بنايات كثيرة، وطغى الماء في أسفل المساجد ولا سيما ما كان فيه قبو وهي الخلوات المعروفة عندهم، فقد ارتفع مستوى المياه ولم تغنِ صبات الإسمنت المسلح، وجيء بالمواتير لشفطها، فسلم بعضها وأنهد بعضها، هذا وقد كانت البناية في القصيم بالطين واللبن وقت أذن فاضطروا إلى أن يعدلوا إلى البناية الحديثة، فما مرَّ عليها ربع قرن حتى أصبحت بعامة من الإسمنت المسلح.
وفي هذه السنة نزلت قيمة التمور إلى قدر غير معقول، ومن أسباب ذلك نزول الأمطار وهطولها في أيام سهيل لهطولها قبل إبان وقتها فأصبح التمر السكري لا يساوي سبع قيمته العادية، وقد تضرر بالماء ووجد بكمية وافرة مما كان سببًا لكساده جملة.
استمرار القتال والخلافات
استمر القتال حتى وضع هذه الكلمات بين يوغسلافيا وكرواتيا والصرب، وعجزت أفريقيا والأمم المتحدة عن تسكين هذه الفتنة، واشتد قصف اليهود للبنان وقراه في حال انعقاد مؤتمر السلام في مدريد، واشتدت أذيتهم لأهالي فلسطين بينما كان شباب فلسطين في انتفاضتهم ضد اليهود، واستمر الشقي صدام حسين يصنع لحرب العرب، ولكن أمريكا كانت له بالمرصاد، فكلما سوى عدة للحرب أتت أمريكا فدمرتها وقضت عليها، ولا تزال أفغانستان في قتال عنيف بين المسلمين المجاهدين، وبين الحكومة الموالية لروسيا في كابول، وكان المجاهدون منتصرون لأنهم يقاتلون عن عقيدة ودين، ويسعون في نشر الإسلام، ولولا قوة العدو لديهم من المعدات الروسية والقنابل المختلفة الأنواع كالعنقودية والنابالم المحرقة وغيرها لكان لها زمن طويل قد وضعت الحرب أوزارها، وبما أن مسلمي أفغانستان مشهورة بالشجاعة الفائقة وتمدهم الحكومات الإسلامية بالأسلحة والذخائر والتبرعات والنفقات، فإنه كان ينتظر ظفرهم وغلبتهم للعدو وقهرهم له، وقد أشرفت طلائع النصر للمجاهدين، كما
стр. 2662
أنها توالت انتصاراتهم وتقدمهم هناك، وتقدموا وظفروا كما صبروا وصابروا ورابطوا وضحوا بأنفسهم، والله مع الصابرين.
خطر يخشى منه
في الساعة الحادية عشرة بتوقيت الزوال أعلنت الإذاعة في يوم ٥/ ٥/ ١٤١٢ هـ أن العراق تملك ٣٥٠ طنًا من نوع الأسلحة الكيماوية وستة آلاف قذيفة من نوع الخردل والأسلحة النووية، وهذا النبأ عن الولايات المتحدة، وإن تدميرها يتطلب مليارات، وقُدِّرَ وقت التدمير سنتين كاملتين، وإنها في يوم أمس الأكراد بعد حشدها للقوات إليهم، وبهذا يعلم أن حالة رئيس العراق في وجوده كحالة الفئران لسان حاله يقول سبحان من خلقه للفساد.
وفي تلك الآونة بذلت الأمة في المملكة السعودية نصائح وإرشادات، وعلى رأسهم العلماء موجهة إلى الملك فهد أيده الله، يطلبون تخفيض الرسوم على السيارات في الرخص والاستمارات والفحوص على سائر السيارات، فصدر الأمر بتخفيضها إلى قدر معقول، والتسامح بفحص السيارات على العموم، وأشار حفظه الله بأن الفحص من مصلحة الأمة لتسير السيارة سالمة من العيوب التي تكون بها هدفًا للخطر هي أو صاحبها، هكذا ذكر حفظه الله.
عود على بدء عقد مؤتمر السلام في الشرق الأوسط، انفصل عن لا شيء، وتكشفت نوايا اليهود، ومن في صفهم أنهم يريدون الخداع وتثبيط همم العرب والمسلمين، وتخدير أعصابهم، وكانت فرصة لليهود في ضرب قرى لبنان جنونية وغريبة بحيث سقط عشرات القتلى وهدمت المساكن هناك، وقامت اليهود أيضًا بتضييق الخناق على فلسطين وأهله، وانتهاك حرمة المسجد الأقصى، ولم تسفر تلك المفاوضات والجلسات عن شيء يستعذب، بل كان ضحكةً لكل ساخر، وصدقت فراسة إيران فيه، وكشرت أنياب الفتن والزعازع في وقته وبعد وقته، ولم تزد الفتن إلى تعقيدًا.
стр. 2663
صلاة الاستسقاء
لما كان في يوم الاثنين ٥/ ٥ أقيمت صلاة الاستسقاء في سائر أنحاء المملكة نزولًا على أمر الملك فهد بن عبد العزيز، وكان ذلك اليوم يوافق ٢٦ من الوسمي، نسأل الله تعالى أن يغيث المسلمين، وقد مرَّ على ذلك فترة لم تنزل فيها أمطار بعد الاستسقاء، ومن سنته أنهم إذا لم يسقوا يستسقوا ثانيًا وثالثًا، إن الله يحب من عباده الإلحاح بالدعاء ولا ييأسوا، وإذا عزموا على الاستسقاء فسقوا قبل الخروج خرجوا في يوم موعدهم، نسأل الله المزيد من فضله، وإن الله يحب أن يُسأل ويغضب إذا لم يُسأل، فنسأل الله أن يرحم عباده وبلاده وبهائمه، ويسقي البلد الميت وينشر رحمته وينزل علينا من بركاته، وقد ذكر العلماء حالة الخروج إلى صلاة الاستسقاء أنها تكون بخشوع وتواضع، ويخرج الإمام بعد الشيوخ والعلماء والصبيان، ويباح حضور البهائم والأطفال والضعفاء، إذا تواضع جبَّار الأرض رحم جبَّار السماء ويكون ذلك أسرع للإجابة لأن الله أرحم الراحمين.
حادثة
لما كان في يوم ١٣/ ٥ أصيب قطار في المكسيك فهلك بأسباب ذلك الحادث غالب ركابه، وقد قامت فرق الإنقاذ فقامت بإخراج ٦٥ جثة من الهالكين، وقد أبيد معظم ركاب القطار، وقد ذكرتني هذه الحادثة حادثة قوم ذهبوا من القصيم إلى جازان في جنوبي المملكة السعودية، فلما أن وصلوا إلى مياه البحر هناك ركبوا في سنبوك لصيد الأسماك، وكان الذي ربط في الأرض لم يمكن السنبوك كما ينبغي فانطلق في البحر ملججًا تدفعه الرياح في ذلك البحر اللجي فلا ينظرون إلا إلى السماء وغبَّة البحر فأيقنوا بالهلاك ورجعوا إلى أنفسهم يودعون الحياة ويجأرون إلى الله في طلب النجاة، وجعل بعضهم يستحل من البعض رافعين سباباتهم إلى السماء بحيث قد انقطعت الحيلة إلا من ربهم ﵎، وبينما هم كذلك بدت لهم سفينة عن بعد فجعلوا يشيرون إليها بأيديهم، وما
стр. 2664
على رؤوسهم يستغيثون بها فتحرك قبطان السفينة إليهم لينقذهم، وعند وصوله سألهم عن خبرهم فقصوا عليه صفة الحادثة، فربط السنبوك بالسفينة حتى بلّغهم ناحية البر فوقفوا يعرضون عليه ما يطلب في سبب إنقاذهم من تلك الورطة، غير أنه لم يطلب سوى دعائهم له وشكرهم لله ثم له، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة المتقدمة.
ذكر الحركة في الصومال
قال نبينا ﷺ بأن السيف إذا وقع لا يرفع إلى يوم القيامة، وبأنه يقتل بعضهم بعض ويسبي بعضهم بعض، ولقد امتدت الحروب في كمبوديا وعجزت الأمة عن تسكينها، وفي حال وصول التاريخ ١٨/ ٥ من هذه السنة كان الرئيس المؤقت في الصومال بمقديشو علي مهدي محمد بينه وبين منافسة في الرئاسة منازعات، ولا تزال القتلى والجرحى بين الفريقين قتال ومنازعات، وقد طلب الهلال الأحمر أن يخلي الجرحى إلى المستشفى للعلاج، وحدّث ولا حرج عن قتال أهالي لبنان، وتدخل الأمم الأخرى في هذا النزاع، كما أن اليهود لم يكتفوا بقتال أهالي فلسطين الذي استمر خمسًا وأربعين سنة، حتى امتلأت المستشفيات بالجرحى، وكذلك ما كان في أفغانستان وغيرها من المجازر والأهوال، فعياذًا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وفي هذه الأيام الأخيرة حدث في يوغسلافيا وكرواتيا والصرب من القتال والانشقاق الذي أزعج الأمة وحملها على التدخل لإطفاء هذه الفتن العمياء وتأزمت الأمور هناك.
وفيها في ٩/ ٦ الموافق ليوم الأحد أصيبت سفينة عبارة من سفن مصر في شعاب المرجان حوالي مصر في البحر الأحمر تحمل ستمائة وثمانين راكبًا وأربعين سيارة على ظهرها، فهلك منهم خمسمائة وتمكن المنقذون من إنقاذ بقيتهم، وقد سعى المنقذون في إخراج بعض جثث الغرقاء، وكان الركاب قد رجعوا من
стр. 2665
السعودية منهم عمال رجعوا من السعودية وعجاز كانوا يعتمرون، وكانت الحادثة من أغرب ما مرَّ في هذه السنين الأخيرة، فأحدث ذلك رنة في مصر وبعثت برقيات التعازي ولا سيما برقية من الملك فهد ومن ولي العهد عبد الله بن عبد العزيز ليواسوا حكومتهم وأهاليهم في هذا المصاب، وأسباب عطبها تعكر الجو هناك، وانبعثت الأنباء في مشارق الأرض ومغاربها طولًا وعرضًا يروون الحادث المؤسف، فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
أما ما كان عن حالة الأكراد الذين هم في شمال العراق فقد أمسى خمسمائة ألف كردي مهددين من البرد والجوع إن لم تداركهم العناية، وبما أن من وراء ذلك كله تحديات صدام للأكراد فإن تركيا جعلت تهدد العراق بأنها ستدخل في الموضوع لحل الأزمة وإنقاذ أولئك البؤساء من براثن حكومة العراق التي لا يزال الرئيس الطاغية يستهوي شياطينه في الأذى ليكون سببًا في هلاك بقية حرسه وجنوده.
وفيها في ١١/ ٦ توفيت زوجة الملك عبد العزيز والدة طلال ونواف، وكانت امرأة صالحة وموصوفة بالإحسان والعطف على الفقراء رحمها لله وعفا عنها، ومن خصائصها أن الملك عبد العزيز كان يناولها صدقات تبذلها على الفقراء، وكثيرة الصلاة والعبادة، وقد صلي عليها في المسجد الجامع في الرياض، وحضر جنازتها جمعٌ كثير وجمٌ غفير، فالله المستعان.
ذكر انهيار الحكومة الروسية وانقسامها إلى دويلات
قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
لما كانت هذه الدولة هي الدولة الثانية في العالم، وهي إحدى الدولتين العظيمتين في العالم فيقال روسيا وأمريكا اقتضت القدرة الإلهية والحكمة الربانية أن
стр. 2666
يقع التفكك فيها وتنفصل جمهورياتها جمهورية بعد أخرى لما كان عليه الرئيس ميخائيل خربتشوف من الضعف الذي أدى به إلى أن يقبض عليه ثم يطلق سراحه، ولكنه لما رجع إلى منصبه تدهور الوضع وقام الشيوعيون ضده لأنه كان يحارب الشيوعية، ثم قام في الأخير يريد أن يقدم استقالته، وكانت أمريكا تفضل بقاءه لحسن الصلات بينه وبينها، ومن العجائب أن هذه الدولة تضرب الأمثال بقوتها، وهي التي وقفت في وجه أمريكا، وكان الرئيس ستالين الذي وقعت في زمن الحرب العالمية الثانية على غاية عظيمة من القوة والمقدرة، وهو الذي قام وزميله "روزفلت" الرئيس الأمريكي ووقفا وقفة في نحر ألمانيا حتى سقطت، وما زالت روسيا في عظمتها حتى هذه السنة، ثم إنها أخذت تتهاوى وعرشها يهتز وحق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه، وسنذكر أسباب هذا الضعف من التفكك، لأن الوضع لا يزال غامضًا في الاتحاد السوفيتي.
