ويُفسِّر الآية في مناسبات مختلفة.
ومهما يكن من أمرٍ فإن الرسائل والمسائل الموجودة في هذه المجموعة ثابتة النسبة إلى الشيخ بالمعايير التي تحدَّثتُ عنها في مقدمة المجموعة الأولى (ص ١١ - ١٢)، والتي يجب أن تُفحَص في ضوئها الكتب والرسائل التي تُنسَب إلى الشيخ، ولا يثبَت شيءٌ منها له إلاّ بعد التأكد من صحة نسبته إليه.
وقد أخطأ كثير من الباحثين والمفهرسين في نسبة بعض المخطوطات والمطبوعات إلى الشيخ، وعندي أمثلة كثيرة على ذلك لا مجال لذكرها في هذه المقدمة، وإنما أقتصر على ذكر مثالٍ طريفٍ منها، وأُبيِّن كيف وقع المفهرس في الوهم. وجدتُ في فهرس مخطوطات مكتبة جامعة علي كره بالهند (٢/ ١٢٩) ذِكرَ كتاب "عمل اليوم والليلة" ونسبتَه إلى الشيخ، وهو برقم [H.G. ٢/ ٣٣] ، ولما طلبتُ هذا المخطوط واطلعتُ عليه وجدتُه يبدأ بقوله: "الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، هذا جزء لطيف في عمل اليوم والليلة منتخب من الأحاديث والآثار، محرَّر معتبر، لخصتُه من كتابي "منهاج السنة" ومن "الكلم الطيب"، والله الموفق".
ومن هنا ضَلَّ المفهرس وانخدع، فنسب المخطوط إلى شيخ الإسلام، لأن "منهاج السنة" و"الكلم الطيب" من أشهر مؤلفاته، فيكون هذا المخطوط أيضًا له!! ولم يتأمَّل في باقي الكتاب ومنهج المؤلف فيه، ولم يقرأ تلك الأدعية التي فيها صريح التوسل بالنبي، ولم يساوره الشكُّ في أسلوب الكتاب الذي هو أبعد ما يكون من أسلوب شيخ الإسلام. وقد نفيتُ نسبتَه إلى الشيخ، وبدأتُ أبحث عن مؤلفه الحقيقي، وبمراجعة "كشف الظنون" (٢/ ١١٧٣) ظهر لي
стр. 702
أن من بين المؤلفين في "عمل اليوم والليلة": السيوطي العالم المشهور، وله "الكلم الطيب والقول المختار في المأثور من الدعوات والأذكار" (١)، و"منهاج السنة ومفتاح الجنة" (٢). فيكون المخطوط الذي بين أيدينا للسيوطي، وأسلوب الكتاب ملائم لأسلوبه المعروف في سائر كتبه. ثم وجدتُ الكتاب مطبوعًا بمطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٦٥ عن نسخة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، وفي آخره: "قال مؤلفه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي: فرغتُ من تأليفه في رجب سنة ٨٩٢ هجرية، والحمد لله رب العالمين". وبهذا تأكّدتْ نسبتُه إلى السيوطي، وانتفتْ عن شيخ الإسلام.
يجب علينا إذًا تحقيق نسبة الكتاب إلى المؤلف قبل التفكير في خدمته ونشره وتقديمه إلى القراء. وتشتدّ الحاجة إلى ذلك إذا أردنا نشر شيء من كتب شيخ الإسلام وغيرِه من أئمة السنة والحديث، لئلا يُنسَب إليهم من الآراء والاعتقادات ما هم بريئون منه، ولا يُجعَل ذلك ذريعة إلى القدح فيهم والنيل منهم.
• وصف الأصول المعتمدة
اعتمدت في نشر هذه المجموعة على أصول خطية من مكتبات مختلفة، وعلى بعض المجاميع المطبوعة التي تحوي رسائلَ للشيخ لم أهتدِ إلى مخطوطاتها في المكتبات. وفيما يلي وصف هذه الأصول:
_________
(١) ذكره السيوطي في "التحدث بنعمة الله" (ص ١١٢، ١٥٥)، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢/ ١٥٠٦).
(٢) "التحدث بنعمة الله" (ص ١٠٨)، و"كشف الظنون" (٢/ ١٨٧٢).
стр. 703
(١) "فصل في الفرق بين ما أمر الله به ورسوله من إخلاص الدين الله و ... ": هذه الرسالة والرسائل الآتية بأرقام (٢، ٩، ١٠، ١٢، ١٥، ١٨، ٢١) ضمن مجموعة خطية في مكتبة عاشر أفندي بإستانبول برقم [١١٥٤] (١)، وهي التي نشر منها الدكتور محمد رشاد سالم عدة رسائل ضمن المجموعة الأولى من "جامع الرسائل"، ووصفها في مقدمتها (صفحة ج-هـ). هذه المجموعة تحتوي على عدد كبير من رسائل الشيخ طبع أكثرها ضمن "مجموع الفتاوى" و"جامع الرسائل"، والبقية تتضمنها المجموعة التي بين أيدينا.
وقد تصحفتُ مصورة هذه المجموعة الخطية، فوجدتُ أن عدد الرسائل التي كانت فيها (حسب الفهرس الموجود في أولها) ٥٣ رسالة، منها ٥١ رسالة من مؤلفات شيخ الإسلام، ولكن الموجود منها الآن ٣٦ رسالة فقط، ونُزِعَتْ منها الأوراق (١١٢ - ١٣١، ١٥١ - ١٧٢، ٢١٠ - ٢٢٢، ٢٦٨ - ٦٧٩)، ففُقِدتْ ١٥ رسالة للشيخ و"رسالة في الكلام على الاستواء على العرش" لابن عبد الهادي.
ويظهر من عناوين الرسائل الضائعة أنها كانت في موضوعات التوحيد والشرك وزيارة القبور والاستغاثة والتوسل والتمذهب والتقليد واللعب بالشطرنج وحكم الحشيشة وغيرها، وكأن أحد القراء المتعصبين لم يعجبه كلام الشيخ في هذه الموضوعات، فنزع تلك الأوراق ومزَّقها لئلاّ يطلع الناس عليها. وظن أنه بفعله هذا يضيِّع ما كتبه الشيخ، ولكن الله حفظه في نسخ أخرى، وطُبع أكثر من طبعة، واستفاد منه الناس في العالم. وقد ظهر لي
_________
(١) انظر فهرس المكتبة (ص ٧٨) طبعة إستانبول ١٣٠٦.
стр. 704
بالتتبع أن معظم هذه الأوراق الضائعة والرسائل الناقصة توجد بتمامها في "مجموع الفتاوى" (ط. الرياض)، وفيما يلي إشارة إلى بعضها: -
- "فصل في قوله تعالى (وَجَعَلُوْا للهِ شُرَكَاَءَ قُل سَمُّوهُمْ) [ق ١١٢ - ١١٣،] (= مجموع الفتاوى ١٥/ ١٩٦ - ١٩٧).
- "فصل في قوله تعالى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [ق ١١٣ - ١١٤] (= مجموع الفتاوى ١٦/ ٤٨ - ٥١).
- "فصل في المعاني المستنبطة من سورة الكوثر" [ق ١١٤ - ١١٥] (= مجموع الفتاوى ١٦/ ٥٢٦ - ٥٣٣).
- "فصل في قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [ق ١١٧ - ١٢٩] (= مجموع الفتاوى ١٥/ ٦٢ - ٩٤).
- "فصل في قوله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ ... ﴾ [ق ١٢٩ - ١٣٦] (= مجموع الفتاوى ١٤/ ١٦٨ - ٢٠٠).
- "فتوى فيمن ينزل به حاجة من أمور الدنيا والآخرة ثم يقصد بعض قبور الأنبياء والصلحاء، ثم يدعو عنده في كشف كربته، هل هو سنة أم بدعة؟ " [ق ١٥٥ - ١٦٢] (= مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٥١ - ١٧٩).
- "رسالة جامعة في توحيد الله تعالى وإخلاص الوجه والعمل له" [ق ١٦٢ - ١٦٧] (= مجموع الفتاوى ١/ ٢٠ - ٣٦).
