← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (١). ولا يُعاوِنون أحدًا على معصية، ولا يُزِيلون المنكرَ بما هو أنكرُ منه، ولا يأمرون بالمعروف إلا بالمعروف. فهم وَسَط في عامة الأمور، ولهذا وصفهم النبي ﷺ بأنهم الطائفة الناجية لما ذكر اختلاف أمته وافتراقهم (٢). ومن ذلك أن اليوم الذي هو يومُ عاشوراء الذي أكرمَ الله فيه سِبطَ نبيِّه وأحدَ سيِّدَي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي مَن قَتلَه من الفَجَرة الأشقياء، وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام. وقد روى الإمام أحمد وغيره (٣) عن فاطمة بنت الحسين -وقد كانت قد شهدتْ مصرعَ أبيها- عن أبيها الحسين بن علي ﵃، عن جدِّه رسولِ الله ﷺ أنه قال: "ما من رجل يُصابُ بمصيبةٍ فيذكُر مصيبتَه وإن قدمتْ، فيُحدِثُ لها استرجاعًا، إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يومَ أُصِيبَ بها". فقد علم الله أنّ مثل هذه المصيبة العظيمة سيتجدد ذكرُها مع تقادُمِ العهد، فكان من محاسن الإسلام أن روى هذا الحديثَ صاحبُ المصيبةِ والمُصَابُ به أوَّلًا، ولا ريبَ أن ذلك إنما فعلَه الله كرامةً للحسين ﵁، ورفعًا لدرجتِه ومنزلتِه عند الله، وتبليغًا له مَنازلَ الشهداء، وإلحاقًا له بأهل بيته الذين ابتُلُوا بأصنافِ البلاء. ولم يكن الحسن والحسين حصلَ لهما من الابتلاءِ ما حَصَلَ لجدِّهما

стр. 772

ولأمّهما وعَمِّهما، لأنهما وُلِدا في عِزِّ الإسلام، وتَربَّيا في حُجور المؤمنين، فأتمَّ الله نعمتَه عليهما بالشهادة، أحدهما مسمومًا والآخر مقتولًا، لأنّ الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالها إلا أهلُ البلاء، كما قال النبي ﷺ وقد سُئِلَ: أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ فقال: "الأنبياء ثمّ الصالحون ثمّ الأمثل فالأمثل، يُبتَلى الرجلُ على حسبِ دينه، فإن كان في دينه صَلابة زِيْدَ في بلائه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ خُفِّف عنه، ولا يزال البلاءُ بالمؤمنِ حتى يَمشي على الأرضِ وليس عليه خطيئةٌ" (١). وشَقِيَ بقتلِه من أعانَ عليه أو رضي به. فالذي شرعَه الله للمؤمنين عند الإصابة بالمصائب وإن عظُمتْ أن يقولوا: إنّا لله وإنا إليه راجعون. وقد روى الشافعي في مسنده (٢) أن النبي ﷺ لما ماتَ وأصاب أهلَ بيته من المصيبة ما أصابَهم، سمعوا قائلًا يقول: يا آلَ بيتِ رسول الله! إنّ في الله عَزَاءً من كلّ مصيبةٍ، وخَلَفًا من كل هالك، ودَركًا من كل فائت، فبالله فثِقُوا وإيَّاه فارْجُوا، فإن المُصَابَ من حُرِمَ الثوابَ. فكانوا يرونه الخضر جاء يُعزِّيهم بالنبي ﷺ .

стр. 773

فأما اتخاذ المآتم في المصائب واتخاذ أوقاتها مآتمَ فليس من دين الإسلام، وهو أمر لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا أحد من السابقين الأولين ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من عادة أهل البيت ولا غيرهم. وقد شَهِدَ مقتلَ عليٍّ أهلُ بيته، وشهدَ مقتلَ الحسين من شهدَه من أهل بيته، وقد مرَّتْ على ذلك سنون كثيرة وهم متمسكون بسنة رسول الله ﷺ ، لا يُحدِثون مأتمًا ولا نياحةً، بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسولُه، أو يفعلون مالا بأسَ به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة. قال النبي ﷺ : "ما كان من العين والقلب فمن الله، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" (١)، وقال: "ليس منا من لَطَم الخدودَ وشَقَّ الجيوبَ ودَعا بدعوى الجاهلية" (٢)، يعني مثل قول المصاب: يا سَنَداه! يا ناصراه! يا عَضُداه! وقال: "إن النائحةَ إذا لم تَتُبْ قبلَ موتها فإنها تُلْبَسُ يومَ القيامة دِرعًا من جَرَبٍ وسِربالًا مَن قَطِرانٍ" (٣). وقال: "لعن الله النائحةَ والمستمعةَ إليها" (٤). وقد قال في تنزيله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ

стр. 774

غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)) (١). وقد فسَّر النبي ﷺ قوله (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) بأنها النياحة (٢)، وتَبرَّأَ النبيّ ﷺ من الحالقة والصالقة (٣). والحالقة: التي تَحلِق شَعرَها عند المصيبة، والصالقة: التي ترفع صوتَها عند المصيبة. وقال جرير بن عبد الله (٤): كنا نعدُّ الاجتماعَ إلى أهل الميت وصَنْعَتهم الطعامَ للناس من النياحة. وإنما السنةُ أن يُصنَع لأهل الميت طعامٌ، لأنّ مصيبتَهم تَشْغَلُهم، كما قال النبي ﷺ لما نُعِيَ جعفر بن أبي طالب لما استشهد بمؤتةَ فقال: "اصنَعوا لآلِ جعفرٍ طعامًا، فقد جاءهم ما يَشْغَلُهم" (٥). وهكذا ما يفعل قوم آخرون يوم عاشوراءَ من الاكتحال والاختضاب أو المصافحة والاغتسال، فهو بدعة أيضًا لا أصلَ لها، ولم يذكرها أحد من الأئمة المشهورين، وإنما رُوِي فيها حديث "من اغتسلَ يومَ عاشوراءَ لم يَمرض تلك السنةَ، ومن اكتحلَ يومَ عاشوراء لم يَرمَدْ ذلك العام" (٦) ونحو ذلك، ولكن الذي ثبت عن النبي ﷺ أنه صامَ

