← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

بالإباحةِ مما يَقبِضُه الكفّار من أهلِ الحرب والذمةِ بالتأويل. وإذا كان الكفّارُ فيما يعتقدون حِلَّه إذا أسلموا لوَ تحاكموا إلينا بعد القبضِ حَكَمنا بالاستحقاقِ لمن هو في يدِه، وحَلَّلْناه لمن قَبَضَه من المسلمين منه بمعاوضة، وحَلَّلناه له بعد إسلامِه، فالمسلم فيما هو متأوِّل في حُكمِه باجتهادٍ وتقليد إذا قَبَضَه أولَى أن تَحِلَّ معاملتُه فيه، وأن يكونَ مباحًا له إذا رَجَعَ بعدَ ذلك عن القولِ الذي اعتقدَه أوَّلاً، وأن يُحكَمَ له به بعدَ القبضِ، كما لو حَكَمَ به حاكمٌ. وقد ذكرتُ هذه المسألةَ في غيرِ هذا الموضع، وذكرتُ فيها روايتين أصحُّهما ذلك، بناءً على أنّ حُكْمَ الإيجاب والتحريم لا يثبُتُ في حكم المكلَّفِ إلاّ بعدَ بلوغِ الخطابِ، وأنَه [لا] يَجبُ عليه قضاءُ ما تَرَكَه من الواجبات بتأويلٍ، ولا رَدُّ ما قَبَضَه من المَحرَّماتِ بتأويلٍ كالكفَّار بعد الإسلام وأولَى، فإنّ المسلم في ذلك أَعذَرُ. وتنفيرُ الكفّارِ عن الإسلام كتنفيرِ أهلِ التأويل عن الرجوع إلى الحقّ والتوبةِ من ذلك الخطأ. وهذا في الأنكحة والمعاوضات والمقاسمات. وكذلك ما أتلَفَه أهلُ البَغْي على أهلِ العدلِ من النفوسِ والأموال، لا يَجبُ عليهم ضمانُه في ظاهرِ المذهب الموافق لقولِ جمهورِ العلماء، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي في أَحدِ قولَيْهِ، كما أجمعَ عليه السلفُ من الصحابة والتابعين. قال الزهري: وَقعتِ الفتنةُ وأصحابُ رسولِ الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا أن كل دمٍ أو مال أو فرجٍ أُصِيْبَ بتأويل القرآن فإنه هَدَر. وذلك لأنهم متأوِّلون، وإن كان ما فَعلوه حرامًا في نفسِ الأمر.

стр. 1822

وفي أهل الرِّدَّة أيضًا روايتان، أصحُّهما أنهم لا يَضمَنُون كأهلِ الحرب، كما أشارَ به عمر بن الخطاب ﵁ على أبي بكر ﵁، لمَّا قالَ لأهل الردَّةِ: تَدُوْا قَتْلَانا ولا نَدِيْ (١) قَتْلَاكم، فقال عمر: لا، لأنهم قومٌ قتِلُوا في سبيل الله واستُشْهِدوا. دَلَّ على ذلك كتابُ الله في عَفْوِه عن الخطأ، وسُنَّةُ رسولِ الله ﷺ في قصّةِ أسامةَ بن زيدٍ (٢) وقصّةِ عمّار بن ياسرٍ (٣) وعديّ بن حاتم (٤) وأبي ذَر (٥) وغير ذلك. ف ما قَبَضَه المسلم بعَقْدٍ متأوِّلاً فيه مَلَكَه ، ولو تَحاكَمَ اثنانِ في عَقْدٍ اعتقدَا صِحَّتَه بعد القبض فينبغي للحاكمِ أن يُقِرَّهما على ذلك التقابُضِ. ويجوز معاملةُ المسلم فيما قبضَه بهذا الوجه، ولهذا أمرَ أحمد لمن يُعامِلُ السلطانَ في وقتِه أن يكون بينه وبينه آخر، وكلَّما بَعُدَ كان أجودَ، لأنّ المباشرَ لهم قد يَستحِلُّ من المعاملةِ باجتهادٍ أو تقليدٍ ما لا يَستحِلُّه المستفتي، فإذا قَبَضَه المباشرُ بتأويلِه حَلَّ للمستفتي حينئذٍ. ونظيرُ هذا قولُ عمر في الخمر والخنزير: وَلُّوهُم بَيْعَها وخُذُوا أثمانَها، ولا تَبِيعُوها أنتم (٦). فإنّ المسلمَ لا يَحِلُّ له بيعُ الخمرِ

стр. 1823

والخنزيرِ، ويَحِلُّ له قَبْضُ ثمنِ ذلك ممن باعَه بتأويلِه في دينه. فالمسلم الذي قَبَضَ بتأويل أولَى. فهذا مأخذ لقولِ أحمد. وله مأخذ ثانِ: أنَّ الظالمَ إذا باعَ المغصوبَ فالمشتري قَبَضَ عِوَضَ مالِه، والأموالُ التي بأيديهم مجهولةُ الملكِ، فالعِوَضُ فيها كالمعوَّض. فالمستفتي قَبَضَ ممن قَبَضَ عِوَضَ [مالِه]، ولم يَقبِضْ ممن قَبَضَ نفسَ مالِ الغير. ولهذه القاعدة فروعٌ في جواباتي في الفتاوى. وما قَبَضَه الإمامُ من الحقوقِ -الزكَوات والخراج وغير ذلك- بتأويلِ من اجتهادٍ أو تقليل وَجَبَتْ طاعتُه فيه، كما يَجبُ طاعةُ الحاكمِ في الحكم المتنازع فيه، فإذا طلبَ أخْذَ القيمةِ أَو أَخْذَ ما فَضَلَ عن الفرائضِ ونحو ذلَك أُطِيعَ في ذلك، وتَبْرَأ ذِمَّةُ المسلمِ بما يَدفعُه من ذلك. وهل يُجزِئُه ذلك إذا كان يعتقد أنه لا يُجزِئه لو فعلَه؟ الصواب أنه يُجزِئُه، كما ذكر أصحابُنا في الخلطة أنه لو أخذ القيمة أو الكبير عن الصغير فإنه يَرجِعُ أحدُ الخليطينِ على الآخر بذلك، وإطلاقُهم يَقتضي أنه يُجزِئُ. ونظيرُ هذا من مسائل العبادات البدنية الصلاةُ، فإن المأمومَ يجب عليه متابعةُ الإمام فيما يَسُوغُ فيه الاجتهادُ وإن كان المأموم لا يراه، كما لو قنَتَ الإمامُ في الفجر، أو زاد في تكبير الجنازة إلى سبع. لكن لو أخلَّ في الصلاة بركن أو شرط في مذهب المأموم دون مذهبه فهذهِ فيها الخلاف. وهو يُشبه إجزاءَ إخراجِ الزكاة من بعض الوجوه، لكن إن كان الإمامُ لا يطلبُ منه الزكاةَ وإنما هو بَذلَها له،

стр. 1824

فقبضها الإمام (١) باجتهاده، فهذا نظيرُ صلاتِه خلفَه؛ وإن كان الإمام يطلب منه الزكاة بحيث يجب طاعتُه، فهذا نظيرُ أن يُصلي خلفَه ما لا يُمكِنُه فِعلُه خلفَ غيرِه، كالجمعة والعيدين ونحوهما. ولهذا إذا قلنا: لا تَصِحُّ الصلاةُ خلفَ الفاسق، فإنه يجب فعلُ هذه الصلوات خلفَه، وفي الإعادة روايتان. فالأمرُ بفعل الصلاةِ خلفَه وبالإعادةِ يُشبِه الأمرَ بإيتاء الزكاة وبالإعادة. ومع هذا فمذهب أهل السنة المأثور عن الصحابة أنه يُجزِئ دفعُ الزكاة إلى الإمام الذي يَجُورُ في قَسْمِها ، فإجزاؤها مع أخذِها بالاجتهاد أولى، وإن كان ربُّ المال لا يُجزِئُه صَرفُها في غيرِ المصارف، لكن المأثور عن الصحابة الأمرُ بدفعِ الزكاة إليهم وبالصلاةِ خلفَهم. والمفسدةُ في الزكاةِ أشدُّ، فإذا ساغ ذلك فهذا أسوغُ. والسلف لم يأمروا مَن صلَّى خلفَهم بإعادة، ولا مَن دفعَ الزكاةَ إليهم بإعادة، ولهذا قال أحمد في رسالته في "السنة" (٢): إن من أعاد الجمعة فهو مبتدع. لكن المسألتان واحدة، فالمتفق عليه حجة على المختلَف فيه، وتخرج في صورة الوفاقِ ما في صورة النزاع، فإن طائفة من السلف ذهبوا إلى أنه لا يدفع إليهم الزكاة، كعبيد بن عمير وغيره، وكان عمر بن الخطاب هو أمير المؤمنين ﵁، الذي انتشرت الرعيةُ في زمنه، وكثرت الأموالُ، وعدلَ فيها صادقًا بارًّا راشدًا تابعًا للحق، فوضعَ الخراجَ على ما فتحَه عَنْوةً،

