وألصقه بها، فإن ذلك هو الوصف الغالب عليها، وهذا مُطابق لوصف الله اليهودَ بالغضب في القرآن، والنصارى بالضلال، فهو تفسير للآية بالصفة التي وصفهم بها في ذلك الموضع.
أما: اليهود؛ فقال تعالى في حقهم: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٩٠] وفي تَكْرار هذا الغضب هنا أقوال:
أحدها: أنه غَضَب متكرِّر في مقابلة تكرُّر كفرهم برسول الله ﷺ . والبغي عليه ومحاربته، فاستحقوا بكفرهم غضبًا، وبالبغي والحرب. والصدِّ عنه غضبًا آخر. ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] فالعذاب الأول بكفرهم، والعذاب الذي زادهم إياه بصدِّهم الناسَ عن (١) سبيله.
القول الثاني: أن الغضب الأول بتحريفهم وتبديلهم وقتلهم الأنبياء، والغضب الثاني بكفرهم بالمسيح (٢).
والقول الثالث: أن الغضب الأول بكفرهم بالمسيح، والغضب الثاني بكفرهم بمحمد ﷺ .
والصحيح في الآية: أن التَّكْرار هنا ليس المراد به التثنية التي تَشْفع الواحد، بل المراد غضبٌ بعد غضبٍ، بحسب تكرُّر كفرهم، وإفسادهم، وقتلهم الأنبياء، وكفرهم بالمسيح، وبمحمد ﷺ ، ومعاداتهم لرسل الله،
стр. 527
إلى غير ذلك من الأعمال التي كل عمل منها يقتضي غضبًا على حِدَته. وهذا كما في قوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (١) [الملك: ٣ - ٤] أي كرَّةً بعد كرَّة، لا مرتين فقط.
وقَصد التعدد في قوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] أظهرِ، ولا ريب أن تعطيلهم ما عطلوه من شرائع التوراة، وتحريفَهمِ وتبديلَهم يستدعي غضبًا، وتكذيْبَهم الأنبياء يستدعي غضبًا آخر، وقتلَهم إياهم يستدعي غضبًا آخر، وتكذيبهم المسيحَ، وطلبَهم قتلَه، ورميهم أُمَّه بالبهتان العظيم يستدعي غضبًا آخر، وتكذيبَهم النبيَّ ﷺ يستدعي غضبًا، ومحاربتهم له وأذاهم لأتباعه يقتضي غضبًا، وصدَّهم عن أراد الدخول في دينه عنه يقتضي غضبًا، فهم الأمَّةُ الغضبية أعاذنا الله من غضبه، فهي الأمة التي باءت بغضب الله المضاعف المتكرر، فكانوا أحق بهذا الاسم (٢) والوصف من النصارى. وقال تعالى في شأنهم: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] فهذا غضبٌ مشفوع باللعنة والمسخ وهو من أشدَّ ما يكون من الغضب. وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠].
стр. 528
وأما وصف النصارى بالضلال؛ ففي (١) قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧] فهذا خطاب للنصارى؛ لأنه في سياق خطابه معهم بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٧] فوصفهم بأنهم قد ضلُّوا أولًا ثم أضلوا كثيرًا، لهم أتباعهم، فهذا قبل مبعث النبيِّ ﷺ حيث ضلوا في أمر المسيح وأضلُّوا أتباعهم، فلما: بُعِث النبيُّ ﷺ ازدادوا ضلالًا آخر بتكذيبهم له. وكفرهم به، فتضاعف الضلالُ في حقِّهم، هذا. قولُ طائفةٍ، منهم الزمخشري (٢) وغيره، وهو ضعيف!! فإن هذا كله وصف لأسلافهم الذين هم لهم تبع، فوصفهم بثلاث صفات؛ أحدها: أنهم قد ضلُّوا من قبلهم؛ والثاني: أنهم أضلُّوا أتباعهم، والثالث: أفهم ضلوا عن سواء السبيل، فهذه صفات (٣) لأسلافهم الذين (٤) نهى هؤلاء عن اتباع. أهوائهم، فلا يصح أن يكون وصفًا للموجودين في زمن النبي ﷺ ؛ لأنهم هم المنهيُّون أنفسهم لا المنهى عنهم، فتأمله.
وإنما سِرُّ الآية: أنها اقتضت تكرر الضلال في النصارى ضلالًا بعد ضلال لفرط جهلهم بالحقِّ، وهي نظير الآية التي تقدمت في تَكَرر الغضب في حق اليهود، ولهذا كان النصارى أخص بالضلال من
стр. 529
اليهود. ووجه تكرر هذا الضلال: أن الضَّال قد يضل عن نَفس (١) مقصُوْدِه، فيكون ضالًّا (٢) فيه، فيقصد ما لا ينبغي أن يُقْصَد، ويعبد من لا ينبغي أن يُعْبَد (٣)، وقد يُصيب مقصودًا حقًّا لكن يضل في طريقِ طلبِه والسبيلِ الموصلة إليه، فالأول: ضلال في الغاية. والثاني: ضلالَ في الوسيلة، ثم إذا دَعَا غيرَه إلى ذلك فقد أضلَّه.
وأسلاف النصارى اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة:
فضلوا عن مقصودهم حيث لم يصيبوه، وزعموا أن إلههم بَشَر يأكل ويشرب ويبكي، وأنه قُتِل وصُلِب وصُفِع، فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به.
وضلوا عن السبيل الموصلة إليه، فلا اهتدوا إلى المطلوب، ولا إلى الطريق الموصل إليه.
ودعوا أتباعَهم إلى ذلك، فضلوا عن الحق وعن طريقه وأضلوا كثيرًا، فكانوا أدخلَ في الضلالِ من اليهود. فوُصِفُوا بأخصِّ الوصفين.
والذي يحقق ذلك: أن اليهود إنما أُتوا من فساد (٤) الإرادة والحسد، وإيثار ما كان لهم على قومهم من السُّحْت والرياسة فخافوا أن يَذْهب بالإسلام، فلم يؤتوا من عدم العلم بالحقِّ، فإنهم كانوا يعرفون أن محمدًا رسول الله كما يعرفون أبناءَهم، ولهذا لم يوبِّخهم الله -تعالى- ويقرِّعهم إلا بإرادتهم الفاسدة من الكِبْر والحسد وإيثار
стр. 530
السحت والبغي وقتل الأنبياء، ووبَّخَ النصارى بالضلال والجهل الذي هو عدم العلم بالحق، فالشقاءُ والكفر ينشأ من عدمِ معرفةِ الحقِّ تارةً، ومن عدمِ إرادتِهِ والعملِ [به] أُخْرى، ويتركَّبُ منهما، فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به، وإيثار غيره عليه بعد معرفته، فلم يكن ضلالًا محضًا؛ وكفر النصارى نشأَ من جهلهم بالحقِّ وضلالهم فيه، فإذا تبيَّن لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمةَ الغضبية وبقوا مغضوبًا عليهم ضالين.
ثم لما كان الهدى والفلاح والسعادة لا سبيل إلى نيله إلا بمعرفة الحق وإيثاره على غيره، وكان الجهل يمنع العبد من معرفته بالحق، والبغي يمنعه من إرادته؛ كان العبدُ أحوجَ شيء إلى أن يسأل الله -تعالى- كلَّ وقتٍ أن يهديه الصراط المستقيم: تعريفًا وبيانًا (١)، وإرشادًا وإلهامًا، وتوفيقًا وإعانة، فيعلمه ويعرفه؛ ثم يجعله مريدًا له قاصدًا لاتباعه، فيخرج بذلك عن طريقة "المغضوب عليهم" الذين عَدَلوا عنه على عَمْد وعِلْم، و"الضالين" الذين عدلوا عنه عن جَهْلٍ وضلال.
