← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ففي هذه الأحاديث المعروفة عند علماء المسلمين أن الله كتب نُبوَّتَه وأظهرها بين خلقِ آدم وبين نفخ الروح فيه، كما ثبت في الصحيح (١) عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ -وهو الصادف المصدوق- أن خَلْقَ أحدكم يُجمَع في بطن أفه أربعين صباحًا، ثم يكون عَلَقَةً مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يُبعَث إليه المَلَك، فيؤمَر بأربعِ كلمات، فيقال: اكتبْ رزقَه وأجلَه وعملَه وشقيّ أو سعيد، ثمّ يُنفخ فيه الروحُ. قال: فوالذي نفسي بيده إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراعٌ، فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة. فبيّن ﷺ في هذا الحديث الصحيح أنه بعد أن يخلق الجسد وقبلَ نفخِ الروح يُكتَب رزقُ العبد وأجله وعملُه وشقيّ أم سعيد. وآدم هو أبو البشر، ومحمد ﷺ سيد ولد آدم، فكتب الله نبوتَه بعد خلقِ آدم وقبلَ نفخ الروحِ فيه. فأما قول القائل بين الماء والطين" فهذا الكلام باطل، فإن الماء هو بعض الطين، إذ الطين ماءٌ وترابٌ، ولم يكن آدم قطُّ بين الماء والطين، وإنما كان بين الروح والجسد، وكان ﷺ حينئذٍ مكتوبًا عند الله خاتم النبيين. وأما تبيّن ذاته وصفاتِه وجَعْلُ الله له نبيًّا ورسولاً فإنما كان حتى خَلَقَه، ونبّأه الله على رأس أربعين سنة، فأول ما أنزل الله عليه

стр. 1367

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (١)، فكان نبيًّا، ثم أنزل الله عليه (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)) (٢). فكان رسولاً. ومن زعم أنه كان يحفظ القرآن قبل أن ينزل عليه به جبريل فهو ضالٌ مفترٍ بإجماع المسلمين. وما يُروى في هذا الباب من الأحاديث -مثل: أنه كان كوكبًا في السماء يُرَى قبل الخلق، أو نحو ذلك- فهي أحاديث مكذوبة باتفاق علماء المسلمين. والله أعلم.

стр. 1368

مسألة في قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)) (١)، وقوله تعالى: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) الآية (٢)، فمن هو في هؤلاء أعلى درجةً؟ الجواب الحمد لله. أما قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)) فهي تتناول جميع أولياء الله الفاضل والمفضول، وكلُّ من ذُكِر في غير هذه الآية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فهو صنفٌ ممن دخلَ فيها، وبعضُ هذه الأصناف أعلى من بعضٍ. ولا يقال: إن بعض هذه الأصناف أعلى ممن ذُكِر في الآية، لأن أولئك بعضُ هذه الجملة، إلاّ أن يُراد أن البعض الذي هو أعلى أصنافِها أفضلُ أهلها. ولا يقال أيضًا: إن كل من في هذه الآية أفضل ممن ذُكِر في غيرها، لكن يقال: إن مجموع المذكورين فيها أفضل من بعضهم.

стр. 1369

وأما قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) الآية، فهؤلاء ممن دَخَل في تلك الآية، وهم من أولياء الله المتقين، وهم أفضل من غيرهم، وقد يكون من له تجارة وبيعٌ لا تُلهِيْه أفضل ممن ليس كذلك، وقد يكون ذلك أفضل من هذا بحسب الإيمان والتقوى، فلذلك قوله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣)) (١) هذا مدح لهذا الصنف. والصدق في الوفاء واجبٌ على كل مؤمن، وهؤلاء أفضل من غيرهم، وقد يكون بعض من لم يعاهد أفضل من بعض من عاهد، وقد يكون بالعكس. والله أعلم.

стр. 1370

مسألة في غلام حلفَ بالطلاق الثلاث أنه لم يخدم عند إنسان، فأخذه غصبًا، واستخدمه بالضرب، فلما ضربه حلفَ يمينًا ثانيًا بالطلاق الثلاث أنه ما يخدم، فما الحكم؟ الجواب إن أمكنه الامتناعُ عن الفعل وامتنع فلا حِنْثَ عليه، وإن أُكرِهَ على فعلِ المحلوف عليه فلا حنثَ عليه. والله أعلم.

