تأتي بمعنى الواو باطلًا، لبعد ما بين معنييهما، وكذلك " أو" بمعنى" الواو"، فأين معنى الجمع بين الشيئين إلى معنى الإثبات لأحدهما؟ وكذلك مسئلتنا، أين معنى "أم" من معنى "بل"؟ فاسمع الآن فقه المسألة وسرِّها:
اعلم أن ورود "أم" هذه على قسمين: أحدهما: ما يتقدمه استفهام صريح بالهمزة، وحكمها ما تقدَّم، وهو الأصل فيها والآخِيَّةُ (١) التي يرجع إليها ما خرج عن ذلك. والثاني: ورودها مبتدأة مجرَّدةً من استفهام لفظي سابق عليها، نحو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ [الكهف: ٩] وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ (٢) [التوبة: ١٦]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩]، ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦]، ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ (٣) [الطور: ٣٩] ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ [الروم: ٣٥]، وهو كثير جدًّا تجد فيه "أم" مبتدأ بها ليس قبلها استفهام في اللفظ، وليس هذا استفهام استعلام، بل تقريع وتوبيخ وإنكار وليس بإخبار (٤) فهو إذا متضمن لاستفهام سابق، مدلول عليه بقوة الكلام وسياقه، ودلت "أم" عليه؛ لأنها لا تكون إلا بعد تقدم استفهام،
стр. 457
كأنه يقول: "أيقولون: صادق أم يقولون: شاعر؟ " وكذلك: أم يقولون: تَقَوَّله، أي: أتصدقونه أم تقولون: تَقَوَّله؟! وكذلك ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾، أي أبلغك خبرهم أم حسبت أنهم من آياتنا عجبًا. وتأمل كيف تجد هذا المعنى باديًا على صفحات قوله تعالى: ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] كيف تجد المعنى: أحَضَرَ أم كان (١) من الغائبين. وهذا يظهر كلَّ الظهور فيما إذا كان الذي دخلت عليه "أم" له ضد، وقد حصل الترددُ بينهما، فإذا ذُكِرَ أحدهما استُغْني به عن ذكر الآخر؛ لأن الضد يخطر بالقلب وهلة (٢) عند شعوره بضده.
فإذا قلت: ما لي لا أرى زيدًا أم هو في الأموات؟ كان المعنى الذي لا معنى للكلام (٣) سواه: أحيٌّ هو أم في الأموات. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] معناه: أهو خير مني أم أنا خير منه. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] هو استفهام إنكار معادل لاستفهام مقدَّر في قوة الكلام. فإذا قلت: لم فعلت هذا أم حسبت أن لا أعاقبك (٤) كان معناه: أحسبت أني أعاقبك فأقدمت على العقوبة، أم حسبت أني لا أعاقبك (٥) فجهلتها. وكذلك قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ
стр. 458
جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة بغير جهاد فتكونوا جاهلين، أم لم تحسبوا ذلك فتكونوا مفرِّطين. وكذلك إذا قلت: أم حسبت أن تنال العلم بغير جدٍّ واجتهاد معناه: أحسبت أن تناله بالبطالة والهوينا فأنت جاهل، أم لم تحسب ذلك فأنت مفرِّط.
وكذلك: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الجاثية: ٢١] أي: أحسبوا هذا فهم مغترون (١)، أم لم يحسبوه فما لهم مقيمون على السيئات. وعلى هذا سائر ما يَرِد عليك من هذا الباب.
وتأمل كيف يذكر -سبحانه- القِسْم الذي يظنونه ويزعمونه، فينكره عليهم وأنه مما لا ينبغي أن يكون، ويترك ذكر القسم الآخر الذي لا يذهبون إليه فتردد الكلامُ بين قسمين، فيصرح بإنكار أحدهما وهو الذي سيق الكلام (٢) لإنكاره، ويكتفي منه بذكر الآخر، وهذه (٣) طريقة بديعة عجيبة في القرآن نذكرها في باب الأمثال وغيرها، وهي من باب الاكتفاء عن غير الأهم بذكر الأهم لدلالته عليه، فأحدهما مذكور صريحًا والآخر ضمنًا. ولذلك أمثلة في القرآن يُحْذف منها الشيء للعلم بموضعه، فمنها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾ ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾، وهو كثير جدًّا بواو العطف من غير ذكر عامل يعمل في "إذ"؛ لأن الكلام في سياق تَعْداد النعم وتكرار الأقاصيص، فيشير بالواو العاطفة إليها، كأنها مذكورة في اللفظ لعلم المخاطب بالمراد. ولما خفي هذا على بعض ظاهرية
стр. 459
النحاة قال إن "إذ" زائدة هنا، وليس كذلك.
ومن هذا الباب "الواو" المتضمِّنة معنى "رُبَّ"، فإنك تجدها في أول الكلام كثيرًا إشارة منهم إلى تَعْداد المذكور بعدها (١) من فخر أو مدح أو غير ذلك. فهذه كلها معان مضمرة في النفس، وهذه الحروف عاطفة عليها، وربما صرحوا بذلك المضمر كقول ابن مسعود: "دَعْ ما في نفسك وإن أفتوك عنه وأفتوك" (٢).
ومن هذا الباب حذف كثير من الجوابات في القرآن لدلالة "الواو" عليها لعلم المخاطب أن "الواو" عاطفة، ولا يُعْطف بها إلا على شيء كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥] وكقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] وهو كثير (٣) وهذا الباب واسع في اللغة.
فهذا ما في هذه المسألة، وكان قد وقع لي هذا بعينه أيام (٤) المقام بمكة، وكان يجول في نفسي فأضربُ عنه صفحًا؛ لأني لم أره في مباحث القوم، ثم رأيته بعدُ لفاضلين من النحاة؛ أحدهما: حامَ حوله وما وَرَدَ، ولا أعرف اسمه. والثاني: أبو القاسم السهيلي ﵀ فإنه كَشَفَه وصرَّح به (٥)، وإذا لاحت الحقائق؛ فكن أسعد الناس بها وإن جفاها الأغمار!! والله الموفق للصواب.
стр. 460
فائدة بديعة (١)
لا يجوز إضمار حرف العطف ، خلافًا للفارسي ومن تبعه، لأن الحروف أدلة على معان في نفس المتكلم، فلو أضمرت لاحتاج المخاطب إلى وحي يُسفر له عما في نفس مُكَلِّمه. وحكم حروف العطف في هذا حكم حروف النفي والتوكيد والتمنِّي والترجي والتمني (٢) وغيرهما، اللهم إلا أن حروف الاستفهام قد يسوغ إضمارها في بعض المواطن؛ لأن للمستفهم هيئة تخالف هيئة المخبر، وهذا على ما قلته.
فإن قيل: فكيف تصنعون بقول الشاعر:
كَيْفَ أَصْبَحْتَ كَيْفَ أَمْسَيْتَ مِمَّا ... يُثْبِتُ الوُدَّ فِيْ فُؤادِ الكَرِيْمِ (٣)
أليس على إضمار حرف العطف، وأصله: كيف أصبحت وكيف أمسيت.
؟.
قيل: ليس كذلك، وليس حرف العطف مرادًا هنا ألبتة، ولو كان مرادًا لانتقض الغرض الذي أراده الشاعر؛ لأنه لم يُرِد انحصار الوُد في هاتين الكلمتين من غير مواظبة عليهما، بل أراد [أن] تكرار هاتين الكلمتين دائمًا يُثبت المودة، ولولا حذف "الواو" لانحصر إثبات الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة الكلام (٤) ولا استمرار عليه، ولم يُرِد الشاعرُ ذلك، وإنما أراد أن يجعل أول الكلام ترجمة على سائر الباب، يريد الاستمرار على هذا الكلام والمواظبة عليه، كما تقول:
стр. 461
قرأت "ألفًا باءً"، جعلت هذه الحروف ترجمةً لسائر الباب (١) وعنوانًا للغرض المقصود. ولو قلتَ: قرأت "ألفًا وباءً"، لأشعرتَ بانقضاء المقروء حيث عطفتَ "الباء" على "الألف" دونَ ما بعدها (٢) فكان مفهوم الخطاب أنك لم تقرأ غير هذين الحرفين.