وكان السلف يقولون (٢): "من فسدَ من علمائنا ففيه شَبَه من اليهود، ومن فَسَد من عُبَّادنا ففيه شَبَه من النصارى"، وهذا كما قالوه؛ فإن من فَسَد من العلماء فاستعملَ أخلاق اليهود من تحريف الكَلِم عن مواضعه، وكتمان ما أنزل الله إذا كان فيه فوات غرضه، وحسد من آتاه الله من فضله وطلب قتله، وقتل الذين يأمرون بالقِسْط
стр. 531
من الناس ويدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، إلى غير ذلك من الأخلاق التي ذم بها اليهود من الكِبْر والليّ والكتمان والتحريف (١) والتحيُّل على محارم الله، وتلبيس الحق بالباطل، فهذا شَبَهُه باليهود ظاهر.
وأما من فَسَد من العُبَّاد فعبد الله بمقتضى هواه لا بما بعث به رسوله، وغلا في الشيوخ فأنزلهم منزلةَ الربوبية، وجاوز ذلك إلى نوعٍ من الحُلول أو الاتحاد فشَبَهُه بالنصارى ظاهر.
فعلى المسلم أن يبعد من هذين الشَّبَهَين غايةَ البعد، ومن تصوَّر الشَّبَهَيْن والوَصْفين وعلم أحوالَ الخلق علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه، وأن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنَّفَس؛ لأن غاية ما يُقَدَّر بفوتهما موته، وهذا يحصل له بفَوْته شقاوة الأبد، فنسأل الله أن يهدينا الصراطَ المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين، إِنه قريبٌ مجيبٌ.
فصل
وأما المسألة الثالثة عشرة: وهو تقديم "المغضوب عليهم" على "الضالين"؛ فلوجوه عديدة:
أحدها: أنهم مقدَّمون عليهم بالزمان.
الثاني: أنهم كانوا هم الذين يَلُون النبيَّ ﷺ من أهل الكتابين، فإنهم كانوا جيرانه في المدينة، والنصارى كانت ديارهم نائية عنه،
стр. 532
ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن أكثر من خطاب النصارى، كما في سورة البقرة والمائدة وآل عمران وغيرها من السور.
الثالث: أن اليهود أغلظ كفرًا من النصارى، ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة، فإن كفرهم عن عِناد وبَغْي كما تقدم، فالتحذير من سبيلهم والبعد منها أهم وأحق بالتقديم، وليس عقوبة من جَهِل كعقوبة من عَلِم وعاند.
الرابع: -وهو أحسنها- أنه تقدم ذِكْر المُنْعَم عليهم، والغضبُ ضد الإنعام، والسورة هي السبع المثاني التي يُذكر فيها الشيء ومقابله، فذكر المغضوب عليهم مع المنعم عليهم فيه من الازدواج والمقابلة ما ليس في تقديم "الضالين"، فقولك: "الناس مُنْعَم عليه ومغضوب عليه فكن من المُنْعَم عليهم"، أحسن من قولك: "مُنْعَم عليه وضال".
فصل
وأما المسألة الرابعة عشرة: وهي أنه أتى في أهل الغضب باسم المفعول وفي (١) الضالين باسم الفاعل، فجوابها ظاهر؛ فإن أهل الغضب من غَضِب الله عليهم وأصابهم غضبه فهم مغضوبٌ عليهم، وأما أهل الضلال؛ فإنهم هم الذين ضلوا وآثروا (٢) الضلال واكتسبوه، ولهذا استحقوا العقوبة عليه، ولا يليق أن يقال: ولا المُضَلِّين، مبنيًّا للمفعول، لما في رائحته من إقامة عذرهم، وأنهم لم
стр. 533
يكتسبوا الضلالَ من أنفُسِهم (١) بل فُعِلَ فيهم، ولا مُسْتراح في هذا للقدرية، فإنّا نقول: إنهم هم الذين ضلوا، وإن كان الله أضلهم، بل فيه رد على الجبرية الذين لا ينسبون إلى العبد فعلًا إلا على جهَة المجاز لا الحقيقة، فتضمنت الآية الردَّ عليهم كما تضمن قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ الرد على القدرية، ففي الآية إبطال قول الطائفتين، والشهادةُ لأهل الحق أنهم هم المصيبون، وهم المثبتون للقدر توحيدًا وخلقًا، والقدرةِ لإضافة أفعالِ العبادِ إليهم عملًا وكسبًا، وهو مُتَعَلَّق الأمر والنهي (٢)، كما أن الأول مُتَعَلَّق الخلق والقدرة (٣)، فاقتضت الآيةُ إثبات الشَّرْع والقَدَر والمعاد والنبوَّة، فإن النعمة والغضب هو ثوابه وعقابه، فالمُنْعَم عليهم رسله وأتباعهم ليس إلا، وهداية أتباعهم إنما يكون على أيديهم، فاقتضت إثبات النبوة بأقربِ طريقٍ وأبينها وأدلِّها على عموم الحاجة وشدَّة الضرورة إليها، وأنَه لا سبيل للعبد أن يكون من المُنْعَم عليهم إلا بهداية الله له، ولا تُنال هذه الهداية إلَّا على أيدي الرُّسل، وأن هذه الهداية لها ثمرة، وهي: النعمة التامة المطلقة في دار النعيم، ولخلافها ثمرة، وهي: الغضب المقتضي للشَّقاءِ الأبدي، فتأمل كيف اشتملت هذه الآية -مع وجازتها واختصارها- على أهمِّ مطالب الدين وأجلِّها، والله الهادي إلى سواء السبيل.
فصل
وأما المسألة الخامسة عشرة: وهي ما فائدة زيادة "لا" بين المعطوف
стр. 534
والمعطوف عليه؟ ففي ذلك أربع فوائد:
أحدها: أن ذِكْرها تأكيد للنفي الذي تضمَّنه "غير"، فلولا ما فيها من معنى النفي لما عُطِفَ عليها بـ "لا" مع "الواو" فهو في قوة: "لا المغضوب عليهم ولا الضالين"، أو: "غير المغضوب عليهم وغير الضالين".
الفائدة الثانية: أن المراد المغايرة الواقعة بين النوعين وبين كلِّ نوع بمفرده، فلو لم يذكر "لا" وقيل: "غير المغضوب عليهم والضَّالين"، أَوْهَمَ أن المراد ما غايَر المجموعَ المركبَ من النوعين لا ما غايَر كلَّ نوع بمفرده، فإذا قيل: "ولا الضالين"، كان صريحًا في أن المراد: صراط غير هؤلاء وغير هؤلاء. وبيان ذلك أنك إذا قلت: ما قام زيدٌ وعَمْرو، فإنما نفيت القيام عنهما ولا يلزم من ذلك نفيه عن كلِّ واحد منهما بمفرده، فإذا قلت: "ما قام زيد ولا عَمْرو"، كان صريحًا في تسليط النفي على كلِّ واحدٍ منهما بمفرده (١).
الفائدة الثالثة (٢): رفع توهم أن "الضالين" وصف للمغضوب عليهم، وأنهما صنف واحد وُصِفُوا بالغضب والضلال، ودخل العطف بينهما كما يدخل في عطف الصفات بعضِها على بعض، نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣] إلى آخرها، فإن هذه صفات للمؤمنين، ومثل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣] ونظائره،
стр. 535
فلما دخلت "لا" عُلِم أنهما صنفان متغايران مقصودان بالذكر، وكانت "لا" أولى بهذا المعنى من "غير" لوجوه؛ أحدها: أنها أقل حروفًا، الثاني: التفادي من تَكْرار اللفظ، الثالث: الثقل الحاصل بالنطق بـ "غير" مرتين من غير فَصْل إلا بكلمةٍ مفردة، ولا ريب أنه ثقيل على اللسان، الرابع: أن "لا" إنما يُعْطَف بها بعد النفي، فالإتيان بها مُؤْذِن بنفي الغضب عن أصحاب الصراط المستقيم، كما نُفِيَ عنهم الضلال، و"غيرُ" وإن أفهمت هذا فـ "لا" أدخلُ في النفي منها، وقد عُرِف بهذا جواب المسألة السادسة عشرة، وهي: أن "لا" إنما يُعْطَف بها في النفي.