стр. 1371

مسألة في رجلٍ صلَّى صلاةَ الصبح إمامًا بسورة المدثر و"لا أقسم بيوم القيامة" في الركعتين، وسبَّح في الركوع والسجود ما بين سبع تسبيحاتٍ إلى عشر، فقال بعض الناس: هذه الصلاة ليست من الشرع ولا يُصلَّى خلفه. فهل يجب على وليّ الأمر تعزيرُ من يقول هذا القول واستتابتُه؟ وما على من يُنكِر هذه الصلاة؟ أفتونا رحمكم الله أجمعين. الجواب الحمد لله. بل هذه الصلاة مشروعة باتفاق أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن السنة للإمام أن يقرأ في الفجر بطوال المفصّل، والمفصَّلُ من قاف. وقد كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر ما بين الستين آية إلى المئة (١)، وكان يقرأ فيها بقاف ونحوِها من السُّور (٢)، وهي أطول مما ذُكِر، وقرأ فيها أيضًا بالصافات (٣)،

стр. 1372

و"ألم تنزيل" و"هل أتى" (١)، وبسورة المؤمنين، لكن أدركته سَعلةٌ في أثنائها (٢)، وقد قال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلّي" (٣). وكان عمر بن الخطاب يقرأ فيها بيونس ويوسف وهود، وكان عثمان يقرأ بطِوال المفصّل، وقرأ أبو بكر الصديق مرةً فيها بسورة البقرة، فقيل له: كادتِ الشمسُ تطلعُ، فقال: لو طلعتْ لم تجدنا غافلين. ومثل هذا معروف عن النبي ﷺ وخلفائِه الراشدين، وقد أَمَرَنا باتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين فقال: "إنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كلَّ محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٤). وفي السنن (٥) أن أنس بن مالك لما صلّى خلف عمر بن عبد العزيز قال: ما رأيتُ أشبهَ بصلاة رسول الله ﷺ من صلاة هذا الفتى، وكان يُسبِّح في الركوع والسجود من عشر تسبيحات. وفي الصحيحين (٦) أن أنس بن مالك قال: لأصلّين بكم صلاةَ رسولِ الله ﷺ ، فكان إذا قام من الركوع يقوم حتى يقول القائل: قد نسي،

стр. 1373

وإذا قَعَدَ من السجود يقعد حتى يقول القائل مثل هذا. مع أن الركوع والسجود لا ينقص عن ذلك باتفاق المسلمين، بل يكون مثل ذلك أو أطول. وفي الصحيحين (١) عن البراء بن عازب قال: رَمقتُ الصلاةَ خلفَ محمد ﷺ ، فكان قيامُه فركوعه فاعتدالُه في الركوع فسجودُه فجلوسُه بين السجدتين فسجودُه فجلوسُه ما بين السلام والانصراف قريبًا من السَّواء. وفي رواية: ما خلا القيام والقعود. وفي الصحيحين (٢) عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أخفَّ الناس صلاةً في تمام. فهذا الذي فعله النبي ﷺ هو من التخفيف الذي أَمَرَ به، كما قال: "إذا أمَّ أحدُكم الناسَ فليُخَفِّفْ، فإنّ من ورائِه السقيمَ والكبيرَ وذا الحاجة" (٣). وقال لمعاذٍ: "أفَتَّان أنتَ يا معاذ؟ " (٤) لما قرأ في العشاء الآخرة بسورة البقرة. فهذا التطويل الذي فعله معاذٌ يُنهَى عنه الإمام. ومن أنكرَ ما شَرَعَه النبي ﷺ وقال: إنه ليس من الشرع، فإنّه يُعزَّر على ذلك تعزيرًا يُناسِبُ حالَه، زجرًا له ولأمثالِه. والله أعلم.

стр. 1374

مسألة في رجلٍ إمامِ مسجدٍ: هل يجوز له أن يُكبِّر أحدٌ خلفَه من المؤتمِّين؟ أو يواضبَ (١) على السجدة في فجر كل جمعة؟ أو يَدعِيْ (٢) هو والمؤتمين (٣) عقب كل صلاة؟ أفتونا يرحمكم الله ويوفقكم للصواب. الجواب الحمد لله. لا يُشرَع الجهر بالتكبير خلف الإمام الذي يُسمَّى التبليغ لغير حاجةٍ باتفاق الأئمة، فإن بلالاً لم يكن يُبلِّغ خلف النبي ﷺ هو ولا غيره، ولم يكن يبلّغ خلف الخلفاء الراشدين، لكن لمّا مرض النبي ﷺ صلَّى بالناس مرةً وصوتُه ضعيف، فكان أبو بكر يُصلِّي إلى جنبه يُسمعُ الناسَ التكبيرَ (٤). فاستدلَّ العلماء بذلك على أنه يُشرَع التبليغ عند الحاجة، مثل ضعف صوتِ الإمام ونحو ذلك، فأما بدون الحاجة فاتفقوا على أنه مكروهٌ غيرُ مشروع.

