(ق/١٣٦ أ) معنى قولهم: "إنها حال مؤكدة" فافهمه. والمعنى: أنه لا يكون إلا على هذه الصفة، وهي مقررة لمضمون الجملة، فإن كونه مصدقًا للحق المعلوم الثابت، مقرِّرٌ ومؤكِّدٌ ومبينٌ لكونه حقًا في نفسه.
وأما قوله: "إنها حال من المجرور في قوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة:] والمعنى: يكفرون به مصدقًا لما معهم"، فهذا المعنى وإن كان صحيحًا لكن ليس هو معنى الحال في القرآن حيث وقعت بهذا المعنى، وهب أن هذا يمكن دعواه في هذا الموطن، فكيف يقول في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر: ٣١] والكلام والنظم واحد!!.
وأيضًا فالمعنى مع جَعْل (١) ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالاً من قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أبلغ وأكمل منه إذا جُعِل حالاً من المجرور، فإنه إذا جُعِل حالاً من المجرور يكون الإنكار قد توجَّه عليهم في كفرهم به، حالَ كونه مصدقًا لما معهم، وحالَ كونه حقًّا، فيكونان حالًا من المجرور، أي: يكفرون به في هذه الحال وهذه الحال، وإذا جعِل حالاً من مضمون قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾، كان المعنى: يكفرون به حال كونه حقًّا مصدِّقًا لما معهم، فكفروا به في أعظم أحواله المستلزمة للتصديق والإيمان به، وهو اجتماع كونه حقًا في نفسه وتصديقه لما معهم، فالكفر به عند اجتماع الوصفين فيه يكون أغلظ وأقبح، وهذا المعنى والمبالغة لا تجده فيما إذا قيل: يكفرون به حالَ كونه حقًا، وحالَ كونه مصدقًا لما معهم. فتأمله فإنه بديع جدًّا، فصحَّ قولُ النحاة والمفسرين في الآية، والله أعلم.
стр. 667
فائدة (١)
قولهم: "هذا بُسْرًا أطيبُ منه رُطَبًا"، فيها عشرة أسئلة.
أحدها: ما جِهة انتصابِ "بُسرًا ورُطبًا"، أعلى الحال أم على خبر كان؟.
الثاني: إذا كانا حالين، فما هو صاحبهما؟.
الثالث: ما العامل في الحالين، هل هو أفعل التفضيل، أم اسم الإشارة، أو غير ذلك؟.
الرابع: أنكم إذا جعلتم العاملَ أفعل التفضيل، لزمَ تقديم معمول أفعل التفضيل عليه، والاتفاق واقع على امتناع: "زيد منك أحسن"، وإذا لم يتقدم "منك" لم يتقدم الحال.
الخامس: متى يجوز أن يعمل العامل الواحد في حالين، ومتى لا يجوز، وما (ظ/١٠٣ ب) ضابط ذلك؟.
السادس: هل يجور التقديم والتأخير في الحالين جميعًا أم لا؟.
السابع: كيف تصورت الحال في غير المشتق؟.
الثامن: إلى أيِّ شيءِ وقعت الإشارة (ق/١٣٦ ب) بقولهم: "هذا ... "؟.
стр. 668
التاسع: هلا قلتم: إن بسرًا ورطبًا منصوب على خبر "كان" وتخلَّصتم من هذا كلِّه؟.
العاشر: هل يُشترط في هذه المسألة أن يكون الاسمان المنصوبان اسمين لشيء واحد باعتبار صفتين، أو يجوز أن يقع بين شيئين مختلفين، نحو: هذا بُسرًا أطيبُ منه عِنَبًا؟.
* فالجواب عن هذه المسائل.
أما السؤال الأول: فجهة انتصابه على الحال (١) في أصحَّ القولين، وهو اختيار سيبويه ومحقِّقي أصحابِه، خلافًا لمن زعمَ أنه خبر "كان"، وسيأتي إبطاله فى جواب السؤال التاسع، وإنما جعله سيبويه حالاً؛ لأن المعنى عليه، فإن: المخبر إنما يفضله على نفسه باعتبار حالين (٢) من أحواله، ولولا ذلك لما صح تفضيل الشيءِ على نفسِه، فالتفضيل إنما صحَّ باعتبار الحالين فيه، فكان جهة انتصابهما علي الحال لوجود شروط الحال، وسيأتي الكلام على شرط الاشتقاق، فلما كان هذا الباب لا يُذْكر إلا لتفضيل شيءٍ فى زمانٍ أو على حالٍ، على نفسه في زمان أو على خبرٍ على حال أخرى؛ وسائر وجوه النصب متعذرة فيه إلا الحال، أو كونه خبرًا "لكان"، وسيأتي بطلان الثاني = فيتعين أن يكون حالاً.
فإنَّ قلت: فهلا جعلته تمييزاً؟.
قلت: يأبى ذلك أنه ليس من قِسْميَ التمييز، فإنه ليس من المقادير المنتصبة عن تمام الاسم، ولا من التمييز المنتصب عن تمام الجملة،
стр. 669
فلا يصح أن يكون تمييزًا.
فصل (١)
وأما السؤال الثاني: وهو ما هو صاحب الحال هاهنا، فجوابه أنه الاسم المضمر في "أُطْيب" الذي هو راجع إلى المبتدأ من خبره، "فبُسْرًا" حال من ذلك الضمير، و"رُطَبًا" حال من الضمير المجرور بمن، وإن (٢) كان المجرور بمن هو المرفوع المستتر في "أَطْيب" من جهة المعنى، ولكنه ينزَّل منزلةَ الأجنبي، ألا ترى أنك لو قلتَ: "زيد قائمًا أخطب من عَمْرو قاعدًا"، لكان "قاعدًا" حال من الاسم المخفوض بمن -وهو عمرو- فكذلك "رطبًا" حال من الاسم المجرور بـ "من".
هذا قول جماعةٍ من البصريين، وقال أبو علي الفارسي: صاحب الحالين الضمير المستكِنّ في "كان" المقدَّرة التامة، وأصل المسألة: هذا إذا كان، أي وجد بسرًا أطيب منه إذا كان، أي وجد رطبًا، فبسرًا (٣) ورطبًا حالان من الضمير المستكِنّ في "كان".
وهذان القولان مبنيان على المسألة الثالثة: وهو ما هو العامل في هذه الحال؟ وفيه أربعة أقوال:
أحدها: أنه ما في "أطيب" من معنى الفعل؛ لأنك تريد أن طيبه في حال البُسْرية يزيد على طِيْبه في حال الرُّطبية، فالطيب أمر واقع في هذه الحال.