فصل
وأما المسألة السابعة عشرة: وهى أن الهداية هنا من أي أنواع الهدايات؛ فاعلم أن أنواع الهداية أربعة:
أحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق، المذكورة في قوله: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه ت ٥٠] أي: أعطى كلَّ شيء صورتَه التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كلَّ عضو شكلَه وهيأتَه، وأعطى كل موجود خلقَه المختص به، ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال، وهذه الهداية تعمُّ هِداية (١) الحيوان المتحرِّك بإرادته إلى جَلْب ما ينفعه ودَفْع ما يضره، وهداية الجماد المسخَّر لما خُلِق له، فله هداية تليق به، كما أن لكلِّ نوع من الحيوان هداية تليق به، وإن اختلفت أنواعها وصورها (٢)، وكذلك لكل عضو هدايةٌ تليقُ به،
стр. 536
فهدى الرِّجْلين للمشي، واليدين للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للاستماع، والعين لكشف المرئيَّات، وكلَّ عضو لما خُلِقَ له، وهدى الزوجين من كلِّ حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه وطلبه. ومراتب هدايته -سبحانه- لا يحصيها إلا هو، فتبارك الله رب العالمين.
وهدى النَّحْل أن تتخذ من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومن الأبنية، ثم تسلك سبل ربها مذلَّلة لها لا تستعصي عليها، ثم تأوي إلى بيوتها، وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها، ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة (١) البناء.
ومن تأمل بعضَ هدايته المبثوثة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم، وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسرِ نظر، وأوَّلِ وهلة، وأحسنِ طريق وأخصرِها، وأبعدِها من كلِّ شبهة، فإن من لم يُهْمِل هذه الحيوانات سُدًى ولم يتركها مُعَطَّلة، بل هداها (٢) إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها، كيف يليق به أن يتركَ النوعَ الإنساني -الذي هو خلاصة الوجود الذي كرَّمه وفضَّله على كثير من خلقه- مهملًا وسُدًى معطَّلًا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته، بل يتركه معَطَّلًا لا يأمره ولا ينهاه، ولا يُثيبه ولا يعاقبه، وهل هذا إلا منافٍ لحكمته، ونسبةٌ له إلى ما لا يليق بجلاله؟! ولهذا أنكر ذلك على (٣) من زعمه ونزَّه نفسه عنه، وبيَّنْ أنه يستحيل نِسْبة ذلك إليه، وأنه يتعالى عنه،
стр. 537
فقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] فنزَّه نفسَه عن هذا الحسبان، فدلَّ على أنه مستقر بطلانه في الفِطَر السليمة والعقول المستقيمة، وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل، وأنه مما تظاهر عليه العقلُ والشرعُ، كما هو أصحُّ الطريقين في ذلك، ومن فهم هذا فهم سِرَّ (١) اقتران قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ [الأنعام: ٣٧] وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة، وأن من لم يُهْمل أمرَ كلِّ دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه، بل جعلها أُممًا وهداها إلى غاياتها ومصالحها، كيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم؟! فهذه أحدُ أنواع الهداية وأعمُّها.
النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لِنَجْدَي الخير والشر، وطريقي النجاة والهلاك، وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام، فإنها سبب وشرط لا موجب، ولهذا ينتفي الهدى معها، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أي: بيَّنا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا. ومنها قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام، وهى الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلَّف عنها، وهى المذكورة في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ
стр. 538
وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] وفي قوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] وفي قول النبي ﷺ : "مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، ومَنْ يُضْلِل فلا هَادِيَ لَه" (١)، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فنفى عنه هذه الهداية وأثبتَ له هداية الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
النوع الرابع: غاية هذه الهداية، وهى الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] وقال أهل الجنة فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣].
إذا عُرِفَ هذا؛ فالهداية المسؤولة في قوله: "اهدنا الصراط المستقيم"، إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة (٢) خاصة، فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام.
فإن قيل: كيف يَطْلب التعريف والبيان (٣) وهو حاصل له؛ وكذلك الإلهام والتوفيق؟.
قيل: هذه هى المسألة الثامنة عشرة: وقد أجاب عنها من أجاب
стр. 539
بأن المراد. التثبيتُ ودوامُ الهداية، ولقد أجاب وما أجاب! وذكرَ فرعًا لا قوام له بدون أصله، وثمرةً لا وجود لها بدون حاملها! ونحن نبين بحمد الله أن الأمر فوق ما أجاب به وأعظم من ذلك بحول الله.
فاعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور، وهو محتاج إليها حاجة لا غِنَى له عنها.
الأمر الأول: معرفته في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوبًا للرب تعالى مَرْضِيًّا له فيؤثره، وكونه مبغوضًا (١) له مسخوطًا له فيجتنبه، فإن نَقَضَ هذا العلم والمعرفة شيءٌ نَقَضَ الهداية التامةِ بحسبِه.
الأمر الثاني: أن يكون مريدًا لجميع ما يحب الله منه أن يفعله عازمًا عليه، ومريدًا لترك جميع ما نهى الله عنه، عازمًا على تركه بعد خُطُوره (٢) بالبال مفصَّلًا، وعازمًا على تركه من حيث الجملة مجملًا، فإن نَقَص من إرادته لذلك شيء نَقَصَ من الهدى التام بحسب ما نَقَص من الإرادة.
الأمر الثالث: أن يكون قائمًا به فعلًا وتركًا، فإن نَقَص من فعله شيء نَقَص من هداه بحسبه. فهذه ثلاثةٌ هي أصولٌ في الهداية، ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها:
أحدها: أمورٌ هُدِيَ إليها جملةً ولم يَهْتد إلى تفاصيلها، فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها.
الثاني: أمور هُدِيَ إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام
стр. 540
الهداية فيها لتكمل له هدايتها (١).
الثالث: الأمور التي هُدِيَ إليها تفصيلًا من جميع وجوهها، فهو محتاج إلى الاستمرار على الهداية والدوام عليها.
فهذه ستة أصول تتعلق بما يُعْزم على فعله وتركه، ويتعلق بالماضي [أمر سابع] (٢)، وهو: أمورٌ وقعت منه على غير (٣) جهة الاستقامة، فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها وتبديلها بغيرها، وإذا كان كذلك فإنما يقال: كيف يَسألُ الهدايةَ وهى موجودة له، ثم يُجَاب عن ذلك: بأن المراد التثبيت والدوام عليها. إذا كانت هذه المراتب الست حاصلة له بالفعل، فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال (٤) تثبيت ودوام، فأما إذا كان ما يجهله أضعاف ما يعلمه، ومالا يريده من رشده أكثر مما يريده، ولا سبيلَ له إلى فعله: إلا بأن يخلق الله فاعِليته، فالمسؤول هو أصلُ الهداية على الدوام تعليمًا وتوفيقًا، وخَلْقًا للإرادة فيه، وإقدارًا له وخلقًا لفاعليته وتثبيتًا. له على ذلك، فعُلِمَ أنه ليس أعظم ضرورةً منه إلى سؤال الهداية: أصلها وتفصيلها، علمًا وعملًا، والتثبيت عليها، والدوام إلى الممات.
وسِرُّ ذلك: أن العبدَ مفتَقِرٌ إلى الهداية في كلِّ نَفَسٍ، في جميع ما يأتيه ويذره، أصلًا وتفصيلًا وتثبيتًا، ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام، فليس له أنفع ولا هُوَ إلى شيءٍ أحوج من سؤال الهداية، فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يثبِّت قلوبَنا على دينه.
стр. 541
فصل
وأما المسألة التاسعة عشرة: وهي الإتيان بالضمير في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ ضمير جمع؛ فقد قال بعض الناس في جوابه: إن كلَّ عضو من أعضاء العبد، وكلَّ حاسَّةٍ ظاهرة وباطنة مفتقِرَة إلى هداية خاصة به، فأتى بصيغة الجمع تنزيلًا لكلِّ عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه.
وعرضتُ هذا الجواب على شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحَه- فاستركَّه واستضْعَفَه جدًّا ولم يرضه (١)، وهو كما قال، فإن الإنسان اسم للجملة لا لكلِّ جزءٍ من أجزائه وعضو من أعضائه، والقائل إذا قال: "اغفر لي وارحمني واجبرني وأصلحني واهدني"، سائلٌ من الله ما يحصل لجملته ظاهِرِه وباطِنِه، فلا يحتاج أن يستشعر لكل عضو مسألةً تخصه يُفْرِد لها لفظة.