стр. 1375

وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعلُه على قولين، والنزاعُ في الصحة معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، مع أنه مكروه باتفاق المذاهب كلّها. وأما في دعاء الإمام والمأمومين بعد الصلاة جميعًا رافعينَ أصواتَهم أو غيرَ رافعين، فهذا ليس من سنة الصلاة الراتبة، [و] لم يكن يفعله النبي ﷺ . وقد استحسنه طائفة من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد في وقت صلاة الفجر وصلاة العصر، لأنه لا صلاة بعدها، وبعض الناس يستحبُّه في أدبارِ الخمس. لكنّ الصواب الذي عليه الأئمة الكبار أن ذلك ليس من سنة الصلاة، ولا يُستحبُّ المداومةُ عليه، فإنّ النبي ﷺ لم يكن يفعله هو ولا خلفاؤه الراشدون، ولكن كان يذكر الله عقيب الصلاة ويُرغَب في ذلك، ويجهر بالذكر عقيب الصلاة، كما ثبت في ذلك الأحاديث الصحيحة: حديث المغيرة بن شعبة (١) وعبد الله بن الزبير (٢) وغير ذلك. و الناس في هذه المسألة طرفانِ ووسطٌ: منهم من لا يستحبّ ذكرًا ولا دعاءً، بل بمجرد انقضاء الصلاة يقوم هو والمأمومون كأنهم فَرُّوا من قَسْوَرة، وهذا ليس بمستحب. ومنهم من يدعو هو والمأمومون رافعين أيديهم وأصواتهم. وهذا أيضًا خلافُ السنة.

стр. 1376

والوسَطُ هو اتباع ما جاءت به السنةُ من الذكر المشروع عقيب الصلاة، ومكث الإمام يستقبل المأمومين على الوجه المشروع. لكن إذا دعوا أحيانًا لأمرٍ عارضٍ كاستسقاءٍ أو استنصارٍ أو نحو ذلك فلا بأس بذلك، كما أنهم لو قاموا ولم يذكروا لأمرٍ عارضٍ جاز ذلك ولم يُكرَه، وكل ذلك منقول عن النبي ﷺ (١). وقد كان في أكثر الأوقات يستقبل المأمومين بوجهه بعد أن يُسلِّم، وقبلَ أن يستقبلَهم يَستغفر ثلاثًا ويقول: "اللهمَّ أنت السلام ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام" (٢). وكان يجهر بالذكر، كقوله: "لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ" (٣). وأحيانًا كان يقوم عقيبَ السلام إذا عرض له أمر، كما قامَ مرةً يخطب خطيبًا (٤) للناس، وقال: "ذكرتُ ذُهَيْبَةً كانت عندنا، فكرهت أن تبيت عندي". وأما السجدة يوم الجمعة فليست واجبةً باتفاق العلماء، ويُكرَه أن يتعمد الرجل سجدة غير "الم تنزيل". وأما قراءة "هل أتى"

стр. 1377

و"الم تنزيل" في فجر الجمعة فقد جاءت الأحاديث (١) بهذه السنة كما جاءت، فإن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة والمنافقين (٢). لكن لا ينبغي المداومة على ذلك خشيةَ أن يَظُنَّ الناس أنها واجبة، كما لم يواظب (٣) النبي ﷺ على مثل ذلك، بل كان يقرأ في الجمعة والعيدين سورًا متنوعة، لا يلازم شيئًا بعينه. والله أعلم.

стр. 1378

مسألة في رجل متمسك بأحد المذاهب الأربعة، كمذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵃ أجمعين، وقد نزلت به نازلة في طلاقٍ أو غيرِه، فاستفتَى بعض العلماء، فأفتاه بقولِ أحد الأئمة المذكورين، فعارضَه آخر وقال: من استفتَى غيرَ أهلِ مذهبه فهو زنديق أو نحو هذا الكلام، فهل هذا المنكِر مصيبٌ في هذَا الإنكار أم مخطئ؟ وهل يجب عليه القتل أو غير ذلك من أنواع التعزير؟ أفتونا رحمكم الله. الجواب الحمد لله. بل هذا المنكر مُخطئ في ذلك باتفاق الأئمة، بل هو آثمٌ في ذلك مستحق للعقوبة التي تَزجُره وأمثالَه عن مثلِ ذلك، فإن كان يفهم معنى الزنديق وأنّ الزنديق الكافر، وجعلَ اتباعَ المسلم في بعض المسائل لإمامٍ غيرِ إمامِه كفرًا: فإنه يُستَتاب من هذا الكلام، فإن تاب وإلاّ قُتِل؟ وإن كان يظن أن الزنديق هو العاصي الجاهل الفاسق ونحو ذلك فإنه يُعزر على هذا الكلام. و لا يجب على أحدٍ أن يتَّبع واحدًا بعينه في كلّ ما يقوله ، وإنما يجب على الناس طاعة الله ورسولِه، ومن قال: إنه يجب