وأحسنُ من هذا أن يقال: دخول الواو هنا يفسد المعنى؛ لأن مراده هنا أن هذا اللفظ وحده يثبت الودّ، وهذا وحده يثبته بحسب اللقاء، فأيهما وجد مقتضيه وواظب عليه أثبت الودَّ ولو أدخل الواو لكان لا يثبت الودُّ إلا باللفظين معًا.
ونظير هذا أن تقول: أطعم فلانًا شيئًا فيقول: ما أطعمه؟ فتقول: أطعمه تمرًا أقطًا زبيبًا لحمًا، لم تُرد جمع ذلك، بل أردت: أطعمه واحدًا من هذه أيها تيسَّر. ومنه الحديث الصحيح المرفوع (٣): "تصدق رجلٌ من دِيْنَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ" (٤)، ومنه قول عمر: "صلَّى رجلٌ في إزاء ورداء في سراويلَ ورداء في تبَّان ورداء ... " الحديث (٥)، يتعين ترك العطف في هذا كله لأنَّ المراد الجمع.
فإن قيل: فما تقولون في قولهم: "اضرِب زيدًا عمرًا خالدًا"، أليس على حذف الواو؟
стр. 462
قيل: ليس كذلك؛ إذ لو كان على تقدير الواو لاختص الأمر بالمذكورين ولم يعدهم إلى سواهم، وإنما المراد الإشارة بهم إلى غيرهم، ومنه قولهم: "بوَّبتُ [الكتاب] (١) بابًا بابًا، وقسمت المال درهمًا درهمًا"، ليس على إضمار حرف العطف، ولو كان كذلك لانحصر الأمر في "درهمين وبابين".
وأما ما احتجُّوا به من قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، فقالوا على إضمار الواو، والمعنى والتقدير: "ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وقلت: لا أجد (٢) "، والذي دعاهم إلى ذلك أن جواب "إذا" هو قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢]. والمعنى: إذا أتوك ولم يكن عندك ما تحملهم عليه تولَّوا يبكون، فيكون الواو في "قلت" مقدَّرة؛ لأنها معطوفة على فعل الشرط وهو "أتوك"، هذا تقرير احتجاجهم ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ جواب "إذا" في قوله: "قلت لا أجد"، والمعنى: إذا أتوك لتحملهم لم يكن عندك ما تحملهم عليه، فعبر عن هذا بقوله: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] لنكتة بديعة، وهي الإشارة إلى تصديقهم له، وأنهم اكتفوا من علمهم بعدم الإمكان بمجرد إخباره لهم بقوله: ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ بخلاف ما لو قيل: لم يجدوا عندك ما تحملهم عليه، فإنه يكون سبب (٣) حزنهم خارجًا عن إخباره. وكذلك لو قيل: لم تجد ما تحملهم عليه، لم يؤدِّ هذا المعنى، فتأمله فإنه بديع.
стр. 463
فإن قيل: فبأيِّ شيءٍ يرتبط قوله: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ﴾، وهذا عطف على ما قبله فإنه ليس بمستأنف؟
فالجواب: أن ترك العطف هنا من بديع الكلام لشدة ارتباطه بما قبله ووقوعه منه موقع التفسير حتى كأنه هو، وتأمل مثل هذا في قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] كيف لم يعطف فعل القول بأداة عطف لأنه كالتفسير لتعجبهم والبدل من قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً﴾ فجرى مجرى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] فلما كان مضاعفة العذاب بدلًا وتفسيرًا لـ "لأثام" لم يحسن عطفه عليه.
وزعم بعض الناس (١) أن من هذا الباب قول عمر ﵁ في الحديث الصحيح: "لا يَغُرَّنَّكَ هذه التي أَعْجَبَهَا حُسْنُها حبُّ رَسُولِ اللَّه ﷺ " (٢) لها فقال: "المعنى أعجبها حُسنُها وحُبُّ رسول الله ﷺ لها"، وليس الأمر كذلك، ولكن قوله: "حب رسول الله ﷺ " (٣) بدل من قوله: "هذه" وهو من بدل الاشتمال، والمعنى: "لا يغرنك حبُّ رسول الله ﷺ لهذه التي قد أعجبها حسنها". ولا عطف هناك ولا حذف (٤)،
стр. 464
وهذا واضح بحمد الله.
فائدة بديعة (١)
"كل" لفظ دال على الإحاطة بالشيء، وكأنه من لفظ الإكليل والكَلَالَة والكِلَّة (٢) مما هو في معنى الإحاطة بالشيء، وهو اسم واحد في لفظه جمعٌ في معناه؛ ولو لم يكن معناه معنى الجمع لما جاز أن يؤكد به الجمعُ؛ لأن التوكيد تكرار للمؤكَّد فلا يكون إلا مثله، إن كان جمعًا فجمع، وإن كان واحدا فواحد.
وحقه أن يكون مضافًا إلى اسم منكر شائع في الجنس من حيث اقتضى الإحاطة، فإن أضفته إلى معرفةٍ، كقولك: "كل إخوتك ذاهب"، قَبُح إلا في الابتداء؛ لأنه إذا كان مبتدأ في هذا الموطن كان خبرُه بلفظ الإفراد، تنبيهًا على أن أصله أن يضاف إلى نكرة؛ لأن النكرة شائعة في الجنس، وهو أيضا يطلب جنسًا يحيط به، فإما أن تقول (٣): كلُّ واحدٍ من إخوتك ذاهب، فيدل إفراد الخبر على المعنى الذي هو الأصل، وهو إضافته إلى اسم مفرد نكرة.
فإن لم تجعله مبتدأ وأضفته إلى جملة مُعَرَّفة، كقولك: رأيتُ كل إخوتك، وضربتُ كلَّ القوم، لم يكن في الحُسن بمنزلة ما قبله؛ لأنك لم تُضِفْه إلى جنس، ولا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس كما كان في قولهم: كلهم ذاهب، وكل القوم
стр. 465
عاقل، فإن أضفته إلى جنس مُعَرَّف باللام، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ حَسُنَ ذلك؛ لأن اللام للجنس لا للعهد، ولو كانت للعهد لَقَبُحَ كما لو (١) قلتَ: خذ من كلِّ الثمرات التي عندك؛ لأنها إذا كانت جملة معَرَّفة معهودة، وأردت معنى الإحاطة فيها، فالأحسن أن تأتىِ بالكلام على أصله، فتؤكد المعرفة بـ "كل"، فتقول: خد من الثمرات التي عندك كلها؛ لأنك لم تضطر إلى (٢) إخراجها عن (٣) التوكيد كما اضطُرِرْتَ في النكرة حين قلتَ: لقيتُ كلَّ رجل؛ لأن النكرة لا تؤكد، وهي -أيضًا- شائعة في الجنسِ كما تقدَّم.
فإن قيل: فإذا استوى الأمران، كقولك: كُلْ من كل الثمرات، وكُلْ من الثمرات كلِّها، فلم اختص أحدُ النظمين بالقرآن في موضع دون موضع؟.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ فصيح، ولكن (٤) لابُدَّ من فائدة في الاختصاص.
أما قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ف "مِنْ" هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض، والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف، إنما يُريد الثمرات بأنفسِها، إلا أنه أخرج منها شيئًا، وأدخل "من" لبيان الجنس كلِّه، ولو قال: أخرجنا به من الثمراتِ كلِّها، لذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف، وأن مفعول ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ فيما بعد، ولم يُتوهَّم ذلك مع تقديم "كل" لعلم
стр. 466
المخاطبين (١) أن "كلًّا" إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس، وإذا تأخرت -وكانت توكيدًا- اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة جنسًا شائعًا كان أو معهودًا معروفًا.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٩] ولم يقل: من الثمرات كلها، ففيها الحكمة التي في الآية قبلها، ومزيد فائدة وهو أنه [قد] (٢) تقدمها في النظم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ﴾ [النحل: ٦٧]، فلو قال بعدها: "كلي من الثمرات كلها"، لذهب الوهم إلى (٣) أنه يريد الثمرات المذكورة قبل هذا، أعني ﴿ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾؛ لأن [الألف و] اللام إنما تنصرف إلى المعهود، فكان الابتداء بـ "كل" أحصن للمعنى، وأجمع للجنس، وأرفع للبس، وأبدعَ في النظم، فتأمله.
