← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لَحِقَها من أعمال (١٦) جامع المسائل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

- أ - تصدير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أما بعد، فهذا إصدار جديد من (جامع المسائل ١ - ٩) لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، يصدر في مجموعة واحدة في تسعة مجلدات، من المجموعة الأولى حتى المجموعة التاسعة كاملا، وقد أصلحنا فيها ما وصلنا من ملاحظات القراء الكرام، أو ما استجد لنا من مراجعات وتصحيحات في المجلدات الخامس والسادس، وفي المجموعة السابعة (بتحقيقي) أكملنا نقصا وقع في رسالة الرسالة في أحكام الولاية، حيث وجدنا نسخة كاملة منها، وقد قابلنا فيه رسائل أخرى على نسخ جديدة أفادت قراءات أخرى واستدراکات. وغير خافٍ على القرّاء أن هذه المجلدات كانت تُطبَع تِباعًا عبر سنواتٍ، فصار من المفيد أن تطبع مرة أخرى ليطلع عليها ويستفيد منها من لم يتيسر له تحصيلُها جميعًا، وكنا قد طبَعْنا المجموعة الأولى إلى الرابعة عدة طبعات، وطبعنا المجموعة الخامسة طبعتين، وأما المجموعة السادسة إلى التاسعة فلم تطبع إلا طبعة واحدة، وهذه طبعتها الثانية. و الحمد لله حق حمده. وكتب علي بن محمد العمران

стр. 3

- جـ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد، فهذه طبعة ثانية من جامع المسائل الذي نفدت نسخه بعد صدور الطبعة الأولى منه في مدة قصيرة، وقد قمت بمراجعته وتقديمه إلى القراء مرة ثانية، عسى أن يحقِّق رغبتهم وينال رضاهم وتقديرهم. وتتميز هذه الطبعة بتصحيح الأخطاء المطبعية التي وقعت في الكتاب، ومقابلة بعض المسائل على نسخ خطية لم تكن معروفة لديّ، إحداها بخط المؤلف، وهي الرسالة الرابعة من المجموعة الأولى «فصل في أولياء الله وأولياء الشيطان» توجد في مركز البابطين بالرياض، جزي الله القائمين عليه على تصويرهم لهذه النسخة النادرة، ووجدتُ ضمن مجلدات «الكواكب الدراري» نسخًا لبعض الرسائل المنشورة في المجموعتين الأولى والثالثة، وقد أشرتُ إليها في مقدمتهما. وحصلت على نسخة أخرى من الرسالة ٢٢ من المجموعة الأولى ضمن مجموعة بمكتبة شهيد علي في تركيا. وقد قمت بمراجعة الكتاب، والتوقف عند المواضيع المشكلة منه، وتقليب الكلمات على وجوهٍ من رسمها واختيار ما يناسب السياق، واقترحت أحيانا زيادة كلمة أو كلمتين بين معكوفتين لإفادة المعنى المراد، وأبقيت بعضها كما هي مع الإشارة إلى الاضطراب والخلل. ومما ينبغي التنبيه عليه أن في مواضع من صيغ الاستفتاء أخطاء لغوية

стр. 4

- د - أبقيتُها كما هي لأنها كانت من المستفتين. وتم حذف «فتوى في العشق» (المدرجة ضمن المجموعة الأولى) من هذه الطبعة، فهي - وإن نسبها بعضهم إلى شيخ الإسلام - لا تشبه كلامه، ولا يوجد في سائر كتاباته ما يُؤَيِّد ما ورد فيها. وقد نفى العلامة ابن القيم في روضة المحبين» (ص ١٣١) نسبتها إلى شيخه، وهو ألصق الناس به وأدراهم بعلومه وفتاويه، وقد ذكر من الأدلة ما يُغني عن النظر في القرائن الأخرى. وفي الختام أشكر كل من أفادني بملاحظاته التي كان لها أثر واضح في تصحيح الكتاب، وأخص بالذكر منهم المحققين الفاضلين: فضيلة الشيخ سليمان العمير وأخي الأستاذ محمد أجمل أيوب الإصلاحي - حفظهما الله - فقد قرآ جميع الأجزاء بعناية واهتمام، وبعثا إليَّ التصويبات والملاحظات لأستفيد منها في إعداد هذه الطبعة، فجزاهما الله أحسن الجزاء. هذا، وأرجو من الله العلي القدير أن يتقبل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه محمد عزير شمس

стр. 5

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذه مجموعة من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاواه ومسائله التي لم تنشر من قبل، استخرجتها من مجاميع مخطوطة في مكتبات عديدة، بعد العكوف عليها طويلاً ومراجعة الرسائل الموجودة فيها والتمييز بين ما طبع منها وما لم يطبع. وقد كان يُظَن إلى عهد قريب أن أكثر آثار شيخ الإسلام الموجودة في المكتبات طبعت ونشرت ضمن مجاميع ومؤلفات مستقلة، وإذا بي أقف على عددٍ من كتبه الكبيرة ورسائله الصغيرة لم يُنشَر حتى الآن، وخاصةً تلك التي وصلت إلينا بخطه المعروف الذي يصعب قراءته حتى على المتخصصين في قراءة الخطوط القديمة. فأحببتُ أن أسهم في نشر ما وقفتُ عليه منها. وهذه المجموعة الأولى من سلسلةٍ تضم رسائل وفتاوى وقواعد مختلفة سميتُها "جامع المسائل". وقد سبق أن نُشِر عدد كبير من مؤلفات شيخ الإسلام ورسائله في كتب مستقلة وضمن مجاميع، وفي الآونة الأخيرة زاد الاهتمام بنشر مؤلفاته، وتسابق الناشرون والمحققون إلى طبعها أكثر من مرة، واستلّ كثير منهم بعض الكتب والرسائل من "مجموع الفتاوى" (طبعة الرياض)، ونشروها بدون الرجوع إلى المخطوطات القديمة التي وصلت إلينا بخط المؤلف أو أحد تلاميذه. وذلك لعدم وجود فهرس

стр. 6

وافٍ بجميع مؤلفات شيخ الإسلام، ونسخها الخطية وأماكن وجودها، وطبعاتها المختلفة التي ظهرت حتى الآن، وما صدر حولها من دراسات، على نحو مؤلفات الغزالي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. وقد صنع بعض الباحثين قوائم لمؤلفات شيخ الإسلام في مقدمات كتبه المنشورة أو في دراسات مفردة، ولكنها ليست وافيةً بالمقصود، وفيها من الأوهام والخلط والتكرار ما يحتاج بيانه إلى دراسة مستقلة. وقلَّما انتبه أصحابها إلى أنَ ما ذُكر في المصادر القديمة بعنوان ..... توجد نسخه الخطية في مكتبات العالم بعنوان/عناوين ..... ونُشِر بعنوان/عناوين ..... في رسالة مفردة أو ضمن مجاميعِ. وأذكر هنا مثالا واحدا، فالرسالة "البعلبكية" (التي ذكرها ابن رُشيِّق وابن عبد الهادي) توجد منها عدة نسخ خطية أقدمُها بعنوان "رسالة في العقائد" (قُرِئَتْ على المؤلف سنة ٧١٨، وعليها إجازته بخطه). وهناك نسخ أخرى بعناوين مختلفة. وقد طبعت ضمن "مجموعة الرسائل" (ط. القاهرة ١٣٢٨) بعنوان "الرسالة البعلبكية"، وفي "مجموعة الرسائل المنيرية" (٢/ ٥٠ - ٨٣) بعنوان "قاعدة نافعة في صفة الكلام"، وفي "مجموعة الرسائل والمسائل" (٣/ ٨٩ - ١١٢) بلا عنوان، وفي "مجموع الفتاوى" طبعة الرياض (١٢/ ١١٧ - ١٦١) كذلك غُفْلاً من العنوان. فالذي يتصدّى لذكر المؤلفات يذكر هذه الرسالة بعناوين مختلفة، ويظنها كتبًا مستقلةً، ثم لا يعرف أنها المنشورة ضمن "مجموع الفتاوى". هذا ما دَفَعني منذ مدة إلى البحث والتنقيب عن مؤلفات شيخ الإسلام في مجاميع غير معروفة، وفي مكتباتٍ لم تنشر فهارسها حتى الآن أو نُشِرتْ حديثاً. ولدفي النية أن أتجه إلى حَصْر جميع المخطوطات