стр. 1379

على الناس طاعة شخصٍ بعينِه غيرِ رسولِ الله ﷺ فهو متناقض مخالف لإجماع المسلمين، فإنهم متفقون على أن كلَّ أحدٍ من الناس يُؤخَذُ من قولِه ويُترَكُ إلاّ رسولُ الله ﷺ . والأئمة الأربعة ﵃ نَهَوا الناسَ أن يُقلِّدوا واحدًا بعينِه في جميع ما يقوله وإنْ وُجدَتِ الحجة بخلافه. والذي كَرِهَه العلماء للرجل أن يكون رخيصًا يَستفتي في كلّ حادثة بما يكون له فيه رخصة. فأما أخذُه في بعض المسائل بقولِ إمام وفي بعضها بقولِ إمامٍ مع تحرِّي التقوى فهو جائز عند أئمة الإسلام. والله أعلم.

стр. 1380

مسألة في رجلِ لم يؤدِّي (١) الصلوات الفرض وتوفي، وخلف ولدٌ صالح، فكان الولد بعد أن يصلي الصلاة المكتوبة عليه يصلِّي صلواتٍ دائمًا، ويحتسبها لوالدِه عن فرضِه، فهل يجوز ذلك عن والده ويحتسب له؟ أفتونا مأجورين يرحمكم الله. الجواب الحمد لله. أما الفرض فلا يَسقُط عنه بصلاة غيرِه، ولكن من مات مؤمنًا فإذا صلّى عنه وَلَدُه أو تصدَّقَ عنه أو أعتقَ عنه أو صامَ عنه نفعَه الله بذلك. وأفضل ذلك الصدقة ونحوها من النفع المتعدي، فإنها تصل إلى المؤمن باتفاق الأئمة. والله أعلم.

стр. 1381

مسألة في رجل أوقف زاويةً قطعةَ أرضٍ مخللة بنَخْل، بعضه طازج وبعضُه غير طازج، وشرطَ النظرَ لشخصٍ من الفقراء، فجاء الحاكم بالناحية، واَجَرَ الأرضَ مدةَ عشر سنين بدون أجرة المثل. فهل تجوز هذه الإجارة؟ وهل للحاكم أن يُؤجر مع وجودِ الناظر الذي شرط له الواقفُ النظرَ أم لا؟ أفتونا مأجورين. الجواب الحمد لله. إذا كان لها ناظر خاص قائم بالواجب فليس للحاكم أن يؤجرها، ولا يتصرف فيها بدون أمره، لكن [لو] خرج الناظر عما يجب عليه فإن الحاكم يعترض عليه، فيُلْزِمه بالواجب، أو يَستبدل به، أو يَضمُّ إليه أمينًا. وليس للناظر ولا الحاكم أن يؤجرها بدون أجرة المثل. والله أعلم.

стр. 1382

مسألة متى فُرض الصوم والصلاة والزكاة؟ الجواب الحمد لله. صوم رمضان فُرِضَ من السنة الثانية من الهجرة، وأدرك رسولُ الله ﷺ تسعَ رمضانات. وأما الصلاة والزكاة فأُمِر بهما بمكةَ قبلَ الهجرة، لكن فرائض الصلاة شُرِعت بالمدينة. والله أعلم. مسألة هل يجب للحائض أن تَغسِلَ باطنَ فرجِها من الحيضِ والجنابة؟ الجواب الحمد لله. لا يجب على المرأة غَسْلُ باطن الفرج من غسل الحيض والجنابة. والله أعلم.

стр. 1383

مسائل وردت من الصلت

стр. 1384

مسألة في الكلب إذا وَلَغَ في طستِ لبنٍ أو طعام أو شراب، هل يحل أكلُه أم بيعُه أم لا؟ فأجاب ﵁ إذا كان فيه أثرُ الولوغ أو كُشِطَ وجهُه جاز أكلُه في أحد قولَي العلماء. مسألة في الفأرة إذا وقعتْ في سمنٍ أو زيتٍ وهو مائع، هل يَحِلُّ أكلُه أم بيعُه أم لا؟ فأجاب ﵁ إذا لم يتغير يُلقَى وما قَرُبَ منها، ويُوكَل المال ويُبَاعُ في أظهر قولَي العلماء. والله أعلم.

стр. 1385

مسألة في رجلٍ يدخُل على امرأة أخيه وبناتِ عمِّه وبناتِ خالِه، هل يجوز له ذلك أم لا؟ الجواب لا يجوز له أن يخلو بها، ولكن إذا دخل مع غيره ومن غير خلوةٍ ولا ريبةٍ جاز له ذلك. والله أعلم. مسألة في التيمُّم، هل يجوز لأحدٍ أن يصلّيَ به السُّنن والرواتب والفريضة ويقتصرَ عليه إلى حين الحَدَث أم لا؟ الجواب نعم، يجوز في أظهر قولَي العلماء أن يصلي بالتيمم كما يصلي بالوضوء، فيصلّي به الفرضَ والنفلَ، ويتيمم قبل الوقت، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ولا يَنقُض التيممَ إلاّ ما يَنقُض الوضوءَ والقدرةُ على استعمال الماء.

