فتحوا ما فتحوه من أرض المغرب والروم وفارس، كالعراق والشام ومصر وخراسان، ولم يقسم أحد من الخلفاء شيئًا من العقار المغنوم بين الغانمين، لا السواد ولا غير السواد، بل جعلوا العقار فيئًا للمسلمين داخلًا في قوله (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) الآية (١). ولم يستأذنوا في ذلك الغانمين، بل طلبَ أكابرُ الغانمين قسمةَ العقار، فلم يُجيبوهم إلى ذلك، كما طلبَ بلالٌ من عمر أن يَقسِمَ أرضَ الشام، وطلب منه الزبير أن يقسم أرض مصر، فلم يجيبوهم إلى ذلك. ولم يستطب أحد من الخلفاء أحدًا من الغانمين في ذلك، فضلًا عن أن يستطيبَ أنفُسَ جميع الغانمين.
وهذا مما احتَجَّ به مَن جعلَ الأرضَ فيئًا بنفس الفتح، ومن نَصَرَ مذهبَه كإسماعيل بن إسحاق وغيره، وقالوا: الأرض ليست داخلةً في الغنيمة؛ فإن الله حرَّم على بني إسرائيل المغانمَ ومَلَّكَهم العقارَ، فعُلِمَ أنه ليس من المغانم. وهذا القول يُذكَر رواية عن أحمد، كما ذُكِر عنه روايةٌ ثالثةٌ كقول الشافعي: أنه يجب قسمة العقار والمنقول، لأن الجميع مغنومٌ.
وقال الشافعي: إن مكة لم تُفتَح عنوةً بل صُلحًا، فلا يكون فيها حجة. ومن حَكَى عنه أنه قال: إنها فتِحتْ عنوةً -كصاحب "الوسيط" (٢) وفروعه- فقد غَلِطَ عليه. وقال في السواد: لا أدري ما أقول فيه، إلا أني أظنُّ فيه ظنًّا مقرونًا بعلمٍ وظنّ أن عمر استطابَ أنفسَ الغانمين، لما رُوِي من قصة المثنى بن حارثة. وبَسْطُ هذا له موضع آخر.
стр. 1052
وقول الجمهور أعدلُ الأقاويل، وأشبهُها بالكتاب والسنة والأصول، وهم الذين قالوا: يُخيَّر الإمام بين الأمرين تخييرَ رأي ومصلحة، لا تخيير شهوة ومشيئةٍ، وهكذا سائر ما يُخيَّر فيه وُلاةُ الأمر ومن تصرَّفَ لغيرِه بولاية، كناظر الوقف ووصيِّ اليتيم والوكيل المطلق، لا يُخيَّرون تخييرَ مشيئةٍ وشهوةٍ، بل تخييرَ اجتهاد ونظر وطلبٍ، ويُجزى للأصلح. كالرجل المبتَلَى بعدوَّين، وهو مضطر إلى الابتداء بأحدهما، فيبتدئ بماله نفع. وكالإمام في تولية من ولَاّه الحربَ والحكمَ والمالَ يختارُ الأصلح فالأصلح. فمن وَلَّى رجلًا على عصابةٍ، وهو يجد فيهم من هو أرضى لله منه، فقد خانَ الله وخانَ رسولَه وخانَ المؤمنين.
وهذا بخلاف من خُيِّر بين شيئين وله أن يفعل أيَّهما شاءَ، كالمكفِّر إذا خُير بين الإطعام والكسوة والعتق، فإنه وإن كان أحدُ الخصال أفضلَ فيجوز له فعل المفضول. وكذلك لابسُ الخفّ إذا خُيِّر بين المسح وبين الغَسل، وإن كان أحدهما أفضل. وكذلك المصلي إذا خُيِّر بين الصلاة في أول الوقت وآخره، وإن كان أحدهما أفضل. وكذلك تخيير الآكل والشارب بين أنواع الأطعمة والأشربة المباحة، وإن كان نفس الأكل والشرب واجبًا عند الضرورة، حتى إذا تعين المأكول وجبَ أكلُه وإن كان ميتة، فمن اضطر إلى أكل الميتة وجب عليه أكلُها في المشهور عن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم.
وكذلك تخيير الحاج بين التمتع والإفراد والقران عند الجمهور الذين يُخيِّرون الثلاثة. وتخيير المسافر بين الفطر والصوم عند الجمهور.
وأما من يقول: لا يجوز أن يحج إلاّ متمتعا، وأنه يتعين الفطر في السفر، كما يقوله طائفة من السلف والخلف من أهل السنة والشيعة، فلا يجيء هذا على أصلهم. وكذلك القصر عند الجمهور
стр. 1053
الذين يقولون: ليس للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ليس له أن يصلي أربعًا، فإن النبي ﷺ لم يُصل في السفر قط إلا ركعتين، ولا أحد من أصحابه في حياته. وحديث عائشة التي تذكر فيه أنه أو أنها صلَّتْ في حياته في السفر أربعًا كذبٌ عند حُدَّاق أهل العلم بالحديث، كما قد بُسِطَ في موضعه (١).
إذ المقصود هنا أن التخيير في الشرع نوعان، فمن خُيِّر فيما يفعله لغيرِه بولايته عليه، أو بوكالةٍ مطلقة، لم يُبَحْ له فيها فعلُ ما شاء، فعليه أن يختار الأصلح. وأما من تصرَّف لنفسه، فتارةً يأمره الشارع باختيار ما هو الأصلح بحسب اجتهاده، كما يأمر المجتهد بطلب أقوى الآراء بل وأصلح الأحكام في نفس الأمر. وتارةً يُبيح له ما شاء من الأنواع التي خيّر بينهما، كما تقدم. هذا إذا كان مكلفًا.
وأما الصبي المميِّز فيُخيَّر تخييرَ شهوةٍ، حيث كان كلٌّ من الأبوين نظيرَ الآخر، ولم ينضبط في حقه حكم عام للأب أو الأم، فلا يمكن أن يقال: كل أب فهو أصلح للمميِّز من الأم، ولا كلُّ أم فهي أصلح له من الأب. بل قد يكون بعضُ الآباء أصلح، وبعضُ الأمهات أصلح، وقد يكون الأب أصلح في حال، والأم أصلح في حال. فلم يمكن أن يعتبر أحدهما في هذا. بخلاف الصغير، فإن الأم أصلح له من الأب، لأن النساء أوثقُ بالصغير وأخبَرُ بتغذيته وحملِه وتنويمه وتنويله، وأصبر على ذلك وأرحم به، فهي أقدر وأخبر وأرحم وأصبر في هذا الموضع. فتعينت الأم في حق الطفل غير المميز بالشرع.
ولكن بقي تنقيحُ المناط: هل عيَّنهن الشارعُ لكون قرابة الأم
стр. 1054
مقدمةً على قرابة الأب في الحضانة أو لكون النساء أقومَ بمقصودِ الحضانة من الرجال؟ وهذا فيه قولان للعلماء، يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم، مثل: أمّ الأم، وأم الأب، والأخت من الأم، والأخت من الأب، ومثل: العمة والخالة، ونحو ذلك. هذا فيه قولان هما روايتان عن أحمد.
وأرجح القولين في الحجة تقديم نساء العصبة، فتقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم، وخالة الأب على خالة الأم. وهو الذي ذكره الخرقي في "مختصره" (١) وأبو الحسن الآمدي وغيرهما من الأصحاب.
وعلَّل ذلك من علَّله -كأبي الحسن الآمدي- في مثل تقديم خالة الأب على خالة الأم، فإن قرابتها فيها رَحِم وتعصيبٌ، بخلاف قرابة الأم، فإنَّ فيها رَحِمًا بلا تعصيب. فأم الأب مقدمة على أم الأم، والأخت من الأب مقدمة على الأخت من الأم، والعمة مقدمة على الخالة. كما يُقدَّم أقارب الأب من الرجال على أقارب الأم، فالأخ للأب أولى من الأخ للأم، والعمُّ أولى من الخال. بل قد قيل: إنه لا حضانة للرجال من أقارب الأم بحال، وإن الحضانة لا تثبت إلا لرجلٍ من العصبة أو لامرأةٍ وارثةٍ، أو مُدْلِيةٍ بعصبةٍ أو وارثٍ، فإن عدموا فالحاكم.
وعلى الوجه الثاني فلا حضانة للرجال في أقارب الأم. وهذان الوجهان في مذهب الشافعي وأحمد. فلو كانت جهة الأمومة راجحةً لترجح رجالُها ونساؤها، فلما لم يترجح رجالُها بالاتفاق فكذلك نساؤها.
стр. 1055
وأيضًا فمجموع أصول الشرع إنما يُقدّم أقاربَ الأب في الميراث والعقل والنفقة وولاية الموت والمال وغير ذلك، لم يقدِّم الشارعُ قرابةَ الأم في حكم من الأحكام، فمن قدَّمهن في الحضانة فقد خالف أصول الشريعة.