стр. 7

والمطبوعات وما نُشِر حولها من دراسات، في كتاب يضمّ بين دفَّتَيه - إن شاء الله - عناوينَ جميع مؤلفات شيخ الإسلام، وما وَصَل إلينا منها مخطوطًا ومطبوعًا، وما تُرجم منها إلى لغات أخرى، وما عُمِل حولها من شروح أو اختصارات أَو دراسات. أدعو الله أن يعينني على إكمال هذا المشروع، وأن يوفقني لنشر ما لم ينشر من تراث الشيخ وإكمال ما نشر ناقصًا ومشوَّهًا، ويجعل هذا العمل نافعًا للعلماء والباحثين وعامة المسلمين. • هذه المجموعة تحوي هذه المجموعة أربعًا وعشرين رسالة وفتوى ومسألةً، يوجد أكثرها ضمن مجاميع خطية في مكتبة جامعة برنستون، وقد آلت إليها من مكتبة الشطّي (١) بدمشق التي كانت فيها نوادر المخطوطات ونفائس كتب الفقه والحديث، وخاصةً للمؤلفين الحنابلة. كانت محتويات هذه المكتبة مفقودة منذ أكثر من قرن، حتى أصدرت جامعة برنستون عام ١٣٩٧/ ١٩٧٧ م فهرسًا للمخطوطات العربية المحفوظة في قسم يهودا من مجموعة جاريت بمكتبة الجامعة، من إعداد رودلف ماخ، فظهر للباحثين أنها انتقلت إلى برنستون، ولا زالت محفوظةً هناك. وسيلاحظ القارئ أن ست رسائل من هذه المجموعة (بأرقام ١٨ - ٢٣) تتناول موضوع الطلاق السني والبدعي وجمع الطلاق الثلاث _________ (١) هو الشيخ عبد السلام بن عبد الرحمن الشطّي، إمام الحنابلة في الجامع الأموي، توفي سنة ١٢٩٥. كان قد اجتمع عنده من الكتب النفيسة مالم يجتمع عند غيره، فأوقف البعض منها، وبيع غالبها في تركته. انظر "روض البشر" لمحمد جميل الشطي (ص ١٤٦) و"حلية البشر" للبيطار (٢/ ٨٤٨ - ٨٥٠).

стр. 8

وحكمه، وعندما يعرف أن ما نُشِر لشيخ الإسلام في هذا الباب شيءٌ قليلٌ (١)، يُدرك أهمية هذه المجموعة الجديدة من الرسائل والفتاوى، التي كانت عمدةً لتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية (٢) وغيره ممن تكلم في هذا الموضوع. وتفيدنا هذه الرسائل في توضيح اختيارات شيخ الإسلام (٣) في موضوع الطلاق، التي خالف فيها مذاهب الأئمة الأربعة والمشهور من أقوالهم، وقد نُسِب الشيخُ فيها إلى مخالفة الإجماع، لندور القائل بها وخفائه على كثير من الناس، ولحكاية الإجماع على خلافها، وجرى له بسبب الإفتاء بها مِحَنٌ وقلاقل في حياته. ومن اختياراته المشهورة في هذا الباب: قوله بالتكفير في الحلف بالطلاق، وإن الطلاق الثلاث جملةً لا يقع إلا واحدة، وإن الطلاق المحرَّم لا يقع، وله في ذلك مصنّفات ومؤلفات كثيرة ذكر المترجمون له عناوين بعضها، وهي: _________ (١) ضمن "مجموعة الفتاوى الكبرى" (٣/ ٢ - ٧٩) و"مجموع الفتاوى" (المجلد الثالث والثلاثين). (٢) في "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٨٣ - ٣٣٨) و"إعلام الموقعين" (٣/ ٤١ - ٦٢،٢٨٧ - ٢٨٨) و"زاد المعاد" (٥/ ٢٢٠ - ٢٤٨) و"الطرق الحكمية" (ص ١٦ - ١٧). (٣) انظر لهذه الاختيارات: "العقود الدرية" ٣٢٢ - ٣٢٥ (وعنه بدون ذكر المصدر في "مجموعة الفتاوى الكبرى" ٣/ ٧٩ - ٨٠)؛ و"رسالة في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية" لبرهان الدين إبراهيم بن محمد ابن قيم الجوزية" و"اختيارات شيخ الاسلام" لابن عبد الهادي (مخطوطة)؛ و"اختيارات ابن تيمية" لصلاح الدين العلائي (مخطوطة)؛ و"ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥)، و"شذرات الذهب" لابن العماد ٦/ ٨٤ - ٨٥ "وعنه في "جلاء العينين" ٢٨٤ - ٢٨٥)، و"مجموع المنقور" ١/ ٤٩ - ٥٠؛ ونظم اختيارات شيخ الإسلام لسليمان بن سحمان، ضمن "ملتقى الأنهار من منتقى الأشعار" ص ١٣٤ - ١٤٨.

стр. 9

١ - "تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان" (قاعدة كبيرة نحو أربعين كراسة). ٢ - "الفرق المبين بين الطلاق واليمين" (قاعدة بقدر النصف من ذلك). ٣ - "قاعدة في أن جميع أيمان المسلمين مكفرة" (مجلد لطيف). ٤ - "قاعدة في تقرير أن الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة". ٥ - قاعدة سماها "التفصيل بين التكفير والتحليل". ٦ - الرد الكبير على من اعترض عليه في مسألة الحلف بالطلاق (ثلاث مجلدات). ٧ - "لمحة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف". ٨ - "الاجتماع والافتراق في الحلف بالطلاق". ٩ - "قاعدة في أن المطلقة بثلاثة لا تحل إلاّ بنكاح زوج ثان". ١٠ - "بيان الحلال والحرام في الطلاق" (= "البغدادية"). ١١ - "جواب من حلف لا يفعل شيئًا على المذاهب الأربعة ثم طلَّق ثلاثًا في الحيض". ١٢ - "الطلاق البدعي لا يقع". ١٣ - "مسائل الفرق بين الطلاق البدعي والخلع ونحو ذلك". ١٤ - "الحلف بالطلاق وتنجيزه ثلاثًا". وغير ذلك من القواعد والأجوبة التي لا تنحصر ولا تنضبط. وقد

стр. 10

بيَّض أصحاب الشيخ كثيرًا منها، وكثيرٌ منها لم يُبَيَّض، ومجموع ذلك نحو العشرين مجلَّدًا (١). وقد ضاع - مع الأسف - أكثر هذه الكتب والرسائل، ولم يصل إلينا منها إلاّ شيء قليل كما سبقت الإشارة إليه، ومنها هذه الرسائل التي تُنشر هنا لأول مرة. وإلى جانب هذه الرسائل الخاصة بالطلاق هناك رسائل أخرى مهمة في هذه المجموعة، منها رسالتان (برقمي ٧،٨) في التفسير، ورسالتان (برقمي ٩،١٠) في شرح الحديث، وفتوى في العشق (برقم ١٢)، وقاعدة في أفعال الحج (برقم ١٥)، وفصل في معنى الحيّ القيوم (برقم ١)، وفتوى في الغوث والأقطاب والأبدال (برقم ٣)، وقاعدة في الصبر (٢) (برقم ١٤)، وقاعدة في إثبات علو الله على خلقه (برقم ٢) وغيرها. ولم يرد ذكر أكثر هذه الرسائل في مصادر ترجمة الشيخ، ولا غرابة في ذلك، فلم يدَّع أحد من المترجمين له أنه استقصى جميع مؤلفاته ورسائله. وقد ذكَر ابن عبد الهادي (٣) أن "له من الكلام على مسائل العلو والاستواء والصفات الخبرية وما يتعلق بذلك من الرد على الجهمية والقدرية والجبرية وغيرهم من أهل الأهواء والبدع ما يشتمل على مجلدات كثيرة. وله من الكلام على فروع الفقه والأجوبة المتعلقة بذلك شيء كثير يشقّ إحصاؤه ويعسر ضبطه". وقال بعدما ذكر عددًا كبيرًا من مؤلفاته (٤): "وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدم ذكره، _________ (١) "العقود الدرية": ٣٨. وفي "الوافي بالوفيات" (٧/ ٢٩) أنها تُقدَّر بخمسة عشر مجلدًا. (٢) هي رسالة صغيرة، ويبدو أنها غير "قاعدة في الصبر والشكر" التي ذكرها ابن رشيق في رسالته (ص ٢٣٦)، ووصفها بأنها نحو ستين ورقة. (٣) "العقود الدرية": ٥١. (٤) المصدر نفسه: ٦٤.