стр. 1825

كأرضِ السوادِ ونحوِها، ووَضع ديوانَ العطاء للمقاتِلة وللذُّزيَّة، وكان عثمان بن حُنَيف على الخراج، وزيد بن ثابت -فيما أظن- على ديوان العطاء. وما زالت هذه التسميةُ معروفةً: "ديوان الخراج" وهو المستخرَج من الأموالِ السلطانية؛ و"ديوان العطاء" كديوان الجيش وديوان النفقات ونحو ذلك. ولِوُلَاةِ الأمور من الملوك ودُوَلِهم في ذلك عاداتٌ واصطلاحات، بعضها مشروع، وبعضُها مجتهَد فيه، وبعضُها محرَّم، كما للقضاة والعلماء والمشايخ، منهم من هو من أهل العلم والعدلِ كأهل السنة، فيتبعون النصَّ تارة والاجتهادَ أُخرى؛ ومنهم أهل جهلٍ وظلمٍ كأهل البدع المشهورة من ذوي المقالات والعبادات، وذوي الجهل والجور من القضاة والولاة. وكانت سيرة أبي بكر وعمر ﵄ في غاية الاستقامة والسَّداد، بحيث لم يُمكِن الخوارجَ أن يَطعنوا فيهما فضلاً عن أهل السنة. وأما عثمان وعلي ﵄ فهما من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وسيرتهما سيرة العلم والعدل والهدى والرشاد والصدق والبر، لكن فيهما نوع مجتهَد فيه، والمجتهِد فيما اجتهد فيه إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وخطؤُه مغفور له، فاجتهاد الخلفاءِ أعظمُ وأعظمُ. وأما عثمان فحصلَ منه اجتهاد في بعضِ قَسْمِ المال والتخصيصِ به، وفي بعض العقوبات هو فيها ﵁ مجتهد، والعلماءُ منهم من يَرى رأيَه، ومنهم من لا يراه. وعلي ﵁ حصل

стр. 1826

منه اجتهادٌ في محاربة أهل القبلة، والعلماء منهم من يرى رأيَه، ومنهم من لا يراه. وبكل حالٍ فإمامتُهما ثابتة، ومنزلتُهما من الأمة منزلتُهما، لكن أهل البدع الخوارج الذين خرجوا على عثمان وعلى علي جعلوا آراءهم وأهواءَهم حاكمةً على كتاب الله وسنة رسوله وسيرةِ الخلفاءِ الراشدين، فاستحلُّوا بذلك الفتنةَ وسفكَ الدِّماءِ وغيرَ ذلك من المنكرات. وأما مَن بعد الخلفاء الراشدين ف لهم في تفاصيل قبضِ الأموالِ وصَرْفِها طرق (١) متنوعة: منها ما هو حق منصوص موافق للكتاب والسنة والخلفاء الراشدين. ومنها ما هو اجتهاد يَسُوغُ بين العلماء، وقد يسقط الوجوب بأعذارٍ، ويباحُ المحظورُ بأسباب، وليس هذا موضع تفصيل ذلك. ومنها ما هو اجتهاد، لكن صدوره لعدوانٍ من المجتهد وتقصيرٍ منه، شابَ الرأي فيه الهوى، فاجتمعت فيه حسنة وسيئة. وهذا النوع كثير جدًّا. ومنه ما هو معصية محضة لا شبهة فيه بتركِ واجب أو فعلِ محرَّمٍ. وهذه الأنواع الأربعة موجودة في عامة تصرفاتهم من الحكم والقَسْم والعقوبات وغير ذلك، إما أن يوافق سنة الخلفاء أو لا يوافق، والذي لا يوافق إما أن يكون معذورًا فيه كعذر العلماء المجتهدين

стр. 1827

أو لا يكون كذلك، والذي لا يكون معذورًا فيه عذرًا شرعيًّا إما أن يكون فيه شبهة واجتهاد مع التقصير والعدوان أو لا يكون فيه شبهةٌ ولا تأويلٌ. ولم أعلم أن في الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية وظفوا على الناس وظائف تُؤخذ منهم غير الوظائف التي هي مشروعة في الأصل، وإن كان التغيير قد وقع في أنواعِها وصفاتِها ومصارفِها، نعم كان السواد مخارجة عليه الخراج العُمَرِيّ، فلما كان في دولة المنصور -فيما أظن- نقله إلى المقاسمة، وجعل المقاسمة تعدل المخارجة كما فعلَ النبي ﷺ بخيبر. وهذا من الاجتهادات السائغة. وأما استئثارُ وُلاةِ الأمور بالأموالِ والمحاباةُ بها فهذا قديم، بل قال ﷺ للأنصار: "إنكم ستَلْقُون بعدي أثرةً، فاصبروا حتى تَلقَوني على الحوض" (١). وقد أخبر النبي ﷺ بحالِ الأمراء بعدَه في غيرِ حديثٍ، وكان الخلفاءُ هم المُطَاعِين في أمرِ الحرب والقتال وأمر الخراج والأموال، ولهم عُمَّالٌ ونُوَّاب على الحروب، وعُمَّال ونُوَّاب على الأموال، ويُسمُّون هذه ولاية الحرب وهذه ولاية الخراج. ووزراؤهم الكبار ينوبون عنهم في الأمرين إلى أثناء الدولة العباسية بعد المئة الثالثة، فإنه ضَعُفَ أمرُ خلافةِ بني العباس وأمرُ وزرائهم بأسبابٍ جَرتْ، وضُيِّعَتْ بعضُ الأموال، وعَصَى عليهم قوم من النوّاب

стр. 1828

بتفريطٍ جرى في الرجال والأموال. فذكر ثابت بن سنان بن ثابت بن قُرَّة فيما علمتُه من "التاريخ" (١) أنه في سنة أربع وعشرين وثلاث مئة فوَّض الراضي الخليفةُ الإمارةَ ورئاسةَ الجيش وأعمالَ الخراج وتدبيرَ سائرِ المملكة إلى مُقدَّم اسمُه محمد بن رائق، وجعلَه أمير الأمراء، وأمرَ بأن يُخطَب له على سائر منابر المملكة، ولم يكن قبل ذلك شيء من ذلك. قال: وبَطَلَ قبل ذلك أمرُ الوزارة، فلم يكن الوزير ينظر في شيء من النواحي ولا الدواوين، ولا كان له اسم غيرُ اسمِ الوزارة فقط، وأن يحضرَ في أيام المواكب دار السلطان بسواد وسيف ومنطقةٍ، ويقفَ ساكنًا. وصار ابنُ رائق وكاتبُه ينظرانِ فيما كان الوزراءُ ينظرون فيه، وكذلك كلُّ من تقلَّد الإمارةَ بعد ابن رائق، وصارت أموالُ النواحي تُحمل إلى خزائن الأمراء، فيأمرون فيها ويُنفِقون منها، ويُطلِقون لنفقاتِ السلطان ما يريدون، وبطلت بيوتُ الأموال. ثم إنه بعد ذلك حدثَتْ دولةُ بني بُويه الأعاجم، وغَلبوا على الخلافة، وازداد الأمرُ عما كان عليه، وبَقُوا قريبًا من مئةِ عام إلى بعد المئة الرابعة بنحو من ثلاثين سنة أو نحوها حدثت دولة السلاجقة الأتراك، وغلبوا على الخلافة أيضًا. وكان أحيانا تقوى دولةُ بني العباس بحسن تدبير وزرائهم -كما جرى في وزارة ابن هبيرة- بما يفعلونه من العدل واتباع الشريعة،