стр. 1386

سئِل عن رجلِ يأمر الناسَ بالصلاة ولم يُصَلِّ، فماذا يجب عليه؟ الجواب من لم يُصلِّ فإنه يستتاب، فإن تابَ وإلاّ قُتِل. والله أعلم. وسُئِل أيضًا فيمن يصلّي الفرضَ خلفَ من يُصلِّي نفلاً. الجواب يجوز ذلك في أظهر قولَي العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وسُئل أيضًا عن الماء إذا غَمَسَ الرجلُ يدَه، هل يجوز استعمالُه أم لا؟ الجواب لا ينجس بذلك، بل يجوز استعمالُه عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وعنه رواية أخرى أنه يَصير مستعملاً.

стр. 1387

وسُئل أيضًا عن صلاة التراويح، هل يجوز قبل العشاء أم لا؟ الجواب السنة في التراويح أن تُصلّي بعد عشاء الآخرة. والله أعلم. وسُئل أيضًا عن الرجل يَمَسُّ المرأةَ، هل ينتقضُ الوضوء أم لا؟ الجواب إن توضأ من ذلك فحسن، وإن صلّى ولم يتوضأ صحَّتْ صلاتُه في أظهر قولَي العلماء.

стр. 1388

وسُئِل عن الرجل إذا اغتسلَ من الجنابة، ولم يتوضأ بعدَه ولا قَبلَه وصلَّى بالغُسل، فهل يجوز ذلك أم لا؟ الجواب نعم، إذا اغتسل للجنابة أجزأتْه الصلاةُ بذلك الغسل وإن لم يَنوِه عند جمهور العلماء. والله تعالى أعلم. وسُئل أيضًا عن الرجل لا يُواظِب على السُّنن الرواتب. الجواب من أَصرَّ على تركِها دَلَّ ذلك على قلَّةِ دينه، ورُدَّتْ بذلك شهادته في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما. وسُئل أيضًا فيمن يَحلِفُ بالطلاق أنه لا يفعل شيئًا، ثم أراد أن يفعلَه. الجواب يجوز أن يَفعَل ما حَلَفَ عليه ويُكفِّر عن يمينه. والله أعلم.

стр. 1389

وسُئل أيضًا في الرُّعَاف هل يَنقُض الوضوءَ أم لا؟ الجواب إن توضأَ منه فهو أفضلُ، ولا يجب عليه في أظهر قولَي العلماء. والله أعلم. مسألة أيضًا في الفصاد في شهر رمضان، هل يُفسِد الصوم أم لا؟ الجواب إن أمكنَه الفصادُ بالليل أخَّرَه، وإن احتاجَ إليه لمرضٍ افتصَدَ، وعليه القضاء في أحد قولَي العلماء، والله أعلم.

стр. 1390

وسُئل أيضًا في سفر يومِ رمضان، هل يجوز له أن يقصر فيه أو يُفطِر أم لا؟ الجواب هذا فيه نزاع، والأظهر أنه يجوز له القصر والفطر في رمضان، كما قصر أهلُ مكَّة خلف النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة، وعرفةُ عن المسجد بَرِيدٌ. ولأن السفر مطلقٌ في الكتاب والسنة. وسُئل أيضًا عن رجلٍ معه مالٌ من حرام وحلالٍ، فهل يجوز أن يأكلَ من عيشِه أم لا؟ الجواب إذا عُرِف الحرامُ بعينِه لم يُؤكَلْ حتمًا، وإن لم يُعرَف بعينِه لم يَحرُم الأكلُ، لكن إذا كَثُر الحرامُ كان تركُ الأكلِ وَرَعًا. والله أعلم.

стр. 1391

مسألة أيضًا في رجلٍ باعَ متاعًا لإنسانٍ تاجر، وكسبَ عليه، وقَسطَ عليه الثمن، والمديونُ يطلُب السفر ولم يُقِمْ له كافلاً، فهل لصاحب الدين أن يمنعَه من السفر أم لا؟ الجواب إن كان حالاً وهو قادرٌ على وفائه فله أن يمنعه من السفر قبل استيفائه، وكذلك إن كان مؤجّلاً ومَحِلُّه قبل قدوم المدين، فله أن يمنعه من السفر حتى يوثق برهنٍ يحفظ المال أو كفيل، وإن كان الدين لا يَحُلُّ إلاّ بعد قدوم المدين ففيه نزاعٌ بين العلماء. والله أعلم.

