← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فإن قيل: فقد أثبتم أن فعل جماعة المؤنث معرب، وهذا خلاف لسيبويه ومن وافقه من النحويين، فإنهم زعموا أنَّه مبني، وإن اختلفوا في علة بنائه؟ قلنا: بل هو وِفاق لهم؛ لأنهم علَّمونا وأصَّلوا لنا أصلاً صحيحاً، فلا ينبغي لنا أن ننقضه ونكسره عليهم، وهو وجود (ظ/٢٤ أ) المضارَعَة الموجبةِ للإعراب، وهي موجودة في "يَفْعَلْنَ" و"تَفْعَلْنَ"، فمتى وُجِدت الزوائدُ الأربع وُجِدت المضارعة، وإذا وُجدت المضارعة وُجد الإعراب. فإن قيل: فهلَّا عوَّضوا من حركة الإعراب في حال رفعه نوناً (١) كما فعلوا في "يفعلون"؛ لأنه -أيضاً- واقع موقع الاسم؟. قلنا: قد تقدم ما في "يفعلون" و"يفعلان" من وجوه الشَّبه بينه وبين جمع السلامة في الأسماء، فمنها: الوقوع موقع الاسم، ومنها: المضارَعَة في اللفظ من جهة حروف المدِّ واللِّين، وهذا الشبه معدوم في "يَفْعَلْنَ" من جهة اللفظ؛ لأنه ليس مثل لفظ "فاعلين" ولا "فاعلات"، وإن كان واقعاً موقعه في حال الرفع. فائدة (٢) لما كانت الأيام متماثلة لا يتميز يوم من يوم بصفة نفسية ولا معنوية؛ لم يبقَ تمييزها إلا بالأعداد، ولذلك جعلوا أسماء أيام الأسبوع مأخوذة من العدد، نحو: الاثنين والثلاثاء والأربعاء، أو بالأحداث الواقعة فيها؛ كيوم بُعَاث ويوم بدر ويوم الفتح، ومنه: يوم الجمعة، وفيه قولان:

стр. 247

أحدهما: لاجتماع الناس فيه للصلاة. والثاني: -وهو الصحيح- لأنَّه اليوم الذي جمع فيه الخلق وكمل، وهو اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين لفصل القضاء. وأما يوم السبت: فمن القطع كما تُشْعِر به هذه المادة، ومنه (١) السُّبَات لانقطاع الحيوان فيه عن التحرُّك والمعاش. والنِّعال السبتية التي قُطِع عنها الشعر، وعِلَّة السُّبات التي تقطع العليل عن الحركة والنطق، ولم يكن يوماً من أيام تخليق العالم، بل ابتداء أيام التخليق (ق/ ٣٣ أ) الأحد، وخاتمتها الجمعة، وهذا أصحّ القولين، وعليه يدل القرآن وإجماعُ الأمةِ على أن أيامَ تخليقِ العالم (٢) ستة، فلو كان أولها السبت لكانت سبعة. وأما حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في "صحيحه" (٣): "خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ"؛ فقد ذكرَ البخاريُّ في "تاريخه" (٤): أنَّه حديث مَعْلول، وأن الصحيح أنَّه قول كعب، وهو كما ذكر؛ لأنه يتضمَّن أن أيام التخليق سبعة، والقرآن يرده (٥). واعلم أنّ معرفة أيام الأسبوع لا يعرف بحسٍّ ولا عقل ولا وضع يتميز به الأسبوع عن غيره، وإنما يُعلم بالشرع، ولهذا لا يَعْرف أيامَ الأسبوع إلا أهل الشرائع، ومن تلقَّى ذلك عنهم وجاورهم، وأما

стр. 248

الأمم التي لا تدين بشريعة ولا كتاب؛ فلا يتميز الأسبوع عندهم من غيره، ولا أيامه بعضها من بعض، وهذا بخلاف معرفة الشهر والعام، فإنَّه بأمرٍ محسوس. فائدة (١) في "اليوم" و"أمس" و"غد"، وسبب اختصاص كل لفظ بمعناه . اعلم أن أقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه، فيقال: "فعلت اليوم"، فذكر الاسم العام ثمَّ عُرِف بأداة العهد، ولا شيءَ أعرفَ من يومك الحاضر، فانصرفَ إليه، ونظيره "الآن" من آن، و"الساعة" من ساعة، وأما "أمس" و"غد"؛ فلما كان كل واحد منهما متصلاً بيومك اشتُقَّ له اسم من أقرب ساعةٍ إليه، فاشْتُق لليوم الماضي أمس الملاقي للمساء، وهو أقرب إلى يومك من صاحبه، أعني: صباحَ غدٍ، فقالوا: أمس، وكذلك قالوا: "غد" اشْتُق له اسم (٢) من الغدوِّ، وهو أقرب إلى يومك من مسائه، أعني: مساءَ غدٍ. وتأمل كيف بنوا "أمس" وأعربوا "غداً"؛ لأن "أمس" صِيْغ من فعل ماض وهو أمسى، وذلك مبنيّ، فوضعوا أمس على وزن الأمر من (٣) أمسى يُمسي، وأما "الغد" فإنَّه لم يؤخذ من مبنيّ إذ لا يمكن أن يقال: هو مأخوذ من "غدا"، كما (٤) يمكن أن يقال "أمس" من "أَمسى"، بل أقصى ما يمكن فيه أن يكون من "الغدوِّ" و"العُدْوة"،

стр. 249

وليسا بمبنيين، وهذه العلة أحسن من علة النحاة أن "أمس" بُنِيَ لتضمنه معنى اللام، وأصله الأمس. قالوا: لأنهم يقولون: "أمسِ الدابر" فيصفونه بذي اللام، فدلّ على أنَّه معرفة، ولا يمكن أن يكون معرفة إلا بتقدير اللام، وهذا أولاً منقوض بقولهم: "غداً الآتي"، فيلزم على طرد علتهم أن يبنوا "غداً". وأيضاً: فإن "أمس" جرى مجرى الأَعلام، وهو -والله أعلم- بمنزلة: "إصْمِت" "وأطْرِقا" (١) مما جاء منها بلفظ الأمر اسم علم لمكان، يقول الرجل لصاحبه فيه: "اصمت" إذا [جاوره]، فـ"اصمت" في المكان كـ"أمس" في الزمان، ولعله (٢) أُخِذَ من قولهم (ظ/٢٤ ب): "أمس بخير" و"أمس معنا" ونحوه، ولا يقال: كيف يدعى فيه العلمية مع شِياعه (٣) لأنا نقول: علميته ليست كعلمية "زيد" و"عمرو" بل كعلمية "أسامة" و"ذؤالة"، و"برة" و"فجار" (ق/٣٣ ب) وبابه مما جعل الجنس فيه بمنزلة الشخص في العلم الشخصي. فإن قيل: فما الفرق بينه وبين (٤) اسم الجنس إذاً؟. قيل: هذا مما أعضلَ على كثيرٍ من النُّحاة حتى جعلوا الفرق بينهما لفظيّاً فقط، وقالوا: يظهر تأثيره في منع (٥) الصرف، ووصفه بالمعرفة، وانتصاب الحال عنه، ونحو ذلك، ولم يهتدوا لسرِّ الفرق

стр. 250

بين أنَّ موضعَ اللفظ لواحدٍ منهم منكر شائع في الجنس، ولمسمَّى الجنس المطلق، فهنا ثلاثة أمور تَتبعها ثلاثةُ أوضاع: أحدها: واحد (١) معرف معين من الجنس له العلم الشخصي كـ "زيد". والثاني: واحد منهم شائع في الجنس، غير معرف فله الاسم النكرة كـ "أسد" من الأسد. الثالث: الجنس المتصوَّر في الذِّهن، المنطبق على كلِّ فردٍ من أفراده، وله عَلَم الجنس كـ"أُسامة"، فنظير هذا "أمس" في الزمان، ولهذا وُصِف بالمعرفة، فاعْلَق بهذه الفائدة التي لا تجدها في شيءٍ من كتب القوم، والحمد لله الواهب (٢) المانّ بفضله. فائدة (٣) المشهور (٤) عند النحاة أن حذف لام "يد" و"دم" و"غد"، وبابه حذف اعتباطي لا سبب له؛ لأنهم لم يروه جارياً على قياس الحذف، وقد يظهر فيه معنى لطيف وهو: أن الألفاظ جُعِلت قوالب للمعاني و [مكاسي] (٥) لها، تزيد بزيادتها، وتنقص بنقصانها، وهذه الألفاظ (٦) أصلها المصادر الدالة على الأحداث، فأصل "غد" مصدر غَدَا

