فهذا في مقابلة وسائط الشر، فالفرق ما ذكرناه، والله أعلم.
فصل (١)
وأما "سَمِع الله لمن حمده" فقال السّهيلي: مفعول "سَمِع" محذوف؛ لأن السمع متعلِّق بالأقوال والأصوات (ق/ ١١٧ ب) دون غيرها، فاللام على بابها، إلا أنها تُؤذِن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع، فاجتمع في الكلمة الإيجاد والدلالة على المعنى الزائد وهي الاستجابة لمن حمده، وهذا مثل قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] ليست "اللام" لام المفعول كما زعموا، ولا هي زائدة، ولكن "رَدِف" فعل متعدٍّ ومعموله (٢) غير هذا الاسم، كما كان مفعول "سمع" غير المجرور، ومعنى "رَدِف" تَبع وجاءَ على الأثر، فلو حَمَلْته على الاسم المجرور، لكان المعنى غير صحيح إذا تأملته، ولكن المعنى: رَدِف لكم استعجالكم وقولكم؛ لأنهم قالوا: ﴿مَتَى هذَا الوَعْدُ﴾ [النمل: ٧١] ثم حُذف المفعول الذي هو القول والاستعجال اتكالًا على فهم السامع، ودلت "اللام" على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون مفعولًا، وآذنت أيضًا بفائدة أخرى وهي معنى: عَجل لكم، فهي متعلقة بهذا المعنى، فصار معنى الكلام: قُل: عسَى أن يكون عَجِل لكم بعض الذي تستعجلون، فرَدِف قولكم واستعجالكم، فدلَّتَ: "رَدِف" على أنهم قالوا واستعجلوا، ودلت "اللام" على المعنى الآخر، فانتظم الكلام أحسن نظام، واجتمع الإيجاز مع (٣) التمام.
стр. 597
قلت: فِعْل السمع يُرَاد به أربعة معان: أحدها: سَمْع إدراك ومتعلَّقه الأصوات. الثاني: سمع فَهْم وعَقْل ومتعلَّقه المعاني. الثالث: سمع إجابة وإعطاء ما سئل. الرابع: سَمْع قبول وانقياد (١).
فمن الأول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] و ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١]، ومن الثاني قوله: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ليس المراد به سمع مجرَّد الكلام (٢)، بل سَمْع الفهم والعقل، ومنه: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ومن الثالث: "سمع الله لمن حمده"، وفي الدعاء المأثور: "اللهم اسمع" (٣)، أي: أجب وأعط ما سألتك، ومن الرابع قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤٢] أي: قائلون له منقادون غير منكرين له. ومنه على أصح القولين: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] أي: قابلون ومنقادون، وقيل: عيون وجواسيس، وليس بشيءٍ، فإن العيون والجواسيس إنما تكون بين الفئتين غير المختلطتين، فيحتاج إلى الجواسيس والعيون، وهذه الآية إنما هي في حَقّ المنافقين (ظ/٩٥ أ)، وهم كانوا مختلطين بالصحابة بينهم، فلم يكونوا محتاجين إلى عيونٍ وجواسيس. وإذا عُرِفَ هذا فسمع الإدراك يتعدَّى بنفسه، وسمع القَبول يتعدَّى باللام تارة وبمن أخرى، وهذا
стр. 598
بحسب المعنى؛ فإذا كان السِّياق يقتضي القبول عُدِّي بـ "من"، وإذا كان (ق/١١٨ أ) يقتضي الانقياد عُدِّي باللام، وأما سَمْع الإجابة فيُعَدَّى باللام، نحو: سمع الله لمن حمده، لتضمُّنه معنى استجابَ له، ولا حَذْف هناك وإنما هو مضمن، وأما سَمْع الفهم فيتعدَّى بنفسه، لأن مضمونَه يتعدَّى بنفسه.
فصل (١)
ومما يتعلق بهذا قولهم: "قرأتُ الكتابَ واللوح" ونحوهما مما يتعدَّى بنفسه، وأما: "قرأتُ بأم القرآن" و"قرأت بسورة كذا"، كقوله [ ﷺ ]: "لا صلاةَ لمنْ لَم يَقْرأ بفاتحةِ الكتابِ" (٢)، ففيه نكتة بديعة قلَّ من يتفطَّنُ لها، وهي أن الفعل إذا عُدِّي بنفسه فقلت: قرأتُ سورةَ كذا، اقتضى اقتصاركَ عليها لتخصيصها بالذِّكر، وأما إذا عُدِّيَ بـ "الباء"، فمعناه: لا صلاة لمن لم يأت بهذه السورة في قراءته أو في صلاته، أي: في جملة ما يقرأ به، وهذا لا يعطي الاقتصار عليها، بل يُشْعر بقراءة غيرها معها، وتأمَّل قولَه في الحديث: "كان يَقْرأ في الفَجْر بالسِّتين إلى المِئَة" (٣) كيف تجد المعنى أنه يقرأُ فيما يَقْرأُ به بعد الفاتحة بهذا العدد، وكذلك قوله: "قرأ بالأعراف" (٤)، إنما هي
стр. 599
بعد الفاتحة، وكذلك قرأ في الفجر بسورة ﴿ق﴾ (١)، ونحو هذا، وتأمل كيف لم يأت بالباءِ في قوله: "قرأ سورةَ النَّجْمِ فسَجَدَ وسَجَدَ معه المسلِمُوْنَ والمشركونَ" (٢) فقال: قرأ سورة النجم، ولم يقل: بها؛ لأنه لم يكن في صلاة فقرأها وحدها، وكذلك قوله: قرأَ عَلَى الجنِّ سورةَ الرحمن (٣) ولم يقل: بسورة الرحمن، وكذلك: "قرأ على أُبَيٍّ سورةَ: ﴿لَم يَكُنِ﴾ (٤) ولم يقل: بسورة ﴿لَم يَكُنِ﴾، ولم تأت الباء إلا في قراءةٍ في الصلاة كما ذكرتُ لك، وإن شئتَ قلت: هو مضمَّن معنى: صلَّى بسورة كذا وقامَ بسورة كذا، وعلى هذا فيصحُّ هذا الإطلاق وإن أتى بها وحدها، وهذا أحسن من الأول، وعلى هذا فلا يقال: قرأ بسورةِ كذا، إذا قرأها خارجَ الصلاة، وألفاظ الحديث تتنزَّل على هذا، فتدبَّرْها.
فصل (٥)
وأما ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩] فالباء متعلقة بما تضمنه الخبر من معنى الأمر بالإكتفاء، لأنك إذا قلت: "كفى الله"، أو
стр. 600
"كفاك (١) زيد" فإنما تريد أن يكتفي هو به، فصار اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الأمر، فدخلت الباء لهذا السبب، فليست زائدة في الحقيقة، وإنما هى كقولك: حسبكَ بزيد، ألا ترى أن "حسبك" مبتدأ وله خبر، ومع هذا فقد يجزم الفعل في جوابه فتقول: "حسبك يَنَم الناس"، فينم جُزم على جواب الأمر الذي في ضمن الكلام، حكى هذا سيبويه (٢) عن العرب.
فائدة (٣)
تعدِّي الفعل إلى المصدر على ثلاثة أنحاء؛ أحدها: أن يكون مفعولاً مطلقًا لبيان النوع. الثانى: أن يكون توكيدًا. الحديث: أن يكون حالاً.
قال (ق/١٨ ب) سيبويه (٤): "وإنما تذكره لتبِّين أي فعل فعلت أو توكيدًا". وأَما الحال: فنحو: "جاء زيد مشيًا وسعيًا"، تريد: ماشيًا وساعيًا، وفيه قولان؛ أحدهما: هذا. والثاني: أن الحال محذوف، و"مشيًا" معمولها، أي: يمشي مشيًا، وقد تقول: "مشيت مشيًا وقعدت قاعدًا"، تجعلها حالاً مؤكِّدة، وقد تقول: مشيت مشيًا بطيئًا ومسرعًا، فلك فيها وجهان؛ أحدهما: أن يكون المصدر حالاً فيكون من باب قوله تعالى: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ (٥) [الأحقاف: ١٢] وهي الحال الموطأة؛ لأن الصفة في وطَّأت الاسم الجامد أن يكون حالًا، فإن اللسان
стр. 601
اسم جامد، فلما وُصِف بالمشتق وطَّأته الصفة أن يكون حالاً، فإن (ظ/٩٠ ب) حَذفتَ الاسم وبقيت الصفة وحدَها لم يكن في الحال إشكال، نحو: "سِرْت شديدًا".
ويُبَيِّن ما قلناه أن قولك: "سرتُ شديدًا" هي حال من المصدر الذي دل عليه الفعل، فإذا أردت بالمصدر هذا المعنى كان بمنزلة الحال. ويجوز تقديمه وتأخيره إذا كان مفعولاً مطلقًا أو حالاً، ولا يجوز تقديمه على الفعل إذا كان توكيدًا له؛ لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد.