стр. 11

يشق ضبطه وإحصاؤه، ويعسر حصره واستقصاؤه". ونقل عن الشيخ أبي عبد الله [ابن رشيق]: "لو أراد الشيخ تقي الدين ﵀ أو غيرُه حَصْرَها لما قدروا". وقال ابن رجب (١): "وأما القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوى فلا يمكن الإحاطة بها لكثرتها وانتشارها". وعلى هذا فيجب التأكد من صحة نسبة أي كتاب أو رسالة أو فتوى إلى شيخ الإسلام بالوجوه الآتية: (أ) أن تكون هذه الرسالة بخط الشيخ نفسه، وحينئذٍ نثبتها له سواء ذكرها المترجمون له أو لم يذكروها، ومن أمثلة القسم الثاني: "الرد على نهاية العقول للرازي" الذي وصل إلينا بخطه، ولم أجد أحدًا ذكره قديمًا وحديثاً. (ب) أن تكون الرسالة منقولةً من أصل الشيخ ومنسوخة بخط تلاميذه وغيرهم، مثل ابن المحبّ وابن رشيّق وآخرين. وأكثر رسائل هذه المجموعة من جامعة برنستون ينطبق عليها هذا الوصف، فلا يُشَك في صحة نسبتها إلى المؤلف. (جـ) أن تكون الرسالة بخطّ متأخر، وبعد دراستها يظهر أنها له، كأن يشير فيها إلى كتبه الأخرى، أو يكون موضوعها مما كتب فيه الشيخ كثيرًا، وتكون الآراء الموجودة فيها متطابقةً مع ما في كتبه المعروفة، وأسلوبه فيها هو أسلوبه المعروف في سائر كتبه. _________ (١) "ذيل طبقات الحنابلة": (٢/ ٤٠٤). وانظر نصوصًا أخرى للمترجمين له في "الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية": ٢٢٠، ٤١٨، ٤١٩، ٤٤٦، ٤٨٦، ٥١٩،٥٥٨،٦١٤.

стр. 12

(د) أن يقتبس منها المؤلفون، أو يدرجوها بتمامها وينسبوها إلى الشيخ. ومن الأمثلة المعروفة لها تلك الرسائل والنصوص التي وصلت إلينا ضمن "الكواكب الدراري" لابن عروة الحنبلي، و"العقود الدرية" لابن عبد الهادي، ومؤلفات ابن القيم وابن مفلح وغيرهما. ولم أدخل في هذه المجموعة شيئا إلاّ بعد التأكد من صحة نسبته إلى الشيخ، وفيما يلي وصف النسخ الخطية لكل رسالة حسب ورودها في الكتاب. • وصف النسخ الخطية ذكرتُ فيما سبق أن أكثر رسائل هذه المجموعة من مكتبة جامعة برنستون، وقد أضفت إليها خمس رسائل عثرتُ عليها في مكتبات مختلفة. ووجدتُ لثلاث منها نسخًا أخرى، فاستفدت منها في التصحيح والمقابلة. وراعيتُ عند ترتيبها الموضوعات التي تتناولها، فقدَّمتُ ما يتعلق منها بالعقيدة ثم التفسير ثم الحديث ثم الفقه. وفيما يلي وصف الأصول المعتمدة لكل رسالة: (١) "فصل في معنى اسمه الحي القيوم": توجد نسخة فريدة منه في مكتبة المسجد الأقصى بالقدس، ضمن مجموعة برقم [٢] (الورقة ١ - ١٢)، جاء في آخرها: "كان الفراغ من المسألة العظيمة الجليلة القدر يوم السبت سابع وعشرين من شوال سنة ٧٦٥، محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام ابن نصر، عفا الله عنهم ولطف بهم وبسائر المسلمين". ويبدو لي أن هذه الخاتمة كانت في الأصل المنسوخ عنه، فنقلها ناسخ هذه النسخة الحديثة الخط، التي كتبت بخط الرقعة في أوائل

стр. 13

القرن الرابع عشر تقديرًا. وناسخ الأصل من آل قدامة المعروفين بالعلم والفضل من الحنابلة، له ترجمة قصيرة في "الدرر الكامنة" (٣/ ٣٤٥) و"إنباء الغمر" (١/ ١٢٧)، وفي الثاني أنه توفي سنة ٧٧٦. وفي رأس الصفحة الأولى من النسخة: "فائدة في اسم القيوم لا إله إلاّ هو، تأليف شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية ﵁. وهي من خطّه الجديد الدمشقي". وهذا يفيد أن الرسالة من مؤلفات الفترة الأخيرة من حياته التي استقر فيها بدمشق وتفرغ للتأليف والكتابة. وقد قدَّم ناسخ الأصل للرسالة بنقول من كتاب "مدارج السالكين" لابن القيم، منها قوله نقلاً عن شيخ الإسلام: "من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر: يا حي يا قيوم لا إله إلاّ أنت برحمتك أستغيث، حصلت له حياة القلب، ولم يمت قلبه". ثم قال الناسخ: "سمعتُ الشيخ الإمام العالم فريد عصره ووحيد دهره لسان العرب وحجة الأدب وترجمان القرآن وشيخ الإسلام الشيخ شرف الدين أحمد بن الحسن بن عبد الله بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد - فسح الله في مدته ومتَّعنا به - يقول: لو اجتمع القاضي أبو يعلى وابن عقيل في شهبر لم يعملوا مثلها، وعملها الشيخ ﵁ على البديه". وشرف الدين أحمد هذا مترجم في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٥٣) و"الدرر الكامنة" (١/ ١٢٠). وهو من تلاميذ شيخ الإسلام، قرأ عليه مصنفاتٍ في علوم شتى، وأجازه الشيخ بالإفتاء. وكانت وفاته في رجب سنة ٧٧١. ولشيخ الإسلام رسالة أخرى في هذا الموضوع نشرت بعنوان

стр. 14

"فصل في اسمه تعالى القيوم" (١)، وفيها مباحث أخرى تتعلق بهذا الاسم ينبغي مراجعتها. (٢) "قاعدة جليلة في إثبات علو الله تعالى على خلقه": توجد نسختها ضمن مجموع في مكتبة تشسشر بيتي برقم [٣٥٣٧] (الورقة ٨٦ أ-ب)، وهذا المجموع بخط نسخي جميل، ويحتوي على رسائل ومسائل عديدة لشيخ الإسلام، وفي آخرها: "نجزت المسائل بحمد الله تعالى وحسن توفيقه على يد أضعف خلقه الراجي عفو ربّه علي بن حسن بن محمد الحرَّاني في ثاني عشر من ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبع مئة، غفر له ولوالديه ولمالكها ولمن قرأ فيها وجميع المسلمين". وقد اطلع الشيخ محبّ الدين الخطيب على هذه النسخة في بداية نشأته العلمية سنة ١٣١٨ لما كان في الخامسة عشرة من عمره، فنقل منها مسائل، ولا زالت نسخته محفوظة في مكتبة المسجد الأقصى برقم [١] (ق ١٤ - ٢٩) بعنوان "مجموعة مسائل دينية متعددة". ويستنبط منه أن الأصل كان في دمشق في أوائل القرن الرابع عشر، ثم انتقل إلى إيرلندا، واستقر في مكتبتها. (٣) "فتوى فيمن يدعي أنَّ ثمَّ غوثًا وأقطابًا وأبدالاً": هذه الفتوى غير الفتوى التي وصلت إلينا بخطه، والتي سندرجها في المجموعة الثانية من "جامع المسائل"، وفي كل منهما فوائد ومباحث لا توجد في الأخرى. _________ (١) ضمن "تفسير آيات أشكلت" (١/ ٤٢١ - ٤٤٣)، وليست منه، وقد كانت ملحقة به في بعض النسخ مثل غيرها من الرسائل، فظنَّ المحقق جميعها من الكتاب المذكور، ونشرها معه!!.

