك حركة الإصلاح التي قام بها لوتر؛ فقد فقدت النصرانية سلطانها على النفوس، وتحولت دول أوروبا إلى شتات من البشر لا تربط بينها رابطة، فلجأت إلى طريق القوميات كوسيلة تربط بها بين شعوبها وتجمع بها الشتات الضائع، فجمعت نفسها في قوميات عدة: كقومية ألمانية، وفرنسا والنمسا، وغيرها.
ثم أقبل القرن العشرون الميلادي وقامت فيه حربان عالميتان كبيرتان، دمرتا دمارًا عظيمًا، وأهلكتا الحرث والنسل، وكانت دوافعهما قومية، على مستوى الشعور الجماهيري العام، إذ انفجرت القومية في ألمانيا وإيطاليا، وكان لها ظهور قومي في فرنسا وبريطاني وغيرها.
ثم خبت وقدة النزعات القومية لما أحست الشعوب الغربية بلعنتها،
стр. 765
واتجه العالم الغربي إلى نزعات غير قومية، ضمن الاتجاه العلماني اللاديني، فمنها ما اتجه شطر الالتقاء على المصالح المشتركة الاقتصادية أو السياسية أو الدفاعية، ومنها ما كان لقاءً على وحدة فكرية عالمية، غير ذات حدود إقليمية أو وطنية أو قومية. ولم يكن باستطاعتهم أن يجتمعوا على دين؛ لأنهم قد أسقطوا الدين من عقائدهم ومن روابطهم السياسية، ومعظم روابطهم الاجتماعية، وبقايا الدين فيهم أمست شخصية.
ولما أذنت شمس القومية تتجه إلى الغروب في أوروبا والعالم الغربي كله، بدأت تظهر في بعض شعوب العالم الإسلامي، بمكايد مدبرة، من أبرزها:
القومية العربية، والقومية الطورانية، والقومية الكردية، والقومية الفارسية، وغيرها، بل أغلب شعوب العالم الإسلامي في العصر الحالي اتجهت إلى هذه الدعوة الخبيثة الهدامة، وغيرت حدود أوطان على الخارطة السياسية.
فالقومية التي سبق إيرادها ليست بمعنى الرابطة التي يرتبط فيها الإنسان بقومه ووطنه، فتلك من فطر البشرية المركوزة في جبلة الإنسان، وليست بمعنى محبة الإنسان لوطنه وأمته وسعيه في سبيل تقدمها وازدهارها والعمل على أن تكون كرامتها مصونة وحصونها محمية. وإنما القومية المقصودة هنا: هي التي فرغها دعاتها من كل معنى إسلامي وأطلقوها قومية علمانية، والتي عزلت القوم عن الإسلام واستبدلت بعقيدته ورابطته عقيدة وروابط أخرى هي التي غالى فيها دعاتها ورفعوها إلى مقام الربوبية أحيانًا وإلى مقام التقديس والعبادة في حين آخر، وضمنوها محتوي فكريًا بعيدًا عن دين هذه الأمة، مقطوع الصلة عن أعظم نبي عرفه التاريخ.
стр. 766
حكم القومية في الإسلام:
هذه القومية الملعونة هي (دعوة باطلة، وخطأ عظيم، ومنكر ظاهر، وجاهلية نكراء، وكيد سافر للإسلام وأهله ... ). يقول الأستاذ تقي الدين الهلالي في حديث له عن القومية: (كل من دعا إلى رابطة نسبية، أو وطنية مذهبية، وتعصب لها وجعلها أصلاً في الموالاة والمعاداة والتناصر والتخاذل، فقد خرج عما جاء به رسول الله ﷺ ودعا بدعوى الجاهلية وضيع حقوقا لأخوة الإسلامية، واتبع سنة هتلر، وموسوليني، واستالين، وتشرشيل، وآيزنهاور).
وكان من توصيات المؤتمر العالمي للدعوة وإعداد الدعاة، المنعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: ٢٤ - ٢٩/ ٢/١٣٩٧ هـ. اعتبار القومية (من الدعوات والاتجاهات المضادة للإسلام، كالباطنية والبهائية والقاديانية والتبشير والماسونية، واليهودية العالمية، والإباحية والوجودية).
فما هو السبب في اعتبارها ضمن الدعوات المضادة للإسلام؟ لقد كشف الدكتور صالح بن عبد الله العبود النقاب عن هذا السؤال فأخبر في رسالته (فكرة القومية العربية) بأنها شرك في الربوبية وشرك في الألوهية معًا؛ أما كونها شركًا في الألوهية والعبادة فسيأتي بيانه عند استعراض شرك العصر الحديث في الألوهية والعبادة. وهنا يكتفي ببيان كونها شركًا في الربوبية.