стр. 1829

وينهضون به من الجهاد، وكان ملوك النواحي يعطونهم السّكة والخطبة وطاعةً يسيرة تُشبه قبول الشفاعة. فأما الولايات وإمارة الحروب وجباية الأموال وإَنفاقها فكانوا خارجين فيه عن أمر الخلفاء. وكانت سيرة الملوك تختلف، فمنهم العدل المتبع للشريعة ذو القوة والأمانة، المقيم للجهاد وللعدل، كنور الدين محمود بن زنكي بالشام والجزيرة ومصر؛ ومنهم الملك المسلم المعظِّم لأمرِ الله ورسوله، كصلاح الدين؛ ومنهم غير ذلك أقسام يطول شرحُها. وهكذا هم في وضع الوظائف، فمن الملوك والوزراء من يُسرِف فيها وضعًا وجبايةً؛ ومنهم من يَستَنُّ بما فُعِل قبله، ويجري على العادة، فيجري هو والذي قبلَه على القسم الرابع؛ ومنهم من يجتهد في ذلك اجتهادًا ملكيًّا يُشبه القسم الثالث؛ ومنهم من يقصد اتباعَ الشريعة وإسقاطَ ما يخالفُهَا، كما فعلَ نور الدين لما أسقطَ الكُلَفَ السلطانية المخالفة للشريعة التي كانت توجد بالشام ومصر والجزيرة، وكانت أموالاً عظيمةً جدًّا، وزاد الله البركات، وفَتحَ البلادَ وقَمعَ العدوَّ بسبب عدلِه وإحسانِه. ثمَّ هذه الوظائف السلطانية التي ليس لها أصل في سنةِ رسولِ الله ﷺ وسنةِ خلفائه الراشدين، ولا ذكرها أهل العلم المصنِّفون للشريعة في كتب الفقه من الحديث والرأي، هي حرام عند المسلمين، حتى [ذكر ابن حزم] (١) إجماعَ المسلمين على ذلك، فقال (٢). ومع هذا

стр. 1830

فبعض من وضعَ بعضَها وَضَعه بتأويل واجتهاد علمي ديني، واتفق على ذلك الفتوى والرأي من بعض علماء ذلك الوقت ووُزَرائِه، فإنه [لمّا] قامت دولة السلاجقة ونصروا الخلافة العباسية، وأعادوا الخليفة القائم إلى بغداد، بعد أن كان أمراءُ مصر من أهل البدع أولئك الروافض قد قهروه وأخرجوه عن بغداد، وأظهروا شعارَ البدع في بلاد الإسلام، وهي التي تُسمَّى فتنة البساسيري في نصف المئة الخامسة= حدثت أمورٌ: منها: بناء المدارس والخوانق ووقفُ الوقوف عليها، وهي المدارس النظاميات بالعراق وغيره، والرباطات كرباط شيخ الشيوخ وغير ذلك. ومنها: ذهاب الدولة الأموية من المغرب وانتقال الأمر إلى ملوك الطوائف. وصنّف أبو المعالي الجويني كتابًا للنظام سماه "غياث الأمَم في التياث الظلم"، وذكر فيه (١) قاعدة في وضع الوظائف عند الحاجة إليها للجهاد، فإن الجهاد بالنفوس والأموال واجب، بل هو من أعظم واجبات الدين، ولا يمكن حصولُ الجهاد إلاّ بأموالٍ تُقَام بها الجيوش، إذْ أكثر النّاسِ لو تُرِكُوا باختيارهم لما جاهدوا لا بأنفسهم ولا بأموالهم، وإن تُرِكَ جمع الأموالِ وتحصيلُها حتى يحدث فتق عظيم من عدوّ أو خارجي كان تفريطًا وتضييعًا. فالرأي أن تُجمعَ الأموالُ ويُرصَدَ للحاجة. وطريق ذلك أن توظَّف وظائفُ راتبةٌ لا يَحصُل بها ضررٌ، ويَحصُل

стр. 1831

بها المصلحة المطلوبةُ من إقامة الجهاد. والوظائف الراتبة لابدّ أن تكون على الأمور العادية، فتارةً وظَّفوها على المعاوضات والأملاك، مثل أن يضعوا على البائع والمشتري في الدواب والحبوب والثمار وسائر الأطعمة والثياب مقدارًا، إما على مقدار المبيع وإمّا على مقدار الثمن، ويضعوا على الجعالات والإجارات، ويضعوا على العَقار من جنس الخراج الشرعي، وكان ما وضعوه تارةً يُشبه الزكاة المشروعة من كونه يُوجَد في العام على مقدار؛ وتارةً يُشبِه الخراج الشرعي؛ وتارةً يُشبِه ما يُؤخَذ من تجار أهل الذمة والحرب. ومنهم من يَعتدي، فيضع على أثمان الخمور ومهور البغايا ونحو ذلك مما أصلُه محرَّم بإجماع المسلمين، ومنهم من يضعٍ على أجور المغاني من الرجال والنساء، فإن الأثمان والأجور تارة تكون حلالاً في نفسِها، وإنما المحرَّم الظلم فيها، كغالب الأثمان والأجور، وتارةً تكون في نفسها حرامًا، كأثمان الخمور ومُهُور البغايا. وكان بعد موت الملك العادل بالشام قد وضعه ابنه ذلك على دار الخمر (١) والفواحش، فبَقِيَ غيرَ ممنوعٍ من جهة السلطان، لما له عليه من الوظيفة، وكان ذلك سنة خمس عشرة [وست مئة]. وفي ذلك الوقت ظهرت دولة المغل جنكسخان بأرض المشرق، واستولى على أرض الإسلام، وظهرت النصارى بمصر في مملكة الأفرون، وظهرت بدع في العلماء والعُبَّاد، كبحوث ابن الخطيب (٢)

стр. 1832

وجست العميدي (١) وتصوّف ابن العربي وخِرقة اليونسية وبعض الأحمدية والعَدَوية وغير ذلك. وحقيقة الأمر في ذلك أن هذا من القسم الثالث أو الرابع، فإن هذا إذا صدر باجتهاد فهو في الأصلِ مشوب بهوىً ومقرون بتقصيرٍ أو عدوان، وإن التقصير أو العدوان صادر أيضًا من أكثر الرعية، فإن كثيرًا منهم أو أكثرهم لو تُرِكوا لما أدَّوا الواجبات التي عليهم، من الزكوات الواجبة والنفقات الواجبة والجهاد الواجب بالأنفس والأموال، كما أنه صادرٌ من كثير من الولاة أو أكثرهم بما يقبضونه من الأموال بغير حق، ويَصرِفونه في غير مَصرِفه، ويتركون أيضًا ما يجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فجمعُ هذه الأموال وصرفُها هي من مسائلِ الفتن، مثل الحروب الواقعة بين الأمراء بآراءٍ وأهواءٍ، وهي مشتملة على طاعاتٍ ومعاصِي وحسناتٍ وسيئاتٍ، وأمور مجتَهد فيها تارةً بهوىً وتارةً بغير هوىً اجتهادًا اعتقاديًّا أو عمليًّا، نظير الطرائق والمذاهب من الاعتقادات والفتاوى والأحكام، وأنواع الزهادات والعبادات والأخلاق، وما في ذلك من مسائل النزاع بين أهل العلم والدين في الأصول والفروع والعبادات والأحوال، فإنها أيضًا مشتملةٌ على حسناتٍ وسيئاتٍ، طاعاتٍ ومعاصي، وأمورٍ مجتهدٍ فيها تارةً بهوىً وتارةً بغير هوىً اجتهادًا اعتقاديًّا أو عمليًّا.

стр. 1833

فالواجب أن ما شهد الدليلُ الشرعي بوجوبه أو تحريمه أو إباحتِه عُمِل به ، ثم يُعامَل الرجال والأموالُ بما تُوجِبُه الشريعةُ، فيُعفَى عما عَفَتْ عنه، وإن تضمن تركَ واجبٍ أو فعلَ محرَّمٍ، ويثنَى على ما أثنت عليه، وإن كان فيه سيئات ومفاسد مرجوحة. وهذه المشتبهات في الأقوال والأعمالِ والأموالِ داخلة في الحديث الذي هو أحد مباني الإسلام، حديث النعمان بن بشير المشهور في الصحاح (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "الحلال بَيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يَعلمهنَّ كثير من الناس، فمن تَرك الشُّبُهاتِ استبرأ لدينه وعِرضِه، ومن وقع في الشبهاتِ وَقَعَ في الحرام، كالراعي يَرعَى حولَ الحِمَى يُوشك أن يَقَع فيه، ألا وإن لكلِّ مَلِكٍ حِمىً، وإن حِمَى الله محارمُه. أَلا وإن في الجسد مُضْغَةً إذا صَلحَتْ صَلَحَ لها سائر الجَسَد، وإذا فَسَدتْ فَسَدَ لها سائر الجسد، ألا وهي القلب". فإنه ضمن هذا الحديث الأكل والشرب من الطيبات والعمل الصالح، كما أمر به في قوله: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) (٢)، إذ أمر به المرسلين والمؤمنين، كما في حديث أبي هريرة المخرج في صحيح مسلم (٣). وذكر فعل المعروف وترك المنكر الذي هو صلاح القلب والجسد والحلال والحرام، كما قال: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) (٤).