والعامل فيه إذا أردت معنى الحال الفعل نفسه، والعامل فيه إذا كان مفعولاً مطلقًا ليس هو لفظ الفعل بنفسه، وإنما هو ما يتضمَّنه من معنى "فعل" الذي هو فاءٌ وعَينٌ ولامٌ، لأنك إذا قلت: ضربت ضربًا، فالضرب ليس بمضروب، ولكنك حين قلت: "ضربت" تضمن "ضربت" (١) معنى "فعلت"؛ لأن كُلَّ ضرْبٍ فعل، وليس كل فعل ضربًا، فصار هذا بمنزلة تضمُّن الإنسان الحيوانَ، وإذا كان كذلك؛ "فضربًا" منصوب بفعلت المدلول عليها بضربت، حتى كأنك قلت: "فعلت ضربًا".
ولا يكون المصدر مفعولاً مطلقًا حتى يكون منعوتًا أو في حكم المنعوت، وإنما يكون توكيدًا للفعل؛ لأن الفعل يدلُّ عليه دلالةً مطلقةً ولا يدل عليه محدَّدًا ولا منعوتًا، وقد يكون مفعولاً مطلقًا، وليس ثَمَّ نعتٌ في اللفظ إذا كان في حكم المنعوت، كأنك تريد: "ضربًا مَّا"، فلا يكون حينئذٍ توكيدًا، إذ لا يؤكد الشيء بما فيه معنى
стр. 602
زائد على معناه، لأن التوكيد تَكْرار محض.
وقد احتج بعضُ أهل السنة (١) على القائلين من المعتزلة بأن تكلم الله -تعالى وتقدَّس- لموسى ﵇ مجاز بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤] فأكَّد الفعلَ بالمصدر، ولا يصح المجاز مع التوكيد. قال السهيلي (٢): فذاكرت بهذا شيخَنا أبا الحسين (٣)، فقال: هذا حسن، لولا أن سيبويه أجاز في مثل هذا أن يكون مفعولاً مطلقًا، وإن لم يكن منعوتًا في اللفظ، فيحتمل على (ق / ١١٩ أ)، هذا أن يريد (٤): "تكليمًا مّا"، فلا يكون في الآية حجة قاطعة، والحِجَاج عليهم كثيرة.
قلتُ (٥): وهذا ليس بشيء والآيةُ صريحة فى أن المرادَ بها تكليمٌ أخص من الإيحاء، فإنه ذَكَر أنه أوحى إلى نوح والنبيين من بعده، وهذا الوحي هو التكليم العام المشترك، ثم خص موسى باسم خاصٍّ وفعل خاص وهو "كلم تكليمًا"، ورفع توهُّم إرادة التكليم العام (٦) عن الفعل بتأكيده بالمصدر، وهذا يدل على اختصاص موسى بهذا التكليم، ولو كان المراد "تكليمًا مَّا"، لكان مساويًا لما تقدَّم من
стр. 603
الوحي أو دونه، وهو باطل!.
وأيضًا: فإن التأكيد في مثل هذا السِّياق صريحٌ في التعظيم وتثبيت حقيقة الكلام والتكليم فعلاً ومصدرًا، ووصفه بما يُشعِر بالتقليل مضاد للسياق، فتأمله.
وأيضًا: فإن الله -سبحانه- قال لموسى: ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] فلو كان التكليم (١) الذي حصل له "تكليمًا مّا" كان مشاركًا لسائر الأنبياء فيه، فلم يكن لتخصيصه بالكلام معنى.
وأيضًا: فإن وَصْف المصدر هاهنا مُؤَذِن بقلَّته وأنَّ "نوعًا ما" من أنواع التكليم حصل له، وهذا محال هاهنا، فإن الإلهام "تكليم مَّا"، ولهذا سماه الله تعالى وحيًا، والوحى "تكليم مَّا" فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]. ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] ونظائره. وقال عُبَادة بن الصامت: "رؤيا المؤمن كلام يكلِّم به الربُّ عبده في منامِه" (٢). فكلُّ هذه الأنواع تسمَّى "تكليمًا ما". وقد خصَّ موسى واصطفاه على البشر بكلامه له.
وأيضًا: فإن الله سبحانه حيثُ ذكرَ موسى ذكرَ تكليمه له باسم التكليم الخاص دون الاسم العام، كقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ (ط/ ٩١ أ) لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] بل ذَكَرَ تكليمه له بأخصَّ من ذلك وهو تكليم خاص، كقوله:
стр. 604
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم: ٥٢] فناداه وناجاه، والنداء والنجاء أخصُّ من التكليم، لأنه تكليمٌ خاص، فالنداءُ تكليم: من البعد يسمعه (١) المنادى، والنِّجاءُ تكليم من القرب.
وأيضًا: فإنه قد اجتمع في هذه الآية ما يمتنع معه حملُها على ما ذكره، وهو أنه ذكر الوحيَ المشتركَ، ثم ذكرَ عموم الأنبياء بعد محمد ونوح، ثم ذكر موسى بعَيْنه بعد ذِكْر النبيين عمومًا، ثم ذكرَ خصوص تكليمه، ثم أَكَّدَه بالمصدر، وكل من له أدنى ذوقٍ في الألفاظ ودلالتها على المعانى (٢)، يجزم بأن هذا السياق يقتضي تخصيصَ موسى بتكليم لم يحصل لغيره، وأنه ليس "تكليمًا ما"، فما ذكره أبو (ق / ١١٩ ب) الحسين غيرُ حسنٍ، بل باطل قطعًا!! والذي غرَّه ما اختاره سيبويه من حذف صفة المصدر وإرادتها، وسيبويه لم يذكر هذا في كل مصدرٍ كان هذا شأنه، وإنما ذكر أن هذا مما (٣) يسوغُ في الجملة، فإذا كان في الكلام ما يدل على إرادة التأكيد دون الصفة لم يقل سيبويه ولا أحدٌ: إنه موصوف محذوف يدل على تقليله، كما إذا قيل: "صدَّقت الرسول تصديقًا وآمنت به إيمانًا"، أوْ قل: "قاتَلَ فلانٌ مع رسول الله ﷺ قتالاً ونصَره نصرًا"، و"بين الرسولُ لأمته تبيينًا وأرشدهم إرشاداً وهداهم هدى"، فهل يقول سيبويه أو أحد: إن هذا يجور أن يكون موصوفًا؟! والمراد: "تصديقًا مَّا وإيمانًا مَّا وتبيينًا: مَا وهدًى مَّا"!؟، فهكذا الآية والله الموفق للصواب.
стр. 605
قال السهيلي (١): "وسألته عن العامل في المصدر إذا كان توكيدًا للفعل، والتوكيد لا يعمل فيه المؤكَّد، إذ هو [هو] (٢) في المعنى، فما العامل فيه؟.
فسكتَ قليلاً ثم قال: ما سألني عنه أحدٌ قبلك، وأرى أن العامل فيه ما كان يعمل في الفعل قبله لو كان اسمًا، لأنه لو كان اسمًا لكان منصوبًا بفعلت المتضمَّنة فيه.
ثمَ عرضتُ كلامَه على نفسي وتأملت "الكتاب"، فإذا هو قد ذَهَل عما لوَّح إليه سيبويه في باب المصادر، بل صرَّح، وذلك أنه جعل المصدر المؤكد منصوبا بفعل هو التوكيد على الحقيقة، واخْتُزل ذلك الفعل، وسدَ المصدر الذي هو معموله مسدَّه، كما سدَّت "إياك" و"رُوَيْدًا" مسدَّ العامل فيهما، فصار التقدير: "ضربتُ ضربتُ ضربًا"، فـ "ضربتُ" الثانيةَ هي التوكيدُ على الحقيقة، وقد سدَّ "ضربًا" مسدَّها، وهو معمولها، وإنما يُقَدَّر عملُها فيه على أنه مفعول مطلق لا توكيد، هذا معنى قول صاحب "الكتاب" مع زيادة في الشرح، ومن تأمله هناك وجده كذلك.
والذي أقولُ به الآن قول الشيخ أبي الحسين؛ لأن الفعل المختزل معنى، والمعاني لا يؤكد بها وإنما يؤكَّد بالألفاظ (٣)، وقولك: "ضربت، فعل مشتق من المصدر، فهو يدل عليه، فكأنك قلت: "فعلت الضربَ"، فضربت يتضمَّن (المصدر) (٤) ولذلك تضمره، فتقول: "من كذبَ فهو شر له"، وتقيده بالحال، نحو: "قمنا سريعًا"، فسريعًا حال من
стр. 606
القيام، فكما جاز أن تقيده بالحال وأن تكني عنه [بهو] جازَ أيضًا أن تؤكده بـ "ضربًا"، كأنك: قلت: "ضربًا ضربا"، ونصب "ضربًا" المتضمن "ضربًا" (١) المصرَّح به، وبه يعمل في الثاني بمعنى "فعلت"، كما كان ذلك في المفعول المطلق إذا قلت: "ضريت ضربًا شديدًا"، أي: فعلت ضربًا شديدًا، (ق/١٢٠ أ)، وليس المؤكد كذلك، إنما ينتصب كما ينتصب "زيداً" الثاني في قولك: "ضربت (٢) زيذاً زيدًا" مكررًا، انتصبَ من حيث كان هو الأول لا أنك أضمرتَ له فعلاً (ظ/٩١ ت)، فتأمله". تم كلامه.