стр. 670
والقول الثاني: أن العامل فيها "كان" التامَّة المقدَّرة، وهذا اختيار أبي علي.
والقول الثالث: (ق/١٣٧ أ) أن العاملَ فيها ما في اسم الإشارة من [معنى] (١) الفعل، أي: أُشير إليه بُسْرًا.
والقول الرابع: أنه ما في حرف التنبيه من معنى الفعل.
والمختار القول الأول: أن العامل فيها ما في "أطيب" من معني الفعل (٢)، وإنما اخترناه لوجوه:
أحدها: أنهم متفقون (٣) على جواز: "زيد قائمًا أحسن منه راكبًا"، و"ثمرة نخلتي (ظ/ ١٠٤ أ) بُسرًا أطيب منها رُطَبًا"، والمعنى في هذا كالمعنى في الأول سواء، وهو تفضيل الشيءِ على نفسه باعتبار حالين، فانتفى اسم الإشارة وحرف التنبيه، ودار الأمر بين القولين الباقين: أن يكون العامل "كان" مقدَّرة أو "أطيب"، والقول بإضمار "كان" ضعيفٌ، فإنها لا تُضْمَر إلا حيث كان في الكلام دليل عليها، نحو قولهم: "إنْ خيرًا فخيبر"، وبابه؛ لأن الكلام هناك لا يتم إلا بإضمارها بخلاف هذا. وأيضًا فإن "كان" الزمانية ليس المقصود منها الحدث، وإنما هي عبارة عن الزمانِ، والزمانُ لا يُضْمَر، وإنما يُضْمَر الحدَث إذا كان في الكلام ما يدلُّ عليه، وليس في الكلام ما يدلُّ على الزمانٍ الذي يقيَّد به الحَدَث، إلا أن يلفظ به، فإن لم يلفظ به لم يُعْقل.
стр. 671
فإن قلت: فمن هاهنا قالوا: إن "كان" هاهنا تامة غير ناقصة، بل قد خلعوا منها الدلالة على الزمان، وجرَّدوها لنفس الحَدَث.
قلت: هذا كلام من لم يحصِّل معنى "كان" التامة والناقصة كما ينبغي، فإن كان الناقصة والتامة يرجعانِ إلى أصل واحد، ولا يجوز إضمار واحد منهما، وكشف ذلك يطُوْل، لكن نشير إلى بعضه، وهو: أن القائل إذا قال: "كان برد وكان مطر"، فهو بمنزلةِ: "وَقَع وحَدَث" وغيرهما من الأفعال اللازمة والزمان [جزء] (١) مدلول الفعل، فلا يجوز أن يخلعه ويجرّد عنه وإنما الذي خلِع من "كان" التامة اقتضاؤها خبرًا يُقارن زمانَها، وبقيت تقتضيه مرفوعًا يقارن زمانها كما كان يقارنه الخبر فلا فرقَ بينهما أصلاً، فإن الزمان الذي كان الخبر يقترن به هو بعينه الزمان الذي اقترن به مرفوعها، وينزل مرفوعها في تمامها به منزلةَ خيرها إذا كانت ناقصة، فتأمل هذا السر الذي أغفله كثيرٌ من النحاة!.
ويُبْطل هذا المذهب أيضًا شيءٌ آخر، وهو: كثرة الإضمار، فإن القائل به يضمر ثلاثة أشياء: "إذا" والفعل والضمير، وهذا تعدٍّ لطور الإضمار وقول بما لا دليلَ عليه.
الوجه الثاني: من وجوه الترجيح أنَّ العاملَ في الحال لو كان معنى الإشارة؛ لكانت الإشارة إلى الحال لا إلى الجوهر وهذا باطل، فإنه إنما يُشير إلى ذات الجوهر، ولهذا يصح إشارته إليه وإن لم يكن على تلك الحال، كلما إذا أشار إلى تمر يابس، وقال: "هذا بُسرًا أطيبُ منه رطبًا"، فإنه يصح، ولو كان العامل في الحال (ق/١٣٧ ب)
стр. 672
هو الإشارة لم تصح المسألة.
الوجه الثالث: أنه لو كان العامل معنى الإشارة لوجب أن يكون الخبر عن الذات مطلقًا؛ لأن تقييد المشار إليه باعتبار الإشارة إذا كان مبتدأً لا يوجب تقييد (١) خبره إذا أخبرتَ عنه، ولهذا تقول: "هذا ضاحكًا أبي"، فالإخبار عنه بالأبوَّة غير مقيد بحال ضحكه بل التقييد للإشارة فقط، والإخبار بالأبوة وقعَ مطلقًا عن الذات، فاعْتَصِمْ بهذا الموضع، فإنه ينفعك في كثير من المواضع، وإذا عُرِف هذا وجب أن يكون الخبر بـ "أطيب" وقعَ عن المشار إليه مطلقًا.
الوجه الرابع: أن العامل لو لم يكن هو "أطيب" لم تكن الأطيبية مقيدة بالبُسْرية، بل تكون مُطْلقة، وإذا لم تكن مقيَّدة فسد المعني، لأن الغرض تقييد الأطيبية (ظ/ ١٠٤ ب) بالبُسرية مفضَّلة على الرُّطَبية، وهذا معنى العامل، وإذا ثبت أن الأطيبية مقيدة بالبسرية وجبَ أن يكون "بُسرًا" معمولاً في "أطيب".
فإن قلت: فلأجل هذا قدرنا الظرف المقيد حتى يستقيم المعني، وقلنا: تقديره: "هذا إذا كان بسرًا أطيب منه إذا كان رطبًا"، أي: هذا في وقت بُسْريته أطيب منه في وقت رُطَبيته.
قلت: هذا يحتاج إليه إذا لم يكن في اللفظ ما يغني عنه ويقوم مقامه، فأما إذا كان مَعَنا ما يغني عنه، فلا وجهَ لتكلُّف إضماره وتقديره.
فإن قلت: لو كان العامل هو "أطيب" لزم منه المحال، لأنه يستلزم تقييده بحالين مختلفين، وهذا ممتنع.