стр. 251

يغدو غَدْواً، بوزن رَمَى، وأصل "م" دَمِيَ، بوزن فَرِحَ مصدر دَمِيَ يَدْمَى كبَقِيَ يَبْقَى. وأصل "يد" كذلك "يَدِي" من يَدَيْتُ إليه يَدْياً ثمَّ حذفوا، فقالوا: يداً، وكذلك "سم" أصله: "سمو" من: سما يَسْمو سموّاً، كعلم يعلم علماً، فلما زُحْزِحت عن أصل موضوعاتها وبقي فيها من المعنى الأوّل ما يُعلم أنها مشتقة منه؛ حُذِفت منها لاماتها بإزاء ما نقص من معانيها، ليكون النقص في اللفظ موازياً للنقص في المعنى، فلا يستوفي حروف الكلمة بأسرها إلا عند حصول المعنى بأَسْرِه. فائدة (١) دخول الزوائد على الحروف الأصلية مُنْبِئة [عن] معانٍ زائدة (٢) على معنى الكلمة التي وضعت الحروف الأصلية عبارة عنه، فإن كان المعنى الزائد آخراً كانت الزيادة آخراً، كنحو "التاء" في "فعلت"؛ لأنها تُنبئ عما رُتْبته بعد الفعل، وإن كان المعنى الزائد أولاً، كانت الزيادة الدالة عليه سابقة على حروف الكلمة، كالزوائد الأربع، فإنها تُنبئ أن الفعل لم يحصل بَعْدُ لفاعله، وأن بينه وبين تحصيله جزءاً من الزمان، وكان الحرف الزائد السابق لِلَّفظ مشيراً (٣) في اللسان إلى [ذلك] الجزء من الزمان، مُرتَّباً في البيان على حسب ترتب المعنى في الجَنَان، وكذلك حكم جميع ما يَرِد عليك في كلامهم. فإن قيل: فهلَّا كانت الياء مكان "التاء" و"الهمزة".

стр. 252

قيل: أصل هذه الزوائد "الياء"؛ بدليل كونها في الموضع الذي لا يحتاج فيه إلى الفرق بين مذكَّر ومؤنَّث، وهو فعل جماعة النساء، فإنك إذا قلت: النسوة يقمن، (ق/ ٣٤ أ) فالفرق حاصل بالنون. وأيضا: فأصل الزيادة لحروف المدِّ واللين، والواو لا تزاد أولًا لئلا يشتبه بـ "واو" العطف، والألف يتعذَّر أولًا لسكونها، فلم يبق إلا "الياء" هي الأصل، فلما أريد الفرق كانت الهمزة للمتكلم أولى؛ لإشعارها بالضمير المستتر في الفعل؛ إذ هي أول حروف ذلك الضمير إذا برز، فلتكن مشيرة إليه إذا خَفِيَ. وكانت النون لفعل المتكلم أولى لوجودها في أول لفظ الضمير الكامن في الفعل إذا ظهر، فلتكن دالة عليه إذا خفي واستتر، وكانت "التاء" من "تفعل" للمخاطب لكونها في الضمير المستتر فيه، وإن لم تكن في أول اللفظ -أعني "أنت"- ولكنها في آخره، ولم يخصّوا بالدلالة (١) عليه ما هو في أول لفظه -أعني الهمزة- لمشاركته للمتكلم فيها وفي "النون"، فلم يبق من لفظ الضمير إلا "التاء" فجعلوها في أول الفعل عَلَمًا عليه وإيماءً إليه (٢). فإن قيل: فكان يلزم على هذا أن تكون الزيادة في فعل الغائب هاء، لوجودها في لفظ ضمير الغائب إذا برز؟. قيل: لا ضمير في الغائب (٣) في أصل الكلام وأكثر موضوعه؛ لأن الاسم الظاهر يُغني عنه، ولا يستتر ضمير الغائب حتى يتقدَّمه

стр. 253

مذكور يعود عليه، وليس كذلك فعل المتكلم والمخاطب والمخبرين عن أنفسهم، فإنه لا يخلو أبدًا عن ضمير؛ ولا يجيء بعده اسم ظاهر يكون فاعلًا به (١) ولا مضمرًا أيضًا، إلا أن يكون توكيدًا للمضمر المنطوي عليه الفعل. ومن هاهنا (ظ/٢٥ أ) ضارعت الأسماء حتى أُعْرِبت؛ وَجَرت مجراها فى دخول (٢) لام التوكيد وغير ذلك؛ لأنها ضُمِّنت معنى الأسماء بالحروف التى في أوائلها، فهي من حيث دلَّت على الحدث والزمان فعلٌ محض، ومن حيثُ دلَّت بأوائلها على المتكلم والمخاطب وغير ذلك متضمِّنة معنى الاسم، فاستحقت الإعراب الذي هو من خواصِّ الاسم، كما استحق الاسم المتضمِّن معنى الحرفِ البناءَ. فائدة (٣) فعل الحال لا يكون مستقبلًا وإن حَسُن فيه "غَدٌ" كما لا يكون المستقبل حالًا أبدًا ولا الحال ماضيًا، وأما "جاءني زيد يسافر غدًا"، فعلى تقدير الحكاية له إذا وقع، وهي حال مقدرة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٣٠]، والوقوف مستقبل لا محالة، ولكن جاء بلفظ الماضي حكاية لحال يوم الحساب فيه؛ لأنه (٤) يترتب على وقوف قد ثبت، وكذلك (٥): ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٩] وهو كثير، الوقت مستقبل والفعل

стр. 254

بلفظ الماضي، ونحوه: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ [القصص: ١٥] وهذا (١) حكاية للحال: فكذلك: "يقوم زيد غدًا"، هو على التقدير والتصوير لهيئته إذا ووقع، وهذا لأنَّ الأصل أن لا يُحكم للفظين متغايرَيْن بمعنى واحد إلا بدليل، ولا للفظ واحد بمعنيين إلا بدليل. فائدة (٢) حروف المضارعة -وإن كانت زوائد- فقد صارت كأنها من أنفس الكلم، وليست كذلك "السين" و"سوف"، وإن كانوا قد شبهوهما بحروف المضارعة والحروف (ق/ ٣٤ ب) الملحقة بالأصول، ولذلك تقول: "غدا يقوم زيد"، فتقدم الظرف على الفعل، كما تفعل ذلك في الماضي الذي لا زيادة فيه، نحو: "أمس قام زيد"، ولا يستقيم هذا في المقرون بـ "السين"، و"سوف"، لا تقول: "غدًا سيقوم (٣) زيد"؛ لوجوه: منها: أن "السين": تُنْبِئ عن معنى الاستئناف والاستقبال للفعل، وإنما يكون مستقبلًا بالإضافة إلى ما قبله، فإن كان (٤) قبله ظرف أخرجته "السين" عن الوقوع في الظرف، فبقي الظرف لا عامل فيه، فبطل الكلام. فإذا قلتَ: "سيقوم غدًا"، دلَّت السينُ على أن الفعل مستقبل بالإضافة إلى ما قبله، وليس قبله إلا حالة المتكلم، ودلّ لفظ "غدًا" على استقبال اليوم فتطابقا، وصارًا ظرفًا له.