استقالة الرئيس ميخائيل غوربتشوف
في ليلة الخميس ٢/ ٦/ ١٤١٢ هـ قدم الرئيس استقالته عن منصبه يوافق ذلك ٢٦ ديسمبر ١٩٩١ م لأنه رأى ما لا بد له منه، وبذلك تغير الوضع في روسيا عن الحالة الأولى.
الأنوار الإلهية تتجلى لما أن كان في ليلة ٢٩ من رمضان من هذه السنة والمسلمون في قيام الليل في المسجد الحرام لحضور ختم القرآن، تجلت الأنوار الإلهية لبعض المسلمين، فرأت امرأة من الصالحات أجسامًا نورانية من الملائكة بين صفوف المصلين وهذه خارقة من الخوارق، وكرامة من الكرامات أن يطلع الله بعض خلقه على حضور ملائكة من السماء صلاة التراويح مع أمة محمد ﷺ كما جاء في بعض الآثار أن جزء من الملائكة يستأذنون ربهم ﵎ في الحضور مع أمة محمد ﷺ صلاة التراويح، وهذه المرأة من الصالحات، فشهدت رفيقتها إلى جانبها في الصف أنها رأت، وكانت المرأة من أسرتنا فسألتها هل تكرر ذلك؟
стр. 2667
فذكرت أن امرأة من أسرتنا أيضًا رأت كذلك في العام الماضي ليلة الختم في المسلمين، وهذه بشارة للمسلمين بتجلي الأنوار الإلهية لهم وقبول عبادتهم تلك الليلة، فنسأل الله تعالى التوفيق.
وفيها في آخر جمادى الآخرة في منتصف برج الجدي وقبل يومين اشتدت وطأة البرد جدًا وجرى ما سأذكره موجة برد في هذه الأيام المذكورة جمد الماء ونزلت درجة الحرارة في بلدة حائل وما يليها إلى خمس تحت الصفر، وفي القصيم درجتين، وارتفعت الثلوج إلى ثلاثة أمتار في تبوك، وحال الثلج في عمان بين المرور والمطار، وتعطلت السير هناك، أما عن لبنان فحدّث ولا حرج، وقد وافق ذاك زيادة الأمطار، وقد ذكر أرباب الخبرة بأنه لم يمر ذلك البرد منذ أربعين عامًا، وبما أن خليقة قد وسع الله عليها في الملبوسات والمكيفات والدفاءات وسخانات الماء، فإنهم لم يتأثروا لذلك، وكانت أعالي الكثب الرملية قد أصبحت بيضاء في أوائل النهار، وقد تكون السيارات في وقت الصبيحة قد اكتست من الثلوج، واشتدت وطأة البرد جدًا في كل قطر ومكان.
انفجار في غربي بيروت
لما أن كان في ٢٤/ ٦ من هذه السنة بلغت مدة الحرب في كمبوديا ثلاث عشرة سنة، وفي هذا اليوم انفجرت قنبلة في غربي لبنان نتج عن هذا الانفجار أن سقط عشرون قتيلًا وسبعون جريحًا، وتهدمت منازل، وأصيبت سيارات، وحدث لذلك رنة أسف في الأمم الدين ينتظرون هدوء الأحوال في لبنان، وهي تتطور يومًا بعد يوم، ومن الأمور التي زادت على الحسبان اختلاف القوارع والزلازل هناك، وكانت فرنسا قد تأثرت جدًا لذلك؟
عود على ما ذكرنا فيما تقدم من شدة البرد عام ١٤١٢ هـ وذلك لأنه لما دخل نوء الشولة الثالث من أنواء الأربعانية تأزمت الأمور واشتدت وطأة البرد، وتجمدت المياه، وحال الثلج بين مدينة عمان وبين المطار، وارتفع الثلج بين
стр. 2668
الجبال بقدر ستة أمتار في لبنان، وهلك بسبب ذلك الصقيع في تبوك وما يليها وذلك من الثلج، وهلك بسبب شدة البرد أنفس كثيرة وحيوانات كثيرة، وبما أن الطقس جاف في الصحراء فقد تجمد الغاز وتأثر عن الدفع، وفي مدينة حائل وما يليها انكسرت مواسير المياه، كما أن منطقة الجوف وعرعر مستهدفة من البرد، وقد تأثرت، وقد أتفق أرباب أهل الخبرة بأنه لم يمرّ منذ خمسين سنة تقريبًا مثل هذا البرد، وأنه نادر الوقوع، وقد تجمدت البرك وحوالي المياه في موضع سباخ بريدة المسمى فيحان وأصبحت الحجارة لا ينتفع بها ولبثت أربعة أيام على ذلك الوضع، وبما أن المياه تجمدت تكون في وضعها كالزجاج فإنك قد تمرَّ بها وتظنها زجاجًا لا يتقدم ولا يتأخر، فلا حول ولا قوة الا بالله، ولا تظن أيها القارئ أني تجاوزت بل الأمر كان أبلغ من ذلك (١) ولا ريب أن وقوع الجفاف واشتداد البرد هكذا عقوبة من العقوبات الدنيوية التي تصيب بني آدم بسبب الذنوب والمعاصي، وفي الحديث القدسي: "لو أن عبيدي أطاعوني لأسعفهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد والصواعق" وتستحضرني في هذا المقام كلام الحافظ شمس الدين ابن القيم بحيث يقول: "لا تحسبن العدو غلب، ولكن الصديق تخلى عن المناصرة"، وقد ذكرنا في غير هذا الموضع الأثر المرفوع أن الملائكة تطلب في الشتاء رحمة لبني آدم.
كائنة غريبة
كان إنسان لدى دواجن من الدجاج، وكان يذبح الدجاجة أمامها، فقد ران دجاجة شريدة من الدجاج حنقت عليه وصاحت بأخواتها وغفلته ووثبت عليه وهو غافل بآلة حادة في منقارها فجعلت تضرب إحدي عينيه تريد أن تفقأها لكنه تمكن من الخلاص بعدما أخرت، فذهبوا به إلى المستشفى، وبعد علاج عينه المصابة
стр. 2669
بمدة ثلاثة أيام ظهر أن الدجاجة لتم يقضى عليها فغضب لذلك وأمر بذبح جميع ما لديه من الدجاج بحيث لم يعرف التي غزته بعينه، نسأل الله العافية من البليات، وكانت هذه الواقعة حصلت في إحدى مدن عسير في هذا البرد عبرةً بكراهة ذبح الحيوانات والأخرى تنظر، فقد روى التاريخ أن رجلًا ذبح عجلًا أمام أمه وهي تنظر، فيبست يده إلى كتفه، والصحيح أن ذبح البهائم أمام إخوانها لا يجوز من جهة من الناحية الشرعية، وقال في الإقناع وشرحه، ويكره أن يحد شفرته أمام الذبيحة، وأن تذبح الذبيحة والأخرى تنظر اليها.
وفيها في ١٢ رجب اتفق العلماء من سائر المعمورة على إرغام حكومة العراق بإطلاق سراح أسراء الكويتيين الموجودين بالعراق، وذلك بأن اقتحام العراق للمسلمين بعد صلاة الجمعة وأخذهم من المساجد حتى لا يعلو إلى أية جهة ذهب بهم وأخذهم أسراء وجعلهم في العراق فوق المكامن يتقون بهم الأخطار، أمر شيع جدًا، وبما أن لديهم في العراق ولا تقره العقول ولا الملل ولا النحل فإن الأمة رأت إجبار العراق وحملها على الإفراج عنهم بحيث كانت جميع الأعمال التي ارتكبها الطاغية الرئيس المزعوم ساقطة في حرب الخليج وهتك القوانين الدولية والأحكام الشرعية، وقد نودي بأن لا صلاح للعرب والإسلام في بقاء المذكور والإطاحة بحكمه لا بد منها، وكانت العراق قد أعلنت إدانتها بمسبته والحكم على إبعاده والتخلص منه لتستعيد العراق شرفها ويعود عليها حياتها الطبيعية كغيرها من البلدان، وكانوا من شؤمه قد أصبحوا عالة فقراء جياعًا مرضى، وأمست العراق التي تدعى أولًا بمدينة السلام بحالة يرثى لها متهدمة الأركان متداعية البنيان، وهكذا عمل كل رئيس جاهل أحمق كما قيل،
أوتيت ملكًا فلم تحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ذكر حالة الفريقين
أما عن صدام وشيعته فكانوا في غيهم وضلالهم ولا يزال في كل يوم قد قتل جزء
стр. 2670
ممن كانوا في معيته لأنهم يريدون التخلص منه، فيقتل من يخاف منهم وينكل بهم، ولا تزال أمريكا بعد هزيمة العراق تبعث الوفود لمراقبة أسلحته الكيماوية، والقضاء عليها، وإن كان جادًا في إيجادها والاستمرار بأعماله الوحشية يتهدد ويتوعد، وإن كان مشلول الحركة، لا ريب أن أعماله جنونية لا تصدر من عاقل، أما عن الكويت وأنهم بعد رجوعهم إلى بلدهم ورؤيته والجلوس فيه وهم يدعون الله على صدام حسين، لم يحدث لهم ذلك عبرةً ولا موعظةً بل كان جلهم على المعاصي والدعارة رغم أن الخطيب فيها القطان كان ينذرهم ويحذرهم من مغبة الذنوب والمعاصي، وكيف وقد رأوا فكيف لا يعتبرون قال الله تعالى خطابًا للذين لا يتفكرون ولا يتذكرون وذمًا لحالتهم: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]، ويقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ [القمر: ٤، ٥].
ذكر ما جرى فيها من الحوادث
لما أن كان في آخر شهر رجب انشقت الأرض حوالي الموية بصدعٍ عظيم، فكان منظرًا رائعًا وكان كخليج في طوله وعرضه وسمكه، وحصل من ذلك لفت نظر لأن الرسول ﷺ قد أشار إلى ذلك في قوله: "خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب".
وفيها في إحدى ليالي من شهر شعبان في أوائله ذهب رجل بأولاده لقضاء مناسك العمرة، وفي طريقه بين مكة والمدينة نزل لقضاء حاجته على بعد مسافة قريبة من السيارة فقضى عليه ذئب فافترسه ومزق أحشائه، وبينما كانت زوجته وأولاده في انتظاره تأخر عليهم فلبثوا بسيارتهم طول الليل، ولما انشق الفجر نزلت المرأة تنظر عليه، واستعانت على ذلك مهلها برجال فوجدوه ممزق الأحشاء ورجع الأولاد من أبيهم بخفي حنين ﵀ وغفر له.
стр. 2671
كائنة غريبة
أتي بامرأة قد أصيبت بعقلها منذ زمن بعيد إلى كاهن يحل السحر فذكر لهم بأنها منذ أربع وعشرين سنة أصيبت بسحر وإنه في عظم مملوء بالشعر، وقد ألقي في بئر منذ ١٧ عامًا تدعي بقليب الجلاجل في بطن مدينة بريدة أسفل النفوذ الغربي فيها، فقام أربابها واستأجروا عمالًا بالبساتين لحفرها محاولون إيجاده حتى وقعوا عليه، وقد نشأ عن ذلك ثائرة غضب عند من لا يؤيد فعلهم هذا، وبعثوا يسألون هل هذا مبرر لفعلهم ذلك.