стр. 775

يومَ عاشوراءَ، وأمرَ بصيامه، وقال: "صومُه يُكفر سنةً،، وقرَّر النبي ﷺ أن الله أنجىَ فيه موسى وقومَه، وأغرقَ فرعونَ وقومَه (١)، ورُوِيَ أنه كان فيه حوادث الأمم، فمن كرامة الحسين أن الله جعلَ استشهادَه فيه. وقد يجمع الله في الوقت شخصًا أو نوعًا من النعمة التي تُوجب شكرًا، أو المحنة التي تُوجِب صبرًا، كما أنّ سابعَ عشر شَهر رمضان فيه كانت وقعةُ بدرٍ، وفيه كان مقتلُ عليّ. وأبلغ من ذلك أن يوم الاثنين في ربيع الأول مولد النبي ﷺ ، وفيه هجرته، وفيه وفاته. والعبد المؤمن يُبتَلى بالحسناتِ التي تَسُرُّهُ والسيئاتِ التي تَسُوءُه في الوقت الواحد، ليكون صبَّارًا شكورًا، فكيف إذا وقعَ مثلُ ذلك في وقتين متعددين من نوع واحد؟ ويُستحب صومُ التاسع والعاشر، ولا يُستحبُّ الكحلُ، والذين يصنعونَ من الكحل من أهل الدين لا يقصدون به مناصبة أهل البيت، وإن كانوا مخطئين في فعلهم، ومَن قَصدَ منهم أهلَ البيت بذلك أو غيره، أو فرحَ أو استشفَى بمصائبهم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقد قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يدخلون

стр. 776

الجنةَ حتى يُحبّوكم من أجلي" (١) لما شَكَا إليه العباس أن بعض قريش يَجْفُون بني هاشم. وقال: "إن الله اصطفى قريشًا من بني كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشمِ" (٢). ورُوِيَ عنه أنه قال: "أَحِبُّوا الله لما يَغذُوكم به من نِعَمِه، وأحبُّوني لحبّ الله، وأَحِبُّوا أهلَ بيتي لحبّي" (٣). وهذا باب واسع يطولُ القول فيه. وكان سببُ هذه المواصلة أن بعض الإخوان قَدِمَ بورقةٍ فيها ذِكرُ النبي ﷺ ، وذِكر سادة أهلِ البيت، وقد أُجري فيها ذِكرُ النذور لمشهد المنتظر. فخُوطِبَ من فضائل أهل البيت وحقوقِهم بما سَرَّ قلبَه وشَرحَ صَدْرَه، وكان ما ذُكِر بعضَ الواجب، فإن الكلام في هذا طويل، ولم يحتمل هذا الحامل أكثر من ذلك. وخُوطِبَ فيما يتعلق بالأنساب والنذور بما يجب في دين الله، فسألَ المكاتبةَ بذلك إلى من يذهب إليه من الإخوان، فإنّ النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة"، قالوا: لمن يا رسولَ الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (٤).

стр. 777

أما ورقة الأنساب والتواريخ ففيها غلطٌ في مواضع متعددة، مثل ذكرِه أن النبي ﷺ توفي في صفر، وأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن عمرو بن العلاء بن هاشم، وأنّ جعفر الصادق توفي في خلافة الرشيد، وغير ذلك. فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن النبي ﷺ توفي في شهرِ ربيع الأول شهرِ مولده وشهرِ هجرته، وأنه توفي يوم الاثنين، وفيه وُلِد وفيه أُنزِل عليه. وجدُّه هاشم بن عبد مناف، وإنما كان هاشم يُسمَّى عمرًا، ويقال له عمرو العلا، كما قال الشاعر (١): عَمرو العُلا هَشَمَ الثَّرِيدَ لقومِه ... ورجالُ مكَّةَ مُسنِتُون عِجَافُ وأن جعفرًا أبا عبد الله توفي في سنة ثمانٍ وأربعين في إمارة أبي جعفر المنصور. وأما المنتظَر فقد ذكر طائفة من أهل العلم بأنسابِ أهلِ البيت أن الحسن بن علي العسكري لما توفي بعسكر سامَرَّاء لم يُعقِب ولم ينسل، وقال من أثبته: إن أباه لما توفي سنة ستين ومئتين كان عمره سنتين أو أكثر من ذلك بقليل، وأنه غاب من ذلك الوقت، وأنه من ذلك الوقت حجة الله على أهل الأرض، لا يَتِمُّ الإيمانُ إلا به، وأنه هو المهدي الذي أخبر به النبي ﷺ ، وأنه يَعلم كل ما يُفتَقر إليه في الدين. وهذا موضع ينبغي للمسلم أن يَتثبَّتَ فيه ويَستهديَ الله ويستعينَه، فإن الله قد حرَّمَ القولَ بغير علم، وذكر أن ذلك من خُطوات الشيطان،

стр. 778

وحَرَّم القولَ المخالفَ للحق، ونصوص التنزيل شاهدة بذلك، ونَهى عن اتباع الهوى. فأما [خبر] المهديّ الذي بَشَّرَ به النبي ﷺ فقد رواه أهل العلم العالمون بأخبار النبي ﷺ ، الحافظونَ لها، الباحثون عنها وعن رُواتِها، مثل أبي داود والترمذي وغيرهما. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (١). فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لو لم يَبقَ من الدنيا إلا يومٌ لطَوَّل اللهُ ذلك اليومَ، حتى يَبعثَ الله فيه رجلا من أهل بيتي يُواطِئ اسمُه اسمي، واسمُ أبيه اسمَ أبي، يملأ الأرض قِسطًا وعدلًا، كما مُلِئَتْ ظلمًا وجورًا" (٢). ورُوِي هذا المعنى من حديث أم سلمة وغيرها (٣). وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "المهدي من ولد ابني هذا"، وأشار إلى الحسن (٤).

стр. 779

وقال ﷺ : "يكون في آخر الزمان خليفةٌ يَحثُو المالَ حَثْوًا" (١)، وهو حديث صحيح. فقد أخبر النبي ﷺ أن اسمه "محمد بن عبد الله" ليس "محمد بن الحسن". ومن قال: إن أبا جدِّه "الحسين"، وإن كنيةَ الحسينِ "أبو عبد الله"، فقد جعل الكنيةَ اسمَه، فما يَخفى على من يَخشى الله أن هذا تحريف الكلم عن مواضعه، وأنه من جنس تأويلات القرامطة. وقول أمير المؤمنين صريح في أنه حَسَني لا حُسَيني، لأن الحسن والحسين مُشبِهانِ من بعض الوجوه بإسماعيل وإسحاقَ، وإن لم يكونا نبيَّينِ، ولهذا كان النبي ﷺ يقول لهما: "أُعِيذُكُما بكلماتِ الله التامَّة، من كلّ شيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كلِّ عين لَامَّة" (٢)، ويقول: "إن إبراهيم كان يُعوِّذ بهما إسماعيلَ وإسحاقَ" (٣). وكان إسماعيل هو الأكبر والأحلم، ولهذا قال النبي ﷺ وهو يخطب على المنبر والحسنُ معه على المنبر: "إن ابني هذا سيّد، وسيُصلح الله به بين فئتين عظيمتينِ من المسلمين" (٤). فكما أن غالبَ الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق، فهكذا كان غالب السادة الأئمة من ذرية الحسين، وكما أن خاتم الأنبياء الذي طبَّق أمرُه مشارقَ الأرض ومغاربَها كان من ذرية إسماعيل، فكذلك الخليفة الراشد المهدي الذي هو آخر الخلفاء يكون من ذرية الحسن.