стр. 255

الثاني: أن "السين" و"سوف" من حروف المعاني الداخلة على الجمل، ومعناها في نفس المتكلم وإليه يسند لا إلى الاسم المخبَرِ عنه، فوجب أن يكود له صدر الكلام، كحروف الاستفهام والنفي والنهي (١) وغير ذلك، ولذلك قَبُح: "زيدًا سأضرب" و"ريدٌ سيقوم"، مع أنَّ الخبرَ عن زيد إنما هو بالفعل لا بالمعنى الذي دلت عليه "السين"؛ فإن ذلك (٢) المعنى مستند إلى المتكلم لا إلى زيد؛ فلا يجور أن يخلط بالخبر عن زيد، فتقول: زيد سيفعل. فإن أدخلت (٣) "إن" على الاسم المبتدأ جاز دخول "السين" في الخبر لاعتماد الاسم على "إن" ومضارعتها للفعل، فصارت في اللفظ مع اسمها كالجملة التامة، فصلح دخول "السين" فيما بعدها، وأما مع عدم "إن" فيقْبُح ذلك، وهذا مذهب أبي [الحسين] (٤) شيخ السهيلي. قال السهيلي (٥): فقلتُ له: أليس قد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [النساء: ٥٧ و ١٢٢] فقال لي: اقوأ ما قبل الآية، فقرأت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، فضحكَ وقال: قد كنت أفزعتني، أليست هذه "إن" في الجملة المتقدمة، وهذه الأخرى معطوفة بالواو عليها، والواو تنوب مناب تكرار (٦) العامل

стр. 256

فسلَّمتُ له وسكتُّ (١). قال: ونظير هذه المسألة مسألة "اللام" في "إن"، تقول: "إِن زيدًا لقائم"، ولا تقول: "زيد لقائم"، والمصحِّح لتقديم الظرف على الفعل الماضي: أن معنى المُضِيِّ مستفاد من لفظه، لا من حرف زائدٍ على الجملة منفصل عن الفعل كـ "السين"، و"قد"، وأما فِعْل الحال فزوائده ملحقة بالأصل، فإن أدخلت (٢) على الماضي "قد" التي للتوقع؛ كانت بمنزلة "السين" التي للاستئناف، وقَبُحَ حِينئذ: "أمس قد قام زيد"، كما قَبُح: "غدًا [سيقوم] (٣) زيد"، والعلة كالعِلَّة حَذْو النعل بالنعل (٤). فائدة (٥). "السين" تشبه حروف المضارعة ونقرِّر قيل ذلك مقدمة، وهي لمَ لَمْ تعمل في الفعل وقد اختصَّت به؟. والجواب؛ أنها فاضِلَة لهذا الفعل عن فعل الحال، كما فَصَلت الزوائد الأربع فعلَ الخال عن الماضي فاشبهتها، (ق/٣٥ أ) وإن لم تكن مثلها في اتصالها ولحوقها بالأصل، كما أشبهت لام التعريف العَلَمية في اتصالها وتعرُّف الاسم بها، وإن لم تكن مُلْحقة بحروف

стр. 257

الأصل، فلمَّا لم تعمل تلك (ظ/٢٥ ب) اللام في الأسماء مع اختصاصها بها، لم تعمل هذه في الأفعال مع استبدادها بها، هذا تعليل الفارسي (١) في بعض كتبه، وابن السرَّاج والسُّهيلي، وهو يحتاج إلى بيان وإيضاح. وتقريرُه: أن الحرف إذا نُزِّل منزلةَ الجزء من الكلمة لم يعمل فيها؛ لأن أجزاء الكلمة لا يعمل بعضُها في بعضٍ، ولام التعريف مع المعرفة بمنزلة اسم علم فنزِّلت منزلة جُزئِه. و"قد" مع الماضي بمنزلة فعل الحال؛ فنزِّلت منزلة جزْئِه، وأما الزوائد الأربع؛ فهي فاصلة لفعل الحال عن الماضي، فصارت مع الفعل بمنزلة كلمة واحدة دالة على فعل الحال. وكذلك "السين" مع الفعل فاصلة للمستقبل عن الحال، فصارت مع الفعل بمنزلة كلمة واحدة (٢)، دالة على (٣) فعل الاستقبال، وهذا المعنى موجود في "سوف" أيضًا، فاختصاص الحرف شرط عمله، ونزوله منزلةَ الجزءِ مانعٌ من العمل. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بـ "أن" المصدرية فإنها مُنَزَّلة منزلة الجزء (٤) من الكلمة، ولهذا يصيرُ الفعلُ بها في تأويل كلمةٍ مفردة، ومع هذا فهي عاملة. قيل: هذا لا ينقض ما أصَّلناه؛ لأن هذا الحرف لم يُنزَّل منزلةَ

стр. 258

الجزء من الفعل، وإنما صار به الفعل في تأويل الاسم، فلم ينتقض ما ذكرناه. وعلَّل السهيلي (١) بطلان عمل "سوف" بعلة أخرى، فقال: وإما "سوف" فحرف، ولكنه على لفظ السَّوف الذي هو الشَّمُّ لرائحة ما ليس بحاضر، وقد وُجِدت رائحته، كما أن "سوف" هذه تدلُّ على أن ما بعدها ليس بحَاضر، وقد علم وقوعه وانْتُظِر [إِبَّانُه] (٢)، ولا غَرْو أن يتقارب معنى الحرف من معني الاسم المشتق المتمكن في الكلام. فهذه "ثم" حرف عطف، ولفظها كلفظ "الثم" وهو: رمُّ الشيء بعضه إلى بعض، كما قال: "كنا أهل ثُمِّه ورُمِّه" (٣)، وأصله من: ثممتُ البيتَ إذا كانت فيه فرج فسُدد بالثُّمام، والمعنى الذي في "ثم" العاطفة قريب من هذا؛ لأنه ضمُّ شيء إلى شيء بينهما مهلة، كما أن ثَمَّ البيت: ضمٌّ بين شيئين بينهما (٤) فرجة، ومن تأمل هذا المعنى فى الحروف والأسماء المضارعة لها، ألفاه كثيرًا. فائدة بديعة (٥) في دخول "أن" على الفعل دون الاكتفاء بالمصدر ثلاث فوائد: أحدها: أن المصدر قد يكون فيما مضى، وفيما هو آتٍ، وليس

стр. 259

في صيغته ما يدل عليه، فجاءوا يلفظ الفعل المشتق منه مع "أن" ليجتمع لهم الإخبار عن الحدث مع الدلالة على الزمان. الثانية: أنَّ "أَنْ" تدلُّ على إمكان الفعل، دون الوجوب والاستحالة. الثالثة: أنها تدل على مجرَّد معنى الحدث، دون احتمال معنىً زائد عليه، ففيها تحصين للمعنى (١) (ق/٣٥ ب) من الإشكال، وتخليص له من شوائب الاحتمال (٢). بيانُه: أنك إذا قلت: "كرهتُ خروجك" أو "أعجبني قدومك"، احتمل الكلام معاني: منها: أن يكون نفس القدوم هو المعجب لك، دون صفة من صفاته وهيآته، وإن كان لا يوصف في الحقيقة بصفات، ولكنها عبارة عن الكيفيات. واحتمل -أيضًا- أنك تريد أنه أعجبك سرعته أو بطؤه أو حالة من حالاته، فإذا قلتَ؛ "أعجبني أن قدمت"، كانت "أن" على الفعل بمنزلة الطابع والعنوان (٣) من عوارض الاحتمالات المتصورة في الأذهان، ولذلك (٤) زادوا "أن" بعد "لما" في قولهم: "لما أن جاء زيد أكرمتك"، ولم يزيدوها بعد (٥) ظرف سوى "لما"، وذلك أن "لما" ليست في الحقيقة ظرف زمان، ولكنه حرف يدل على ارتباط

стр. 260

الفعل الثاني بالأول، في أن أحدهما كالعلة للآخر، بخلاف الظرف إذا قلت: "حين قام زيد قام عَمْرو"، فجعلت أحدهما وقتًا للآخر على اتفاقٍ لا على ارتباط، فلذلك زادوا "أنْ" بعدها صيانةً لهذا المعنى، وتخليصًا له من الاحتمال العارض في الظرف؛ إذ ليس الظرف من الزمان بحرف، فيكون قد جاء لمعنى كما جاءت "لما". وقد زعم الفارسي أنها مركبة من "لم" و"ما". قال السُّهيلي (١): ولا أدري ما وجه قوله، وهي عندي من الحروف التي في لفظها شَبَه من الاشتقاق، وإشارة إلى مادة هي مأخوذة منها، نحو ما تقدم في "سوف" و"ثم"؛ لأنكْ تقول: "لممتُ الشيءَ لمًّا (٢) ". إذا ضممتَ بعضَه إلى بعض، وهذا نحوٌ من هذا المعنى الذي سيقت إليه؛ لأنه ربط فعل بفعل على جهة التسبيب أو التعقيب، فإذا كان التسبيب حَسُن إدخال "أن" بعدها زائدة (ظ/٢٦ أ) إشعارًا بمعنى المفعول من أجلة، وإن لم يكن مفعولًا من أجله, نحو قوله: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٣] , و ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦] ونحوه. وإذا كاد التعقيب مجردًا من التسبيب، لم يحسن زيادة "أن" بعد "لما" (٣) وتأمَّلْه في القرآن. وأما "أن" التي للتفسير؛ فليست مع ما بعدها بتأويل المصدر، ولكنها تشارك "أن" التي: تقدَّم ذكرُها بعض معانيها؛ لأنها تحصينٌ (٤) لما بعدها من الاحتمالات, وتفسير لما قبلها من الصادر المجْمَلات،