- "مسألة في الاستشفاع بالنبي ﷺ " [ق ٢١٠ - ٢١٥] (= مجموع الفتاوى ١/ ٣١٣ - ٣٦٨).
- "مسألة في رجل تفقه في مذهب من المذاهب الأربعة واشتغل
стр. 705
بعده بالحديث ... " [ق ٢١٥ - ٢١٧] (= مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢١٠ - ٢١٧).
- "فتوى في اللعب بالشطرنج" [ق ٢١٧ - ٢١٨] (= مجموع الفتاوى ٣٢/ ٢١٦ - ٢٣٩).
هذه بعض تلك الرسائل والفتاوى التي فُقِدت من المجموعة، ولكنها بقيت محفوظةً بحمد الله في نسخ أخرى، ولم تنجح محاولة إخفائها وتضييعها من قبل بعض القراء.
كتبت رسائل هذه المجموعة بخطوط مختلفة، بعضها في سنة ٧٣٥، وبعضها في سنة ٨١٩. وأغلبها بدون تاريخ، كتبه ناسخ غير معروف بخط نسخي واضح جميل يغلب عليه الصحة، ولعله من خطوط القرن التاسع. وجميع رسائل الشيخ فيها (ما عدا "الواسطية") بهذا الخط، ومنها الرسالة الأولى من مجموعتنا هذه، وتقع بين (الورقة ١٤٨ - ١٥٥)، والموجود منها الآن إلى الورقة ١٥١ ب، ثم يبدأ الخرم الذي ذهب ببقية هذه الرسالة ورسائل أخرى تليها، كما أشرت إلى ذلك قريبًا، ولم أجد نسخة أخرى تُكمل النقص.
(٢) "فصل في حق الله وحقّ عبادته وتوحيده": هذه الرسالة أيضًا ضمن المجموعة السابقة (ق ٢٤٣ ب-٢٤٧ ب).
(٣) "رسالة إلى المنسوبين إلى التشيع وغيرهم في العراق ومشهد المنتظر": توجد نسخة فريدة منها في دار الكتب المصرية برقم [٢٥٧٧ تصوف] (١)، ومعها "الرسالة القبرصية" للشيخ. وهما بخط
_________
(١) انظر الفهرس الثاني للدار (١/ ٣٠٩).
стр. 706
نسخي جميل، كتبه محمد بن سليمان بن داود ابن الجوهري الشافعي، كما هو مثبت على صفحة العنوان.
(٤) "مسألة في قصد المشاهد المبنية على القبور للصلاة والنذر وقراءة القرآن وغير ذلك": توجد النسخة الخطية منها في مكتبة تشستربيتي برقم [٤٧٣٣] ضمن مجموعة في ١٦٣ ورقة تحتوي على رسائل مختلفة (١)، وفي أولها فتاوى للشيخ (ق ١ - ٤٧) بعنوان "فصل من فتاوى شيخنا الشيخ الفاضل الكامل فريد دهره وحيد عصرِه الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية أمتعنا الله بحياته". وفيها ١٥ فتوى للشيخ في موضوعات متنوعة، نشر معظمها ضمن "مجموع الفتاوى" وغيره، ومما لم يُنشر هذه المسألة التي تقع في (الورقة ٨ ب-٢٧ ب). والمجموعة بخط نسخي واضح، وليس عليها تاريخ النسخ، ولعلّها من القرن الثامن، وكتبت في حياة الشيخ كما تدل على ذلك عبارات الدعاء في أول المجموعة وفي مواضع مختلفة من الفتاوى. وقد كانت هذه المجموعة في ملك السيد محمد شريف رزاز سنة ١٢٤٣، وفي ملك السيد محمد زكي سنة ١٢٩٨ كما يظهر من كتابتهما على صفحة العنوان. وعليها ختم "محمد بيري" مما يدل على أنها كانت في حوزته أيضًا.
(٥) "فصل فيمن يعظّم المشايخ ويستغيث بهم ويزور قبورهم": توجد نسختها الخطية أيضًا في مكتبة تشستربيتي برقم [٣٢٩٦] ضمن مجموعة تحوي ١٥ رسالة (٢)، منها الفتوى المذكورة التي عُنوِنتْ
_________
(١) انظر فهرس المكتبة -بالإنجليزية- (٦/ ٧٣ - ٧٤).
(٢) انظر فهرس المكتبة (٢/ ١٩ - ٢٣).
стр. 707
بـ "في السماع" في المجموعة وفي الفهرس، وهي وإن شملت الجواب عن حضور مجلس السماع أيضًا في أسطر قليلة، إلَاّ أنَّ معظمها في تعظيم المشايخ والاستغاثة بهم وزيارة قبورهم والنذر لها وما إليها. وتشغل هذه الفتوى الأوراق (٧ ب-١١ أ)، وهي مكتوبة بخط نسخي جيد، ومقابلةٌ على الأصل المنسوخ عنه. وليس عليها تاريخ النسخ، ولعلها من مخطوطات القرن العاشر.
(٦) "مسألة في تأويل الآيات في المعية وإمرار أحاديث الصفات كما جاءت": أصلها ضمن مجموعة في مكتبة تشستربيتي برقم [٣٥٣٧]، تحتوي على عدة رسائل وفتاوى للشيخ (١)، وهي بخط علي بن حسن بن محمد الحرَّاني كما في آخر المجموع، وقد فرغ من نسخ هذه المسألة في خامس ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبع مئة. والمسألة المذكورة تبدأ بالورقة (٦٠ ب)، ثم تضطرب اضطرابًا شديدًا، وتتداخل مع المسألة التالية في نسبة البارئ تعالى إلى العلو (الآتية برقم ٧) والتي تبدأ بالورقة (٦٦ أ)، وقد تأمَّلتُ في المسألتين، ونظرتُ في الأوراق التي قبلهما وبعدهما، وقرأتُ المجموعةَ بعناية، حتى اهتديتُ إلى ترتيب الكلام فيها، وتمكنتُ من استخراج المسألتين منها، وهما في المجموعة حسب ما يلي:
- "مسألة في تأويل الآيات في المعية ... " (الورقة ٦٠ ب- ٦٣ أ/ سطر ١٢، ثم الورقة ٥٣ ب/ سطر ٨ - ٦٠ ب/ سطر ١٥، ثم الورقة ٧٢ أ/ سطر ٩ - ٧٤ أ/ سطر ١٤، ثم الورقة ٦٣ أ/ سطر ١٢ - ٦٥ ب نهاية المسألة).
_________
(١) انظر فهرس المكتبة (٣/ ١٨ - ١٩).
стр. 708
- "مسألة في نسبة البارئ تعالى إلى العلو" (الورقة ٦٦ أ-٧٢ أ/ سطر ٨). وما بعدها من المسألة السابقة، ولم أجد تتمتها ضمن هذه المجموعة.
(٧) "مسألة فيمن قال: إن نسبة البارئ تعالى إلى العلو من جميع الجهات المخلوقة": هي ضمن المجموعة السابقة كما ذكرنا، وناقصة من آخرها، ولم أجد لها نسخة ثانية تكمل النقص.
(٨) "مسألة في العلو": توجد منها عدة نسخ في مكتبات مختلفة:
أ- نسخة في مكتبة برلين برقم [We. ١٥٣٨] . (الورقة ٥١ ب- ٥٥ أ) (١) ضمن مجموعة أولها "التدمرية"، مكتوبة سنة ١١٨٠.
٢ - نسخة في مكتبة ميونخ برقم [٨٨٥/ ٥] (الورقة ٤١ - ٥١)، ضمن مجموعة تحتوي على رسائل مختلفة للشيخ وغيره (٢)، وهي بخط نسخي جيد. وبعض رسائل هذه المجموعة مؤرخة بسنة ٧٣١ و ٧٣٥ و ٧٣٩، والمسألة المذكورة غير مؤرخة، إلا أنها مكتوبة في القرن الثامن.