стр. 1834

وذكر أن الشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فدلَّ ذلك على أن من الناس من يعلمها، فمن تبيَّنت له الشبهاتُ لم يبقَ في حقِّه شبهةٌ، ومن لم تتبيَّنْ له فهي في حقِّه شبهةٌ، إذ التبيُّن والاشتباه من الأمور النسبية، فقد يكون الشيء متبينًا لشخصٍ مشتبهًا على الآخر. وبيَّن أن الحَزْمَ تركُ الشبهات، والشبهات قد تكون في المأمور به، وقد تكون في المنهي، فالحزْمُ في ذلك الفعلُ وفي هذا التركُ، فإذا شكَّ في الأمر هل هو واجبٌ أو محرَّمٌ فهنا هو المشكلُ جدًّا، كما في الاعتقادات، فلا يحكم بوجوبه إلاّ بدليل ولا بتحريمه إلا بدليل، فقد لا يكون لا واجبًا ولا محرَّمًا وإن كان اعتقادًا، إذْ ليس كلُّ اعتقادٍ مطلقٍ أوجبَه الله على الخلق، بل الاعتقاد إمّا صواب وإمّا خطأ، وليس كلُّ خطأٍ حرَّمَه الله، بل قد عفا الله عن أشياءَ لم يُوجِبْها ولم يُحرِّمْها. والله أعلم. (تم بحمد الله تعالى وعونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، في خامس عشر من شعبان المكرم سنة أربع عشرة وثمان مئة، بمدرسة أبي عمر قدَّس الله تعالى روحه ونوَّر ضريحه).

стр. 1835

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذه مجموعة جديدة من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية التي لم تُنشَر ضمن "مجموع الفتاوى"، وقد اعتمدتُ في تحقيقها وإخراجها على أصولٍ خطية موجودة في مكتبات مختلفة كما سيأتي وصفها، وهذه الأصول تتفاوت في الصحة والجودة، وبعضها كثيرة التصحيف والتحريف تطلَّب استخراجُ النصّ الصحيح منها جهدًا كبيرًا. وقد كنت أقف أحيانًا ساعاتٍ لإصلاح الأخطاء والتحريفات في بعض الرسائل، وأقرأ الفقرة مرات، وأراجع كلام المؤلف في الموضوع نفسه في كتاباته الأخرى، حتى أهتدي إلى الصواب أو ما يقاربه ويستقيم السياق. ومنهجي فيها هو الذي التزمتُ به في المجلدات السابقة، من ضبط النص وتقسيمه إلى فقرات واستخدام علامات الترقيم، والتخريج المختصر للأحاديث، وتوثيق النقول، وعدم استعمال الأقواس إلاّ عند إضافة ما لا بدَّ منه على الأصل، وعدم الإشارة إلى التحريفات والأخطاء الواضحة. أما التعريف بالأعلام والأماكن والقبائل، وشرح المسائل الفقهية والكلامية واللغوية، وجمع طرق الأحاديث واستقصاء الكلام حولها، فليس مكانه التعليق على النصّ المحقق، بل ينبغي أن يُفرد لكل غرضٍ منها كتابٌ مستقل كما فعلَ ذلك سلفُنا ﵏.

стр. 1836

تحتوي هذه المجموعة على رسائل مهمة لشيخ الإسلام في موضوعات مختلفة، وهي ثابتة النسبة له، وقد نُسِب كثير منها له في النسخ الخطية، والبقية التي ليس عليها اسمه مكتوبة بأسلوبه المتميز في العرض والنقد والإحالة إلى مواضع أخرى من كتاباته، وتتناول الموضوعات التي عُرِف بالكتابة فيها والاحتجاج لها. ويتفق رأيه فيها هنا مع رأيه في كتبه الأخرى. وقد بحثت في فهرس مؤلفاته عن عناوين رسائل هذه المجموعة، فلم أجد إلاّ ثلاثة منها، وهي: "قاعدة في مواقيت الصلاة" و"قاعدة في الجمع بين الصلاتين" (العقود الدرية ص ٤٦) و"قاعدة في ضمان البساتين هل يجوز أم لا؟ " (العقود الدرية ص ٤٨). ولعل الرسالة الثانية عشرة (فصل في المواقيت والجمع بين الصلاتين) هي المذكورة في "العقود" بعنوانين منفصلين، ويمكن أن تكون غيرها، لكثرة المؤلفات والقواعد التي كتبها الشيخ في هذه الموضوعات الفقهية، حتى عجز المترجمون له عن إحصائها. والرسالة الثامنة عشرة (مسألة في ضمان البساتين والأرض) هي المذكورة بعنوان "قاعدة في ضمان البساتين" في "العقود"، وقد نُشِر منها جزء في "مجموع الفتاوى" (٣٠/ ٢٢٠ وما بعدها)، وينقصه الثلث الأخير، وفيه زيادات في أوله عما هنا، لأن الناسخ هنا اختصر. أما بقية الرسائل والمسائل فلم أجد لها عناوين محدَّدة في كتب التراجم، فاعتمدت في إثباتها على النسخ الخطية، واستنبطت بعضها من أوائل هذه الرسائل.

стр. 1837

* وصف الأصول المعتمدة اعتمدت في إخراج هذه الرسائل على عدة مجاميع ورسائل مفردة من مكتبات مختلفة، وفيما يلي وصفها مرتبةً حسب ورودها في المجموعة: (١) "قاعدة في الإخلاص لله تعالى، وعبادته وحدَه لا شريك له هي حقيقة الدين ... ": توجد نسخته الخطية ضمن مجموعة في مكتبة جار الله بإستانبول برقم [١٧٢٩] (ق ١ - ١٨ أ)، وعنوان هذه المجموعة مطموس في الصفحة الأولى منها، وقد كُتِب في أعلاها "فهرست ما في هذه المجموعة ... " ثم ذكرتْ عناوين بعض الرسائل. وعليها تملكٌ بخط مالكه ظهر منه: "تزايدت نعمُ الله على أبي عبد الله ولي الدين جار الله سنة ١١٤٣". والمجموعة في ١٢٢ ورقة، كتبتْ بخط نسخي جيّد، وآخرها ناقص، فلم يظهر لنا تاريخ النسخ واسم الناسخ، ولعلها من خطوط القرن التاسع، وفي الصفحات الأولى منها طمس ذهب بكثير من الكلمات. ومع كونها مجوَّدةً في الخط فهي كثيرة التصحيف والتحريف، وغالبًا ما يرسم الناسخ الكلمةَ ويُعجِمها فيُبعِد النجعة، وفيها غير قليل من الأخطاء اللغوية والنحوية. وتحوي المجموعة تسع رسائل للشيخ، نشرتْ ثلاث منها ضمن "مجموع الفتاوى"، والبقية تُنشَر ههنا. (٢) "فصل في حق الله على عباده، وقسْمِه من أم القرآن، وما

стр. 1838

يتعلق بذلك من محبته وفرحه ورضاه ونحو ذلك": هي الرسالة الثانية ضمن المجموعة السابقة (ق ١٨ أ-٢٨ أ). وفي آخرها: "تمت هذه القاعدة بحمد الله وعونه، والحمد لله وحده". (٣) "فصل في صفات المنافقين": هي الرسالة الثالثة ضمن المجموعة السابقة (ق ٢٨ ب-٣٥ أ). وينتهي الكلام في النسخة دون الإشعار بنهايتها، فلعل آخرها ناقص. (٤) "فصل في التوحيد": هي الرسالة الرابعة ضمن المجموعة السابقة (ق ٣٥ ب-٥٦ ب). (٥) "فصل في أن التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خير من علم نافع وعمل صالح": ضمن المجموعة السابقة (ق ٥٦ ب-١٠٠ ب). (٦) "قاعدة في إرادة العدم والإعدام واستطاعته وفعله وطلبه والتعليل به ونحو ذلك": أصلها ضمن المجموعة السابقة (ق ١٠١ أ-١٠٦ ب). (٧) "فصل في الإسلام وضدِّه": يُوجد أصله ضمن مجموعة خطية في مكتبة جامعة أم القرى بمكة المكرمة برقم [١٤٩١] (ق ١٣ ب-٢٢ ب)، وهي بخط نسخي جيّد، كتبها أحمد بن أبي بكر الطبراني الكاملي، وجمع فيها مختارات من كتب مختلفة، ومنها بعض رسائل شيخ الإسلام. ولعل الناسخ من القرن التاسع، وقد بحثتُ عن ترجمته في المصادر، فوجدت في "شذرات الذهب" (٧/ ٢١٢): شهاب