стр. 261

التي في معنى المقالات والإشارات، فلا يكون تفسيرًا إلا لفعل في معنى التراجم الخمس الكاشفة عن كلام النفس؛ لأنَّ الكلام القائم في النفس والغائب عن الحواس في الأفئدة يكشفه للمخاطبين خمسةُ أشياء: اللفظ، والخط، والإشارة، والعقد (١)، والنصبة (٢)، وهي لسان الحال، وهي أصدق من لسان المقال، فلا تكون "أن" المفسرة إلا تفسيرًا لما أُجمل من هده الأشياء، كقولك: "كتبت إليه أن اخرج"، و"أشرت إليه أن اذهب" و ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨] و "أوصيته أن اشكر". و"عقدتُ في يدي أن قد أخذت خمسين". و"زربت (٣) على حائطي أن لا يدخلوه"، ومنه قول الله (ق/ ٣٦ أ): ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾ [الرحمن: ٧، ٨] هي هاهنا لتفسير النصبة التي هي لسان الحال. وإذا كان الأمر فيها كذلك، فهي بعينها التي تقدم ذكرها؛ لأنها إذا كانت تفسيرًا فإنما تفسر (٤) الكلام، والكلام مصدر، فهي إذًا في تأويل مصدر، إلا أنك أوقعت بعدها الفعل بلفظ الأمر والنهي، وذلك مزيد فائدة، ومزيد الفائدة لا تُخْرج الفعلَ عن كونه فعلًا، فلذلك لا تخرج عن كونها مصدرية، كما لا (٥) يخرجها عن ذلك صيغة المُضِيّ والاستقبال بعدها، إذا قلت: "يعجبني أن تقوم" و"أن قمت"، فكأنهم إنما قصدوا إلى ماهية الحدث مُخْبَرًا [به] عن الفاعل لا

стр. 262

الحدث مطلقًا، ولذلك ألا تكون مبتدأة وخبرها في (١) ظرف أو مجرور؛ لأن المجرور لا يتعلق بالمعنى الذي تدل عليه "أن"، ولا الذي من أجله صِيْغ الفعل واشْتُق من المصدر، وإنما يتعلق المجرور بالمصدر نفسه مجردًا من هذا المعنى، كما تقدَّم، فلا يكون خبرًا عن "أن" المتقدمة، وإن كانت في تأويل اسم، وكذلك -أيضًا- لا يخبر عنها بشيءٍ مما هو صفة للمصدر، كقولك: " [قيامك] (٢) سريع أو بطيء" ونحوه، لا يكون مثل هذا خبرًا عن المصدر. فإن قلت: "حَسَن أن تقوم" و"قبيحٌ أن تفعل"، جاز ذلك؛ لأنك تريد بها معنى المفعول، كأنك تقول: "أستحسن هذا أو أستقبحه"، وكذلك إذا قلت: "لأن تقوم خير من أن تقعد"، جاز؛ لأنه ترجيح وتفضيل، فكأنك تأمره بأن يفعل ولست بمخبر عن الحدث، بدليل امتناع ذلك في المضيِّ، فإنك لا تقول فيه (٣): "أن قمتَ خير من أن قعدت"، ولا: "أَن قام زيدٌ خير من أن قعد"، وامتناع هذا دليل على ما قدمناه من أن الحدث هو الذي يخبر عنه. وأما "أن" وما بعدها فإنها -وإن كانت في تأويل المصدر- فإن لها معنىً زائدًا لا يجوز الإخبار عنه، ولكنه يراد ويلزم (٤) ويُؤمر به، فإن وجدتها مبتدأة ولها خبر، فليس الكلام على ظاهره، لما تقدم.

стр. 263

وأما "لن" (١) فهي عند الخليل مركبة من "لا" و"أن" (٢)، ولا يلزم ما اعترض عليه سيبويه من تقديم المفعول عليها، لأنه يجوز في المركبات مالا يجوز في البسائط. واحتج الخليلُ بقول جابر [الطائي] (٣)، وهو من شعراء الجاهلية: فإن أُمْسِك فإنَّ العيشَ حُلْوٌ ... إليَّ كأنَّه عَسَلٌ مَشُوْبُ يُرجِّي المرءُ ما لا أن يُلاقي ... وتعرضُ دونَ أَبعدِهِ خُطُوبُ (٤) فإذا ثبت ذلك فمعناها نفي الإمكان بـ "أن" كما تقدم. وكان ينبغي أن تكون جازمة كـ "لم"؛ لأنها حرف نفي مختص بالفعل، فوجب أن يكون عمله الجزم الذي هو نفي الحركة وانقطاع الصوت ليتطابق اللفظ والمعنى، وقد فعل ذلك بعض العرب، فجزم بها حين لحَظَ هذا الأسلوب، ولكن أكثرهم ينصب (ق/٣٦ ب)، بها مراعاة لـ "أن" المركبة فيها مع "لا"؛ إذ هي من جهة الفعل وأقرب إلى لفظه، فهي أحق بالمراعاة من معنى النفي، فرب نفي لا يجزم الأفعال، وذلك إذا لم يختص بها دون الأسماء، والنفي في هذا الحرف إنما جاءه من قبل "لا"، وهي (ظ/٢٦ ب) غير عاملة لعدم اختصاصها، فلذلك كان النصب بها أولى من الجزم. على أنها قد ضارعت "لم" لتقارب المعنى واللفظ، حتى قُدِّم عليها معمول فعلها،

стр. 264

فقالوا: "زيدًا لن أضرب"، كما قالوا: "زيدًا لم أضرب". ومن خواصِّها تخليصها الفعل للاستقبال، بعد أن كان محتملًا للحال، فأغنت عن "السين" و"سوف"، وجُلُّ هذه النواصب تخلِّص الفعل للاستقبال (١). ومن خواصِّها: أنها تنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف "لا" إذا قلت: "لا يقوم زيد أبدًا"، وقد قدمنا أن الألفاظ مشاكلة (٢) للمعاني التي هي (٣) أرواحها, يتفرَّس الفطن فيها حقيقة المعنى، بطبعه وحسه، كما يتعرَّف الصادق الفراسةِ صفاتَ الأرواح في الأجساد من قوالبها بفطنته. وقلت يومًا لشيخنا أبي العباس ابن تيمية -قدس الله روحه-: قال ابن جنِّي (٤): مكثت بُرْهةً إذا ورد علىَّ لفظ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها وجَرْسه وكيفية تركيبه، ثم أكشفه، فإذا هو كما ظننته أو قريبًا منه، فقال لي ﵀: "وهذا كثيرًا ما يقع لي". وتأمل حرف "لا" كيف تجدها: لامًا بعدها ألف، يمتدُّ بها الصوت ما لم يقطعه ضيق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و"لن" بعكس ذلك، فتأمله، فإنه معنىً بديع.