стр. 673
قلت: الجواب عن هذا: أن العامل في الحالين وصاحبهما متعدِّد ليس متحدًا، أما العامل في الحال الأولى، فهو ما في "أطيب" من معنى الفعل؛ لأنك إذا قلت: "هذا أطيبُ من هذا" تريدُ: أنه طاب وزاد طِيْبُه عليه، والطيبُ أمرٌ ثابت له في حال البُسْرية. قال سيبويه (١): "هذا باب ما يُنْصَب من الأسماء على أنها أحوال وقعت فيها الأمور".
وأما الحال الثانية وهي "رطبًا" فالعامل فيها معنى الفعل الذي هو متعلَّق الجار في قولك: "منه"، فإنَّ "منه" متعلِّق بمعنى غير الطيب؛ لأن "طاب يطيب" لا يتعدى بمن، ولكن صِيْغة الفعل (٢) تقتضي التفضيل بين شيئين مشتركين في صفةٍ واحدة، إلا أن أحدهما متميز من الآخر منفصل منه بزيادة في تلك الصفة، فمعنى التميز والانفصال الذي تضمنه أفعل هو الذي تعلق به حرف الجر، وهو الذي يعمل في الحال الثانية، كما عمل معنى الفعل الذي تعلق به حرف الجر من قولك: "زيد في الدار قائمًا" في الحال التي هي "قائمًا".
فإنَّ قلت: فهلَاّ أَعْمَلْت فيهما جميعًا ما في "أطيب" من معنى الطيب (٣).
قلت: يستلزمه (٤) المحال المذكور؛ لأن الفعل الواحد لا (ق/ ١٣٨ أ) يقع في حالين كما لا يقع في ظرفين، لا تقول: "زيد قائم يوم الجمعة يوم الخميس"، ولا: "جالس خلفك أمامك"، فإذا قلت:
стр. 674
"زيد يوم الجمعة أطيب منه يوم الخميس"، جازَ؛ لأن العامل في أحد اليومين غير العامل في اليوم الثاني؛ لأنك فضَّلْتَ حين قلت: "أطيب" أو "أصح" أو "أقوم" صحةً وقيامًا على صِحَّةٍ أُخرى وقيام آخر، وفضلت حالاً من حالٍ بمزية وزيادة، وكذلك حين قلت: "هذَا بُسْرًا أطيب منه رطبًا"، ولا يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين ولا ظرفين، إلا أن يتداخلا، ويصح الجمع بينهما، نحو قولك. "زيد مسافر يومَ الخميس ضَحْوةً"، لأن الضحوة داخلة في اليوم، وكذلك: "سِرْت راكبًا مسرعًا" لدخول الإسراع في السير وتضْمُّنِه له، ولو قلت: "سِرْت مسرعًا مبطئًا"، لم يجز؛ لاستحالة الجمع بينهما إلا على تقدير الواو، أي: مسرعًا تارة ومبطئًا أخرى، وكذلك: "بسرًا ورطبًا" يستحيل أن يعمل فيهما عامل واحد، لأنهما غير متداخِلَيْن هذا هو الجواب الصحيح عندي.
وأجاب طائفةٌ بأن قالوا: أفعل التفضيل في قوة فعلين؛ لأن معناه: حَسُن وزاد حُسْنه، وطاب (١) وزادَ طِيْبه، وإذا كان في قوة فعلين، فهو عامل في "بُسرًا" باعتبار حَسُن وطاب، وفي "رطبًا" باعتبار زادَ، حتى لو فككت (٢) ذلك لقلت: هذا زادَ بُسْرًا في الطيب على طيبه في حال كونه رطبًا، (ظ/١٠٥ أ) فاستقام المعنى المطلوب، وهذا جواب حَسَن، والأول أمتن، فتأملهما.
فصل
وأما السؤال الرابع: وهو تقديم معمول أفعل التفضيل عليه،
стр. 675
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: لا نسلم امتناع تقديم معموله عليه، وقولكم الاتفاق واقع على امتناع: "زيد منك أحسن"، غير صحيح، لا اتفاق في ذلك، بل قد جَوَّر بعض النحاة ذلك واستدل عليه بقول الشاعر (١):
* جَنَى النحلِ أو ما زوَّدَتْ منه أَطْيبُ *
قال هؤلاء: وأفعل التفضيل لما كان في قوة فعلين جاز تقديم معموله عليه. قالوا: وتقديمه أقوى من قولك: "أنا لك محب"، و"فيك راغب"، و"عندك مقيم"، ولاستقصاء الحجج في هذه المسألة موضع آخر.
الوجه الثاني: سلَّمنا امتناع تقديم معموله عليه، ولا يقال: "زيد منك أحسن"، فهذا الأمر يختص بقولهم: "منك" لا يتعدى إلى الحال والظرف، وذلك لأن "منك" في معنى المضاف إليه، بدليل أن قولهم: "زيد أحسن منك"، بمنزلة: "زيد أحسن الناس" في قيام أحدهما مقام الآخر، وأنهم لا يجمعون بينهما، فلما قام المضاف إليه مقامه، لكونه (ق/ ١٣٨ ب) المفضل عليه في المعنى، كرهوا تقديمه على المضاف لأنه خلاف لغتهم، فلا يلزم من امتناع تقديم معمولٍ هو كالمضاف إليه امتناع تقديم معمول ليس كهو، وهذا بين.
وجواب ثالث: وهو أنهم إذا فضلوا الشيءَ على نفسه باعتبار حالين فلا بد من تقدُّم أحدهما على العامل، وإن كان مما لا يسوغ
стр. 676
تقديمه لو لم يكن كذلك، فإذا فضلوا ذاتين باعتبار حالين، قدَّموا أحمدهما على العامل وأخَّروا الآخر عنه، فقالوا: "زيد قائمًا أحسن منه (١) قاعدًا"، وكذلك في التشبيه أيضًا يقولون: "زيد قائمًا كعَمْرو قاعدًا"، وإذا جاز تقديم هذا المعمول على "الكاف" التي هي أبعد في العمل من باب أحسن، فتقديم (٢) معمول "أحسن" أجدر، والغرض هنا بهذا الكلام تفضيل هذه "التمرة" في حال كونها "بُسرًا" عبيها في حال كونها "رطبًا".
فصل
وأما السؤال الخامس: وهو متى يجوز أن يعمل العامل الواحد في حالين؟ فقد فرغنا من جوابه فيما تقدم، وأن ذلك يجوز إذا كانت إحدى الحالين متضمنة للأخرى، نحو: "جاء زيد راكبًا مسرعًا"، وكذلك يعمل في الظرفين إذا تضمَّن أحدُهما الآخر، نحو: "سِرْتُ يوم الخميس بُكرة".