وإذا قُطعت عن الإضافة وأُخبر عنها؛ فحقُّها أن تكون ابتداءً، ويكون خبرها جمعًا، ولابدَّ من مذكورين قبلها؛ لأنها إن لم يُذكر قبلها جملة ولا أُضِيْف إلى جملة (٤) بَطل معنى الإحاطة فيها، ولم يُعقل لها معنى. وإنما وجب أن يكون خبرها جمعًا؛ لأنها اسم في معنى الجمع فتقول: "كل ذاهبون" إذا تقدم ذكر قوم؛ لأنك معتمد في المعنى عليهم، وإن كنت مخبرًا عن "كل"، فصارت بمنزلة قولك: الرهط ذاهبون، والنفر منطلقون، لأن الرهط والنفر اسمان مفردان، ولكنهما في معنى الجمع والشاهدُ لما قلناه قوله :
стр. 467
﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤]، وإن كانت مضافة إلى ما بعدها في اللفظ، لم تجد خبرها إلا مفردًا، للحكمة التي قدمناها قَبْلُ، وهي: أن الأصلَ إضافتُها إلى النكرة المفردة، فتقول: كلُّ إخوتك ذاهب، أي كلُّ واحد منهم ذاهب، ولم يلزم ذلك حين قطعتها عن الإضافة فقلتَ: كلٌ ذاهبون؛ لأن اعتمادها إذا أفردت على المذكورين قبلها، وعلى ما في معناها من معنى الجمع، واعتمادها إذا أضفتها على الاسم المفرد، إما لفظًا وإما تقديرًا؛ كقوله ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُم مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِه" (١) ولم يقل: "راعون ومسئولون ". ومنه: "كلُّكم سَيَرْوَى" (٢). ومنه قول عمر: "أو كلكم يجد ثوبين" (٣)، ولم يقل تجدون، ومثله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وقال تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] فجمع، وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم: ٩٣].
فإن قيل: فقد ورد في القرآن ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ وهذا يناقض ما أَصَّلتم.
قيل: إن في هاتين الآيتين قرينة تقتضي تخصيص المعنى بهذا اللفظ دون غيره؛ أما قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾؛ فلأن
стр. 468
قبلها ذكر فريقين مختلفين، ذكر مؤمنين وظالمين، فلو قال: "يعملون"، وجمعهم في الإخبار عنهم لبطل معنى الاختلاف، فكان لفظ الإفراد أدل على المراد، كأنه يقول: كل فريق (١) فهو يعمل على شاكلته.
وأما قوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾؛ فلأنه ذكر قرونًا وأممًا، وختم ذكرهم بذكر قوم تُبَّع، فلو قال: كلٌ كذبوا. و" كل" إذا أفردت إنما تعتمد (٢) على أقرب المذكورين إليها، فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تُبَّع خاصة؛ أنهم كذبوا الرسل، فلما قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ﴾ علم أنه يريد كل فريق منهم (٣) لأن إفراد الخبر عن "كل" حيث (٤) وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم. ومثله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وأما قولنا في "كل" إذا كانت مقطوعة عن الإضافة فحقها أن تكون مبتدأة، فإنما نريد أنها مبتدأة يخبر عنها أو مبتدأة باللفظ منصوبةً بفعل بعدها لا قبلها، أو مجرورة يتعلَّق خافضها بما بعدها نحو: ﴿وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، وقول الشاعر (٥):
*بكُلٍّ تَدَاوَيْنا ... *
ويقبح تقديم الفعل العامل فيها إذا كانت مفردة، كقولك: "ضربتُ كُلًّا" و"مررتُ بكلٍّ" وإن لم يقبح: "كلَّا ضربت"، و"بكل مررت"،
стр. 469
من أجل أن تقديم العامل عليها يقطعها عن المذكور قبلها في اللفظ؛ لأن العامل اللفظي له صدر الكلام، وإذا قطعتها عما قبلها في اللفظ لم يكن لها شيءٌ تعتمدُ عليه قبلها ولا بعدها، فقَبحَ ذلك.
وأما إذا كان العامل معنويًّا، نحو: "كلّ ذاهبون"، فليس بقاطع لها عما قبلها من المذكورين؛ لأنه لا وجود له في اللفظ، فإذا قلتَ: "ضربتُ زيدًا وعَمرًا وخالدًا "، و"شتمتُ كُلاّ"، و"ضربتُ كُلاّ"، لم يجز ولم يعد بخبر لما قدمناه.
إذا عرفت هذا؛ فقولك: "كلُّ إخوتك ضربت"، سواء رفعت أو نصبت يقتضي وقوع الضرب بكلِّ واحد منهم، وإذا قلت: "كل إخوتك ضربني"، يقتضي -أيضًا- أنَّ كلَّ واحد واحد منهم ضربك. فلو قلت: "كل إخوتك ضربوني، وكل القوم جاؤوني"، احتمل ذلك، واحتمل أن يكونوا اجتمعوا في الضرب والمجئ؛ لأنك أخبرتَ عن جملتهم بخبر واحد واقع عن الكلية (١)، بخلاف قولك: "كل إخوتك جاءنى"، فإنما هو إخبار عن كل واحد واحد (٢) منهم، وأن الإخبار بالمجيء، عم جميعهم، فتأمل على هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] كيف أفردَ الخبرَ؛ لأنه لم يُرِد اجتماعهم فيه. وقال تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ فجمع لما أريد الاجتماع في المجيء، وهذا أحسن مما تقدَّم من الفرق، فتأمله.
ولا يرد على هذا قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ
стр. 470
قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، بل هو تحقيق له وشاهد، لأن القنوت هنا هو العبودية العامة التي تشترك فيها أهل السموات والأرض لا يختص بها بعضهم عن بعض، ولا يختص بزمان دون زمان، وهي عبودية القهر. فالقنوت هنا قنوت قهر وذل لا قنوت طاعة ومحبة، وهذا بخلاف قوله تعالى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فإنه أفرد لما لم يجتمعوا في الفناء. ونظيره قوله ﷺ : "وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ " (١)، فإن الله يسأل كلَّ راعٍ بمفرده.
ومما جاء مجموعًا لاجتماع الخبر قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] وما أفرد لعدم اجتماع الخبر قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لأيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص: ١٢ - ١٤] فأفرد لمَّا لم يجتمعوا في التكذيب.
ونظيره في سورة ق: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدٍ﴾ [ق: ١٤] وتأمَّل كيف كشف قناعَ هذا المعنى وأوضحه كلَّ الإيضاح بقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: ٩٥]، كيف أفرد "آتيه" لما كان المقصود الإشارة إلى أنهم -وإن أتوه جميعًا- فكلُّ واحد منهم منفرد عن كل فريق من صاحب أو قريب أو رفيق، بل هو وحده منفرد، فكأنه إنما أتاه وحدَه، وإن أتاه مع غيره؛ لانقطاع تبعيته للغير وانفراده بشأن نفسه، فهذا عندي أحسن من الفرق بالإضافة وقطعها. والفرقُ بذلك فَرْقُ السُّهيليِّ، فتأمل الفرقين، واستَقْرِ الأمثلة والشواهدَ.
стр. 471
فصل (١)
وأما مسألة: "كلُّ ذلك لم يكن"، و "لم يكن كل ذلك"، و "لم أصنع كلَّه"، و"كلُّه لم أصنعه"؛ فقد أطالوا فيها القولَ وفرَّقوا بين دلالتي الجملة الفعلية والاسمية، وقالوا: إذا قلتَ: "كل ذلك لم يكن"، و"كله لم أصنعه"؛ فهو نفي للكل بنفي كلِّ فردٍ من أفراده فيناقض الإيجاب الجزئي وإذا قلت: "لم أصنع الكلَّ" و "لم يكن كل ذلك"؛ فهو نفي للكُلِّية دون التعرُّض لنفي الأفراد، فلا يناقضه الإيجاب الجزئي، ولا بد من تقرير مقدمة تُبْنى عليها هذه المسألة وأمثالها، وهي: أن الخبرَ لا يجوز أن يكون أخص من المبتدأ، بل يجوز أن يكون أعم منه ومساويًا له؛ إذ لو كان أخص منه لكان ثابتًا لبعض أفراده، ولم يكن خبرًا عن جملته، فإن الأخص إنما يثبت لبعض أفراد الأعم.