стр. 780

وأيضًا فإن من كان ابنَ سنتينِ كان في حكم الكتابِ والسنةِ مستحقًا أن يُحجَر عليه في بدنِه، ويُحجَر عليه في مالِه، حتى يَبلُغَ ويُؤنَسَ منه الرُّشدُ، فإنه يتيم، وقد قال الله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (١). فمن لم تُفَوِّض الشريعةُ إليه أمرَ نفسه كيف تُفوِّضُ إليه أمرَ الأمة؟ وكيف يجوز أن يكون إمامًا على الأمَة من لا يُرى ولا يُسمَع له خبر؟ مع أنّ الله لا يُكلِّف العبادَ بطاعةِ من لا يَقدرون على الوصولِ إليه، وله أربعمئه وأربعون سنةً ينتظره من ينتظره وهو لم يخرج، إذ لا وجودَ له. وكيف لم يظهر لخواصِّه وأصحابِه المأمونين عليه كما ظهر آباؤه؟ وما المُوجِب لهذا الاختفاء الشديد دون غيرِه من الآباء؟ وما زال العقلاءُ قديمًا وحديثًا يضحكون ممن يُثبت هذا ويُعلِّق دينَه به، حتى جعلَ الزنادقةُ هذا وأمثالَه طريقًا إلى الَقدحِ في الملَّة وتسفيهِ عقولِ أهلِ الدين إذا كانوا يعتقدون مثلَ هذا. لهذا قد اطلع أهلُ المعرفة على خلقٍ كثيرٍ منافقينَ زنادقةٍ يتستَّرون بإظهار هذا وأمثالِه، ليستميلوا قلوبَ وعقولَ الضعفاءِ وأهلِ الأهواء، ودَخلَ بسبب ذلك من الفساد ما الله به عليم، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم. والله يُصلح أمرَ هذه الأمة ويهديهم ويُرشِدهم. وكذلك ما يتعلق بالنذور والمساجد والمشاهد، فإن الله في كتابه وسنة نبيه التي نقلها السابقون والتابعون من أهل بيته وغيرهمِ قد أمرَ بعمارةِ المساجد، وإقامة الصلواتِ فيها بحسب الإمكان، ونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من يفعل ذلك. قال الله تعالى:

стр. 781

(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)) (١). وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) (٢). وقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)) (٣) وقال: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)) (٤). وقال: (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (٥). وقال النبي ﷺ : "من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتا في الجنة" (٦). وقال: "بَشِّرِ المشَّائين في ظُلَمِ الليل إلى المساجد بالنور التامّ يومَ القيامة" (٧).

стр. 782

وقال: "من غدا إلى المسجد أو راحَ، أعدَّ الله له نزلًا كلَّما غدا أو راح" (١). وقال: "صلاةُ الرجل في المسجد تَفضُل على صلاتِه في بيته وسُوقهِ بخمسٍ وعشرين درجةً" (٢). وقال: "من تَطَهَّر في بيته فأحسنَ الطهورَ، وخرجَ إلى المسجد لا يُنهِزُه إلا الصلاةُ، كانتْ خطوتاه إحداهما تَرفعُ درجةً، والأخرى تَضَعُ خطيئةً" (٣). وقال: "صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاتِه وحدَه، وصلاتُه مع الرجلين أزكى من صلاتِه مع الرجل، وما كان أكثر كان أحبَّ إلى الله" (٤). وقال: "سيكون عليكم أمراءُ يُؤخِّرون الصلاةَ عن وقتها، فصَلُّوا الصلاةَ لوقتها، ثمَّ اجعلوا صلاتكم معهم نافلةً" (٥).

стр. 783

وقال: "يصلون لكم، فإن أحسنوا فلكم، وإن أساءوا فلكم وعليهم" (١). وهذا باب واسعٌ جدًّا. وقال أيضا: "لعنَ الله اليهودَ، اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ" يُحذِّر ما فعلوا (٢). قالوا: ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبرُه، ولكن كُرِهَ أن يُتَّخذَ مسجدًا (٣)، وهذا قاله في مرضه. وقال قبل موته بخمسٍ: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبورَ مساجدَ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (٤). ولما ذكر كنيسة الحبشة قال: "أولئك إذا مات الرجلُ فيهم بَنَوا على قبرِه مسجدًا، وصَوَّروا فيه تلك التصاوير، أولئك شِرارُ الخلق عند الله يوم القيامة" (٥). وكل هذه الأحاديث في الصحاح المشاهير. وقال أيضًا: "لعنَ الله زوَّاراتِ القبور والمتخذين عليها المساجَد والسُّرُجَ". رواه الترمذي وغيره (٦)، وقال: حديث حسن.

стр. 784

فإذا كان النبي ﷺ قد لعن الذين يتخذون على القبورِ المساجدَ، ويسرجون عليها الضوءَ، فكيف يَستحِلُّ مسلم أن يَجعلَ هذا طاعةً وقربةً؟ وفي صحيح مسلم (١) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: بَعثَنِي رسولُ الله ﷺ فأمرَني أن لا أدعَ قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّيتُه، ولا تِمثالًا إلا طَمستُه". وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم لا تجعلْ قبري وثنًا يُعبَد" (٢). وقال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، وصَلُّوا عَليَّ حيثُما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (٣). فنهى النبي ﷺ عن الاجتماع عند قبرِه، وأمرَ بالصلاة عليه في جميع المواضع، فإن الصلاةَ عليه تَصِل إليه من جميع المواضع. وهذه الأحاديث رواها أهل بيته، مثلُ على بن الحسين عن أبيه عن جدِّه علي، ومثل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكانوا هم وجيرانُهم من علماء أهل المدينة يَنهون عن البدع التي عند

стр. 785

قبرِه أو قبرِ غيرِه، امتثالًا لأمرِه متابعة لشريعتِه، فإن من مبدأ عبادة الأوثان: العكوف على قبور الأنبياء والصالحين والعكوف على تماثيلهم، وإن كانت وقعت بغير ذلك. وقد ذكر الله في كتابه عن المشركين أنهم قالوا (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا)) (١). وقد روى طائفة من علماءِ السلف أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثمَّ صوَّروا تماثيلَهم (٢). وكذلك قال ابن عباس في قوله (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)) (٣)، قال ابن عباس: كان اللات رجلًا يَلُتُّ السويقَ للحجاج، فلما ماتَ عكفوا على قبرِه (٤). ولهذا قال النبي ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد" (٥)، ونهى أن يُصلَّى عند قبره. ولهذا لما بنى المسلمون حُجرتَه حرَّفوا مؤخرها وسئموه، لئلا يُصلَّى إليه، فإنه ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تُصلُّوا إليها"، رواه مسلم (٦). وكان ﷺ إذا خرجَ إلى أهل البقيع يُسلِّم عليهم ويدعو لهم (٧)،