٣ - نسخة في مكتبة غوطا بألمانيا برقم [٨٤/ ٣] ذكرها بروكلمان في كتابه "تاريخ الأدب العربي" (الملحق ٢/ ١٢٢) مع النسختين السابقتين.
٤ - ٦: ثلاث نسخ بعنوان "الجواب الفاصل بتمييز الحق من الباطل" في مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض بالأرقام الآتية:
_________
(١) انظر فهرسها (٢/ ٥٣١ - ٥٣٢) برقم ٢٣١١.
(٢) انظر "إطلالة على العالم الفسيح بين الشرق والغرب" للأستاذ حمد الجاسر (ص ٢٤ - ٢٥).
стр. 709
[١٧٣٧/ ٨ م] (ص ١٣٤ - ١٣٦)، وهي نسخة ناقصة الآخر، بخط نسخ معتاد، كتبت في القرن الثالث عشر تقديرًا.
[٢٢٦٣/ ٣ م] (ص ١٢٦ - ١٣٥)، نسخة جيدة بخط نسخ معتاد، كتبت في القرن الثالث عشر تقديرًا.
[١٦٣٩/ ٢٠ م] (ص ٤٤٧ - ٤٥٦)، ضمن مجموع بخط نسخ معتاد، كتبه عبد الله بن إبراهيم بن محمد المعروف بالربيعي سنة ١٣٥٠ (١).
وتوجد هذه المسألة مع اختلاف كثير ضمن "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" للألوسي (ص ٤٣٧ - ٤٤٩ من طبعة المدني سنة ١٤٠١)، ومقتطفات منها في "مجموع الفتاوى" (٥/ ٢٥٦ - ٢٦١).
وقد اعتمدت في تحقيقها هنا على النسخ القديمة، واستعنت بما في "جلاء العينين" دون إثبات جميع الفروق، فإنها كثيرة وقليلة الجدوى.
(٩) "قاعدة شريفة في الرضا الشرعي ... ": أصلها من مجموعة عاشر أفندي الموصوفة برقم (١)، وهي فيها (الورقة ٢٥٨ أ- ٢٥٩ ب).
(١٠) "فصل: الأقوال نوعان": هذا أيضًا من مجموعة عاشر أفندي (الورقة ٢٠٧ أ- ٢٠٨ أ). ومنه نسخة أخرى ضمن المجلد ٤٦ من "الكواكب الدراري" بالمكتبة الظاهرية بدمشق.
(١١) "قاعدة في شمول آي الكتاب والسنة والإجماع أمرَ الثقلين الجن والإنس": توجد نسختها الخطية في المكتبة الأزهرية برقم [١٨٢ مجاميع] ٤٤٨٥، وهي بخط عبد المنعم البغدادي الحنبلي بتاريخ سادس عشر من صفر سنة ٧٦٦.
_________
(١) انظر وصف النسخ الثلاث في فهرس مخطوطات جامعة الملك سعود (٥/ ٤٦ - ٤٧).
стр. 710
(١٢) "مسألة فيمن قال: إن عليًا أشجع من أبي بكر": أصلها ضمن مجموعة عاشر أفندي بتركيا (الورقة ١٧٩ ب- ١٨٠ ب).
(١٣) "تفسير أول العنكبوت": توجد نسخته الخطية ضمن المجلد ٣٩ من "الكواكب الدراري" في الظاهرية برقم [٥٦٧] (الورقة ٢٠٥ أ - ٢٠٧ أ) وهو ملحق بكتاب "الفوائد" لابن القيم (ص ٢٠٧ - ٢١٢ من الطبعة المنيرية سنة ١٣٤٤).
(١٤) "مسألة في قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... ﴾: أصلها ضمن مجموعة في مكتبة تشستربيتي برقم [٤٧٣٣] (الورقة ١٤ أ-١٥ أ). وقد سبق وصف هذه المجموعة برقم (٤).
(١٥) "قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات ... ": هي من مجموعة عاشر أفندي (الورقة ١٨٢ أ-١٨٧ ب).
(١٦) "مسألة في إخوة يوسف هل كانوا أنبياء؟ ": لم أعثر على نسختها الخطية، وقد نقلها السيوطي ضمن "الحاوي للفتاوي" (١/ ٣١١ - ٣١٢ من الطبعة المنيرية ١٣٥٢).
(١٧) "فتوى في قراءة القرآن بما يُخرِجه عن استقامته": هي ضمن مجموعة في مكتبة جامعة برنستون برقم [٤٠٩٨] (الورقة ٦١ ب- ٦٢ أ)، كتبت في القرن التاسع تقديرًا (١)، وهي بخط نسخي جيد.
(١٨) "رسالة في قوله ﷺ : إذا دخل أحدكم على أخيه ... ": هي من مجموعة عاشر أفندي السابقة (الورقة ٢٠٨ ب-٢٠٩ أ).
(١٩) "جواب سؤال سائل عن حرف لو": توجد منه نسخة خطية
_________
(١) انظر فهرس المكتبة (ص ٢١) رقم ٢١٤ بعنوان "فتوى في قراءة القرآن".
стр. 711
في دار المخطوطات الوطنية بقبرص برقم [٢/ ١١٣٨ A] (الورقة ٧٩ ب وما بعدها)، كتبت في القرن العاشر (١). وقد أورده السيوطي في "الأشباه والنظائر في النحو" (٣/ ٢٨٨ - ٢٩٢ من طبعة حيدرآباد ١٣٦١) نقلا من خطّ البرزالي.
(٢٠) "فصل في مؤاخذة ابن حزم في الإجماع": توجد منه نسخة خطية ضمن مجموعة في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم [مجاميع ٦٤٥٤] (٢)، تحتوي على ثماني رسائل للشيخ أولها "التدمرية". وهي مكتوبة في نهاية القرن الثالث عشر. وقد طبعت مفرقةً بهامش كتاب "مراتب الإجماع" لابن حزم (طبعة القدسي سنة ١٣٥٧). وفي المطبوعة أخطاء في مواضع.
(٢١) "رسالة في بيان الصلاة وما تألَّفت هي منه": توجد منها نسختان خطيتان، إحداهما في مجموعة عاشر أفندي السابقة (الورقة ١٦ أ-١٧ ب)، والثانية في مكتبة الإسكوريال برقم [١٥٩٣] (الورقة ٦٢ أ-٦٥ أ)، وهي بخط نسخي جيد، وليس عليها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، ولعلها من مخطوطات القرن العاشر. والنسخة الأولى أصح من الثانية، كما ظهر لي بالمقابلة بينهما.
(٢٢) "فتوى في أمر الكنائس": لم أعثر على نسختها الخطية، وقد أوردها ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" (٢/ ٦٧٧ - ٦٨٦ طبعة دار العلم للملايين سنة ١٩٦١ م).
(٢٣) "مسألة فيمن يُسمِّي خميس النصارى عيدًا": توجد منها
_________
(١) انظر فهرس المخطوطات الإسلامية في قبرص (ص ٣٨٢).
(٢) انظر الكشاف عن مخطوطات خزائن كتب الأوقاف (ص ٢٦٩).
стр. 712
نسختان خطيتان، إحداهما في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم [٢٩٦١ عام] (الورقة ٧٦ ب- ٧٨ أ)، كتبت سنة ٧٥٣ (١). والثانية في مكتبة تشستربيتي برقم [٣٢٩٦]. (الورقة ١٤ ب-١٥ أ)، وهي نسخة مقابلة مصححة بخط نسخي جيد، كتبت في القرن العاشر تقديرًا (٢).
(٢٤) "فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر": توجد النسخة الخطية منه في مكتبة تشستربيتي برقم [٣٥٣٧] (الورقة ٤٢ أ- ٤٣ أ). وقد سبق وصفها برقم (٦).
(٢٥) "مسألة في تلاوة القرآن والذكر أيهما أفضل": أصلها ضمن المجموعة السابقة في مكتبة تشستربيتي برقم [٣٥٣٧] (الورقة ٤٠ ب-٤١ أ). وقد أشار الشيخ في هذه المسألة إلى فتاوى أخرى له في هذا الموضوع، يُوجد بعضها في "مجموع الفتاوى" (٢٣/ ٥٦ - ٦٠، ٦٢ - ٦٣).