وأما إذا كان أعم منه، فإنه لا يمتنع؛ لأنه يكون ثابتًا بجملة أفراد المبتدأ وغيرها، وهذا غير ممتنع. فإذا عرف ذلك، فإذا كان المبتدأ لفظة "كل" الدال على الإحاطة والشمول، وجب أن يكون الخبر المثبت حاصلًا لكلِّ فردٍ من أفراد "كل"، والخبر المنفي مثبتًا عن كلِّ فرد من أفراده، سواء أضفت "كلَّا" أو قطعتها عن الإضافة، فإن الإضافة فيها مَنْويَّة معنىً وإن سقطت لفظًا، فإذا قلت: "كلهم ذهب" و"كلكم سَيَروَي" أو: "كل ذهب" و "كل سَيَروَى" (٢) عمَّ الحكمُ أفرادَ المبتدأ، فإذا كان الحكم (٣) سلبًا، نحو: "كلُّهم لم يأتِ، وكلُّ
стр. 472
لم يقم" (١)، ولهذا يصح مقابلته بالإيجاب الجزئي، نحو (٢): قوله ﷺ وقد سُئل: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: - "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ"، فقال ذو اليدين: بلى، قد كان بعض ذلك" (٣).
ومن هذا ما أنشده سيبويه (٤):
قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعي .. عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُهُ لم أَصْنَعِ
أنشده برفع "كل" واستقبَحَه لحذف الضمير العائد من الخبر، وغير سيبويه يمنعه مطلقًا وينشدُ البيت منصوبًا، فيقول كلَّه لم أصنع، والصواب: إنشادُه بالرفع محافظةً على النفي العام الذي أراده الشاعر وتمدَّح به عند أم الخيار، ولو كان منصوبًا لم يحصل له مقصوده من التَّمدُّح بأنه لم يفعل ذلك الذنب ولا شيئًا منه، بل يكون المعنى: لم أفعل كلَّ الذنب بل بعضه، وهذا ينافي غَرَضَه. ويشهد لصحة قول سيبويه: قراءة ابن عامر (٥) في سورة الحديد: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، فهذا يدلُّ على أن حذف العائد جائز وأنه غير قبيح.
ومن هذا على أحد القولين: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] أجاز الزجاج أن تكون الجملة ابتدائية وقد حذف العائد من ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾، وتقديره: يستعجله منه
стр. 473
المجرمون، وكما يحذف من الصِّلة والصفة والحال إذا دلَّ عليه دليل، ودعوى قُبح حذفه من الخبر مما لا دليل عليها. وللكلام في تقرير هذه المسألة موضع آخر.
والمقصود: أن إنشادَ البيت بالنصب محافظةً على عدم الحذف إخلالٌ (١) شديدٌ بالمعنى. وأما إذا تقدم النفي وقلت: "لم أصنع كله ولم أضرب كلهم"، فكأنك لم تتعرَّض للنفي عن كل فردٍ فردٍ، وإنما نفيت فعل الجميع ولم تنفِ فعل البعض، ألا ترى أن قولك: "لم أصنع الكلَّ" مناقض لقولك: "صنعتُ الكلَّ"، والإيجاب الكلِّي يناقضه السلب الجزئي، ألا ترى إلى قولهم: "لم أُرِد كلَّ هذا" فيما إذا فعل ما يريده وغيره، فتقول: "لم أُرِد كلَّ هذا" ولا يصح أن تقول: "كلُّ هذا لم أرده"، فتأمله، فهذا تقرير هذه المسألة، وقد أغناك عن ذلك التطويل المتعِبْ القليل الفائدة.
فصل (٢)
واعلم أن "كلًّا "من ألفاظ الغَيبة، فإذا أضفته إلى المخاطبين، جاز لك أن تُعِيدَ الضَّميرَ عليه بلفظ الغَيبة مراعاةً للفظه، وأن تعيده بلفظ الخطاب مراعاةً لمعناه، فتقول: كلُّكم فعلتم، وكلُّكم (٣) فَعَلوا.
فإن قلت: "أنتم كلُّكم فعلتم"، أو "أنتم (٤) كلُّكم بينكم درهم"، فإن جعلت "أنتم" مبتدأ، و "كلكم" تأكيدًا، قلت: أنتم كلكم فعلتم
стр. 474
وبينكم درهم، لتطابق المبتدإ، وإن جعلت "كلكم" مبتدأ ثانيًا جاز لك وجهان: أحدهما: أن تقول "فعلوا وبينهم درهم"، مراعاة للفظ كُلُّ، وأن تقول: "فعلتم وبينكم درهم"، حَمْلًا على المعنى؛ لأن "كُلًا" في المعنى للمخاطبين.
فائدة (١)
اختلف الكوفيون والبصريون في "كلا" و "كلتا"؛ فذهب البصريون إلى أنها اسم مفرد دال على الاثنين، فيجوز عَوْد الضمير إليه باعتبار لفظه وهو الأكثر، ويجوز عوده باعتبار معناه وهو الأقل، وألفها لام الفعل ليست ألف تثنية عندهم.
ولهم حجج؛ منها: أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة، والمثنَّى ليس كذلك، وأما انقلابها ياء مع المضمر (٢) فلا يدل على أنها ألف تثنية كألف "على وإلى ولدى". هذا قول الخليل وسيبويه (٣) واحتجوا -أيضًا- بقولهم: "كِلاهما ذاهب"، دون "ذاهبان"، وسيبويه لم يحتج بهذه الحجة لما تقدم من أنك إذا أضفت (٤) لفظ "كل" أفردت خبره، مع كونه دالًا على الجمع حملًا على المعنى؛ لأن قولك: "كُلُّكُم راع" بمنزلة كل واحد منكم راع، فكذا قولك: كلاكما قائم، أي: كلُّ واحد منكما قائم.
فإن قيل: بل أفرد الخبر عن "كُل وكِلا"؛ لأنهما اسمان مفردان.
стр. 475
قيل: هذا يبطل بتوكيد الجمع والتثنية بهما، وكما لا يُنعت الجمع والمثنى بالواحد، فكذلك لا يؤكد به بطريق الأولى؛ لأن التوكيد تَكْرار للمؤكد بعينه، بخلاف النَّعت فإنه غيره (١) بوجه.
والمعول عليه لمن نصر مذهب سيبويه على الحجة الأولى، على ما فيها وعلى معارضتها بتوكيد الاثنين، و"كلا" والمثنى لا يؤكد بالمفرد كما قررناه.
فإن قيل: الجواب عن هذا أن "كلا" اسم للمثنى، فحسن التوكيد به وحصلت المطابقة باعتبار مدلوله، وهو المقصود من الكلام فلا يضر إفراد اللفظ.
قيل: هذا يمكن في الجمع أن يكون لفظه واحدًا ومعناه جمعًا؛ نحو: كل، وأسماء الجموع كرهط وقوم؛ لأن الجموع قد اختلفت صورها أشد اختلاف، فمذكر ومؤنث ومُسَلَّم ومكسر، على اختلاف ضروبه، وما لفظه على لفظ واحِدِه، كما تقدَّم بيانه، فليس ببدع أن يكون صورة اللفظ مفردًا ومعناه جمعًا، وأما التثنية فلم تختلف قط، بل لزمت طريقة واحدة أين وقعت، فبعيد جدًّا بل ممتنع أن يكون منها اسم مفرد معناه مثنى، وليس معكم إلا القياس على الجمع.