ولكن قدّموا الأمّ لكونها امرأةً، وجنسُ النساء مقدماتٌ في الحضانة على الرجال. وهذا يقتضي تقديم الجدَّةِ أمِّ الأب على الجدّ، كما قُدّمت الأمُّ على الأب، وتقديم أخواتِه على إخوته، وعمّاتِه على أعمامِه، وخالاتِه على أخوالِه. هذا هو القياس والاعتبار الصحيح.
وأما تقديم جنس نساء الأم على جنس نساء الأب فمخالفٌ للأصول والمعقول، ولهذا كان من قال هذا في موضعٍ يتناقض، ولا يطرد أصله. ولهذا تجد لمن لم يضبط أصل الشرع ومقصودَه في ذلك أقوالًا متناقضة، حتى يوجد في الحضانة من الأقوال المتناقضة أكثر مما يوجد في غيرها من هذا الجنس. فمنهم من يقدّم أم الأم على أم الأب، كأحد القولين في مذهب أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة. ثم من هؤلاء من يقدِّم الأخت من الأب على الأخت من الأم، ثم يُقدّم الخالة على العمة، كقول الشافعي في الجديد وطائفةٍ من أصحاب أحمد. وبَنَوا قولَهم على أن الخالات مقدمات على العمّات لكونهن من جهة الأم، ثم قالوا في العمات والخالات والأخوات: من كانت لأبوين أولى، ثمّ من كانت لأب، ثم من كانت لأم.
وهذا الذي قالوه هنا موافق لأصول الشرع، لكن إذا ضُمَّ هذا إلى قولهم بتقديم قرائب الأم ظهر التناقضُ. وهم أيضًا قالوا بتقديم أمهاتِ الأب والجدّ على الخالات والأخوات للأم، وهذا موافق لأصول الشرع؛ لكنه يناقض هذا الأصل، ولهذا قالوا في القول
стр. 1056
الآخر: إن الخالة والأخت للأم أولى من أم الأب، كقول الشافعي القديم. وهذا أَطردُ لأصلهم، لكنه في غاية المناقضة لأصول الشرع.
وطائفة أخرى طردتْ أصلَها، فقدَّمتْ من الأخوات من كانت لأم على من كانت لأب، كقول أبي حنيفة والمزني وابن سريج. وبالغ بعضُ هؤلاء في طرد قياسِه، حتى قدَّم الخالةَ على الأخت من الأب، كقول زفر وروايةٍ عن أبي حنيفة، ووافقهم ابن سُرَيج. ولكن أبو يوسف استشنعَ ذلك، فقدَّم الأختَ للأب، ورواه عن أبي حنيفة.
ورُوِيَ عن زفر أنه أمعنَ في طرد قياسِه، حتى قال: إنّ الخالةَ أولى من الجدّة أمِّ الأب. وقد رُوِي عن أبي حنيفة أنه قال: لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنكم إذا أخذتم بمقاييس زفر حرمتم الحلال وحللتم الحرام. وكان يقول في القياس: قياسُ زفر أقبحُ من البولِ في المسجد. وزفر كان معروفًا بالإمعان في طرد قياسِه، لكن الشأن في الأصل الذي قاس عليه وفي علة الحكم في الأصل، وهو جواب سؤال المطالبة، فمن أحكم هذا الأصل استقامَ قياسُه.
وهذا كما أن زفر اعتقد أن النكاح إلى أجل يَبطُلُ فيه التوقيتُ، ويصحّ النكاح لازمًا. وخرَّجَ بعضُهم ذلك قولًا في مذهب أحمد.
فكان مضمون هذا القول أن نكاح المتعة يَصخُ لازمًا غيرَ موقتٍ، وهو خلاف النصوص وخلافُ إجماع السلف. والأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين، لم يكن لمن بعدهم إحداثُ قولي يناقضُ القولين، ويتضمنُ إجماعَ السلف على الخطأ والعدول عن الصواب. وليس في السلف من يقول في المتعة إلا أنه باطلٌ، أو يَصِخُ مؤجَّلًا، فالقولُ بلزومِه مطلقًا خلافُ الإجماع.
وسبب هذا القول اعتقادُهم أن كل شرط فاسدٍ في النكاح فإنه يَبطُل،
стр. 1057
وينعقد النكاح لازمًا بدون حصولِ غرض المشترط. فألزموه ما لم يلتزمْه ولا ألزمَه به الشارع، ولهذا صحح من قال ذلك نكاحَ الشغار ونحوه مما شُرِطَ فيه نفيُ المهر، وصححوا نكاح التحليل لازمًا مع إبطال شرط التحليل، وأمثال ذلك.
وقد ثبت في الصحيحين (١) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ أحقَّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفروج". فدكَ النصُّ على أن الوفاء بالشروط في النكاح أولى منه بالوفاء بالشروط في البيع، فإذا كانت الشروط الفاسدة في البيع لا يلزم العقد بدونها، بل إما أن يَبطُل العقدُ، وإما أن يثبت الخيارُ لمن فاتَ غرضُه بالاشتراط إذا بطلَ الشرط، فكيف بالشروط في النكاح؟.
وأصلُ عمدتهم كون النكاح يصحُّ بدون تقدير الصداق، كما ثبتَ بالكتاب والسنة والإجماع. فقاسوا النكاح الذي شُرِطَ فيه نفيُ المهر على النكاح الذي تُرِكَ تقديرُ الصداقِ فيه، كما فَعَل أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأكثر متأخري أصحاب أحمد. ثم طَرَد أبو حنيفة قياسَه، فصحَّح نكاحَ الشغار بناءً على أن لا مُوجبَ لفسادِه إلا إشغاره عن المهر، وهذا ليس مفسدًا.
وأما الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد فتكلَّفوا الفرق بين الشغار وغيره، بأن فيه تشريكًا في البُضْع أو تعليقًا للعقد أو غير ذلك، مما قد بُسِطَ في غير هذا الموضع (٢)، وبُيِّن فيه أنّ كلَّ هذه فروق غيرُ مؤثّرة، وأن الصواب مذهب أهلِ المدينة مالكٍ وغيرِه،
стр. 1058
وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته، وعليه أكثر قدماء أصحابه: أن العلة في إفسادِه هي شرط إشغار النكاح عن المهر، وأن النكاح ليس بلازم إذا شرط فيه نفي المهر أو مهر فاسد. فإنَّ الله فرضَ فيه المهرَ، فلم يُحِلَّ لغير الرسولِ النكاحَ بلا مهرٍ. فمن تزوج بشرط أن لا يجب مهر فلم يعقد النكاح الذي أذن الله فيه، فإن الله إنما أباح العقد لمن يبتغي بماله محصنًا غير مسافح، كما قال تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) (١). فمن طلب النكاح بلا مهر فلم يفعل ما أحلَّ الله. وهذا بخلاف من اعتقد أنه لابد من مهرٍ لكن لم يقدره، كما قال تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) إلى قوله (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) الآية (٢). فهذا نكاح المهر المعروف، وهو مهر المثل.
قالوا: فهذا هو الفرق بين النكاح وبين البيع، فإن البيع بثمن المثل -وهو السعر- أو الإجارة بثمن المثل لا يصح، بخلاف النكاح.
وقد سلَّم لهم هذا الأصلَ الذي قاسوا عليه الشافعيُّ وكثير من أصحاب أحمد في البيع. وأما في الإجارة فأصحابُ أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم يقولون: إنه يجب أجرة المثل فيما جرت العادة فيه في مثل ذلك، كمن دخل حمام حمامي يدخلها الناس بالكراء، أو سكن في خانٍ أو حجرةٍ جرت عادتهم بذلك، أو دفع طعامه أو خبزَه إلى من يطبخ أو يخبز بالأجرة، أو ثيابه إلى من يغسل بالأجرة، أو
стр. 1059
ركب دابة مكاري يُكارِي بالأجرة، أو سفينة ملاّحٍ يركب الناس بالأجرة. فإن هذه إجارة عرفية عند جمهور العلماء، وتجب فيها أجرة المثل وإن لم يشترط ذلك. فهذه إجارة بأجرة المثل. وكذلك لو ابتاع طعامًا بمثل ما ينقطع به السعر، أو بسعر ما يبيع الناس، أو بما اشتراه به من بلده أو برقمه، فهذا يجوز في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره.
وقد نصَّ أحمد على هذه المسائل ومثلها في غير موضع، وإن كان كثير من متأخري أصحابه لا يُوجَد في كتبهم إلا القول الآخر بفسادِ هذه العقود، كقول الشافعي وغيره. وبسطُ هذه المسائل في مواضع أخر.
والمقصود هنا كان مسائل الحضانة، وأن الذين اعتقدوا أن الأمَّ قُدّمت لتقدم قرابة الأمّ لمّا كان أصلُهم ضعيفًا كانت فروعُهم اللازمة للأصل الضعيف ضعيفة، وفسادُ اللازم يستلزم فسادَ الملزوم. بل الصواب بلا ريب أنها قُدّمت لكونها أنثى، فتكون المرأة أحقَّ بحضانة الصغير من الرجل، فتُقدَّم الأمّ على الأب، والجدة على الجد، والأخت على الأخ، والخالة على الخال، والعمة على العم. وأما إذا اجتمع امرأة بعيدة ورجلٌ قريب، فهذا لبسطِه موضع آخر، إذ المقصود هنا ذكر مسألة الصغير المميز، والفرق بين الصبية والصبي.