وفيها وقع زلزال في منطقة حائل، وفيها في آخر اليوم الثالث عشر من شهر شعبان الموافق ٢٨ من برج الدلو يوم الأحد غشا الجو صفرةً شديدة برياح قوية فاصفر الجو قريبًا من أربع ساعات، وقد قدمنا اشتداد البرد في هذه السنة بحالة لم يشاهد فعلها، وقد يكون فترات في بعض الأحيان، وكان ينبغي أن تسمى هذه السنة سنة الثلج والبرد، وقد تضرر لبنان وما يليه من كثرة الثلوج إلى درجة أن قاموا يستنجدون بالمسلمين ويسألونهم المواساة لما هم فيه من الأزمات والشدائد التي علاوةً علي ما هم فيه من غارات اليهود على ديارهم وأوطانهم ابتلوا بشدة البرد والثلوج التي سدت الطرق وعطلت الماشية، وقد وجهت إليهما المساعدات من هذه الورطة.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
فمنهم محمد بن عبد الله بن حمود البازعي، كان من أسرة ظاهرة وقبيلة شريفة، عاش عزيزًا كريمًا فيه شرف الرجولة وكرم الرجل العربي، يسارع إلى الخيرات على حسب مقدرته، ولديه عزة نفس من بين إخوانه، وقد أصيب في إحدى قدميه من أثار دهس سيارة، ولم ينقص ذلك من عزمه فكان يسوق سيارته بنفسه ويسير على عربة لحوائجه في بيته، وكنت أظن أنه أصيب أيضًا في رجله الأخرى فلم ينقص ذلك من عزمه، وما زال تتقلب في المكابدة والمرارة وهو يكافح في الحياة حتى توفى
стр. 2672
في هذه السنة وجسمه ممتلئ، وتقدمة في قوة نفسه، ﵀ وعفا عنه عن عمر يناهز ٧٩ في هذه السنة.
وممن توفي فيها إبراهيم بن صالح بن سليمان المطوع أخو الشيخ محمد بن صالح المطوع لأبيه، كان ذا شخصية بارزة ومنظر حسن، أخذ في الدراسة على المؤدب صالح بن محمد الصقعبي مؤدب الجيل، ولما حذق في الدراسة والكتاب ومبادئ علم الحساب، أخذ بيده والده وجعل يسافر به إلى الشام وغيره في تجارة الإبل والسمن وغيرها، فكان يتقلب في ذلك العمل إلى أن توفى والده صالح بن سليمان، فاستمر في سنة ١٣٦٥ هـ في أعماله ويؤثر الكسوة الفاخرة، وله قوة نفس ومعاملة حسنة ثم إنه أكثر من تناول الحبوب المقوية والمهدئة لأنه لا يخلو من مرض السكر.
وممن توفى فيها الشيخ إبراهيم بن ضيف الله اليوسف من أهالي قرية الشماسية في القصيم، وهو من قبائل أهل القصيم، ولد في عام ١٣٣٢ هـ, وأخذ في تعليم القرآن من أحد المعلمين في المدارس الأهلية، ثم أخذ يطلب العلم، ومن مشايخه الشيخ إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن، وأخذ عن الشيخ محمد بن صالح المطوع في مدينة بريدة وغيرهما، وكان موضع التقدير من أمته، وكان له زملاء في مهنة الزراعة في بلده فإذا ما حلت الشمس في برج الجوزاء ساروا إلى مدينة بريدة لأخذ العلم عن العلماء إلى أن تحل الشمس في برج الميزان فيرجعون، وإذا ما رجع فإنه يجلس يعلم بني وطنه، وقد كان إمام جامع الشماسية وخطيبه، ثم ترك ذلك بعارض قد أصابه، ولما أن فتحت المدرسة الحكومية الابتدائية في قرية الشماسية التحق بها كمدرس ديني، ولبث في هذه الوظيفة قرابة خمس وعشرين سنة ثم أحيل علي المعاش فلبث في بلده يفيد السائلين من أهل بلده رجالًا ونساء، وكان موضع التقدير حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة، ﵀ وعفا عنه، ويلاحظ عليه أنه قطع الزيارة عمن تعلم منه، فكان لا يزور ولا يزاور مع قرب المسافة، والله يغفر له، وقد رثاه بعد موته أحد طلابه بمرثية طويلة قال صاحبها:
стр. 2673
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قصيدة للشيخ سليمان بن إبراهيم اللاحم
هوى البدر يا قومي لجلَّ مصابنا
في يوم الاثنين الموافق ١٦/ ٧/ ١٤١٢ هـ وافى الأجل شيخنا إبراهيم بن ضيف الله اليوسف والقصيدة طويلة من أبياتها قوله:
نكبة بلادي أرضها وسمائها ... وحقٌ لها تبكي أفول الكواكب
شبابٌ وأطفالٌ وشيبٌ ونسوةٌ ... بكوه جميعًا في الضحى والغياهب
إلى آخرها وهي حسنة، وكان مربوع القامة، ممتلئ الجسم، عليه بهاء العبادة، وسيما الصالحين.
وممن توفي فيها الشيخ صالح بن محمد بن عبد الله التويجري ﵀ وعفا عنه، كانت وفاته في يوم السبت ٧ رجب من هذه السنة، ولد في ١٣٣٥ هـ ونشأ في ظل والده الشيخ محمد إمام المسجد الجامع في قرية القصيعة، ورباه وأحسن تربيته، ولما أن انتقل والده من الغربة المذكورة إلى مدينة بريدة ليتزود من العلم كان في معيته، وحينما عين والده قاضيًا في جيزان من أعمال عسير كان في معيته، وذلك في عام ١٣٥٨ هـ، وفي خدمته، ونال وظيفة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك، ولما أن توفى والده عام ١٣٦١ هـ انتقل وأخوته إلى مكة المكرمة فأقاموا فيها، وكان حلو الكلام، جذاب الملامح، أديبًا وحسن السيرة، وهو من زملائنا، أخذ العلم عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وعن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، ودرس مكة المكرمة حال إقامته فيها عام ١٣٦٢ هـ، وقد أجري له ولإخوته راتبًا وزير المالية عبد الله بن سليمان بن حمدان في تلك الفترة، ثم إنه عين رئيسًا لمحاكم تبوك، وخدم في هذه الوظيفة حكومته نائلًا رضا الأمة هناك مع حظ وحس معاشرة لجلسائه، ويحرص دائمًا على الصلح بين الخصمين، ولا يمل حديثه، وكان موضع التقدير من الجميع ورزقه الله مالا هناك فكان له مزارع ثمينة هناك، ثم طلب أن يكون عضوًا في هيئة التمييز إضافةً إلى وظيفته فلم يوافق الحكومة وخيرته بين وظيفته أو إلى الانتقال إلى مكة، ويكون مساعد الرئيس هيئة التمييز هناك، واختار هيئة التمييز ورحل
стр. 2674
إلى مكة المكرمة ليشغل هذه الوظيفة، وكان موضع التقدير هنا وهناك، وبما أن بيني وبينه صلة قوية فقد لاحظت عليه تركه لرئاسة المحاكم هناك، فذكرني أنه مطمأن للجلوس في مكة المكرمة، وهي مدينته، ويقول: يا ليتها متقدمة لكنه فارق ما هو فيه من المكان والرفعة، وكان في جلوسه بمكة المكرمة يعيش عيشة الملوك، وقد جعل على المعاش في أواخر سني حياته، ولا يزال محتشمًا لدى الملوك والأمة حتى وافاه أجله المحتوم عن عمر يناهز السابعة والسبعين في مكة المكرمة موصيًا بأن يدفن فيها، وكان له بذل وإحسان وتقدم وأثنى عليه أصحابه وجلسائه وامتدحوه وترحموا عليه، وكان مرضه في قوته وجسمه، ولا يزال يتجلد حتى توفي في هذا السن الذي ذكرناه.
وفيها توفى حمد بن عبد الله بن عودة مؤذن مسجد عودة الرديني في مدينة بريدة، الذي يؤم فيه الشيخ محمد الصالح المطوع رحمه الله تعالى وعفا عنه.
زلزال يصيب إيران
ففي اليوم الحادي عشر من شهر رمضان ١٤١٢ هـ أصاب شمال إيران زلزال بلغ ست درجات وهم جالسون علي وليمة الإفطار في اثنتين ثوان فهدمت البيوت وهلك أربعة آلاف وتسعمائة، فكانت أسفل الأنقاض جرحى أودعوا المستشفيات للعلاج، ثم إنه انبعث ذلك الزلزال مرةً أخرى بعد يومين، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله أن يغفر للمسلمين ويقيهم الحوادث، ويكشف عنهم العذاب، وقد رفعت التعازي إلى رئيس الجمهورية للمواساة.
وفاة رجل معمّر
في مدينة بريدة توفي يوم الجمعة ١١ شعبان المواطن عبد الله بن عبد العزيز بن علي العقيل عن عمر يناهز مائة سنة، وكان ﵀ من المحافظين على الصلوات الخمس في جماعة بالمساجد، ويتعاطى في التجارة حتى وصل الشيخوخة، وله أخوة وأبناء صلحاء.
стр. 2675
وفيها تقدمت أيادي للسفارة الإسرائيلية في الأرجنتين ففجرت ألغامًا وعبوات ناسفة، ودمرت فيها فهلك من جراء ذلك اثنان وعشرون، وجرح مائتان وثمانية، وقد أرادت إسرائيل أن تنتقم لنفسها ولكن أمريكا رأت أن تعالج الأمور بحكمة، وكان ذلك ليلة إحدى وعشرين من رمضان المعظم من هذه السنة يوافق ذلك الأربعاء ٢٥ من مارس.
وفيها أيضًا ليلة دخول العشر الأواخر من رمضان في تلك الليلة أصدر مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية عن إرادة الملك فهد بن عبد العزيز تخفيض الأسعار من الأرز والسكر والغاز وللوقود والبنزين والجمارك والمكالمات الهاتفية الداخلية وغير ذلك مما تمس آلية حاجة الإنسان فوافق ذلك ارتياح الشعب داعين الخالق القدير، إنها لخطوة حسنة ورأفة بالمسلمين، لأن اشتداد المؤنة من الفقر، اللهم الطف بالمسلمين وأوسع لهم في أرزاقهم وأرخص أسعارهم وشر أمورهم، وكانت الأمطار قد توقف هطولها على الدمام وما يليه والرياض والقصيم والحجاز، والمسلمون ينتظرون من الله الفرج، وذلك بعدما خرجوا مرات للاستسقاء عن أمر الوالي.
استقالة عبد الإله
لما كان في ٢٢/ ٩/ ١٤١٢ هـ قدم استقالته عن إمارة منطقة القصيم فأجيب إلى طلبه ونشر الملك أخوه فهد بن عبد العزيز للعالم شكره للأمير على ما قام به من العمل وخدمته لحكومته تلك المدة، فبهذا تقرر تخلي سمو الأمير عبد الإله بن عبد العزيز عن إمارة المنطقة وأظهر أنه يريد إراحة نفسه من العمل.
وفيها في ٢٧/ ٩ احترقت طائرة في بلاد السنغال بحيث تفجرت وهلك بعض ركابها وجرح بقيتهم، فبعثت الحكومة السعودية تعازيها لرئيس الحكومة والدعاء للهلكى، وطلب الشفاء من الله تعالى للجرحى، وذلك لما تفجرت صهاريجها من النار وسقطت.
стр. 2676
وفيها في برج الحمل أعاد الله الكرة للمسلمين بأن هطلت أمطار على نجد والشرقية والحجاز وحائل وما يليها، وتسمى العامة مثل ذلك رجعان بكسر الراء على وزن حرمان، وإن كان ذلك قليلًا بالنسبة إلى ما يصلح آبار الزراعة الحديثة التي لقلة الأمطار قلت مياهها، وفي كل عام منذ عشر سنوات يضطر المزارع إلى تنزيل المواسير لطلب الماء، وبما أنه توالى هطول المياه لكنها ضعيفة بالنسبة بما يتطلبه الوضع، لأن المحاور والرشاشات المائية أو كما قيل الأمطار الصناعية تستدعي كمية من الأمطار التي تصرفها الطبقة الأرضية، وأملنا عظيم بربنا أن ييسر مياه الأمطار إلى المواقع الزراعية كالقصيم وغيره مما لا يصلحه القليل، وبما أن الحكومة بذلت أسبابًا لتحلية مياه البحر فإنها وإن كانت فيها المعونات لسقيا الخلائق فلا تغني شيئًا إذا لم يأذن الله بقطر السماء، بحيث يقول تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] وفي كلام الحكمة: "إذا جاء نهر الله بطل نهر عمر"، وأما عن مشروع التحلية في جدة والوجه وضباء والجهات الأخرى، وقد ظهرت مصلحته واطمأن الناس في بعض جهات المملكة إليه، وقد سبق سحب تلك الخطوط الصناعية إلى بعض الجهات الأخرى لما كان يعتقد أنه صحي، والله أعلم بذلك.