стр. 767
الدعوى إلى القومية شرك بالله في الربوبية:
يقول الدكتور صالح بن عبد الله العبود ـ حفظه الله ـ في كتابه المذكور مبينًا كونها من الشرك في الربوبية: (إن الاعتقاد بأن القومية ... ذات قوة رابطة فعالة موحدة ـ كما هو المبدأ الأوروبي في القومية ـ سواء جعل محور هذه الرابطة الوطن أو اللغة أو التاريخ أو الجنس أو هي مجتمعة أو بعضها أو أي شيء من دون الله اعتقاد باطل.
وقول القوميين: بأن اللغة حياة الأمة وروحها، إذا فقدت الأمة لغتها فقدت حياتها وروحها، وبأن التاريخ خلاق، وهو ذاكرة الأمة وشعورها، إذا فقدت تاريخها فقدت خلاقيتها وذاكرتها وشعورها، وهما مع الوطن والجنس ونحو ذلك عوامل مكونة للأمة، وروابط تربط أبناءها برابطة ذات قوة لا حتمية، وأن ذلك اعتقاد كل متنور، كل ذلك القول أو بعضه، وما أشبهه شرك في ربوبية الله تعالى أغلظ من شرك العرب في الجاهلية، الذين يتوجه إليهم الخطاب؛ لأن أولئك كانوا يقرون باختصاص الله بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة والرزق والتدبير، إنما نسبوا إلى معبوداتهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عند الله، ولا قالوا في الطبيعة ما قاله القوميون، بل يعلمون أنها مطبوعة مخلوقة لها طابع خالق، وإنما أنكر بعضهم البعث بعد الموت ... ولكن القوميين بقولهم ذلك في الطبيعة والقومية في درك من الجهل والسفه أدنى من كل الناس ... وفي غفلة وإعراض عن توحيد الربوبية المقرر فيها ...
وأنى للقوميين مع عدم معرفتهم لتوحيد [هم] الله بأفعاله ضرورة،
стр. 768
ونسبتهم ذلك إلى العوامل الأخرى، وأن هذا التكوين الذي أقروا به يظنونه لها، أو أنهم عرفوا الحق لكن جحدوا سياسةً واصطيادًا للرغبة، أنى لهم مع هذا أن يلتزموا بتوحيد الله بأفعالهم التعبدية وأن يقيموا أعمالهم على سنة رسول الله ﷺ ؟ ولذا مالوا إلى الماركسية الملحدة، وقالوا بالاشتراكية المبيحة، وعملوا بالثورة الفوضوية، ونادوا بالحرية الفاسدة، لتبرير مفاسدهم).
فدعاة القومية في حقيقة أمرهم مشركون بالله في الربوبية بالتعطل؛ لأن من أفكارهم ومعتقداتهم: (تحرير الإنسان من الخرافات والغيبيات والأديان) كما يزعمون.
فهذا استعراض مجمل لأبرز المشركين بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه، وقد أعرضت صفحًا عن كثير من الملحدين المعطلين للمصنوع عن الصانع؛ وذلك لعدم وجود أي شبهة لديهم في تعطيلهم، ولعدم وجود المقتضي لقبول هذه الأديان والمذاهب الهدامة لأي أحد، بل هي في سبيلها إلى الزوال والفناء، ولعدم فتح أصحاب هذه الأديان والمذاهب أبوابهم لأحد في مجتمعاتهم.
المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له:
مدخل: في بيان كون تعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله شركًا.
سبق معنا على العموم بيان كون التعطيل شركًا بالله جل شأنه بذكر نصوص
стр. 769
أئمة هذا الشأن، ويمكن أن أذكر ملخص ما مضى بالعبارات التالية.
أولاً: لا خلاف بين المحققين: أن الشرك هو الذي يقابل التوحيد، وإذا قلنا: إن التوحيد له أجزاء ثلاثة: الربوبية، والأسماء والصفات، والألوهية، فإننا قد أثبتنا كل ما يقابل هذه الثلاثة ويضادها بأنه شرك، وهذه المضادة والمقابلة تكون في شيئين:
أ- بتعطيلها.
ب- بإثباته لغيره سبحانه.
أما التعطيل: فيكون بإنكار الربوبية مطلقًا، أو بإنكار كماله المقدس الثابت له، أو بإنكار كليهما معًا، أما الأول: فهو الشرك بالله في الربوبية بتعطيل الله الصانع عن مصنوعه، وقد سبق الكلام عليه في المطلب الأول. وأما الثاني: فهو الشرك بالله في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال بتعطيله عن كماله، وهذا ما سيكون الكلام عليه في هذا المطلب بمشيئة الله. وأما الثالث: فإن الكلام عليه سيكون في المطلب الثالث بمشيئة الله.