فتخييرُ الصبي الذي وردت به السنة أولى من تعيين أحد الأبوين له، ولهذا كان تعيين الأب كما قال مالك وأحمد في رواية، والتخيير تخيير شهوة. ولهذا قالوا: إذا اختار الأبَ مدةً ثم اختار الأمَّ فله ذلك. حتى قالوا: متى اختار أحدهما ثم اختار الآخر نُقِل إليه، وكذلك إن اختار ابتداء. وهذا قول القائلين بالتخيير: الحسن بن صالح والشافعي وأحمد بن حنبل. وقالوا: إذا اختار الأم كان عندها ليلًا،
стр. 1060
وأما بالنهار فيكون عند الأب ليعلمه ويؤدبه. هذا مذهب الشافعي وأحمد، وكذلك قال مالك، وهو يقول: يكون عندها بلا تخيير، للأب تعاهدُه عندها وأدبُه وبعثُه إلى المكتب، ولا يبيت إلا عند الأمّ.
قال أصحاب الشافعي وأحمد: وإن اختار الأب كان عنده ليلًا ونهارًا، ولم يُمنَع من زيارة أمّه، ولا تُمنَع الأمّ من تمريضه إذا اعتلَّ.
فأما البنت إذا خُيِّرتْ -فكانت عند الأم تارةً وعند الأب تارةً- أفضَى ذلك إلى كثرة مرورِها وتبرجها وانتقالِها من مكان إلى مكانٍ، ولا يبقى الأب موكلًا بحفظها ولا الأمّ موكلةً بحفظها، وقد عُرِف بالعادة أن ما تناوبَ الناسُ على حفظِه ضاعَ. ومن الأمثال السائرة: لا تصلح القِدرُ بين طبَّاختَيْن.
وأيضًا فاختيارُ أحدهما يُضعِف رغبةَ الآخر في الإحسان والصيانة، فلا يبقى الأبُ تامَّ الرغبة في حفظها، ولا الأمّ تامةَ الرغبة في حفظها. وليس الذكر كالأنثى، كما قالت امرأة عمران (١) (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) إلى قوله (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) إلى قوله (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ). فهذه مريم احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها، حتى اقترعوا على كفالتها، فكيف بمن سواها من النساء؟
وهذا أمرٌ يُعرَف بالتجربة: أن المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة إلى ما لا يحتاج إليه الصبي، وكل ما كان أسترَ لها وأصونَ كان أصلحَ لها.
стр. 1061
ولهذا كان لباسُها المشروعُ لباسًا لما يسترها، ولعن النبي ﷺ من يلبس منهن لباسَ الرجال (١)، وقال لأم سلمة في عصابتها: "ليَّةً لا ليَّتَين"، رواه أبو داود وغيره (٢). وقال في الحديث الصحيح (٣): "صنفانِ من أهل النار من أمتي لم أرهما بعدُ: نساءٌ كاسيات عاريات مائلات مُمِيلات، على رؤوسهن مثلُ أسنمة البُخْت، لا يدخلن الجنةَ ولا يجدن ريحَها؛ ورجالٌ معهم سياطٌ مثل أذنابِ البقر يَضرِبون بها عبادَ الله".
وأيضًا فأمُرت المرأةُ في الصلاة أن تتجمع ولا تجافي بين أعضائها، وفي الإحرام أن لا ترفعَ صوتَها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها، وأن لا تَرقَى فوق الصفا والمروة، كلُّ ذلك لتحقيق سترِها وصيانتها. ونُهِيَتْ أن تُسافر إلا مع زوج أو ذِي محرم، لحاجتها في حفظها إلى الرجال مع كبرِها ومعرفتها. فكيف إذا كانت صغيرةً مميزةً، وقد بلغتْ سنَّ ثورانِ الشهوة فيها، وهي قابلةٌ للانخداع؟ وفي الحديث: "النساء لحمٌ على وَضَمٍ إلا ما ذُبّ عنه" (٤).
فهذا مما يُبيِّن أن مثل هذه الصبية المميزة من أحوج النساء إلى حفظها وصونها، وتردُّدُها بين الأبوين مما يُخِلُّ بذلك، من جهة أنها هي لا يجتمع قلبُها على مكانٍ معيَّن، ولا يجتمع قلبُ أحد الأبوين
стр. 1062
على حفظها، ومن جهة أن تمكينها من اختيار هذا تارةً وهذا تارةً يُخِلُّ بكمالِ حفظها، وهو ذريعة إلى ظهورها ومرورِها، فكان الأصلح لها أن تُجعَلَ عند أحد الأبوين مطلقًا، ولا تُمكَّنَ من التخيير، كما قال ذلك جمهور علماء المسلمين مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم.
وليس في تخييرها نصٌّ صريح ولا قياسٌ صحيح.
والفرق ظاهرٌ بين تخييرها وتخيير الابن، لاسيَّما والذكر محبوبٌ مرغوبٌ فيه، فلو اختار أحدَهما كانت محبةُ الآخر له تدعوه إلى مراعاته. والبنتُ مزهودٌ فيها، فأحدُ الوالدين قد يَزهَد فيها مع رغبتها فيه، فكيف مع زهدِها فيه؟ فالأصلح لها لزومُ أحدِهما لا التردُّد بينهما.
ثمَّ هنا يحصل الاجتهاد في تعيين أحدهما. فمن عيَّن الأم -كمالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين- لابدّ أن يُراعوا مع ذلك صيانةَ الأمّ لها، ولهذا قالوا ما ذكره مالك والليث وغيرهما: إذا لم تكن الأم في موضع حرزٍ وتحصينٍ أو كانت غيرَ مرضيَّةٍ فللأب أخذها منها. وهذا هو الذي راعاه أحمد في الرواية التي اشتهرت عند أصحابه، حتى لم يذكر أكثرهم في ذلك نزاعًا، وقد علَّلوا ذلك بحاجتها إلى الحفظ والتزويج، والأب أقوم لذلك من الأم، فإنه إذا كان لابدّ من رعاية حفظها وصيانتها، وأن للأب أن ينتزعها من الأم إذا لم تكن حافظةً لها بلا ريب، فالأب أقدر على حفظها وصيانتها من الأم، وهي مميزة لا تحتاج في بدنها إلى أحد. والأب له من الهيبة والحرمة ما ليس للأم.
وأحمد وأصحابُه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك ضررٌ، فلو قُدِّر أن الأب عاجز عن حفظها وصيانتها، أو يُهمل حفظها لاشتغالِه عنها أو لقلَّة دينه، والأمُّ قائمة بحفظها وصيانتها، فإنه تُقدَّم الأمّ في هذه الحال.
стр. 1063
فكلُّ ما قدَّمناه من الأبوين إنما نقدِّمه إذا حَصَلَ به مصلحتُها واندفعت به مفسدتُها، فأما مع وجود فسادِ أمرِها مع أحدهما فالآخر أولى به بلا ريب. حتى الصغير إذا اختار أحدَ أبويه وقدَّمناه إنما نقدِّمه بشرط حصول مصلحته وزوالِ مفسدته، فلو قدرنا أن الأب أقرب لكن لا يصونُه والأمُّ تصونُه لم يُلتَفتْ إلى اختيار الصبي، فإنه ضعيف العقل، قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي قصدُه الفجور ومعاشرة الفجّار، وتركُ ما ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة، فيختار من أبويه من يَحصُل له معه ما يهواه، والآخر يَذُودُه ويُصلِحه. ومتى كان كذلك فلا ريبَ أنه لا يُمكَّن ممن يفسد معه حاله.
ولهذا قال أصحاب الشافعي وأحمد: إنه لا حضانةَ لفاسقٍ ، وكذلك قال الحسن بن حيٍّ. وقال مالك: كلُّ من له الحضانةُ من أبٍ أو ذاتِ رَحِمٍ أو عصبةٍ ليس له كفاية، ولا موضعُه بحرزٍ، ولا يُؤمَن في نفسه= فلا حضانةَ له. والحضانة لمن فيه ذلك وإن بَعُد، ويُنظَر للولد في ذلك بالذي هو أكفأ وأحرز، فرُبَّ والدٍ يُضيِّع ولدَه.
وكذلك قالوا -وهذا لفظ القاضي أبي يعلى في "خلافه"-: إنما يكون التخييرُ بين أبوين مأمونَين عليه، يُعلَم أنه لا ضررَ عليه من كونه عند واحدٍ منهما. فأما من لا يقوم بأمرِه ويُخليه للعب فلا يثبت التخيير في حقه.
والنبي ﷺ قال: "مُروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع" (١). فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك،
стр. 1064
والآخر لا يأمره، كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر، لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله في تربيته، والآخر عاصٍ الله ورسوله. فلا يُقدَّم من يَعصي اللهَ فيه على من يُطيع الله فيه، بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسولُه، ويترك ما حرَّم الله ورسولُه، والآخر لا يفعل معه الواجب، أو يفعل معه الحرام= قُدِّمَ من يفعل الواجبَ ولو اختار الصبيُّ غيرَه، بل ذلك العاصي لا ولايةَ له عليه بحالٍ.