ثم قال (٣):
فصلٌ فيما يؤكَّد من الأفعال بالمصادر وما لا يؤكَّد
قد أشرنا إلى أن الفعل (٤) قسمان: خاص وعام، فالعام: "فعلت" و"عملت"، و"فعلت" أعمّ؛ لأن "عملت" عبارة عن حركات الجوارح الظاهرة مع دءوب، ولذلك جاء على وزن "فَعِل" كتَعِب ونَصب، ومن ثَمَّ لم تجدها يخبر بها عن الله -سبحانه- إلا أن يَرِدَ بها سمع، فيُحمل على المجاز المحض، ويلتمس له التأويل.
قلت (٥): وقد ورد قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ
стр. 607
أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] وقد تقدم (١) له كلام أن اليدَ صفة أخصّ من القدرة والنعمة، كما هو مذهب أبي الحسن الأشعري ﵀، ونصر هو ذلك المذهب وارتضاه، وعلى هذا فلا تأويل في الآية، بل هي على حقيقتها على قوله، وأما الدَّءوب والنصب وإثبات الجارحة فمن خصائص العبد، والله تعالى مُنَزَّه عن ذلك كله متعالٍ عنه. وخصائص المخلوقين لا يجوز إثباتها لرب العالمين، بل الصفة المضافة إليه لا يلحقه فيها شي من خصائصهم، فإثباتها له كذلك لا يحتاج معه إلى تأويل، فإن الله ليسَ كمثله شيءٌ، وقد تقدَّم أن خصائصَ المخلوقين غير داخلة في الاسم العامِّ، فضلاً عن دخولها في الاسم الخاص المضاف إلى الربِّ، وأنها لا يدل اللفظ عليها بوضعه حتى يكون نفيها عن الربِّ تعالى صرفًا للفظ عن حقيقته. ومن اعتقدَ دخولَها في الاسم المضاف إلى الربِّ ثم توسَّل بذلك إلى نفي (٢) الصفة عنه، فقد جمعَ بين التشبيه والتعطيل، وأما من لم يُدْخلها في مسمَّى اللفظ الخاص، ولا أثبتها للموصوف فقوله مَحْض التنزيه، وإثبات ما أثبته الله لنفسه، فتأمل هذه النكتة وَلْتكن منك على ذُكْر في باب الأسماء والصفات، فإنها تُزيل عنك الاضطراب والشبهة، والله الموفق للصواب.
عاد كلامُه، قال: "إذا ثبت هذا "ففعلت" وما كان نحوها من الأحداث العامة الشائعة لا تؤكَّد بمصدر؛ لأنها في الأفعال بمنزلة شيءٍ وجسم في الأسماء، فلا يؤكَد؛ لأنه لم يثبت له حقيقة (٣) معينة
стр. 608
عند المخاطب، وإنما يؤكد ما ثبتت حقيقته، والمخاطَب أحوج إلى ذكر المفعول المطلق الذي تقع به الفائدة منه إلى توكيد "فعلت"، فلو قلت له: "فعلتُ فعلتُ"، وأكدته بغاية ما يمكن من التوكيد، (ق/١٢٠ ب) ما كان الكلام إلا غير مفيد! وكذلك لو قال: "فعلتُ فِعلاً" على التوكيد؛ لأن المصدر الذي كنتَ تؤكد به -لو أكدت- قياسُه أن يكون مفتوح "الفاء" لأنه ثلاثي، والمصدر الثلاثي قياسه فتح فائه، كما أن فعله كذلك".
قلتُ (١): هذا ليس على إطلاقه، فإن "فعلت" إذا أُريد بها الفعل العام الذي لم تتحصل حقيقتُه عند المخاطَب امتنعْ تأكيدُها، بل مثل هذا لا يقع في (٢) التخاطُب، وأما إذا أُريدَ بها فعل خاص قد تحصَّلت حقيقته وتميزت عندهما، كما إذا قال له: "أنت فعلت هذا"، وأشار إلى فعل معين، فإنه إذا أكد الفعل وقال: "فعلتُ فعلت"، كان الكلام مفيدًا أبلغ فائدة، وهذا إنما جاء من حيث كانت "فعلت" مرادًا بها الحديث الخاص. وأكثر ما يجيء "فعلت": في الخطاب كذلك، فتأمله.
قال (٣): "إذا ثبت: هذا؛ فلا يقع بعد "فعلت" إلا مفعول مطلق، إما من لفظها فيكون عامًّا، نحو: "فعلت فِعلاً حَسَنًا"، ومن ثَمَّ جاء مكسور الفاء لأنه كالطَّحْن والذِّبْح، ليس بمصدر اشْتُق منه الفعل، يل هو مشتق من "فعلت". وإما أن يكون خاصًا نحو: "فعلت ضربًا"، "فضربًا" أيضًا مفعول مطلق من غير لفظ "فَعل" فصار "فعلت فِعلاً"
стр. 609
كطحنت (ظ / ٩٢ أ)، طِحْنًا، و"فعلت ضربًا" كطحنتُ دقيقًا.
فإن قيل: ألم يجيزوا في "ضربت ضربًا" و"قتلتُ قتلًا" أن يكون مفعولًا مطلقًا، فلِمَ لم يكن مكسور الأول إذا كان مفعولاً مطلقًا، ومفتوحًا إذا كان مصدراً مؤكَّدَا؟.
قيل: "حدِّث حديثين امرأةً" (١)، ألم يقدم في أول الفصل أنه لا يعمل في "ضربًا" إذا كاد مفعولا مطلقًا إلا معنى "فعلت" لا لفظ "ضربت"، فلو عمل فيه لفظ "ضربت" لقلت: "ضِربًا" بالكسر، كطِحْن، وهو محال، لأن الضرب لا يضرب، ولكنك إذا اشْتَقَقْت له اسما من "فعلت" التي هي عاملة فيه على الحقيقة فقلت: هو فِعْل، وإن اشْتَقَقْتَ له اسمًا من "ضربت" التي لا يعملُ لفظُها فيه، لم يجز أن يجعلها كالطِّحْن والذِّبْح؛ لأن الاسم القابل لصورة الفعل إنما يشتق لفظه من لفظ ما عمل فيه، فثبت من هذا كله أن "فَعَلت" و"عملت" استغنى بمفعولها المطلق عن مصدرها، لأنها لا تتعدَّى إلا إلى حدث، وذلك الحدث يشتق له اسم من لفظها، فيجتمع اللفظ والمعنى، ويكون أقوى عند المخاطَب من (٢) المصدر الذي يشتَق منه الفعل، ولذلك لم يقولوا: "صنعت صنْعًا" "بفتح الصاد، ولا: "عَملت عَمْلاً" بسكون الميم، ولا "فَعَلت فَعْلا" بفتح الفاء، استغناء عن المصادر (ق/ ٢١ أ)، بالمفعولات المطلقة؛ لأن العملَ مثل: القَنَص والنَّفَض، والصُّنع مثل: الدهن والخُبْز، والفِعْل مثل: الطِّحن، وكلها (٣) بمعنى المفعول، لا بمعنى المصدر الذي اشتُق منه الفعل.
стр. 610
وجميع هذه الأفعال العامة لا تتعدَّى إلى الجواهر والأجسام إلا أن يُخْبر بها عن خالقها، وإنما يتعدَّى إلى الجواهر بعض الأفعال الخاصة، نحو: "ضربت زيدًا"، فهو مضروب على الإطلاق، وإن اشتققت له من لفظ "فعلت" مفعول به، أي: فعِلَ به الضرب ولم يفْعَل هو جاز.
وأما: "حَلمت في النوم حُلْمًا" فهو بمنزلة: "فعلت وصنعت" في اليقظة؛ لأن جميع أفعال النوم تشتمل عليها "حَلَمت"، وكأنَّ جميع أفعال اليقظة يشتمل عليها "فعلت"، فمن ثمَّ لم يقلوا: "حَلْمًا" بوزن "ضَرْبًا"؛ لأن "حلمت" مغنية عن المصدر كما كانت "فعلت" مغنية عنه، وإنما مطلوبُ المخاطب معرفةُ المحلوم والمفعول، فلذلك قالوا: "حلْما"، ولذلك جمعوه على: "أحلام وحُلوم"؛ لأن الأسماء هي التي تُجْمع وتثنى، وأما الفعل، أو ما فائدته كفائدة الفعل من المصادر (١) فلا تُجمع ولا تُثنى، وقولهم: إنما جمِعت الحلومُ والأشغال لاختلاف الأنواع، يل يقال لهم: [وهل] (٢) اختلفت الأنواع: إلا من حيث كانت بمثابة الأسماء المفعولة؟ ألا ترى أن "الشُّغل" على وزن "فعْل" كالدُّهن، فهو عبارة عما يَشتغل المرء به (٣)، فهو اسم مشتقٌّ من الفعل وليس الفعل مشتقًا منه، إنَّما هو مشتق من "الشغَل"، والشَّغْل هو المصدر، كما أن "الجعْل والجُعْل" كذلك. فعلى هذا ليس "الأشغال" و"الأحلام" بجمع المصدر، وإنما هو جمع اسم، والمصدر على الحقيقة لا يجمع؛ لأن المصادر كلها جنس
стр. 611
واحد، من حيث كانت عبارة عن حركة الفاعل، والحركة تماثل الحركة ولا تخالفها بذاتها، ولولا "هاء" التأنيث في الحركة ما ساغ جمعُها، فلو نطقت العربُ بمصدر "حَلَمت" الذي اسْتغني عنه بالحُلْم، وبمصدر "شكرت" الذي استغنى [عنه] (١) بالشكر لما جاز جمعه؛ لأن اختلاف الأنواع ليس راجعًا إليه، وإنما هو راجع إلى المفعول المطلق.
ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنْعِم من ثناء أو فعل، وكذلك نقيضه -وهو الكفر- عبارة عما يُقابَل به المنْعِم (٢) من جَحْد وقبْح فعل، فهو مفعول مطلق لا مصدر اشتق منه الفعل، إلا أن "الكفر" يتعدَّى بالباء لتضمُّنه معنى التكذيب، و"شكرت" (ق ١٢١/ ب) يتعدَّى باللام، التي هى لام الإضافة؛ لأن المشكورَ في الحقيقة هى النعمة، وهي مضافة إلى المنعم، (ظ/٩٢ ب) وكذلك المكفور في الحقيقة هى النعمة، ولكن كفرها تكذيب وجَحْد، فلذلك قالوا: "كفر بالله" و"كفر نعمتَه" و"شكر له" و"شكر نعمتَه".
وإذا ثبتَ أن الشكرَ من قولك: "شكرت شُكرًا" مفعول مطلق، وهو مختلف الأنواع؛ لأن مكافأة النعم تختلف، جار أن يُجمع كما جمع "الحُلْم والشُّغل"، فيحْمل قوله -سبحانه- حكاية عن المخلصين من عباده: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٩] أن يكون جمعًا لـ "شكر"، وليس كالقعود والجلوس؛ لأنه متعد، ومصدر المتعدي لا يجيءُ على "الفعول" (٣).
стр. 612
قلت (١): الصحيح أنه مصدر جاءَ على "الفعول"، لأن مقابله وهو الكفر والجَحد والنفار تجيء مصادرها على "الفعول" (٢)، نحو: كُفُور وجُحُود ونفُور، ويبعد كلَّ البعد أن يراد بالكفور جمع الكُفْر، والكفر، يُعْهد جمعه في القرآن قطّ ولا في الاستعمال، فلا يعرف في التخاطب: "أكفار وكفور"، وإنما المعروف الكفر، والكُفْران والكفوْرُ، مصادرُ ليس (٣) إلا، فحسَّن مجيء الشكور على الفعول حمله على مقابله، وهو كثير في اللغة، وقد تقدَّم الإشارة إليه، وحتى لو كان الشكور سائغًا استعماله جمعًا (٤)، واحتمل الجمع والمصدر، لكان الأليق بمعنى الآية المصدر لا الجمع؛ لأن اللهَ تعالى وصفهم بالإخلاص، وأنهم إنما قصدوا بإطعام الطعام وجهه، ولم يريدوا من المطعَمِين جزاء ولا شكورًا، ولا يليق بهذا الموضع أن يقولوا: لا نريد منكم أنواعًا من الشكر وأصنافًا منه، بل الأليق بهم وبإخلاصهم أن يقولوا: لا نريد منكم شُكراً أصلاً، فينفوا إرادة نفس هذه الماهية منهم، وهو أبلغ في قصد الإخلاص من نفي (٥) الأنواع، فتأمله فإنه ظاهر، فلا يليق بالآية إلا المصدر، وكذلك قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢] إنما هو مصدر، وليس بالمعهود البيِّن جمع الشُّكر علي الشُّكُور واستعماله كذلك، كما لم يُعْهد ذلك في الكفور.
عاد كلامه (٦) قال: "ويزيدُ هذا وضوحًا قولهم: "أحببت حبًّا"،
стр. 613
فالحب ليس بمصدر لأحببت، إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب، ولذلك جاء على ورنه مضمومَ الأول، ومن ثَمَّ جُمِع كما جُمِع الشغل، قال:
ثلاثةُ أحباب؛ فحبُّ عَلاقةٍ ... وحُبُّ تِمِلَاّق، وحبٌّ هو القتل (١)
فقد انكشف لك بقولهم: "أحببتُ حبًّا" ولم (ق/١٢٢ أ)، يقولوا: "إحبابًا" استغناءً بالمفعول المطلق الذي هو أَفْيَد عند المخاطب من "الإحباب"، أَنَّ "حلمت حُلْمًا"، و"شكرت شكراً"، و"كفرَ كُفرًا"، و"صَنَع صنعًا"، كلّها واقعة على ما هو اسم للشيء المفعول وناصبة له نَصْب المفعول المطلق. وهو في هذه الأفعال أجدر أن يكون كذلك؛ لأنها أعم من "أحببت"؛ إذ الشكرُ واقعٌ على أشياءَ مختلفة، وكذلك الكفر والشغل والحُلم، وكلما كان الفعل أعم وأشيع لم يكن لذكر مصدره معنى، وكان "فَعَل ويَفْعل" مغْنيًا عن، ولولا كشْف الشاعر لاختلاف أنواع "الحب" ما كِدْنا نعرف ما فيه من العموم، ولكنه لما فيه من العموم، وأنه في معنى "الشغل" صار "أحببت" كشغلت، وصار الحب كالشغل. ولو قال: "إحبابًا" لكان بمنزلة: "شَغَلت شَغلاً" بفتح الشين، ألا ترى أنهم لا يجمعون من المصادر ما كان على وزن الإفعال نحو: الإكرام، وعلى وزن الانفعال، والافتعال، [والتفعيل] (٢) ونحوها، إلا أن يكون محدودا كالتَّمْرة من التمر.
وأما جمعه لاختلاف الأنواع فلا اختلاف أنواع فيه، إنما اختلاف
стр. 614
الأنواع فيما كان اسمًا مشتقًّا من الفعل اسْتُغنيَ به عن المصدر لخصوصه وعموم المصدر، وذلك لا تجده في الثلاثي إلا على وزن "فُعْل" أو "فَعَل" (ظ/ ٩٣ أ) أو "فِعْل" ألا ترى أنهم، يجمعون ["الفَرَق" و"الحَذَر"، ولا شيئًا من ذلك الباب] (١) نحو: "الرَّمَد (٢) والخَدَر والخَفَش والبَرَص والعَمَى، وبابه".
قلت (٣): فِعْل الحب فيه لغتان "فَعَل وأفْعل" وقد أنشدَ في "الصحاح" (٤) بيتين علي اللغتين وهما:
أُحِبُّ أبا مروانَ من أَجلِ تمرهِ ... وأعلمُ أن الحبَّ بالمرءِ أرفقُ
ووالله لولا تمرُهُ ما حَبَبْتُه ... وكان عِياضٌ منه أدنى ومشرقُ
هكذا أنشده المبرّد (٥)، والذي في "الصحاح":
* ولا كان أَدْنى مِن عبيد ومشرقِ *
بالإقواء (٦)، والبيتان لغيلان بن شجاع النهشلي وهو عربيٌّ فصيح، وإذا ثبتَ أنهما لغتان في "أحببته حبًّا فأنا له محِب وهو محبوب" على تداخل اللغتين، فأتوا في المصدر بمصدر الثلاثي كالشُّكر والشُّغل، واستعملوا من الفعلين الرباعي في غالب كلامهم، حتى كأنهم هجروا الثلاثي، وأتوا بمصدره حتى كأنهم هجروا الرباعي، فلما جاؤوا إلى
стр. 615
اسم الفاعل أتوا بالاسم من الرُّباعي حتى كأنهم لم ينطقوا بالثلاثي، فقالوا: "محب"، ولم يقولوا: "حابٌّ" أصلاً، وجاؤوا إلى المفعول فأتوا به من الفعل الثلاثي في الأكثر، فقالوا: (ق/ ٢٢ أب) "محبوب"، ولم يقولوا: مُحَب إلا نادرًا كما قال (١):
ولقد نزلتِ فلا تظنِّي غيرَه ... مِني بمنزلةِ المُحَب المُكْرمِ
فهذا من "أحببت" كما أن المحبوب من "حببت"، ثم استعملوا لفظ الحبيب في المحبوب أكثر من استعمالهم إياه في المُحِب مع أنه يُطلق عليهما، فمن مجيئه بمعنى المفعول قول ابن الدمينة (٢):
وإن الكثيبَ الفردَ من جانبِ الحِمَى ... إليَّ وإنْ لم آتِهِ لحبيبُ
أى: لمحبوب.
ومن مجيئه للفاعل، قول المُخَبَّل (٣):
أَتهجر ليلى للفراقِ حَبِيْبَها ... وما كان نَفْسًا بالفراق تطِيْب
فهذا بمعنى: محبها، وربما قالوا للحبيب: حِب، مثل: خِدْن، فخِدْن وخَدِين مثل: حبّ وحَبيب. وإذا ثبت هذا فقوله ﵀: "الحب ليس بمصدر لأَحببت إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب"؛ ليس الأمر كما قال! بل هىِ مصدر للثلاثي أَجْرَوه على الفعل الرباعي
стр. 616
استغناء به عن مصدره، وهذا لكثرة ولوع (١) أنفسهم بالحب وألسنتهم به استعملوا منه أخفَّ المصدرين استغناء به عن أثقلهما.