وفيها اشتدت الأذية على المسلمين في بورما وفروا هاربين إلى باكستان بدينهم ليسلموا من التعذيب، ولما أن تدفقوا إلى حكومة الباكستان اضطر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلى دفع المعونات والمساعدات من أغذية وكسوة ونفقات ليساعدوهم ولا سيما وقد كان فرارهم في الشتاء في برج الحوت.
وفي شهر رمضان المبارك ومن المصادفات انتشار الإسلام بعد سقوط روسيا التعسفية التي كانت تلك الجمهوريات المنفصلة عنها متحررة بعد الضغط عليها تحت سيطرة الشيوعية التي كانت منذ سبعين سنة ترزح تحت استعمارها وتحكماتها، واليوم قد أصبحت متحرزة وتدين بالإسلام، وكثر اعتناق بعض المنحرفين عن الهدي لدين الإسلام.
стр. 2677
سقوط طائرة الرئيس الفلسطيني
لما كان في أثناء سفر رئيس تحرير فلسطين ياسر عرفات من السودان إلى ليبيا أصيبت الطائرة بعاصفة فتأثرت لها الطائرة واختفى موضعها فاضطرت أمريكا إلى تسليط قمر صناعي لانتشالها حتى توصلوا إليها، وكانت قد سقطت فسلم الرئيس وأصيب ثلاثة ممن معه، أما ياسر عرفات فقد كتبت له السلامة، وكان ذلك في ٤/ ١٠ من هذه السنة.
ثلوج تقع في المشعلية لما كان بعد عيد الفطر من هذه السنة نزلت الثلوج حول قرية المزاحمية غرب الرياض وذلك في ٢٠ برج الحمل ٨/ ١٠ من هذه السنة، وقد مرَّ عليها ثلاث ليالٍ لم تذب، وهذا شيء نادر الوقوع، وكان طقس المنطقة الوسط متقلب الأحوال تارةً برودةً وتارةً ترتفع الحرارة وظلمة ورياح.
لما كان بعد صلاة الظهر من اليوم ٩ من شوال من هذه السنة عصفت رياح رملية شديدة على القرية الكائنة على مسافة ٦٥ من الرس فأصبح الجو عليهم ظلامًا دامسًا بظلمة الليل فخرجوا من بيوتهم ولجأوا إلى المساجد يبكون ويستغفرون الله رافعين أياديهم إلى السماء، ولم يشكو إبان قامت القيامة التي وعد الله بها فلبثت الحالة خمسًا وأربعين دقيقة وقد تعالى صراخ الأطفال بالبكاء، وكان رجل نائمًا وقف القيلولة فلما هب من نومه إذا الدنيا قد تحولت من ضياء النهار إلى ظلمة، ظنها منتصف الليل وكانت القرية البالغ عدد سكانها ثلاثة آلاف نسمة في حالة يرثى لها حتى فرج الله تلك الشدة فرجعوا إلى بيوتهم والله على كل شيء قدير، ولما كان بعد هطول الأمطار علي سائر القصيم عادت إلى الأرض بهجتها وزينتها واكتست الأرض بالعراجين البيضاء فكانت الأمة يقتلعونها ويحصلون على المئات منها، كما كثر العشب والكلأ.
ضرب الحصار على ليبيا
لما أن كان في يوم السبت ١٦/ ١٠ ضربت الحصار أمريكا على ليبيا وذلك
стр. 2678
بدعوى أن رجلين من الحكومة الليبية فجرا طائرة أمريكية منذ خمس سنوات ولم تتوصل الحكومة الأمريكية إلى الحقيقة إلا قبل فرض الحصار على ليبيا، وقد طلبت تسليمهما إليها ولقد امتنع معمر القذافي عن تسليمهما، وطالت المراهنات بينهما، وذلك لأن أعمال الرجلين قد تكون عن إرادة القذافي كمنتقم من أمريكا التي ضربت ليبيا فيما سبق فأحب أن يشفي غيظه بتدبير منه لهذين الرجلين وبتسليم الرجلين للتحقيق معهما تنكشف الحقائق، وبما أن أمريكا وهي الدولة العظيمة القوية تستطيع أن تعمل ما تشاء بليبيا فقد فرضت الحصار عليها ووضعت طائراتها من الرحلات مع أشياء أخرى، إلى أن تخضع ليبيا للتدابير الأمريكية، وفي كلام الحكمة: "لا تخاصم من إذا قال فعل"، وكان القذافي لما ضايقته أمريكا قبل الحصار عرض عليها أن يسلمهما للجامعة العربية، وقد أصبحت الطائرات جاثمة في مطار ليبيا، ولو تكلم التاريخ بصراحة القول لكان الأولى بالقذافي تسليمهما للتخلص من براثن الأسد، ولكنه أظهر عناده لما ينجم عن ذلك من المسؤوليات وإدانته بتسليمهما أمام أمريكا، وبما أن فرنسا وبريطانيا حليفتان لأمريكا فإنها لم تتكلم بكلمة واحدة، وقد حصلت مظاهرات في الهند، فقد قام مائتا ألف متظاهر هناك من أجل فرض الحصار على ليبيا، ولكن ثم ماذا تعني تلك المظاهرات في الهند، ولقد كانت تضرب الأمثال في حكمة أمريكا وسير أعمالها بحيث لم تستطع الدول الأخرى أن تقف في وجهه، لا سيما وهي التي أخضعت العراق وجعلت الرئيس صدام كدب حائر في شقٍ من الأرض لا يستطيع حيله ولا يهتدي سبيلا، ودمرت قواته وأصبح تحت سيطرتها ولولا أن عين الأسد حمراء لما خضعت العراق، وكانت تحت رحمة أمريكا.
حادثة من الحوادث
لما أن كان في ظهر يوم الأحد ١٧/ ١٠ ألقي القبض على السفير السعودي في اليمن بأن دخل رجل يحمل قنبلة يدوية ومسدسين على خفية متذرعًا بالسلام على
стр. 2679
السفير بصنعاء، ثم ألقى القبض عليه واحتجزه وصاحبه في مكتبه، وأبان بأنه لا يسلم من القتل حتى يفتدي نفسه بمليون ريال، فلبث السفير من ظهر اليوم المذكور إلى الصباح من يوم غد بحالة يرثى لها، ولبث على هذه الحالة عشرين ساعة من يوم ١٨/ ١٠ قد حرم النوم والراحة، ثم إنها استطاعت الحكومة اليمنية من أن تقبض على الجاني وذلك برشقه بالشاي الحار في وجهه، وقد حاول الجاني بأن يلقي القنبلة وأطلق رصاصتين، لكنه لم يصب أحدًا بأذي، ومكن الله منه وألقي القبض عليه، وبعد التحقيق عنه تبين بأن لبس له هدف سوي دفع مليون من الريالات إليه، وقد رفعت الحكومة السعودية شكرها لوزير الداخلية اليمنية وحكومة اليمن.
تحرير أفغانستان
في يوم السبت ٢٣/ ١٠ سقطت كابل عاصمة أفغانستان بأيدي المجاهدين، وانتصر أهالي أفغانستان على روسيا ومن انخدع لهم بعدما فرَّ الحاكم الأول نجيب الله، وقد استبشر المسلمون بهذا النصر: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤، ٥]، ولكنه يخشى من تنافس الرؤساء علي السلطة، وبعث ملوك العرب ورؤسائها يحثون الأهالي على الاعتصام بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا، وأن يتفقوا علي جعل رئيس، وقد دخل القائد بالجيش الإسلامي أحمد شاه مسعود، وكان ذلك بطريقة سلمية، وكان الجيش قد سيطر على جميع الأماكن الحساسة، ولكن قلب الدين حكمتيار الذي كان ينازع على الرئاسة يخشى منه، ولهذا فإن الأمة رأت تتويج صبغة الله، واختاروه رئيسًا، وهذا بعد جهاد مرير دام بضع عشرة سنة، وما زال المجاهدون في كفاحهم حتى نصرهم الله تعالى وكانت الإمدادات الإسلامية من أطعمة وأكسية متوالية على المجاهدين حتى فتح الله عليهم، وفي كلام الحكمة: "إياك والسآمة فتقذف بك الرجال خلف أعقابها"، ومن العجائب، والعجائب جمة سقوط الحكومة الأولى، سقوط روسيا التي ناصرتها، نسأل الله أن ينصر دينه ويظهره على الدين كله ولو
стр. 2680
كره المشركون، وإنها للبشارة العظمى بانتصار المجاهدين الذين لم يحزنوا لأنهم الأعلون، قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ١٦].
هذا ولا يزال القتال مستمر بين أهالي فلسطين المظلومين وبين اليهود، وقد كثرت القتلى والجرحى من أهالي فلسطين لأنهم يدافعون بالحجارة والزجاج، والعدو يقاتلهم بالسلاح الحديث، سوى أن اليهود والحق يقال لم يقاتلوا أهالي فلسطين قتالًا مبيدًا، ولكنهم قد تغلبوا على المسجد الأقصى، وعلى أراضي فلسطين، وهدموا بناء فلسطين بالقوة، وجعلوا بنايات ومستوطنات يهودية، وما زالت اليهود في تقدمها وانتصاراتها حتى وضع هذه الكلمات في ٢٩ شوال عام ١٤١٢ هـ ولله الحكمة البالغة.
شرور وبلاء مستطير
لما أن كان في رمضان من هذه السنة قامت حكومة الصرب على المسلمين هناك في يوغسلافيا وهجموا عليهم وفعلوا بهم أمور تنكرها الأديان، ولم يقع فعلها في هذه الأزمان، بحيث مزقوهم بالفؤوس والسواطير، وقطعوهم ومزقوهم ثم حرقوهم، وأخذوا النساء المسلمات فاغتصبوهن ووقفوا عليهم ثم قطعوا أيديهم وفعلوا بهم أفعالًا بشعة، وقتلوا الأطفال وهدموا المساجد وذبحوا الأئمة والمؤذنين في محاريبها، وقاموا بمكبرات الصوت يبشرون ويشيعون ما فعلوه بالمسلمين، وهدموا مساكن المسلمين عليهم وقتلوا مئات الألوف وشردوا البقية، وكان يوم الجمعة آخر أيام رمضان يومًا مشهودًا في تقتيل المسلمين ونحن نسوق ما بلغنا على جهة التحقيق.