بل كلُّ من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولايةَ له، بل إمّا أن يُرفَع يدُه عن الولاية ويُقام من يفعل الواجب؛ وإمَّا أن يُضمَّ إليه من يقوم معه بالواجب. فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين يَحصُل طاعةُ الله ورسوله لاحقُه، ومع حصوله عند الآخر لا يَحصُل له= قُدِّم الأوَّلُ قطعًا. وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يَحصُل بالرحم والنكاح والولاء، وإن كان الوارث حاضرًا وعاجزًا، بل هو من جنس الولاية ولاية النكاح والمال التي لابدَّ فيها من القدرة على الواجب وفعله بحسب الإمكان.
وإذا قُدِّر أن الأب تَزوَّج بضَرَّةٍ، وهو يتركُها عند ضرَّة أفها، لا تَعمل مصلحتَها بل تُؤذِيها أو تُقَصِّر في مصلحتها، وأمُّها تَعملُ مصلحتَها ولا تُؤذيها، فالحضانة هنا للأم قطعًا، ولو قُدِّر أن التخيير مشروع وأنها اختارت الأمَّ، فكيف إذا لم يكن كذلك؟
ومما ينبغي أن يُعلَم أن الشارع ليس له نصٌّ عام على تقديم أحد الأبوين مطلقًا، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقًا. والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدُهما مطلقًا، بل مع العدوان والتفريط والفساد والضرر لا يُقدَّم من يكون كذلك على البَرِّ العادل المحسن القائمِ بالواجب.
стр. 1065
وقد علَّلُوا أيضًا تقديم الأب بعلةٍ ثانية: بأنها إذا صارت مميزةً صارت ممن تُخطَب وتُزوَّج، واحتاجت إلى تجهيزها. فإذا كانت عند الأب كان أنظرَ لها وأحرصَ على تجهيزها وتزويجها مما إذا كانت عند الأم.
وأبو حنيفة يوافق أحمد على أن الأب أحق بها من الخالة والأخت والعمة وسائر النساء، بخلاف ما قاله في الصبي، فإنه جعل الأب أحقَّ به مطلقًا. لكن قال: الأمُّ والجدةُ أحق من الأب. فكلاهما قدَّم الأب وغيرَه من العصبة على النساء، لكن أحمد طردَ القياسَ، فقدَّمَه على جميع النساء، وأبو حنيفة فرَّق بين عمودِ النسب وغيرِه. والنبي ﷺ قد قال: "الخالة أم" (١). فإذا قُدِّم الأبُ على النساء اللائي يُقدَّمن عليه في حالِ صغرِها دلَّ ذلك على أن الأب أقوم بمصلحة ابنته من النساء. وتبيَّن أن أصل هذا القول ليس في مفردات أحمد، بل هو طرد فيه قياسَه. وبكلِّ حالٍ فهو قولٌ قويٌّ متوجِّه، ليس بأضعفَ من غيرِه من الأقوال المقولة في الحضانة، وليس قول من رَجَّح الأمَّ مطلقًا بأقوى منه.
ومما يُقوِّي هذا القول أن الولد مطلقًا إذا تعيَّن أن يكون في مدينة أحد الأبوين دون الآخر، وكان الأب ساكنًا في مصير والأمُّ ساكنة في مصرٍ آخر، فالأب أحقُّ به مطلقًا، سواء كان ذاكرًا أو أنثى عند عامة العلماء، كشريح القاضي وكمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، حتى قالوا: إنّ الأب إذا أراد سفرَ نُقلةٍ لغير الضرار إلى مكانٍ بعيد فهو أحقُّ به، لأن كونه مع الأب أصلح له، لحفظِ نسبِه وكمالِ تربيته
стр. 1066
وتعليمه وتأديبه، وأنه مع الأم تَضِيع مصلحتُه. ولا يُختر الغلامُ هنا عند أحدهما لا يخرج إلى الأحقّ، فالأب أيضًا أحق، لأن كونه عند الأب أصلحُ له. وهذا المعنى منتفٍ في الابن، لأنه يختر، ولأن تردُّدَ الابن بينهما لا مضرَّةَ عليه فيه، بخلاف البنت.
واتفقوا كلهم على أن الأم لو أرادتْ أن تسافرَ بالذكر أو الأنثى من المصر الذي فيه عُقِد النكاحُ فالأب أحق به، فلم يُرجِّح أحدٌ منهم الأمّ مطلقًا. فدلَّ ذلك على أن ترجيحها في حضانة الولد مطلقًا -ذكرًا كان أو أنثى- مخالفٌ لهذا الأصل الذي اتفقوا عليه. وعُلِمَ أنهم متفقون على ترجيح جانب الأب عند تعذُّر الجمع بينهما، وهذا ثابت في الولد وإن كان طفلًا يكون في بلد أبيه، بخلاف ما إذا كان الأبوان في مصرٍ واحدٍ، فهاهنا هو مع الصغر للأم، لأن في ذلك جمعًا بين المصلحتين.
ومما يُقوِّيْه أيضًا أن الغلام إذا بلغَ معتوهًا كانت حضانتُه للأم كالصغير، وإن كان عاقلًا كان أمره إلى نفسه، ليسكن حيث شاءَ إذا كان مأمونًا على نفسِه، عند الأئمة الأربعة وغيرهم. فإن كان غير مأمونٍ على نفسِه فلم يَجعَل أحدٌ الولايةَ عليه للأم، بل قالوا: للأب ضمُّه إليه وتأديبُه، والأب يمنعه من السلفة.
وأما الجارية إذا بلغت فنُقِل عن مالك: الوالد أحق بضمَّها إليه حتى تُزوَّج ويدخل بها الزوج، ثم هي أحقُّ بنفسها، وتسكن حيث شاءت، إلا أن يخاف منها هوى أو ضيعة أو سوء موضع، فيمنعها الأب بضمّها إليه.
وقد تقدَّم في "المدونة" (١): أن الأم أحق بها ما لم تنكح، وإن
стр. 1067
بلغت أربعين سنة. وكذلك قال أبو حنيفة في البكر، قال: الأب أحقُّ بها مأمونةً كانت أو غير مأمونة، والثيِّبُ هي أحق بنفسها إذا كانت مأمونة. وقال الشافعي: هي أحقُّ بنفسها إذا كانت مأمونة، بكرًا كانت أو ثيِّبًا.
وفي مذهب أحمد ثلاثة أقوال ذكرها في "المحرر" (١) روايتين ووجهًا:
أحدها: أنها تكون عند الأب حتى تتزوَّج ويدخل بها الزوج. وهذا هو الذي نصره القاضي وغيرُه في كتبهم، وقالوا: إن الجارية إذا بلغت وكانت بكرًا فعليها أن تكون مع أبيها، حتى تتزوج ويدخل بها الزوج. ولم يذكروا فيه نزاعًا.
والرواية الثانية عن أحمد: تكون عند الأم. وهذه الرواية إنما أخذها الشيخ أبو البركات من الرواية المتقدمة أن حضانتها تكون للأم ما لم تتزوج، فإنه على هذه الرواية نَقل عن أحمد فيها روايتين، فإن أحمد قال في تلك الرواية: الأم والجدة أحقُّ بالجارية ما لم تتزوج. فجعلَها أحقَّ بها ما لم تتزوَّج في رواية مهنّا. وقال في رواية ابن منصور: يُقضَى بالجارية للأم والخالة، حتى إذا احتاجت إلى التزويج فالأب أحقُّ بها. فهنا قال عند الحاجة إلى التزويج للأب، وإن كانت لم تتزوج بعدُ، وهذا يكون بالبلوغ.
وأما القول الثالث في مذهبه وهو أنها إذا بلغت تكون حيث شاءت كالغلام، فهذا يجيء على قول من يُخيِّرها كما يُخيِّر الغلام. فمن خيَّر الغلام قبلَ بلوغه كان أمرُه بعد البلوغ إلى نفسه، كما قاله
стр. 1068
الشافعي وأحمد وغيرهما. لكن أبو البركات حكى هذه الأقوال الثلاثة في "محرره" (١) في البالغة، وهي مطابقة للأقوال الثلاثة التي ذكرناها في غير البالغة، فإنه على المشهور عند أصحاب أحمد أنها إذا كانت قبل البلوغ عند الأب فهي بعد البلوغ أولى أن تكون عند الأب منها عند الأم، فإن أبا حنيفة وأحمد في رواية ومالكًا يجعلونها قبل البلوغ للأم، وبعد البلوغ جعلوها عند الأب. وهذا يدلُّ على أن الأب أحفظُ لها وأصونُ وأنظرُ في مصلحتها، فإذا كان كذلك فلا فرقَ بين ما قبل البلوغ وما بعده في ذلك.
فتبيَّن أن هذا القول -وهو جعلُ البنت المميزة عند الأب- أرجح من غيره. والله أعلم.