стр. 1392

وسُئل أيضًا عن رجل يعمل عملاً يستوجب أن يُبنَى له قصر في الجنة ويُغرسَ له أغراس باسمه، ثم يعمل ذنوبًا يستوجب بها النار، فإذا دخل النار كيف يكون اسمه أنه في الجنّة وهو في النار؟ الجواب إن تاب من ذنوبه توبة نصوحًا فإن الله يغفر له، ولا يحرمه ما كان وعدَه، بل يُعطيه ذلك. وإن لم يَتُبْ وُزِنتْ حسناتُه وسيئاتُه، فإن رَجحتْ حسناتُه على سيئاتِه كان من أهل الثواب، وإن رجحتْ سيئاتُه على حسناتِه كان من أهل العذاب، وما أعدَّ له من الثواب يحبط حينئذٍ بالسيئات التي زادت على حسناته، كما أنه إذا عملَ سيئاتٍ استحقَّ بها النار ثم عملَ بها حسناتٍ تذهب السيئات. والله أعلم.

стр. 1393

مسألة في رجلٍ استلفَ من رجلٍ دراهم إلى أجل على غلَّةٍ، بحكم أنه إذا حَلَّ الأجلُ دفع إليه الغلَّة بأنقصَ مما تساوي بخمسة دراهم، فهل يَحلُّ أن يتناول ذلك منه على هذه الصفة أم لا؟ الجواب إذا أعطاه عن البيدر كل غرارة بأنقص مما يبيعها لغيره بخمسة دراهم وتراضيَا بذلك جاز، فإن هذا ليس بقرض، ولكنه سلفٌ بناقصٍ عن السعرِ بشيء، وقدر هذا بمنزلة أن يبيعه بسعر ما يبيعه الناس أو بزيادة درهم في كل غرارة أو نقصِ درهم في كل غرارة. وقد تنازع الناس في جواز البيع بالسعر، وفيه قولان في مذهب أحمد، والأظهر في الدليل أن هذا جائز، وأنه ليس فيه حظر ولا غدر، لأنه لو أبطل مثل هذا العقد لرددناهم إلى قيمة المثل، فقيمة المثل التي تراضَوا بها أولى من قيمةٍ بمثلٍ لم يتراضَيا بها. والصواب في مثل هذا العقد أنه صحيح لازم، ولهذا كان الصحيح في النكاح الفاسد أنه يجب فيه المسمَّى لا مهرُ المثل، فإنّا إذا أوجبنا فيه مهرَ المثل أوجبنا ما يستحقُّه نظيرُها في النكاح الصحيح أولى مما يستحقُّه غيرُها في النكاح الصحيح، فإنه على التقديرين

стр. 1394

قد أوجب في الفاسد ما يجب في الصحيح، ولكن على أحد التقديرين قد اعتُبِر فاسدُها بصحيحها، وعلى الآخر اعتُبر فاسدُها بصحيح غيرها، والأول أولى، وهي في مسألة البيع بالسعر والإجارة بأجرة المثل. ومنهم من قال: إن ذلك لا يلزم، فإذا تراضيا به جاز. والله أعلم.

стр. 1395

مسألة في رجلٍ فاتته صلاة العصر، فجاء إلى المسجد فوجدَ المغربَ قد أقيمت، فهل يصلّي الفائتةَ قَبلُ أم لا؟ الجواب بل يُصلِّي المغرب مع الإمام ثم يصلّي العصرَ باتفاق الأئمة، ولكن [هل] يعيد المغرب؟ فيه قولان: أحدهما يعيدها، وهو قول ابن عمر ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. والثاني: لا يعيد المغرب، وهو قول ابن عباس وقول الشافعي والقول الآخر في مذهب أحمد. والثاني أصحُّ، فإنّ الله لم يُوجب على العبد أن يصلّي الصلاة مرتين إذا اتقى الله ما استطاع. والله تعالى أعلم.

стр. 1396

مسألة في رجل خَصَّ بعضَ بناتِه، فجهَّزها ومَلَّكَها بنحو مئتَي ألف درهم، وخَصَّ بعضهم بوقفِ بعضِ مالِه عليه، فهل لورثة الواقف فسخُ ذلك أم لا؟ الجواب الحمد لله، بل يجب عليه العدل بين أولادِه كما أمر الله ورسولُه، كما ثبت في الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه قال لبشير بن سعد: "اتقوا اللهَ واعدِلوا بين أولادكم"، وقال: "لا تُشهِدْني على جورٍ" (٢)، وأمره أن يَرُدَّ التفضيلَ بين أولادِه، وإذا ماتَ ولم يَعدِلْ فإنّه يُرَدُّ جَورُه في أظهر قولَي العلماء، كما أمر بذلك أبو بكر وعمر في مالِ سعد بن عبادة. ولسائر الأولاد المظلومين طلبُ حقِّهم وفَسْخ التخصيص الذي فيه ظلمُهم، وإعَانتُهم على إيصالِ حقِّهم إليهم من القُرَب التي يُثابُ فاعلُها. والله تعالى أعلم.