وأما إثباتها لغيره سبحانه: فإنه يكون في الذات والصفات والأفعال، وهذا الجانب سيكون الكلام عليه في المبحث الثاني بمشيئة الله.
فعلمنا: أن التعطيل يكون شركًا بالله في الربوبية وفي الأسماء والصفات والأفعال من حيث كون الربوبية والأسماء والصفات والأفعال من أجزاء التوحيد.
ثانياً: إن العبد لا يخلو عن العبادة مطلقًا، فإنه فقير بذاته، وهو حارث وهمام، والفقر يحوجه إلى من يغنيه عن هذا الفقر، فإذا عطل المصنوع عن
стр. 770
صانعه، أو عطله عن أسمائه وصفاته وأفعاله، أو عطل كليهما، فإنه لابد أن يطلب من الآخر ما يسد به حاجاته ـ شاء أم أبى ـ، ومن طلب منه سد الحاجات، يكون قد جعله ربًا له.
مثال ذلك؛ أن من أنكر أن يكون له رب أو خالق، فإنه لابد أن يعيش في هذا الكون، والعيش لا يكون بلا مواجهة المشاكل والمتاعب، فالمنكر للربوبية لا يخلو في التخلص عن هذه المتاعب والمشاكل عن حالين: إما أن يقول: إني سيد نفسي، أستطيع أن أتخلص عن هذه المشاكل بنفسي بدون تدخل من أحد، فإنه حينئذ يكون كاذبًا لا محالة. وإما أن يقول: إن فلانًا أو نظامًا معينًا سيحل لي المشاكل كلها، فإنه حينئذ أقام الشخص الفلاني أو النظام الفلاني في مقام الربوبية ـ وإن لم يصرح به، ولم يعترف به ـ.
وهكذا الأمر فيمن أنكر أسماء الله وصفاته وأفعاله الذي هو عدله وحكمته، فإنه يكون قد أثبت هذه الأسماء والصفات والأفعال لغيره سبحانه وإن أنكر وادعى غير ذلك، وذلك؛ أن أسماء الله وصفاته وأفعاله كلها من لوازم ذاته، ومن مستلزمات العباد، فكون هذه الأسماء والصفات والأفعال ثابتة له تعني أن العباد محتاجون إلى دعائه بهذه الأسماء، ومحتاجون لمعرفة هذه الصفات، ومحتاجون إلى هذا الأفعال. فوجود هذه الأسماء والصفات والأفعال لدى الرب تقتضي أن يكون العبد محتاجًا إلى العبودية بها، ولهذا يقول الإمام ابن القيم: (والأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح.
стр. 771
فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.
وعلمه بسمعه تعالى وبصره، وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ـ يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله ـ وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك الحياء باطنًا ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح. ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء وتثمر له ذلك في أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.
وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، تثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.
وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات، وارتبطت بها ارتباط الخلق بها، فخلقه سبحانه وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العالم وآثارها ومقتضاها).
وقال في موضع آخر: (فأسماؤه الحسنى اقتضت ما اقتضته من التخلية بين العبد وبين الذنب، فإنه الغفار التواب العفو الحليم، وهذه أسماء تطلب آثارها وموجباتها ولابد).
стр. 772
وقال أيضًا: (أنه سبحانه له الأسماء الحسنى، ولكل اسم من أسمائه أثر من الآثار في الخلق والأمر، لابد من ترتبه عليه؛ كترتب المرزوق والرزق على الرازق، وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الراحم، وترتب المرئيات والمسموعات على السميع والبصير ... ونظائر ذلك في جميع الأسماء ... فإن هذه الأمور متعلقة بالغير، ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها، وهذا باب أوسع من أن يدرك، واللبيب يكتفي منه باليسير، وغليظ الحجاب في واد ونحن في واد).
والمقصود من نقل كلام ابن القيم: بيان كون الله لم يسمّ بهذه الأسماء ولم يتصف بهذه الصفات ولم يفعل أفعاله إلا لأن العباد محتاجون إليها لا محالة، ولا يستغنون أبدًا عن العبودية بها، بل كونه عبدًا يلزم أن يكون معبوده معه هذه الأشياء، وإلا لا فائدة في وجود هذه الأشياء لدى المعبود، فأسماء الله وصفاته وأفعاله تستلزم أن يكون وجودها ضروريًا للعباد، وإلا لا يمكن أن يعيش العبد مطلقاً، فإذا أنكر العبد هذه الأشياء للرب الحق فإنه لابد وأن يحتاج إلى هذه الأشياء ويصرفها إلى غير الحق سبحانه، وبهذا يقع في الشرك بالله جل شأنه. وإن كان هو ينكر ذلك عنادًا وتكبرًا.