فصل
والتخيير قد جاء فيه حديثان. وأما تقديم الأمّ على الأب في حقّ الصغير فمتفقٌ عليه، وقد جاء فيه حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأةً قالت: يا رسولَ الله! إن ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وحِجْري له حواءً، وثديي له سقاءً، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي". رواه أحمد (٢) وأبو داود (٣)، لكن في لفظه: "وأن أباه طلقني وزعمَ أنه ينتزعه مني".
وقال ابن المنذر: أجمع كلُّ من يُحفَظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقَا ولهما ولدٌ طفلٌ أن الأمّ أحقُّ به ما لم تنكح، وممن حفظنا عنه ذلك: يحيى الأنصاري والزهري ومالك والثوري
стр. 1069
والشافعي وأحمد وإسحاق، وبه نقول. وقد روينا عن أبي بكر الصديق أنه حكم على عمر به، وبصبيٍّ لعاصم لأمِّه أمِّ عاصم، وقال: حجرُها وريحُها ومَسُّها خيرٌ له منك حتى يَشِبَّ فيختار.
وأما التخيير: فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمِّه.
رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه (١)، ورواه أبو داود (٢) وقال فيه: "إن امرأةً جاءت فقالت: يا رسولَ الله! إن زوجي يُريد أن يَذهَب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة، وقد نفعني. فقال رسول الله ﷺ : "اسْتَهِما عليه". قال زوجُها: من يُحاقِقني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : "هذا أبوك وهذه أمك، فخُذْ بيد أيِّهما شِئتَ". فأخذَ بيد أمّه، فانطلقت به. ورواه النسائي (٣) كذلك، ولم يذكر "استهما عليه". ورواه أحمد (٤) كذلك أيضًا، لكنه قال فيه: "جاءت امرأة قد طلَّقها زوجُها"، ولم يذكر فيه قولها "قد سقاني ونفعني".
وقد رُوِي تخييرُ الغلام بين أبويه عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة، فروى سعيد بن منصور وغيره (٥) أن عمر بن الخطاب خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه. وعن عمارة الجَرْمي أنه قال: خيَّرني عليٌّ بين عمِّي وأمِّي وكنتُ ابنَ سبعٍ أو ثمانٍ (٦). ورُوِي نحو ذلك عن
стр. 1070
أبي هريرة (١)، ولم يُعرَف لهم مخالفٌ، مع أنها في مظنة الاشتهار.
وأما الحديث الثاني فرواه عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن جدِّه أن جدَّه أسلمَ وأبتْ امرأتُه أن تُسلِم، فجاء بابنٍ له صغيرٍ لم يبلغ، قال: فأجلسَ النبي ﷺ الأبَ هاهنا والأُمَّ هاهنا، ثم خيَّره وقال: "اللهمَّ اهدِه"، فذهبَ إلى أبيه. هكذا رواه أحمد والنسائي (٢).
ورواه أبو داود (٣) عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني أبي عن جدّي رافع بن سِنَان أنه أسلم وأبتْ امرأتُه أن تُسلِم، فأتَتِ النبي ﷺ فقالت: ابنتي وهي فَطيم أو شبيهه، وقال رافع: ابنتي. فقال له رسولُ الله ﷺ : "اقعُدْ ناحيةً"، وقال لها: "اقعُدي ناحية"، وأَقْعَدَ الصبيةَ بينهما، ثم قال: "ادعُواها"، فمالتْ إلى أمّها، فقال النبي ﷺ : "اللهمَّ اهدِها"، فمالت إلى أبيها فأخذها.
وعبد الحميد هذا هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصاري. وهذا الحديث قد ضعفه بعضهم، فقال ابن المنذر: في إسناده مقال، وقال غيرُه: هذا الحديث لا يثبته أهلُ النقل، وقد رُوِيَ على غيرِ هذا الوجه، وقد اضطُرِب فيه هل كَان المخيَّر ذكرًا أم أنثى؟ ومن روى أنه كان أنثى قال فيه: "إنها فَطِيم" أي مفطومة. وفَعِيل بمعنى مفعول إذا كان صفةً يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: عينٌ كَحِيل، وكفٌّ خضيب، فيقال للصغير "فطيم" وللصغيرة "فطيم". ولفظ "الفطيم" إنما يُطلَق على قريب العهد بالفطم، فيكون له نحو ثلاث سنين، ومثل هذا لا يُخيَّر باتفاق العلماء.
стр. 1071
وأيضًا فإنه خيَّر بين مسلمٍ وكافر، وهذا لا يجوز عند الأئمة الأربعة وغيرهم، فإن القائلين بالتخيير لا يُخيِّرون بين مسلم وكافر، كالشافعي وأحمد. وأما القائلون بأن الكافرة لها حضانة كأبي حنيفة وابن القاسم فلا يُخيِّرون. لكن أبو ثور يقول بالتخيير، فيما حكاه عنه ابن المنذر. والجمهور على أنه لا حضانة لكافر، وهو مذهب مالك والشافعي والبصريين كسوَّار وعبد الله بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو ثور وابن القاسم صاحب مالك: الذمية في ذلك كالمسلمة، وهي أحق بولدها من أبيه المسلم، وهو قول الإصطخري من أصحاب الشافعي. وقد قيَّد ذلك أبو حنيفة فقال: هي أحقّ بولدها ما لم يعقل الأديان، ويخاف أن يألف الكفر.
والأب إذا كان مسلما كان الولد مسلمًا باتفاقهم. وكذلك إن كانت الأم مسلمة عند الجمهور، كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة، فإنه يتبع عند الجمهور في الدنيا خيرَهما دينًا، وأما في النسب والولاء فهو يتبع الأب بالاتفاق، وفي الحرية أو الرقّ يتبع الأم بالاتفاق.
وقد حمل بعضهم هذا الحديث على أن النبي ﷺ علم أنها تختار الأبَ بدعائه، فكان ذلك خاصًّا في حقّه.
وأيضًا فهذه القصة قضية في عين، والأشبه أنها كانت في أول زمن الهجرة، فإن الأب كان من الأنصار فأسلم، والأمّ لم تسلم. وفي آخر الأمر أسلم جميع نساء الأنصار، فلم يكن فيهم إلا مسلمة، حتى قال النبي ﷺ : "اللهمّ اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولنساء الأنصار" (١).
стр. 1072
ولمّا قدم النبي ﷺ المدينةَ لم يُكرِه أحدًا على الإسلام، ولا ضربَ الجزية على أحد، ولكن هادنَ اليهودَ مهادنةً. وأما الأنصار ففشا فيهم الإسلام، وكان فيهم من لم يُسلِم، بل كان مُظهِرًا لكفرِه، فلم يكونوا ملتزمين لحكم الإسلام. وكذلك كان عبد الله بن أبي بن سَلول وغيره قبل أن يُظهِروا الإسلام.
وقد ثبت في الصحيحين (١) من حديث أسامة أن النبي ﷺ ذهب يعود سعدَ بن عبادة، فمرَّ بمجلسٍ من الأنصار ... الحديث. ففي، هذا الحديث وغيره من الأحاديث ما يبين أنهم كانوا قبل غزوة بدر متظاهرين بالكفر من غير إسلام ولا ذمة، فلم يكن الكفار ملتزمين لحكم النبي ﷺ ، إذ التزامُ حكمِه إنما يكون بالإسلام أو بالعهد الذي التزموا فيه ذلك، ولم يكن المشركون كذلك. فلهذا لم يلزم المرأة بحكم الإسلام، بل دعا الله أن يهدي الصغيرَ، فاستجاب الله. ودعاؤه له أن يهديه دليلٌ على أنه كان طالبًا مريدًا لهداه، وهداه أن يكون عند المسلم لا عند الكافر. لكن لم يمكنه ذلك بالحكم الظاهر، لعدم دخول الكافرة تحت حكمه، فطلبه بدعائه المقبول. وهذا يدل على أنه متى أمكن أن يُجعَل مع المسلم لا يُجعَل مع الكافر.
وكان هذا حكم الله ورسوله بأهل الذمة الملتزمين جريانَ حكم الله ورسوله عليهم، يُحكَم بينهم بذلك. نعم لو كان النزاع بين من هو مسلم ومن هو من أهل الحرب والهدنة الذين لم يلتزموا جريانَ حكم الله ورسوله عليهم، فهنا لا يمكن الحكم فيهم بحكم الإسلام بدون رضاهم، فيسعى حينئذٍ في تغليب الإسلام بالدعاء كما فعل النبي ﷺ ، إذ كان
стр. 1073
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، يسرُّني أن أقدِّم إلى القراء المجموعة الرابعة من "جامع المسائل"، التي تحتوي على مسائل وفتاوى كثيرة لم تُنشَر من قبل، ومعظمها مما كتبه شيخ الإسلام مدةَ إقامته في مصر في السنوات (٧٠٥ - ٧١٢). وقد كانت الفتاوى المصرية جُمِعتْ بواسطة بعض تلاميذ الشيخ فبلغت ستةَ مجلدات أو سبعة. يقول ابن القيم في نونيته (١):
وكذاك أجوبة له مصريَّة ... في ستّ أسفارٍ كُتِبْنَ سِمَانِ
ويذكر ابن رجب أن الفتاوى المصرية سبع مجلدات (٢). أما ابن عبد الهادي (٣) فلم يحدد عدد المجلدات، بل قال: "وقد جمع بعض أصحابه قطعة كبيرة من فتاويه الفروعية، وبوبَّها على أبواب الفقه في مجلدات كثيرة، تُعرَف بالفتاوى المصرية، سماها بعضهم الدرر المضية من فتاوى ابن تيمية". وذكر بعض المترجمين له
_________
(١) "الكافية الشافية" (ص ١٦٤).