стр. 265

وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة: ٧] بحرف "لا" في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل، فصار من صيغ العموم، فانسحب (١) على جميع الأزمنة، وهو قوله : ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦] كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقتٍ من الأوقات أو زمنٍ من الأزمان، وقيل لهم: "تمنوا الموت"، فلا يتمنونه أبدًا. وحرف الشرط دلَّ على هذا المعنى، وحرف "لا" في الجواب بإزاء صيغة العموم، لاتِّساع معنى النفي فيها. وقال في سورة البقرة: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ فقصَّر (٢) من سَعَة النفي وقرَّب، لأن قبله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾؛ لأن "إن" و"كان" هنا ليست من صِيَغ العموم؛ لأن "كان" ليست بدالَّةٍ على حدث، وإنما هي داخلة على المبتدأ، والخبر عبارة عن مُضِيِّ الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث، فكأنه يقول : إن كان قد وجبت لكم الدار الآخرة، وثبتت لكم في علم الله؛ فتمنوا الموت الآن، ثم قال في الجواب: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ (ق/ ١٣ أ)، فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعًا. وليس في قوله: ﴿أَبَدَا﴾ ما يناقض ما قلناه، فقد تكون "أبدًا" بعد فعل الحال؛ تقول: "زيد يقوم أبدًا". ومن أجلِ ما تقدم من قصور معنى النفي في "لن"، وطوله في "لا" يعلمُ الموفقُ قصور المعتزلة في فهم كلام الله حيث جعلوا "لن"

стр. 266

تدل على النفي على الدوام. واحتجوا بقوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وعلمت بهذا أن بدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي، وهكذا كلُّ صاحب بدعة تجده محجوبًا عن فهم القرآن!. وتأمل قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] كيف نفى فعل الإدراك بـ "لا" الدالة على طول النفي ودوامه، فإنه لا يُدْرَكْ أبدًا، وإن رآه المؤمنون فأبصارُهم (١) لا تدركه، تعالى عن أن يحيط به مخلوق؛ وكيف نفي الرؤية بـ "لن" فقال: ﴿لَن تَرَانِي﴾، لأن النفي بها لا يتأبَّد. وقد أكذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ "لن" صريحًا بقوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فهذا تمنٍّ للموت، فلو اقتضت "لن" دوام: النفي تناقض الكلام كيف وهي مقرونةٌ بالتأبيد بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار؛ لأن التأبيد قد يُرَاد به التأبيد المقيد والتأبيد المطلق، فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة (٢)، كقولك: "والله لا أكلمه أبدًا"، والمطلق كقولك: "والله لا أكفر بربي أبدًا". وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمنِّي الموت أبدَ الحياة الدنيا، ولم يتعرض للآخرةِ أصلًا، وذلك لأنهم لحبهم الحياة وكراهتهم للجزاء لا يتمنون الموت، وهذا منتفٍ في الآخرة. فهكذا ينبغي أن يُفهَم كلام الله لا كفَهْمِ المحرِّفين له عن مواضعه. قال أبو القاسم السُّهيلي (٣): على أني أقول: إن العرب إنما تنفي بـ "لن" ما كان مُمكنًا عند المخاطب مظنونًا أنْ سيكون؛ فتقول له:

стр. 267

"لن (١) يكون"، لما (ظ/٢٧ أ) ظُنَّ أن يكون؛ لأن "لن" فيها معنى "أن" (٢)، وإذا كان الأمن عندهم على الشك لا على الظن، كأنه يقول: أيكون أم لا؟ قلت في النفي: [لا] (٣) يكون، وهذا كله مقوٍّ لتركيبها من "لا" و"أن"، وتبييَّن لك وجه اختصاصها في القرآن بالمواضعِ إلى وقعت فيها دون "لا". فائدة (٤) قولهم: "إذن أُكرمك"، قال السهيلي: هي عندي "إذا" الظرفية الشرطية، خُلِع منها معنى الاسمية كما فعلوا ذلك بـ "إذْ"، وبـ "كاف" الخطاب وبالضمائر المنفصلة، وكذلك فعلوا بـ "إذا" إلا أنهم زادوا فيها التنوين، فذهبت الألف، والقياس إذا وقفتَ عليها أن ترجع الألف لزوال العلَّة، وإنما نوَّنوها لما فصلوها عن الإضافة؛ إذ التنوين علامةُ الانفصال، كما فعلوا بـ "إذ" حين (٥) فصلوها عن الإضافة إلى الجملة فقالوا: يومئذٍ (٦)، فصار التنوين مُعَاقبًا للجملة. إلا أن "إذ" في ذلك الموضع لم تخرج عن الاسمية [بدليل إضافة "يوم" و"حين" إليها، وإنما أخرجوها عن الاسميَّة] (٧) في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩] جعلها سيبويه هاهنا حرفًا بمنزلة "أن".

стр. 268

فإن قيل: ليس شيءٌ عن هذه الأشياء التي صُيِّرت حروفًا بعد أن كانت أسماء إلَّا وقد بقي فيها معنىً عن (ق/٣٧ ب) معانيها، كما بقي في "كاف" الخطاب معنى الخطاب، وفي "على" معني الاستعلاء فما بقي في "إذ" و"إذن" من معانيهما (١) في حال الاسمية؟. فالجواب: أنك إذا قلتَ: "سأفعل كدا إذا خرج زيد"، ففعلك مرتبط بالخروج مشروط به، وكذلك إذا قال لك القائل: "قد أكرمتُك" فقلت: "إذن أُحْسِن إليك"، ربطتَ إحسانَكَ بإكرامه وجعلتَه جزاءً له؛ فقد بقي فيها طرفٌ عن معنى الجزاء و (٢) هي حرف، كما كان فيها معنى الجزاء وهي (٣) اسم. وأما "إذ" من قوله تعالى: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ ففيها معنى الاقتران بين الفعلين، كما كان فيها ذلك في حال الظرفية؛ تقول: "لأضربن زيدًا إذ شتمني"، فهي -وإن لم تكن ظرفًا- ففيها معنى الظرف، كأنك تُنَبِّهُهُ على أنك تجازيه على ما كان منه وقت الشتم، فإن لم يكن الضرب واقعًا في حاك الشتم، فله ردّ إليه وتنبيه عليه، فقد لاحَ لكَ قربُ ما بينها وبين "أنْ" التي هي للمفعول من أجله، ولذلك شبهها سيبويه بها في سَوَادِ كتابه (٤). وعجبًا للفارسي حيث (٥) كاب ذلك عنه وجعلها ظرفًا! ثم تحيَّل

стр. 269

في إيقاع الفعل الذي هو النفع فيها وسوف إليها. وأما "إذ"؛ فإذا كانت منوَّنة فإنها لا تكون إلا مضافًا إليها ما قبلها، لتعتمد على الظرف المضاف إليها، فلا يزول عنها معنى الظرفية، كما زال عن أختها حين نوَّنوها وفصلوها عن الفعل الذي كانت تضاف إليه. والأصل في هذا: أن "إذ" و"إذا" في غاية من الإبهام والبعد عن شبه الأسماء، والقرب من الحروف؛ لعدم الاشتقاق، وقِلَّة حروف اللفظ، وعدم التمكن؛ وغير ذلك، فلولا إضافتهما (١) إلى الفعل الذي يبنى للزمان ويفتقر إلى الظروف، لما عُرِف فيهما معنى الاسم أبدًا؛ إذ لا تدلُّ واحدةٌ منهما على معنًى في نفسها، إنما جاءت لمعنى في غيرها، فإذا قطعت عن ذلك المعنى تمحَّض معنى الحرف فيها، إلا أن "إذ" (٢) لما ذكرنا من إضافة ما قبلها من الظرف إليها، لم يفارقها معنى الاسم، وليست الإضافة إليها في الحقيقة، ولكن إلى الجملة التي عاقبها التنوين. وأما "إذن" فلما لم يكن فيها بعد فصلها عن الإضافة ما يعضد معنى الاسمية فيها؛ صارت حرفًا لقربها من حروف الشرط في المعنى، ولما صارت حرفًا مختصًّا بالفعل مخلصًا له للاستقبال كسائر النواصب للأفعال، نَصَبُوا الفعل بعده؛ إذ ليس واقعًا موقع الاسم فيستحق الرفع، ولا هو (٣) غير واجب فيستحق الجزم، فلم يبق إلا النصب، ولما لم يكن العمل فيها أصليًّا لم تقوَ قوَّةَ أخواتها، فأُلغيت تارةً وأُعْمِلَت أخرى، وضَعُفَت عن عوامل الأفعال.