стр. 786

وعلَّم أصحابَه أن يقولوا إذا زاروا القبور (١): "سلامٌ عليكم أهلَ دارِ قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكًم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهمَّ اْجُرْهم ولا تَفْتِنّا بعدهم، واغفر لنا ولهم". هذا مع أنّ في البقيع إبراهيم وبناته أم كلثوم ورقيَّة وسيدة نساءِ العالمين فاطمة، وكانت إحداهن دُفِنَتْ فيه قديمًا قريبًا من غزوة بدر، ومع ذلك فلم يُحدِثْ على أولئك السادة شيئًا من هذه المنكرات، بل المشروع التحيةُ لهم والدعاء بالاستغفار وغيره. وكذلك في حقّه أمر بالصلاة والسلام عليه من القرب والبعد، وقال: "أكثِروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة وليلةَ الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليَّ". قالوا: كيف تُعرَض صلاتُنا عليك وقد أَرِمْتَ؟ يعني بَلِيْتَ، قال: "إنّ الله حرَّم على الأرض أن تأكلَ أجسادَ الأنبياء" (٢). وقال: "ما من رجلٍ يمرُّ بقبر الرجل كان يَعرفُه في الدنيا فيُسلَّم عليه إلا ردَّ الله عليه روحَه حتى يَرُدَّ ﵇" (٣). وكلُّ هذه الأحاديث ثابتة عند أهل المعرفة بحديث النبي ﷺ ،

стр. 787

فالدعاء والاستغفار يصل إلى الميت عند قبرِه وغيرِ قبرِه، وهو الذي ينبغي للمسلم أن يعاملَ به موتى المسلمين، من الدعاء لهم بأنواع الدعاء، كما أن في حياته يدعو لهم. وهذا رسولُ الله ﷺ قد أمرنا أن نصلِّيَ عليه ونُسلِّم تسليمًا في حياتِه ومماتِه، وعلى آل بيتِه، وأمَرنا أن ندعو للمؤمنين والمؤمنات في محياهم ومماتهم، عند قبورهم وغير قبورِهم، ونهانا الله أن نجعل له أندادًا، أو نُشبِّه بيتَ المخلوق الذي هو قبرُه ببيتِ الله الذي هو الكعبةُ البيت الحرامُ، فإنّ الله أمرنا أن نحجّ ونُصلّي إليه ونطوفَ به، وشرعَ لنا أن نَستلم أركانَه، ونُقبِّلَ الحجرَ الأسودَ الذي جعلَه الله بمنزلة يمينه. قال ابن عباس: "الحجر الأسود يمينُ الله في الأرض، فمن استلَمه وصافحَه فكأنما صافحَ الله وقَبَّلَ يمينَه" (١). وشرعَ كسوةَ الكعبةِ وتعليقَ الأستارِ عليها، وكان يتعلَّق من يتعلَّق بأستار الكعبة كالمتعلق بأذيال المستجار به، فلا يجوز أن تُضاهَى بيوتُ المخلوقين ببيت الخالق. ولهذا كان السلف ينهون من زَارَ قبرَ النبي ﷺ أن يُقَبِّلَه، بل يُسلِّم عليه -بأبي هو وأمي ﷺ ويُصلِّي عليه، كما كان السلف يفعلون. فإذا كان السلفُ أعرفَ بدين الله وسنةِ نبيه وحقوقِه، وحقوقِ السابقين والتابعين من أهل البيت وغيرِهم، ولم يفعلوا شيئًا من هذه البدع التي تُشبِه الشركَ وعبادةَ الأوثان، لأن الله ورسوله نهاهم عن

стр. 788

ذلك، بل يعبدون الله وحده لا شريك له، مخلصين له الدينَ كما أمر الله به ورسولُه، ويَعْمُرون بيوتَ الله بقلوبهم وجَوارحِهم من الصلاةِ والقراءةِ والذكرِ والدعاء وغير ذلك؛ فكيفَ يَحِلُّ للمسلم أن يَعدِلَ عن كتاب الله وشريعةِ رسوله وسبيلِ السابقين من المؤمنين، إلى ما أحدثَه ناسٌ آخرون، إمَّا عمدًا وإمَّا خطأً؟ فخُوطِب حاملُ هذا الكتاب بأن جميعَ هذه البدع التي على قبورِ الأنبياء والسادة من آل البيت وَالمشايخ، المخالفة للكتاب والسنة، ليس للمسلم أن يُعِين عليها، هذا إذا كانت القبورُ صحيحةً، فكيف وأكثرُ هذه القبور مطعونٌ فيها؟ وإذا كانت هذه النذورُ للقبور معصيةً قد نهى الله عنها ورسولُه والمؤمنون السابقون، فقد قال النبي ﷺ : "مَن نَذَرَ أن يطيعَ اللهَ فليُطِعْه، ومن نَذَر أن يَعصِيَ الله فلا يَعْصِه" (١). وقال ﷺ : "كفارة النذر كفارة يمين" (٢)، وهذا الحديث في الصحاح. فإذا كان النذرُ طاعةً لله ورسوله، مثل أن ينذرَ صلاةً أو صومًا أو حجًّا أو صدقةً أو نحو ذلك، فهذا عليه أن يَفِيَ به؟ وإذا كان النذرُ معصيةً -كفرًا أو غيرَ كفرٍ- مثل أن ينذر للأصنام كالنذور التي بالهند، ومثلما كان المشركون ينذرون لآلهتهم، مثل اللات التي كانت بالطائف، والعُزَّى التي كانت بعرفةَ قريبًا من مكة، ومناة الثالثة الأخرى التي كانت لأهل المدينة. وهذه المدائن الثلاث هي مدائن أرض الحجاز، كانوا ينذرون لها النذور، ويتعبدون لها، ويتوسَّلون

стр. 789

بها إلى الله في حوائجهم، كما أخبر الله عنهم بقوله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (١). ومثلما ينذر الجهَّالُ من المسلمين لعينِ ماءٍ أو بئرٍ من الآبار أو قناةِ ماءٍ أو مغارةٍ أو حجرٍ أو شجرةٍ من الأشجار أو قبرٍ من القبور -وإن كان قبرَ نبي أو رجلٍ صالح-، أو ينذرون زيتًا أو شمعًا أو كسوةً أو ذهبًا أو فضةً لبعضِ هذه الأشياء-: فإن (٢) هذا كلَّه نذر معصيةٍ لا يُوفَى به. لكن من العلماء من يقول: على صاحبه كفارةُ يمين، لما روى أهلُ السنن (٣) عن النبي ﷺ : "لا نذرَ في معصيةٍ، وكفارتُه كفارةُ يمينٍ". وفي الصحيح عنه أنه قال: "كفارة النذرِ كفارةُ يمين" (٤). وإذا صُرِفَ من ذلك المنذور شيءٌ في قُربةٍ من القُرُباتِ المشروعة كان حسنًا، مثلَ أن يَصرِف الدُّهنَ إلى تنويرِ بيوتِ الله، ويَصرِف المالَ والكسوةَ إلى من يَستحقّه من المسلمين من آل بيتِ رسولِ الله ﷺ ، وسائرِ المؤمنين، وفي سائر المصالحِ التي أمر الله بها ورسولُه. وإذا اعتقدَ بعضُ الجهَّال أن بعضَ هذه النذور المحرَّمة قد قَضَتْ حاجتَه بجَلْبِ المنفعةِ منِ المال والعافية ونحو ذلك، أو بدَفْع المضرَّة من العدو ونحوه، فقد غَلِط في ذلك، فقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخيرٍ، ولكنّه يُستَخرجُ به من البخيل" (٥). فعدَّ