(٢) "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٠٣).
(٣) "العقود الدرية" (ص ٣٨).
стр. 1074
- مثل الصفدي (١) وابن شاكر (٢) - أن بعض الناس جمع فتاويه بالديار المصرية مدة سبع سنين في علوم شتى، فجاءت ثلاثين مجلدة.
ولعلّ هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف النسخ، فبعضها كانت في ستّة مجلدات، وأخرى في سبعة، وأخرى في ثلاثين جزءًا من الأجزاء الصغار. أو أن الثلاثين كانت تحتوي على الفتاوى التي أفتى بها في مصر وفي غيرها، فالمجلدات الستة أو السبعة كانت قسمًا من عامة مجلدات فتاواه التي جُمِعَتْ. ومما يؤيد هذا الرأي أن ابن القيم ذكر أن الأجوبة المصرية في ست أسفار، ثم ذكر بعد أبيات (٣):
وكذا فتاواه، فأخبرني الذي ... أضحَى عليها دائم الطَّوفان
بلغَ الذي ألفاه منها عدةَ الْـ ... أيَّام من شهر بلا نقصان
سِفر يقابل كل يوم، والذي ... قد فاتني منها بلا حُسْبَانِ
يَقصِد أن ما وُجِد من عامة فتاواه كان ثلاثين مجلدًا، أما ما لم يُوجَد منها أو لم يُجمَع بل تفرقَ في البلدان فهذا لا يُعدُّ ولا يُحصَى.
ومهما يكن من شيء فإن مجموعة الفتاوى المصرية للشيخ كانت مرتبةً على الأبواب، وكانت تسمى "الدرر المضية". ومما يؤسف له أنها أصبحتْ شَذَرَ مَذَرَ، ولم تُوجد كاملةً حتى الآن،
_________
(١) "أعيان العصر" (١/ ٢٤٥)؛ "الوافي بالوفيات" (٧/ ٢٩).
(٢) "فوات الوفيات" (١/ ٨٠).
(٣) "الكافية الشافية" (ص ١٦٥).
стр. 1075
وبعد البحث الشديد والتتبع الطويل في مكتبات المخطوطات وفهارسها وقفتُ على أربعة مجلدات منها، وبقي مجلدان أو ثلاثة لازلتُ في البحث عنها، ولعل الله يُيسِّر الحصولَ عليها في المستقبل.
وقد تَمَّ نَشْرُ كثيرٍ من الفتاوى المصرية المتفرقة ضمن بعض المجلدات من "مجموعة الفتاوى الكبرى" (طبعة مصر) و"مجموع الفتاوى" (طبعة الرياض)، ولكن دون تمييز بين الفتاوى المصرية وغير المصرية، ولا يمكن معرفتها إلا بالرجوع إلى الأصول أو مقابلتها مع "مختصر الفتاوى المصرية" للبعلي (ت ٧٧٧)، وهو مطبوع، مرتَب على الأبواب كالأصل (١)، وفيه اختصار شديد للفتاوى، اقتصَر فيه المختصِر على النكت والفوائد والمسائل المستغربة من كلام الشيخ، واقتبسَ أحيانًا سطرًا أو سطرين أو أسطرًا قليلة من الفتاوى الطويلة. ومن أمثلة ذلك: الفتوى رقم (٩) ضمن "مجموعة الفتاوى الكبرى" (١/ ٨ - ٢٣)، نجد منها في "المختصر" (ص ١٤ - ١٥) ستة أسطر فقط، والفتوى رقم (١٧) من "مجموعة الفتاوى الكبرى" (١/ ٣٩ - ٤٢)، اقتُبس منها في "المختصِر" (ص ٢٧) نصفُ سطرٍ. وهكذا في كثير مَن الفتاوى والمسائل. ولذا أرى أن هذا المختصر وإن كان "فيه من الفوائد ما لم يوجد في غيره من المطولات" - كما قال الحافظ ابن حجر (٢) - ونافعًا لمعرفة آراء
_________
(١) أخطأ ناشر "المختصر" فظن أن التبويب من البعلي!! والصواب أنه تابع الأصل في الاختصار والتهذيب.
(٢) "الدرر الكامنة" (٤/ ٨٤)، وذكر أن البعلي سمَى هذا المختصر "السهيل".
стр. 1076
شيخ الإسلام في المسائل التي سُئِل عنها، فإنه لا يُغنِي عن الرجوع إلى أصل كلامه الذي أورد فيه الحجج، وناقش أصحاب الأقوال المرجوحة، وفصَّل القول في بعض المسائل، واستطرد إلى مباحث وفوائد أخرى مهمة، كما يظهر ذلك بالمقارنة بين الأصل والمختصر.
عثرت على مجلد من الأصل في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة ضمن مجموعة المكتبة المحمودية برقم [١٤٠٢]، وهو الجزء الثاني منه، عدد أوراقه ٢٠٧ ورقة. وقد كتب الناسخ في آخره: "وكان الفراغ من هذا الجزء الثاني من كتاب الدرر فتاوى الشيخ ﵀ ورضي عنه على يد أبي بكر بن أحمد بن عبد الله ابن عبد الغني بن أبي بكر بن أبي القاسم البعلي - عفا الله عنه - في خامس شهر جمادى الآخر (كذا) سنة اثنتين وأربعين وسبعمئة ببعلبك".
والنسخة بخط نسخي جيد، والأخطاء فيها قليلة، وهي مقابلة على الأصل المنسوخ منه كما يظهر من الدوائر المنقوطة ومن الإلحاقات والتصحيحات على هوامشها.
وهذا الجزء يحتوي على قسمٍ من باب الأدعية والأذكار، وباب الكسوف، وباب الاستسقاء، وباب الحكم في ترك الصلاة، وكتاب الجنائز. وعدد المسائل والفتاوى الموجودة فيه مئة مسألة. وقد أفردتُ منها تلك المسائل التي لم تُنشَر ضمن "مجموع الفتاوى"، فكان عددها ٥٤ مسألة، بعضها طويلة جدًّا، مثل المسألة الأولى في شرح حديث أبي بكر "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ... "، والمسألة الثانية والتسعين في إهداء الثواب إلى النبي ﷺ . وقد ورد
стр. 1077
ذكر المسألتين في بعض المصادر القديمة، فقد ذكر الأولى ابن رشيق (١) بعنوان "شرح دعاء أبي بكر"، وابن عبد الهادي (٢) بعنوان " [شرح] حديث الدعاء الذي علَّمه النبي ﷺ لأبي بكر الصديق "اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلما كثيرا"". والمسألة الأخرى ورد ذكرها بعنوان "رسالة في إهداء الثواب للنبي ﷺ " عند ابن رشيق (٣). وهناك مسائل أخرى كثيرة في حكم تارك الصلاة وغير ذلك تُنشَر في هذه المجموعة لأول مرة.
ووجدتُ ١٣ مسألةً من الفتاوى المصرية ضمن مجموعة في مكتبة تشستربيتي برقم ٍ [٣٥٣٧] (الورقة ٨٩ أ-٩٧ ب) مكتوبة في سنة ٧٥٦ بخط علي بن حسن بن محمد الحرانى كما هو مثبت في آخرها. فضممتُها إلى ما استخلصتُها من المجموعة السابقة.
أما المسائل الأخرى التي تلي الفتاوى المصرية في هذه المجموعة فهي مأخوذة من نسخةٍ حديثة الخط من فتاوى الشيخ، محفوظةٍ في المكتبة القادرية ببغداد برقم [٤٩١]، عدد أوراقها ١٩٣ ورقة، وهي بخط نسخي معتاد، كتبها محمد بن علي بن الملا أحمد سبته، وفرغ منها في ٢١ من شعبان سنة ١٣٠٦. وهذه النسخة تحتوي على "مسائل وردت من الصلت" ومسائل أخرى لم تُنشر ضمن "مجموع الفتاوى". وقد ذكر ابن عبد الهادي (٤) "أجوبة
_________
(١) انظر "الجامع لسيرة شيخ الإسلام" (ص ٢٤٩).
(٢) "العقود الدرية" (ص ٦١).
(٣) "الجامع" (ص ٢٤٤).
(٤) "العقود الدرية" (ص ٥٧).