فصل
وأما السؤال السادس: وهو هل يجوز التقديم والتأخير في الحالين أم لا؟.
فالجواب عنه: أن الحال الأولى يجوز فيها ذلك، لأن العامل فيها لفظي، وهو ما في "أطيب" من معنى الفعل، فلك أن تقول: "هذا بسْرًا أطيبُ منه رُطَبًا"، وأن تقول: "هذا أطيب بسرًا منه رطبًا"، وهو الأصل.
стр. 677
فإن قلت: إذا كان هذا هو الأصل، فلِمَ مثلَّ سيبويه (١) بها مقدمة، وكان ذلك أحسن عنده من أن يؤخرها؟.
قلت: كأنه أراد تأكيد معنى الحال فيها؛ لأنه ترجم عن (٢) الحال، فلو أخرها لأشبهت التمييز؛ لأنك إذا قلت: "هذا الرجل أطيب بسرًا من فلان "، فبسرًا -لا محالة- تمييز، وإذا قدمت "بسرًا" على "أطيب من كذا" فبسرًا -لا محالة- حال، ولا يصح أن يُخْبر بهذا الكلام عن رجل ولا عن شيءٍ سوى التمر وما هو في معناه. فإذا قلت: "هذا [أطيب] بسرًا"، احتمل الكلام قيل تمامه وقبل النظر (ظ / ١٠٥ ب) في قرائن أحواله أن يكون "بُسرًا" تمييزًا، وأن يكون حالاً، وبينهما في المعنى فرقٌ عظيم، فاقتضى تَحْصِين المعنى والحرص على البيان للمراد تقديم الحال الأولى على عاملها، ولو أخرت لجاز.
وأما الحال الثانية: فلا سبيل إلى تقديمها على عاملها لأنه معنوي، (ق / ١٣٩ أ) والعامل المعنوي لا يُتَصور تقديم معموله عليه؛ لأن العامل اللفظي إذا تقدم عليه منصوبه الذي حقه التأخير، قلت فيه: مقدَّم في اللفظ مؤخَّر في المعنى، فقسمت العبارة بين اللفظ والمعنى (٣)، فإذا لم يكن للعامل وجود في اللفظ لم (٤) يتصور تقديم المعمول عليه؛ لأنه لابد من تأخير المعمول على عامله في المعنى، فلا يوجد إلا بعدَه وعامله متقدِّم عليه، لأنه مَنْويّ غير ملفوظ به، فلا
стр. 678
تذهب النية والوهم إلى غير موضعه، بخلاف اللفظي فإن محل اللفظ اللسان ومحل المعني القلب، فإذا ذهب اللسان باللفظ إلى غير موضعه (١)، لم يذهب القلب بالمعنى إلا إلى موضعه، وهو التقديم.
فصل
وأما السؤال السابع: وهو كيف (٢) يتصور الحال في غير المشتق؟.
فاعلم أنه ليس لاشتراط الاشتقاق حجة، ولا يقوم على هذا الشرط دليل، ولهذا كان الحُذَّاق من النحاة على أنه لا يشترط، بل كلُّ ما دلَّ على هيئةٍ صحَّ أن يقع حالاً، فلا يشترط فيها إلا أن تكون دالة على معنى متحول، ولهذا سميت حالاً كما قال:
لَوْ لم تَحُلْ ما سُمِّيَتْ حالا ... وكلُّ ما حالَ فَقَد زالا
فإذا كان صاحبُ الحال قد أوقع الفعلَ فى صفةٍ غير لازمةٍ للفعل، فلا تُبال أكانت مشتقة أم غير مشتقة؛ فقد جاء فى الحديث: "يتمثَّلُ لي الملكُ رَجُلاً" (٣) فوقع "رجلاً" هنا حالاً؛ لأن صورة الرجليَّة طارئة على الملَك فى حال التمثُّل، وليست لازمة للملَك إلا في وقت وقوع الفعل: منه وهو التمثل، فهي إذًا حال؛ لأنه قد تحول: إليها، ومثله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] ومثله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، ومثله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا﴾ [مريم: ١٧]، ويقولون: "مررتُ بهذا العودِ شَجَرًا ثم مررتُ به رَمَادًا"، و"هذا زيد أسدًا"، وتأويل هذا كلَّه بأنه معمول الحال، والتقدير: يُشْبِه، بعيدٌ
стр. 679
جدًّا، وكذا تأويل ذلك كله (١) بمشتقّ تعسُّف ظاهر، والتحقيقُ ما تقدَّم، وأنها كلها أحوال، وإن كانت جامدة؛ لأنها صفات يتحول الفاعل إليها، وليس يلزم في الصفات أن تكون كلها فِعْلية، بل منها نفسيَّة ومعنويَّة وعدمِيَّة، وهي صفة النفي، وإضافية وفعلية، ولا يكون من جميعها حالاً إلا ما كان الفعلُ واقعًا فيه وجاز خُلُوه عنها، فأما ما كان لازمًا للاسم مما لا يجوز خلوه (ق/١٣٩ ب) عنه، فلا يكون حالاً منتصبة بالفعل، نحو قولك: قرشي، وعربى، وحبشي، وابن، وبنت، وأخ، وأخت، فكلُّ هذه لا يُتَصوَّر وقوعها أحوالاً؛ لأنها لا تتحوَّل.
فصل
وأما السؤال الثامن: وهو إلى أيِّ شيءٍ وقعت الإشارة بقولك: هذا؟.
فالجواب: أن متعلَّق الإشارة هو الشيء الذي تتعاقب عليه هذه الأحوال، وهو ما تخرجه النخل من أكمامها فيكون بَلَحًا، ثم يكون سَيَابًا، ثم جَدَالاً (٢)، ثم بُسرًا إلى أن يكون رُطَبًا، فمتعلَّق الإشارة المحل الحامل لهذه الأوصاف، فالإشارة إلى شيءٍ ثالث غير البسر والرطب، وهو حامل البسريَّة والرطبيَّة (ظ/ ١٠٦ أ)، وقد عرفت بهذا أنه لا ينبغي تخصيص الإشارة بقولهم: إنها إلى البلح أو الطلع أو الجَدَال، كلُّ ذلك تمثيل، والتحقيقُ: أن الإشارة إلى الحقيقة الحاملة لهذه الصفات والذي يدلك على هذا أنك تقول: "زيد قائمًا أخطب
стр. 680
منه قاعدًا"، وقال عبد الله بن سلام لعثمان: "أنا خارجًا أنفع لك مني داخلًا"، فلا إشارةَ ولا مُشَار هنا، وإنما هو إخبار عن الاسم الحامل للصفات التي منها القيام والقعود، ولا يصحُّ أن يكون متعلَّق الإشارة صفة البُسرية ولا الجوهر يقيد تلك الصفة، لأنك لو أشرت إلى البسرية وكان الجوهر يُقيدها، لم يصح تقييده بحال الرُّطبية، فتأمله، فلم يبق إلا أن تكون الإشارة (١) إلى الجوهر الذي تتعاقب عليه الأحوال، وقد تبين لك بطلان قول من زعم أن متعلَّق الإشارة في هذا هو العامل في "بسرًا"، فإن العامل فيها إما ما تضمنه "أطيب" من الفعل، وإما "كان" المقدَّرة، وكلاهما لا يصح تعلُّق الإشارة به.