стр. 15

توجد نسخته الخطية في مكتبة جامعة برنستون برقم [٥٥٤٢] (الورقة ١ ب-٧ ب)، وهي مكتوبة بخط نسخي جميل، وليس عليها تاريخ النسخ، وهي من القرن العاشر تقديرًا. وقد ورد في صفحة عنوانها: "سؤال رفع لشيخ الإسلام والحبر الهمام والعلامة الإمام، فريد العصر والأوان، وحيد الدهر والزمان، علاّمة المسلمين فهّامة المحققين الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ بمنه". وفي الركن الأيسر منها من فوق: "من كتب الفقير الغريب أحمد نجيب ١٢٨٨". وتحته: "ما زالت تسوقه أقدار اللطيف إلى دخوله سلك مِلكِ العبد الضعيف صاحب هذا الرقيم، ابن أبي بكر الصالحي إبراهيم ثم الحنبلي". ثم ختم الشخص المذكور. ولم أجد ترجمة الرجلين فيما بين يديّ من المصادر. (٤) "فصل في أولياء الله وأولياء الشيطان": يوجد أصله بدون عنوان مع المجموعة السابقة (الورقة ٨ أ-١٠ ب) وبخطها، وفي آخره: "تمت الرسالة بحمد الله وعونه لشيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين ..... ". (٥) "مسألة عن الأحوال وأرباب الأحوال": توجد منها نسختان، الأولى في مكتبة جامعة برنستون برقم [٥٢٠] (الورقة ٤٤ ب-٤٥ ب). وهي نسخة ناقصة، تنقصها ثلاث أوراق من أثنائها. وهي بخط نسخي جيد، وقد كتبت في حياة شيخ الإسلام كما يظهر من عبارة الناسخ التي في آخرها: "فرغ من تعليقها والمسألة التي قبلَها (١) أقل عَبيد الله: أيوب بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن أبي الحسن بن بقا بن مساور العامري الحمصي، ﵀ ورحمَ والديه ومن استغفر له _________ (١) هي الآتية برقم ٩.

стр. 16

ولهم، ورحم جميع المسلمين المؤمنين، في نهار الجمعة يوم عاشوراء من شهر المحرم من شهور سنة خمس وعشرين وسبعمائة". وعلى صفحة العنوان منها: "فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله تعالى عنه وعنّا به (١)، آمين". وتحته إلى اليسار: "قد ساقه القدر لأحقر البشر عبد السلام بن المرحوم الشيخ عبد الرحمن الشطي الحنبلي، عُفِي عنه". والنسخة الثانية تامة وهي في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم [٢٧٥٨] (الورقة ٩٢ أ-٩٧ أ) ضمن مجموعة كان الفراغ من نسخها في رجب سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، والنسخة بخط نسخي لا بأس به. وفي آخر الرسالة من هذه النسخة: "بلغت المقابلة على الأصل"، ولكنها لم تُفِد كثيرًا، ففيها أخطاء فادحة وخاصةً في أسماء الأعلام. (٦) "مسألة في رؤية النبي ﷺ ربَّه": ضمن مجموعة في مكتبة جامعة برنستون برقم [٢٧٦] (الورقة ١٥٦ ب- ١٥٨ ب)، وهي بخط نسخي متأخر لعله من القرن الحادي عشر. (٧) "قاعدة شريفة في تفسير قوله تعالى (أَغيرَ اللهِ أَتخذُ وَليا ... ) ": هي من مجموعة نفيسة تحوي عدة رسائل لشيخ الإسلام، في مكتبة جامعة برنستون برقم [١٣٧٧] (الورقة ٧٠ ب-٨١ ب). وكلّها بخط واحد، وناسخها محمد بن أبي شامة الحنبلي كما في الورقة ٥٢ ب، وقد فرغ من نسخ بعضها في شعبان سنة ٨١٤ كما في الورقة ٢٩ ب. وقد أفاد الناسخ في صفحة العنوان أن الشيخ كتب هذه القاعدة _________ (١) هذا توسل غير مشروع.

стр. 17

بقلعة دمشق في آخر عمره. وتوجد منها نسخة أخرى ضمن المجلد ٤١ من "الكواكب الدراري" في المكتبة الظاهرية بدمشق. (٨) "فصل في سورة حم السجدة": هو من المجموعة السابقة في برنستون برقم [١٣٧٧] (الورقة ٤٣ ب-٤٥ ب). وقد سبق وصفها. (٩) "فصل في قول النبي ﷺ لمعاذ: "أتدري ما حق الله على العباد؟ ": توجد منه نسختان، الأولى في جامعة برنستون برقم [٥٢٠] (الورقة ٤٢ ب-٤٤ ب)، والثانية في دار الكتب الظاهرية برقم [٢٧٥٨] (الورقة ٨٨ أ-٩٢ أ). وقد سبق وصفهما برقم (٥). (١٠) "فصل في قوله ﷺ : سيد الاستغفار أن يقول العبد ... ": ضمن مجموعة في جامعة برنستون برقم [٤٠٩٥] (الورقة ٨ أ-١٠ ب)، بخط محمد بن إسحاق التميمي داري نسبًا الحنفي مذهبًا. ولم يذكر تاريخ النسخ، ولعله من القرن التاسع تقديرًا. وعنوانه على صفحة الغلاف: "شرح حديث سيد الاستغفار". وقد ذكر ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص ٤٠) وابن رشيِّق في "أسماء مؤلفات شيخ الإسلام" (ص ٢٣٧ من "الجامع لسيرة شيخ الإسلام") أن للشيخ "قاعدة في الاستغفار وشرحه وأسراره"، ولعلها غير الفصل الذي ننشره هنا. وقد كتب في أسفل صفحة العنوان: "دخل في ملك الفقير إليه تعالى الحاج علي بن الحاج عثمان اللبدي الحنبلي، عفا عنه مولاه، آمين"، وتحته ختمه وسنة ١٢٦٩. (١١) "قاعدة في الصبر": توجد منها نسختان، إحداهما في مكتبة جامعة برنستون برقم [٤٠٩٥] (ق ١ أ-٨ أ)، وقد سبق وصفها

стр. 18

برقم (١٠). والثانية في مكتبة جامعة ليدن برقم [٢٩٩٠] (في خمس صفحات)، كتبت سنة ٨٠٨. وكانت أولاً في مكتبة السيد أمين المدني بالمدينة المنورة، ثم باعَها ضمن ما باع من النفائس، فانتقلت إلى دار بريل المشهورة، وتوجد حاليًّا بمكتبة جامعة ليدن، ولها فهرس من إعداد لاندبرج. (١٢) "مسألة في الفتوة وآدابها وشرائطها": توجد نسختها الخطية ضمن مجموعة في مكتبة تشستر بيتي برقم [٣٥٣٧] (الورقة ٨٧ أ- ٨٩ أ]. وقد سبق وصفها فيما مضى برقم (٢). (١٣) "مسألة فيما يفعله بعض الخطباء يوم الجمعة": هي ضمن مجموعة في مكتبة جامعة برنستون برقم [١٣٧٧] (الورقة ٣٧ أ-ب). وقد سبق وصفها برقم (٧). (١٤) "قاعدة في أفعال الحج": نسختها في مكتبة جامعة ليدن برقم [٢٩٨٩] (في ٧ ورقات). جاء في آخرها: "تمت بحمد الله تعالى وعونه في ليلةٍ يُسفِر صباحُها عن سادس جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وثمان مئة، والحمد لله رب العالمين ... ". وكتب على صفحة العنوان بخط متأخر: "هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين التركماني الحنفي تلميذ ابن تيمية الحراني"، ثم شطب عليها. (١٥) "فتوى في البيع بفائدةٍ إلى أجل": توجد نسختها الخطية في مكتبة جامعة برنستون برقم [٣٨٩٠] (الورقة ٤٥ ب-٤٧ ب)، وهي ضمن مجموعة مهمة من رسائل الشيخ وفتاواه نقلها أحمد بن عبد الله بن المحب من خط الشيخ في ٢١ من رجب سنة ٧٤٧. وقد قوبلت على الأصل المنقول منه، فلم يبق فيها تحريف أو سقط.