стр. 270

فإن قيل: فهلا فعلوا بها ما فعلوا بـ "إذ" (١) حين نوَّنوها، وحذفوا الجملة بعدها، فيضيفوا إليها ظروف الزمان كما يضيفونها إلى "إذ" في نحو: "يومئذٍ" لأن الإضافة في المعنى إلى الجملة التي عاقبها التنوين؟. فالجواب: أن "إذ" قد اسْتُعمِلت مضافةً إلى الفعل [المستقبل] (٢) في المعنى على وجهِ الحكاية للحال، كما قال (ق/ ٣٨ أ) تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٥] ولم يستعملوا "إذا" مضافة إلى الماضي بوجهٍ ولا على حال، فلذلك استغنوا بإضافة الظروف إلى "إذ" وهم يريدون الجملة بعدها عن إضافتها إلى "إذا"، مع أن "إذ" في الأصل حرفان، و"إذا" ثلاثة أحرف، فكان ما هو أقل حروفًا في اللفظ أولى بالزيادة فيه، وإضافة الأوقات إليه زيادة فيه؛ لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد. وأقوى من هذا أن "إذن" فيها معنى الجزاء، وليس في "إذ" منه رائحة، فامتنع إضافة ظرف الزمان إلى "إذن"؛ لأن ذلك يُبْطِل ما فيها من معنى الجزاء؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، فلو أُضِيْفَ "اليوم" (٣) و"الحين" إليها لغلب عليهما حكمه لضعفها (٤) عن درجة حرف الجزاء، فتأمله. فائدة بديعة (٥) " لام كي والجحود" حرفان ناصِبان بإضمار "أن"، إلا أن "لام

стр. 271

كي" هي لام العلة, فلا يقع قبلها (١) إلا فعل يكون علة لما بعدها, فإن كان ذلك الفعل منفيًّا لم يخرجها عن أن تكون "لام كي"، كما ذهب إليه الصَّيْمَرِي (٢)؛ لأن معنى العلة فيها باقٍ، وإنما الفرق بين "لام الجحود" و"لام كي" وذلك من ستة أوجه: أحدها: أن لام الجحود يكون قبلها كَوْنٌ منفيٌّ بشرط المضي؛ إما "ما كان" أو "لم يكن"، لا مستقبلًا، فلا تقول: "ما أكون لأزورك" (٣)، وتكون زمانية ناقصة لا تامة، ولا يقع بعد اسمها ظرف ولا مجرور، لا تقول: "ما كان زيد عندك ليذهب" ولا: " ... أمس ليخرج". فهذه أربعة فروق. والذي يكشف لك قناع المعنى ويهجم بك على الغرض: أن "كان" الزمانية عبارة عن زمانٍ ماضٍ، فلا تكون عِلّةً لحادث (٤)، ولا تتعدَّى إلى المفعول من أجله، ولا إلى الحال وظروف المكان, وفي تعدِّيها إلى ظروف الزمان نظرًا فهدا الذي منعها أن تقع قبلها لام العلة، أو يقع بعدها المجرور أو الظرف. وأما الفرق الخامس بين اللامين فهو: أنَّ الفعل بعد "لام الجحود" لا يكون فاعله إلا عائدًا على اسم "كان"؛ لأن الفعل بعدها في موضع الخبر، فلا تقول: "ما كان زيدٌ ليذهب عَمْرو"، كما

стр. 272

تقول: "يا" (١) زيد ليذهب عَمْرو أو لتذهب أنت"، ولكن تقول: "ما كان ليذهب" و"ما كنت لأفعل". والفرق السادس: جواز إظهار "أن" بعد "لام كي"، ولا يجوز إظهارها بعد لام الجحود؛ لأنها جَرَت في كلامهم نفيًا للفعل المستقبل بـ "السين" أو "سوف"، فصارت لام الجحود بإزائهما: فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدهما (٢). وفي هذه النكتة مَطْلع على فوائد من كتاب الله، ومرقاة إلى تدبُّره، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] فجاء بلام الجحد حيث كان نفيًا لأمر متوقع، وسبب مخوف في المستقبل، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣] فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي وقوع العذاب بالمستغفرين على العموم في الأحوال (٣) لا يخص مُضِيًّا من استقبال. (ق/ ٣٨ ب) ومثله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [هود: ١١٧] ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى﴾ [القصص: ٥٩] فالحظ هذه الآية من مطلع الأخرى تجدها كذلك. وأما "لام العاقبة" ويسمونها: "لام الصيرورة" في نحو: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨]، فهي في الحقيقة "لام كي"، ولكنها لم تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته، ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة، وهو الله سبحانه، أي: فعل الله ذلك ليكون كذا

стр. 273

وكذا. وكذلك قولهم: "أَعْنق ليموت" (١)، لم يُعْنق لقصد الموت, ولم يتعلق اللام بالفعل، وإنما المعنى: قَدَّر اللهُ أنه يُعْنق ليموت, فهي متعلقة بالقدر (٢) وفِعْل الله. ونظيره: "إنِّي أَنْسَى لأَسُنَّ" (٣)، ومن رواه: "أُنَسَّى" بالتشديد فقد كشف قناع المعنى. وسمعتُ شيخَنا أبا العباس ابن تيمية يقول: يستحيل دخول "لام العاقبة" في فعل الله، فإنها حيث وردت في الكلام؛ فهي لجهل الفاعل بعاقبة فعله، كالتقاط آلِ فى عود لموسى، فإنهم لم يعلموا عاقبته، أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة (ظ/ ٢٨ أ) نحو: "لِدُوا للمَوتِ وابْنُوا لِلْخَرَابِ" (٤). فأمَّا في فعل من لا يَعْزُبُ عنه مثقال ذرة, ومن هو على كل شيءٍ قدير؛ فلا يكون قط إلا "لام كي" وهى لام التعليل. ولمثل هذه الفوائدِ التي لا تكادُ توجدُ في الكتب يُحْتَاج إلى مجالسةِ الشيوخ والعلماء!!.

стр. 274

فائدة (١) كما أن "لن" لنفي المستقبل كان الأصل أن يكون "لا" لنفي الماضي، وقد اسْتعْمِلت فيه نحو: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد: ١١] ونحوه: وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمَّا (٢). ولكن عدلوا في الأكثر إلى نفي الماضي بـ "لم" لوجوه: منها: أنهم قد خصُّوا المستقبل بلن (٣)، فأرادوا أن يخصوا الماضي بحرف، و"لا" لا تخص ماضيًا من مستقبل، ولا فعلًا: من اسم؛ فخصُّوا نفيَ الماضي بـ "لم". ومنها: أن "لا" يتوهم انفصالها مما بعدها، إذ قد تكون نافية لما قبلها، ويكون ما بعدها في حكم الوجوب، مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [البلد: ١]، حتى لقد قيل في قول عمر: (لا، نقضي ما تجانفنا لإثم) (٤). إن "لا":

стр. 275

ردعٌ لما قبلها، و"نقضي" واجب لا منفي. وقال بعض الناس في قوله ﷺ : "لا، تَرَآي نَارَاهما" (١): إن "لا" ردعٌ وما بعدها واجب، وهذا خطأ في الأمرين وتلبيس لا يجور حمل النصوص عليه. وكذلك ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١] أيضًا، بل القولُ فيها أحد قولين: إما أن يقال: نفي للقسم وهو ضعيف، وإما أن يقال: أُقْحِمت أول القسم إيذانًا بنفي المقسم عليه وتوكيدًا لنفيه، كقول الصِّدِّيق ﵁: "لاهَا اللهِ، لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ" (٢) الحديث. ومما يدل على حرصهم على إيصال حرف النفي بما بعده؛ قطعًا لهذا التوهُّم: أنهم قلبوا لفظ الفعل الماضي بعد "لم" إلى لفظ المضارع؛ حِرْصًا على الاتصال (٣)، وصرفًا للوهم عن ملاحظة الانفصال. فإن قيل: وأي شيءٍ في لفظ (ق/٣٩ أ) المضارع مما يؤكد هذا

стр. 276

المعني؟ أَوَ ليسا سواء هو والماضي؟. قلنا: لا سواء، فاعلم أن الأفعالَ مضارعة للحروف، من حيثُ كانت عوامل في الأسماء كـ "هي"، ومن هناك استحقت البناء, وحقُّ العامل أن لا يكون مُهَيئًا لدخول عامل آخر عليه، قطعًا للتسلسل الباطل (١)، والفعل الماضي بهذه الصورة وهو على أصله من البناء ومضارعة الحروف العوامل في الأسماء، فليس يذهب الوهمُ عند النطقِ به، إلا إلى انقطاعه عما قبله، إلا بدليل يربطه، وقرينة تجمعه إليه، ولا يكون في موضع الحال ألبتَّةَ إلا مصاحبًا لقيد، ليجعلَ هذا الفعل فى موضع (٢) الحال. فإن قلت: فقد يكون في موضع الصفة من (٣) النكرة نحو: "مررت برجل ذهبَ"؟. قيل: افتقارُ النكرة إلى الوصف، وفَرط احتياجها إلى التخصيص تكملة لفائدة الخبر، هو الرابط بين الفعل وبينها، بخلاف الحال فإنها تجيء بعد استغناء الكلام وتمامه. وأما كونه خبرًا للمبتدأ؛ فلشدة احتياج المبتدأ إلى خبره، جاز ذلك، حتى إنك إذا أدخلت "إن" على المبتدأ بطل أن يكون الماضي في موضع الخبر، إذا (٤) كان في خبرها اللام, لما في اللام من معنى الابتداء والاستئناف لما بعدها (٥)،