ذكر المحنة والبلاء والخذي الذي جرى على المسلمين في يوغسلافيا
ذبحت الميليشيات الصربية في مدينة بيليسيا ثلاثة آلاف مسلم وقتلوا في مدينة دروننا في ليلة واحدة ٤٢٠ في نفس اليوم الذي غادر فيه مبعوث الأمم المتحدة
стр. 2681
سايرس ووانس العاصمة سراييفو، قتل الصرب في مدينة زرورنيك ألفي مسلم، وفي مدينة فوتفيا ثلاثة آلاف، ولم تصل التدقيقات عن عدد التي استولى الصربيون عليها، وكانوا يقتلون في كل يوم أكثر من ألف مسلم على أرض الجمهورية تلاحق وتطارد الفارين من الأطفال والنساء من القرى والمدن المهاجمة في النفايات وتحت الأحجار والأشجار، فإذا أدركوهم قتلوهم جميعًا، لقد أسر الصرب اثنين وعشرين رجلًا فلما لم يتبينوا هويتهم جردوهم من ثيابهم وملابسهم، فلما رأوهم مختونين علموا أنهم مسلمين فذبحوهم بالسكاكين جميعًا، وهذه حالة تنفطر لها القلوب وتشق لها الجيوب، وترفع الأكف لعلام الغيوب، اللهم إنا لا نقدر على الدفاع عنهم فأنزل عليهم دوائر السوء، وثبتوا في آخر يوم من أيام رمضان الأئمة والمؤذنين في محاريب المساجد ثم رفعوا الأعلام الصربية على المآذن بمكبرات الصوت فرحًا واستبشارًا بعلو ذلك بالتعاون مع الجنود والاتحاديين الذين يمارسون أبشع أنواع التعذيب بالمسلمين، الله انتقم من هؤلاء الكفرة الظالمين للمسلمين العزل الذين ذبحوا بالسكاكين في محاريب المسجد، وقد قال المخبرون عنها أنهم لم يتوصلوا إلى كل ما فعل لأن العقول البشرية لا تصدق بذلك هذا آخر البسط بالمسلمين في البوسنة والهرسك على أيدي الصربيين الكفرة هناك، وقد قتلوا وذبحوا وعذبوا المسلمين وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، وعذبوا الأطفال وقتلوا البعض، وعذبوا السجناء وعاملوهم معاملة لا إنسانية وانتهكوا أعراض النساء وقتلوا معظمهم، ونقل الأحياء منهم إلى حكومة العدو، وقد خلفت الحرب في البوسنة والهرسك من الأعمال الإجرامية التي ارتكبتها الحكومة الصربية وأسفرت عن ثلاثة آلاف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى، وتشريد أكثر من خمسة وثلاثين ألف، واغتصاب مئات النساء ثم قتلهن، واختطاف بعضهن والذهاب بهن إلى حكومة صربيا، وتدمير مائة ألف وستين ألف منزل في المدن والقرى الإسلامية، وتدمير مئات المساجد بالقصف، وإحراق محتوياتها، وتدمير عشرات المصانع
стр. 2682
ومحطات الكهرباء، وتدمير مئات المدارس وعشرات المستشفيات، وسقوط عشر مدن وعديد من القرى بأيدي الصرب، ونهب محلات المسلمين والبنوك، وهدم مطار المسلمين، ووصلت الأحوال إلى درجة سيئة.
كما أن كشمير أغار عليها كفار الهند وقتلوا المسلمين فيها ومثلوا بهم من قطع أيدي النساء وهتكها.
إمارة فيصل بن بندر بن عبد العزيز
ففيها في خامس عشر ذي القعدة قدم سمو الأمير فيصل بن بندر بعد صلاة العصر على مدينة بريدة أميرًا في منطقة القصيم خلفًا عن الأمير عبد الإله الذي قدم استقالته قبل ذلك بعدما صدر الأمر بتعيين الثاني، فصفقت العاصمة فرحًا بقدومه وخرج الأعيان لاستقباله، وذلك في يوم الأحد الموافق لما تقدم، ورجوا خيرًا.
حادثة من الحوادث
ففي اليوم الرابع عشر من ذي القعدة حدث زلزال في روسيا بمدينة طاجيكستان هلك بسببه مائتي قتيل، ونزلت المياه من رؤوس الجبال من الفيضانات، وتكسفت الأحوال هناك.
وفي ثاني عشر ذي القعدة خرج صاحب سيارة وايت في طريق حائل بصفة غير منظمة فأصيب ركاب سيارتين باصطدام هلك منه عشرة صلي عليهم في المسجد الجامع الكبير في مدينة بريدة بعد صلاة الجمعة، واثنان تحت العلاج في المستشفى، نعوذ بالله من سوء المنظر في الأهل والمال والأحباب.
عذاب وتعذيب لمسلمي كشمير في الباكستان من أهل الهند
لما أن كان المسمون ولا سيما أهل الإيمان منهم يمتحن الله صبرهم وثباتهم كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
стр. 2683
[الملك: ٢]، وكما في قوله تعالى في ذكره: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]، فإن مسلمي أهل كشمير في حكومة الباكستان نالهم أذى من كفار أهل الهند أشد العذاب والبلاء، فقد سامهم الأعداء سوم فذلوهم وعذبوهم في الله، وكان لما أن رفضت الحكومة الهندوسية في الهند تقرير مصير للشعب الكشميري شرعت في أخذهم بأنواع التعذيب والبطش والأذى وعاملتهم معاملة قصرت عنها معاملة الصليبيين لمسلمي أهالي الأندلس ولا ريب في أن من لم يرع مخلوقًا ولا خالقًا وفقد إنسانيته فإنه يفعل ما يشاء من أمور الخلاعة كما قيل:
إذا لم ترع مخلوقًا ولم تخشَ خالقًا ... ولم تصن وجهًا فما شئت فاصنع
فعياذًا بالله من سوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونحن نسوق ما بلغنا عن طريق التحرير لا المشافهة، قال الراوي: بعد أن رفضت الحكومة الهندوسية حتى تقرير المصير للشعب الكشميري شرعت في تدمير بلاد كشمير الجميلة، واستخدمت الهندوس الكافرة جميع أشكال الاضطهاد بما فيها الاستقلال الاقتصادي والتعذيب الثقافي، والاضطهاد السياسي، وأساليب التعذيب اللاإنسانية، والقمع العسكري لإنهاء ثورة الاستقلال في كشمير، إلا أن الشعب الكشميري أعلن أنه سيستمر في جهاده بغية تحرير وطنه وحصوله على حقوقه الشرعية الكاملة غير منقوصة حتى نهاية المصير، وما زال كشمير الأعزل في جهاده ضد القوات المحتلة دون خوف أو وجل، غير أن ممارسات القوات الهندية الوحشية من بداية ١٩٩٠ م اتخذت إجراءات شديدة لإنهاء جهاد الشعب الكشميري بحيث استخدمت الأسلحة الفتاكة بكل أنواعها دون أي رحمة أو شفقة، فقتلت آلاف الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ، وقامت قوات الهند باغتصاب العديد من النساء والفتيات، وأحرقت المساكن والممتلكات وهدفها من هذه الأعمال الإجرامية إرغام الكشميريين على الاستسلام، ولكنها إرادة شعب وأمة ظالمة، فهيهات أن تلين كشمير وهم المسلمون مهما كان الإرهاب، ولقد قطعوا ثدي
стр. 2684
النساء وعاملوا الأسراء معاملة تستحيل عندها العادة، ذلك بأن العدو وفي عدد تجاوز خمسمائة ألف فقاموا على المسلمين بعد الأسر وجعلوهم عراة، وأجبروهم علي أن يقع بعضهم علي بعض في اللواط، وأن يغتصبوا فيهم، وأن يحمل كل إنسان على تلاوة شيء من القرآن الحكيم، وبعد تلاوته يجبر علي أن يبول في إناء ويشربه على القرآن، وأطلقوا الرصاص على المتظاهرين العزل، واعتقلوا آلاف الشباب، وأصيب عشرون ألف بالقتل، وجرح خمسة آلاف، وقتل الأسراء وهم عراة، جعلوهم ركامًا، وأخذت الكاميرات صورهم وهم بهذه الحالة المذرية، وعذب المسلمون وانتهكت حرمات الإسلام على يد أناس لا أخلاق لهم ولا دين ولا إنسانية، وهلك مئات من المسلمين غرقًا، وحرقت الهند آلافًا من الماشية، وهناك آلاف الأشخاص قطعت أعضاؤهم وحرقوا مئات من الأحياء، وهلك سبعة آلاف يقيمون في سجون التعذيب من الشباب، ويوجد ثلاثون ألفًا من الرجال والنساء والأطفال تحت التعذيب، وطرد خمسة آلاف من ديارهم ومساكنهم إلى غير ذلك من الأمور التي تقف عن الاستماع وتنكرها الفطر وتشمئز منها القلوب، هذا وقد قام المسلمون في بيوت الله والحرمين الشريفين يقنتون في صلاة المغرب والفجر يدعون الله ويستنصرونه على الأعداء في خلواتهم وجلواتهم من تلك الأفعال الشنيعة في البوسنة والهرسك الذين أصيبوا بأعظم مما أصيبت كشمير وسكان المسلمون.
ولبثوا شهرًا كاملًا بهذه الصفة يدعون ويستنصرون ما دام القمع والحصار والتعذيب على البوسنة والهرسك، هذا ونسأل الله تعالى أن يلطف بالمسلمين وينصرهم على أعدائهم، وأن يذيق أعداء المسلمين مرير عقوباته، وأن يخذلهم ويمزقهم كل ممزق، ويدمرهم تدميرًا، وإنها لحالة يرثى لها بفؤاد موجوع، وقلب من سماع هذه الأهوال، وإن النصر بيد الله والأمور مرهونة لأوقاتها.
وفيها اغتيال رئيس جمهورية الجزائر ضياء، كان لما ارتقى المنصة لإلقاء خطاب على الأمة أطلق عليه الرصاص، وكان لا يستطيع أحد الدنو منه إلا
стр. 2685
الجنود المحافظون عليه، فتقدم اثنان وأطلقا عليه النار فقتل الرصاص من حواليه فألقي القبض على أحدهما وفرَّ الآخر، وكان ذلك في يوم الاثنين حادي وعشرين ذي الحجة، وما أغنى حذر من قدر، وقد كان هذا الرجل كما ذكروا عنه متحديًا لأهل الدين، وقد سجن وعذب أمةً منهم، والله بالمرصاد، وقد امتلأت السجون بالمسلمين بحيث سجن خمسون ألف مسلم بسبب هذه الحادثة، وعمت الفوضى بالجزائر.
وختمت هذه السنة بزعازع في مشارق الأرض ومغاربها، وثورات في سائر المعمورة، ولقد عجز المصلحون عن تسكين تلك الفتن، ومع هذا التناحر والتقتيل فقد كثرت الفيضانات والزلازل والأعاصير، فمن لم يمت بالقتل فقد هلك من جراء تلك الفيضانات والزلازل والبراكين المتفجرة والأعاصير القاتلة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبما أن الحكومة السعودية لها أفعال كثيرة في مساعدة المنكوبين والعطف عليهم فقد اتسع الخرق على الرافع، وذلك بأسباب تفكك الأمم ونزاعها.
ثم دخلت سنة ١٤١٣ ه ـ
استهلت هذه السنة والحالة مستمرة في النزاع وإراقة الدماء، فهذه كشمير المسلمة في الهند يعاني أهلها أنواع البلاء والتعذيب وقتل المسلمون بعدما أذيقوا أشد أنواع التعذيبات على يدي حكومة الهند الكافرة، فكانوا يرغمون المسلمين على أبشع الحالات وهم في سجون التعذيب من تناول الأشياء الحارة وعلى اللواط، وربط الأشياء الثقيلة في قضبانهم يجرونها، وامتصاص المني، والوقوف الطويل فترات لا يتحملها الآدمي، وأعظم شيء حملهم علي ممارسة اللواط بعد تلاوة القرآن، وكانت قوات الاحتلال تمارس في معاملتهم أبشع الجرائم اللاإنسانية التي لم يسبق لها نظير في تاريخ البشر، إلا أن المسلمين يتصدون لقمع هذه الممارسات الشنيعة القمعية حتى لقوا حتفهم وماتوا وهم عرات، فلم يبقَ نوع من
стр. 2686
أنواع التعذيبات إلا أوجدوها على أولئك العجزة، ومن العجائب سعة حلم الله عليهم، ولم يعاجلهم بعقوبة من عنده، وقد أرغمت نساؤهم على هتك أعراضها وتقطيع ثديها والعبث بها مما تستنكر عند سماعها الآذان، وتقشعر منه الأبدان، وتنكرها الفطر والأديان، وقد قطعوا أعضائهم وهم ينظرون، وأجبروهم على شرب بولهم ويرمون الملح والفلفل على جروحهم وغير ذلك مما يخالف القوانين الدولية والحقوق الإنسانية.