стр. 19

(١٦) "مسائل في الإجارة ونقص بعض المنفعة والجوائح": هي في مكتبة جامعة برنستون برقم [١٣٧٧] (الورقة ٤٦ ب-٥٢ ب). وقد سبق وصف هذه المجموعة برقم (٧). (١٧ - ٢٢) ست رسائل في الطلاق، وكلها في مكتبة جامعة برنستون بالأرقام التالية: ١ - [١٣٨٤] (الورقة ٣١ ب-٤٢ أ). ٢ - [١٣٨٤] (الورقة ٢٩ ب-٣٠ ب). ٣ - [٣٨٩٠] (الورقة ١ ب-١٠ ب). ٤ - [١٣٨٤] (الورقة ١٤ أ-٢٣ ب). ٥ - [٣٨٩٠] (الورقة ١١ أ-٣١ أ). ٦ - [٢٩٩٢] (الورقة ٩٨ ب-١٠٢ ب). وقد سبق وصف المجموعة ذات الرقم [٣٨٩٠]، وذكرنا أنها بخط أحمد بن عبد الله بن المحب، أما المجموعة ذات الرقم [١٣٨٤] فهي أيضًا بخط أحمد بن عبد الله بن المحب، ومنقولة من مسوَّدة المؤلف ومقابلة عليها، وليس عليها تاريخ النسخ، ولكنّا نعرف أن الناسخ توفي سنة ٧٤٩، فتُعتَبر هذه المجموعة قديمة وموثقة. ومما يوسف له أن بعض الرسائل منها وصلت إلينا ناقصة من الأول أو من الآخر، ولعل بعضها فصول من كتبه المستقلة التي أشرنا إليها فيما مضى. ففي المجموعة ذات الرقم [٣٨٩٠] نجد الكلام غير متصل بعد الورقة ١٠ ب، حيث تبدأ رسالة أخرى في الموضوع، ولكنها ناقصة الأول، ولا نعرف مقدار الضائع منها. وفي المجموعة ذات الرقم

стр. 20

[١٣٨٤] نجد الكلام يبدأ من الورقة ١٤ أ بدراسة الأحاديث الواردة في الباب دون تمهيد سابق، وينتهي في الورقة ٢٣ ب دون أن تكمل الرسالة. أما الرسالة السادسة ضمن مجموع [٢٩٩٢] فهي نسخة متأخرة كتبت في ١٥ من جمادى الآخرة سنة ١١٨٧، وليس عليها اسم الناسخ، وخطها رديء، والنسخة مقابلة ومصححة كما كُتِب في آخرها، ومع ذلك ففيها أخطاء عديدة. وتوجد من هذه الرسالة نسخة أخرى مختصرة في مكتبة شهيد علي برقم [٢٧٥١] (ق ١٢٩ ب وما بعدها). (٢٣ - ٢٤) "فصل في الإيلاء" و"فصل في الظهار": كلاهما في مكتبة جامعة برنستون برقم [١٣٨٤]، الأول من الورقة ٢٤ ب إلى ٢٨ ب، والثاني من الورقة ١ ب إلى ١٣ ب، وهو ناقص الآخر. وقد جاء في صفحة العنوان: "فصل في الظهار من كلام شيخ الإسلام إمام الأئمة الأعلام تقي الدين أوحد العلماء العاملين أبي العباس بن تيمية رحمة الله عليه، مما صنفه بقلعة دمشق في محبسه الأخير". وكذا في صفحة عنوان الرسالة الأولى: "فيه فصل في الإيلاء ..... كتبه أخيرًا بقلعة دمشق". وفي آخرها: "بلغ مقابلةً بالأصلِ خَطِّ المؤلف، ومنه نُقِل، والحمد لله رب العالمين". وقد وصفنا هذه المجموعة قريبًا، فلا نطيل الكلام عليها. • منهج التحقيق قمت بنسخ هذه الرسائل من الأصول الخطية، ثم قابلتها عليها وعلى غيرها من النسخ إن وجدت، وأثبتُّ ما يصحّ عندي في النصّ مع الإشارة إلى القراءة المرجوحة إن كان لها وجه، ولم أثقل الهوامش بذكر

стр. 21

الأخطاء والتحريفات. وقد عُنِيت بضبط المشكل من الكلمات والأعلام والأماكن دون شرحها والتعريف بها، ومن أراد ذلك فليراجع المعاجم اللغوية والجغرافية وكتب التاريخ والتراجم والرجال. أما النصوص المقتبسة فقمت بتوثيقها وتخريجها من المصادر المهمة، وحاولت الربط بين كلام المؤلف هنا وفي مواضع أخرى من كتبه ورسائله. وفي الختام أحمد الله على أنه وفقني لإخراج هذه الرسائل، وأسأله أن يعينني على جمع بقية الكتب والمسائل المنثورة، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. محمد عزير شمس

стр. 22

نماذج من النسخ الخطية

стр. 23

فصل في معنى "الحيّ القيوم"

стр. 24

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من هداه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ تسليمًا كثيراً، وعلى آله وصحبه وسلم (١). فصل في معنى اسمه "الحي القيوم" قال الله : (الله لا إله إلا هو الحى القيوم) (٢). وقال تعالى: (الم (١) الله لا إله إلا هو الحى القيوم) (٣). وقال تعالى: (*وعنت الوجوه للحى القيوم) (٤). وقد قرأ عمر بن الخطاب ﵁ وغيرهُ "الحيّ القيَّام" (٥). والقيَّام فَيْعَال، والقيّوم فَيعول، وفيعال من جنس فَعَّال، وفيعول من جنس فعول، لأن الحرف المضعف يعاقب الحرف المعتلّ، كقولهم تَقَضَّى البازِيْ وتقضَّضَ.

стр. 25

والقَيُّوم والقَيَّامِ من قام يقوم، فهو معتلٌّ، فإن عينَه واو، فلهذا قيل فيه: فَيْعال وفيْعُول، ولو لم يكن في ألفاظه حرفٌ معتلّ لا ياءٌ ولا واوٌ لقيل: فَعَّال، كما قيل "حمَّاد" و"ستّار"، وفُعُّول كما قيل "سُبُّوح" و"قُدُّوس"، والغالب فعُّول بالفتح، وهو القياس في شرح "قُدُّوس"، ولكن جاءت دلالة اللفظ على غير القياس بالضم سبوح وقدوس وذو الروح. وقد تبين أن قراءة الجمهور "القَيُّوم" أتمُّ معنًى من قراءة "القيَّام"، فإن فَعُّول وفيْعُول أبلغُ من فَعَّال وفَيْعال، لأن الواو أقوى من الألف، والضم أقوى من الفتح، وهذا عينه مضمومة، والمعتلّ منه واو، فهو أبلغُ مما عينُه مفتوحة والمعتلُّ منه ألف. ودائمًا في لغة العرب الضمُّ والواوُ أقوى من الياء والكسرة، والياءُ والكسرةُ أقوى من الألف والفتحة، وهكذا هو في النطق، وكذلك في سائر الحركات، فإن المتحرك إلى أسفلَ كحركةِ الماء أثقلُ من المتحرك إلى فوق كالريح والهواء، والمتحركُ على الوسط هو الفلك أقوى منهما. ولهذا كان الرفعُ لما هو عمدةٌ في الكلام، وهو: الفاعلُ، والمفعولُ القائمُ مقامَه، والمبتدأ، والخبر. وكان النصبُ لما هو فضلة في الكلام، كالمفاعيل وغيرها: المفعول المطلق والمفعول به وله ومعه، والحال والتمييز. وكان الجرُّ لما هو متوسِّطٌ بين العمدة والفضلة، وهو المضاف إليه، فإنه تضاف إليه العمدة تارةً والفضلةُ تارةً، فتقول: قام غلامُ زيدٍ، وأكرمتُ غلامَ زيدٍ. ولما كانت "كان" وأخواتُها أفعالاً تُستَعملُ تارةً تامَّةً مكتفيةً بالفاعل، وتارةً ناقصةً فتحتاج إلى منصوب، كان الرفعُ فيها مقدمًا، فإنه العمدةُ، ولابُدَّ منه في النوعين التامّة والناقصة.