(٢٦) "فتوى في السماع": توجد نسختها الخطية ضمن مجموعة في مكتبة تشستربيتي برقم [٤٧٣٣] (الورقة ٣٠ أ-ب)، وقد سبق وصفه برقم (٤).
(٢٧) "مسألة في رجلٍ شتم شريفًا": توجد منها نسختان خطيتان، إحداهما في المجموعة السابقة في مكتبة تشستربيتي برقم [٤٧٣٣] (الورقة ١٠ ب-١١ ب). والثانية في مكتبة المدرسة القادرية ببغداد، ضمن مجموعة من فتاوى الشيخ بخط حديث من القرن الرابع عشر بقلم محمد بن علي بن الملا أحمد.
_________
(١) انظر فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية [المجاميع] (٢/ ١٣٧).
(٢) انظر فهرس المكتبة -بالإنجليزية- (٢/ ٢٠).
стр. 713
(٢٨) "قاعدة في حضانة الولد": توجد منها نسخة خطية في المكتبة الأزهرية برقم [١٨٢ مجاميع] ٤٤٨٥) (الورقة ١٦٣ - ١٧٦) (١)، وهي بخط عبد المنعم البغدادي الحنبلي، كتبها في شهر ربيع الأول سنة ٧٦٤. والنسخة مقابلة على أصلها، فقد كتب في آخرها: "بلغ مقابلةً بحولِه ومنِّه، فصحّح حسب الطاقة في ليلة صباحُها خامس عشر شهر ربيع الأول من شهور سنة الأربع والستين وسبعمائة، أحسن الله عاقبتها بمنّه وكرمه".
ومنها نسخة ثانية بعنوان "حضانة الصغير" في مكتبة غوطا بألمانيا برقم [٧١/ ٦] (الورقة ٨٢ - ١٠٠)، وثالثة في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم [٣٨٣٥] (الورقة ١٢٢ - ١٣٢) وهي ناقصة من آخرها.
وبعد، فهذا وصف موجز للأصول المعتمدة في إخراج هذه المجموعة الثالثة من "جامع المسائل"، وقد سبق أن ذكرتُ منهج التحقيق في مقدمة المجموعة الأولى منه (ص ٢١)، فأكتفي بالإحالة إليها.
وفي الختام أحمد الله تعالى على توفيقه، وأشكره على تيسيره، وأسأله المزيدَ من فضله والإعانةَ على إصدار بقية الكتب والرسائل، إنه نعم المولى ونعم النصير.
محمد عزير شمس
_________
(١) انظر فهرس المكتبة (٢/ ٦٤٦).
стр. 714
- نماذج من النسخ الخطية
стр. 715
فصل في الفرق بين ما أمر الله تعالى به ورسولُه من إخلاص الدين لله وشريعته، وبين ما نهى عنه من الإشراك والبدع في زيارة القبور ونحو ذلك
стр. 716
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآلِه أجمعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فهذا فصلٌ في الفرق بين ما أمر الله تعالى به ورسولُه من إخلاصِ الدين لله وشريعتهِ، وبين ما نهى عنه من الإشراك والبدع في زيارة القبور ونحو ذلك، فنقول:
زيارة القبور جائزة، سواء كان الميِّتُ مسلمًا أو كافرًا، لكن يُفرَّق بينهما في الزيارة، فأما الكافر فيُزَار قبرُه ليُذكر الموت، ولا يجوز الاستغفارُ له ولا الدعاءُ له بالرحمة ونحو ذلك، لما ثبت في الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تُذكِّر الآخرة". وثبتَ عنه في الصحيح (٢) أنه قال: "استأذنتُ ربّي في أن أزورَ قبرَ أمي فأَذِنَ لي، واستأذنتُه في أن أستغفر لها فلم يأذن لي. فزوروا القبور فإنها تُذكِّر الآخرة".
وقد زار أمَّه في ألف مقنع عام فتح مكة، فبكى وأبكى من حولَه، وقد كانت أمُّه ماتتْ كافرة فيِ الجاهلية قبل أن يَبلُغَ النبي ﷺ .
وكذلك في الصحيح (٣) أنه حَضرَ عمَّه أبا طالب حينَ موته، وعنده أبو جهلٍ وعبد الله بن أبي أمية، فقال: "يا عَمِّ! قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله"، فقالا: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: "لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك"، فأنزل الله تعالى:
стр. 717
(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)) (١). وذلك أن بعض المسلمين احتِج بأن إبراهيم وعدَ أباه بالاستغفار، واستغفرَ له بقوله (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)) (٢)، فأجاب الله عن ذلك، وأمرنا أن نتأسَّى بإبراهيم في موعده بالاستغفار لأبيه، فقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) الآيات (٣). فذكر سبحانَه أن المؤمنين لهم أسوة حسنة في إبراهيم والمؤمنين معه إذ تبرَّءوا من المشركين وما يعبدون من دون الله، إلا في هذا القول الذي قاله إبراهيم لأبيه، فإنهم ليس لهم في ذلك أسوة.
وأما زيارة قبور المؤمنين من الأنبياء والصالحين وغيرهم فإنها من جنس الصلاة على جنائزهم، قال الله تعالى في المنافقين: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)) (٤)، فنهى نبيه عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم لأجل أنهم كفار، وكان ذلك دليلاً على أن المؤمنين يُصلَّى عليهم ويُقامُ على قبورِهم. وهذه كانت سنة رسولِ الله ﷺ في
стр. 718
المؤمنين، فإن الصلاة على المسلمين مشروعة بسنة رسول الله ﷺ المتواترة بإجماع المؤمنين، وهي فرض على الكفاية. وقد قال النبي ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراطٌ، ومن اتبعها حتى يُدفَن فله قيراطانِ أدناهما مثلُ أُحُد" (١).
وكذلك بعد الدفن يُستَحبّ أن يُزارَ فيُسَلَّم عليه ويُدعَى له بالمغفرة والرحمة ونحو ذلك. ويُستحبُّ حينَ الدفنِ أن يُدعَى له أيضًا، كما ثبت في سنن أبي داود (٢) عن عثمان عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا دفنَ الميِّتَ أصحابُه: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيتَ، فإنه الآن يُسأل". أي اسألوا له أن يُثبِّتَه الله بالقول الثابت، كما قال تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)) (٣)، وقد ثبت في الصحيحين (٤) عن النبي ﷺ أن هذه الآية نزلتْ في عذاب القبر حينَ يُسأَلُ الميِّتُ: مَن ربُّك وما دينُك ومن نبيُّك؟
وأما بعد الدفن، فكما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يأمر أصحابَه إذا زاروا القبورَ أن يقولوا: "سلامٌ عليكم أهلَ دارِ قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تَحرِمْنا أجرَهم ولا تَفتِنَّا بعدَهم، واغفر لنا ولهم" (٥).
стр. 719
وثبت أيضًا في الصحيح أنه كان يخرج إلى أهل البقيع، فيدعو لهم ويستغفر لهم (١). وثبت أيضًا في الصحيح أنه خرج إلى شهداء أُحد قبل موته، فصلَّى عليهم ودعا لهم (٢).
فهذان أمران مشروعان: السلام على الميت والدعاء له. وقد قال ابن عبد البر (٣): ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من رجلٍ يَمُرُّ بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا، فيُسَلِّم عليه، إلا ردّ الله عليه روحَه حتى يَرُدَّ ﵇" (٤).
وفي سنن أبي داود (٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما من رجلٍ يُسَلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇".
وفيه أيضًا أنه قال: "أكثروا عليَّ من الصلاة يومَ الجمعة وليلةَ الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليَّ "، فقالوا: كيف تُعرَض صلاتُنا عليك وقد أَرِمتَ؟ فقال: "إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء" (٦).