стр. 277

فاجتمع ذلك مع صيغة المضي، وتعاونا على منع الفعل الماضي من أن يكون خبرًا لما قبلها، وليس ذلك في المضارع. وليس المضارع كالماضي؛ لأن مضارعته للاسم هيَّأته لدخول العوامل عليه، والتصرف بوجوه الإعراب كالاسم، وأخرجته عن شبه العوامل التي لها صدر الكلام، وصيَّرته كالأسماء المعمول فيها، فوقع موقع الحال والوصف وموقع خبر المبتدأ و"إنَّ" [و] لم يقطعه دخول "اللام" عن أن يكون خبرًا في باب "إنَّ"، كما قطع الماضي؛ من حيث كانت صيغة الماضي لها صدر الكلام، كما تقدم. فإن قيل: فما وجه مضارعة الفعل المستقبل والحال؟. قيل: (ظ/ ٢٨ ب) دخول الزوائد عليه (١) ملحقة بالحروف الأصلية متضمنة لمعاني الأسماء كالمتكلم والمخاطب؛ فما تضمن معنى الاسم أعرب، كما بني من الأسماء ما تضمن معنى الحرف. ومع هذا فإن الأصل في دخول الزوائد شبه (٢) الأسماء، وصلح فيها من الوجوه مالا يصلح في الماضي. فائدة بديعة (٣) " لام" الأمر، و"لا" في النهي، وحروف المجازاة: داخلة على المستقبل ، فحقُّا أن لا يقع بعدها لفظ الماضي، ثم قد (٤) يوجد ذلك لحكمة، أما حرف النهي فلا يكون فيه ذلك؛ كيلا يلتبس بالنفي

стр. 278

لعدم الجزم، ولكن إذا كانت "لا" في معنى الدعاء؛ جاز وقوع الفعل يعدها بلفظ الماضي، ثم قد يوجد بعد ذلك لوجوهٍ: منها: أنهم أرادوا أن يجمعوا التفاؤل (ق/٣٩ ب) مع الدعاء في لفظ وأحد، فجاءوا بلفظ الفعل الحاصل في مَعْرِض الدعاء تفاؤلًا بالإجابة، فقالوا: "لا خَيَّبك الله". وأيضًا: فالداعي قد يُضَمِّن دعاءَه القصد إلى إعلام السامع وإخبار المخاطب بأنه داعٍ، فجاءوا بلفظ الخبر، إشعارًا بما تضمنه من معني الإخبار، نحو: "أعزَّك اللهُ وأكرمك"، و"لا رحم فلانًا"، جمعتَ بين الدعاء والإخبار بأنك (١) داعٍ. ويوضح ذلك أنك لا تقول ذلك في حال مناجاتك الله ودعائك لنفسك، لا تقول: "رحمتني ربِّ" و"رزقتني" و"غفرت لي"، كما: تقول للمخاطَب: "رحمكَ اللهُ ورزقكَ وغفرَ لك"، إذ لا أحد في حال مناجاتك يَقصد إخباره وإعلامه، وإنما أنت داعٍ وسائل محض. فإن قيل: وكيف لم يخافوا اللبس كما خافوه في النهي؟. قلنا: للدعاء هيئة ترفع الالتباس، وذِكْر الله مع الفعل ليس بمنزلة ذكر الناس، فتأَمَّله فإنه بديعٌ في النظر والقياس، فقد جاءت أشياء بلفظ الخبر وهي في معني الأمر والنهي. منها قول عمر ﵁: "صلي رجل في كذا وكذا من اللباس" (٢)، وقولهم: "أنْجَزَ حُرٌّ مَا وَعَد" (٣).

стр. 279

وقولهم: "اتقَى اللهَ أمرؤٌ" (١). وهو كثيرًا, فجاء بلفظ الخبر الحاصل تحقيقًا لثبوته، وأنه مما ينبغي أن يكون واقعًا ولابد، فلا يطلب من المخاطب إيجاده، بل يخبر عنه (٢) لتحقّقه خبرًا صِرْفًا، كالإخبار عن سائر الموجودات. وفيه طريقة أخرى وهي أفقه معنًى من هذه، وهو: أَنَّ هذا إخبار محض عن وجوب ذلك واستقرار حسنه في العقل والشريعة والفطرة، وكأنهم يريدون بقولهمِ: "أنجزَ حُرٌّ ما وَعَد"، أي: ثبتَ ذلك في المروءة واستقرَّ في الفِطر. وقول عمر ﵁ "صلَّى رجلٌ في إزاء ورداء ... " الحديث (٣)، أي: هذا مما وجب في الديانة وظهر وتحقَّق من الشريعة، فالإشارة إلى هذه المعاني حَسَّنت صرفَه إلى صورة الخبر، وإن كان أمرًا، وهذا (٤) لا يكاد يجيء الاسم بعده إلا نكرة، لعمومِ هذا الحكم وشيوع النكرة في جنسها، فلو جعلت مكان النكرة في هذه الأفعال أسماء مُعَرَّفة تمحَّضَ فيها معنى الخير وزال معنى الأمر، فقلت: "اتقى اللهَ زيدٌ" و"أنجزَ عَمْرو ما وعد"، فصار خبرًا لا أمرًا. وهذا موضع المسألة المشهورة وهي: مجيء الخبر بمعنى الأمر في القرآن في نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، و ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ونظائره، فمن سلك المسلكَ

стр. 280

الأول؛ جعلَه خبرًا بمعنى الأمر، ومن سلك المسلك الثاني؛ قال: بل هو خبر حقيقة غير مصروف عن جهة الخبرية، ولكن هو خبر عن حُكْم الله وشرعه ودينه ليس خبرًا عن الواقع، ليلزم ما ذكروه من الإشكال، وهو احتمال عدم وقوع مخبره، فإن هذا إنما (ق/ ٤٠ أ)، يلزم من الخبر عن الواقع، وأما الخبر عن الحكم والشرع فهو حقٌّ (ظ/٢٩ ب)، مطابق لخبره لا يقع خلافه أصلًا. وضد هذا مجيء الأمر بمعنى الخبر نحو قوله: "إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنع مَا شِئْتَ" (١)، فإن هذا صورته صورة الأمر، ومعناه معنى الخبر المحض، أي: من كان لا يستحي فإنه يصنع ما يشتهي، ولكنه صرف عن جهة الخبرية إلى: صورة الأمر لفائدة بديعة، وهي: أن العبد له من حيائه آمر يأمره بالحَسَن وزاجر يزجره عن القبيح، ومن لم يكن له (٢) من نفسه هذا الآمر لم تنفعه الأوامر، وهذا هو واعظ اللهِ في قلب العبد المؤمن الذي أشار إليه النبي (٣) ﷺ ، ولا تنفع المواعظ الخارجة إن لم تصادف هذا الواعظ الباطن، فمن لم يكن له من نفسه

стр. 281

واعظ لم تنفعه المواعظ، فإذا فقد هذا الآمر الناهى بفقد الحياء، فهو مطيع لا محالةَ لداعى الغيِّ والشهوة طاعةً لا انفكاك له منها، فنُزِّل منزلة المأمور، وكأنه يقول: إذا لم تأتمر لأمر الحياء؛ فأنت مؤتمر لأمر الغي والسَّفَهِ، وأنت مطيعه لا محالة، وصانع ما شئت لا محالة، فأتى بصيغة الأمر تنبيهًا على هذا المعنى، ولو أنه عدل عنها إلى صيغة الخبر المحض، فقيل: "إذا لم تَسْتح صنعتَ ما شئتَ"، لم يفهم منها هذا المعنى اللطيف، فتأمَّله وإياك والوقوف مع كثافة الذهن وغلظ الطباع، فإنها تدعوك إلى إنكار هذه اللطائف وأمثالها فلا تأتمر لها. وأما وقوع الفعل المستقبل بلفظ الأمر في باب الشرط، نحو "قم أُكرمك"، أي: إن تقم أكرمك، فقيل: حكمته أن صيغة الأمر تدل على الاستقبال، فعَدَلوا إليها إيثارًا للخِفَّة، وليست هذه العلة مطَّرِدة؛ فإن الأفعال المختصة بالمستقبل لا يحسن إقامة لفظ الأمر مقامَ أكثرِها، نحو: "سيقوم، وسوف يقوم، ولن يقوم، ولا تقوم (١)، وأريد أن يقوم"، ولكن أحسن مما ذكروه أن يقال في قوله: "قم أكرمك" فائدتان ومطلوبان (٢)، أحدهما: جعل القيام سببًا للإكرام ومقتضيًا له اقتضاءَ الأسباب لمسبباتها، والثاني: كونه مطلوبًا (٣) للآمر مرادًا له، وهذه الفائدة لا يدل عليها الفعل المستقبل، فعدلَ عنه إلى لفظ الأمر تحقيقًا له، وهذا واضح جدًّا. وأَما وقوع المستقبل بعد حرف الجزاء بلفظ الماضي، مع أنَّ