стр. 26

وأما "إنّ" وأخواتها فإنها تختصّ بالجمل الاسمية، لكن أشبهت الأفعال، فصار لها منصوبٌ ومرفوعٌ كالأفعال، ونقصتْ درجتُها عن درجة الأفعال، فقدّمَ منصوبُها لذلك، ولأنه أخفّ، ولأن الخبر يكون غيرَ اسمٍ، مثل الجار والمجرور به، فلا يظهر فيه النصب، بل قد يقدَّم على الاسم. وأما باب "ظننت" وأخواتها فإنها أفعالٌ، تُستعمل تارةً مع الاقتصار على الفاعل، وتارةً يُذكرَ معها المفعولاتُ، ولكن تعلق على العمل إذا تصدر ماله صدر الكلام، فلا يعمل ما قبله فيما بعده، مثل لام الابتداء وحروف الاستفهام، وما الناقصة، كقوله تعالى: (﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٢). وتارةَ تُلغَى عن العمل إذا قدم المفعولات أو وسط الفعل بينهما، كقولك: "زيد منطلق ظننتُ"، والإلغاءُ هاهنا أحسن، وقولك "زيدٌ ظننتُ منطلق". وكان الفرق بين باب "ظننتُ" وباب "كسوت" أن المفعولين هاهنا المبتدأ والخبر، بخلاف باب كسا، فإن الثاني غير الأول، ولهذا يجوز في باب كسا الاقتصار على أحد المفعولين، بخلاف باب ظننتُ، فإنه لا يجوز ذلك فيه، كما لا يجوز الاقتصار على المبتدأ دون الخبر. وقد تبين أن المبتدأ وخبره مع نواسخه قد استوعبت الأقسام الممكنة، فإنهما إما مرفوعان، كما إذا تجرَّدا عن العوامل اللفظية؛ وإمّا منصوبان، وهو باب ظننتُ، إذ الأول مرفوع، وهو باب "كان"؛

стр. 27

أو الأول منصوب وهو باب "إن". وتبين أن الرفع لما هو عمدة، والنصب لما هو فضلة. وكذلك الضم والفتح والكسر التي هي حركاتٌ لنفس الكلمة، وتسمى مناسبة إذا كانت في الآخر لم .... (١) عامل للإعراب، كقولك: جَرْح وجُرْح، وكَرْه وكُرْه، والغَسْل والغُسْل ونحو ذلك، فالجَرْح والكَرْه والغَسْل مصدر الفعل الثلاثي المتعدي، وهو قياس، تقول: ضرَبه ضَرْبًا، وأكله أَكْلاً ونحو ذلك، وأما الجُرْح والكُرْه فهو نفس الشيء المكروه والمجروح، والعَين أقوى من الفعل، والغُسْل بالضم اسم الاغتسال، واغتسال الإنسان لنفسه أكمل من غَسْلِه لغيره، تقول في هذا: غُسْل الجمعة وغُسْل الجنابة، لأن المراد الاغتسال؛ وتقول في ذلك: غَسْل الميت وغَسْل الثوب، لأن المصدر غَسْل الإنسان لغيره. هذا هو اللغة المشهورة سماعًا وقياسًا، وما نُقِل غير ذلك فإما خطأ وإما شاذ. فتبيَّن أن "القَيُّوم" أبلغُ من "القيَّام"، ذلك يفيد قيامه بنفسه باتفاق المفسرين وأهل اللغة، وهو معلوم بالضرورة. وهل يُفيد إقامتَه لغيره وقيامَه عليه؟ فيه قولان. وهو يفيد دوامَ قيامه وكمالَ قيامِه، لما فيه من المبالغة لقيوم وقيام. ولهذا قال غير واحدٍ من السلف: القيوم الذي لا يزول، كما قال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا علي بن الحسين نا عيسى الصائغ ببغداد نا سعد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الحسن ﵁: القيوم الذي لا زوال له.

стр. 28

وقد ظنّ طائفة من النفاة - كبشر المريسي وغيره - أن مرادَهم بذلك أن لا تقوم به الأفعال الاختيارية ولا يتحرك ونحو ذلك، ورَدَّ عليهم عثمان بن سعيد الدارمي وغيره، وبيَّنوا خطأه فيما فهمه من ذلك عمن نقل ذلك عنه من السلف، وهو إنما نقله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. وهذا الإسناد وحدَه مما لا يعتمِد عليه أهل الحديث، فذكروا ضعفَه (١)، ثمَّ ذكروا عدمَ دلالتِه على ما طلَبَه. ولكن قد رُوِيَ هذا بغير هذا الإسناد، فبينوا خطأ من فهم ذلك المعنى، وأن المراد بقولهم "لا يزول": أنه دائمٌ باقٍ لا يَنْقُص عن كمالِه فضلاً عن أن يَفْنَى أو يَعْدَم، كقوله تعالى: (﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ (٤٦)) (٢). وفيه قراءتان (٣): أكثر القراء يقرءون "لِتزوْلَ"، فيدلُّ على النفي، أي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وقرأ بعضُهم "لَتزُوْلُ" بالرفع على الإثبات، أي: إن كان مكرُهم تزول، هذا تقدير البصريين. والكوفيُّونَ يقدرون: ما كان مكرهم ألَاّ تزول. وكلا القراءتين لهما معنى صحيح، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع (٤). وقوله تعالى "تزول منه الجبال" مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ

стр. 29

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١) ومنه قول لبيد (٢): ألَا كلُّ شيء مَا خَلا الله باطلُ وقد قال له عثمان (٣) بن مظعون ﵁ وهو ينشد: "صدقتَ". ثم قال: وكلُّ نعيمٍ لا مَحَالةَ زَائلُ فقالَ له: "كَذبتَ، إن نعيم الجنة لا يزول" (٤). وليس المراد بقوله ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ وبقوله تعالى ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ و ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ هو الحركة، فإنهم كانوا يتحركون، والكواكب متحركة، بل الأفلاك التي فيها الكواكب متحركة. و"زال" يُستعمل لازمًا ويُستعمل ناقصةً من أخواتِ "كان"، فيقال في اللازم: زال يزول زوالاً، كما في قوله تعالى (أَن تَزُولا) و (مَا لَكم من زَوَال (٤٤)) و ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. ومنه: زالت الشمسُ تزولُ زوالاً. وليس المراد بزوالها حركتها، فإنها لا تزال متحركةً في رأي العين منذ تطلع إلى أن تغرب. ولا يقال إنها زالت إلاّ إذا انحطَّت عن غاية الارتفاع، فإذا ارتفعت على رءوس الناس كان غايةُ ارتفاعها، وهو قَبْلَ الزوال، ثُمَّ إذا

стр. 30

انحطت بعد هذا وانحطت ومالت قِيل: زالتْ، ويقال لها قبل الزوال: قد قام قائمُ الظهِيرة، فيُعَبر عن هذا بلفظ القيام، وعن آخرها يُلفَظ في الانحطاط بلفظ الزوال، كما يُعبَّر عنه بلفظ الاستواء، فيقال: استوتِ الشمسُ، وعند الزوال بالميل فيقالُ مالت الشمسُ؛ فكأن لفظ الزوال يَدُكُ على النقص بعد الكمال، والانخفاض بعد الارتفاع. والذين أقسموا من قبل "ما لهم من زوال" لم يريدوا أنهم لا يموتون، فإن هذا لا يقوله أحد من العقلاء، ولكن ظنوا دوامَ ماهم فيه من الملك والمال، وأن ذلك لا يزول عنهم. وهذا باطل. ولهذا قال النبي ﷺ لما سُبقَتْ ناقتُه العَضْباءُ وكانت لا تُسْبَق، فجاء أعرابي على قَعُودٍ له فسَبقها، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ حقًا على الله أن لا يُرفعَ شيءٌ من الدنيا إلاّ وَضَعَه" (١). فكلَّما ارتفع شيء من الدنيا فإن الله تعالى يضعه، وذلك من زوالِه. والزائل الذي لم يكتسب به ما يدوم نفعه يُسمَّى باطلاً، فالموتُ حق والحياة باطلٌ، فإن الباطل ضدُّ الحق، والحقُّ يقال على الموجود، فيكون الباطلُ هو المعدوم. ويقال أيضًا على ما ينفع ويُنفَى نفعُه، فيكون الباطلُ اسمًا لما لا ينفع، أو لما لا يدومُ نفعُه. ومنه قول النبي ﷺ : "كل لهوٍ يَلْهُو به الرجلُ باطلٌ منه إلاّ رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته، فإنهن الحقّ". رواه أبو داود وغيره (٢).