стр. 1397

مسألة في قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هل هذه القبور التي يزورها الناس اليومَ -مثل قبر نوح وقبر الخليل وإسحاق ويعقوب ويوسف ويونس وإلياس واليسع وشعيب وموسى وزكريا وهو بمسجد دمشق- فهل يصحّ من تلك القبور شيء أم لا؟ الجواب الحمد لله، القبر المتفق عليه هو قبر نبينا محمد ﷺ ، وقبر الخليل فيه نزاع، لكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه قبره. وأما يونس وإلياس وشعيب وزكريا فلا يُعرَف [قبورهم]، وقبر معاوية هو القبر الذي تقول العامة إنه قبر هود. والله أعلم.

стр. 1398

مسألة في أكل لحم الضبع والثعلب وسِنَّور البرّ وابن آوى وجلودهم، وهل يَحِل لُبسُ جلودِ الجميع وأكلُ لحم الجميع أم البعض؟ وهل تطهر جلودُهم بالدباغ؟ الجواب أما لحم الضبع فإنه مباحٌ عند مالك والشافعي وأحمد، وجلْدُه يطهر بالدباغ في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك -في روَاية- وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو أصحّ قولَي العلماء. وهذا إذا دُبِغ بعدَ موته، وأما إذا ذُكِّيَ ودُبغَ كان طاهرًا في مذاهب الأئمة. وأما سنّور البرّ والثعلب ففي حِلِّهما قولان، وهما روايتان عند أحمد، أحدهما: يحل، ويكون جلده طاهرًا إذا ذُكّي، وهذا مذهب مالك والشافعي. وعلى هذا القول فإذا مات ودُبغ كان طاهرًا في مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك. والقول الثاني: إنهما محرَّمان، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وعلى هذا إذا ذُكّي كان جلدُه طاهرًا عند أبي حنيفة دون أحمد، وجلده يطهر بالدباغ إذا مات عند أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد، وظاهر مذهبه أنه لا يطهر.

стр. 1399

وأما ابن آوى فإنه حرام عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وجلده يطهر بالدباغ. وأما القول الذي يقوم عليه الدليل فإنه قد رُوِي عن النبي ﷺ في السنن من وجوهٍ أنه نَهى عن جلود السباع (١)، كما ثبت أنه حَرَّم لحمها (٢). فما ثبت أنه من السِّباع -كالنَّمِر وابن آوى وابن عِرسٍ- فلا يَحِلُّ لحمُه ولا لُبْسُ الفِراءِ من جلدِه، ما لم يكن من السِّباع المحرَّمة كالضَّبُع فإنه يُؤكَلُ لحمُه وَيُلبَسُ جلدُه. وأما الثعلب وسِنَّور البرّ ففيه نزاعٌ. والله أعلم.

стр. 1400

مسألة في لحوم الخيل وألبانها، هل هي مباحةٌ أم لا؟ الجواب أما لحم الخيل فهو مباح عند أكثر علماء المسلمين، وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة من أصحاب أبي حنيفة -كأبي يوسف ومحمد صاحبَيْ أبي حنيفة-، وهو مذهب الثوري وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر، وهو قول ابن عمر وابن الزبير وغيرهما من العبادلة. فإنه قد ثبت في الصحيحين (١) عن جابر أن النبي ﷺ حَرَّم لحومَ الحُمُر الأهلية يومَ خيبر وأَذِنَ في لحوم الخيل. وثبت في الصحيحين (٢) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: نَحَرْنا على عهد رسولِ الله ﷺ فرسًا فأكلنا لحمَها. ولم يثبُت عن النبي ﷺ أنه حرَّم لحم الخيل في حديث صحيح (٣).

стр. 1401

والقرآن لا يَدُلُّ على تحريمه، فإن قوله (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) (١) امتَنَّ الله بها على عبادِه بما يُقصَد منها في العادة، ولم يُرِد بذلك تحريمَ أكلها، بدليل أن الصحابة بعد نزول هذه الآية أكلوا لحم الحمر يومَ خيبر حتى نهاهم النبي ﷺ ، والآية مكية، فلو كان فيها دليلٌ على التحريم كان الصحابةُ ﵃ أعلمَ بذلك. وأما الذين نهوا عنها من العلماء كأبي حنيفة فقيل عنه: كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه. وأما ألبانها فإن كانت لا تُسْكِر فهي مباحةٌ كلُحْمانِها، وإن كانت مُسكِرةً فهي حرام. رواه البخاري ومسلم (٢). ولمسلم (٣): "كلُّ مُسْكرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ". وتحريم كلِّ مسكرٍ هو مذهب عامة المسلمين، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن وغيرِه من أصحابِ أبي حنيفة. ويجوز للرجل أن يأكل لحمَها ويشرب لبنَها إذا لم يكن مسكرًا، كما يجوز أكلُ اللحم باللبن مطلقًا، ولم يُحرِّمْ أكلَ اللحم باللبن إلاّ اليهودُ الذين حرَّموا طيباتٍ أُحِلَّت لهم لظلمِهم وذنوبهم. والله تعالى أعلم.