стр. 790

النذر مكروهًا، وإن كان الوفاءُ به واجبًا إن كان المنذور طاعةً لله ورسوله ﷺ . وقد أخبرَ النبي ﷺ أن النذرَ لا يأتي بخير، وإنما يُستَخرج به من البخيل، وهذا المعنى قد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجهٍ فيما كان قُربةً محضةً لله، فكيف بنذر فيه شركٌ؟ فإنه لا يجوز نذرُه ولا الوفاءُ به. وهذا وإن كان قد غَمَرَ الإسلامَ، وكَثُرَ العكوفُ على القبور التي هي للصالحين من أهلِ البيت وغيرِهم، فعَلَى الناس أن يُطيعوا الله ورسولَه، ويتبعوا دينَ الله الذي بَعثَ به نبيَّه ﷺ ، ولا يَشرَعُوا من الدين ما لم يأذنْ به اللهُ، فإن الله إنما أرسلَ الرسلَ وأنزلَ الكتبَ ليكون الدينُ كلُّه لله، وليعبدوا الله وحدَه لا شريك له. كما قال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)) (١). وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)) (٢). وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) (٣).

стр. 791

وقال تعالى في حق الذين كانوا يدعون الملائكةَ والنبيين: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ (١). وقال: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)) (٢). وردَّ على من اتخذ شفعاءَ من دونه فقال: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)) (٣). وقال: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَى (٣١)) (٤). وقال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٥). وقال تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ

стр. 792

أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)) (١). وقال تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) (٢). وقال: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (٣). وكُتُبُ الله من أولها إلى آخرها تأمر بإخلاص الدين لله، لاسيما الكتاب الذي بُعِثَ به محمد ﷺ ، أو الشريعة التي جاء بها، فإنها كملت الدين، قال تعالى: (اليَومَ أَكَملتُ لَكُم دِينَكُم) (٤)، وقال: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨)) (٥). وقد جعل قِوامَ الأمر بالإخلاص لله والعدلِ في الأمور كلها، كما قال تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) (٦). ولقد خَلَّص للنبي ﷺ التوحيدَ من دقيقِ الشرك وجليلِه، حتى قال: "مَن حَلَفَ بغير الله فقد أشرك". رواه الترمذي وصححه (٧). وقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا

стр. 793

فليحلف بالله أو ليصمت". وهذا مشهور في الصحاح (١). وقال: "لا يقولنَّ أحدُكم ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثمَّ شاءَ محمد" (٢). وقال له رجل: ما شاءَ الله وشِئتَ، فقال: "أجَعلتَني لله نِدًّا؟ بل ما شاء اللهُ وحدَه" (٣). ورُوِي عنه أنه قال: "الشركُ في هذه الأمة أخفَى من دبيب النمل" (٤). ورُوِيَ عنه أن الرياء شرك (٥). وقال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)) (٦). وعَلَّمَ بعضَ أصحابه أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من أن أُشرِكَ بك وأنا أعلم، وأستغفرَك لما لا أعلم" (٧). ومن هذا الباب الذين يسألون الصدقةَ أو يُعطُونها لغير الله، مثل

стр. 794

من يقول: لأجلِ فلان، إما بعض الصحابة أو بعض أهل البيت، حتى يتخذَ السؤالَ بذلك ذريعةً إلى أكل أموالِ الناس بالباطل، ويَصير قومٌ ممن يَنتسِبُ إلى محبة آل البيت يُعطِي الناسَ، وآخرون ممن ينتسب إلى السنة يُعطِي الآخرين، والشيطانُ قد استحوذَ على الجميع، فإن الصدقة وسائر العبادات لا يُشْرَعُ أن تُفْعَلَ إلا لله، كما قال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)) (١). وقال تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)) (٢). وقال: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ) (٣). وقال: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (٩)) (٤). وقال تعالى كلمة جامعة: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)) (٥).

стр. 795

وعبادتُه تَجمعُ الصلاةَ وما يَدخُل فيها من الدعاء والذكر، وتَجمع الصدقةَ والزكاةَ بجميع الأنواع من الطعام واللباس والنقد وغير ذلك. والله يجعلنا وسائرَ إخواننا المؤمنين مخلصين له الدين، نعبده ولا نشرك به شيئًا، معتصمين بحبله، متمسكين بكتابه، متعلمين لما أنزل من الكتاب والحكمة، ويَصرِف عنّا شياطينَ الجن والإنس، ويُعِيذُنا أن تفرّق بنا عن سبيله، ويهدينا الصراطَ المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا. ***

стр. 796

مسألة في قصد المشاهد المبنية على القبور للصلاة عندها والنذر لها وقراءة القرآن وغير ذلك

стр. 797

مسألة ما يقول سيدنا الإمام العلامة تقي الدين -أيَّده الله تعالى- في مشهدٍ فيه شريف مدفون من أولاد زين العابدين، والناس يقصدونه ليصلُّوا عنده الصلواتِ الخمسَ، وينذرون له، ومنهم من يَقصِد البركة، ومنهم من يعتقد أن الصلاة عنده أفضل مما سواه من المساجد. فهل هم مصيبون أم مخطِئون؟ وهل لهم أجر أم لا؟ وهل يُثابُ من يَتصدَّق أو يَبَرُّ قَيِّمَ المشهد المذكور أو الفقراءَ الذين يقعدون عند المشهد المذكور؟ وأيضًا يَقعُد في المشهد قُرَّاء يقرأون القرآن العظيم بلا أجرةٍ من العشاء إلى بكرة، فهل يُؤجَرون على ذلك أم لا؟ وهل للميِّت أجر باستماعِه القرآن أم لا؟ والذين يقرأون القرآن في التُّرَبِ بالأجرة وفي الختم التي يعملونها، مثل الذي يسمونه الثالث والسابع وتمام الشهر وتمام الحول، ويُنشِدون الأشعارَ الفراقيات ليبكي أهل الميت، وينقطوه بالفضة، والوعاظ أيضًا والذين يقرأون القرآن في الطرقات والأسواق حتى يتصدق عليهم، فما حكمهم؟ والحديث الذي يُذكَر فيه أن الميت يُعذَّبُ ببكاء أهلِه عليه، وقول عائشة: إنما كانت يهودية، وقوله ﷺ : "إن الله لا يُعذِّب بدمع العين ولا بحُزْنِ القلب، ولكن بهذا" وأشار إلى لسانه. وإذا كان أحدٌ يَتحدَّث في عليم أو صلاةٍ أو ذِكرٍ أو حديثٍ مباح، أو ينام، فهل يجوز لأحدٍ أن يجهر بالقرآن ليُشَوِّش عليهم؟ أفتونا مأجورين، رضي الله عنكم. أجاب ﵁ الحمد لله. اتفق أئمة المسلمين ﵃ أجمعين- على