стр. 1839

الدين أحمد بن أبي بكر بن علي المعروف ببواب الكاملية الحنبلي (ت ٨٣٥)، قال العليمي في طبقاته: عُني بالحديث كثيرًا وسمع، وكان يتغالى في حبّ الشيخ تقي الدين، ويأخذ بأقواله وأفعاله، وكتب بخطه تاريخ ابن كثير، وزاد فيه أشياء حسنة. فليُنظَر هل الناسخ هو المترجم له هناك؟ ونسخة هذه الرسالة ناقصة الآخر، والورقة التي تليها في المجموعة ليست متصلة بما قبلها. والنسخة صحيحة، يندر فيها وجود الخطأ، فإنها بخط عالم. (٨) مسألة في مقتل الحسين وحكم يزيد: توجد نسخته ضمن مجموعة خطية بعنوان "المسائل والأجوبة" في مكتبة بلدية الإسكندرية برقم [٤ فقه حنبلي] (ق ١٤ ب-٢٥ أ). وقد كتبت بخط نسخي جميل، وفي آخرها ذكر الناسخ وتاريخ النسخ بقوله: "وكتب في سادس عشر من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، على يد الفقير محمد بن عيسى بن أبي الفضلى الشافعي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين". وعدد أوراق هذه المجموعة ٨٥ ورقة، وأولها ناقص، ولا ندري مقدار النقص، فقد بدأت بالأسطر الأخيرة من فتوى لشيخ الإسلام ضمن "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ١٠ - ١٣). والمجموعة تحتوي على مسائل مهمة للشيخ لم يُنشر بعضها ضمن "مجموع الفتاوى". (٩) "مسألة في الاستغفار": وصلت إلينا قطعة منها ضمن المجموعة الموصوفة سابقًا برقم (٧)، (الورقة ١٢ أ- ١٣ ب). ولا

стр. 1840

ندري مقدار ما ضاع من أولها. (١٠) "مسائل في الصلاة": هي ضمن المجموعة السابقة برقم (٧)، (ق ٢٣ أ-٢٦ ب)، وهي مجموعة فصول في مسائل من الصلاة، لم يَصل إلينا أولها، ولا نعرف مقداره، ولم نجد منها نسخة أخرى تكمِل النقص. (١١) "فصل في الصلاة الوسطى": ضمن المجموعة السابقة برقم (٧)، (ق ٢٦ ب-٣٠ ب)، وآخرها ناقص، ولم نجد في المجموعة ما يكمل النقص. (١٢) "فصل في المواقيت والجمع بين الصلاتين": وصلت إلينا نسختان منه، إحداهما: ضمن "الكواكب الدراري" (المجلد ٨٣) نسخة دار الكتب الظاهرية برقم [٥٧٨] (ق ٩ ب-٢١ ب)، وليس عليها تاريخ النسخ، ولكنها كتبت حوالي سنة ٨٣٠ كما يظهر من تاريخ نسخ الأجزاء الأخرى الموجودة من الكتاب، وهي نسخة جيدة قليلة الأخطاء. والثانية: مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم [٧٩٢١ فلم] عن مصدر مجهول، ولعلها كانت في مصر، فقد كتب أحد القراء في أسفل الصفحة الأولى منها: "طالعه ورقم أوراقه الفقير إلى عفو ربه أبو نهلة أحمد بن عبد المجيد بن هريدي بالقاهرة المحمية في الخامس من ربيع الأول سنة ١٤٠٠ من الهجرة النبوية". ويبدو من دراستها أنها حديثة الخط، وقد جاء في آخرها: "بلغ

стр. 1841

مقابلةً على الأم المنقول منها، وهي نسخة مضطربة". ولعل الأم المنقول منها هي النسخة الموجودة ضمن "الكواكب"، فلا فرقَ بين النسختين إلاّ نادرًا، وكان الثانية طبق الأولى. (١٣) "مسألة في رجل فقير وعليه دَيْن، هل لأخيه الغني دَفْعُ الزكاةِ إليه؟ ": أصلها ضمن "أجوبة عن مسائل فقهية" في مكتبة شهيد علي بإستانبول برقم [٢٧٥١] (ق ١٤٣ أ-١٤٥ أ)، والنسخة بخط نسخي جيد، كتبها محمد بن كامل الشافعي كما في الورقة (١٧٣ ب). ولعلها من خطوط القرن التاسع. (١٤) "مسألة في التسمية على ذكاة الذبيحة وذكاة الصيد": هي ضمن المجموعة السابقة (ق ١٦١ أ-١٧٠ أ)، ويبدو أن الناسخ لم ينسخها بتمامها، فقد اختصر كلام الشيخ وحذف منه، كما أشار إلى ذلك في آخرها بقوله: "واستشهد بغير ذلك، حذفتُه اختصارًا لضيق الوقت"، ودلَّ عليه بقوله: "ثم قال" في أثناء المسألة مرارًا. وليتَه نسخَها على وجهها! (١٥) "مسألة في أكل لحم الضبع والثعلب وسنَّور البرّ وابن آوى وجلودها": نسختها في مكتبة حسن حسني عبد الوهاب ضمن دار الكتب الوطنية بتونس برقم [١٨٥٦٧]، وهي مكتوبة بخط نسخي قديم، والمسألة في صفحة واحدة، وقبلها "فتوى فيمن يؤخر الصلاة عن وقتها" (= ضمن "مجموع الفتاوى" ٢٢/ ٢٧ - ٣٨ ثم ٢٤/ ٢٧ - ٢٨)، وفي أولها ذِكْر الشيخ والدعاء له بقوله: "أطال الله بقاءه" مما يدلُّ على أنها كتبت في حياته.

стр. 1842

(١٦) "مسألة في الشاة المذبوحة ونحوها، هل يجوز بيعُها دون الجلد؟ ": توجد نسختها الخطية ضمن المجموعة الموصوفة برقم (١٣)، (ق ١٦٠ ب-١٦١ ب). (١٧) "مسألة في إجارة الإقطاع": هي ضمن المجموعة التي وُصِفت برقم (٨)، (ق ١ أ-٣ ب). (١٨) "مسألة في ضمان البساتين والأرض": أصلها ضمن المجموعة الموصوفة برقم (١٣)، (ق ١٤٥ أ-١٥٧ أ)، وجاء في آخرها: "قال الناقل لنفسه -عفا الله عنه-: اختصرتُ جواب الشيخ تقي الدين، وحذفتُ منه المكرر وغيره، والله أعلم". وليتَه نقلها بتمامها، ولم يحذف منها شيئًا! وبعد فهذا وصف موجز للأصول المعتمدة، وأرجو أنني وُفّقتُ في قراءتها وإخراجها في هذه المجموعة. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وله الحمد في الأولى والآخرة، عليه توكلتُ وإليه أنيب. محمد عزير شمس

стр. 1843

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسِّر ولا تعسِّر قال [الشيخ الإمام] (١) العالم الزاهد العابد الورع أبو العباس أحمد ابن الشيخ [الإمام العالم] عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العالم أبي البركات ابن تيمية رضي الله [عنه] وأرضاه: الحمد لله الأحد الصَّمد، الذي لم يلدْ ولم يولدْ، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث إلى كل أحد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا بلا عدد. أما بعد، فهذه قاعدةٌ في الإخلاص لله تعالى، وعبادته وحده لا شريكَ له، هي حقيقة الدين، ومقصود الرسالة، وزبدة الكتاب، ولها خُلِقَ الخلقُ، وهي الغاية التي إليها ينتهون، وبذكرها تَحصُل السعادةُ لأوليائه، وبتركها تكون الشقاوةُ [لأعدائه]، وهي حقيقة لا إله إلا الله، وعليها اتفقت الرسل، ولها قامت السموات والأرض. وقد تكلمتُ على هذا الأصل بأنواع من القواعد المتقدمة، مثل: قاعدة الشهادتين، وقاعدة المحبة والإرادة، وقاعدة الأعمال بالنيات. والمقصود هنا أن كل عمل يعمله عامل فلا بدَّ فيه من شيئين: من مرادٍ بذلك العمل هو المطلوب المقصود، ومن [حركةٍ إلى] المراد وهي الوسيلة، فلا بد من الوسائل والمقاصد ... (٢) المطلوبة بالوسائل،