وأما مجيئه بالضم: دون الفتح، فَلِسِرٍّ في ذلك، وهو قوة هذا المغنى وتمتكُّه من نفس المحِبِّ وقهره وإذلاله إياه، حتى إنه ليذل الشجاع الذي لا يذل لأحد فينقهر لمحبوبه ويستأسر له، كما هو معروف في أشعارهم ونثرهم، وكما يدل عليه الوجود، فلما كان بهذه المثابة أَعْطوه أقوى الحركات وهى الضمة، فإن حركة الحب أقوى الحركات فأعطوا أقوى حركات المتحرك أقوى الحركات اللفظة؛ ليتشاكل اللفظُ والمعنى، فلهذا عَدَلوا عن قياسِ مصدره وهو الحب إلى صَمِّه.
وأيضًا: فإنهم كرهوا أن يجيئوا بمصدره على لفظ "الحب" الذي هو اسم جنس للحبة (٢)، ولم يكن بُد من عدولهم إما إلى الضم أو إلى الكسر، وكان الضم أولى لوجهين؛ أحدهما: قوته وقوة الحب. الثاني: أن في الضمة من الجمع ما يوازي ما في معنى الحب من جمع الهِمَّة والإرادة على المحبوب، فكأنهم دلَّوا السامعَ بلفظه وحركته وقوته على معناه.
وتأمل كيف أتوا في هذا المسمى بحرفين:
أحدهما: الحاء التي هى من أقصى الحلق، فهي مَبْدأ الصوت ومخرجها قريبٌ من مخرج الهمزة من أصل الصدر الذي هو (ق/١٢٣ أ) معدن الحب وقراره.
стр. 617
ثم قرنوها بـ "الباء" (١) التي هى من الشفَتَين، وهى آخر مخارج الصوت ونهايته، فجمع الحرفان بدايةَ الصوت ونهايته، كما اشتمل معنى الحبِّ على بداية الحركة ونهايتها، فإن بداية حركةِ المحب من جهة محبوبه، ونهايتها الوصول (٢) إليه، فاختاروا له حرفين هما بداية الصوتِ ونهايته، فتأمل هذه النكت البديعة تجدها ألطف من النسيم، ولا تَعْلَق إلا في هو يناسبها لطافةً وَرِقَّة.
فقل لكثيفِ الطبعِ وَيْحك ليسَ ذا ... بِعشِّكَ فادْرجُ (٣) سالمًا غيرَ غانِمِ
واشتقاقه في الأصل من الملازمة والثبات من قولهم: "أحبَّ البعير فهو محب" إذا برك (٤) فلم يَثُر، فقال (٥):
حُلْتَ عليه بالقَطِيْعِ ضَرْبًا ... ضربَ بعير السُّوءِ إِذْ أحَبَّا
فلما كان المُحِب ملازمًا لذكر محبوبه، ثابتَ القلب على حُبه [مقيمًا] (٦) عليه، لا يروم عنه انتقالًا ولا يبغي عنه زوالًا، قد اتخذ له في سويداء قلبه وطنًا وجعله له سكنًا:
تزولُ الجبال الراسياتُ وقَلْبُه ... على العهدِ لا يلوي ولا يتغيرُ
فلذلك أَعْطَوه هذا الاسم الدال على الثبات واللزوم، ولما جاؤوا
стр. 618
إلى المحبوب أعطوه في غالب استعمالهم لفظ: "فَعِيل" الدال على أن هذا الوصف، وهو كونه متعلق الحب أمر ثابت له لذاته، وإن لم يُحب فهو حبيب، سواء أَحبَّه غيره أم لا، وهذا (١) الوزن موضوع في الأصل لهذا المعنى كـ "شريف" وإن لم يشرفه غيره، وهو من بناء الأوصاف الثابتة اللازمة، كطويل وقصير وكريم وعظيم وحَليم وجميل وبابه، وهذا بخلاف "مفعول"، فإن حقيقته لمن تعلق به الفعل ليس إلا كـ "مضروب" لمن وقع عليه الضرب، "ومَقْتول ومَأكول" وبابه، فهجروا في أكثر كلامهم لفظ "محبوب" لما يُؤْذِن من أنه الذي تعلَّق به الحبُّ فقط، واختاروا له لفظ "حَبيب" الدال على أنه حبيب في نفسه، تعلَّقَ به الحبُّ أم لا، ثم جاؤوا إلى من قام به الحب فأعطوه لفظة "مُحِب" دون "حابٍّ" لوجهين:
أحدهما: أن الأصل هو الرباعي والنطق به أكثر، فجاءَ على الأصل.
الثاني: أن حروفه أكثر من حروف "حابّ"، والمحل محل تكثير لا محل تقليل (٢).
فتأمل هذه المعاني التي لا تجدها في كتاب، وإنما هي رَوْضة: أُنُف مَنَحَ العزيزُ الوهاب فَهمَها وله الحمد والمنة، وقد ذكرنا من هذا وأمثاله في كتاب "التحفة المكية" ما لو وجدناه لغيرنا لأعطيناه حقَّه من الاستحسان والحدث، ولله الفضل والمنة.
وأما جَمْع الشاعر له على: "ثلاثة أحباب"؛ فلا يخرجه عن كونه
стр. 619
مصدراً؛ لأنه أراد أن الحب ثلاثة أنواع وثلاثة ضُروب، وهذا تقسيم للمصدر نفسه، وهو تقسيم صحيح، فإن للحب بداية وتوسطًا ونهاية، فدو الشاعر الأقسام الثلاثة، فحُبُّ البداية هو: حب العلاقة وسمِّيَ علاقة لتعلّق القلب بالمحبوب، قال الشاعر (١):
أعلاقة أمَّ الوليدِ بعدما ... أفنان رأسكِ كالثَّغامِ المُخْلس
والحب المتوسِّط، هو: حُبُّ التملُّق وهو التذلُّل والتواضع للمحبوب، والانكسار له، وتتبع مواقع رضاه، وإيقاعها على ألطف الوجوه، فهذا هو التملُّق، وهو إنما يكون بعد تعلُّق القلب به.
والحب الثالث: هو الذي يأسر (٢) القلبَ ويصطلم العقلَ ويُذْهِب اللبَّ ويمنع القرارَ. وهذه المحبة تنقطع دونها العبارة، وتمتنع إليها الإشارة، ولي فيها من أبياتٍ (٣):
وما هي إلا الموت أو هو دونَها ... وفيها المنايا يَنْقلبن أَمَانيا
فقد بان لك أن الشاعرَ إنما أرادَ جَمْع الحب الذي هو المصدر باعتبار أنواعه وضروبه. ولنقطع الكلامَ في هذه المسألة، فمن لم يَشْبع من هذه الكلمات ففي "كتاب التحفة" أضعاف ذلك، والله الموفق.
عاد كلامه (٤) قال: "فإن قيل: فقد قالوا: "سَقَم وأسقام"، والسَّقَم مصدر لسَقِمَ، فهذا جمعٌ لاختلافِ الأنواع؛ ألا، لأنه اسم كما ذكرت.
стр. 620
قيل: هذه غفلة! أليس قد قالوا: "سُقْم" بضمِّ السين، فهو عبارة عن الداء الذي به يسقم الإنسان، فصار كالدُّهن والشغل، وهو: في ذاته مختلف الأنواع، فجُمع.
وأمَّا المرض فقد يكون عبارة عن السُّقم والعِلة، فيُجْمع على "أمراض"، وقد يكون مصدرا، كقولك: مرض، فلا يجمع.
فإن قيل: تفريقك بين الأمرين (١) دعوى، فما دليلها؟.
قلنا: قولك: "عَرق يعرق عرقًا" لا يخفى على أحد أنه مصدر عرق، والعَرَق الذي هو جسم سائل مائع سائل من الجسد، لا يخْفى على أحدٍ أنه غير "العَرَق" الذي هو المصدر، وإن كان اللفظ واحدًا، فكذلك "المرض" يكون عبارة عن المصدر وعبارة (٢) عن "السقم" والعلَّة، فعلى هذا تقول: "تصبَّب زيدٌ عرقًا" فيكون له إعرابان؛ تمييز -إذا أردت المائع-، ومفعول من أجله أو مصدر مؤكِّد -إذا أردت المصدر- وكذلك: "دميت إصبعي دمًا" إذا (٣) أردت المصدر فهو [الدَّمَى] (٤) محل العَمَى، وإن أردت الشيء المائع فهو "دم" مثل: "يد"، وقد يُسمَّى المائع بالمصدر، قال (٥):
فَلَسْنا على الأعقابِ تَدْمى كُلُوْمُنا ... ولكنْ عَلى أقدامنا تَقْطُر الدّما
فهذا (ق/١٢٤ أ) مقصور كالعصا، وعليه قول الآخر:
стр. 621
*جَرَى الدمَيان بالخَبَر اليقينِ (١) *
فصل (٢)
ومن حيث امتنع أن يؤكَّد الفعل العام بالمصدر لشيوعه -كما يمتنع توكيد النكرة لشيوعها، وأنها لم تَثبت لها عينٌ- لم يَجُز أن يخبر عنه كما لا يخبر عن النكرة، لا تقول: من فعل كان شرَّا له، بخلاف: من كذب كان شرًّا له؛ لأن "كذب" فعل خاصُّ فجاز الإخبار عما تضمَّنه من المصدر، ومن لمَّ لم يقولوا: "فعلت سريعًا" ولا: "عملت طويلاً"، كما قالوا: "سرت سريعا" و"جلست (٣) طويلاً" على الحال من المصدر كما يكون الحال من الاسم الخاص ولا يكون من النكرة الشائعة.