فإذا كان هذا فيمن أنكر أسماءه وصفاته وأفعاله، فيقاس عليه من أنكر وعطل حقيقة ذاته ووجوده، وأنكر وعطل جميع أسماءه وصفاته.
فعرفنا بهذا البيان: كيف دخل المعطل في الشرك بالله، سواء كان معطلاً للمصنوع عن الصانع، أو كان معطلاً لكماله، أو كان معطلاً لكليهما، فإذا
стр. 773
علمنا هذا فلنبدأ بمقصودنا، وهو بيان شرك التعطيل بتعطيل كماله الصانع المقدس له سبحانه. فأقول:
إن هؤلاء على صنفين:
الصنف الأول: المشركون بالله في الربوبية بتعطيل الأسماء والصفات:
لقد وجدت في هذه الأمة عدة فرق، أشركت بالله جل شأنه بتعطيله عن أسمائه وصفاته، وبيان هذه الفرق وأقوالها، وشبهاتها، مع الردود عليها في الفروع التالية:
الفرع الأول: الجهمية:
وذلك؛ أن مذهبهم في التوحيد هو إنكار جميع الأسماء والصفات لله جل وعلا، ويجعلون أسماء بالله من باب المجاز. قال الأشعري: (إنه ـ أي الجهم ـ كان يقول: لا أقول إن الله سبحانه شيء؛ لأن ذلك تشبيه له بالأشياء). وقال الشهرستاني: (الجهمية: أصحاب جهم ... وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء، منها: قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي تشبيهًا، فنفي كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا فاعلاً خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق. ومنها إثباته علومًا حادثة للباري تعالى لا في محل، قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه؛ لأنه لو علم ثم خلق أفبقي علمه على ما كان، أو لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد، وإن لم
стр. 774
يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم، ... وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو إمّا أن يحدث في ذاته تعالى، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته وأن يكون محلاً للحوادث، وإمّا أن يحدث في محل، فيكون المحل موصوفًا به لا الباري تعالى، فتعين أنه لا محل له. فأثبت علومًا حادثة بعدد المعلومات الموجودة).
فهؤلاء الجهمية أنكروا أسماء الله وصفاته واستندوا في إنكارها إلى أشياء زعموها أدلة عقلية، وهي:
١ - أن إثباتها يستلزم التشبيه.
٢ - أن إثباتها يستلزم الجسم لله.
٣ - أن إثباتها يستلزم أن يكون الله محلاً للحوادث.
فهذا مجمل شبهاتهم في وقوعهم في شرك التعطيل. وقد تأثر بهم المعتزلة، وذلك؛ لأنهم جهمية في باب الصفات، إذ كل من أنكر الصفات أوبعضها فهو جهمي، كلٌ بقدر ما وافق فيه الجهم من مذهبه، ولهذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية قسم الجهمية إلى ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: وهم الجهمية الغالية النافون لأسماء الله وصفاته. وإن سمّوه بشيء من الأسماء الحسنى قالوا: هو مجاز.
الدرجة الثانية من الجهمية: وهم المعتزلة، ونحوهم، والذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته.
الدرجة الثالثة: وهم قسم من الصفاتية المثبتين المخالفين للجهمية، ولكن فيهم نوع من التجهم، وهم الذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة،
стр. 775
ولكنهم يردون طائفة من الصفات الخبرية وغير الخبرية ويؤولونها.
ومنهم من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضًا في الجملة، لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة.
والمقصود: بيان كون الجهمية من المشركين بالله بتعطيل أسمائه وصفاته، وهؤلاء وإن لم يكن لهم وجود بهذا الاسم في الحاضر، إلا أن هناك طوائف قد أخذت أقوالهم وشبهاتهم، كالمعتزلة العصريون ـ وهم بعض العقلانيين ـ والقاديانيون، وغيرهم.
الآثار المترتبة على أقوال الجهمية:
إن الذي يدقق النظر في مقالة الجهمية يعلم أنها تفضي إلى إنكار الخالق، ولذا رأى علماء أهل السنة؛ أن الذين ابتدعوا هذه المقالة هم من الزنادقة الذين ينكرون الخالق ويجحدونه، ولكنهم تستروا وراء فلسفات ونظريات ضالة توصل إلى مرادهم، وتخفي قصودهم على خصومهم.
فالذين يجحدون صفات الخالق قولهم كقول فرعون ونمرود الذين
следующие страницы →