فالصواب أن يقال: هذا مطابق لقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم، فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب -تعالى- وإقرار بالفاقة إلى عبودية واستعانته وهدايته، فأتى فيه بصيغة ضمير الجمع، أي: نحن معاشر عبيدك مُقرون لك بالعبودية، وهذا كما يقول العبد للملك المعظَّم شأنه: "نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك"، فيكون هذا أحسن وأعظم موقعًا عند الملك من أن يقول: "أنا عبدك ومملوكك"، ولهذا لو قال: "أنا وحدي مملوكك"، استدعى مَقْته، فإذا قال: "أنا وكل من في البلد
стр. 542
مماليكك وعبيدك (١) وجُنْد لك"؛ كان أعظم وأفخم؛ لأن ذلك يتضمن أن عبيدك كثير جدًّا وأنا واحد منهم، فكلُّنا مشتركون في عبوديتك والاستعانة بك وطلب الهداية منك، فقد تضمَّن ذلك من الثناء على الرب بِسَعَة مجده، وكثرة عبيده، وكثرة سائليه. الهداية ما لا يتضمنه لفظَ الإفراد، فتأمله. وإذا تأملت أدعية القرآن رأيت عامتها على هذا النمط نحو: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١] ونحو دعاء آخر البقرة، وآخر آل عمران وأولها، وهو أكثر أدعية القرآن.
فصل
وأما المسألة العشرون: وهي ما هو الصراط المستقيم؟.
فنذكر فيه قولًا وجيزًا، فإن الناس قد تنوَّعت عباراتهم: فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقتُه شيءٌ واحد، وهو: طريق الله الذي يرتضيه لعباده، موصلًا لهم إليه، ولا طريق إليه سواه، بل الطُّرُق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله وجعله موصلًا لعباده إليه (٢)، وهو: إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة، فلا يشرك به أحدًا في عبوديته، ولا يشرك برسوله أحدًا في طاعته، فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول.
وهذا معنى قول بعض العارفين: "إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين؛ صِدْق محبته وحُسْن معاملته"، وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فأيُّ شيءٍ فُسِّر به الصراط
стр. 543
فهو داخل في هذين الأصلين، ونُكْتَةُ ذلك وعَقْدُه: أن تحبه بقلبك كلِّه وتُرْضيه بجهدك كلِّه، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته، فالأول يحصل بالتحقُّق بشهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل بالتحقُّق بشهادة أن محمدًا رسول الله، وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة ما بعثَ اللهُ به رسلَه والقيام به.
فَقُل ما شئتَ من العبارات التي هذا أحسنها وقُطْب رَحَاها، وهي معنى قول من قال: "علومٌ وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مِشْكاة النبوة"، ومعنى قول من قال: "متابعة رسول الله ظاهرًا وباطنًا عِلمًا وعَمَلًا"، ومعنى قول من قال: "الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره" (١).
وأما ما عدا هذا (٢) من الأقوال، كقول من قال: "الصلوات الخمس"، وقول من قال: "حب أبي بكر وعمر"، وقول من قال: "هو أركان الإسلام الخمس التي بُنِيَ عليها"، فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع، لا تفسير مُطابق له، بل هى جزء من أجزائه، وحقيقَتُهُ الجامعةُ ما تقدَّم (٣)، والله أعلم.
فائدة (٤)
في ذكر بدل البعض من الكل، وبدل المصدر من الاسم، وهما
стр. 544
جميعًا يرجعان في المعنى والتحصيل إلى بدل الشيء من: الشيء، وهما لعين واحدة، إلا أن البدلَ في هذين الموضعين لابُد من إضافته إلى ضمير المبدل منه، بخلاف بدل الشيء من الشيء، وهما لعينٍ واحدة.
أما اتفاقهما (١) في المعنى؛ فإِنك إذا قلتَ: "رأيتُ القومَ أكثرهم أو "نصفهمِ"، فإنما تكلَّمتَ بالعموم وأنت تريدُ الخصوص، وهو كثير شائع، فأردتَ: رأيت بعض القوم، وجعلت "أكثرهم" أو "نصفهم" تبيينًا لذلك البعض وأضفته إلى ضمير القوم، كما كان الاسمُ المبدلُ مضافًا إلى القوم، فقد آل الكلامُ إلى أنك أبدلت شيئًا من شيء وهما لعين واحدة.
وكذلك بدل المصدر من الاسم؛ لأن الاسم من حيث كان جوهرًا لا يتعلَّق به المدح والذم، والإعجاب والحب والبغض، إنما متعلق ذلك ونحوه صفات وأعراض قائمة به، فإذا قلتَ: "نفعني عبد الله" عُلِم أن الذي نفعك منه صفةٌ وفعل من صفاته وأفعاله لا ذاته، ثم بيَّنت ذلك الوصف والفعل، فقلت: "علمه أو إرشاده: أو رُؤيته" فأضفتَ ذلكَ إلى ضميرِ الاسمِ كما كان الاسم المبدلُ منه مضافًا إليه في المعنى، فصار التقدير: "نفعني صفةُ زيد أو خَصْلةٌ من خصاله"، ثم بينتَها بقولك: "علمه أو إحسانه أو لقاؤه"، فآل المعنى إلى بدل الشيءِ من الشيءِ، وهما لعينٍ واحدة.
وإذا تقرر هذا فلا يصحُّ في بدل الاشتمال أن يكون الثاني جوهرًا؛ لأنه لا يبدل جوهر من عَرَض، ولابد من إضافته إلى ضمير
стр. 545
الاسم؛ لأنه بيان لما هو مضاف إلى ذلك الاسم في التقدير، والعجب من الفارسيِّ يقول في قوله تعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾ [البروج: ٥] أنها بدل من (الأخدود) بدل الاشتمال، والنار جوهر قائم بنفسه، ثم ليست مضافة إلى ضمير (الأخدود)، وليس فيها شرط من شرائط الاشتمال! وذَهَل أبو علي عن هذا، وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو، وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأنه قال: "قتل أصحاب الأخدودِ، أخدودِ النار ذات الوقود"، فيكون من بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، كما قال الشاعر (١):
* رَضِيْعَي لِبَانٍ ثَدْىِ أُمٍّ تَحَالَفا *
على رواية الجر في "ثدي أم" أراد: لبان ثدي، فحذف المضاف.
فائدة بديعة (٢)
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ مبتدأ، وخبره في أحد المجرورين قبله، والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ لأنه وجوب، والوجوب يقتضي "على"، ويجوز أن يكون في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ لأنه يتضمن الوجوب والاستحقاق، ويرجح هذا التقدير أن الخبر محط الفائدة وموضعها وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير،
стр. 546
وكان الأحق (١) أن يكون ﴿وَلِلَّهِ﴾، ويرجح الوجه الأول بأن يقال: قوله: "حج البيت على الناس" أكثر استعمالًا في باب الوجوب من أن يقال: حج البيت لله، إي: حقٌّ واجب لله، فتأمله.
وعلى هذا ففي تقديم المجرور الأول -وليس بخبر- فائدتان:
إحداهما: أنه اسم للمُوْجِب للحج، فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب، فتضمنت الآية ثلاثةَ أمور مرتبة بحسب الوقائع (٢): أحدها: الموجِب لهذا الفرض فبُدئ بذكره. والثاني: مؤدى الواجب وهو المفتَرَض عليه، وهم الناس. والثالث: النسبة والحق المتعلق به إيجابًا وبهم وجوبًا وأداءً وهو الحج.
والفائدة الثانية: أن الاسم المجرور من حيث كان اسمًا لله سبحانه وجب الاهتمام بتقديمه تعظيمًا لحرمةِ هذا الواجب الذي أوجبه وتخويفًا من تضييعه؛ إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما يوجبه غيره.