стр. 1844

والإرادة في الباطن ... الظاهر، فتقوم بالجسم. فنسبة النية إلى العمل الظاهر نسبةُ الروح إلى الجسد، ... أرواح أجسامها أجسام أرواحها النيات، ولا بدّ لكل جسم حي من روح، ولا بدّ لكل جسم حي من إرادة ونية. ثم إن الروح إن كانت (١) طيبةً كان الجسم طيباً، وإن كانت خبيثة كان الجسم خبيثاً، فكذلك العمل والنيّة، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث المشهور: "إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نَوَى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (٢). فهذا اللفظ عام (٣) في كل عمل كائنًا ما كان، هو بنيَّته، سواء كانت صورته صورة العبادات، كالطهارة والصلاة والحج، أو صورة العادات، كالسفر والاكل والشرب وغير ذلك. و سبب الحديث كان مما صورتُه صورةُ العادات من وجه، [وصورة العبادات من وجه، فالعادة] من جهة كونه سفراً، وهو السفر من مكة إلى المدينة، والدين (٤) من جهة كونِ السفرِ كان إلى دار الإسلام ومُقامِ رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين المجاهدين، وبهذا الاعتبار سمي هجرة، ثم إن النبي ﷺ جعله نوعين: أحدهما: ما كان

стр. 1845

إلى الله ورسوله، والثاني: ما كان لغير ذلك، مثل السفر (١) للنكاح. وقوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" يُوجب أنه ليس للعامل من العمل إلا ما نواه، وهو المقصود المراد بالعملَ. وهذا الحديث عام لا يجوز تخصيصه بالأعمال الشرعية كما جعله بعض الفقهاء، وهو كلام تام لا يحتاج إلى إضمار قَبول الأعمال أو غير ذلك، كما يُضمِره بعضُ الفقهاء، وإنما حَمَلَهم على ذلك توهُّمُهم أن النية المراد بها النيةُ المقبولةُ، أو الصحيحةُ المأمور بها، فزادوا في لفظ الحديث ما لم يُذكَر، ونَقَصُوا من معناه ما أريد. والحديث من جوامع الكلم، ومن أمهات الدين، والأصل في الكلام عدم الإضمار وعدم التخصيص. ثمَّ إنّ هذا (٢) ممتنع، لأنه قال في تمام الحديث: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها"، فقد جمعَ في العمل الذي هو الهجرة بين الثنتين: المقبولة والمردودة، والمحمودة والمذمومة، والصحيحة والفاسدة، وقوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" يَعُمُّ من نوى المقصود المحمود، وهو من أراد الله ورسوله، ومن نَوَى غير ذلك، وهو المرأة والمال، فكيف يجوز أن يقال مع ذلك: إنه أراد قبولَ الأعمال وصحتَها بالنيات، أو صحة الأعمال الدينية؟ ثم ما أضمروه يَرِدُ عليه نوعٌ من الفساد ليس هذا موضعه.

стр. 1846

ثم الكلام هنا في فصلين: الواقع الموجود، والواجب المقصود . أما الأول: فكلُّ حيٍّ يتحرك بإرادته واختياره فلا بد أن يكون له في ذلك العمل مطلوب مَّا، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنّ أصدقَ الأسماء الحارثُ وهمَّام" (١)، فالحارث: الكاسب العامل، والهمام: صاحب الهمّ الذي يكون له إرادة وقصد. وقد بينتُ فيما تقدم أن طلبَ المخلوقِ لا بدَّ أن يتعلق بغيره، فكما أنه لا يكون فاعلَ نفسه، لا يكون مطلوبَ نفسه، وبينتُ أن المخلوق كما لا يكون فاعلاً، لا يكون مطلوبًا، فليس المطلوب الحقيقي إلا الله، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. والغرض هنا أن المخلوق لا بدَّ له في كل عمل من مطلوب ومرادٍ، وحظ ونصيب، لا يمكن غير ذلك، ف اعتقاد وجود اختياري بلا مراد محالٌ ، سواءً كاًن من الملائكة أو النبيين أو الصدِّيقين أو الشهداء أو الصالحين أو الجن أو الشياطين أو الكفار والمنافقين، فما نسمعه من الكلمات المأثورة عن بعض المشايخ مما ينافي هذا فأحد الأمرين

стр. 1847

فيه لازم: إما أنه لفظ مجملٌ لم يفهم مراد صاحبه، أو صاحبه غالِطٌ فيما أمر به أو أخبر به. مثالُ ذلك قول بعضهم: ينبغي للمريد أن يكون بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل . فهذا الكلام إذا أريد به في جانب الله أن يكون مفوّضاً إليه أموره فيما يقدر عليه مما ليس فيه ترك واجب ولا مستحب، فهذا معنى صحيح، لكن دلالة اللفظ عليه بعيدة، وظاهرُه يُعطي أنه لا يكون له من نفسه حركة قط حتى تُحرَّك تحريكًا جبرياً، فهذا باطل ممتنع. ثم إن الممكن منه محرَّم في الدين على الإطلاق، وذلك أن الميت لا تقوم به حركةٌ ببدنه ولا إرادة تحرك بدنه، والحي ليس كذلك، فإن جسده يتحرك حركة اختيارية (١)، وهذا أمر لا بد منه، فلا بد من الحركة الاختيارية، ويمتنع أن يُحرّكَ حركةً ينتفي حكمُ إرادتِه فيها، فالأمر فيه عكس الميت من وجهين: الوجود والعدم، فإن الميت لا يتحرك بدنه في العادة باختياره، وهو يُحرَّك دائمًا بغير اختياره، وقول المطلق احتراز على المقيد ونحوه ممن غسّل، فذاك لا فعلَ له بحالٍ، فهذا بطلانُه وامتناعُه. وأما مخالفتُه للدين والشريعة، فإن الله لم يأمرنا بعدم الإرادة والحركة، ولا مراده في دينه منا أن نكون مسلوبي (٢) الاختيار والحركة

стр. 1848

والعمل، وإنما المراد منا أن نكون مطيعين له ولرسوله، وأن تكون حركتُنا واختيارنا تبعاً لأمره الذي بعث به رسوله، فعلينا أن نختار ونعمل ما أوجب علينا عمله واختياره، وهو يحب لنا ويرضى أن نختار ونعمل ما يستحب لنا في دينه، ويعاقبنا على عدم الإرادة والعمل المستحب. وهنا قد تغلط طائفة من المتصوفة فيقولون: ما المراد؟ (١) قد يستعملون ذلك فيما فيه ترك مستحبات، وقد يتعدَّون إلى ما فيه ترك واجبات، فيقال: ليس المراد منا الانقياد لكل حكم قاهر، ولا الاستسلام لكل ذي سلطان قادر، وإنما المطلوب منا الاستسلام لله، وإخلاص الدين له ، وطاعة أمره ونهيه: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (٢)، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)) (٣). فإن الدين: الإيمان والبر والتقوى وطاعة الله ورسوله والإحسان والعمل الصالح ونحو ذلك هو المطلوب منا والمراد بنا في دين الله تعالى وكتابه، فأما الحوادث التي تكون بغير أفعالنا فالأقسام فيها ثلاثة: تارةً نُؤمَر بدفعها بالباطن أو الظاهر، كما يُؤمَر بجهاد الأعداء عن الدين.