فصل
وأما السؤال التاسع: وهو قوله: هلا قلتم: إنه منصوب على أنه خبر كان؟.
فجوابه: أن "كان" لو أُضْمِرت لأضمر ثلاثة أشياء: الظرف الذي هو "إذا" وفعل "كان": ومرفوعها، وهذا لا نظير له إلا حيث يدلُّ عليه الدليل، وقد تقدم ذلك، وقد منع سيبويه من إضمار "كان" فقال (٢): "لو قلت: عبدَ الله المقتولَ، تُرِيد: [كن] (٣) عبدَ الله المقتول، لم يَجُز"، وقد تقدم ما يدل على (٤) امتناع إضمار "كان"، فلا نطوِّل بإعادته، وإذا لم يجز إضمار كان على (٥) انفرادها فكيف يجوز إضمار
стр. 681
"إذ" و"إذا" معها!! وأنت لو قلت: "آتيك جاء زيد" تريد: إذا جاء زيد، كان خَلْفًا من الكلام بإجماع، وإذا كان كذلك كان الإضمار من هذا الموطن أبعد؛ لأنه لا (ق/ ١٤٠ أ) يُدرى هاهنا "إذ" تريد أم "إذا"؟ وفي قولك "سآتيك" لا يحتمل إلا أحدهما، بخلاف قولك: "زيد قائمًا أخطب منه قاعدًا"، وإذا بَعُد كل البعد إضمار الظرف هاهنا فاضماره مع "كان" أبعد، ومن قدَّره (١) من النحاة، فإنما أشارَ إلى شرح المعنى بضرب من التقريب.
فإنَّ قيل: الذي يدلُّ على أنه لابُد من إضمار "كان": أن هذا الكلام لا يُذكر إلا لتفضيل شيءٍ في زمان من أزمانه على نفسه في زمان آخر، ويجوز أن يكون الزمان المفضَّل فيه ماضيًا وأن يكون مستقبلًا، ولابدَّ من إضمار ما يدل على المراد منهما، فيضمر للماضي "إذ" (٢)، وللمستقبل "إذا"، و"إذ" (٣) و"إذا" يطلبان الفعل، وأعم الأفعال وأشملها فعل الكَوْن الشامل لكلِّ كائن، ولهذا كثيرًا ما يضمرونه، فلابدَّ من فعل يُضاف إليه الظرف، لاستحالة أن تقول: "هذا إذ بُسرًا أطيب منه إذ رطبًا"، فتعين إضمار "كان" لتصحيح الكلام.
قيل: هذا السؤال إنما يلزم إذا أضمرنا الظرف، وإما إذا لم نُضْمره لم نحتج إلى"كان ويكون". وأما قولكم: إنه يفضل الشيءَ على نفسِه باعتبار زمانين، و"إذ وإذا" للزمان؛ فجوابه: أن في التصريح بالحالين المفضل أحدهما على الآخر غُنْية عن ذِكْر الزمان وتقدير إضماره.
стр. 682
ألا ترى أنك إذا قلت: "هذا في حال بُسريَّته أطيب منه في حال رُطَبيته"، استقام الكلام، ولا "إذ" هنا ولا "إذا" لدلالة الحال على مقصود المتكلم من التفضيل (١) باعتبار الوقتين، وكذلك تقوك: "هذا في حال شبوبيته أعقل منه في حال شيخوخته"، ونظائر ذلك مما يصح فيه التفضيل باعتبار زمانين، من غير ذكر ظرف ولا تقديره، فافهمه.
فصل
وأما (ظ/١٠٦ ب) السؤال العاشر: وهو أنه هل يشترط اتحاد المفضَّل والمفضَّل عليه بالحقيقة؟.
فجوابها: أن وضعها كذلك، ولا يجوز أن يقال: "هذا بُسرًا أطيب منه عنبًا"؛ لأن وضع هذا الباب لتفضيل الشيءِ على نفسه باعتبارين وفي زمانين. قال الأخفش: كلُّ ما لا يتحول إلى شيء فهو رفع، نحو: "هذا بُسر أطيب منه عنب"، فـ "أطيب" مبتدأ و"عنب" خبره، وفي هذا التركيب إشكال، وتوجيهه: أن الكلامَ. جملتان إحداهما: قولك: "هذا بسر". والثانية: قولك: "أطيب منه عنب"، والمعنى: "العنب أطيب منه"، فأفدت خبرين؛ أحدهما: أنه بسر، والثاني: أن العنب أطيب منه، ولو قلت: هذا البسر أطيب منه عنب، لاتضحت المسألة (ق/١٤٠ ب) وانكشف معناها، والله أعلم.
فهذا ما في هذه المسألة المشكلة من الأسئلة والمباحث، علَّقتها صيداً لسوانح الخاطر (٢) فيها خشيةَ أن لا يعود، فلْيُسامح الناظرُ فيها،
стр. 683
فإنها عُلِّقت على حين بُعْدي من كتبي، وعدم تمكُّني من مراجعتها، وهكذا غالب هذا التعليق إنما هو صيد خاطر، والله المستعان (١).
* * *
стр. 684
مسألة: "سلام عليكم ورحمة الله" في هذا التسليم ثمانية وعشرون سؤالاً:
السؤال الأول: ما معنى السلام وحقيقته؟.
[السؤال] الثانى: هل هو مصدر أو اسم؟.
السؤال الثالث: هل قول المسلِّم: "سلام عليكم" خير أو إنشاء وطلب؟.
السؤال الرابع: ما معنى السلام (١) المطلوب عند التحيَّة، وإذا كان دعاء وطلبًا، فما الحكمة في طلبه عند التلاقي والمكاتبة دون غيره من المعاني؟.