وأما قوله "من" فهي بدل، وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها فاعل بالمصدر، كأنه قال: "أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلًا"، وهذا القول يضعف من وجوهٍ:
منها: أَنَّ الحج فرض عين، ولو كان معنى الآية ما [ذكروه] لأفهم فرض الكفاية؛ لأنه إذا حج المستطيعون برئت ذِممُ غيرهم؛ لأن المعنى يؤول إلى: ولله على الناس أن يحج البيت مستطيعهم،
стр. 547
فإذا أدى المستطيعون الواجب لم يبق واجبًا على غير المستطيعين، وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض عَيْن على كلِّ أحدٍ، حجَّ المستطيعون أو قعدوا، ولكن الله -سبحانه- عَذَر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب، فلا يؤاخذه به ولا يطالبه بأدائه، فإذا حج أسقط الفرض عن نفسه، وليس حجُّ المستطيعين بمُسْقِطٍ للفرض عن العاجزين.
وإن أردت زيادة إيضاح، فإذا قلتَ: "وجبٌ على أهل هذه الناحية أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعة للجهاد"، فإذا جاهدَتْ تلك الطائفةُ انقطعَ تعلق الوجوب عن غيرهم.
وإذا قلتَ: "واجبٌ على الناس كلهم أن يجاهد منهم المستطيع"، كان الوجوب متعلقًا بالجميع، وعُذْر العاجز بعجزه، ففي نظم الآية على هذا الوجه دون أن يقال: "ولله حج البيت على المستطيعين"، هذه النكتة البديعة، فتأملها.
الوجه الثاني: أن إضافة المصدر إلى الفاعل -إذا وُجِدَ- أولى من إضافته إلى المفعول، ولا يُعْدل عن هذا الأصل إلا بدلَيل منقول، فلو كان "مَنْ" هو الفاعل لأضيف المصدر إليه، فكان يقال: "ولله على الناس حجُّ من استطاع"، وحَمْله على باب: "يعجبني ضَرْب زيدًا عمرو"، مما يُفْصَل به بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول والظرف حَمْلٌ على المكثور (١) المرجوح، وهي قراءة ابن عامر: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٢) [الأنعام: ١٣٧]، فلا يُصَار إليه.
стр. 548
وإذا ثبت أن "من" بدل بعض من كل، وجبَ أن يكون في الكلام ضمير يعود إلى الناس، كأنه قيل: "من استطاع منهم"، وحَذْف هذا الضمير في أكثر الكلام لا يَحْسُن، وحَسَّنَه هاهنا أمور:
منها: أن "من" واقعة على من يعقل كالاسم المبدل منه، فارتبطت به.
ومنها: أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول، ولو كانت الصِّلة أعم لقبح حذف الضمير العائد. ومثال ذلك: إذا قلتَ: "رأيت إخوتكَ من ذهب إلى السوق"، تريدُ: من ذهب منهم؛ لكان قبيحًا؛ لأن الذاهب إلى السوق أعم من الإخوة، وكذلك لو قلت: "البس الثيابَ ما حَسُن وجَمُل" (١)، تريد: منها، ولم تذكر الضمير؛ لكان أبعد في الجواز؛ لأن لفظ "ما" أعم من [لفظ] الثياب (٢)، و [حق] باب بدل البعض من الكل أن يكون أخص من المبدل منه، فإذا كان أعمَّ وأضفته إلى ضمير، أو قيدته بضمير يعود إلى الأول، ارتفع العموم وبقي الخصوص.
ومما حَسَّنَ حذف الضمير (٣) في هذه الآية -أيضًا مع ما تقدم- طولُ الكلام بالصلة والموصول.
وأما المجرور من قوله "إليه" فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون في موضع حال من "سبيل"، كأنه نعتُ نكرةٍ قُدِّمَ عليها؛ لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل.
стр. 549
والثاني: أن يكون متعلقًا بسبيل.
فإن قيل: كيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟.
قيل: "السبيل" لما كان هاهنا عبارة عن الموصِّل إلى البيت من قوة وزاد ونحوهما، كان فيه رائحة الفعل، ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق، فصلح تعلق المجرور به، واقتضى حُسْن النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير؛ لأنه ضمير يعود على البيت، والبيت هو المقصود به الاعتناء، وهم يقدِّمون في كلامهم ما هم به أهمُّ، وببيانه أعنى.
هذا تعبير السُّهيلي (١)، وهو بعيدٌ جدًّا! بل الصواب في متعلق الجار والمجرور وجه آخر أحسن من هذين، ولا يليقُ بالآية سواه، وهو الوجوب المفهوم من قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، أي: يجب لله على الناس الحج، فهو حق وواجب لله. وأما تعليقه بـ "السبيل" أو جعله حالًا منها ففي غايةِ البُعْد، فتأمله، ولا يكاد يخطر بالبال من الآية، وهذا كما يقول: لله عليك الحج ولله عليك الصلاة والزكاة والصيام (٢).
ومن فوائد الآية وأسرارها: أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره بلفظ الأمر والنهي وهو الأكثر، أو بلفظ الإيجاب والكتابة والتحريم، نحو: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وفي الحج أتى بهذا النظم (٣) الدال على
стр. 550
تأكد الوجوب من عشرة أوجه:
أحدها: أنه قدَّم اسمه -تعالى- وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص، ثمَّ ذَكَر من أوجبه عليهم بصيغةِ العموم الداخلة عليها حرف "على"، ثم أبدلَ منه أهل الاستطاعة، ثم نكَّر السبيلَ في سياق الشرط إيذانًا بأنه يجب الحجُّ على أيِّ سبيلٍ تيسَّرت من قُوْتٍ أو مال، فعلق الوجوب بحصول ما يسمَّى سبيلًا، ثم أتْبعَ ذلك بأعظم التهديد بالكفر، فقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾، أي: بعدم التزام هذا الواجب وتركه، ثم عَظَّم الشأنَ وأكَّد الوعيد بإخباره باستغنائه عنه، والله تعالى هو الغنيُّ الحميد، ولا حاجةَ به إلى حجِّ أحد، وإنما في ذِكْر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقتِهِ له، وسخطه عليه، وإعراضه بوجهه عنه ما هو من (١) أعظم التهديد وأبلغه، ثم أكَّد ذلك بذكر اسم "العالمين" عمومًا، ولم يقل: فإن الله غني عنه؛ لأنه إذا كان غنيًّا عن العالمين كلهم فله الغِنَى الكامل التام من كلِّ وجهٍ عن كل أحدٍ بكل اعتبار. فكان أدل على عِظَم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه. فم أكَّد هذا المعنى بأداة "إن" الدالة على التوكيد.
فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكد هذا الفرض العظيم. وتأمَّل سرَّ البدل في الآية المقتضي لذكر الإسناد مرتين. مرَّة بإسناده إلى عموم الناس، ومرةً بإسناده إلى خصوص المستطيعين، وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرر الإسناد، ولهذا كان في نية تَكْرار العامل وإعادته.
ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد
стр. 551
الإجمال، وكيف تضمَّن ذلك إيراد الكلام في صورتين وحُلتين اعتناء به وتأكيدًا لشأنه. ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذِكْر محاسن البيت وعِظَم شأنه بما يدعو النفوسَ إلى قصده وحجِّه، وإن لم يطلب ذلك منها، فقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧] فوصفه بخمس صفات:
أحدها: أنه أسبق بيوت العالم وَضْعًا في الأرض.
الثاني: أنه مبارك والبركة كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرًا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق.
الثالث: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة حتى كأنه هو نفس الهدى.
الرابع: ما تضمنه من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية.
الخامس: الأمن الحاصل (١) لداخله.
وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصدِه ما يبعث النفوسَ على حجِّه، وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثم أَتْبَع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدلك على الاعتناء منه -سبحانه- بهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره، ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] لكفى بهذه الإضافة فضلًا وشرفًا. وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه وسلبت نفوسَهم حبًّا له وشوقًا إلى رؤيته،
стр. 552
فهو المثابة للمحبين، يثوبون إليه ولا يقضون منه وطراً أبدًا، كلما
أزدادوا له زيارة (ظ/ ٨١ أ) ازدادوا له حبًّا وإليه اشتياقًا، فلا الوِصَال
يشْفيهم ولا البعاد يسليهم، كما قيل:
أطوفُ به والنفسُ بعد مَشُوقة ... إليه وهل بعد الطوافِ داني
وألثمُ منه الركنَ أطلبُ بَرْدَ ما ... بقلبيَ من شوقٍ ومن هيمان
فوالله ما أزدادُ إلا صَبَابةً ... ولا القلبُ إلا كثرةَ الخفقانِ
فيا جنةَ المأوى ويا غايةَ المنى ... ويا مُنْيَتي من دون كلِّ أمان
أبَتْ غَلَباتُ الشوقِ إلا تقرُّبًا ... إليك فما لي بالبعاد يدان
وما كان صَدِّي عنك صدّ ملالةٍ ... ولي شاهد من مقْلَتي ولساني
دعوتُ اصطباري عنك بعدك والبُكا ... فلبَّى البُكا والصبر عنك عصاني
وقد زعموا أَن المحبَّ إذا نأى ... سَيَبْلى هواه بعد طوكِ زمانِ
ولو كان هذا الزعم حقًّا لكان ذا ... دواء الهوى فى الناس كلّ أوان
بلى إنه يبلى التصبُّر والهوى ... على حاله لم يُبْلِه المَلَوان
وهذا محبٌّ قادَهُ الشوقُ والهوى ... بغير زمامٍ قائد وعنان
أتاك على بُعْد المزار ولو وَنَت ... مطيَّته جاءت به القدَمان
فائدة بديعة (١)
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] من
стр. 553
باب بدل الاشتمال، والسؤال إنما وقع عن القتال فيه، فلِمَ قدِّم الشهر (ق/١٠٦ ب) وقد قلتم: إنهم يقدمون ما هم ببيانه أهم وهم به أَعْنَى؟.
قيل: السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في الشهر الحرام، وتَشْنيع أعدائهم عليهم بانتهاكه وانتهاك حرمته، فكان اغتمامُهم واهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال، فالسؤال إنما وقع من أجل حُرمة الشهر فلذلك قُدِّم في الذِّكر، وكان تقديمه مطابقاً لما ذكرنا من القاعدة.
فإن قيل: فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر، وهلَاّ اكتفى بضميره، فقال: "قل: هو كبير"، وأنت إذا قلتَ: سألته عن زيد أهو في الدار؛ كان أوجزَ من أن تقول: "أزيد في الدار".
قيل: في إعادته بلفظ الظاهر نكْتة بديعة، وهي تعليِق الحكم الخبري باسم القتال فيه عمومًا، ولو أتى بالمضمر فقال: "هو كبير"، لتوهم اختصاص الحكم يذلك القتال المسؤول عنه، وليس الأمر كذلك، وإنما هو عام في كلِّ قتال وقعَ في شهرٍ حَرَام.
ونظير هذه الفائدة: قوله ﷺ وقد سئل عن الوضوء بماء البحر -فقال: "هُوَ الطَّهوْرُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (١) فأعاد لفظ "الماء" ولم يقتصر على قوله: "نعم توضؤوا به" لئلَاّ يتوهم اختصاص الحكم بالسائلين لضرب من ضروب الاختصاص، فعدل عن قوله: "نعم توضؤوا" (٢)
стр. 554
إلى جواب عامٍّ يقتضي تعليق الحكم والطهورية بنفس مائة من حيث هو، فأفاد استمرار الحكم على الدوام وتعلقه بعموم الآية، وبطل توهُّم قصره على السبب، فتأمله فإنه بديع.
فكذلك (ظ/ ٨١ ب) في الآية لما قال: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، فجعلَ الخبر بـ"كبير" واقعًا على "قتال فيه" فتعلَّق الحكمُ به على العموم، ولفظ المضمر لا يقتضي ذلك.
وقريب من هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠] ولم يقل: أجرهم، تعليقًا لهذا الحكم بالوصف، وهو كونهم مصلحين، وليس فى الضمير ما يدلُّ على الوصف المذكور.
وقريبٌ منه -وهو ألطف معنى- قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولم يقل: "فيه" تعليقًا لحكم الاعتزال بنفس الحيض، وأنه هو سبب الاعتزال. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ ولم يقل (١): الحيض أذى، لأنه جاءَ به على الأصل (٢)؛ ولأنه لو كرره لثقل اللفظ به لتكرره ثلاث مرات، وكان ذِكْره بلفظ الظاهر في الأمر بالاعتزال أحسن من ذِكْره مضمرًا، ليفيد تعليق الحكم بكونه حيضًا، بخلاف قوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فإنه إخبارْ بالواقع، والمخاْطَبون يعلمون أن جهةَ كونه أذَى هو نفس كونه حَيْضاً، بخلاف (ق/ ١٠٧ أ)، تعليق الحكم به فإنه إنما يُعلم بالشرع فتأمله.
стр. 555
فائدة (١)
إنما امتنع الحال من المضاف إليه (٢)؛ لأن الحال يشبه الظرف والمفعول فلابد لها من عامل، ومعنى الإضافة أضعف من لامها، ولامها لا تعمل في ظرف ولا مفعول، فمعناها أولى بعدم العمل.
فإن قلت: فاجعل العامل فيها (٣) هو العامل في المضاف.
قلت: هو محال لا يجب اتحاد العامل في الحال وصاحبها، فلو كان العامل فيها هو العامل في المضاف (٤)؛ لكانت حالاً منه دون المضاف إليه، فتستحيل المسألة، فأما إذا كان المضاف فيه معنى الفعل، نحو قولك: "هذا ضاربُ هند قائمة"، و"أعجبني خروجُها راكبة"، جاز انتصاب الحال من المضاف إليه؛ لأن ما في المضاف من معنى الفعل واقع على المضاف إليه وعامل فيما هو حالٌ منه، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ﴾ [التغابن: ١٠] فإن ما في "مثوى" و"صاحب" من معنى الفعل يُصَحِّح عمله فى الحال، بخلاف قولك: "رأيت غلامَ هند راكبة"، فإنه ليس في الغلام شيء من رائحة الفعل.
وقد يجوز انتصاب الحال عن المضاف إليه إذا كان المضاف جزءه أو يُنزَّل منزلة جُزئه، نحو: "رأيت وجهَ هند قائمة"؛ لأن
стр. 556
البعض يجري عليه حكم الكل في اقتضاء العامل له، فجاز أن يعمل في الحال ما يعمل في بعض صاحبها، لتنزُّله منزلته، وسريانُ حكمِ البعض إلى الكلِّ لا يُنكَر لغةً ولا شرعًا ولا عقلاً، فاللغة: نحو هذا، ونحو قوله: "ذهبت بعض أصابعه"، و"شرقت صدر القناة"، و"تواضَعَتْ سُور المدينة"، وهو كثير. وأما الشرع: فكَسَريان العِتْق في الشقص المشترك، وأما العقل: فإن الارتباط الذي بين الجزء والكل يقتضي أن يثبت لإحدهما ما يثبت للآخر، وعلى هذا جاء قول الشاعر (١):
* كأن حواميه مدبراً *
وقول حبيب (٢):
* والعِلمُ في شهُبِ الأرْماحِ لامِعَةً *
فائدة بديعة (٣)
إن قيل: كيف يضمرون الناصب في مثل:
* لليسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني (٤) *
стр. 557
وبابه، ولا يجوَّزون إضمار الخافض ولا الجازم، ولا إضمار نواصب الأسماء (١)، وعواملُ الأسماء عندكم أقوى من عوامل الأفعال؟.
قيل: نحن لا نجيز إضمار "أن" الناصبة إلا بإحدى شرائط، إما مع الواو العاطفة (ظ/٨٢ أ) على مصدر، نحو.
* تَقَضِّى لُباناتٍ وَيَسْأمَ سَائِمُ (٢) *
و: * للُبْس عباءَةٍ وتقرَّ عيني *
ألا ترى أنك لو جعلتَ مكان "اللبس" و"التَّقضِّي" اسماً غير مصدر، فقلتَ: يعجبني زيد ويذهبَ عمرو، لم يجز؛ وإنما جاز هذا مع المصدر؛ لأن الفعلَ المنصوبَ بـ "أن" مشتق من المصدر ودالٌّ عليه بلفظه، فكأنك عطفتَ مصدرًا على مصدر.