وأما الدعاء حين الزيارة فمن جنس الدعاء في صلاة الجنازة، كلُّ ذلك حقّ للميت وعملٌ صالح من الحيّ، مثل الصلاة على النبي ﷺ
стр. 720
والسلام عليه، وسؤال الله له الوسيلةَ، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة وغيرها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (١). وقد ثبت في الصحيح (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "من صلَّى عليَّ مرةً صلى الله عليه عشرًا". وثبت في الصحيح (٣) أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلةَ حلَّتْ عليه شفاعتي يوم القيامة".
وثبت في الصحيح (٤) عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من رجلٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكَّلَ الله به ملَكًا كلَّما دعا لأخيه بدعوةٍ قال الملكُ به: آَمين، ولك مثل ذلك".
فأمَّا [ما] يُسمِّيه كثيرٌ من الناس زيارةً هي من جنس الإشراكِ بالله وعبادة غيرهِ، مثل السجود لبعض المقابر التي يُقال إنها من قبور الأنبياء والصالحين وأهل البيت أو غيرهم ويسمُّونها المشاهد، أو الاستعانة بالمقبور ودعائِه ومسألتِه قريبًا من قبره أو بعيدًا منه، مثل ما يفعل كثير من الناس-: فهذا كلُّه من أعظم المحرَّمات بإجماع المسلمين، وهو من جنس الإشراك بالله تعالى، فإن المسلمين (٥) متفقون على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يدعوَ أحدًا ويتوكَّلَ عليه ويرغبَ
стр. 721
إليه في المغفرة والرحمةِ وتفريج الكُرباتِ وإعطاءِ الطلباتِ إلا الله وحده لا شريك له، ولا يسجد لغَيرِ الله لا لحيٍّ ولا لميّتٍ، حتى إن النبي ﷺ نهى أمتَه عن اتخاذ القبور مساجدَ لئلاّ يُفضِي ذلك إلى الشرك. ففي صحيح مسلم (١) عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال قبل أن يموتَ بخمسٍ: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبورَ مساجدَ، إلا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإني أنهاكم عن ذلك". وفي الصحيحين (٢) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يُحذر ما فَعَلوا. قالت عائشة (٣): ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا.
وفي الصحيحين (٤) أيضًا أنّ أم سلمة وأم حبيبة ذكرتَا النبي ﷺ كنيسةً رأينَها بأرض الحبشة، وذكرتَا حُسنَها وتصاويرَ فيها، فقال النبي ﷺ : "إن أولئك إذا ماتَ فيهم الرجل الصالح بَنَوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصُّور، أولئك شرُّ الخلق عند الله يوم القيامة".
وفي مسند الإمام أحمد (٥) عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ من شِرار الناس مَن تُدرِكهم الساعةُ وهم أحياءٌ، الذين يتخذون القبور مساجد".
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لَعن الله زوَّاراتِ القبور
стр. 722
والمتخذين عليها المساجد والسُّرُجَ". رواه أهل السنن (١)، وصححه الترمذي أو حسَّنَه.
فلَعَن النبي ﷺ من يتخذ القبور مساجد ويُسرج عليها سُرُجًا كالشمع والقناديل ونحو ذلك، مثل ما يفعله كثير من الناس، وهذا ما اتفقَ عليه أهلُ العلم، فلم يتنازعوا في أنَّ ذلك غيرُ مشروع، بل يُنهَى عنه، حتى قال العلماء: من نَذَر لنبي أو غيرِ نبيّ شمعًا أو زيتًا أو نحو ذلك فإنَّه نذرُ معصيةٍ لا يجوزُ الوفاءُ به، لكن منهم من يَجعلُ عليه كفَّارةَ يمينٍ، ومنهم من يقول: لا شيء. وإذا صَرَفَ ذلك إلى مسجدٍ يُعبَد الله فيه وحده لا شريك له، أو صَرَفه إلى فقراء المسلمين المؤمنين الذين يَستعينونَ به على عبادةِ الله كان حسنًا. وقد ثبت في صحيح البخاري (٢) عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "من نَذَر أن يُطيعَ الله فليُطِعْه، ومَن نَذَر أن يَعصِيَ اللهَ فلا يَعصِه".
وأما اعتقادُ بعض الجهّال أن حاجتَه قُضِيتْ بسبب هذه النذور فهذا جهلٌ وضلالٌ، فإن نذرَ الطاعة الذي يجب الوفاءُ به لا يُفيد في قضاء الحوائج، ولا يُستَحبّ بل يُكرَه، فكيف نذرُ المعصية؟ وقد ثبتَ في الصحيحين عن النبي ﷺ من غيرِ وجهٍ أنه نَهَى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُستَخرج به من البخيل" (٣). وقال: "إنّ النذر يَرُدُّ ابنَ آدمَ إلى القدر، فيعطي على النذر ما لم يُعطه على غيره" (٤).
стр. 723
لكن إذا كان المنذور طاعة لله تعالى -مثل الصلاة المشروعة والصوم المشروعِ والحج المشروع والصدقة المشروعة ونحو ذلك- فهذا يجب أن يُوفَى، وإن كان عَقْدُه مكروهًا، لقولِ النبي ﷺ : "من نَذَر أن يُطيع الله فليُطِعْه، ومن نَذَر أن يَعصِيَ الله فلا يَعْصِه" (١).
وأما إذا كان المنذورُ ليس طاعة لله فلا يجب الوفاء به، بل عليه كفّارةُ يمينٍ لتركِه عند طائفة من أهل العلم، لما ثبتَ في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "كفارةُ النذر كفارةُ يمين" (٢). وفي السنن عنه أنه قال: "لا نذرَ في معصية، وكفارتُه كفارةُ يمين" (٣).
وأما إذا كان المنذور معصيةً، مثل أن ينذرَ لوثنٍ من الأوثان: كالنذر للأصنام التي كانت تَعبُدها العرب، والبُدود التي تعبدها الهند والزُّطُّ (٤)، والنذر لكنيسةٍ أو بيْعةٍ، أو النذر لغير نبي أو رجلٍ صالح أو غير ذلك، فهذا كلُّه لا يجوَز الوفاءُ به بإجماعِ المسلمين.
وإن كان في المنذور طاعة ومعصية أُمِرَ بفعل الطاعة ونُهِيَ عن فِعل المعصية، وإن كان الناذرُ يَعتقد أنها طاعة، كما في صحيح البخاري (٥) عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجلٍ قائم، فسألَ عنه، فقالوا: أبو إسرائيلَ نَذَر أن يقومَ في الشمس، فلا يقعدَّ وَلا يَستظلّ ولا يتكلَّم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مُرُوهُ فلْيتكلمْ
стр. 724
ولْيستظِلَّ ولْيقعدْ ولْيُتمَ صومَه".
وهكذا حكمُ جميع العقود والعهود التي يأخذها المشايخ وغيرهم على الناس، يُوفى منها ما كان طاعةً الله عزَّوجلّ، ولا يُوفَى منها بدينٍ لم يَشرعْه الله.
وكذلك لا يُشْرَعُ بإجماع المسلمين أن يَبنيَ مسجدًا على قبرٍ من القبور، بل هذا يُنْهَى عنه باتفاق المسلمين، وهو محرَّمٌ نَهى النبي ﷺ عن ذلك، ولَعنَ من يفعل ذلك.
والمساجدُ المبنيةُ على القبور يُشرَعُ باتفاق المسلمين إزالتُها ويَجب ذلك، فإن كان المسجد قِبَلَ القبر فإنه ينبغي أن يُسَاوَى القبرُ ويُزالَ أَثَرُه، أو يُعادَ المسجدُ إلى ما كان. وإن كان المسجدُ يُبني على القبر فيُهدَم المسجدُ ويُزَال، كما هُدِمَ مسجدُ الضرار الذي قال الله تعالى فيه: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)) (١).
ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ يأمرون بهدمِ مثلِ ذلك، كما روى حرب الكرماني عن زيد بن ثابت أن ابنًا له ماتَ، فاشترى غلامٌ له جَضًا وآجُرًّا لِيَبنيَ على القبر، فقال له زيد: حفرتَ وكفرتَ، أتُريد أن
стр. 725
تَبنيَ على قبرِ ابني مسجدًا؟ ونهاه عن ذلك.