أما البوسنة والهرسك فقد همَّ النصارى في حكومة الصرب على المسلمين هناك واصطادوا من وقف لهم فذبحوهم بالسكاكين، ولما فرت النساء المسلمات والأطفال كانوا يلاحقونهم ويصطادونهم كما يصطادون الأرانب فيذبحونهم بالسكاكين، واذا شكوا في رجل هل هو مسلم أو نصراني كشفوا له عن عورته فإن وجدوه مختونًا قتلوه، وقد قطعوا ثدي النساء وهتكوا أعراضهم وساموهم سوء العذاب بهتك أعراض الفتيات وقتل الأطفال، وتعذيب المسلمين بأنواع التعذيبات، ولم يراعوا كبيرًا في سنه أو طفلًا في مهده، وقطعوا المواد الغذائية عن المسلمين ليموتوا جوعًا وعطشًا، وكانت القوات النصرانية تهدم المساجد ويقتلون أئمتها في محاريبهم والمؤذنين، ويكتبون في حيطان المساجد: قتلنا كلاب محمد، وهدموا المصانع وحرقوا جميع المساجد والمصانع، ولم يلقَ المسلمون وليًا ولا مناصرًا، وكانت دبابات الصرب ومدافعهم تمطر البوسنة والهرسك وما يلحق بها قذائفها على أولئك المسلمين بالنيران والحديد، حالوا بين المساعدات التي وجهت إليهم جوًا وبرًا، ولم يرعوا فيهم الأولاد، ولم يرقبوا في تلك التعسفات خالقًا ولا مخلوقًا كما حالوا بينهم وبين الأدوية التي يبعثها المسلمون الجرحى ليموتوا جوعًا وعطشًا ومرضًا، وكانت أمريكا وغيرها لم يرعوا تلك الأهوال اهتمامًا، أملين أن يقضى علي الإسلام ويباد أهلها، وقد أقام المسلمون الحجة على أمريكا بأنها حينما بطشت بالعراق وجعلوا أهله أذلة صاغرين كانوا مستطيعين ولهم تمام النفوذ في إبادة سلاح العراق والتنكيل بأهلها، أما الصرب فيتركونهم يبطشون بالمسلمين،
стр. 2687
وكانت السياسة الأمريكية تماطل في النظر في تلك الأهوال والمشاغب ليتمكن النصارى في انتهاز الفرصة والقضاء على المسلمين، وتعد الصرب بوضع الحرب، وكف الأذى، وتماطل ليقضوا أغراضهم في المسلمين البؤساء العزل هناك، وقد اشتد الأمر وعظم الخطب، وتأخر النصر للمسلمين لما يريده الله تعالى من تمام حكمته، إنها ليست ثورة داخلية إنما هي غزو النصاري للمسلمين هناك، وهم أقوى منهم، وقتلوهم وهدموا ديارهم، واستحلوا محارمهم، ولعلهم لم يتوصلوا إلى هذا القصد السيئ حتى أتيحت لهم الفرصة، ولم يجدوا من وقف في وجوههم حتى حصلوا على مقصودهم في هذا الزمن الذي فقد فيه أسد العرين، وكان من شباب المسلمين وأهل الغيرة في نواحي الأرض من ينادي بالاستنكار لهذا العمل السيئ، ولكنهم لم يستطيعوا نصرتهم ولا الدفاع لقوة العدو وما لديه من المعدات والأسلحة الشعبية.
ذكر ما جرى في الصومال
لما كانت هذه الحياة الدنيا فيها الخير والشر، وفيها السراء والضراء، وفيها النعمة والبؤس فإن الله ابتلى أهل الصومال بالنزاع فيما بينهم يتنازعون الشرف، وقام بعضهم على بعض بالقتال والمذابح التي سببت عليهم أنواع الجوع والأمراض، وعجزت الأمة عن تسكيتهم، وابتلى الله المسلمين هناك، وقد وصلت الحالة في ربيع الأول من هذه السنة إلى أن أصبحوا في حالة خطرة، وقرر الخبراء أنه يهلك في كل يوم منهم ألف نسمة من الجوع والمشاغب وانتشار الأمراض فيما بينهم من سوء التغذية، حتى أعلنت إحدى الإذاعات بأن أربعة ملايين في الصومال مهددون بالهلاك، والموت، وقد بعثت الحكومات الإسلامية بأنواع الأغذية والمساعدات مما يخفف الوطأة من هذا المحنة، ولا يزال الموت يعم الأسر كاملة، وقد حدثني بعض المطلعين على حالتهم من المنقذين لهم من خطر المجاعة بأنه رفع إليه أن أهل البيت سيموتون من الجوع فذهبوا إليهم بما يصلحهم لكنه لما جاءهم وجد الأسرة كلها جامدة وهي مكونة من عشرة أنفس، وسمع
стр. 2688
أهالي بيت يستغيثون لطلب ما ينقذهم، فلما جاء أهل الإنقاذ إذا قد انقطعت أصواتهم وهلكوا عن أخرهم وهلم ما جرّى من هول ما وقع فيهم من الدماء والهلاك، وقد استمرت هذه الحالة السيئة منذ أكثر من سنتين بحيث لم يروِ التاريخ عن أكثر هلاكًا من هذه الأمة جوعًا، وتعجز الألسنة عن التعبير عما هم فيه من البلاء والأحزان ومرارة العيش، نسأل الله العافية، وبما أن الحكومات تبعث إليهم المدد من الإغاثة فإن الهلاك منتشر فيما بينهم، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا العافية، وأن يلطف بالمسلمين، وإن الإمدادات توالت إليهم من أطنان الحبوب والتمور، فإن الحالة تكاد تنطق عما هم فيه قبل ذلك، ولا يزال المسلمون يوالون إليهم أنواع الأغذية والأدوية، ولكن الأمور كما هي في تأزم الموقف إلى حالة يرثى لها.
ذكر حادثة شنيعة
ففيها في يوم الجمعة من يوم الحادي والعشرين من ربيع الأول قتل رجل من أهالي اليمن في مدينة الرياض أمه، وكان قد قام بمساعدة زوجته على والدته بالساطور يضرب رأسها ثم رقبتها، فأخذت الوالدة السكين فانتزعها من يدها بقوة فوقعت أصابعها، وقامت الزوجة بلبن البلوك ترجم رأس الوالدة حتى هلكت، فأتي بالرجل وزوجته وأجري عليهما حكم الله قتلًا فعند ذلك تتجلى هذه الجريمة من إنسان فقد دينه وإنسانيته، وعامل والدته الحنون بتلك المعاملة الرذيلة، وأي ذنب بعد الشرك بالله أعظم من قتل والدته التي حملته كرهًا ووضعته كرهًا، نسأل الله العافية، وإذا نزع الدين والحياء من الإنسان فليفعل ما يشاء، نعوذ بالله من الخذلان، ويكفيه ما لاقاه هو وزوجته من هذا الجزاء موتًا زؤمًا وكأسًا علقمًا.
وفيها جرى ترفيع موظفين ونقل آخرين، ففي عشرين ربيع الأول رفع الشيخ صالح بن محمد بن لحيدان من وكالة رئيس المجلس الأعلي للقضاء إلى رئيس المجلس الأعلى، ونقل وزير العمل محمد بن إبراهيم بن جبير إلى رئاسة مجلس الشورى ونصِّب الشيخ بن راشد الرئيس العام سابقًا في رئاسة ديوان المظالم، وكان الشيخ
стр. 2689
نشيطًا في أعماله، ونصَّبَ الشيخ ابن إبراهيم آل الشيخ وزير العدل مباشر كلٍ وظيفته الجديدة، نسأل الله لهم التوفيق.
وفيها في ٦ ربيع الأول هبَّ إعصار في المكسيك من أعمال أمريكا الجنوبية فسبب خسائر عظيمة تقدر بعشرين مليون دولار، وأهلك أنفسًا، ودمرَّ أموالًا طائلة، وأحدث أهوالًا لا يحيط بها الوصف ولا ببعضها، وتعتبر من أعظم الإعصارات، وسقط من جرائه حيوانات كثيرة، ولقد قامت أمريكا فعوضت المصابين تعويضات علي نقائصهم، فسبحان الله المتصرف في خلقه على وفق مراده.
تنبيه: قد ذكرنا ما جرى على البوسنة والهرسك من نصارى الصرب وما حلَّ بالمسلمين من العذاب والدمار منهم، وبهذا تتبين عداوة النصارى للمسلمين وكيف أنهم كانوا يذبحونهم كما يفعل بالأغنام، ولم يتورعوا عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والعجائز المسنين، قال الله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠].
ذكر أفغانستان وما جرى عليه
كان أهالي أفغانستان لما حرروا بلادهم من الروس بعد جهاد مرير، ضحوا بأنفسهم لينالوا الحرية وينتصروا للإسلام والمسلمين، كان فيهم شرذمة تناصر النصارى، وتميل إلى الكفر والضلال، فوقع نزاع شديد بين المسلمين وأولئك الضالين، وحدث انشقاقات استخدمت له المدافع والصواريخ والقنابل الصاروخية، وقد بعثت إليهم الدول الإسلامية والناصحون لهم يحذرونهم من الفوضى، ولينظروا إلى ما وقع بالصومال بسبب النزاع والشقاق، ولكن هذه المحنة استمرت زمنًا أهرقت فيه الدماء، وقد شاء الله أن نسكن هذه المحنة، ولكنها نار قد يكون هناك من يضرمها.
وفيها وفاة أمير القريات سلطان بن عبد العزيز السديري ﵀ وغفر له، أدركته الوفاة وهو يعالج بعمَّان.
وفيها حصل نزاع بين إيران وبين الإمارات الخليجية في شأن جزيرة أبي موسى
стр. 2690
كلٌّ منهم يدعي أنها له، وبما أن إيران أقوى من الإمارات فتطمع في ضمها إليها، وبذلك توفرت المشاكل بين إيران والإمارات، وقد حصل قبل ذلك نزاع بين البحرين وقطر في شأن الحدود بينهما، وبما أن البوسنة والهرسك استهدفت لغارات النصارى من سكان الصرب، وفعل بهم النصارى الأفاعيل التي لم تجرِ في تاريخ البشر، بحيث هجم الصربيون على المسلمين في البوسنة وذبحوهم في مساجدهم ورفعوا صور القتلى يزورون على المسلمين بأنه فعلوا بالصرب ذلك وقلبوا الحقائق، فقد قام المتطوعون من أهالي الصرب وهجموا على المسلمين وقتلوا من تبقى بعدما طبعوا صورة الصليب على صدورهم تبل الذبح ولطخوا حيطان المساجد بدمائهم، وجعلوا ينادون بمكبرات الصوت بانتصار النصارى وذل المسلمين، وجعلوا يكتبون على ما تبقى من حيطان المساجد هذه الكلمات قتلنا كلاب محمد وهتكناهم وسبيناهم، ويستهزئون بالإسلام وأهله وذلك لأنهم لم يجدوا سطوة المعتصم، ولا وقوف صلاح الدين الأيوبي في وجوههم، ولقد جزع لذلك شباب من المسلمين وخطباء قاموا ينادون بالويلات على ما جرى على المسلمين وبحت الأصوات في الدولة السعودية، ولكنها صرخة في وادي خالٍ من البشر، فإنها بعثت المساعدات من الأطعمة والأغذية والملابس، ولكن نصارى الصرب يقفون دونها ويمنعون من وصلوها اليهم، ولكن أمريكا والولايات المتحدة رأت أنها إذا لم تصل إليهم الإمدادات من الأغذية والكسوة فإنهم بمناسبة حلول فصل الشتاء سيبادون عن أخرهم، فبعثت إليهم مساعدات، وبعثت قوات لحقتها حتى تصل، وذلك في ٦/ ٤.
وبما أن البوسنة والهرسك بهذا الوضع فإن الصومال لا تقل عن الهول الذي لحق بإخوانهم، وكذلك مسلمو كشمير وما نالهم من أذى الهندوس وأصبح الإسلام وأهله يلاحقون ملاحقة لقتلهم والقضاء عليهم، وقد بلغ في الصومال والبوسنة والهرسك ما لا يتلافا اصلاحه إلى آخر الأبد من الأذى والتدمير والإفساد، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 2691
تنبيه: قد ذكرنا فيما تقدم اغتيال الرئيس الجزائري لما صعد إلى المنصة ليلقي خطابًا فأصيب برصاص من بعض المعترضين له، وبعد اغتياله جرت مظاهرات وامتلأت السجون بسبب قتله، وحصلت مفاسد هناك مما أدى إلى الفوضى، وكان الذين اغتالوه يرون أنه ضد أهل الإيمان ومنحرف عن الحق، وقد استمر النزاع والشقاق هناك.