стр. 1849

وتارةً نُؤمَر بالصبر عليها، وهو ما قُضي من المصائب ولا فائدةَ في الجزع عليه، كالمصائب في الأنفس والأموال والأعراض، والرضى بهذه أعظم من الصبر. وهل هو واجب أو مستحب، على قولين أصحُّهما أنه مستحب. وتارة نُخيَّر بين الأمرين بين دفعِها وقبولها، وإن كان قد يترجح أحدُهما، كدفع الصائل عن المال، وكالتداوي أحيانًا ونحو ذلك، وقد فصَّلنا مسائل هذا الباب في غير هذا الموضع. وكذلك الأمور التي ليست حاصلةً عندنا، منها ما نُؤمَر بطلبه واستعانة الله عليه، كأداء الواجبات، ومنها ما نُنهَى عن طلبه كالظلم، ومنها ما نُخيَّر بين الأمرين، فكيف يقال مع هذا: إن العبدَ ينبغي له أن يكون كالميِّت بين يدي الغاسل؟ هذا مع الله. وأما كونه كذلك مع الشيخ ففيه تنزيلُ الشيخ منزلةَ الرسول، وهذا على إطلاقه باطل، لكن فيه تفصيل ليس هذا موضعه. ومما يُغلَط فيه ما يُذكَر عن الشيخ أبي يزيد ﵁ أنه قال في بعض مناجاته لما قيل له: ماذا تريد؟ فقال: أريد ألَاّ أريدَ، لأني أنا المراد وأنت المريد. ويتحذلقُ بعضُهم على أبي يزيد (١)، فيقول: فقد أراد بقوله "أريد". وهذا الاعترض خطأ لوجهين: أحدهما: أنه من قيل له: ماذا تريد لم يُطلَب منه عدم الإرادة، وإنما

стр. 1850

طُلِب منه تعيينُ المراد. الثاني: أن انتفاء الإرادة ممتنع، وهو محزَمٌ، بل عليه أن يريد ما أراده منه، ولا بدَّ له من ذلك. وأما قوله: "أريد أن لا أريد، لأنِّي أنا المراد وأنت المريد"، فلا ينبغي أن يفهم من قوله: "أن لا أريد" أن لا تكون لي إرادة، فإن هذا باطل محرم، وإنما أراد أن لا يكون ابتداءُ الإرادة مني، بل إرادتي تابعة لك لأنك أنت مرادي، فأريد أن لا أريد إلا إياك. وهذا حقيقة الحنيفية والإخلاص، فإذا كنتُ لا أريد إلا إياك لم أحب (١) ولا أفعل إلا ما أمرتني به، فكان حقيقة قوله: أريد أن لا أعبد إلا إياك، ولا أريد شيئًا قطّ إلا وجهَك الكريم، وهذا عين ما أوجبه الله لكل عبد، وهي الإرادة الدينية الشرعية. وأيضاً فقد يقول: أريد ألَاّ تكون لي إرادة إلا ما أمرتَني أن أريده، وأردتَه لي إرادةَ محبةٍ ورضًى، لجهلي وعجزي. وأريد أن أكون عبدًا محضًا، فلا أريد إلا ما تريده أنت، بحيث يكون المرادُ (٢) المختار أمرًا دينيًّا وقضاءً كونيًّا لا يخالف الأمر الديني. فهذا الكلام يكون إخلاصًا وتفويضًا، وكلاهما إسلام وجهه لله. وأيضًا فإنه قد يقول هذا في مقام الفناء والاصطلام، إذا غلبَ على قلبه، حتى غاب به عن شهود نفسه وإرادته، فهو يُحب هذا الفناء، لأنه

стр. 1851

متى رجع إلى نفسه أرادت بهواها، فهو يريد أن يَفنَى عن نفسه حتى يكون الحق هو الذي يريد له وبه. ثم إنه مع الفناء في نوع من الإرادة لله التي هي أعظم الإرادات، لكنه غائبٌ كغيبته عن نفسه مع وجودها. وهذا كله حسن، وإن كان البقاء أفضل ما لم يُفْضِ (١) الأمرُ إلى ترك مأمور به جريًا مع الكوني. ومما (٢) يَغلَطُ فيه بعضُهم قولُ طوائفَ منهم: إن من طلب شيئًا بعبادته لله كان له حظ، وكان يَسْعَى لحظه، وإنما الإخلاصْ أن لا تطلب بعملك شيئًا، ولا يكون لك حظٌّ ولا مرادٌ. ثم يقولون: لا يريد إلا اللهَ، ولا يطلب إلا وجهَه، هذا في الدنيا، وفي الآخرة لا يَطلُب إلا رؤيته. وبعضهم قد يقول: إذا طلبتَ رؤيته كنتَ في حظِّك، بل لا يكون لك مطلوب. ويُنشِد قول بعضهم (٣): أحبُّك حبَّينِ: حبُّ الهوى ... وحبٌّ لأنكَ أهلٌ (٤) لذاكا فأما الذي هو حبُّ الهوى ... فكَشْفُك للحُجْبِ حتى أراكا وأما الذي أنت أهل (٥) له ... فحبِّي خُصِصْتَ به عن سواكا

стр. 1852

فما الفضلُ في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الفضل في ذا وذاكا وهذا الكلام فيه حقٌّ، ويقع فيه غلطٌ، فأما [الحق] (١) فهو ما اشتمل عليه من الإخلاص لله وإرادة وجهه دون ما سواه، وطلب النظر إلى وجهه، والشوق إلى لقائه، كما في الحديث المأثور عن النبي ﷺ من وجهين، أحدهما من حديث عمار بن ياسر، و [الثاني] من حديث زيد بن ثابت، فيه: "أسالك النظرَ إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائِك في غير ضرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فتنةٍ مُضِلَّة" (٢). وأما الغلط فتوهُّم المتوهمِ أن إرادة وجه الله والنظر إليه ليس فيها حظٌّ للعبد ولا غرض، وأن طالبها قد ترك مقاصده ومطالبه، وأنه عامل لغيره لا لنفسه، حتى قد يُخيَّل أن عمله لله بمنزلة كسب العبد لسيده وخدمة الجند لمَلِكِهم. وهذا غلط، بل إرادة وجه الله أعلى حظوظ العبد، وأكبر مطالبه وأعظم مقاصده، والنظر إلى وجهه أعظم لذَّاته، ففي الحديث الصحيح عن أهل الجنّة قال: "فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة"، رواه مسلم (٣) عن صهيب.

стр. 1853

وإنما العبد له حظانِ: حظ من المخلوق (١)، وحظٌّ من الخالق ، وله لذتان: لذة تتعلق بالمخلوق، ولذة تتعلق بالخالق. فتركَ أدنى الحظين واللذتين لينال أعلاهما، وما عملَ إلا لنفسه ولا حَطَبَ إلا في حَبْلِه، قال تعالى: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) (٢). وقال النبي ﷺ : "أسألك لذة النظر" كما تقدم. وقال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) (٣)، وقال: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (٤)، وقال: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (٥) وقال: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)) (٦). والله سبحانه أمره بما يحتاج إليه في سعادته، وأحب له أعلى السعادات وأعظم اللذات، وإن كان لمحبة الرب عبده ولعمله الصالح تعلُّق بالله ليس هذا موضعه، فالعبد إذا لم يتصرف إلا بأمر الله ورسوله فهو بمنزلة من لا يتصرف إلا بأمر مالكه العالم بحاله، والناصح له، لا بأمر المالك الذي ينتفع به في حياته، قال الله تعالى (٧): "يا عبادي إنكم لن تَبلُغوا ضُرّي فتضروني، ولن

стр. 1854

تَبلُغوا نفعي فتنفعوني" (١)، وقد كتبت فيما تقدم العمل لله والعمل للمالك، وبهذا تزول جهالاتٌ كثيرة من بعض العابدين المحبين. قال تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)) (٢)، فأخبر أنه هو الذي منَّ بهدايتهم للإيمان، إلا أنهم يمنُّون على رسوله إسلامهم، فتدبَّرْ هذا، فإن فيه معانيَ (٣) لطيفةً، منها: أنه إنما منَّ بهدايتهم للإيمان التي هي دعوتهم إليه بالرسالة، وإنعامُه عليهم بالاهتداء، لم يكن مجرد الدعوة إليه ولا مجرد الإسلام الظاهر، ولأنه يشركهم في الأول الكافر، وفي الثاني المنافق، ولهذا قال: إن كنتم صادقين في قولكم آمنا. ومنها: أن (٤) مَنَّهم على رسوله الإسلامَ الظاهر الذي قد ينتفع به الرسول في نصره وموافقته وغير ذلك، فكان ذلك تنبيهًا على إنكارِه مَنَّهم على الله الغني الحميد، الذي لا يبلغون ضره فيضروه، ولا نفعه فينفعوه، فالله هو الذي أنعم على عبده المؤمن بأمره وتعبيده له، وهو الذي منَّ عليه بهدايته وإرشاده، فله الحمد في كونه هو المعبود، وفي كونه هو المستعان، وهو الأول والَاخر، وهو بكل شيء عليم، والعبد إنما عمل في مطلوبه مراده الذي هو معبوده وإلهه، وإذا أحبَّه (٥) ربه،