стр. 1078
كثيرة عن مسائل وردت من الصلت"، وذكرها ابن رشيق (١) بعنوان "أجوبة مسائل الصلط"، وذكرها الصفدي وابن شاكر (٢) بعنوان "جواب مسائل وردت من الصلت". وكانت هذه المسائل في حكم المفقود، حتى وفقني الله للعثور عليها في هذه النسخة، فالحمد لله على ذلك.
وأجوبة هذه المسائل مختصرة موجزة في أسطرٍ قليلة، اقتصر فيها الشيخ على ذكر الحكم في المسألة دون الخوض في التفاصيل والحجج والمناقشات. أما المسائل الأخرى في المجموع فهي على أسلوبه المعروف في الاستطراد والتفصيل، وبعد مقابلتها على "مجموع الفتاوى" حصلتُ على قدرٍ لا بأس به من المسائل التي لم تُنشَر ضمنَه، فأدخلتُها في هذه المجموعة الرابعة.
والرسالة الأخيرة هنا كانت مجهولة العنوان والمؤلف ضمن مجموع من مجاميع المدرسة العمرية الموجودة في دار الكتب الظاهرية بدمشق [مجموع ٩١]، (الورقة ١٣٧ - ١٤٦)، وهذا المجموع يحتوي على كثير من رسائل شيخ الإسلام، وبعضها بخطه. وقد تأملتُ في هذه الرسالة فوجدتها مضطربةً في الترتيب، وينبغي أن يكون ترتيب أوراقها كما يلي: (١٤٦، ١٣٨ - ١٤٥، ١٣٧). والرسالة بخط نسخي جيد، وقد كُتِب في أعلى الورقة (١٣٧/أ) بيد بعض المفهرسين "الكلام في الصفات"، ولما قرأتُ
_________
(١) "الجامع" (ص ٢٤٥).
(٢) المصدر السابق (ص ٢٩٥،٣١٨،٣٣٢).
стр. 1079
فيها بعد ترتيب أوراقها وجدتُها في الرد على بعض أتباع سعد الدين ابن حمويه (ت ٦٥٢)، ناقش فيها بعض آرائه في التصوف ووحدة الوجود، وبيَّن مصادرها، وانتقدها في ضوء الكتاب والسنة.
وقد ذكر شيخُ الإسلام ابنَ حمويه في بعض مؤلفاته (١) وردَّ عليه، ولم أجد من أشار إلى مؤلَّفٍ له في هذا الموضوع، وعلى هذا فتكون لهذه الرسالة قيمة كبيرة، وتُضاف إلى جملةِ مؤلفاته في الرد على القائلين بوحدة الوجود (ابن عربي وأمثاله).
وقد بعث المؤلف هذه الرسالة إلى أحد أتباع سعد الدين بن حمويه، ولم أتمكن من تحديد اسمه لكونها ناقصة الأول والآخر في هذه النسخة التي وصلت إلينا، والتي تبدأ بأثناء نصٍّ مقتبس من كلام الشخص المذكور وتعليقِ المؤلف عليه، وكُتب في آخرها: "بياض كبير". وهذا يدل على أن الأصل المنسوخ عنه كان ناقصًا من آخره. ولم أجد نسخة أخرى من هذه الرسالة تكمِل النقص، فأبقيتُها كما هي حفاظًا على الموجود منها لِيُستفاد.
وفي الختام أحمد الله على توفيقه لإخراج هذه المجموعة، وأدعوه أن يجعلها نافعة للباحثين وطلاب العلم، وأرجو منهم أن لا ينسوني في دعواتهم الصالحة. والحمد لله أولاً وآخرًا، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محمد عزير شمس
_________
(١) انظر "الصفدية" (١/ ٢٤٨) وهذه المجموعة (ص ٦٦).
стр. 1080
- نماذج من الأصول الخطية
стр. 1081
مسائل من الفتاوى المصرية
стр. 1082
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسألة
في شرح الحديثِ الذي ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن أبي بكر الصدّيق ﵁، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! عَلِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: قل: "اللهمَّ إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يَغفر الذنوبَ إلاّ أنتَ، فاغفِرْ لي مغفرةً من عندك وارْحَمْني، إنك أنتَ الغفور الرحيم" (١).
شرحَه الحكيم فقال (٢): هذا عبدٌ اعترفَ بالظلم، ثم التجأَ إِليه مُضطرًّا، لا يجدُ لذنبه ساترًا غيرَه، ثم سألَه مغفرةً من عنده.
والأشياءُ كلُّها من عندِه، ولكن أراد شيئًا مخصوصًا ليس مما بَذَلَه للعَامَّةِ، فلله تعالى رحمة قد عَمَّتِ الخلقَ بَرَّهم وفاجرَهم، سعيدَهم وشقيَّهم، في أرزاقِهم ومعايشهم وأحوالِهم؛ ثم له رحمةٌ خَصَّ بها المؤمنين، وهي رحمة الإيمان، ثم له رحمةٌ خصَّ بها المتقين، وهي رحمةُ الطاعةِ للهِ تعالى؛ وللهِ رحمةٌ خصَّ بها الأولياءَ نالوا بها الولايةَ، وله رحمةٌ خصَّ بها الأنبياءَ نالوا بها النبوةَ. ولما ذكرَ في
стр. 1083
تنزيلِه الأنبياءَ قال: (وَوَهبنا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا) (١). وقال الراسخون في العلم: (وَهَبْ لَنَا مِن لًدُنكَ رَحمَةً) (٢). فإنما سألوه رحمةً من عنده.
فهذا صورةُ ما شرحَه الحكيم الترمذي، ولم يذكر صفةَ الظلم وأنواعه كما ذكر صفات الرحمة.
والمسئولُ شرحُ ما مفهومُ قولِ الصدّيقِ "ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا"؟ والذنبُ بين يَدَي الله تعالى لا يحتمل المجازَ، والصدّيقُ من أئمة السابقين، والرسول ﷺ أمرَه بذلك، فسيِّدي بسط القول في ذلك مما يفهمه السائلُ، وما هو الظلم الذي نَسَبَه الصديقُ إلى نفسه كما عَلَّمه النبيُّ ﷺ ؟
أجاب
الحمد دلله. الدعاءُ الذي فيه اعترافُ العبدِ بظلمِ نفسِه ليس من خصائص الصدِّيقين ومَن دُونَهم، بل هو من الأدعية التي يدعو بها الأنبياءُ وهم أفضلُ الخلق، قال الله تعالى عن آدمَ وحَوَّاءَ: (قَالَا ربنا ظَلمنَاَ أَنفسَنَا وَإِن لَم تَغفِر لنا وَترحمنا لَنَكونَنَّ مِنَ اَلخَاسِرينَ (٢٣)) (٣)، وقال موسى ﵇: (رَب إِنِّى ظَلَمتُ نَفسِى فَاَغفِر لىِ فَغَفَرَ لَهُ إِنه هُو
стр. 1084
اَلْغَفُوُر الرحيم (١٦)) (١)، وقد دَعَا غيرُهم بنحو هذا الدعاء، كقول الخليل ﵇: (رَبنا اَغْفِرْلِى وَلولِدَىَّ وَلِلْمُؤمِنِينَ يَوم يَقُوم اَلْحِسَابُ (٤١)) (٢)،
وقال: (وَاَلَذِىَ أَطمَعُ أَن يَغفِرَ لِى خطيئتِى يوم اَلدِين (٨٢)) (٣)، وقال هو وإسماعيل: (رَبنَا تَقَبًل مِنَّا إِنكَ أَنتَ اَلسَمِيعُ العليم (١٢٧) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلينَا إِنكَ أَنت التَوابُ اَلرحيم (١٢٨)) (٤)، وقال موسى ﵇: (أنت ولينا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرينَ (١٥٥) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنَّا هدنا إليك) (٥)، وقال نوح ﵇: (رَب أنى أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين (٤٧)) (٦)، وقال يونس: (لا إله إِلَّاَ أنتَ سُبْحانكِّ إنى كنت من الظالمين (٨٧)) (٧).
وقد ثبت في الصحيح (٨) من حديث علي ﵇ عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح: "اللهم أنتَ الملكُ لا إله إلا أنتَ، أنتَ ربّي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، وَاهْدِني لأحسن
стр. 1085
الأخلاق، فإنه لا يَهدي لأحسنِها إلَا أنتَ، واصرِفْ عنّي سَيّئَهَا، فإنه لا يَصْرِف عنّي سَيئَها إلا أنتَ، لَبيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ كلُّه بِيدَيْكَ، والشرُّ ليس إليك، أنَا بك وإليك، أَستغفرك وأتوبُ إليك". وقد ثبت في الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه كان يقول في سجوده: "اللهمَّ اغفرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّهُ وجِلَّهُ، وعَلانيتَه وسِرَّه، وأوله وآخرَه".
وثبت عنه في الصحيحين (٢) أنه كان يقول بينَ التكبير والقراءة: "اللهمَّ بَاعِدْ (٣) بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغرب، اللهمَّ نَقِّنِيْ منَ الخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، اللهمَّ اغسِلْنِيْ من خطايايَ بالماءِ والثلج والبَرَدِ".