فإن قلت: اجعله نعتا للمفعولِ المطلق، كأنك قلت: "فعلت فعلا سريعا"، و"عملت عملاً كثيرًا".
قيل: لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت إلا على شروط مذكورة في موضعها، فليس قولهم: "سرت سريعا" نعتًا لمصدر نكرة محذوفة، إنما هو حال من مصدر في حكم المعرفة بدلالة الفعل الخاص عليه، فقد استقام الميسم (٤) للناظر في فصول هذه المسألة، واستتبَّ القياس فيها من كل وجه.
فإن قيل: فما قولكم في "عَلِمت عِلمًا"، أليس هو مصدرًا لعلمت،
стр. 622
فلِمَ جاء .. مكسور الأول كالطِّحْن والذِّبْح؟.
قيل: العلم يكون عبارةٌ عن المعلوم، كما تقول: "قرأتُ العلم"، وعبارة عن المصدر نفسه الذي اشتُقَّ منه "علمت"، إلا أن ذلك المصدرَ مفعولٌ لعلمت؛ لأنه معلوم بنفس العلم، لأنك إذا عَلِمت الشيءَ فقدْ علمته، وعلمتَ أنك علمته بعلم واحد؛ فقد صار العلم معلوما بنفسه، فلذلك جاء على وزن "الطِّحْن والذبْح"، وليس له نظير في الكلام إلا قليل، لا أعلم فعلا يتناول المفعول ويتناول نفسه إلا العلم والكلام؛ لأنك تقول للمخاطَب: "تكلم" فيقول: "قد تكلمت"، فيكون صادقًا وإن لم ينطق قبل ذلك. ولهذا قال النبي ﷺ للأعرابي لما قال له: يا ابنَ عبد المطلب: "قد أجَبْتك" (١)، فكان "قد أجبتك" جوابا وخبرا عن الجواب، فتناول القول نفسه؛ ولذلك تعبدنا في التلاوة أن نقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] لأن "قل" أمر يتناول ما بعدَه ويتناول نفسه، فمن ثمَّ جاء مصدر "القول" على "القِيل"، كما جاء مصدر "علمت" على "العلم". وجاء أيضًا على "القال" وهو على وزن "القَبَض"؛ لأن القولَ قد يكون مقولاً (٢) بنفسه، وجاء أيضًا على الأصل مفتوحَ الأول، وأما "العلم" فلم يجئ إلا مكسورًا مصدرا كان أو مفعولاً؛ لأنه لا يكون أبدًا إلا معلومًا بنفسه، و"القول" بخلاف ذلك، قد يتناول نفسه في بعض الكلام، وقد لا يتناول إلا المفعول (٣)، وهو الأغلب.
стр. 623
وأما "الفكر" فليس باسمٍ عند سيبويه، ولذلك مَنَع من جمعه، فقال (١): "لا يُجْمع الفكر على أفكار"، حَمَله على المصادر التي لا تجمع. وقد استهوى الخطباءَ والقصاصَ خلافُ هذا، وهو كالعلم لقُرْبه منه في معناه، ومشاركته له في محلِّه، وأما "الذكر" فبمنزلة العلم؛ لأنه نوع (٢) منه.
فصل (٣)
فيما يحدد من المصادر بالهاء ، وفيه بقايا من الفصل الأول.
قد تقدمَ أنَّ الفعلَ لا يدل على مَصدره إلا مطلقًا غير محدود ولا منعوت، وأنك إذا قلت: "ضربته (٤) ضربة"، فإنما هي مفعول مُطْلق لا توكيد؛ لأن التوكيد لا يكون في معناه زيادة على المؤكد، ومن ثَمَّ لا تقول: "سِيْر بزيد سريعة حسنة"، تريد: سِيرةً كذلك، ولا "قعدت طويلةً"؛ لأن الفعل لا يدل بلفظه على المَرَّة الواحدة، ومن ثمَّ بطل ما أجاره النحَّاس (٥) وغيرُه من قوله: "زيد ظننتها منطلق"، تريد: "الظِّنة"، لأن الفعل لا يدل عليها.
وإذا ثبتَ هذا فالتحديدُ في المصادر ليس يطَّرد في جميعها، ولكن فيما كان مها حركة للجوارح الظاهرة ففيه يقع التحديدُ غالبًا؛
стр. 624
لأنه مضارع للأجناس الظاهرة التي يقع الفرق بين الواحد منه (١) والجنس بـ "هاء التأنيث"، نحو: تمرة وتمر، ونخلة ونخل، وكذلك تقول: ضَرْبة وضَرْب.
وأما ما كان من الأفعال الباطنة نحو: عَلِم وحَذِر وفَرق ووَجِل، أو ما كان طبعًا نحو: ظَرف وشَرُف، لا يقال في شيءٍ من هَذا: فَعلَةٌ، لا يقال: فَهم فهْمة، ولا: ظَرُف ظَرْفة. وكذلك ما كان من الأفعال عبارة عن الكثرة والقِلَّة نحو: طال وقَصر، وكبرَ وصَغْر، وقل وكَثر، لا تقول فيه: فَعْلَة.
وأما قولهم: "الكَبْرَة في الهَرَم"، فعبارة عن الصِّفة وليست بواحدة من الكبر، وكذلك الكثرة ليست كالضربة من الضرب؛ لأنك لا تقول: كَثُر كَثرًا.
وأما: "حمدًا"؛ فما أحسبه يقال في تحديده: حَمْدة، كما يقال: مَدْحة، والفرق بينهما أن "حِمد" يتضمَّن الثناء مع العلم بما يثني به، فإن تجردَ عن العلم كان مدحًا ولم يكن حمدًا، فكلُّ حَمْد فدح دون العكس، ومن حيث كان يتضمَّن العلم بخصال (٢) المحمود جاء فعله على "حَمِد" بالكسر موازنَا لـ "علم"، ولم يجئ كذلك "مدح"، فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه (ظ /١٩٥)، ومن ثَمَّ لم نجد في الكتاب ولا في السنة "حَمِد ربنا فلانًا"، وتقول: مدحَ الله فلانًا وأثنى علي فلان، ولا: تقول: حَمِد إلا لنفسه، ولذلك قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بلام الجنس المفيدة للاستغراق، فالحمد كلُّه له إما
стр. 625
مُلْكًا وإما استحقاقًا، فَحَمْده لنفسه استحقاق، وحمدُ العباد له؛ وحمد بعضهم لبعض ملك له؛ فلو حَمِدَ هو غيرَه لم يَسُغ أن يقال في ذلك الحمد: ملك له؛ لأن الحمد كلامه؛ ولم يَسُغ أن يضاف إليه على جهة الاستحقاق وقد تعلَّقَ بغيره.
فإن قيل: أليس ثناؤه ومدحه لأوليائه إنما هو بما عَلِم، فلِمَ لا يجوز أن يُسمى حمدًا؟.
قيل: لا يُسَمى حمدًا على الإطلاق إلا ما يتضمن العلم بالمحاسن على الكمال، وذلك معدوم في غيره سبحانه، فإذا مَدَح فإنما يمدح بخصلة هى ناقصة في حق العبد، وهو أعلمُ بنقصانها، وإذا حَمِد نفسَه حَمِدَ بما عَلِمَ من كمال صفاته.
قلت (١): ليس ما ذكره من الفرق بين الحمد والمدح باعتبار العلم وعدمه صحيحًا، فإن كلَّ واحد منهما يتضمن العلم بما يحمد به غيره ويمدحه، فلا يكون مادحًا ولا حامدًا من لم يعرف صفات المحمود والممدوح، فكيف يصح قوله: "إن تجرد عن العلم لأن مَدْحًا"، بل إن لجرَّد عن العلم كان كلاما بغير علم، فإن طابقَ فصِدْق وإلا فكَذِب.
وقول: "ومن ثَمَّ لم يجئ في الكتاب والسنة: حمد ربنا فلانًا"، يقال: وأين جاء فيهما: "مدح الله فلانًا"، وقد جاء في السنة ما هو أخص من الحمد، وهو الثناء الذي هو تكرار المحامد، كما في قول النبي ﷺ لأهل قباء: "ما هَذا الطهوْر الذي أَثْنى الله عليكمْ بِه " (٢)؟،
стр. 626
فإذا كان قد أثنى عليهم، والثناءُ حَمْد متكرِّر، فما يمنع حمده لمن شاء من عباده؟!.