ولهذا لما فتح المسلمون تُسْتَر- التي يُسمونها العجمُ "شُشْتَر"- وجدوا عندها قبرًا عظيمًا قالوا: إنه قبرُ دانيال، ووجدوا عنده مصحفًا. قال أبو العالية: أنا قرأتُ ذلك المصحف، فإذا فيه أخباركم وسِيَرُكُم ولحونُ كلامكم، وشَمُّوا من القبر رائحةً طيبةً، ووجدوا الميتَ بحالِه لم يَبْلَ، فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب، فأمره أن يحفِرَ بالنهار بضعةَ عشرَ قبرًا، فإذا كان الليلُ دَفَنَه في قبرٍ من تلك القبور لِيَخفَى أثرُه، لئلا يُفتَتَنَ به الناسُ، فينزلون به ويُصلُّون عنده ويتخذونه مسجدًا (١).
وقد اتفق المسلمون على أن الصلاةَ عند القبور غيرُ مشروعة، فلا تجب ولا تُستَحبّ، ولم يَقُلْ قَطُّ أحدٌ من علماءِ المسلمين أن الصلاةَ عندْ قبرٍ أو مسجدٍ أو مشهدٍ على قبرٍ سواء كان قبرَ نبيّ أو غير نبي، أن ذلك مستحب، أو أن الصلاةَ هناك أفضل من الصلاة في غيره، فمن اعتقد ذلك أو قالَه أو عَمِلَ به فقد فارقَ إجماعَ المسلمين وخَرجَ عن سبيل المؤمنين.
وقد تنازع العلماءُ في الصلاة في المقبرة، قيل: هي محرَّمة أو مكروهة أو مباحة، ولم يَقُل أحدٌ منهم: إنها مستحبة ولا واجبة.
والذي عليه جماهير العلماء أنها منهيٌّ عنها نهيَ، تحريم أو نهيَ تنزيه، وكثيرٌ منهم يقول: إنها باطلةٌ.
والمقبرة وإن كان قد قال بعضهم: إنها ثلاثةُ أَقْبُرٍ فصاعدًا، فلم
стр. 726
يتنازعوا في أن المسجد المبني على قبرِ لا فرقَ بين أن يُبنَى على قَبرٍ أو أكثر، كالذين لعنَهم النبي ﷺ ، فإنهم إنما كانوا يَبنُون المسجد على قبرٍ واحد، قبرِ نبي أو رجلٍ صالح. وإن كان بعضُ من نهَى عن الصلاة في المقبرة علَّلَه بالنجاسة، فإنه لا يُعلِّل الصلاة في المسجد المبني على قبر بالنجاسة، بل قد نَصَّ هؤلاء -كالشافعي وغيرِه- على أن العلَّة هنا خشيةُ الافتتان بالقبر التي هي [سبب] الشرك.
وأما الصلاة في المقبرة فالعلة الصحيحة عند محققيهم أيضًا إنما هي مُشابهتُه للمشركين وأن ذلك قد يُفضِي إلى الشرك، كما نهى النبي ﷺ عن الصلاة وقتَ طلوع الشمس ووقتَ غروبها، وقال: إنه حينئذٍ يَسجُد لها الكفَّار (١). ولهذا نهى النبي ﷺ عن الصلاة إلى القبور، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم (٢) وغيره عن أبي مَرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تُصَلُّوا إليها". فنهى أن يكون في القبلة قبر.
وفي صحيح البخاري (٣) عن أنس قال: كنتُ أصلِّي وهناك قبرٌ، فقال عمر بن الخطاب: القبر القبر! فظننتُه يقول: القمر، وإذا هو يقول: القبر. أو كما قال.
وإذا كان النبي ﷺ قد نهى عن الصلاة إلى القبر وإن لم يَقصِد العبدُ السجودَ له، فكيف بمن يسجد للقبرِ؟ فإن هذا شرك. وقد روى
стр. 727
الإمام أحمد (١) عن معاذ بن جبل أنه لما قَدِمَ الشامَ وجدَهم يسجدون لأسَاقِفَتِهم، فلما رجعَ سجدَ النبي ﷺ ، فقال: "ما هذا يا معاذ؟ "، فقال: يا رسولَ الله! رأيتُهم يسجدون لأساقفتهم وعُظَمائهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: "إنه لا يَصلُح السجودُ إلا الله، ولو كنتُ آمرُ أحدًا أن يَسجُد لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تَسجُدَ لزوجها، لعِظَمِ حقَه عليها". ثم قال: "يا معاذ! أرأيتَ لو مررتَ بقبري أكنتَ ساجدًا إليه؟ "، قال: لا، قال: "فلا تسجد لي". فمعاذٌ كان يَعلم أن السجودَ للقبور لا يجوز.
قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)) (٢). وهذا في كتاب الله كثير جدًا.
وقال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)) (٣).
وقال تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
стр. 728
يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)) (١)
وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: (فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)) الآيات إلى (وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)) (٢).
وفي الصحيحين (٣) عن عبد الله بن مسعود قال: لمَّا (٤) [نزلتْ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ "ليس هو كما تظنّون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣))].
كان يُظَنُّ أن السجود للحيّ مشروع، كما ذكر في قصة يوسف، وكما ذكر في قصة أهل الكهف أن أولئك اتخذوا عليهم مسجدًا، فبيَّن النبي ﷺ أنه في شريعتِنا لا يَصلُح السجودُ إلا لله، كما بيّن في الأحاديث المتقدمة أن الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجدًا من الذين نهانا رسولُنا أن نتشبَّهَ بهم.
وكذلك التمسُّح بالقبور - كاستلامِها باليد وتقبيلها بالفم- منهيٌّ عنه باتفاق المسلمين، حتى إنهم قالوا فيمن زار قبرَ النبي ﷺ : إنه لا يَستلِمُه بيدِه ولا يُقبِّله بفمِه، فلا يُشبه بيت المخلوق ببيت الخالق الذي هو الكعبة البيت الحرام، فإن الله شرعَ أن يَستَلِم الحجرَ الأسودَ
стр. 729
الذي بمنزلة يمينه في الأرض، وأن يُقبّله أيضًا، حتى إنه يُستحبُّ إذا لم يُمكِن تقبيلُه أن يُقبِّلَ اليدَ التي استلَمتْه، حتى إنه يستحبُّ استلامُه بالمِحْجَنِ والعصا ونحو ذلك إذا لم يُمكِن استلامُه باليد. وكذلك الركن اليماني يستحبُّ استلامُه. ولم يَستلم النبي ﷺ من أركان البيت الأربعة إلا الركنينِ اليمانيينِ، لأنهما بُنيا على قواعدِ إبراهيم، وأما الركنانِ اللذانِ يَلِيَانِ الحِجْرَ فإن النبي ﷺ لم يَستلمْهما، ولهذا لا يستحبُّ استلامُهما عند الأئمة الأربعة وعامةِ العلماء، كما لا يُستَحبُّ أن يَستلِمَ الرجلُ جوانبَ بيتِ الله، ولا يستحبُّ تقبيلُ ذلك أيضًا. وكذلك مقام إبراهيم الذي قال الله تعالى فيه: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) (١) لم يَستلمه النبي ﷺ ولم يُقبِّلْه، ولا يُشْرَعُ ذلك فيه بل يُنهَى عنه باتفاقِ العلماء. فإذا كان مقام إبراهيم الذي ذكره الله تعالى في القرآن لا يُشْرَع أن يَتَمسَّحَ العبدُ به فكيف سائر المقامات والمشاهد التي يُقال: إنها أثر بعضِ الأنبياء والصالحين؟.
وإذا كان قبر نبينا لا يُشرَع باتفاق المسلمين بأن يُقبَّلَ أو يمَسَّح به، فكيف بقبر غيره؟ وفي سنن أبي داود (٢) عنه ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر". وقال أيضًا (٣): "صَلُّوا عَليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تَبلُغني".