стр. 798

أن المشاهد المبنية على القبور، سواء كان قبر بعض الصالحين أو بعض الصحابة أو بعض أهل البيت، أو قبر نبي من الأنبياء أو غير ذلك، سواءٌ كان عُلِمَ أنه قبر الميت المسمَّى أو عُلِمَ أنه ليس قبره أو جُهِلَ الحال-: اتفقوا كلُّهم على أن الصلاة فيها ليست أفضلَ من الصلاةِ في المساجد، بل ولا في سائر البقاع التي تجوز الصلاةُ فيها، وأنه لا يُشرَع لأحدٍ أن يَقصِدَها لأجل الصلاة عندها، لا الصلوات الخمس ولا غيرها. بل قصدُها للصلاة عندها والتبرك بالصلاة هناك خصوصًا لم يأمر الله به ولا رسولُه، وولا أحدٌ من الصحابة ولا من أئمة المسلمين، لا أهل البيت ولا غيرهم، ولا ذكروا أن في ذلك ثوابًا أو أجرًا أو قُربةً. بل قد استفاضت السنن عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين بالنهي في ذلك، وصرَّح غير واحدٍ من أئمة المسلمين أن النهي عن اتخاذ المساجد على القبور نهي تحريم، كما في الصحيحين (١) عن عائشة ﵂ وابن عباس ﵄ قالا: لما نُزِل برسولِ الله ﷺ طفق يَطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفَها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنةُ اللهِ على اليهود والنصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد" يُحذِّر ما صنعوا. وفي الصحيحين (٢) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد". وفي صحيح مسلم (٣) عن جُندب بن عبد الله البجلي قال: سمعتُ النبي ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ

стр. 799

وهو يقول: "إني أَبْرَأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيمِ خليلًا، ولو كنتُ متخذًا من أمتي خليلا لاتخذتُ أبا بكير خليلًا. أَلَا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبورَ أنبيائهم مساجدَ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك". وعن أبي مَرثد الغنوي أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تُصلُّوا إليها". رواه مسلم (١). وعن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ زوَّاراتِ القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج. رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة أبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي (٢)، وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: صحيح. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، لولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (٣). والأحاديث والآثار في هذا عن النبي ﷺ وأصحابه وسلفِ الأمة وأئمتِها وسائرِ علماء الدين كثيرة. فمن اعتقد أن الصلاة عندها فيها فضيلة على غيرها، أو أنه ينبغي أن يُقصَد الصلاة عندها [و] أن في ذلك أجرًا ومثوبةً، فهو مخطئٌ ضالّ باتفاقِ أئمة المسلمين.

стр. 800

وكذلك العكوف عندها والمجاورة عندها ليس مشروعًا باتفاق المسلمين ولا واجبًا ولا مستحبًّا، بل ذلك من البدع المذمومة المنهيّ عنها. وإنما تكون البقعة التي يُشرَع العكوف فيها والمجاورة فيها: المساجد، كما قال الله تعالى: (تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (١). وكان النبي ﷺ يعتكف في مسجدِه في العشر الأواخر من رمضان (٢)، واعتكف مرةً عشرين يومًا (٣)، وترك مرةًا لاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فقضاه في شوال (٤). وهذا هو المشروع للمسلمين. و زيارة القبور جائزةٌ على الوجه المأذون فيه ، فإن كان الميت كافرا فيُزَار للاعتبار بالموت ولا يُدعَى له، كما في صحيح مسلم (٥) عن النبي ﷺ أنه قال: "استأذنتُ ربي في أن أزور قبرَ أمّي فأَذِنَ لي، واستأذنتُه في أن أستغفر لها فلم يُؤذَن لي، فزوروا القبور، فإنها تُذكّركم الآخرة". وإنما زار قبرَ أمّه دون أبيه لأنها كانت على طريقِه عامَ فتح مكة، فاجتاز بقبرها عند مكة فزارَها، ورُوِي أنه زارَها في ألف مقنع، فبكَى وأَبكَى مَن حولَه (٦). وأما أبوه فلم يمرّ بقبره.

стр. 801

ولم يأذن ربُّه له في الاستغفار له لأن الاستغفار إنما يكون للمؤمنينِ، قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)) (١)، ثم قال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)) (٢). فإن إبراهيم استغفر لأبيه بقوله فيما ذكر الله عنه (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)) (٣)، ووعده بذلك في قوله: (سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)) (٤). فشرع له القدوة بإبراهيم إلا في ذلك بقوله: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) (٥). ولما نَهى المؤمنين عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى فاحتج بعض الناس بإبراهيم، فبيَّن سبحانَه الجواب بقوله: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ)، فإن أباه مات كافرًا. ومن قال "إنه مات مؤمنًا" من الرافضةِ الجهّالِ أو غيرِهم فقد خالفَ الكتابَ والسنة والإجماع. وكذلك أبو النبي ﷺ وعمُّه أبو طالب، وفي صحيح مسلم (٦) أن

стр. 802

رجلًا قال: يا رسولَ الله! أين أبي؟ فقال: "إنّ أباك في النار". فلما أدبَر دعاه فقال: "إنّ أبي وأباك في النار". وفي الصحيحين (١) أنه لما حَضرتْ أبا طالب الوفاة دخلَ النبي ﷺ إليه وعنده أبو جهلٍ وعبد الله بن أمية، فقال: "يا عمِّ! قل لا إله إلا الله، كلمةً أُحَاجُّ لك بها عند الله". فقالا: يا أبا طالبٍ! أترغبُ عن ملَّة عبد المطلب؟ فكان آخر شيء قاله: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ : "لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عنك"، فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)) (٢). وفي الصحيح (٣) أن العباس قال: يا رسولَ الله! عمُّك الشيخ الضالُّ كان يَحُوطُك ويصنع لك، فهل نَفَعْتَه بشيء؟ فقال: "وجدتُه في غمرةٍ من النار، فشَفَعتُ فيه، فجُعِلَ في ضَحضاحٍ من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، أو كما قال ﷺ . وهذه الأحاديث الصحيحة توافق ما اتفق عليه أئمة المسلمين في أنه ماتَ كافرًا، وتُبيِّن كَذِبَ من ادَّعَى من الجهّال الرافضة وغيرِهم أنه مات مؤمنًا. ويحتج بما ذكر ابن إسحاق في "السيرة" (٤) من أنه جعل يُهَمْهِمُ عند الموت، وأن العباس قال للنبي ﷺ : إنه قد قال الكلمة التي تطلبها أو نحو ذلك. فإنَّ الذي في الصحيح بيَّن أن العباس لم