стр. 1855

وأحبّ عبادته ودينه (١) ورضي ذلك، فما للعبد من ذلك فهو نعمة من الله عليه، وما للرب في ذلك فهو منه وإليه، وهو الغني عن خلقه. والعبادُ أعجز من أن يبلغوا ضره فيضروه، أو يبلغوا نفعه فينفعوه من وجهين: من جهة الأسماء والصفات، وهو أنه سبحانه أحد صمد قيومٌ لا تأخذه سِنة ولا نوم، ويمتنع عليه أضداد أسمائه الحسنى التي وجبت له بنفسه. ومن جهة القضاء والقدر، وهو أنه لا يكون في ملكه إلا ما يشاؤه ويريده، ولا حول ولا قوة إلا به، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به. وأما قول العابدة المحبة القائلة: أحبُّك حبَّينِ: حبّ الهوى ... وحبٌّ لأنك أهلٌ لذاكا فأما الذي هو حبُّ الهوى ... فكَشْفُك للحُجْبِ حتى أراكا وأما الذي أنت أهلٌ له ... فشيء (٢) خُصِصْتَ به عن سواكا فلكلامها وجهان: أحدهما: أن تريد بالحب الأول من جهة إنعامه على عباده، وهو الحب المأمور به. وبالثاني محبته لذاته. والأولى متفق عليها، والثانية

стр. 1856

حق عند أهل السنة والجماعة، وفيهم أهل العلم والمعرفة واليقين، فإنهم متفقون على محبته لذاته، وقد قررتُ هذه المسألة في غير هذا الموضع. الوجه الثاني: أن تريد بالحب الأول: الحب الذوقي الذي لا يتقيد بالأمر المحض، فإن من عرف الله ولو بعقله ونظره أحبه وعظمه، حتى المشركون فيهم محبة الله، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) (١) أي كحبهم الله، لا كحب المؤمنين لله، فإن الذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله، ثم إن المحبين (٢) من الأنبياء ﵈، وأهل العلم والايمان كثيرًا ما يستعملهم الحب في أشياء ويدعوهم إلى أشياء من طلب، وسؤال عبادة، واجلال، ونعوت، لابتغاء الوسيلة، وطلب نيل الفضيلة، وإن لم تكن تلك الأشياء قد أُمِروا بها، لكن إذا لم يكونوا نُهُوا عنها، بل وغير الحب من الأحوال المحمودة قد يَفعل مثلَ ذلك، من الرحمة للخلق، والرجاء لرحمة الله، والخوف من عذابه، فإن الأفعال ثلاثة: مأمور به، ومنهي عنه، وما ليس مأمورًا به ولا منهيُّا عنه. فكثير من المحبين يفعل ما يراه محصلاً لمقصوده من محبوبه إذا لم يكن منهيًّا عنه، حتى إن منهم من يُنهى أويُمنع كما مُنِعَ موسى ﵇ عن النظر لما ساله، وانما دعاه إليه قلق الشوق والمحبة، كما أن نوحًا لما سال في ابنه قيل له: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (٣)،

стр. 1857

(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) (١). وأما نبينا ﷺ فلا يفعل إلا ما أمر به (٢) من دعاء وعبادة، فإن نبينا ﷺ العبد المحض الذي لا يفعل إلا ما أمرَه به ربُّه، فلهذا أمره بالدعاء فقيل له: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)) (٣)، وقيل له: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (٤)، وإذا كان يوم القيامة وردَّ الأنبياء إليه الشفاعة العظمى، وجاءته الأمم، يجيء إلى (٥) ربه، ويخرُّ ساجدا، ويحمد ربه بمحامد يفتحها عليه، فيقول له: "أي محمد! ارفعْ رأسَك، وقلْ يُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّع" (٦)، فلا يشفع إلا بعد أن يؤمر بالشفاعة، فلا يقال له: أعرض عن هذا، ولا يقال له: لاتسألني ما ليس لك به علم. وقد أوجب الله على أهل المحبة متابعته بقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (٧)، فهؤلاء المتَّبعون لأمره، المستمسكون بسنته في الباطن والظاهر، هم خالص أمته، وأما من كان من أهل المحبة أو الخوف أو الرجاء أو الإخلاص، استعمله

стр. 1858

حاله في أعمال لم يؤمر بها، ولم تُسمَح له، مثل كلام المكاء والتصدية التي تحرك حبه أو حزنه أو خوفه أو رحمته أو رجاءه، ومثل الشدة في عقوبة (١) الفساق حتى يدعو عليهم، أو يعاقبهم بقوة عظيمة لله، من غير أمر منه بذلك، ومثل فرط الرحمة لهم حتى يشفع فيمن يحب الله، ويرضى عقوبته والانتقام له، أو تركه، بترك عقوبته، ولهذا يقول الله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا) (٢)، (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (٣)، وقال تعالى: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر) (٤)، ومنهم من يَحمِلُه حبُّ أقاربه حتى يدعو لهم بدعوة لم يؤمر بها، وغير ذلك. وهذا كثير في أرباب الأحوال المتأخرين من هذه الأمة، وهم في هذه الأمور خارجون عن سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، بمنزلة خروج من خرجَ من ولاة الأمور في السياسات الظاهرة عن طريقة الخلفاء إلى نوع من الملك في العقوبات وفي الولايات وفي الأعطية، فإن تصرف هذا وهذا ببُغضِه للحرمات من جنس واحد، لكن هذا بباطنه وهذا بظاهره، وكذلك عطاء هذا وهذا برحمته للعباد من جنس واحد، ثم كل منهما قد يكون مقصوده الرئاسة إما الباطنة وإما

стр. 1859

الظاهرة، وقد يكون مقصوده الديانة، وإنما تصرف بحاله لا بالأمر. وهذا باب عظيم ننبِّه عليه في مواضع، وإنما أشرنا إليه هنا لما ذكرنا محبة الهوى التي لم تتقيد بالعلم والأمر، وإن كانت محبة الله إذا لم تكن منهيًّا عنها، ولهذا قالت: فكَشْفُك للحُجْبِ حتى أراكا أي هذا الحب يستدعي طلب الرؤية كما طلبها من طلبها في الدنيا. وأما المحبة الثانية فهي العبودية المحضة للذي يحبه لذاته، فلا يفعل إلا ما أمر به، ولا يطلب إلا ما أمر به، ولا يستحق شيء أن يُحَبَّ لذاته إلا الله، فإنه لا إله إلا الله، والإله هو الذي يُعبد لذاته، فلذلك قالت: لأنك أهلٌ لذاكا، وقالت: فشَيْءٌ خُصِصْتَ به عن سواكا. الفصل الثاني: في الواجب من المقاصد والوسائل . أما المقصود المطلوب لذاته، وهو المعبود، فلا يجوز أن يعبد إلا الله لا إله إلا هو، وهذا أصل الدين وأساسه ودِعامتُه، وأوله وآخره، وباطنه وظاهره. والوسيلة هي الأعمال الصالحة الحسنة، إذ ليس كل عمل يصلح لأن يُعبَد به الله، ويُرادَ به وجهُه، وليس كلُّ ما كان في نفسه حسنًا وصلاحًا يُراد به وجهُ الله وليس بصالح، مثل عبادات المبتدعة المخلصين، كرهبانية النصارى التي قال الله فيها: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) (١)، ومثل ما في هذه الأمة من أنواع المقالات والعبادات التي فعلها صاحبها لله، لكن بغير

стр. 1860

إذنٍ من الله، مثل بدع الخوارج، واستحلالهم (١) ما استحلُّوه من مفارقة السنة والجماعة، حتى قال شاعرُهم (٢) في قاتل علي بن أبي طالب- وهو أشقى الآخرين عبد الرحمن بن مُلجم قاتل علي-: ياضربةً من تَقيٍّ ما أرادَ بها ... إلا ليَبلُغَ من ذي العرشِ رضوانَا إني لأذكره حينًا فأحسبُه ... أو فَى البريةِ عند الله ميزانَا وكذلك ما عليه كثير من القدرية والمرجئة والجهمية والرافضة، وغيرهم من أهل البدع الاعتقادية إذا كانوا فيها مخلصين مُريدينَ التقربَ بها إلى الله. وكذلك ما عليه كثيرٌ من المبتدعة في العبادات والأحوال، من الصوفية والعبَّاد والفقهاء والأمراء والأجناد والولاة والعمال، فكثير من هؤلاء قد يُزيَّن له سوءُ عملِه فيراه حسنًا، ويتقرب إلى الله بشيء يظنه حسنًا، وهو شيء مكروه، وهذا باب واسع. ومن هذا الباب عبادات اليهود والنصارى التي يتقربون بها إلى الله ويُخلصون فيها، قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (٣)، وسئل عنهم سعد بن أبي وقاص فقال: "هم أهل الصوامع والديارات" (٤). وسُئل عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فقالى: "هم أهل
следующие страницы →