стр. 31

ومنه قوله ﷺ : "إن هذا الرجل لا يُحِبُّ الباطل" (١)، وهو مالا يَنفعُ النفع الباقي، وهو النافع في الآخرة، فكلُّ مالا ينفع في الآخرة فهو باطل، وإن كان لذةً حاضرةً، فإنها تزول وتُعَدُّ بلا نفعٍ يَبقى، فهي باطل بهذا الاعتبار. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٢)، فهذا باطل من الجهتين: من جهة أن استحقاق الإلهية معدوم، فهو لا ينفع ولا يضر؛ ومن جهة أن عبادته لا تنفع وإن كانت موجودة (٣) في الحياة الدنيا، فيومَ القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضًا. ومن هذا قوله ﷺ : أصدق كلمة قالها شاعر لبيد: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل (٤) قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ إلى قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٦). والثابت ضدّ الزائل، فالباطل الزائل الذي لا ينفع في الآخرة هو الذي شرع فيه الزهد، فالزهد مشروع في كل مالا ينفع في الآخرة، والورع مشروع في كلِّ ما قد يَضُرّ في

стр. 32

الآخرة. فالورع عن المحرمات واجبٌ، لأنها سبب الضرر، والورع عن الشبهات حسن، لأنه قد يكون في ذلك محرَّم، وقد يدعو الوقوع فيها إلى الوقوع في الحرام، كما في الصحيحين (١) عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حِمىً، ألا وإن حمى الله تعالى محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحتْ صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب". فقد بيَّن النبي ﷺ أنَّ من ترك الشبهات التي لا يعلم كثير من الناس أحلال هي أم حرام، استبرأ لعرضه ودينه، وإن وقع فيها وقعَ في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع، ويقرب أن يواقعه. وبيَّن أنّ حِمَى الله تعالى محارمُه التي حرَّمها، وفي هذا ما دلَّ على أن الشبهات لا تخفى على جميع الناس، بل كسبهم من غير الحَلال منها من الحرام. ومن تبين له ذلك فأخذ الحلال وترك الحرام لم يكن ممن وقع في الشبهات، وإنما الذي يقع فيها من لم يتبين له أحلالٌ هي أم حرام. وفيه ما دلَّ على أن شريعتَه في ترك الشبهات يتضمن سدَّ الذريعة، فإنها داعية إلى الحرام، وما كان ذريعة يترك، إلاّ إذا كان مصلحة فِعلُه راجح. مثال ذلك أن يشتبه عليه الحلال بالحرام، فلا يقطع بواحدٍ

стр. 33

منهما، فهذا يُرَغَّبُ في الترك، لأنه شبهة، إلا أن يكون إذا تركَ ذلك تضمن تَرْكَ واجب محقق أو فِعْلَ محرَّم محقق، فلا يكون حينئذ مرغبًا في ترك الشبهة، بل يكون مأمورًا بفعلها، لأنه إذا فعلَها لم يعلم أنه يأثم، وإذا تركها وتضمن ذلك تَرْكَ واجبٍ أو فعلَ محرَّمٍ كان إثمًا. والورع المشروع هو ما قاله ﷺ للحسن ﵁: "دع ما يَريبك إلى مالا يريبك" (١)، وهنا إذا تركه لم يدعه إلى مالا يريبه، بل إلى ماهو يريبه قطعًا، وذلك يظن أنه قد يريبه. ومثل هذه المسألة المشهورة عن الإمام أحمد ﵁، وقد ذكرها أبو طالب وأبو حامد وغيرهما في كتاب الورع للمروذي (٢) وغيره، أنه سُئِل عمَّن مات أبوه وعليه دَين، وله مالٌ فيه شبهة، وهو يتورع عن قبض ذلك المال، أيَدَع ذمةَ أبيه مرتهنةً فبيَّن ذلك الإمام أحمد ﵁ أن قضاءَ دَيْنِ الميت من المال الذي خلفه واجب، وأن الوارث عليه أن يفعل ذلك، أو يُمكِّن الغرماء من قبضه، وإن لم يمكن قضاؤه إلاّ بفعل الوارث تعين عليه ذلك، فإنه واجبٌ على الكفاية، وهو متعين عليه إذ لم يقم من غيره. وأما قبضه الشبهة فليس محرمًا، بل ورعٌ مستحب، فكيف يفعل مستحبًّا بترك واجب؟. وهكذا مَن عليه دُيُون وله مالٌ يقضي به الديون، وفيه شبهة، فقضاء الديون واجب، والورع بقضاء الديون واجب، وليس تركُ الشبهة واجبًا. ولو قُدِّر أن في ملك الشبهة ظلم قليل (٣)، فهو أخفُ من

стр. 34

ظلم أرباب الديون بمنع حقوقهم. مثل أن يكون له ألف درهم فيها مئةٌ لغيره مثلاً، وعليه ألف درهم، فإذا لم يوفِ الغرماءَ حقوقَهم ظَلَمَهم بألف درهم، وذاك أعظم إثمًا من ظلم مئة، هذا إذا قُدَّر أنه لا يعرف قدر ما في مالِه من الظلم، وإلاّ فإذا عرف قَدْرَ ذلك فإنه يُخرِج مقدارَ الحرام، فيعطيه لمستحقّه إن عرفه، وإلا تعرف به وصرفه في مصالح المسلمين عنه إذا لم يعرفه، كما نُقِل عن السلف من الصحابة والتابعين، وهو مذهب أكثر الفقهاء، كمالك وأبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم، أعني صرفَه إذا جهل صاحبه إلى مصرف مالِ الله تعالى ورسوله ﷺ ، وهو صرفه في كل ما أمر الله تعالى به ورسولُه ﷺ . وليس هذا كاللُّقَطة التي له أن يتملكها، فإن اللقطة عرَّفها حولاً وأخذها بفعله، فإذا لم يجد صاحبها صارت بمنزلة ما يملكه من المباحات بفعله ما دام صاحبها مجهولاً، وله أن يتصدَّق بها عنه، فإن عرف صاحب المال في الموضعين فالأمر إليه، إن شاء أجاز ما فعله من تصرفه لنفسه أو صدقة بها عنه، وإن شاء ردَّ ذلك وطلبَ بدلَ مالِه، كما قال الصحابة ﵃ مثل ذلك في المال، وفي امرأة المفقود أيضًا، قالوا: يُخيَّر الزوجُ القادمُ بين المرأة وبين مهرها، وهو مبني على هذا، فإنه لمّا انقطع خبرُه جاز التصرفُ في بُضْعِ امرأته، كما جاز التصرف في المال الملتقط الذي جهل صاحبه، وفي غيرِه، ثم ظهر خبرُه، صارَ حينئذٍ مخيَّرًا، وكان ذلك التصرف الأول الذي كان مع عدم العلم به جائزًا باطنًا وظاهرًا، كمالِ اللقطة، فإنه بعد حلول التعريف يملك الملتقَط باطنًا وظاهرًا، وكذلك يملكه من تصدق عليه، فإذا جاء المالك وطلبه عادَ إليه ملكًا جديدًا.

стр. 35

وأمّا الشبهة إذا اجتنبها أوقعتْه فيما يتردد بين الكراهة والتحريم قطعًا، فهذا مما يتنازع الفقهاء فيه، مثل إذا شكَّ من الطلاق الثلاث فمن الفقهاء من يستحب له اجتنابها، بل يستحبون له إيقاع الطلاق يقينًا لتُباحَ لغيره بلا شك، مثل أن يقول: إن لم يكن وقع بكِ فقد أوقعتُه بكِ. ومنهم من يَستحبُّ له إمساكَها، ويرى ذلك خيرًا (١) من مفارقتها ومن إيقاع الطلاق عليها، فإنه إذا ملكها لم يأثم، فإن الأصلَ عدمُ الطلاق، وإمساكُها جائزٌ لا إثم فيه، وأما الطلاق فهو مكروه أو محرَّم، فمن قَطَع بتحريمه فإنه يقطع بأنه ليس له أن يطلقها لأجل الشك، ومن قال مكروه فقد يتردد اجتهاده لكون كراهة الطلاق أشدّ أم كراهة إمساكها مع الشك. وأما من تردَّد هل الطلاق محرَّم أو مكروه فإمساكها أولى عنده، لأنه هناك متردد بين حلال وحرام، وهنا متردد بين حرام ومكروه. وأما من قال: الطلاق مباح لا كراهة فيه، فإيقاعُه عنده أولى من إمساكِها مع الشك. وقد بسطنا هذه المسائل في غير هذا الموضع. والصواب أن الطلاق في الأصل محظور، وإنما أُبيح للحاجة. والمقصود هنا أن ما لا يُستعانُ به على النفع الدائم فهو نفع يتعقبه، ومنه يُسمَّى العبث واللعب باطلاً، وإن كان العابث اللاعب فيه منفعتُه زائلة، [فهي] لما فيه من اللذة الحاضرة، لكن هو باطل إذا لم يُستعَن به على الحق الذي يَدُوم نفعُه. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا

стр. 36

وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (١). فإن الدنيا وإن كان فيها نوع لذة ومنفعة حاضرة فتلك زائلة منقطعة، فهي باطلة، والفعل لمثل ذلك من باب العبث واللعب، والله ﵎ منزَّه عن ذلك، إنما خلق هذا الذي ينقص ويزول لما يبقى ويدوم، والذي يبقى ويدوم هو الحق، والذي يزول وينقص قد فَسَد وهلكَ. ولهذا قيل في قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢): كلُّ عملٍ باطل إلاّ ما أريد به وجهُه. وفي الدعاء المأثور: "أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطلٌ إلاّ وجهك الكريم". وقد قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٢٧)) (٣). فهو الباقي الدائم، وما كان به وله فهو الباقي الدائم، وما لم يكن له فهو باطل فاسدٌ هالكٌ، لا يبقى ولا يدوم. قالوا لمالك بن أنس رحمه الله تعالى: إن فلانًا عَملَ موطَّأ مثلَ موطَّأِك، فقال: وطَّأوا ووطَّأنا، وما كان لله فهوَ يبقى (٤). ولما استقر في الفطر أن كل عمل لا يبقى نفعُه فهو عبث ولعبٌ وباطلٌ ، صار كلٌّ من اَلناس يُسمِّي مالا يبقى نفعُه بالنسبة إلى ما يبقى عبثًا وباطِلاً ولعبًا وباطلاً، فالصبيان إذا لعبوا سمَّى الرجالُ العقلاءُ فعلَهم لعبًا وباطلاً وعبثًا، وإن كان للصبيان فيه لذة ومنفعة حاضرة، لكنها لا تدوم وتبقى، بل إذا فَرَغوا من اللعب احتاجوا إلى أمورٍ لا

стр. 37

تحصل باللعب. فكان من اشتغل بما يحصِّل له قوتًا وكسبًا ونحو ذلك من المقاصد عندهم صاحب جِدٍّ وحَقٍّ، ليس بصاحب لعب وباطلٍ، فإن هذا يبقى ويدومُ وينفع أعَظم من ذاك؛ ومن كان عَنده أن الجاه والرئاسة والسلطان والملك أنفع وأبقى من المال، كان عنده من اشتغل بتحصيل المال وأعرضَ عن ذلك صاحبُ لعب وباطلٍ بالنسبة إلى مطلوبه ومقصودِه، فإن المال لا ينتفع به صاحبُه إلاّ إذا أخرجَه وأنفَقَه، فمنفعتُه في إذهابه، بخلاف الجاه، فإنه كلَّما قوي وحَصَل كان الانتفاع به أكثر، وصَاحبُه يُمكِنه أن يُحصل به من المال مالا يُمكِنُ صاحبَ المال أن يُحصِّل به من الجاه، فلهذا كان هذا أعقلَ وأكيسَ وأبعدَ عن اللعبِ والباطلِ من ذاك. ثم إن صاحب الحق الذي قد عَلِمَ أن الدنيا لا تدوم، فلا يدوم للإنسان فيها لا جاهٌ ولا مالٌ، بل هذا وهذا يقول يوم القيامة: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ (١). وقد روى الترمذي وغيرُه (٢) عن كعب ﵁ عن النبي ﷺ : "ما ذِئبانِ جائعانِ أُرسِلا في غنمٍ بأفْسَدَ لها من حِرْصِ المرءِ على المال والشرف لدينه". [قال] الترمذي: حديث حسن صحيح. بيَّن ﷺ أن حِرصَ المرءِ على المالِ والشرفِ والرئاسة يُفسِد الدينَ مثلَ أو أبلغَ من إفسادِ الذئبينِ الجائعينِ إذا أُرسِلا في زريبة غنم. وهذا الحرص صفة تقوم بالنفس، والدين هو الذي يبقى ويدوم نفعُه بعد الموتِ، فلو قُدِّر أن الإنسان طلبَ من

стр. 38

المالِ والشرف ما لا ينفعه بعد الموت، لكان صاحبَ باطلِ ولعب وعبث، فكيف إذا طلب ماهو صار له بعد الموت يُفسِد ما ينفعُه، كإفسادِ الذئبينِ الجائعين لزريبة الغنم. ولهذا إنما جعل ذلك الحرص على المال والشرف، والحرص يُوجِب الشُحَّ، فإن الشُحَّ أصله شدةُ الحرص. وفي الصحيحين (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "إياكم الشُّحَّ، فإن الشُّحَّ أهلكَ من قبلكم، أمرَهم بالبخل فبَخِلُوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعةِ فقطعوا". ورئيَ عبد الرحمن بن عوف ﵁ يَطوف وهو يقول: "رَب قِنِيْ شُحَّ نفسي، رب قِنِي شُحَّ نفسي"، فقيل له: ما أكثرَ ما تدعو بذلك! فقال: إذا وُقِيتُ الشحَّ وُقِيتُ البخلَ والظلمَ والقطيعةَ (٢). وذكر رجلٌ لابن مسعود ﵁ أنه يكره إخراجَ المال، أفشحيحٌ هو؟ فقال ابن مسعود ﵁: ذلك البخيل، وبئس الشيء البخل، ولكن الشُّحَّ أن تُحِبَّ أخذَ مالِ أخيك (٣). ولهذا الشحُّ كان أعظمَ من البخل، فإن البخيل يَبخَلُ بما عنده، والشُّحُّ هو شدَّة الحرص، فهو عمل على الحسد حتى يكره أن يُعطِيَ الله تعالى غيرَه من فضلِه، وعمل على الظلم والقطيعة حتى يأخذ مالَ غيرِه بغير حق. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً

стр. 39

مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). فمدح الأنصار بأنهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتي المهاجرون، أي لا يجدون في أنفسهم طلبًا لما أنعمه الله عليهم، بل نفوسهم غنية، وقد قال النبي ﷺ : "ليس الغِنَى عن كثرة العَرَضِ، وإنما الغِنَى غِنَى النفس" (٢). والحاسد والحريصُ أنفُسُهم فقيرة محتاجة لا غِنًى فيها، فالحاسد شر من البخيل، والمحسن إلى الناس أفضل من المستغني الذي لا يُحسِنُ. ولهذا جاء في الحديث (٣): "الصدقة تُطفِئُ الخطيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النارَ، والحسدُ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكُلُ النارُ الحطبَ". والحسدُ يكون على المال والجاهِ جميعًا، كما قد يكون على الدين والعلم، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٥). وإذا أحب أن يحصل له من الخير الذي حَبَاه الله تعالى مثلما حصل لغيره من غير زوال تلك النعمة عنه، فهذا غبطة، ويُسمَّى حسدًا لكنه حسن. كما في الصحيحين (٦) عن النبي ﷺ أنه

стр. 40

قال: "لا حَسَدَ إلا في اثنين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها، ورجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق". فإن هذا وهذا مما يحبها الله ورسوله ﷺ ، وسيجازى صاحبهما في الآخرة، فإذا أحب الرجل أن يكون له مثلُ ما لغيره من ذلك فهذا حسن، وهو من المنافسة التي رُغِّبَ فيها بقوله تعالى وتبارك: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). وأما إذا تمنى زوالَ النعمة عنه فهذا مذموم مَعِيْبٌ، وإن أحب أن يكون له مثلُها من المال والرئاسة من غير زوال لذلك عنه فهذا من جنس حبّ المال والرئاسة ابتداءّ، فهو باطلٌ وعبثٌ ولعبٌ، إلاّ ما يُنتفع به في الآخرة، والحرصُ عليه يُفسِد الدينَ كما تقدم. وقال شداد بن أوس ﵁ (٢): يا بقايا العرب! إن أخوفَ ما أخافُ عليكم الرياء والشهوة الخفية. قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: حبُّ الرئاسة. وقال سفيان الثوري ﵀: رأيناهم يزهدون في الطعام والشراب واللباس، فإذا نُوزعَ أحدُهم الرئاسةَ نَاطَحَ نِطاحَ الكِباش. فطُلَاّب الرئاسة عند الذين يريدون ما أحبَّه الله ورسولُه ﷺ أولى بالذمّ والنقص والعيب، من طلّاب المال عند طُلَاّب الرئاسة، حيث أرادوا مالا يدوم نفسُه ولا يبقى، بل يزول ويفنى، فطلبوا الباطلَ الذي يفنى، وتركوا الحق الذي يبقى. وقد قال بعضهم: لو كانت الدنيا ذهبًا يفنى، فكيف والدنيا خَزَفٌ يَفنى، والآخرة ذهبٌ يَبقَى! ولهذا قال السحرة لما آمنوا وتبيَّن لهم الحق، وقال لهم فرعون
следующие страницы →