فإن قيل: (ق/ ١٠٧ ب) فكان ينبغي أن يُسْتَغنى بمجرد لفظ الفعل عن ذكر المصدر وإضمار "أن"، فيقال: ألبس عباءةً وتقرّ عيني، وأَقضِي لُباناتٍ ويسأمَ سائم؟.
قيل: هذا سؤالٌ حسن يستدعى جوابًا قويًّا، وقد أجيب عنه: بأن الأول لو جُعِل فعلاً مضارعًا لكاد مرفوعًا، فإذا عُطِف عليه الثاني شاركه في إعرابه وعامِلِه، ورافِعُ المضارع ضعيف لا يَقْوى على العمل في الفعلين، فإن العامل في المعطوف والمعطوف عليه واحد.
стр. 558
ولا يخفى فساد هذا الجواب، فإنه منتقض بالطَّم والرِّم مما يعطف فيه المضارع على مثله، كقولك: "زيد يذهب ويركب"، و: "إنما يذهب ويخرج زيد"، وأمثال ذلك.
فالجواب الصحيح أن يقال: المراد ما في المصدر من الدَّلالة على ثبوت نفسِ الحدث، وتعليق الحكم به دون تقييده بزمان دون زمان، فلو أتى بالفعل المقيد بالزمان لفات الغرض، ألا ترى أن قولها: "للُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عَيْني"، المراد به حصول نفس اللبس مع كونها (١) تقر عينُها كلَّ وقت شيئاً بعد شيء، فقرةُ العين مطلوبٌ تجدُّدها بحسب تجدد الأوقات، وليس هذا مرادًا في لبس العباءة، وكذا قولك: "أكْلُ الشعير وأكُفَّ وجهي عن الناس أحب إِليَّ منْ أَكل البر وأبذلَ وجهي لهم"، أفلا ترى أنه يُفضل (٢) أكل الشعير على أكل البر، ويدوم له كَف وجهه عن الناس، كما أن تِلك فضَّلت لُبْس العباءة على لبس الشُّفوف وتدوم لها قُرة العَين. فعلمت أن المقصود ماهية المصدر وحقيقته لا تقييده بزمان دون زمان.
ولما كانت "أن" والفعل تقع موقع المصدر ويؤوَّلانِ به في الإخبار عنهما كما يخبر عن الاسم، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] -أي: صيامكم (٣) - أُوِّلَ المصدر بـ "أن" والفعل في صِحَّة عَطْف الفعل عليه، وهذا من باب المقابلة والموازنة، وقد جاء عطفُ الفعل على الاسم إذا كان فيه معنى الفعل نحو: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]، و ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ [الحديد: ١٨]،
стр. 559
ومنه: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦]﴾ لأن الاسم المعطوف عليه لما كان حاملاً للضمير صارَ بمنزلة الفعل، ولو كان مصدرًا لم يجز عطف الفعل عليه إلا بإضمار "أن"؛ لأن المصادر لا تتحمل الضمائر.
فإن قيل: فلم جاز عطفُ الفعل على الاسم الحامل للضمير ولم يعطف الاسم على الفعل، فتقول: مررتُ برجلٍ يقعد وقائم، كما تقول: قائم ويقعد.
قيل: هذا سؤالٌ قوي، ولما رأى بعض النحاة أنه لا فرق بينهما أجاز ذلك وهو الزجاج، فإنه (ق/ ١٠٨ أ) أجازه في "معاني القرآن" (١)، والصحيحُ: أنه قبيح. والفرقُ بينهما أنك إذا عطفت الفعل على الاسم المشتق منه رَدَدت الفرع إلى الأصل؛ لأن الاسم أصل الفعل والفعل متفرِّع عنه، فجاز عطف الفعل عليه! لأنه ثان والثواني فروع على الأوائل. وإذا عطفتَ الاسمَ على الفعل كنت قد رددت الأصل فرعاً وجعلته ثانيًا، وهو أحق (ظ/ ٨٢ ب) بأن يكون مقدَّمًا لأصالته.
وسرُّ المسألة؛ أن عَطْف الفعل على الاسم في محل قوله: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾، و: "مررتُ برجل قائم ويقعد"؛ لأن الاسم مُعْتمد على ما قبله، وإذا كان اسم الفاعل معتمدًا عَمِل عَمَل الفعل وجرى مجراه، والاعتماد أن يكون نعتاً أو خبرًا أو حالاً، والذي بعد "الواو" ليس بمعتمد، فلو عكستَ المسألة وقلت: "يصففن وقابضات"، و"يقوم وقاعد"؛ قَبُح، لأن ما بعد "الواو" اسم محض وليس بمعتمد، فيجري مَجْرى الفعل (٢).
стр. 560
فائدة (١)
لما كان الفعل اللازم هو الذي لزم فاعله ولم يجاوزه إلى غيره، جاء مصدره مُثْقَلاً بالحركات؛ إذ الثقل (٢) من صفة ما لزم محله ولم ينتقل منه إلى غيره، والخِفَّة من صفة المنتقل من محله إلى غيره، فكان خِفة اللفظ في هذا الباب وثقله موازيًا للمعنى، فما لزم مكانه ومحله فهو الثقيل لفظًا ومعنى، وما جاوزه وتعداه فهو الخفيف: لفظًا ومعنى.
ومن هاهنا يرجح قول سيبويه (٣) أن: "دخلت الدار" غير متعدٍّ؛ لأن مصدره دخول، فهو كالخروج والقعود وبابه، إلا أن الفعلَ منه لم يجيء على "فَعُل"؛ لأنه ليس بطبع في الفاعل ولا خصلة ثابتة فيه، فإن كان الفعل عبارة عما هو طبع وخصلة ثابتة ثقَّلوه بضم العين، كظَرُف وكَرُم، فهذا الباب ألزم للفاعل من باب "قَعَد ودَخَل"، فكان أثقلَ منه لفظًا، وباب "قَعَد وخَرَج" ألزم للفاعل من الفعل المتعدي، كـ "ضَرَب" فكان أثقل منه مصدراً، وإن اتفقا في لفظ الفعل.
ولزم مصدر "فَعُل" الذي هو طَبْع وخَصْلة وزن "الفَعَال"؛ كالجَمَال والكَمَال والبَهَاء والسَّناءْ والجَلال والعَلاء، هذا إذا كان المعنى عامًّا مشتملاً على خصال ولا يختص بخَصْلة واحدة، فإن اختصَّ المعنى بخَصْلة واحدة صار كالمحدود ولزمته هاء (٤) التأنيث؛ لأنها تدل على نهاية ما دخلت عليه كالضّرْبة من الضرب، وحذفُها
стр. 561
في هذا الباب وفي أكثر الأبواب يدلُّ على انتفاء النهاية، ألا ترى أن الضربَ يقع على القليل والكثير إلى غير نهاية وكذلك التمر والبرُّ (ق / ١٠٨ ب)، وإنما استحقت الهاء ذلك؛ لأن مخرجها من منتهى الصوت وغايته فصلحت للغايات (١)، ولذلك قالوا: عَلَّامة ونَسَّابة، أي: غايةٌ في هذا الوصف، فإذا عرفت هذا، فالجَمال والكَمال كالجنس العام من حيث لم يكن فيه "الهاء" المخصوصة بالتحديد والنهاية، وقولك: "مَلُحَ ملاحة، وفَصُح فصاحة"، على وزنه إلا في التاء لأن الفصاحة خصلة من خصال الكمال، وكذلك الملاحة، فحُدِّدت بالتاء؛ لأنها ليست بجنس عام كالكَمال والجَمال، فصارت كباب "الضَّرْبة والتَّمْرة" من "الضَّرْب والتَّمْر" (٢).