стр. 282

الموضع للمستقبل؛ فقد عُلِّل بنْحو هذه العلة، وأن الأَداة تدل (١) على الاستقبال فعدلوا إلى الماضي؛ لأنه أخفُّ، وهي -أيضًا- غير مُطَّردة ولا مستقلَّة، ولو لم ينقض عليهم إلا بسائر الأدوات التي لا يكون الفعل بعدها إلا مستقبلًا، ومع ذلك لا يقع (٢) بلفظ الماضي. وأحسن مما ذكروه أن يقال: عَدَل عن المستقبل هنا إلي صيغة الماضي، إشارة إلى (ق/ ٤٠ ب)، نكتة بديعة، وهي: تنزيل الشرط بالنسبة إلى الجزاء منزلةَ الفعل الماضي، فإن الشرط لا يكون إلَّا (٣) سابقًا للجزاء متقدِّمًا عليه، فهو ماضٍ بالإضافة إليه. ألا ترى أنك إذا قلت: "إن اتقيتَ اللهَ أدخلكَ جنته"، فلا تكون إلا سابقة على دخول الجنة، فهو ماض بالإضافة (٤) إلى الجزاء، فأتوا للفظ الماضي تأكيدًا للجزاء وتحقيقًا؛ لأن الثاني لا يقع إلا بعد تحقق الأول ودخوله في الوجود، وأنه لا يُكتفى فيه بمجرد العزم وتوطين النفس عليه الذي يكون (٥) في المستقيل، بل لا سبيلَ إلى نيلِ الجزاء إلا بتقدُّم الشوط عليه وسَبْقِه له، فأتى بالماضي لهذه النكتة البديعة مع أَمْنهم اللبسَ بتحصين أداة الشرط لمعنى الاستقبال فيهما. يبقى أن يُقَال: فهذا تقرير حَسَن في فعل (٦) الشرط، فما الذي حَسَّن وقوعَ الجزاء المستقبل من كلِّ وجهٍ بلفظ الماضي إذا قلت:

стр. 283

"إن قمتَ قمتُ"؟. قيل: هذا سؤالٌ حسن (ظ/٢٩ ب)، وجوابه: أنهم لما أبرموا (١) تلك الفائدة في فعل الشرط؛ قصدوا معها تحسين اللفظ، ومشاكلة أوله لآخره وازدواجِه واعتدال أجزائه، فأتوا بالجزاء ماضيًا لهذه الحكمة، فإن لفظتي الشَّرط والجزاء كالأخوين الشقيقين، وأنت تراهم يغيرون اللفظ عن جهته وما يستحقه لأجل المعادلة والمشاكلة، فيقولون: "أتيته بالغَدَايا والعَشَايا"؛ و"مأزورات غير مأجورات" (٢)، ونظائره، ألا ترى كيف حَسُن: "إن تَزُرْني أَزُرْك"، و"إن زُرْتني زُرْتُك"، وقَبُحَ: "إن تَزُرْني زُرْتُك"، وتوسط: "إن (٣) زُرتَني أَزُرْك"، فَحَسُنَ الأوَّلان للمشاكلة، وقَبُح الثالث للمنافرة، حتى منع منه (٤) أكثرُ النحاة وأجازه جماعة، منهم: أبو عبد الله بن مالك وغيره, وهو الصواب، لكثرة شواهده وصِحَّة قياسه على الصورة الواقعة، وادَّعى أنه أولى بالجواز منها، قال: لأن المستقبل في هذا الباب هو الأصل والماضي فرع عليه، فإذا أجزتم أن يكون الماضي أولًا والمستقبل بعده فجواز الإتيان بالمستقبل الذي هو الأصل أولى والماضي بعده أَوْلى. والتقرير الذي قدمناه من كون الشرط سابقًا على الجزاء فهو ماض بالنسبة إليه يدل على ترجيح قولهم: "وإن زرتني أَزُرْك"، أولى

стр. 284

بالجواز من: "إن تَزُرْني زُرْتُك"، والتقرير الذي قرره من كون (١) المستقبل هو الأصل: في هذا الباب والماضي دخيل عليه، فإذا قُدِّم الأصل كان أولى بالجوار يرجّح ما ذكره، فالترجيحان حق، ولا فرق بين الصورتين وكلاهما جائز، هذا هو الإنصاف في المسألة، والله أعلم. ولكن هنا دقيقة تشير إلى ترجيح قول الجماعة، وهي: أن الفعل الواقع بعد حرف الشرط تارة يكون القصد إليه والاعتماد عليه، فيكون هو مطلوب المعلق، وجعل الجزاء باعثًا ووسيلة إلى تحصيله، وفي هذا الموضع يتأكد أو يتعين الإتيان فيه (ق/ ٤١ أ) بلفظ المضارع الدال على أن المقصود منه أن يأتي به فيوقعه، وظهور القصد المعنوي إليه أوجَبَ تأثير العمل اللفظي فيه، ليطابق المعنى اللفظ، فيجتمع التأثيران (٢)؛ اللفظي والمعنوي. والذي يدلُّ على هذا: أنهم قلبوا لفظ الفعل الماضي إلى المستقبل في الشرط لهذا المعنى، حتى يظهر تأثير الشرط فيه واقتضاؤه له. وإذا كان الكلام معتمدًا على الجزاء والقصد إليه، والشرط جُعِل تابعًا ووسيلة إليه؛ كان الإتيان فيه بلفظ الماضي حسًنا أو أحسن من المستقبل، فزِنْ بهده القاعدة ما يَرِدُ عليك من هذا الباب. فمنه: قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فانظر كيف جعل فعل الشرط ماضيًا والجزاء مستقبلًا؛ لأن القصد كان إلى دخولهم المسجد الحرام، وعنايتهم كلها مصروفة إليه (٣)،

стр. 285

وهممهم معلقة به، دون وقوع الأفعال بمشيئة الله، فإنهم لم يكونوا يشكُّون في ذلك ولا يرتابون. وأكد هذا المعنى تقديم الجزاء على الشرط، وهو إما نفس الجزاء على أصح القولين دليلًا -كما تقدم تقريره- وإما دال على الجزاء، وهو محذوف مقدَّر تأخيره، وعلى القولين فتقديم الجزاء أو تقديم ما يدل عليه اعتناء بأمره وتجريدًا للقصد إليه. ويدل عليه -أيضًا-: تأكيده باللام المؤدية بالقسم المُضْمَر، كأنه قيل: "والله لتدخلن المسجد الحرام", فهذا كله يدلك على أنه هو المقصود المعني به، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] ونحوه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ومثله: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] وهذا أصل غير مُنْخَرِم، وفيه نكتة حسنة وهي: اعتماد الكلام في هذا النوع على القَسَم كما رأيت، فحَسُنَ الإتيان بلفظ الماضي, إذ القسم أولى به لتحققه، ولا يكون الإلغاء مُسْتشنَعًا فيه؛ لأنه مبني. ولما كان الفعل بعد حرف الجزاء يقع (١) بلفظ الماضى لِمَا ذكرناه من الفائدة؛ حَسُن وقوع المستقبل المنفي بـ "لم" بعدها نحو: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾ [المائدة: ٧٣] وهما جازمتانِ ولا يجتمع جازمان كما لا يجتمع في شيء من الكلام عاملان من جنس واحد، ولكن لما كان الفعل بعدها ماضيًا في المعنى، وكانت متصلةً به حتى كأن صيغتَه صيغةُ الماضي، لقوَّة الدلالة عليه بـ "لم" جار وقوعه بعد "إن" وكان
следующие страницы →