وفيها في شهر ربيع الأول أصيب ملك الأردن الحسين بن طلال بمرض السرطان في كليته وجهة مثانته مما يليها فذهب إلى بريطانيا للعلاج واستئصال ما تدعوا الحاجة إلى قطعة وبعد العلاج رجع في أوائل ربيع الثاني من هذه السنة وفرحت الأمة هناك برجوعه، وجعلت تصفق استبشارًا برجوعه، وكان فيما يظهر أنه حصل تفكك في حكومة عمّان من بعض المنتقدين لسياسته، وعمل أناس في الخفاء ضده حيث كان مناصرًا للعراق ويمدها بالسلاح سرًا، وإن كان لا يتظاهر بعداوة المملكة السعودية فإن أعماله تدل على موالاته لأعدائها، وهي ثالثة حكومة غمرتها السعودية بالمساعدات، فاليمن والسودان قد انقلبوا بعداوة وكفران النعمة، ولكن الله بالمرصاد فقد حصلت ثورات في السودان وانشقاق، كما حصلت ثورات في اليمن الجنوبي والشمالي، وأصبح الرئيس اليمن علي عبد الله صالح يكابد المشاق في تمرد شعبه وأنواع المشاكل في اليمن، وأصبحت الفتن في اليمن والسودان تغدو وتروح، نسأل الله العافية.
أما العراق فقد انشق إلى ثلاث فرق: فرقة ثارت ضد الحكومة، وفرقة الأكراد، والفرقة التابعة لصدام، وهم يدبرون الحيل لاغتياله مرات عديدة، ولكنه قد نصب المشانق والنار والحديد، وأصبح الطاغية الذي يمني نفسه بجعل الكويت ميناء للعراق بعد قتل السكان، وأن يغزو الجيران في عقر دارهم عاجزًا عن تدبير شعبه الذي انشق عليه وأصبح ضحكة للأجانب فالحمد لله الذي عافا المسلمين مما ابتلاه، وبكل حال فإن حالة المسلمين اليوم يرثى لها من التفكك والنزاع والشقاق، نسأل الله تعالى أن لا يجعلهم فتنةً للذين كفروا، وأن يجمع شملهم على التقوى، وأن يجعلهم يدًا واحدة على أعداء الإسلام.
стр. 2692
حادثة
لما أن كان في اليوم الثامن من ربيع الثاني سقطت طائرة إسرائيلية على هولندا، فسقط من جرائها عمارتان في مدينة هولندا واشتعلت النيران في ثمانين شقة هناك، وهلك بسبب هذا الحادث مائة وخمسون، وفقد مائة وثلاثون لم يتوصل إلى ما صاروا إليه، وهلك جميع ركابها الذين بلغوا مائة راكب وخمسة ركاب، وقد عجز رجال المطافئ من السيطرة علي الحرائق والنيران لإخمادها، وعثر على بعض محركات الطائرة قد سقطت من هنا وهناك، وتعتبر هذه كارثة من كوارث الزمان، أصيبت الطائرة وركابها ودمرت ما سقطت عليه، نسأل الله أن يجعل تدمير الكفار في تدبيرهم.
وفيها في ٩ ربيع الثاني قامت إسرائيل بما أوتيت فأطلقت المدافع الثقيلة على جنوب لبنان وساعدتها الميليشيات في الجنوب فأصيب بعض في لبنان بكوارث، ودمرت تلك الأسلحة والرشاشات الثقيلة ما سقطت عليه، هذا والأمم المتحدة تسعى في إيجاد صلح بين العرب وإسرائيل في الشرق الأوسط ولا ريب أن ذلك تخدير الأعصاب ليتمكن اليهود من الفتك بالعرب، هذا وقد حصل إضراب عن الطعام في فلسطين من تعذيب سجناء العرب هناك ومعاملتهم معاملة قاسية، وكانوا يطلقون الرصاص على الشباب الفلسطيني مما يسبب القتل والجرح، فهذا أصيب في رأسه وهذا أصيب في فخذه، وهذا أصيب في بطنه، وهذا أصيب في صدره برصاص جنود الاحتلال، وما زال المشردون عن أوطانهم في ازدياد ومن ديارهم يطردون ويفرون، حتى بلغ عدد المشردين من كل بقع وصقع يزيد عن ثمانية عشر مليونًا، وقد رجع مليون مشرد إلى وطنهم أفغانستان لما فتح الله لهم.
ذكر ما جرى على ليبيا
إن أمريكا اتهمت رجلين ليبيين من أنهما فجرا طائرة أمريكية فطلبت إحضارهما إليها للتحقيق، وبما أن معمر القذافي أبي أن يسلمها لأن مصيرهما
стр. 2693
الإعدام، حققت أمريكا الطلب وقد عاند الرئيس القذافي فقامت أمريكا بما أوتيت من قوة وفرضت حصارًا على ليبيا في آخر الحياة من نيسان الماضي بسبب هذا الأمر الطفيف الذي لا يقام له وزن، وأصبح المسلمون هناك متضررين من ضيق الحال والمعيشة، كان من العجائب إهمال شأن الصرب يبطش بالمسلمين هناك ويسوموهم سوء العذاب تقتيلًا أو تشريدًا، وقد ذبحت رجالهم ونساؤهم وأطفالهم وهوجموا بعقر ديارهم، وهلكوا جوعًا وأذيقوا مرارة الحياة على يدي أعداء الله النصاري، ولم تسمع صرخات المسلمين واستغاثتهم بمجلس الأمن والأمم المتحدة، وكأنهم لم تهدم ديارهم ومساجدهم التي هي بيوت الله، ولم يرقب النصارى فيهم إلًّا ولا ذمة بل تقف أمريكا وقفة المشاهد كما وقفت كذلك تتفرج على قتل أهالي فلسطين، وكان اليهود يقتلون يوميًا من أولئك البؤساء العشرات والأفراد، وها هم النصارى يواصلون هجماتهم على سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك حتى أصبحت في ١٠/ ٤ بلا ماء ولا كهرباء، وتضربها مدافع الهاون والمورتر بدون رأفة ولا رحمة، ولم ينبس لهم بنت شفة بل صمت الآذان عن استغاثتهم ومواساتهم، وما هي إلى مواعيد من بريطانيا وفرنسا وأمريكا ليقضوا على الإسلام هناك، وقد شردت الصرب عشرات الآلف وقتلوا مئات القتلى، فعياذًا بالله من سوء القضاء ودرك الشقاء وجهد البلاء وشماتة الأعداء.
ذكر حادثة كريهة
في ليلة الثلاثاء عاشر ربيع الثاني من هذه السنة قام عامل باكستاني على سيده وهو إعرابي في قرية أبا الدود من أعمال الأسياح على سيده ليقتله، فأخذ ساطورًا وسكاكين ففعل بسيده وجمع أهل بيته وهم ثلاثة عشر نسمة، هلك في الحال منهم تسعة أنفس، وحمل أربعة إلى المستشفى في مدينة بريدة، ثم مات العاشر في غرفة الإنعاش، وكان الذي ضربه صبي كتبت له النجاة فأخبر المسلمين بقصته، وكان صاحب الأتوبيس جاء ليحملهم إلى المدرسة فلما أشرف على البيت وجد الدماء
стр. 2694
سائلة ففرَّ إلى رجال الأمن وإمارة البلد، ولما أن فعل الجاني تلك الفعلة الشنعاء التي لا يقدم عليها من يؤمن بالله واليوم الآخر، لأنهم ما بين امرأة وطفلة وطفل لم يحبوا ولم يكن لهم ذنب، فرَّ إلى أخي كفيله، ولما أن جلس ليتناول شراب الشاي، أراد أن يلحقه بأهله، غير أنه فكر أنه لم يكن له ذنب ولم يسبق منه عليه أذى فعصمه الله منه، وقد ألقى القبض على الجاني وكان يرعى تلك الليلة بالغنم ففقد المالك ثلاثة رؤوس منها وانتهره، ولما ألقي التحقيق معه أقر بأن الكفيل لم يعطه أجرته لمدة وقد طلب منه الجواز ليسافر فلم يفعل ففعل تلك الفعلة الشنيعة، نسأل الله السلامة، وقد أوجعت فعلته القلوب والأكباد، وأصبحت الأمة تتحدث بهذا النبأ الغريب والخبر المؤلم العجيب، وقد أظهر الكشف عنه بأنه في عقله غير مجنون فأجري عليه القصاص، وأذيق جزاء فعلته التي فعلها، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].
زلزال يصيب مصر
لما كان في اليوم السادس عشر من ربيع الثاني ١٦/ ٤ الموافق ١٢ تشرين الأول أكتوبر أصيبت عاصمة مصر مدينة القاهرة بزلزال تهدمت بسببه منازل وأصيب عشرات السكان، وجرح ما يزيد على مائة وخمسين أعقبه هزتان أيضًا لم يشعر بهما السكان، وهرعت مئات من السكان إلى القرى خشيةً من الهلاك، وقد انتشلت جثث القتلى الذين هلكوا تحت الأنقاض، وكان الرئيس حسني مبارك قد قام بزيارة إلى إمارات الخليج، ثم إلى اليابان فقطع زيارته لليابان ليباشر بنفسه ما جرى على عاصمة بلاده، وعاد إلى مصر لهذا الحادث الأليم، وفي نفس الحال بعثت الحكومة السعودية مساعدات لمواساة شقيقتها في الإسلام، وقد أحدثت تلك الكارثة رنة أسى في البلاد المجاورة لها، وبعثت التعازي إلى الرئيس المصري حسني مبارك ومواساته في هذا النبأ الحزين لما تعرضت له عاصمة مصر من الهلاك والتدمير، نسأل الله تعالى أن لا يريهم في بلادهم ولا أنفسهم سوء ولا مكروه.
стр. 2695
ذكر ما تجلى عن ذلك البلاء
تعطلت الدراسة في مصر ووقفت الحركة، وأغلقت الدكاكين ذلك اليوم، وهلك ستمائة قتيل وتسعون قتيل، وجرح أربعة آلاف، ولكنهم في اليوم الثاني من هذا الزلزال رجعوا إلى الحالة الطبيعية وفتحت المدارس والمعامل والدكاكين، وعادوا إلى الحالة الطبيعية.
انفجار بركان
قد نبهنا الله عن عدم الأمن من مكره بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]، وفي هذه السنة انفجر بركان الفلبين فقامت الحجارة السوداء تقذفها الأرض إلى الفضاء بحيث ارتفعت في الجو إلى قدر ثلاثين كيلو بحمم سوداء، وربما تكرر انفجاره مرات عديدة، وأخذ السكان حذرهم منه، فتباعدوا عن قربه بمسافة ثلاثين كيلو، فكانت هذه المساحة مسرحًا للحوادث من جراء تلك الحجارة التي تقذف يمنةً ويسرة، وفي هذه الآونة تنطلق فوهته بتلك الحجارة، وكانت القدرة البشرية عاجزة عن ردمه وإيقافه فلم يجدوا بدًا من الابتعاد عنه وهجر ما كان حواليه من تلك المساحة الكبيرة حذرًا من تلك الطوارئ.