ثم الصحيح في تسمية النبيِّ ﷺ محمدًا: أنَّه الذي يحمده الله وملائكته وعباده المؤمنون. وأما من قال: الذي يحمده أهلُ السماء و (١) الأرض. فلا ينافي حمد الله تعالى، بل حمد أهل السموات والأرض له بعد حمد الله له، فلما حمده الله حمده أهل السموات وأهل الأرض (٢).
وبالجملة؛ لما (٣) كان الحمد ثناءً خاصًّا على المحمود، لم يمتنع أن يحمدَ اللهُ من يشاءُ من خَلْقه كما يثني عليه، فالصواب في الفَرْق بين الحمد والمدح أن يقال: الإخبار عن محاسن الغير، إما أن يكون إخبارًا مجردا من حب وإرادة، أو مقرونا بحبه وإرادته، فإن كان الأول؛ فهو المدح، وإن كان الثاني، فهو الحمد، فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حُبه وإجلاله وتعظيمه، ولهذا كان خبرا يتضمَّن الإنشاء، بخلاف المدح فإنه خبر مجرَّد، فالقائل إذا قال: "الحمد لله"، أو قال: "ربنا لكَ الحمد" تضمن كلامه الخبر عن كل ما يحمد عليه -تعالى- باسمٍ جامع محيط متضمن لكلِّ فردٍ من أفراد
стр. 627
الحمد المحققَة والمقدَّرة؛ وذلك يستلزم إثبات كلِّ كمال يُحمد عليه الرب تعالى، ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه، ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد.
ولما كان هذا المعنى مقارنا للحمد لا تقوم حقيقتُه إلا به فسره من فسَّره بالرضى والمحبة، وهو تفسير له بجزء مدلوله، بل هو رضاء ومحبة مقارنة للثناء عليه، ولهذا السر -والله أعلم- جاء فعله على بناء الطبائع والغرائز، فقيل: "حَمد" لتضمنه الحب الذي هو بالطبائع والسجايا أولى وأحق من "فَهم وحذر وسقم" ونحوه، بخلاف الأخبار المجرَّد عن ذلك وهو المدح، فإنه جاء على وزن "فَعَل"، فقالوا: مَدَحه، لتجرد معناه من معاني الغرائز والطبائع، فتأمل هذه النكتة البديعة، وتأمل الإنشاء الثابت في قولك: "ربنا لك الحمد"، وقولك: "الحمد لله"، كيف تجده تحت هذه الألفاظ، ولذلك لا يقال موضعها: "المدح لله"، ولا: "ربنا لك المدح" (١)، وسِرّه ما ذكرت لك من الإِخبار بمحاسن المحمود إخبارا مقترنا بحبه وإرادته وإجلاله وتعظيمه.
فإن قلت: فهذا ينقض قولكم: إنه لا يمتنع أن يحمدَ اللهُ تعالى من شاء من خلقه، فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيءٌ ولا يستحق التعظيم غيره، فكيف يعَظِّم أحدًا من عباده؟.
قلت المحبة لا تنفك عن تعظيم وإجلال للمحبوب، ولكن يضاف إلى كلِّ ذاتِ بحسب ما تقتضيه خصائص تلك الذات، فمحبة العبد لربه تستلزم إجلاله وتعظيمه، وكذلك محبة الرسول تستلزم
стр. 628
توقيره وتَعْزيره (١) وإجلاله، وكذلك محبة الوالدين والعلماء وملوك العدل، وأما محبة الرب عبدَه فإنها تستلزم إعزاره لعبده، وإكرامه إياه، والتنويه بذكره، وإلقاء التعظيم والمهابة له في قلوب أوليائه، فهذا المعنى ثابت في محبته وحمدِه لعبدِه، سُمِّي تعظيمًا وإجلالا أو لم يسَمَّ.
ألا ترى أن محبته -سبحانه- لرسله كيف اقتضت أن نوَّه بذكرهم في أهل السماء والأرض، ورفع ذكرَهم على ذِكر غيرهم، وغضب على من لم يحبهم ويوقوهم ويُجلهم، وأحلَّ به أنواعَ العقوبات في الدنيا والآخرة؟! وجعل كرامته في الدنيا والآخرة لمحبيهم وأنصارهم وأتباعهم، أو لا ترى كيف أمر عاده وأولياءه بالصلاة التي هي تعظيم وثناء على خاتمهم وأفضلهم صلوات الله وسلامه عليه؟! أفليس هذا تعظيمًا لهم وإعزازا وإكراما وتكريمًا (٢)؟!.
فإِن قيل: فقد ظهر الفرق بين الحمد والمدح، واسْتَبان صبح المعنى وأسفر وجهه، فما الفرق بينه (٣) وبين الثناء والمجد؟.
قل: قد تعدينا طَوْرَنا فيما نحن بصدده، ولكن نذر الفرق تكميلا لفائدة، فنذكر تقسيما جامعا لهذه المعاني الأربعة -أعني: الحمد والمدح والثناء والمجد- فنقول:
الإخبار عن محاسن الغير له ثلاثة اعتبارات؛ اعتبار من حيث المُخْبَر به. واعتبار من حيث الإخبار عنه بالخَبَر .. واعتبار من حيث
стр. 629
حال المُخْبِر. فمن حيث الاعتبار الأول ينشأ التقسيم إلى الحمد والمجد، فإن المخْبَر به إما أن يكون من أوصاف العظمة والجلال والسعة وتوابعها، أو من أوصاف الجمال والإحسان وتوابعها (١)، فإن كان الأول؛ فهو المجد، وإن كان الثاني؛ فهو الحمد، وهذا لأن لفظ "مجد" في لغتهم يدور على معنى الاتساع والكثرة، فمنه قولهم: "أمجد الدابةَ عَلَفًا"، أي: أَوْسعها عَلَفًا، ومنه: مَجُد الرجل فهو ماجد، إذا كَثر خيره وإحسانه إلىَ الناس قال الشاعر (٢):
أنتَ تكون ماجدٌ نبيلُ ... إذا تهبُّ شمْال بليلُ
ومنه قولهم: "في كلِّ شَجَرِ نارٌ، واسْتَمْجَد المَرْخُ والعَفَارُ" (٣)، أي: كثرت النار فيهما.
ومن حيث (٤) اعتبار الخبر نفسه ينشأُ التقسيم إلى الثناء والحمد، فإن الخبر عن المحاسن إمَّا مُتكرِّر (٥) أَوْ لا، فإن تكرَّر فهو الثناء، وإن لم يتكرر فهو الحمد، فإن الثناءَ مأخوذٌ من الثني وهو العطف، وردُّ الشيءِ بعضه على بعض، ومنه: ثنيتُ الثوبَ، ومنه: التثنية في الاسم، فالمثْنِي مُكرِّر لمحاسن من يُثْني عليه مرةً بعد مرة.
стр. 630
ومن جهة اعتبار حال المخبر ينشأُ التقسيم إلى المدح والحمد، فإن المخبر عن محاسن الغير؛ إما أن يقترن بإخباره حُب له وإجلال أَوْ لا، فإن اقترن به الحب فهو الحمد، وإلا فهو المدح، فَحَصِّلْ هذه الأقسام ومَيِّزْها، ثم تأمَّل تنزيل قوله تعالى فيما رواه عنه رسول الله ﷺ حين يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمَينَ﴾، فيقول الله: "حَمِدَني عبدني"، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: "أثنى عَليَّ عبدي" لأنه كرَّر حمده. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: "مَجدَني عبدي" (١) فإنه وصَفَه بالمُلْك والعَظَمة والجلال.
فاحْمدِ اللهَ على ما ساقه إليك من هذه الأسرار والفوائد عَفوًا لم تسهر فيها عينُك، ولم يسافر فيها فكرُك عن وطنه، ولم تتجرَّد في تحصيلها عن مألوفاتك، بل هى عرائس معانٍ تُجلى عليك وتُزف إليك، فلك لذة التمتع بها ومهرها على غيرك، لك غُنْمها وعليه غُرْمها.
فصل
فلنرجع إلى كلامه (٢) قال: "وكل ما حدِّد من المصادر تجوز تثنيته وجمعُه، وما لم يُحَدد فعلى الأصل الذي تقدَّم لا يثنى ولا يجْمَع، وقولهم: "إلا أن تختلف أنواعه"، لا تختلف أنواعه إلا إذا كان عبارة عن مفعولٍ مطلق اشْتُقَّ من لفظ الفعل لا عن مصدر اشْتُق الفعلُ منه، ولذلك تجده على ورد "فَعِل" بالكسر، وعلى ورد "فُعْل"، نحو: "شُغْل"، وعلى وزن "فَعَل" (٣) نحو: "عَمل"، والذي
стр. 631
هو مصدر حقيقةً ما تجده على وزن "فَعْل"، نحو: "ضَرْب وقَتْلُ"، وأما "الشَّرب" بالفتح والضم والكسر، فـ "الشَّرْب" بالفتح، هو المصدر، و"الشُّرب" بالضم عبارة عن المشروب أو عن الحَدَث الذي هو مفعول مطلق في الأصل، وربما اتُّسِعَ فيه فأجْريَ مَجْرى المصدر الذي اشْتق الفعل منه، كما قال تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ [الواقعة: ٥٥] بالضم والفتح".