وقد وضحَ الفرقُ بينهما، فتعيَّن أن تكون "كلا" لفظًا مثنى ينقلب ألفه ياء مع المضمر دون المظهر؛ لأنك إذا أضفته إلى ظاهر استغنيت عن قلب ألفه ياء بانقلابها في المضاف إليه، لتنزله منزلة الجزئية لدلالة اللفظ على مدلول؛ واحد لأن "كلا" هو نفس ما يضاف إليه، بخلاف قولك: "ثوبا الرجلين، وفرسا الزيدين"، فلو قلت: "مررت
стр. 476
بكلي الرجلين"، جمعتَ بين علامتي تثنية فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأنهما لا ينفصلان أبدًا، ولا تنفك "كِلا" هذه عن الإضافة بحال، ألا ترى كيف رفضوا: "ضربت رأسي الزيدين"، وقالوا: رؤوسهما، لمَّا رأوا المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، هذا مع أن الرؤوس تنفصل عن الإضافة كثيرًا، وكذلك القلوب من قوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]؛ فإذا كانوا قد رفضوا علامة التثنية هناك مع أن الإضافة عارضة، فما ظنك بهذا الموضع الذي لا تفارقه الإضافة ولا تنفك عنه؛ فهذا الذي حملهم على أن ألزموها الألف في جميع الأحوال (١) وكان هذا أحسن من إلزام طيِّيء وخَثْعَم وبني الحرث وغيرهم المثنى للألفَ في كلِّ حال (٢) نحو: الزيدان والعمران، فإذا أضافوه إلى الضمير (٣) قلبوا ألفه في النصب والجر؛ لأن المضاف إليه ليس فيه علامة إعراب ولا يثنَّى بالياء، ولكنه أبدًا بالألف، فقد زالت العلة التي رفضوها في الظاهر، وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله كما ترى، وإن كان سيبويه المعظَّم المقدَّم في الصناعة فمأخوذ من قوله ومتروك.
ومما يدل على صحة هذا القول أن "كِلا" يفهم من لفظه ما يفهم من لفظ "كُل"، وهو موافق له في فاء الفعل وعينه، وأما اللام فمحذوفة كما حُذِفت في كثير من الأسماء، فمن ادعى أن "لام" الفعل "واو"، وأنه (٤) من غير لفظ "كل" فليس له دليل يعضده، ولا اشتقاق يشهد له.
стр. 477
فإن قيل: فلِمَ رجعَ الضمير إليها بلفظ الإفراد إذا كانت مثناة؟.
قيل: لما تقدم من رجوع الضمير على "كل" كذلك، إيذانًا بأن الخبر عن كل واحد واحد، فكأنك قلتَ: كل واحد من الرجلين قام. وفيه نكتة بديعة، وهي: أن عَوْد الضمير بلفظ الإفراد أحسن؛ لأنه يتضمَّن صدور الفعل عن كل واحد، منفردًا به ومشاركًا للآخر.
فإن قيل: فلم كُسِرت الكاف من "كِلا" وهي من "كل" مضمومة؟.
قيل: هذا لا يلزمهم؛ لأنهم لم (١) يقولوا: إنها لفظة "كل" بعينها، ولهم أن يقولوا: كُسِرت تنبيهًا على معنى الاثنين، كما يبتدأ لفظ (٢) الاثنين بالكسر، ولهذا كسروا العين من "عِشرين" إشعارًا بتثنية "عشر". ومما يدل على صحة هذا القول -أيضًا- أن "كِلتا" بمنزلة قولك: "ثِنتا"، ولا خلاف أن ألف "ثنتا" ألف تثنية، فكذلك ألف "كِلتا". ومن ادعى أد الأصل فيهما "كلواهما" فقد ادعى ما تستبعده العقول، ولا يقوم عليه برهان.
ومما يدل -أيضًا- على صحته: أنك تقول في التوكيد: "مررتُ بإخوتك ثلاثتهم وأربعتهم"، فتؤكد بالعدد، فاقتضى القياس أن تقول -أيضًا- في التثنية كذلك: "مررت بأخويك (٣) اثنيهما"، فاستغنوا عنه بكليهما لأنه في معناه، وإذا كان كذلك فهو مثنى مثله.
فإن قيل: فإنك تقول: "كلا أخويك جاء"، ولا تقول: "أثنا أخويك جاء"، فدل على أنه ليس في معناه؟.
стр. 478
قيل: العدد الذي يؤكد به إنما يكون تأكيدًا مؤخرًا تابعا لما قبله، فأما إذا قُدِّم لم يجز ذلك؛ لأنه في معنى الوصف، والوصف لا يُقدَّم على الموصوف، فلا تقول: "ثلاثة إخوتك جاءوني"، وهذا بخلاف "كل وكِلا وكِلتا"؛ لأن فيها معنى الإحاطة، فصارت كالحرف الداخل لمعنى فيما بعده، فَحَسُن تقديمهما في حال الإخبار عنهما، وتأخيرهما في حال التوكيد، فهذا قوة (١) هذا المذهب كما ترى.
فائدة (٢)
لا يؤكَّد بـ "أجمع" الفرد مما يعقل؛ ولا ما حقيقته لا تتبعَّض، وهذا إنما يؤكد به ما يتبعَّض كجماعة من يعقل فجرى مجرى "كل".
فإن قيل: فقد تقول: رأيت زيدًا أجمع، إذا رأيته بارزًا من طاق ونحوه.
قيل: ليس هذا توكيدًا في الحقيقة لزيد؛ لأنك لا تريد حقيقتَه و"ذاتَه وإنما تريد به ما تُدْرك العينُ منه.
و"أجمع" هذه اسم معرفة بالإضافة، وإن لم يكن مضافًا في اللفظ؛ لأن معنى: قبضتُ المَال أجمع، أي كلَّه، فلما كان مضافًا في المعنى تعرَّف ووكِّد به المعرفة، وإنما استغنوا عن التصريح بلفظ المضاف إليه معه، ولم يستغن عن لفظ المضاف [إليه] مع "كل" إذا قلت: قبضتُ المالَ كلَّه؛ لأن "كلا" تكون توكيدًا وغير توكيد، وتتقدم في أول الكلام، نحو "كلكم ذاهب" فصار بمنزلة "نفسه" و"عينه"؛ لأن كل واحد منهما يكون توكيدًا وغير توكيد، فإذا أكدته
стр. 479
لم يكن بُدٌّ من إضافته إلى ضمير المؤكد حتى يُعْلم أنه توكيد، وليس كذلك "أجمع"؛ لأنه لا يجيء إلا تابعًا لما قبله، فاكتفى بالاسم الظاهر المؤكد (١) واستغنى به عن التصريح بضميره، كما فعل بـ "سحر" حين أردته ليوم بعينه، فإنه عُرِّف بمعنى الإضافة، وأستغني عن التصريح بالمضاف إليه اتكالًا على ذكر اليوم قبله.
فإذا قيل: وَلمَ لَمْ تُقَدَّم "أجمع" كما قُدِّم "كل"؟.
فالجواب (٢): أن فيه معنى الصفة؛ لأنه مشتق من "جمعت" فلم يقع إلَّا تابعا (٣)، بخلاف "كل".
ومن أحكامه أنه، يُثنَّى و، يُجمع على لفظه؛ أما امتناع تثنيته، فلأنه وضع لتأكيد جملة تتبعض (٤)، فلو ثنيته لم يكن في قولك: "أجمعان" توكيد لمعنى التثنية، كما في "كليهما "؛ لأن التوكيد تكرار لمعنى المؤكَّد (٥)، إذا قلت: درهمان، أفدت أنهما اثنان، فإذا قلت: كلاهما، كأنك قلت: اثناهما، ولا يستقيم ذلك في: "أجمعان"؛ لأنه بمنزلة من يقول: أَجْمع وأَجْمع، كالزيدان بمنزلة: زيد وزيد، فلم يفدك "أجمعان" تكرار معنى التثنية، وإنما أفادك تثنية واحدة بخلاف "كلاهما"؛ فإنه ليس بمنزلة قولك: كل وكل، وكذلك "اثناهما" المستغنى عنه بكليهما لا يقال فيهما: اثن واثن، فإنما هي تثنية لا تنحلُّ ولا تنفرد، فلم يصلح لتأكيد معنى التثنية غيرها، فلا
стр. 480
ينبغي أن يؤكد معنى التثنية والجمع إلا بما لا واحد له من لفظه، لئلَاّ يكون بمنزلة الأسماء المفردة المعطوف بعضها على بعض بالواو، وهذه عِلَّة امتناع الجمع فيه؛ لأنك لو جمعته كان جمعًا لواحد من لفظه، ولا يؤكِّد معنى الجمع إلا بجمع لا ينحل إلى الواحد.