انتشار الكتب وإيجادها
كانت الأمة فيما مضي يستخدمون أقلام القصب والمحابر في نسخ الكتب، وتقوم أناملهم في العمل لذلك، مما كان يشق علي الأفراد تحصيلها، وكان الكاتب الماهر في الكتابة قد يكتب القرآن الحكيم في وقتٍ طويل فلا يتمكن من ذلك إلا في فترة أيام، ويجعل بين الآيات دوائر بالقلم الأحمر، كذلك الرموز التي توضع للوقف وعدمه كاللازم والجائز، وانتشرت مؤلفات العلماء المتقدمين باستخدام المحابر والأقلام التي كانت من القصب، بحيث يبري الكاتب القلم بالمبراة من الجهات الثلاث، فإذا استدق فإنه يشق رأس القلم ليسيل الحبر بكثرة، وقد كنت كثير الكتابة كذلك، يقول الشاعر في صفة ذلك راثيًا عالمًا من العلماء ذاكرًا مواهبه وماله من الصفات الحسنة:
стр. 2696
وأقلامنا سقت عليه ناسفًا ... على خد أعلى الطرس كم فيه ترصع
وقد خدمت هذه المحابر والأقلام القصب العلماء المتقدمين، وجاء من بعدها أقلام تعبأ بالحبر الأزرق ولكن الأقلام القصبية لها دور فعال، وكان الأدباء والعلماء من يدخر قلمًا، وأوصى العالم عبر عبد الرحمن بن علي بن الجوزي بأن يسخن ماء تغسيله إذا فارق الدنيا بعلامات أقلامه، فوجدوا منها كمية زادت عن المطلوب، وانتشرت مؤلفات كبار العلماء كالإمام أحمد بن حنبل والشافعي ومالك باستخدام هذه الأقلام القصبية، كما أن مؤلفات شيخ الإسلام تقي الدين وابن القيم وابن رجب وعلي بن عقيل بالأقلام القصبية السيالة، ومن نظر إلى مؤلفات عماد الدين بن كثير وتفسيره للقرآن وتاريخه ومؤلفات موفق الدين بن قدامة، حتى قيل أن كتاب الظنون لابن عقيل يبلغ ثمانمائة مجلدًا وقيل أربعمائة، ومؤلفات الحافظ بن حجر العسقلاني، والفخر الرازي، والزمخشري، والحسين بن مسعود البغوي والبخاري وشروحه، وعمدة القاري، وفتح الباري، وهداية الساري، ومؤلفات بن مفلح وصحيح مسلم وشروحه، وابن الاثير كأسد الغابة، وجامع الأصول، وكتب اللغة القاموس المحيط، ولسان العرب، وتاج العروس وغيرها من كتب العلماء فإنه يرى من العجائب بركة الله تعالى في نشرها، ولكنها تباع بأسعار باهظة، وسمعت بأن جامع العلوم والحكم لابن رجب بلغت قيمتها اثني عشر ريالًا وكانت إذ ذاك تلك القيمة قد تشتري بها بيتًا لسكنه، بل زادت قيمة هذا الكتاب عن اثني عشر ريالًا إلى زيادة وزنتين من القهوة البن، وثوب وشماع، ورأيت كتاب الكبائر للعلامة الذهبي مكتوبًا بقلم جميل، وقد ملك هذا الكتاب الفقير إلى الله محمد بن عمر بن سليم، ونصيحتي لطالب العلم أن لا يغير كتبه، فقد لا ترجع إليه في هذا الزمان، ولما نشأت المطابع في أول الأمر لا تستطيع التأشير بالحبر الأحمر ويعتذر أربابها عن قيامها بهذا الغرض، ولكن مع تطوير الصناعات وتقدم العلم بها، استطاعت ذلك وأتت بما ينبغي الإتيان به تعذر الأمر عنه، وفي هذا الزمان جلبت الكتب وطبعت، وكان لها طور عظيم، واستطاعت الأمة
стр. 2697
باستخدام المطابع أن توجد كتبًا قد لا يتوصل إليها ككتاب الغاية وشرحه مطلب أولي النهى، وكتاب الإنصاف، ومصنف بن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، وتفسير بن جرير وتاريخه، وتفسير ابن كثير وتاريخه، البالغ ستة عشرة مجلدة، والمغني في الفقه والكافي في الفقه، وتفسير أبي السعود، وتفسير القرطبي، وتفسير القاسمي، وتفسير الفخر الرازي، وكشاف الزمخشري، ومن العجائب تيسير قيمتها، فقد بلغت قيمة نيل الأوطار ستين ريالًا، ومسند الإمام أحمد وسير أعلام النبلاء وكتب اللغة ومعجم البلدان، ومجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية، وأسد الغابة، والإصابة، ووفيات الأعيان، وتفسير الشوكاني، وشرح السنة للبغوي، وسنن الأقوال والأفعال، وجامع الأصول، والأمهات الست، والمجموع شرح المهذب، وكتاب الأغاني، وصفة الصفوة، ومشكاة المصابيح، وسنن البيهقي، والمقنع والإقناع، ومدارج السالكين، وزاد المعاد، ودلائل النبوة للبيهقي، وتفسير الخازن، وتفسير صديق، ولو ذكرنا بعضها لضاق الوسع، تباع هذه الكتب بقيمة مناسبة، وربما كان بعضها بقيمة زهيدة، وأصبحت موجودة لدى الأفراد، وفي سائر المكاتب بعد أن لم تكن موجودة الا عند أفذاذ الناس، أو في المكاتب الكبار، وقد انتشرت في هذه الأزمان كتب لا يحصى لها عدد وكثرت طباعتها وخدمت بالتجليد، وانتشرت دواوين الشعراء كابن ربيعة وحسان بن ثابت وأبي تمام وابن هانئ وابن مقرب والمتنبي وديوان الشيخ سليمان بن سحمان وأحمد بن مشرف، وديوان أبي العتاهية، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وديوان الإمام علي، والشافعي وغيرها، وامتلأت رفوف المكاتب، وكنت أذكر أني طلبت كتاب مدارج السالكين إعارة من أحد مشايخي الكبار لمدة خمسة أيام، فما حصلت عليه، وهذا من مدة ست وخمسين سنة، وفي هذه الآونة قد توفرت أنواع الكتب، والحمد لله وأصبحت السنة الثامنة من أوائل القرن الخامس عشر وما بعدها يضرب الأمثال بها في كثرة الكتب وتيسير حصولها لكل واحد من الأفراد، فضلًا عن مكاتب المعاهد والكليات والرابطة الإسلامية في مكة المكرمة، والجامعة الإسلامية في المدينة.
стр. 2698
أما كتب مكتبة الحرم المكي فإنك لا تكاد تطلب كتاب الا وهو موجود فيها مع الخدمات للمراجعين والزائرين حديثًا وفقهًا على المذاهب الأربعة، وتاريخًا ولغةً ونحوًا، وفرائض وأدبًا وحسابًا، وقام الكمبيوتر بدوره التقدمي، كما أن جميع الجامعات ممتلئة مكاتبها بالكتب، وقد أصبحت الأمة تطلب الفخر في إيجاد الكتب وتوفيرها، وقد حدثني أحد العلماء الأفاضل أن مكتبة احتوت على ثلاثمائة ألف كتاب من سائر العلوم، وقد تُرجم القرآن العظيم في سائر اللغات، وإن كان في النفس من ذلك شيء لأن القرآن من اللغة العربية وقول الله أنه بلسان عربي مبين، وهذا لسان عربي مبين، ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾، وفي الحديث: "تعلموا العربية وعلموها الناس فإنها لسان الله يوم القيامة"، وفي سورة الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، وقال في سورة فصلت: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣]، إلى غير ذلك من احترام القرآن، والأمر بحفظه وحراسته الى أن يرفع الى السماء في آخر الزمان، وقوله في: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧]، اللهم اجعلنا من عبادك العارفين والمهتدين يا رب العالمين.
عود على بدء
قد أشرنا فيما تقدم عن زلزال مصر عام ١٤١٣ هجرية، ونريد أن نقول بيانًا: فنقول في الساعة الثالثة ظهرًا اهتزت جهة من جهات القاهرة بقدر ستين ثانية، فقامت البيوت تهتز كالأشجار، وأصابتها عاصفة فسقطت البيوت والحيطان، أي تصدعت وجعلت البلوك يتساقط، فسلم من سلم وهلك من هلك، وأصبح آلوف تحت الأنقاض، فهلك في أول وهلة قرابة ثلاثمائة قتيل وأربعة آلاف جريح، وازدحمت الفتيات الدارسات في تلك المدارس، وقفزت فتيات مع النوافذ من الطابق الرابع فحطمت بعضها، وخرجت الأمة من مساكنها إلى الأرصفة لعلهم يسلمون، فما لبثت تلك الأسر الا قليلًا حتى أصيبت من الجهات المجاورة الأخرى، وحدثت ضجة وبلاء مستطير، ومما ينبغي ذكره أن رجلًا خرج يحمل
стр. 2699
ابنته على كتفيه ليلوذ بالفرار وهلكت زوجته تحت الأنقاض، وسقطت عليه وعلى ابنته قطعة فقضت عليهما معًا، وحمل رب أسرة وزوجته وأطفالها فجلسوا على البيت وهو يشاهدون البيت يهتز من الرياح، وقد انهارت عمارة بارتفاع أربعة عشر طابقًا، وكانت كومة من التراب، وهلك من فيها من السكان، وهذا ذهل عن زوجته، وهذا فرَّ وترك مسكنه، وتساقطت منارات أحد الجوامع وتهدمت مدارس، وقد توالت الهزات على القاهرة تارةً يشعر بها السكان وتارةً لا يشعرون.
ففي عشرة أيام مرت على القاهرة حوالي عشر هزات، وقد بعثت التبرعات والمساعدات، فمنها مائة مليون من المملكة السعودية، وثلاثون مليونًا من إمارات الخليج، وعشرون مليون من قطر، وعشرة ملايين من البحرين، وثلاثون مليون من ليبيا، وفي هذا دليل على ما يقدره الله ﵎ من النقص، فلأن كانت القنابل المدمرة والحروب الطاحنة التي أصابت الصومال والبوسنة والهرسك وبورما لم تصب مصر فقد جاءهم من أمر الله مالا يطاق وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وكانت تلك العمارة الكبرى ذات أربعة عشر طابقًا تسمى عمارة الموت لكثرة من مات تحتها، ولما قاموا بالفؤوس والمعاول لإخراج الجثث لم تفد شيئًا لأنهم اجتنبوا الشولات إبقاء للهلكى، ثم استعملوها ضرورةً، وما زالت الزلازل والهزات تتوالى عليهم يومًا فيومًا، ومن بين هؤلاء الذين انتشلوا رجلًا بعد مضي أربع وعشرين ساعة، فوجدوه حيًا.
وفيها في شهر ربيع الثاني جرت مفاوضات بين حافظ الأسد ودولة إسرائيل بشأن الجولان، تطلب سوريا من إسرائيل الانسحاب من الجولان عن طريق السلم، ولكنها كلما توجهت الأمور للحل عرقلت إسرائيل حل المشكلة، ويظهر من السياسة أن إسرائيل تطلب من سوريا أن لا تتدخل في شأن اليهود، ومع أهالي فلسطين في فلسطين ولا في جنوب لبنان، بل إذا تخلت عن الجولان فإن سوريا تترك اليهود وأهالي فلسطين وأهالي لبنان وشأنهم.
стр. 2700
ذكر نزاع بين أهل مصر والرئيس حسني مبارك
فنقول عن ذلك: وفي ٢٧/ ٤ وقع نزاع بين فقراء أهل مصر وبين الرئيس حسني مبارك، بأن الرئيس لم يواسهم في تلك المساعدات الواردة على مصر من الدول الإسلامية ولا سيما فقراء المسلمين المتضررين من جراء الزلازل، وحصلت مظاهرات في مصر استعمل لها الغاز المسيل للدموع، وكان غالب ما وقع من جراء الزلازل في الأماكن القديمة في القاهرة، وكان الأخوان المسلمين من جملة المعترضين على الرئيس في عدم التوزيع، ونسأل الله أن يصلح شأن المسلمين فيما بينهم وبين حكوماتهم، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
ولما أن وقفت الزلازل حسًا ومعنى خاف المصريون وثاروا لذلك لأنهم نازحون في السعودية وغيرها يطلبون الرزق، وانبعث رجالهم ونسائهم إلى الهواتف يستفسرون عن سلامة أقربائهم ومساكنهم، ولعل الألطاف الربَّانية شملت أولئك عن الهلاك والدمار، وما أصيبت به مصر من سوء الحالة، فمن مستبشر وحزين، ولما أن أضحت البوسنة والهرسك بتلك المهالك، وقام المسلمون مدافعون عن أنفسهم وأهاليهم في الشوارع، وقيل لهم نريد إبعاد رئيس الجمهورية المسلم عزت وإبداله بمن يقوم بالعلمانية لا العلمية الدينية، وتقسم الممالك الإسلامية إلى دويلات علمانية، شق ذلك على المسلمين وجعلوا ينادون ويستغيثون عن رفضهم من هذا الطلب الوجيع، فلما استقاموا، ولكنها صرخة في وادي خالٍ من البشر، وتأزمت الأمور على المسلمين وتحملوا ما لا يطيقون من المظلم والمذابح والمآسي مما تنهد له الجبال الرواسي.
أما عن الصومال وعما أصبحوا من الجوع والقتال بحيث كانوا عظامًا خالية من اللحوم، وهياكل يمشون ولا يستطيعون، فحدث ولا حرج، وهذا سائر المسلمين أصبحوا يطاردون ويقتلون ودين الإسلام يطارد مطاردة لقلة المناصرين،