стр. 803

يكن حاضرًا، وأن العباس علم أنه مات ضالًا، وأنه سألَ النبي ﷺ هل نفَعَه نَصرُه لك مع كفره، فأخبره النبي ﷺ أن ذلك نفعَه، بشفاعة النبي ﷺ في تخفيفِ العذاب لا في رفعِه، ولو كان قد مات على الإيمان لم يكن في العذاب، ولم يُنْهَ النبي ﷺ عن الاستغفار له، ولقُرِنَ ذكره بذكر حمزة والعباس، ولكان قد صلى عليه النبي ﷺ وابنُه عليّ. بل الاستغفارُ للمنافقين الذين يُظهِرون الإسلامَ ويُبطِنون الكفرَ غيرُ نافع لهم ولا جائز إذا عُلِمَ حالُهم، كما قال تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (١)، وقال تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)) (٢). وأما زيارة قبور المؤمنين فجائزة بل مستحبة، كما سنَّها رسول الله ﷺ ، فإن الزيارة نوعان: شرعية وبدعية، والشرعية السلامُ على الميت والدعاء له، بمثل أن يقال (٣): "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية، اللهم لا تحرمنا أجرَهم ولا تَفْتِنّا بعدهم، واغفر لنا ولهم". فالزيارة المشروعة من جنس الصلاة على الجنازة، وكلاهما المقصود به الدعاء للميت، والله تعالى يرحم الميت بدعاء المسلمين، ويرحم الداعين له أيضًا، فيُثيبُ هذا وهذا كما يُثيب المصلين على الجنازة، فمن صلَّى على جنازة إيمانًا واحتسابًا كان له قيراط من الأجر، ومن شيَّعَها حتى تُدفن

стр. 804

كان له قيراطان (١). والله تعالى يَقبل شفاعة المؤمنين ودعاءهم للميت، كما جاء في الحديث الصحيح (٢) أنه إذا شفع فيه مئة من المؤمنين شفعهم الله فيه، وفي حديث آخر في الصحيح (٣): إذا شفع فيه أربعون، وفي حديث آخر (٤): إذا كانوا ثلاثة صفوف. ولهذا كانوا يستحبون أن لا تنقص صفوف الجنازة عن ثلاثة. والمؤمنون مأمورون بدعاءِ بعضهم لبعض، حتى يدعو الفاضلُ للمفضول وبالعكس، قال ﷺ في الحديث الصحيح (٥): "إذا سمعتمٍ المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صَلُّوا عليَّ، فإنه من صلَّى عليَّ مرة صلّى الله عليه عشرًا، ثمَّ سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له شفاعتي يوم القيامة". وقال: "ما من مؤمن يَدعُو لأخيه بظهر الغيب بدعوةٍ إلا وكَّلَ الله به مَلَكًا، كلَّما دعا لأخيه بدعوة قال الملك: ولك بمثلٍ" (٦). وأما الزيارة البدعية فمثل التمسُّح بالقبر أو تقبيله أو قصده للصلاة عنده والدعاء وطلب الحوائج من الميت، وأمثال ذلك مما هو من

стр. 805

جنس فعل المشركين والنصارى، ولهذا قال النبي ﷺ فيما رواه مالك في الموطأ (١): "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد، اشتدَّ غَضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد". وقد ذكر غير واحدٍ من السلف (٢) أن أصل عبادة الأصنام كان ذلك، فقالوا في قوله (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)) (٣): إن هذه أسماء قوم كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثمّ صوَّروا تماثيلهم، وهذه الأصنام صارت إلى العرب، حتى بعث الله رسوله بأن يُعبَد الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك من عبادة الأوثان وغير ذلك، وبيَّن أن أصل الدين أن يعبد الله لا يُشرك به شيئًا. وفي الصحيح (٤) أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل: "يا معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يَعبدوه ولا يُشرِكوا به شيئًا، أتدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن لا يُعذِّبَهم". وفي الصحيحين (٥) عنه أنه قال: "الإيمان بضع وستون أو وسبعون شعبةً، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".

стр. 806

وفي الترمذي (١) عنه أنه قال: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". وفي الموطأ (٢): "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وفي الصحيحين (٣) عنه أنه قال: "من قال في يومٍ مئةَ مرة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، كانتْ له عِدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكُتِبَ له مئةُ حسنةٍ، وحُطَّ عنه مئةُ سيئةٍ، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسِيَ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به إلا رجلٌ قال مثل ما قال أو زاد عليه. ومن قال في يوم: "سبحان الله وبحمده" مئة مرةٍ حُطَّتْ عنه خطاياه ولو كانت مثلَ زبَدِ البحر". وأما النذر لها فينبغي أن يُعلَم أن أصل النذر مكروه منهيٌّ عنه بلا نزاع أعلمه بين الأئمة، لما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به [من] البخيل" (٤). وفي الصحيحين أيضًا عنه أنه قال: "إن النذر يَرُدُّ ابنَ آدم إلى القدر، فيُعطِي على النذر مالا يُعطي على غيرِه" (٥). فبيَّن ﷺ أن النذر لا يَجلِب خيرًا ولا يَدفَع شرًّا، ولكن يقع مع

стр. 807

النذر ما كان واقعًا بدون النذر، فيبقَى النذرُ عديمَ الفائدة، لكنه يَستخرِج من البخيل، فإنه يُخرِج بالنذر مالا يُخرِجه بدونه، ونهى عن النذر لأن فيه التزام شيء لم يكن لازمًا، وقد لا يَفعَلُه فيبقَى متلومًا، كما قال تعالى:) وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ) (١). ولهذا يجب الوفاء بالنذر إذا كان المنذور طاعةً، وإن كان نفس النذر منهيًّا عنه، كما أن العبد منهيٌّ عن الظهار، وإذا ظَاهَرَ لزمتْه الكفارة، فالمنهي عنه إن كان فيه إيجاب أو تحريمٌ لزمَ المنهي عقوبةً له، وإن كان فيه إباحة لم تبح، لأن المنهي عنه معصية، والمعصية لا تكون سببًا للمنعة الشرعية. وفي صحيحِ البخاري (٢) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من نَذر أن يُطيع الله فليُطِعه، ومن نذر أن يَعصِيَه فلا يعصِه". وعلى هذا اتفق أهلُ العلم، اتفقوا على أن المنذور إذا كان طاعةً -كالصلاة الشرعية والحج الشرعي وِالصيام الشرعي والصدقة الشرعية والعتق الشرعي ونحو ذلك- فإنه يُوفى به، وإذا كان المنذور معصيةً لم يجز الوفاء به، لكن هل عليه كفارة يمينٍ؟ على قولين للعلماء، أحدهما: لا شيء عليه، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي؟ والثاني: عليه كفارة يمين، وهو ظاهر مذهب أحمد، لما في الصحيح (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "كفارة