стр. 1402

مسألة فيمن ماتَ وخَلَفَ بنتًا وأخًا لأمّ وابنَ عمّ. الجواب للبنت النصف، والباقي لابن العمّ، ولا شيء للأخ من الأم باتفاق أئمة المسلمين، وما وصَّى به يُنفَّذ من الثُّلُثِ ثُلثِ التركة، والباقي للورثة. مسألة في رجلٍ حلفَ بالطلاق، ثم استثنَى هُنَيهةً بقدرِ ما يمكن فيه الكلام. فأجاب لا يقع فيه الطلاق، ولا كفّارةَ عليه، والحال هذه لو قيل له: قل "إن شاء الله" ينفعه ذلك أيضًا، ولو لم يَحْضُر له الاستثناءُ إلاّ لما قِيلَ له. والله تعالى أعلم.

стр. 1403

مسائل متفرقة

стр. 1404

مسألة ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- في مسجد بيت المقدس وقد جُعِل فيه أئمة، كلّ منهم يصلّي في موضع منه، فهل إذا صلّى أحدٌ منهم في وقتِ صلاةِ الآخر هل يدخل في النهي فيُكْرَه له ذلك أم لا؟ وهل هذا بدعة مكروه أم لا؟ وأيُّ الأئمة أحق بالصلاة بلا كراهة؟ وهل تَبطُل صلاةُ الإمام الذي صلَّى بعد إقامة الصلاة لإمام غيره أو نُكرَه؟ وهل يصح قول من قال: إن كلَّ بُنْيةٍ فيه لما اختُصَّتْ بإمامٍ صارت كالمسجد المستقلّ؟ فأجاب الشيخ تقي الدين وقال: الحمد لله، صلاة إمامين في وقتٍ واحدٍ في المسجد الأقصى أو غيره من المساجد بدعة، لم يكن السلف يفعلونها، وفيها تفريقُ الجماعات وتقليلُها، والسنةُ اتحاد الجماعة وكثرتُها، ولو كان مثلُ هذا مشروعًا لكان يُشرَعُ في صلاة الخوف أن يُصلًيَ بالناس عدَّةُ أئمة، لكن السنة جاءتْ بصلاتهم خلفَ إمامٍ واحدٍ، مع ما في ذلك من مخالفة الأصول، مثل مفارقة الإمام قبل السلام، والعمل الكثير في الصلاة، واستدبار القبلة، وقضاء المسبوق قبل سلامِ إمامِه،

стр. 1405

وتخلُّف الصفّ الثاني عن متابعة الإمام. فهذا كلُّه جاءت به السنة ليصلُّوا جميعًا خلفَ إمامٍ واحد. والعلماء قد تنازعوا في المسجد الذي له إمام راتبٌ هل يُصلِّي فيه جماعةً من فاتته الجماعةُ، أو يُفرَّق بين المساجد التي ينتابها الناس وغيرها، أو بين المساجد العظام وغيرِها، أو بين المساجد الثلاثة وغيرها، على النزاع المشهور بين الأئمة، لأنه لم يكن يرتّب في المسجد إلاّ إمام واحد، وفي هذه الأزمنة قد ترتّب في المسجد عدة أئمة، وإذا فعل ذلك فالذي ينبغي أن يُصلّيَ واحدٌ بعد واحدٍ، ليكون من فاتته الصلاة مع الأول صلّى مع الثاني، ولأنّ إقامة جماعة بعد الجماعة الراتبة مما ذهب إليه كثير من العلماء، وجاءت به السنة في مواضع الحاجة، كقول النبي ﷺ لمن فاتته الصلاة: "إلاّ رجل يتصدَّق على هذا فيصلي معه" (١). ولأن أنس بن مالك أتى المسجدَ وقد صلَّى فيه الناسُ، فأقامَ الصلاةَ وصلَّى فيه جماعةً أخرى (٢). فأما إمامةُ اثنين في وقتٍ واحدٍ في مسجدٍ واحدٍ فهذا لا يُعرَفُ أحدٌ من السلف فعله، وكلُّ ما كان أقربَ إلى السنة وأبعدَ عن البدعة فهو أولى بالاتباع. والذي أحدثَ الصلاةَ مع غيره هو أحق بالنهي ممن كان يُصلّي وحدَه. والله أعلم.
следующие страницы →