السؤال الخامس: إذا كان من السلامة، فمعلوم أن الفعل منها لا يتعدَّى بـ "على"، فلا: يقال: سلامة عليك، وسلِمت عليك بكسر اللام، وإنما يقال: سلام لك، كما قال تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة: ٩١].
السؤال السادس: ما الحكمة في الابتداء بالنكرة في السلام، مع كون الخبر جارًّا ومجرورًا؛ وقياس العربية تقديم الخبر في ذلك نحو: "في الدار رجل".
السؤال السابع: لمَ أختصَّ المسلِّم بهذا النظم، والرادُّ بتقديم الجار والمجرور علي السلام (٢)، وهلا كان رده بتقديم السلام
стр. 685
مطابقًا (١) لابتدائه؟.
السؤال الثامن: ما الحكمة في كون سلام المبتدئ بلفظ النكرة، وسلام الراد عليه بلفظ المعرفة؛ وكذلك ما الحكمة في ابتداء السلام في المكاتبة بالنكرة وقي آخرها بالمعرفة، فيقال أولاً: سلام عليكم، وفي انتهاء المكاتبة: والسلام عليكم، وهل هذا التعريف (٢) لأجل العهد وتقدُّم السلام، أو لحكمة سوى ذلك؟.
السؤال التاسع: ما الفائدة في دخول الواو العاطفة في السلام الآخر، فيقول أولاً: سلامٌ عليكم، وفى الانتهاء: والسلامُ عليكم، وعلى أيِّ شيءٍ هذا العطف؟.
السؤال العاشر: ما السرُّ في نصب السلام في تسليم الملائكة ورفعه في تسليم إبراهيم ﵇، وهل هو كما تقول النحاةُ: إن سلام إبراهيم أكمل لتضمنه جملة اسمية دالة على ثبوت، وتضمُّن سلام الملائكة صيغة جملة فعلية دالة على الحدوث؟ أم (٣) لسر غير ذلك؟.
السؤال الحادي عشر: ما السرُّ في نصب السلام من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]، ورفعه من قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]، وما الفرق (ظ/ ١٠٧ أ) بين الموضعين؟.
السؤال الثاني عشر: ما الحكمة في تسليم الله على أنبيائه ورسله؟
стр. 686
والسلام إنما هو طلب السلامة للمسلَّم عليه، فكيف يتصور هذا المعنى في حقِّ الله تعالى؛ وهذا من أهم الأسئلة وأحسنها.
السؤال الثالث عشر: إذا ظهرت حكمة سلامه تعالى عليهم، فما الحكمة في كونه سلَّم عليهم بلفظ النكرة، وشرعَ لعباده أن يسلموا على رسوله (١) بلفظ: المعرفة، فيقولون: "السلامُ عليكَ أيها النبيُّ ورحمة اللهِ وبركاته"، وكذلك سلامهم على أنفسهم وعلى عباد الله الصالحين.
السؤال الرابع عشر: ما السر في تسليم الله على يحيى بلفظ النكرة في قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ [مريم: ١٥]، وتسليم المسيح على نفسه بلفظ المعرفة بقوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣]، وأيُّ السلامين أتم وأعم.
السؤال الخامس عشر: ما الحكمة في تقييد هذين السلامين بهذه الأيام الثلاثة ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ ... ﴾ (٢)، الآية [مريم: ٣٣] مع أن السلام مطلوب في جميع الأوقات، فلو أتى به مطلقًا أَمَا كان أعم؟ فإنَّ هذا التقييد خصَّ السلامَ بهذه الأيام خاصة.
السؤال السادس عشر: ما الحكمة في تسليم النبيِّ ﷺ على من اتَّبَعَ الهدي في كتاب: هِرَقل (٣) بلفظ النكرة، وتسليم موسى على من اتبع الهدى بلفظ المعرفة كما جاء في القرآن، وهلَاّ كان سلام النبيِّ ﷺ بلفظ المعرفة ليطابق القرآن، وما الفرق بينهما؟.
السؤال السابع عشر: قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ
стр. 687
الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] هل هذا سلام من الله تعالى فيكون الكلام قد تضمَّن جملتين طلبيتين، وهي الأمر بقوله (١): ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وخبرية وهي: سلامه تعالى على عباده، وعلى هذا فيكون من باب عطف الخبر على الطلب.
أو هو أمر من الله بالسلام عليهم، وعلى هذا فيكون قد أمر بشيئين؛ أحدهما: قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، والثاني: قوله ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، ويكون كلاهما معمولاً لفعل القول، وأيُّ المعنيين أليق بالآية؟.
السؤال الثامن عشر: روى أبو داود في "سننه" (٢) من حديث أبي جرَيٍّ (٣) الهجَيْمي قال: "أتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فقلت: عليكَ السلام يا رسول الله فقال: "لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ، فإنَّ عَلَيْكَ السَلام تَحيّةُ الموْتَى" قال الترمذي (٤): "حديث صحيح"، وقد صحَّ عنه ﷺ في السلام على الأموات فعلاً وأمرًا: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مؤمنِينَ" (٥)، فما وجه هذا الحديث؟ وكيف الجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة؟.
السؤال التاسع عشر: ما وجه دخول الواو (ق / ١٤١ ب)، في قول النبي ﷺ : "إذَا سَلَّمَ عَلَيكُمْ أهلُ الكِتَابِ فَقْوْلُوا: وَعَلَيْكمْ" (٦) وقد
стр. 688
استشكل كثيرٌ من الناس أمرَ هذه الواو حتى أنكر بعض الحذَّاق (١) أن تكون ثابتة، قال: لأن: الواو في مثل هذا تقتضي تقريرَ الأول وتصديقه، كما إذا قلت: "زيد كاتب" فقال المخاطَب: وفقيه، فإنه يقتضي إثبات الأول وزيادة وصف "فقيه"، فكيف دخلت في هذا الموضع وما وجهها؟.
السؤال العشرون: ما السر في اقتران الرحمة والبركة بالسلام دون غيرهما من الصفات كالمغفرة والبر والإحسان ونحوها؟.
السؤال الحادي والعشرون: لِمَ كانت نهاية السلام عند قوله (٢): "وبركاته" (ظ/١٠٧ ب)، ولم تُشْرَع الزيادة عليه؟.