فإن قيل: هذا ينتقض بأجمعين وأكتعين، فإن واحِدَه أجمع وأكتع؟
قيل: سيأتي جوابه، وإن شئت قلت: إن أجمع في معنى "كل"، و"كل" لا يُثنى ولا يجمع، إنما يُثَنَّى ويجمع الضمير الذي يضاف إليه "كل".
وأما قولهم في تأنيثه: جمعاء؛ فلأنه أقرب إلى باب "أحمر" و"حمراء" من باب "أفضل" و"فُضْلى"، فلذلك لم يقولوا في تأنيثه: "جُمْعى (١) " كـ "كُبْرى"، ودليل ذلك أنه لا يدخله الألف واللام، ولا يُضاف صريحًا، فكان أقرب إلى باب "أفعل" و" فعلاء" وإن خالفه في غير هذا.
وأما "أجمعون وأكتعون" فليس بجمع لـ "أجمع وأكتع"، ولا واحد له من لفظه، وإنما هو لفظ وضع لتأكيد الجمع بوزن: ياسمين، وبمنزلة: "أبَينون" تصغير "الأبناء" فإنه جمع مُسَلّم ولا [واحد] (٢) له من لفظه (٣). والدليل على ذلك: أنه لو كان واحد "أجمعين" أجمع، لما قالوا في المؤنث جُمَع، لأن "فُعَل" -بفتح العين- لا يكون واحده
стр. 481
فعلاء. و"جمعاء" التي هي مؤنث أجمع لو جُمِعَت لقيل: جمعاوات، أو جُمْع -بوزن حُمْر- وأما فُعَل بوزن كٌبَر فجمع لفُعْلى (١).
وإنما جاء "أجمعون" على بناء "أكرمون وأرذلون"؛ لأن فيه طرفًا من معنى التفضيل كما في: "الأكرمين والأرذلين"، وذلك أن الجموع تختلف مقاديرها، فإن كَثُر العدد احتج إلى كثرة التوكيد، حرصًا على التحقيق ورفعًا للمجاز، فإذا قلت: جاء القوم كلُّهم، وكان العدد كثيرًا، تُوُهِّم أنه قد شذ منهم البعض، فاحتيج إلى توكيد أبلغ من الأول، فقالوا: أجمعون أكتعون، فمن حيث كان أبلغ من التوكيد الذي قبله، دخله معنى التفضيل، ومن حيث دخله معنى التفضيل (٢) جُمِع جَمْع السلامة، كما يجمع "أفعل" الذي فيه ذلك المعنى جمع السلامة كأفضلون، ويجمع مؤنثه على "فُعَل" كما يجمع مؤنث ما فيه (٣) من التفضيل.
وأما "أجمع" الذي هو توكيد الاسم الواحد فليس فيه من معنى التفضيل شيء، فكان كباب "أَحْمر"، ولذلك استغنى أن يقال: "كلاهما أجمعان"، كما يقال: "كُلُّهم أجمعون "؛ لأن التثنية أدنى من أن يُحْتاج في (٤) توكيدها إلى هذا المعنى، فثبت أن "أجمعون" لا واحد له من لفظه؛ لأنه توكيد لجمع من يعقل، وأنت لا تقول فيمن يعقل: جاءني زيد أجمع (٥)، فكيف يكون: "جاءني الزيدون
стр. 482
أجمعون" جمعًا له، وهو غير مستعمل في الإفراد؟.
وسرُّ هذا ما تقدم وهو: أنهم لا يؤكدون مع الجمع والتثنية إلا بلفظ لا واحد له، ليكون توكيدًا على الحقيقة؛ لأن كلا جمع ينحل (١) لفظه إلى الواحد فهو عارض في معنى الجمع، فكيف يؤكد به معنى الجمع، والتوكيد تحقيق وتثبيت ورفع للبس والإبهام، فوجب أن يكون مما يثبت لفظًا ومعنى.
وأما حذف التنوين من "جُمَع" فكحذفه من "سَحَر"؛ لأنه مضاف في المعنى.
فإن قيل: ونون الجمع محذوفةٌ في الإضافة أيضًا فَهَلَّا حُذِفت من أجمعين؛ لأنه مضاف في المعنى؟.
قيل: الإضافة المعنوية لا تَقْوى على (٢) حذف النون المتحركة التي هي كالعِوَض من الحركة والتنوين، ألا ترى أن نون الجمع تثبت مع الألف واللام وفي الوقف، والتنوينُ بخلافِ ذلك فقويت الإضافة المعنوية على حذفه تقوَ على حذف النون إلا الإضافةُ اللفظية.
فإن قيل: ولم كانت الإضافة اللفظية أقوى من المعنوية، والعامل اللفظي أقوى من المعنوي؟
قيل: اللفظي لا يكون إلا متضمِّنًا لمعناه، فإذا اجتمعا معًا كان أقوى من المعنى المفرد عن اللفظ فوجب أن تكون أضعف، وهذا ظاهرٌ لمن عدل وأنصف.
стр. 483
فائدة بديعة (١)
"العينُ" يُرَاد بها حقيقة الشيء المدرَكة بالعيان، أو ما يقوم مقام العيان، وليست اللفظة على أصول موضوعها؛ لأن أصلها أن تكون مصدرًا وصفةً لمن قامت به، ثم عُبِّر عن حقيقة الشيء بالعين، كما عُبِّر عن الوحش بالصيد، وإنما الصيدُ في أصل موضوعه مصدرٌ من "صاد يصيد"، ومن هاهنا لم يرد في الشريعة عبارة عن نفس الباري ؛ لأن نفسه -سبحانه- غير مُدْرَكة بالعيان في حقنا اليوم، وأما عين القِبلة وعين الذهب وعين الميزان، فراجعةٌ إلى هذا المعنى. وأما العين [الجارية] (٢) فمشبَّهة بعين الإنسان لموافقتها لها في كثير من صفاتها وأما عين الإنسان فمُسَماة بما أصله أن يكون صفة ومصدرًا؛ لأن العين في أصل الوضع مصدر، كالدَّيْن والزَّيْن والبَيْن والأَيْن وما جاء على بنائه (٣).
ألا تراهم يقولون: "رجل عَيُون وعاين" ويقولون: "عِنْته": أصبته بالعين، و"عاينته": رأيته بالعين، وفرقوا بين المعنيين، وكأن عاينته من الرؤية أولى من عِنْته؛ لأنه بمنزلة المفاعلة والمقابلة، فقد تقابلتما وتعاينتما، بخلاف "عِنْته" فإنك تنفرد بإصابته العين من حيث لا يشعر.
ومما يدلك على أنها مصدر في الأصل: قوله تعالى: ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] كما قال: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]
стр. 484
و ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] فالعلم والحق مصدران مضافان إلى اليقين فكذلك العين، هكذا قال السُّهيليُّ.
وفيه نظر؛ لأن إضافة عين إلى اليقين من باب قولهم: نفسُ الشيءِ وذاته، فعين اليقين نفس اليقين. والعين التي هي عضو سُمِّيت عينًا؛ لأنها آلة ومحل لهذه الصفة التي هل العين، وهذا من باب قولهم: "امرأة ضيفٌ وعدلٌ" تسمية للفاعل باسم المصدر، والعين التي هي حقيقة الشيء ونفسه من باب تسمية المفعول، بالمصدر كصَيْدٍ.
قال السهيلي (١): إذا علمت هذا فاعلم أنَّ العين أضيفت إلى الباري تعالى كقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] حقيقة لا مجازًا، كما توهم أكثر الناس، لأنه صفة في معنى الرؤية والإدراك، وإنما المجازُ في تسمية العضو بها، وكلُّ شيء يوهم الكفرَ والتجسيمَ فلا يضاف إلى الباري -سبحانه- لا حقيقةً ولا مجازًا. ألا ترى كيف كفر الرومية من النصارى (٢) حيث قالوا في عيسى: إنه ولدٌ، على المجاز لا على الحقيقة، فكفروا ولم يدروا (٣). ألا ترى كيف لم يضفِ سبحانه إلى نفسه ما هو في معنى عين الإنسان كالمقلة والحَدَقة حقيقة ولا مجازًا، نعم ولا لفظ الإبصار؛ لأنه لا يُعْطي معنى البصر والرؤية مجرَّدًا، ولكنه يقتضي مع معنى البصر معنى التحديق والملاحظة ونحوهما.