ولهذا رأى عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب رجلًا يُكثِر الاختلاف إلى قبر النبي ﷺ ، فقال: يا هذا! إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبرِي عيدًا، فصَلُّوا عليَّ حيثما كنتم، فإن
стр. 730
صلاتكم تبلغني"، فما أنتَ ورجلٌ بالأندلس فيه إلا سواء. ذكره سعيد بن منصور في سننه (١)، ورَوى بنحو هذا المعنى علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه الحسين عن علي بن أبي طالب. ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ في صحيحه (٢).
ورُوِي عنه ﷺ أنه قال: "اللهمَّ لا تجعلْ قبري وثنًا يُعبَد، اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ". رواه مالك في "الموطأ" (٣)، وعن مالك مرسلًا ومسندًا.
وقد كانت حجرةُ رسولِ الله ﷺ التي هو الآن مدفونٌ فيها هي حجرة عائشة، وكانتْ شرقيَّ المسجد لم تكن داخلة فيه، وكان حُجَرُ أزواجِ النبي ﷺ قبلي المسجد وشرقيّه، وكانت منفصلةً عن المسجد على عهد الخلفاء الراشدين إلى عهد الوليد بن عبد الملك، فإنه عَمرَ المسجدَ وغيرَه، وكان عمر بن عبد العزيز نائبَه على المدينةِ، فتولَّى هو عمارةَ المسجدِ، فأدخلَ فيه حُجَرَ أزواج النبي ﷺ ، وأدخلَ فيه حجرةَ عائشة، وأمر عمرُ أن يُحَرَّفَ الحجرة عن يمينِ القبلة، وأن يُسَنَّم مؤخَّرُها، لئلَاّ يُصلَّي أحدٌ إلى قبر .. (٤).
стр. 731
فصل في حقّ الله وحقّ عبادته وتوحيده
стр. 732
الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يَهْدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﷺ .
فصل في حق الله وحق عبادته وتوحيده
قد ثبت في الصحيحين (١) عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ بن جبل! أتدري ما حق الله على عباده؟ "، قلت: الله ورسولُه أعلم، قال: "حقُّه عليهم أن يعبدوه لا يُشرِكوا به شيئا. يا معاذ! أتدري ما حقُّ العبادِ على الله إذا فعلوا ذلك؟ "، قلت: الله ورسولُه أعلم، قال: "حقُّهم عليه أن لا يُعذِّبهم".
وروى الطبراني في كتاب الدعاء (٢) عن النبي ﷺ أن الله يقول: "يا عبادي! إنما هي أربعٌ: واحدٌ لي، وواحدة [لك]، وواحدةٌ بيني وبينك، وواحدةٌ بينك وبين خلقي، فالتي هي لي: تعبدني لا تشرك بي شيئا، والتي هي لك: [عملك] أجزيك به أحوج ما تكون إليه، والتي بيني وبينك: منك الدعاء وعليَّ الإجابة، والتي بينك وبين خلقي: فأتِ إلى الناس ما تُحبُّ أن يأتوه إليك".
وضدُّ هذا الظلم، وهو ثلاثة أنواع، كما جاء في الحديث
стр. 733
مرفوعًا (١) وموقوفًا على بعض السلف: "الظلم ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر الله منه شيئا، وديوانٌ لا يَعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا. فالديوان الذي لا يغفره الله هو الشرك، والديوان الذي لا يَعبأ الله به شيئا ظلم العبد فيما بينه وبين ربه، والذي لا يترك منه شيئا ظلم العباد بعضهم بعضًا.
فالتوحيد ضدُّ الشرك، فإذا قام بالتوحيد الذي هو حقُّ الله، فعَبَدَه لم يُشرِك به شيئا، ومن عبادته التوكل عليه والرجاء له والخوف منه، فهذا يَخْلُصُ به العبد من الشرك. وإعطاءُ الناسِ حقوقَهم وامتناعه من العدوان عليهم يَخْلُص به العبدُ من ظلمهم، وبطاعة الله يَخْلُص من ظُلم نفسِه.
وتقسيمُه في الحديث إلى قوله "واحدةٌ لي وواحدة لك" هو مثل تقسيمه في حديث الفاتحة (٢) حيث يقول الله تعالى: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل". والعبد يَعُود عليه نفعُ الصنفين، والله تعالى يُحِبُّ الصنفين، لكن هو سبحانه يُحِبّ أن يُعبَد، وما يُعطِيه العبدَ من الإعانة والهداية هو وسيلة إلى ذلك، فإنما يُحبُّه لكونه طريقًا إلى عبادته. والعبد يطلب ما يحتاج إليه أولًا، وهو محتاجٌ إلى الإعانة على العبادة والهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يَصِل إلى العبادة. فهو يطلب ما يحتاج إليه أولًا مما يتوسَّل به إلى محبوب الربّ الذي فيه سعادتُه.
стр. 734
وكذلك قوله "عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه"، فإنه يحب الثواب الذي هو جزاء العمل، فإنما يعمل لنفسه، لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبت. ثم إذا طلب العبادة فإنما يطلبها من حيث هي نافعة له محصِّلَة لسعادته، فلا يطلب العبد قَطُّ إلا ما فيه حظٌّ له، وإن كان الربُّ يُحِبُّ ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له، والربُّ تعالى يحبُّ أن يُعبَد لا يُشرَك به شيئا، ومن فعل ذلك من العباد أحبَّه وأثابَه، فيَحصُل للعبد ما يُحِبُّه من النعيم تبعًا لمحبوب الربّ، وهذا كالبائع والمشتري، البائع يريد أولًا الثمن، ومن لوازم ذلك إرادة تسليم المبيع، والمشتري يريد السلعة، ومن لوازم ذلك إرادة إعطاء الثمن.
فالرب تعالى يُحبّ أن يُعبَد، ومن لوازم ذلك أن يحبّ مالا تَحصُل العبادةُ إلا به، والعبد يحبّ ما يحتاج إليه وينتفع به، ومن لوازم ذلك محبته لعبادة الله تعالى. فمن عَبَد اللهَ وأحسن إلى الناس لله فهذا قائم بحقّ الله وحقّ عبادِه لأجله، ومن طلبَ منهم العوضَ ثناءً أو دعاءً أو غير ذلك لم يُحسِن إليهم لله. ومن خافَ اللهَ فيهم ولم يَخَفْهم فقد قام بحقّ الله في إخلاص الدين له، وقام بحقّهم، فإنّ خوف الله يحمله على أن يعطيهم مالهم ويَكُفَّ عن ظلمهم؛ ومن [لم] يخفِ اللهَ بل خافَ الناسَ، ولم يَرجُ الله بل رَجَا الناسَ فهذا ظالم في حق الله، حيث خافَ غيرَه ورَجَا غيرَه، وظالم للناس لأنه إذا خافهم دون الله فإنه يحتاج أن يدفعَ شرَّهم عنه، وهو إذا لم يخفِ اللهَ بنفسِه وهواه يختار العدوانَ عليهم والبغي، فإن طبع النفس ظُلم من لا يظلمها، فكيف من يظلمها؟ فتجد هذا الضربَ كثيرَ الخوف من الخلق كثير الظلم لمن يخافه بحسبه. وهذا مما يُوقع الفِتنَ بين الناس.
стр. 735
وكذلك إذا رَجاهم فهم لا يعطونه ما يرجوه منهم، فلابدّ أن يُبغِضَهم فيظلمَهم إذا لم يكن خائفًا من الله. وهذا موجود كثيرًا، تجد الناسَ يخاف بعضُهم بعضًا ويرجو بعضُهم بعضًا، وكلٌّ من هؤلاء وهؤلاء يتظلَّم من الآخر ويطلب ظلمه، فهم ظالمون بعضُهم بعضًا، ظالمون في حق الله حيث خافوا غيرَه ورَجَوا غيرَه، ظالمون لأنفسهم، فإن هذا من الذنوب التي تُعذَّب النفسُ عليها، وهو أيضًا يَجُرُّ إلى فعل المعاصي المختصَّة كالشرب والزنا، فإن الإنسان إذا لم يخف من الله اتبعَ هواه، لاسيما إذا كان طالبًا ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبةً لما تستريح به وتدفع به الغمَّ والحُزن، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح به، فتستريح بالمحرَّمات من فعل الفواحش وشرب المحرَّمات وغير ذلك.