ألا ترى إلى قول خالد بن صفوان (٣) وقد قالت له امرأته (٤): "إنك لجميل"، فقال: أتقولين ذلك وليس عندي عمود الجمال ولا رِدَاؤه وبُرْنُسه، ولكن قولي: "إنك لمليح ظريف"، فجعل الملاحة خصلة من خصال الجمال، فبان صحة ما قلناه.
وعلى هذا قالوا: "الحلاوة والأصالة والرجاحة والرزانة والمهابة"، وفي ضد ذلك: "السَّفَاهة والوَضَاعة والحَمَاقة والرَّذَالة"؛ لأنها كلها خصال محدودة بالإضافة إلى السَّفال الذي هو في مقابلة العلاء
стр. 562
والكمال، لأنه جنس يجمع الأنواع التي تحته. وهذا هو الأصل في هذا الباب، فمتى شذَّ عنه منه شيء فلمانع وحكمة أخرى كقولهم: "شَرُف الرجل شَرَفًا"، ولم يقولوا: "شَرَافًا"، لأنَّ الشرف رفعة في آبائه وهو شيء خارج عنه، بخلاف كَمُل كَمَالاً، وجَمُل جمالاً، فإن جماله وكماله وصف قائم به، وهذا لأن "شَرُف" مستعار من شرف الأرض (ظ/٨٣ أ) وهو ما ارتفع منها، فاستعير للرجل الرفيع في قومه، كأن آباءه الذين ذُكِر بهم وارتفع بسببهم شَرَفٌ له.
وكذلك قولهم في هذا الباب: "الحَسَب"؛ لأنه من باب "القَبَض والنَّقَض والقَنَص" لا من (١) باب المصادر؛ لأن الحَسَب ما يحسبه الإنسان ويعده لنفسه من الخصال الحميدة والأخلاق الشريفة، واستحق الاسم الشامل في هذا الباب اسم "الفَعَال" بفتح الفاء والعين وبعدهما ألف وهي فتح، ليكون اللفظ بتوالي الفتح (٢) فيه موازيًا لانفتاح المعنى واتساعه، وكذلك اطرد في الجمع الكثير نحو: "مَفَاعِل وفعائل" وبابه، واطرد في باب "تفاعل"، نحو: "تقاتل وتخاصم وتمارض وتغافل (٣) وتناوم"؛ لأنَّه إظهار للأمر ونشر له (٤).
ومن هذا الباب: "حَلُم" فإنه مما يوافقه في وجهٍ ويخالفه في وجه؛ لأنه يدل على ثبات الصفة، فوافقَ "شَرُف وكَرُم" في الضم وخالفه في المصدر (ق/١٠٩ أ) لمخالفتهِ له في المعنى؛ لأنه صفة تقتضي كف النفس وجمعها عن الانتقام والمعاقبة ولا يقتضي انفتاحًا
стр. 563
ولا انتشارًا، فقالوا: "حَلُمَ"؛ لأنه من بناء الخصال والطبائع وقالوا: "حُلَماء"، لأن الصفة صفة جمع النفس وضمها وعدم إرسالها في الانتقام، فتأمله.
ومن هذا الباب: "كَبُر وصَغُر" موافق لما قبله في الفعل مخالف له في المصدر، لأن الكِبَر والصِّغَر عبارة عن اجتماع أجزاء الجسم في قلة أو كثرة، وليس من الصفات والأحداث المنتشرة؛ وهذا تنبيه لطيف على ما هو أضعاف ذلك (١).
فائدة (٢)
فِعْل المطَاوَعَة هو: الواقع مسببًا عن (٣) سبب اقتضاه، نحو: كسرته فانكسر، فزيدت النون في أوله قبل الحروف الأصلية ساكنة كيلا تتوالى الحركات، ثم وُصِل إليها بهمزة الوصل. وقد تقدم أن الزوائد في الأفعال والأسماء موازية للمعاني الزائدة على معنى الكلمة؛ فإن كان المعنى الزائد مُتَرتِّبًا قبل المعنى الأصلي، كانت الحروف الزائدة قبل الحروف الأصلية كالنون في "انفعل" وكحروف المضارعة في بابها، وإن كان المعنى الزائد في الكلمة آخرًا، كان الحرف الزائد على الحروف الأصلية (٤) آخرًا، كعلامة التأنيث وعلامة التثنية والجمع.
ومن هذا الباب: "تَفَعْلَل وتَفَاعَل وتَفَعَّل". أما "تفعلل" فلا
стр. 564
يتعدَّى ألبتة؛ لأن "التاء" فيه بمثابة النون في "انفعل"، إلا أنهم خْصُّوا الرُّباعي بالتاء، وخصّوا الثلاثي بالنون فَرْقًا بينهما، ولم تكن، "التاء" هاهنا ساكنة كالنون، لسكون عين الفعل، فلم يلزم فيها من توالي الحركات ما لزم هناك.
وأما "تفاعَل" فقد توجد متعدِّية؛ لأنها لا يراد بها المطاوعة كما أريد بـ "تفعلل"، وإنما هو فِعْل دخلته "التاء" زيادة على فاعل المتعدية، فصار حُكمه -إن كان متعديًا إلى مفعولين قبل دخول "التاء"، أن يتعدَّى بعد دخول "التاء" إلى مفعول، نحو: "نازعتُ زيدًا الحديث"، ثم تقول: "ما (١) تنازعنا الحديث"، وإن كان متعديًا إلى مفعول لم يتعدَّ بعد دخول "التاء" إلى شيءٍ، نحو: "خاصمتُ زيدًا، وتخاصمنا".
وهذا عكس دخول همزة التعدية على الفعل، فإنها تزيده واحدًا أبدًا وإن كان لازمًا صَيَّرته متعديًا إلى مفعول، وإن كان متعديًا: إلى واحد صيرته متعديًا إلى اثنين.
وأما "احمرَّ واحمارّ" ففعل مشتق من الاسم، كانتعل من النعل، وتمسكَن من الِمسْكين، وتَمدْرع وتَمَنْدل وتَمَنْطق.
وزعم الخطابيُّ (٢) أن معنى "احمرَّ" مخالف لمعنى "احمارَّ" وبابه، وذهبَ إلى أن "افعل" يقال فيما لم يخالطه لون آخر، و"افعالّ" يقال لما خالطه لون آخر. وهو ثقة في نقله، والقياس (ق/١٠٩ ب) يقتضي ما ذَكَر؛ لأن الألف لم تُزَد في أضعاف حروف
стр. 565
الكلمة إلا لدخول معنى (١) زائد بين أضعاف معناها. والذي قاله (ظ/٨٣ ب) غيره أحسن من هذا وهو أن "احمرَّ"، يقال لحا أحمرَّ وَهْلة نحو: "احمرَّ الثوبُ" ونحوه.
وأما "احمارَّ" فيقال لما يبدو فيه اللون شيئًا بعد شيء على التدريج، نحو: "احمارَّ البُسْر واصفارَّ"، ويدخل "افعلَّ" في هذا على "افعالَّ"، فيقال: "أحمرَّ البسر" إذا تكامل لون الحمرة فيه، و"احمارَّ" إذا ابتدا صاعدًا إلى كماله.
فائدة (٢)
اختلفوا في المتعدي إلى مفعولين من باب "كسا" هل هو قياسي بالهمزة أم سماعي؛ والثاني قول سيبويه (٣) وهو الصحيح، فإنك لا تقول: "آكلت زيدًا الخبز"، ولا، "آخذته الدراهم"، ولا "أطلقت زيدًا امرأته"، و"أعتقته عبدَه"، ولكن ينبغي التفطن لضابطٍ حَسَن، وهو أن تنظر إلى كلِّ فِعل حَصَل منه في الفاعل صفةٌ ما فهو الذي يجوز فيه النقل؛ لأنك إذا قلت: أفعلته، فإنما معناه: جعلتَه على هذه الصفة. وقلما ينكسر هذا الأصل في غير المتعدي إذا كان ثلاثيًا، نحو: قعد وأقعدتُه، وطال وأطلتُه.
وأما المتعدي فمنه ما يحصل للفاعِل منه صفة في نفسه (٤) ولا يكون اعتماده في الثاني على المفعول فيجوز نقله، مثل: "طَعِم زيد