قلت: كأنه ﵀ غفل عن وصفه بالسميع والبصير، وغفل عن قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "لأَحْرَقَتْ سبُحُاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَه
стр. 485
بَصَرُه مِنْ خَلْقِهِ" (١).
وأما إلزامه التحديق والملاحظة ونحوها، فهو كإلزام المعتزلة نظيره في الرؤية، فهو منقول من هناك حرفًا بحرف.
وجوابه من وجوه:
أحدها: ما تعنى بالتحديق والملاحظة؟ معنى البصر والإدراك، أو قدرًا زائدًا عليهما غير ممتنع وصف الرَّبِّ به؟ أو معنى زائدًا يمتنع وصفه به؛ فإن عنيتَ الأولين؛ منعنا انتفاء اللازم، وإن عنيت الثالث؛ منعنا الملازمة، ولا سبيل إلى إثباتها بحال.
الثاني: أنَّ هذا التحديق والملاحظة إنما تلزم الصفة من جهة إضافتها إلى المخلوق لا تلزمها مضافة إلى الرب تعالى، وهذا كسائر خصائص صفات المخلوقين التي تطرَّقت الجهميةُ بها إلى نفي صفات الرب، وهذا من جهلهم وتلبيسهم، فإن خصائص صفات المخلوقين لا تلزم الصفة مضافةً إلى الربِّ تعالى، كما لا يلزم خصائص وجودهم وذواتهم، وهذا مقرَّر في موضعه. وهذا الأصل الذي فارق به أهل السنة طائفتي الضلال من المشبِّهة والمعطِّلة فعليكَ بمراعاته.
الثالث: قوله: "لا يعطي الإبصار معنى البصر والرؤية مجرَّدًا" كلامٌ لا حاصل تحته ولا تحقيق، فإنه قد تقرر عقلًا (٢) ونقلا أن لله تعالى صفة البصر ثابتة له كصفة السمع، فإن كان لفظ الإبصار لا يُعطى الرؤية مجرَّدة، فكذلك لفظ السمع، وإن أعطى السمعُ إدراك المسموعات مجرَّدًا، فكذلك البصر، فالتفريق بينهما تحكُّم مَحْض.
стр. 486
ثم نعود إلى كلامه قال: "وكذلك لا يُضاف إليه -سبحانه- من آلات الإدراك الأُذن ونحوها؛ لأنها في أصل الوضع عبارة عن الجارحة لا عن الصفة التي هي محلها (١)، فلم ينقل لفظها إلى الصفة، أعني: السمع، مجازًا ولا حقيقةً إلا أشياء وردت على جهة المثل مما يُعْرف بأدنى نظر أنها أمثال مضروبة، نحو: "الحَجَرُ الأَسْوَد يَمِينُ اللهِ في الأَرْضِ" (٢). و"مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمن" (٣) مما عرفت العربُ المرادَ به بأَوَّلِ وَهْلة".
قال: "وأما اليَدُ فهي عندي في أصل الوضع كالمصدر، عبارة عن صفةٍ لموصوف" قال:
يَدَيتُ عَلى ابنِ حَصْحاص (٤) بن عمرو ... بأسفل ذِي الجِذَاة يَدَ الكريمِ (٥)
فيديتُ: فعل مأخوذ من مصدر لا محالة، والمصدر صفة لموصوف،
стр. 487
ولذلك مَدَح سبحانه بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله تعالى: ﴿أُولِي الأَيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] ولم يمدحهم بالجوارح؛ لأن المدح لا يتعلَّق إلا بالصفات لا بالجواهر".
قلت: المرادُ بالأيدي والأبصار هنا القوة في أمر الله والبَصَر بدينه، فأراد أنهم من أهل القُوى في أمره والبصائر في دينه، فليست من يَدَيتُ إليه يدًا (١)، فتأمله.
قال (٢): وإذا ثبت هذا فصحَّ قول أبي الحسن الأشعري (٣): إن اليد من قوله: "خلق آدم بيده" (٤)، وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] صفة ورد بها الشرع، ولم يقل: إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه، ولا في معنى النعمة، ولا قَطَع بشيءٍ من التأويلات تحرُّزًا منه عن مخالفة السلف، وقَطَع بأنها صفةٌ تحرُّزًا عن مذهب المشبِّهةِ.
فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يَفْهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة لا يفهم معناه؟.
قلنا: ليس الأمر كذلك، بل كان معناها مفهوما عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم، ولذلك لم يستفت واحد من المؤمنين عن معناها، ولا خاف على نفسه تَوَهَّم التشبيه، ولا احتاج إلى شرح وتنبيه.
стр. 488
وكذلك الكفار لو كانت [اليد] عندهم لا تُعْقَل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض، واحتجوا بها على الرسول، ولقالوا: زعمتَ أنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء ثم تخبر أن له يدًا كأيدينا، وعينًا كأعينا؟! ولما لم يُنْقل ذلك عن مؤمن ولا كافر عُلِمَ أن الأمر كان فيها عندهم جليًّا لا خفيًّا، وأنها صفة سُمِّيت الجارحة بها مجازًا، ثم استمرَّ المجازُ فيها حتى نُسِيت الحقيقة، ورُبَّ مجاز كَثُر واستُعْمِل حتى نُسِي أصلُه وتُرِكت حقيقته.
والذي يلوح في معنى هذه الصفة أنها قريب من معنى القدرة، إلا أنها أخص منها معنى، والقدرة أعم، كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، فكل شيءٍ أحبه الله فقد أراده، وليس كلُّ شيءٍ أراده أحبه، وكذلك كلُّ شيء حادث فهو واقع بالقدرة، وليس كل واقع بالقدرة واقعًا باليد، فاليد أخص من معنى (١) القدرة، ولذلك كان فيها تشريف لآدم.
قلت: أما قوله: "ليس كلُّ شيء أراده فقد أحبه"، فهذا صحيح، وهو آخر قولي أبي الحسن الأشعري (٢)، وقول المحققين من أصحابه، وهذا الذي يدل عليه الكتاب والسنة والمعقول كما هو مقرر في موضعه.
وأما قوله: "كلُّ شيءٍ أحبَّه فقد أرادَه"، فإن كان المراد أنه أراده بمعنى رضيه وأراده دينًا فحقٌّ، وإن كان المراد أنه أراده كونًا فغير لازم، فإنه سبحانه يحب طاعةَ عباده كلهم ولم يردها، ويحب التوبة من كل عاص ولم يُرِدْه، ويحب إيمان كل كافر ولم يرد (٣) ذلك كله تكوينًا، إذ لو أراده لوقع، فالمحبة والإرادة غير متلازمين، فإنه يريد
стр. 489
كونًا ما لا يحبه، ويحب ويرضى بأشياء لا يريد تكوينها، ولو أرادها لوقعت، وهذا مقرَّر في غير هذا الموضع.
قال (١): ومن فوائد هذه المسألة أن يسئل عن المعنى الذي لأجله قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] بحرف "على"، وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] بـ "الباء"، ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] وما الفرق؟
فالفرق: أنَّ الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيًّا وإبداء ما كان مكتومًا؛ فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يُغْذَون ويصنعون سرًّا، فلما أراد أن يُصنع موسى ويُغْذَى ويُربَّى على حال أمنٍ وظهور [أمر] (٢)، لا تحت خوف واستسرار، دخلت "على" في اللفظ تنبيهًا على المعنى؛ لأنها تعطي معنى (٣) الاستعلاء، والاستعلاء ظهور وإبداء، فكأنه يقول سبحانه: "ولتصنع على أمن لا تحت خوف" وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة.
وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤) [القمر: ١٤] فإنه إنما يريد: برعاية منا وحفظ، ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم، فلم يحتج في الكلام إلى معنى "على" بخلاف ما تقدم".
هذا كلامُه، ولم يتعرض ﵀ لوجه الإفراد هناك والجمع هنا، وهو من ألطف معاني الآية؛ والفرق بينهما يظهر من الاختصاص الذي خصَّ به موسى في قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]
стр. 490
فاقتضى هذا الاختصاصُ الاختصاصَ الآخر في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] فإن هذه الإضافة إضافة تخصيص.
وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] فليس فيه من الاختصاص ما في صُنْع موسى على عينه -سبحانه- واصطناعه إياه لنفسه، وما يسنده -سبحانه- إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع قد (١) يريد به ملائكته، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣] ونظائره فتأمله.
قال: "وأما "النفس" فعلى أصل موضوعها، إنما هي عبارة عن حقيقة الموجود دون معنًى زائد، وقد استُعْمِل -أيضًا- من لفظها: النفاسةُ والشيء النفيس، فصَلُحَت للتعبير عنه -سبحانه- بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية.
وأما "الذات" فقد استهوى أكثر الناس -ولا سيما المتكلِّمين- القولُ فيها، أنها في معنى النفس والحقيقة. ويقولون: ذات الباري هي نفسه، ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته، ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله ﷺ : في قصة إبراهيم: "ثَلاثُ كَذَباتٍ كُلُّهُنَّ في ذَاتِ اللهِ" (٢) وقول خبيب (٣):
стр. 491
* وذلكَ في ذاتِ الإلهِ ... *
قال: "وليست هذه اللفظة إذا استقرَيْتَها في اللغة والشريعة كما زعموا، ولو كان كذلك لجاز أن يقال: "عبد ذاتَ الله" و "احْذَر ذات الله" كما قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وذلك غير مسموع، ولا يقال إلا بحرف "في" الجارَّة، وحرف "في" للوعاء، وهو معنى مستحيل على نفس الباري -تعالى-، إذا قلت: "جاهدت في (١) الله"، و "أحببتك في الله" محال أن يكون هذا اللفظ حقيقة، لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء، وإنما هو على حذف المضاف، أي: في مرضاة الله وطاعته، فيكون الحرف على بابه، كأنك قلتَ: هذا [محسوب] (٢) في الأعمال التي فيها مرضاة الله وطاعته (٣). وأما أن تَدَع اللفظ على ظاهرة فمحالٌ.
وإذا ثبت هذا فقوله: "في ذات الله" أو: "في ذات الإله"، إنما يريد في الديانة والشريعة التي هي ذات الإله (٤)، فذات وصف للديانة، وكذلك هي في الأصل موضوعها نعت لمؤنَّث. ألا ترى أن فيها "تاء" التأنيث، وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تّشّرَّف بالإضافة إلى الله لا عن نفسه سبحانه، وهذا هو المفهوم من كلام العرب، ألا ترى قول النابغة الذبياني (٥):
стр. 492
* مجَلَّتُهم ذَاتُ الإلهِ ودِيْنُهم *
فقد بان غلطُ من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيفت إليه" (١).
وهذا من كلامه من المرَقِّصات، فإنه أحسن فيه ما شاء. وأصل هذه اللفظة هو تأنيث "ذو" بمعنى صاحب، فذات صاحبة كذا في الأصل، ولهذا لا يقال: ذات الشيء، إلا لما له صفاتٌ ونُعوت تُضَاف إليه، فكأنه يقول: صاحبة هذه الصفات والنعوت ولهذا أنكر جماعة من النحاة منهم ابن بَرْهان وغيره (٢) على الأصوليين قولهم: الذات، وقالوا: لا مدخل للألف واللام هنا، كما لا يقال: الذو، في "ذو"، وهذا إنكار صحيح، والاعتذار عنهم: أن لفظة الذات في اصطلاحهم قد صارت عبارة عن نفس الشيء وحقيقته وعينه، فلما استعملوها (٣) استعمال النفس والحقيقة عرَّفوها باللام وجرَّدوها، ومن هنا غلَّطَهم السهيليُّ، فإن هذا الاستعمال والتجريد أمر اصطلاحي لا لغوي، فإن العرب لا تكاد تقول: ذات (٤) الشيء لعينه ونفسه، وإنما يقولون ذلك لما هو منسوب إليه ومن جهته،
стр. 493
وهذا كجنب الشيء إذا قالوا: "هذا في جنب الله"، لا يريدون إلا فيما يُنسَب إليه من سبيله ومرضاته وطاعته، لا يريدون غير هذا ألبتَّةَ.
فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات على النفس والحقيقة، ظنَّ من ظن أنَّ هذا هو المراد من قوله: "ثَلاثُ كَذَباتٍ في ذاتِ اللِه". وقوله:
*وذلك في ذات الإله *
فغلط واستحقَّ التغليط، بل الذات هنا كالجنب في قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] ألا ترى أنه لا يحْسُن أن يقال هاهنا: "فرطت في نفسِ اللهِ وحقيقته"، ويحسن أن يقال: "فرط في ذات الله"، كما يقال: فعل كذا في ذات الله، وقتل في ذات الله (١)، وصبر في ذات الله. فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة (٢)، التي يُثنى على مثلها الخناصر، والله الموفق المعين (٣).
فائدة (٤)
ما ال فائدة في إبدال النكرة من المعرفة وتبيينها بها ، فإن كانت الفائدةُ في النكرة فَلِمَ ذُكِرَت المعرفة، وإن كانت في المعرفة فما بال ذكر النكرة؟.
стр. 494
قيل: هذا فيه نكتة بديعة، وهي: أن الحكم قد يعلق بالنكرة السابقة فتُذْكر، ويكون الكلام في معرض أمر (١) معين من الجنس مدحًا أو ذمًا، فلو اقتصر على ذكر المعرفة لاختصَّ الحكم به، ولو ذُكِرَت النكرة وحدها لخرج الكلام عن التعرض لذلك المعين، فلما أُرِيد الجنس أتى بالنكرة ووُصِفَت إشعارًا بتعليق الحكم بالوصف، ولما أتي بالمعرفة كان تنبيهًا على دخول ذلك المعيَّن قطعًا. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥ - ١٦] فإن الآية كما قيل: نزلت في أبي جَهْل، ثم تعلق حكمها بكلِّ من اتصفَ به فقال: ﴿لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ﴾ (٢) تعيينًا، ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ تعدية وتعميمًا، ولذلك اشترط في النكرة في هذا الباب أن تكون منعوتة؛ لتحصل الفائدة المذكورة والتبيينُ المراد.
وأما قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٣] ففيها قولان:
أحدهما: أن "شيئًا" بدل من "رزقًا" و"رزقًا" أبين من "شيئًا"؛ لأنه أخص منه، والأخص أبين من الأعم، وجاز هذا من أجل تقدُّم النفي؛ لأن النكرةَ إنما تفيد بالإخبار عنها بعد النفي، فلما اقتضى النفي العام ذكرَ الاسم العام الذي هو أنكر النكرات، ووقعت الفائدة به من أجل النفي، صَلُحَ أن يكون بدلًا من "رزق". ألا ترى أنك لو طرحت الاسم الأول واقتصرت على الثاني لم يكن إخلالًا بالكلام.
стр. 495
والقول الثاني: أن "شيئًا" هنا مفعول المصدر الذي هو "الرزق" وتقديره: لا يملكون أن يرزقوا شيئًا، وهذا قول الأكثرين؛ إلا أنه يرد عليهم أن الرزق هنا اسم لا مصدر؛ لأنه بوزن الذَّبح والطَّحن للمذبوح والمطحون، ولو أُرِيْد المصدر لجاء بالفتح، نحو قول الشاعر (١) يخاطب عمر بن عبد العزيز:
واْقْصِدْ إلى الخيرِ ولا تَوَقَّهْ ... وارْزُقْ عِيالَ المسلمينَ رَزْقَهْ
وقد يجاب عن هذا بأن الرزق من المصادر التي جاءت على "فِعْل" بكسر أوائلها، كالفِسْق ويُطلق على المصدر والاسم بلفظ واحد، كالنِّسخ للمصدر والمنسوخ وبابه وهذا أحسن. والبيت لا نسلِّم أن راءه مفتوحة وإنما هي مكسورة، وهذا اللائق بحال عُمَر بن عبد العزيز والشاعر، فإنه طلبَ منه أن يرزق عيالَ المسلمين رِزْقَ الله الذي هو المال المرزوق، لا أنه يرزقهم كرزق الله الذي هو المصدر، هذا مما لا يخاطب به أحد ولا يقصده عاقل، والله أعلم.
* * *