و لا يستغني القلب إلا بعبادة الله تعالى ، فإن الإنسان خُلِق محتاجًا إلى جَلْبِ ما ينفعُه ودَفْع ما يَضُرُّه، ونفسُه مريدةٌ دائمًا، ولابُدَّ لها من مرادٍ يكوَن غايةَ مطلوبهَا، فتسكن إليه وتطمئنُّ به، وليس ذلك إلا الله وحدَه لا شريكَ له. فإذا لم تكن مخلصةً له الدينَ عبدتْ غيرَه، فأشركتْ به عبادَةً واستعانَةً، فتعبد غيرَه وتستعين غيرَه. وسعادتُها في أن لا تعبد إلا الله، ولا تستعين إلا الله، فبالعبادة له تستغني عن معبود آخر، وبإعانته تستغني عن مُعينٍ غيرِه، وإلاّ يَبقَى مذنبًا محتاجًا.
وهذا حالُ الإنسان، فإنه محتاج فقير، وهو مع ذلك مذنبٌ خَطَّاء، فلابدّ له من ربِّه الذي يَسُدُّ مَفاقِرَه، ولابُدَّ له من الاستغفار من ذنوبه. قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (١).
стр. 736
فبالتوحيد يَقوى ويستغني، ومن سِرِّه أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله؛ وبالاستغفار له يُغفَر له. فلا يزول فقرُه وفاقتُه إلا بالتوحيد، لابدَّ له منه، وإلاّ فإذا لم يحصل له لم يزل فقيرًا محتاجًا لا يحصل مطلوبه معذَّبًا، والله تعالى لا يغفر أن يُشرَك به. وإذا حَصَل مع التوحيد الاستغفار حَصَل غناه وسعادته، وزال عنه ما يُعذَّب به، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهو مفتقر دائمًا إلى التوكل عليه والاستعانة به، كما هو مفتقر إلى عبادته، فلابدَّ أن يشهد دائمًا فقرَه إليه وحاجته في أن يكون معبودًا له وأن يكون معينًا له، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه. قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أي يخوفكم أولياءه (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)) (١). هذا هو الصواب الذي علمِه جمهور المفسرين (٢)، كابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة والنخعي، وأهل اللغة كالفراء (٣) وابن قتيبة (٤) والزجاج (٥) وابن الأنباري. وعبارة الفراء: يخوِّفكم بأوليائه، كما قال: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) أي ببأسٍ، وقوله: (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥)) أي بيوم التلاق. وعبارة الزجاج: يُخوِّفكم من أوليائه. قال أبو بكر الأنباري (٦): والذي نختاره في الآية أن المعنى يخوفكم أولياءه، يقول العرب: أعطيتُ الأموال، أي أعطيتُ القومَ الأموالَ، فيحذفون المفعول الأول، ويقتصرون على ذكر الثاني.
стр. 737
قال فهذا أشبه من ادّعاءِ "باءٍ"، وما عليها دليل ولا تدعو إليها ضرورة.
قلتُ: وهذا لأن الشيطان يُخوِّف الناسَ أولياءَه تخويفًا مطلقًا، ليس له في تخويفِ ناسٍ [ضرورة]، فحذف الأول لأنه ليس مقصودًا. وهذا يسمى حذف اقتصار، كما يقال: فلانٌ يُعطي الأموال والدراهم.
وقد قال بعض المفسرين (١): إن المراد يخوّف أولياءَه المنافقين، ونُقِل هذا عن الحسن والسدِّي. وهذا له وجهٌ سنذكره، لكن الأول أظهر، لأن الآية إنما نزلت بسبب تخويفهم من الكفار. قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)) إلى أن قال: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ)، ثم قال: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)) (٢). فإنما نزلت فيمن خوَّف المؤمنين من الناس، وقد قال تعالى: (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) ثم قال: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). والضمير عائد إلى أوليائه الذين قيل فيهم (فَاخشَوهُم).
وأما ذلك القول فالذي قاله فَسَّرها من جهة المعنى أن الشيطان إنما يخوِّف أولياءَه، وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يُخوِّفهم. أو أنهم أرادوا المفعول المتروك، أي يُخوِّف المنافقين أولياءَه، وإلاّ فهو يخوّف الكفار كما يخوِّف المنافقين. ولو أريد أنه يخوف أولياءه أي يجعلهم خائفين لم يكن للضمير ما يعود إليه، وهو قوله (فَلا تَخَافُوهُمْ).
стр. 738
وأيضًا فهذا فيه نظرٌ، فإن الشيطان يَعِدُ أولياءَه ويمنِّيهم، كما قال تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ) الآية (١)، وقال: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)) (٢). ولكن الكفار يُوقع الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين، والشيطان لا يختار ذلك، قال تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) (٣)، وقال تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) الآية (٤)، وقال: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) (٥). وفي حديث قريظة (٦) أن جبريل قال: إني ذاهبٌ إليهم فأُزلزِلُ بهم الحصنَ.
فتخويف الكفار والمنافقين وإرعابُهم هو من الله نصر للمؤمنين، ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوِّف الذين أظهروا الإسلام وهم يوالونه من العدو، فإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما قال تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)) (٧)، وقال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) إلى قوله (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ) الآية (٨).
стр. 739
فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ أوليائه في الآية هو الذي يجعلهم الشيطان مخوِّفين لا خائفين، كما دلَّ عليه سياقُ الآية ولفظُها، وإذا جعلهم الشيطان مخوفين فإنما يخافهم من خوَّفَه الشيطان فجعله خائفًا. فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوِّفين، ويجعل ناسًا خائفين أولياءَه.
ودلَّت الآية على أن المؤمن لا يجوز أن يخاف أولياء الشيطان، وعليه أن يخاف الله، فخوف الله أُمِرَ به وخوفُ أولياء الشيطان نُهِي عنه. وهذا كقوله في الآية الأخرى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) الآية (١)، فنَهَى عن خشية الظالم وأَمَر بخشيته تعالى. وقال: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) (٢)، وقال: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)) (٣).
وبعض الناس يقول: يا ربِّ! أخافك وأخافُ من لا يخافك. وهذا لا يجوز، بل عليه أن يخاف الله، ولا يخاف من لا يخاف الله، فإن من لا يخاف الله ظالمٌ من أولياء الشيطان، وهذا قد نهى الله عن أن يُخاف.
وإذا قيل: قد يؤذيني، قيل: إنما يُؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد سبحانه دفعَ شرِّه عنك دَفَعَه، فالأمر لله. أنتَ إذا خفتَ الله فاتقيتَه وتوكلتَ عليه كفاكَ شرَّه، ولم يُسلِّطْه عليك، فانه تعالى قال: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (٤).
стр. 740
وتسليطُه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفتَ الله وتُبتَ من ذنوبك واستغفرتَه [لم يسلِّطه عليك]، وقد قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) (١). وفي الآثار: "أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فمن أطاعني جعلتُهم عليه رحمةً، ومن عصاني جعلتُهم عليه نقمةً، فلا تشتغلوا بسبب الملوك، وأطيعوني أعطِفْ قلوبَهم عليكم".
وقد قال لما سلَّط العدوَّ عليهم يوم أحد: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)) (٢)، وقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)) (٣). والأكثرون يقرأون "قَاتَل معه ربيون كثير"، والربّيون الكثير عند جماهير السلف والخلف هم الجماعات الكثيرة (٤). قال ابن مسعود وابن عباس- في روايةٍ عنه- والفراء (٥): ألوف كثيرة" وقال ابن عباس -في رواية أخرى- ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدّي والربيع وابن قتيبة (٦): جماعات كثيرة. وقُرِئ