стр. 808

النذر كفارة يمين". وفي السنن (١) عنه: "لا نذرَ في معصية، وكفارتُه كفارةُ يمين". وإذا كان كذلك فمن نَذَر زيتًا لقبرٍ ليُسْرَج عليه أو للعاكفين عند القبر وسَدَنةِ القبر ونحوهم فهذا نذرُ معصيةِ، فإن الإيقادَ على القبور منهيٌّ عنه، والعكوف عند القبور والمجاورةُ عندها منهي عنه، والإعانة على ذلك إعانة على الإثم والعدوان. ولا يشك أحد من العلماء أنه ليس بطاعةٍ ولا بِرٍّ، وإذا لم يكن كذلك فلا يجب الوفاء بهذا النذر باتفاق المسلمين، فإن الوفاء إنما يجب بنذر الطاعة، لا بنذر المباح ولا المكروه ولا المحرم، بل تنازع العلماء: هل يجب بنذرِ كل طاعةٍ أو نذرِ ما كان جنسه واجبًا بالشرع؟ فقال الأكثرون كمالك والشافعي وأحمد بالأول؟ وقال أبو حنيفة بالثاني، ولهذا لا يجب عنده الوفاء إذا نذرَ إتيانَ مسجدِ المدينة أو مسجدِ بيت المقدس، لأن جنس ذلك ليس واجبًا بالشرع بخلاف إتيان مكة للحج والعمرة، فإن الوفاء بذلك لا نزاعَ فيه، لأن جنس الحج والعمرة واجب بالشرع؛ وعلى قول الجمهور يُوفَى بالنذر في إتيان مسجد المدينة والمسجد الأقصى لمن يقصِد الصلاةَ هناك أو الاعتكافَ، لكن إذا أتَى الفاضلَ أغنى عن المفضول، فمن أتى في نذره ذلك المسجد الحرام أغناه عن الآخرَينِ، ومن أتَى مسجد المدينة أغناه عن الأقصى، وأما المسجد الحرام فهو أفضل المساجد، لا يقوم غيرُه مقامَه، به الطواف، وإليه الصلاة والحج.

стр. 809

و لا ثوابَ على إعانة العاكفين على القبور والمجاورين عندها بصدقةٍ ولا غيرِها ، لا من العوام والفقراء ولا غيرهم. ولا يَصلُح قصدُ المقابرِ للاجتماع على صلاةٍ ولا قراءةٍ ولا غيرها، فإن هذا أعظمُ من صلاة الآحاد عندها، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه أبو داود في سننه (١): "لا تتخذوا قبري عيدًا". وهذا اتخاذ القبر عيدًا يُعادُ إليه فيجتمع عنده. ولم يقل أحدٌ من علماء المسلمين أن الاجتماع هناك لقراءة القرآن أفضلُ من الاجتماع للقراءة في المساجد والبيوت، بل اتفق المسلمون على أن الاجتماع لقراءة القرآن في المساجد والبيوت أفضل من الاجتماع لقراءتهِ في مشاهد القبور. وفي الصحيح (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "ما اجتمِع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتابَ الله ويتدارسونه بينهم إلا غشِيَتْهم الرحمةُ، ونزلتْ عليهم السكينةُ، وحفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". ولم يقل أحدٌ من أئمة الدين أن الميت يُؤجَر على استماعِه للقرآن، وإن قال ذلك بعض المتأخرين الذين ليسوا أئمة، فإنه ثبت في الصحيح (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعَ عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية أو علمٍ يُنتَفع به أو ولدٍ صالح يدعو له". فقد أخبر أن عملَه ينقطع من سوى المسمَّى، والاستماع الذي يُؤجَر عليه من الأعمال، والميت يسمع بلا ريبٍ، كما ثبتَ ذلك بالنصوصِ واتفاقِ أهل السنة، كما في الصحيح (٤) أنه "يسمع خَفْقَ نعالِهم حتى

стр. 810

يُولُّون عنه مُدبرِين"، وأنه لما خاطبَ أهلَ قليب بدرٍ قال (١): "ما أنتم بأسمَعَ لما أقول منهم". ولهذا أمر الزائر أن يُسَلِّم على الميت، ولولا أنه يسمع السلام لم يُؤمَر بالسلام عليه. وقد قال ابن عبد البر (٢): ثبت عنه ﷺ أنه قال: "ما من رجلٍ يَمُرُّ بقبرِ رجلٍ يعرفُه في الدنيا فيُسَلِّم عليه إلا ردَّ الله عليه روحَه حتى يَرُدَّ ﵇". لكن الإدراك لا يستلزم أن يكون مما يُؤجَر عليه ويُثَابُ عليه، وإن كان الميت يَتنعَّم ببعض ما يسمعه، كما يُعذَّب بالنياحة عليه. وليس تعذيبُه عِقابًا على النياحة، لأنها ليست من عمله، وإنما هي من جنس الآلام التي تَلْحَق العبدَ من غير عملِه، كشَمِّ الروائح الخبيثة وسَمْع الأصواتِ المنكرة ورؤية الأشياء المروِّعة. ولو كان هذا الاستماع مما يُؤجر عليه لكان الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين أحقَّ بعمل ذلك. ولم يكونوا يجتمعون عند القبر لختم القرآن عنده، كما يفعل ذلك بعضُ المتأخرين، بل تنازع العلماء في القراءة عند القبر: فكرهَها أبو حنيفة ومالك وأحمد في أكثر الروايات عنه، ورخَّص فيها في الرواية الأخرى لما بلغَه عن ابن عمر أنه وصَّى أن يُقرأ عند دفنِه بفواتح البقرةِ وخواتمها. والرخصة إمّا مطلقًا وإمّا حالَ الدفنِ خاصةً، ولكن اتخاذ ذلك سنةً راتبةً لم يذهب إليه أحد من أئمة المسلمين. فإذا كان هذا حال من يقرأ القرآن محتسبًا فكيف من يقرؤه بالكراء، فإن العلماء قد تنازعوا في جواز الاستئجار على تعليم القرآن والفقه والحديث والإمامة في الصلاة والأذان والحج عن الغير، فقيل: يجوز ذلك، كما هو في مذهب الشافعي ومالك قريب منه، وقيل: لا يجوز،
следующие страницы →