قلت (١): هذه كَبْوة من جواد، ونَبْوة من صارم، فإن "الشُّرب" بالضم هو المصدر، وأما المشروب فهو "الشِّرب" بكسر الشين، قال تعالى في الناقة: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ [الشعراء: ١٥٥] فهذا هو المشروب، كما تقول: قِسْم من الماء وحَظ ونصيب تشربه في يومها (٢)، ولكم حظ وقسم تستوفونه في يومكم، وهذا هو القياس في الباب كالذّبْح بمعنى المذبوح، والطحن للمطحون، والحِبّ للمحبوب، والحِمل للمحمول، والقِسْم للمقسوم، والعِرْس للزوجة التي قد عرس بها، ونظائره كثيرة جدًّا.
وأما "الشَّرب" بالفتح؛ فقياسه أن يكون جمع شارب، كصاحب وصَحْب، وتاجر وتجْر، وهو يُسْتعمل كذلك، وإطلاق لفظ الجمع عليه جريا على عادتهم، والصواب أنه اسم جَمْع، فإن "فَعْلاً" ليس من صيغ الجموع واستعمل أيضا مصدرًا، وقد قرئت الآية بالوجوه الثلاثة (٣)، فمن قرأ بالضم أو الفتح فهو مصدر، ومن قرأ بالكسر فهو بمعنى المشروب، وعلى الأول يقع التشبيه بين الفعلين (٤)، وهو
стр. 632
المقصود بالذكر، شَبَّه شربهم من الحميم بشرب الإبل العِطَاش التي قد أصابها الهيام، وهو داء تشرب منه ولا تَروَى، وهو جمع أَهيَم، وأصله "هيْم" بضم الهاء كأحمر وحُمر، ثم قلبوا الضمة كسرة لأجل الياء فقالوا: "هِيْم". وأما قراءة الكسر فوجْهُها أنه شَبَّه مشروبهم بمشروب الإبل الهِيْم في كثرته وعدم الرِّي به، والله أعلم.
عاد كلامه، قال: "فإن قيل: فإن الفهم والعقل والوهم والظن، مصادر وليست مما ذكرتَ، وقد جُمِعتْ، فقالوا: أفهام وأوهام وعقول؟.
قيل: هذه مصادر في أصل وضعها، ولكنها قد أجريت مَجْرى الأسماء، حيث صارت عبارة عن صِفات لازمة وعن حاسَّة باطنة (١) كالبصر؛ ألا ترى أنك إذا قلت: "عَقَلت البعير عَقْلًا"، لم يَجُز في هذا المصدر الجمع، فإذا أردت به المعنى الذي اسْتُعير له -وهو عقل الإنسان- جاز جمعه؛ إذ صار للإنسان كأنه حاسة [باطنة] (٢) كالبصر، ألا ترى أن "البصر" حيثما ورد في القرآن مجموع، والسمع غير مجموع في أجود الكلام، لبقاء السمع على أصله من بناء المصادر الثلاثية، ولكون البصر على وزن "فَعَل" كالأسماء، ولأنه يراد به الحاسة، وقد يجوز في السمع -على ضعف- أن تجمعه إذا أردت به الحاسة دون المصدر، كما تجمع الفهم على أفهام، ولكن لا يكون (٣) ذلك إلا بشرط، وهو أن تكون الأفهام أو الأسماع ونحوها مضافة إلى جَمْع، نحو: "أفهام القوم" و"أسماع الزيدين"، ولو كان
стр. 633
هذا الجمع إنما هو لاختلاف أنواع المصدر، لما جازَ أن تقول: "عرفت أفهامَ القوم في هذه المسألة"، و"عرفت علومهم"؛ لأن الصفة لا تختلف عند اتحاد متعلقها، بل هي متماثلة وإن اختلفت محالها، فعِلْم زيد وعلم عَمرو، إذا تعلَّقا بشيء واحد فهما مثلان، وعلم زيد بشيء واحد وعلمه بشيء آخر مختلفان لاختلاف المعلومَيْن.
والمقصود: أنَّ الأفهام والعقول لم تجمع لاختلاف أنواعها، لأنها قد تجمع حيث لا تختلف وهي (١) عند اتفاق أفهام على مفهوم واحد، وتجيء مفردةً عند اختلافها نحو: فهم زيد بالحساب والنحو، وغيرهما، لا يقال فيه: "عرفت أفهام زيد بالعلوم"، ولكن تقول: [عرفت] فهم زيد، بالإفراد مع اختلاف متعلَّقه، واختلاف متعلَّقه يوجب اختلافه.
وإذا ثبت هذا؛ فلم يجمع "الفَهْم" على "أَفْهام" إلا من حيث كان بمنزلة حاسة باطِنة للإنسان، فإذا أُضِيف إلى أكثرين (٢) جُمع، وإذا أضيف إلى واحِدٍ لم يُجْمع؛ لأنه كالحاسة الواحدة، وإن كان في أصله مصدرًا، فربَّ مصدر أخري مجرى الأسماء، كـ "ضَيْف وضيوف" (٣)، وعَدْل وعدول، وصَيْد وصيود.
وأما "رؤية العين" فليست الهاء فيها للتحديد، بل [هي] لتأنيث الصفة؛ كالكُدْرة (٤) والصّفرة والحُمْرة، وكان الأصل فيها "رأيًا"،
стр. 634
ولكنهم إنما يستعملون هذا الأصل مضافا إلى العين، نحو قوله تعالى: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] فإذا لم تُضَف استُعمل في الرأي المعقول، واستُعملت الرؤية في المعنى الآخر للفرق.
وأما "الظن" فمصدر لا يُثنَّى ولا يُجمع إلا أن تريد به الأمور المظنونة، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ [الأحزاب: ١٠] أي: تظنون أشياء كاذبة، فالظنون -على هذا- مفعول مطلق، لا عبارة عن الظن الذي هو المصدر في الأصل. والله أعلم.
فائدة (١)
"سحَر" على قسمين:
أحدهما: يُرَاد به سَحَر يوم بعينه معرفةً كان اليومُ أو نكرة، وهو في هذا ظرف غير منوَّن بشرط أن يكون اليوم ظرفا لا فاعلا ولا مفعولا، وفيه وجهان:
أحدهما: أن تعريفه لما فيه من معنى الإضافة، فإنك تريد: سَحَر ذلك اليوم، فحذف التنوين منه كما حذف في "أَجْمَع" و"أَكْتع" لما كان مضافا في المعنى.
والوجه الثاني: وهو اختيار سيبويه أن تعريفه باللام المقدرة، كأنك حين ذكرتَ يوما قبله وجعلته ظرفا، ثم ذكرت "سحر" فكأنك أردت: السَّحَر الذي من ذلك اليوم، فاستغنيت عن "الألف واللام" يذكر اليوم.
وهذا القول أصح للفرق الذي (٢) بين "سحر" (ظ/٩٧ أ) وبين
стр. 635
"أجمع"، فإن "أجمع" توكيد بمنزلة: "كله" و"نفسه"، فهو مضاف في المعنى إلى ضمير المؤكَّد، واستغنى عن إظهار الضمير بذكر المؤكد؛ لأن "الجمع" لا يكون إلا تابعا له، ولا يكون مخبرا عنه بحال، وليس كذلك "السحر"؛ لأنه بمنزلة "الفرس" و"الجمل" فإن أضفتَه لم يكن بدٌّ من إظهار المضاف إليه، وإنما هو معرف باللام، كما قال سيبويه. وهذا كله لما كان اليوم ظرفا لا مفعولا، فلو قلت: كرهت يوم السبت سحرَهُ، كان بدلا كما تقول: أكلت الشاة رأْسَها.
فإن قيل: فهلا قلتم: إنه يدل إذا كان ما قبله ظرفًا أيضًا؛ لأنه بعض اليوم، فيكون بدل البعض من الكل، كما كان ذلك إذا كان اليوم مفعولاً؟.
قيل: الفرق بينهما أن البدل يعتمد عليه ويكون المبدل منه في حكم الطرح، ويكون الفعلُ مخصوصا بالبدل بعدما كان عمومًا في المبْدَل منه، فإذا قلت: "أكلتُ السمكةَ رأسَها"، لم يتناول الأكل إلا رأسها، وخرج سائرها من أن يكون مأكولا، وليس كذلك: "خرجت يومَ الجمعة سحر"؛ لأن الظرفَ مقدر بـ "في" وجَعْل "سحر" ظرفا لا يخرج اليومَ عن أن يكون ظرفا أيضًا، بل يبقى على حاله؛ لأنه ليس من شرط الظرف أن يملأه ما يوضع فيه، فالكلام معتمد عليه، كما كان قبل ذكر "سحر". نعم، وما هو أوسع من اليوم في المعنى، نحو: الشهر والعام الذي فيه ذكر اليوم، وما هو أوسع من العام كالزمان، كلّ وأحد من هذه ظرف للفعل الذي وقع في "سحر". [وتخصيصك سَحَر] (١) بالذكر لا يخرج شيئا منها أن يكون ظرفا