السؤال الثاني والعشرون: ما الحكمة في إضافة الرحمة والبركة إلى الله تعالى، وتجريد السلام عن هذه الإضافة، ولم لا أُضْيفت كلها أو جُرِّدت كلها؟.
السؤال الثالث والعشرون: ما الحكمة في إفراد السلام والرحمة، وجمع البركة، وهلَّا جُمِعت كلها أو أفردت كلها (٣)؟.
السؤال الرابع والعشرون (٤): ما الحكمة في تأكيد الأمر بالسلام على النبي ﷺ بالمصدر، دون الصلاة في قوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ولم يقل: صلوا صلاة؟.
السؤال الخامس والعشرون: ما الحكمة في تقديم السلام عليه في
стр. 689
الصلاة على الصلاة عليه؟ وهلا وقعت البداءة بالصلاة عليه أولاً، ثم أُتبِعَت بالسلام لتصح (١) البداءة بما بدأ اللهُ به من تقديمِ الصلاةِ على السلام؟.
السؤال السادس والعشرون: ما الحكمة في كون السلام عليه في الصلاة بصيغة خطاب المواجهة، وأما الصلاة عليه فجاءت بصيغة الغيبة لذكره باسم العلم؟.
السؤال السابع والعشرون: -وهو ما جرَّ إليه طَرْدُ الكلام- ما الحكمةُ في كون الثناء على الله ورد بصيغة الغيبة في قولنا: "التحيات لله"، مع أنه سبحانه هو المناجَى المخاطَب الذي يسمع كلامَنا ويرى مكانَنا، وجاء السلام على النبي ﷺ بصيغة الخطاب مع أن الحال كان يقتضي العكس، فما الحكمةُ في ذلك؟.
السؤال الثامن والعشرون: -وهو خاتمة الأسئلة- ما السرُّ في كون السلام خاتمة الصلاة وهلَاّ كان في ابتدائها، وإذا كان كذلك؛ فما السر في مجيئه معَرَّفًا وهلَاّ جاء منكَّرًا؟.
* * *
أما السؤال الأول: وهو ما حقيقة هذه اللفظة؟.
فحقيقتُها البراءةُ والخلاص والنجاة من الشرِّ والعيوب، وعلى هذا المعنى تدور تصاريفُها، فمن ذلك قولك: "سلَّمك الله"، و"سَلِم فلانٌ من الشر"، ومنه دعاءُ المؤمنين على الصراط: "ربِّ سَلِّم اللهم سَلِّم" (٢)،
стр. 690
ومنه: "سَلِمَ الشيءُ (ق/١٤٢ أ) لفلان"، أي: خَلَص له وحده، فخلص من ضرر الشركة فيه، قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] أي: خالصًا له وحدَه لا يملكه معه غيره. ومنه: السّلْم، ضد الحرب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] لأن كل واحد من المتحاربين يَخلص ويَسْلم من أذى الآخر، ولهذا يبنى منه على المفاعلة، فيقال: المسالمة، مثل المشاركة. ومنه: القلب السليم، وهو النقي من الغِلّ والدَّغل والعيب (١)، وحقيقته: الذي قد سلِم لله وحده فخَلَص من دغل الشرك وغِلِّتَه، ودغل الذنوب والمخالفات، بل هو المستقيم على صِدق حبه وحسن معاملته، فهذا هو الذي ضَمِن له النجاة من عذابه والفوز بكرامته، ومنه أُخِذ الإسلام، فإنه من هذه المادة؛ لأنه الاستسلام والانقياد لله والتخلص من شوائب الشرك، فسَلِم لربه وخَلَصْ له، كالعبد الذي سلم لمولاه ليس له فيه شركاءُ متشاكسون، ولهذا ضربَ سبحانه هذين المثلين للمسلم المخلص الخالص لربه والمشرك به.
ومنه: السَّلَم للسَّلَفِ (٢)، وحقيقته: العِوَض المُسْلَم فيه، لأن من هو في ذمته قد ضمن سلامته لربه، ثم سُمِّي العقد: سَلَمًا، وحقيقته ما ذكرناه.
فإنَّ قيل: فهذا ينتقض بقولهم للديغ (ظ / ١٠٨ أ): سليمًا.
قل: ليس هذا بنقضٍ له، بل طرد لما قلناه، فإنهم سموه: سليمًا
стр. 691
باعتبار ما يهمه ويطلبه ويرجو أن يؤول إليه حالُه من السلامة، فليس عنده أهم من السلامة، ولا هو أشد طلبًا منه لغيرها، فسُمِّيَ سليمًا لذلك، وهذا من جنس تسميتهم المَهْلَكة: مَفَازَة؛ لأنه لا شيء أهم عند سالكها من فوزه منها، أي: نجاته، فسُمِّيت: "مفازة" لأنه يطلب الفوز منها (١)، وهذا أحسن من قولهم: إنما سُمِّيت: مفازة، وسُمِّي اللديغ: سليمًا = تفاؤلاً، وإن كان التفاؤل جزء هذا المعنى الذي ذكرناه وداخل فيه، فهو أعم وأحسن.
فإن قيل: فكيف يمكنكم رد السُّلَّم إلى هذا الأصل؟.
قيل: ذلك ظاهر، فإن الصاعدَ إلى مكان مرتفع لما كان متعرِّضا للهُوِيِّ والسقوط، طالبًا للسلامة راجيًا لها، سُميت الآلة التي يتوصل بها إلى غرضه: سُلَّمًا، لتضمنها سلامته، إذ لو صَعِد بتكلُّف (٢) من غير سُلَّم لكان عَطَبه متوقعًا، فصح أن السُّلَّم من هذا المعنى.
ومنه تسمية الجنة: دار السلام، وفي إضافتها إلى السلام ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه. الثاني: أنها إضافة إلى تحية أهلها، فإن تحيتهم فيها "سلام". الثالث: أنها إضافة إلى معنى السلامة، أي: دار السلامة من كل آفة ونقص وشر، والثلاثة متلازمة، وإن كان الثالث أظهرها، فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها، لأُضِيْفت إلى اسم من أسمائه غير السلام، وكان يقال: دار الرحمن، أو: دار (ق/ ١٤٢ ب) الله أو دار المَلِك، ونحو ذلك، فإذا
стр. 692
عهدت إضافتها إليه، ثم جاء "دار السلام" حملت على المعهود وأيضًا فإن المعهود في القرآن إضافتها إلى صفتها أو إلى أهلِها.