وثبتَ أيضًا في صحيح مسلم (٤) أنه كان يقول نحو هذا الدعاء إذا رفعَ رأسَه من الركوع بعد التسميع والتحميد، وبعدَ أن يقولَ: "أهلَ الثناءِ والمجدِ أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد، لا مانعَ لما أعطيتَ ولا مُعطِيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ" (٥).
стр. 1086
وثبت عنه في الصحيحين (١) عن أبي موسى أنه كان يقول في دعائه: "اللهمَّ اغفِرْ لي خطيئتي وجهلي، وإسْرَافي في أمري، وما أنت أعلمُ به منّي، اللهمَّ اغفِرْ لي هَزْلي وجدِّي وخَطَأي وعَمْدِي، وكل ذلك عندي، اللهمَّ اغفِرْ لي ما قَدمتُ وَما أَخرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنتَ المقدِّمُ وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير".
وثبت عنه في الصحيحين (٢) أنه كان يقول في دعائه بالليل: "اللهمَ لك الحمدُ أنت رب السمواتِ والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ أنت نورُ السمواتِ والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ أنت قَيُّومُ السمواتِ والأرضِ ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحقُّ، ووعدك الحقُّ، ولِقاؤُك حقٌّ، والجنةُ حق، والنار حقّ، والنبيون حقّ، ومحمد ﷺ حقّ، اللهم لك أَسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أَنَبْتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ. اللهمَّ اغفِر لي ما قَدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنتَ إلهي لا إلهَ إلاّ أنتَ".
وثبت عنه في الصحيح (٣) عن عائشة أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانكَ اللهمَّ ربَّنا وبحمدِك اللهمَّ اغْفِر لي" يَتأوَّلُ القرآنَ، أي يَمتثِلُ ما أُمِرَ به في قوله: (فَسَبِّح بِحمد ربك وَاَستَغفِرهُ
стр. 1087
إِنَّه كانَ تَوابا (٣)) (١). كما امتثل بتلك الأدعية ما أمره في قوله: (فَاَصبِر إِنَّ وَعد اللهِ حَقٌّ وَاستَغفِر لِذنبك وسبح بحمدِ رَبِّكَ بِالعَشىّ وَالإبكار (٥٥)) (٢)، (فأعلم أَنَهُ لَاَ إِلَهَ إلا اللهُ وَاَستَغفِر لِذَنبك وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمؤمِنات) (٣).
وهذا الدعاء الذي ذكرته عائشة بعد نزول قوله: (ليَغفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذنبك وَمَا تَأَخرَ) (٤)، فإنه قد ثبت في الصحيح (٥) أن سورة "إذا جاء نصر الله والفتح" آخر سورةٍ أُنزلتْ. وأيضًا فأبو موسى الأشعري وأبو هريرة إنما صَحِبَاه بعد نزول قوله: (لِيَغفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذنبك وَمَا تَأَخَرَ)، فإن هذه الآية قد ثبت في الصحيح (٦) أنها نزلتْ عامَ الحديبية لما بايعَه الصحابةُ بيعةَ الرضوان تحت الشجرة وانصرفَ، وقد خالط أصحابَه كآبةٌ وحُزنٌ لرجوعهم، ولم يتِمُّوا العمرةَ التي خرجوا لها، وقد صالحوا المشركين، لما أن في ظاهره غَضاضةً عليهم، حتى كرهَه كثيرٌ منهم، وجَرتْ فيه فصولٌ، فأنزل الله سورةَ الفتح بنُصرتِه من الحديبية، وهو في الطريق قبلَ وصولهِ إلى المدينة، ثم إنه تَجهَّزَ من المدينةِ لفتح خيبر، وفي أواخر غَزاةِ
стр. 1088
خيبر قَدِمَ عليه أبو موسى والأشعريون، وفي تلك المدة أسلم أبو هريرة. ولما أنزلَ اللهُ عليه هذه الآية (لِيَغفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذنبك وَمَا تَأخَّرَ) قال له الناسِ: يا رسولَ الله! هذا لك، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى (هُوَ الذي أَنزلَ اَلسكينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزدَادواْ إِيمُانا مع إيمانهم) (١).
وفي هذا ردٌّ على طائفةٍ من الناس - كبعض المصنِّفين في السِّيَر وفي مسألة العصمة - يقولون في قوله (ليَغفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذَنبك): وهو ذنبُ آدم، (وَمَا تَأَخرَ) ذنبُ أمتِه، فإن هذا القولَ وإن كان لم يَقُلْه أحدٌ من الصحابة والتابعين ولا أئمة المسلمين، ولا يقولُه من يَعقِلُ ما يقول، فقد قاله طائفة من المتأخرين (٢)، ويَظُنُّ بعضُ الجهال أن هذا معنى شريف، وهو كذب على الله وتحريفُ الكَلِم عن مواضعه، فإنه قد ثبت في الصحاح (٣) في أحاديث الشفاعة أن الناسَ يومَ القيامة يأتون آدمَ يَطلبون منه الشفاعةَ، فيعتذِرُ إليهم ويقول: إني نُهِيْتُ عن الشجرة فأكلتُ منها، نفسي نفسي، ويأتون نبيًّا بعد نبي إلى أن يَأتوا المسيحَ، فيقول: ائْتُوا محمدًا فإنه عبد قد غفرَ اللهُ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فلو كانت "ما تقدم" هو ذنب آدم لم يعتذر آدم.
стр. 1089
وأيضًا فلما نزلتِ الآية قالت الصحابةُ: هذا لكَ فما لنا؟ فأنزل الله: (هُوَ اَلَّذِي أَنزَلَ السكينَةَ في قُلُوبِ اَلمُؤْمِنِينَ)، فلو كان "ما تأخر" مغفرة ذنوبهم لقال: هذه لكم.
وأيضًا فقد قال تعالى: (وَاَستَغْفِر لِذَنبِك وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمؤمناتِ) (١)، ففرَّقَ بين ما أضاف إليه وما يُضاف إلى المؤمنين والمؤمنات.
وأيضًا فإضافةُ ذنبِ غيره إليه أمرٌ لا يَصْلُح في حق آحادِ الناس، فكيف في حقَه ﷺ ؟ حتى تُضَاف ذنوبُ الفُسَّاق من أمته إليه، ويُجعلَ ما جعلوه (٢) من الكبائر - كالزنا والسرقة وشرب الخمر - ذَنْبًا له ﷺ ، والله يقول في كتابه: (وَلَا تزِرُ وَازِرَةٌ وزرَ أخُرَى) (٣)، ويقول في كتابه: (وَمَن يَعمَل مِنَ الصّالحاَتِ وَهُوَ مُؤمِن فَلَا يَخَافُ ظُلما ولَا هَضمًا (١١٢)) (٤)، قالوا (٥): الظلم أن تُحْمَل عليه سيئات غيرِه، والهَضْم أن يُنْقَصَ هو من حسناتِه، وهو أفضلُ من عَمِلَ من الصالحات وهو مؤمن، فكيف تُحْمَلُ عليه سيئاتُ غيرِه وتُضَافُ إليه؟ وأيُ فرقٍ بين ذنبِ آدمَ وذنب نوح والخليل وكلُّهم آباؤه؟ وأيُّ فرق بين ذنب الإنسان وذنب غيرِه (٦) حتى يُضاف إليه هذا دونَ هذا؟ والله يقول: (أَم لَم يُنبّأ بما في
стр. 1090
صحف موسى (٣٦) وإبراهيم الذي وفى (٣٧) ألا تزر وازرة وزر أخرى (٣٨)) (١) والنبي ﷺ يقول لرجل معه ابنه: "لا يَجْنِي عليك ولا تَجْنِي عليه" (٢).
وأيضًا فقد قال الله في غيرِ موضع في القرآن (٣) إنه ليس عليه إلاّ البلاغُ المبين، وقال: (فَإِن تَوَلواْ فَإِنَّمَا عَلَيهِ مَا حمُلَ وَعَلَيكم مَّا حُمِّلتُم) (٤). فإذا كان على أمتِه ما حُمِّلُوا وهو ليس عليه إلا البلاغ المبين كيف تكونُ ذنوبُ أمته ذنوبَه؟ ومثل هذا القول لا يخفى فسادُه على من له أدنى تدبُّرٍ، وإن كان قالَه طوائفُ من المصنِّفين في العصمة، حتى يَرَى ذلك بعضُ مَن له في السنة والفقه والحديث قَدَمٌ، لكن الغُلوَّ أوجبَ اتباعَ الجهال الضُلَاّل، فإنّ مثلَ هذه التفاسير إنما يَصْدُر في الابتداء عن أهل التحريف لكتاب الله: إما من الزنادقة المنافقين، وإمّا من المبتدعة الضالّين.
وأولُ من دخلَ في الغُلوّ من أهل الأهواء هم الرافضة، فإنهم لما ادَّعَوا في علي وغيرِه أنهم معصومون حتى من الخطأ احتاجوا أن يثبِتوا ذلك للأنبياء بطريقِ الأولى والأحْرى، ولما نزَهُوا عليًّا ومن هو دون علي من أن يكون له ذنبٌ يُسْتَغفَر منه كان تنزيهُهم