أما الأول فنحو: دار القرار، دار الخُلْد، جنة المأوى، جنات النعيم، جنات الفردوس. وأما الثاني: فنحو: دار المتقين ولم يُعهَد إضافتها إلى اسم من: أسماء الله في القرآن، فالأوْلَى حمل الإضافة على المعهود في القرآن.
وكذلك إضافتها إلى التحية ضعيف من وجهين، أحدهما: أن التحية بالسلام مشتركة بين دار الدنيا والآخرة، وما يُضاف إلى (١) الجنة يكون إلا مختصًّا بها، كالخُلْد والقرار والبقاء. الثانى: أن غير التحية من أوصافها أكمل، مثل كونها دائمة، وباقية، ودار خلْد، والتحيةُ فيها عارضة عند التلاقي والتزاور (٢)، بخلاف السلامة من: كلِّ عيبٍ ونقص وشر، فإنها من أكمل أوصافها المقصودة علي الدوام، التى لا يتم النعيم فيها إلا به، فإضافتها إليه أولى، وهذا ظاهر.
فصل.
وإذا عُرف هذا؛ فإطلاق السلام على الله تعالى اسمًا من أسمائه هو أولى من هذا كله، وأحق بهذا (٣) الاسم من كلِّ مسمًّى به، لسلامته -سبحانه- من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار، والمخلوق سلام بالإضافة، فهو سلام سبحانه في ذاتِهِ عن كلِّ عيب ونقص (٤) يتخيله وهم، وسلامٌ في صفاته منْ كلِّ
стр. 693
عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، بل هو السلام الحقُّ من كل وجه وبكل اعتبار، فعُلِمَ أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه.
وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزَّه به نفسه ونزهه به رسوله، (ظ/١٠٨ ب) فهو السلامُ من الصاحبة والولد، والسلام من النظير والكفء، والسَّمِي والمماثل، والسلام من الشريك، وكذلك إذا نظرتَ إلى أفراد صفات كماله، وجدت كل صفة سلامًا مما يضاد كمالها، فحياته سَلام (١) من الموت ومن السِّنَة والنوم، وكذلك قيُّوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شئ عنه أو عروض نسيان أو حاجةٍ إلى تذكُّر وتفكُّر، وإرادته سلام من خروجها على الحكمة والمصلحة، وكلماته سلام من الكذب والظلم، بل تمت كلماته صِدْقًا وعدلاً، وغِناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجهٍ ما، بل كلُّ ما سواه محتاج إليه، وهو غنيّ عن كل ما سواه، وملكُه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاود مُظَاهِر أو شافع عنده بدود إذنه، وإلاهيته سلام من كل مشارك له (ق/١٤٣ أ)، فيها، بل هو الله الذي لا إله إلا هو، وحِلمه وعَفْوه وصَفْحه ومغفرته وتجاوزه سلامٌ من أن تكون عن حاجة منه أو ذُلٍّ أو مُصَانعة كما يكون من غيره، بل هو مَحْض جُوْده وإحسانه وكرمه.
وكذلك عذابه وانتقامه وشدةُ بَطْشه وسرعة عقابه سَلامٌ من أن يكون ظلمًا أو تشفِّيًا أو غِلْظة وقسوة، بل هو مَحْض حكمته وعدله
стр. 694
ووضعه الأشياءَ مواضعها، وهو مما يستحق عليه الحمدَ والثناءَ كما يستحقه على إحسانه وثوابه ونعمه، بل لو وضع الثواب موضع (١) العقوبة لكان مناقضًا لحكمته ولعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من حمده وحكمته وعزته، فهو سلام مما يتوهم أعداؤه والجاهلون به من خلاف حكمته.
وقضاؤه وقدره سَلام من العبثِ والجَوْر والظلم، ومِنْ تَوَهُّمِ وقوعِهِ على خلاف الحكمة البالغة، وشرعُه ودينُه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب، وخلاف مصلحة العباد ورحمتِهِم والإحسان إليهم وخلاف حكمته، بلَ شرعه كلُّه حكمة ورحمة ومصلحة وعدل.
وكذلك عطاؤه سَلام من كونه معَاوَضة أو لحاجةٍ إلى المعْطَى. ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه (٢) إحسان محض لا لمعاوضةٍ ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز.
واستواؤه وعُلُوُّه على عرشه سَلام من أن يكون محتاجًا إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، وحَمَلَته محتاجون إليه، فهو الغنيُّ عن العرش وعن حَمَلَته، وعن كلِّ ما سواه، فهو استواءٌ وعلُوٌّ لا يشوْبه حَصْر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره، ولا (٣) إحاطة شيء به ، بل كان سبحانه ولا عَرْش ولم يكن به حاجة إليه، وهو الغني الحميد، بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجات مُلْكه وقَهْره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره
стр. 695
بوجهٍ ما، ونزولُه كل ليلة إلي سماءِ الدنيا سلام مما يضاد علوَه، وسَلام مما يضاد غِناه وكماله، وسَلام من كلِّ ما يتوهَّم معطِّل أو مشبِّه، وسَلام من أن يصير تحت شيءٍ أو محصورًا في شيء -تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه-. وسمعُه وبصرُه سَلامٌ من كلِّ ما يتخيَّله مشبِّه أو يتقوَّله (ق/١٤٣ ب)، معطِّل.
وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذُلٍّ كما يوالي المخلوقُ المخلوقَ، بل هي موالاة رحمة وخير وإحسان وبرٍّ، كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١]، فلم (ظ/١٠٩ أ) ينفِ أن يكون له ولي مطلقًا، بل نفى أن يكون له وليٌّ من الذُل (١).
وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سَلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق، من كونها محبة حاجة إليه أو تملُّق له، أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتموَّله المعطلون فيها، وكذلك ما أضافه إلي نفسه من اليد والوجه (٢)، فإنه سَلام عما يتخيله مشبِّه أو يتقوله معطِّل.
فتأمل كيف تضمن اسمه "السلام" كل ما ينزه عنه ﵎، وكم ممن يحفظ هذا الاسم ولا يدري ما تضمَّنه من هذه الأسرار والمعاني، والله المستعان (٣) المسؤول أن يوفق لتعليقِ على الأسماء الحسنى على هذا النَّمط إنه قريب مجيب، ولنقطع هاهنا الكلام على السؤال الأول.
стр. 696
فصل (١)
وأما السؤال الثاني: وهو هل السلام مصدر أو اسم؟.
فالجواب: أن السلامَ الذي هو التحية اسم مصدر من "سلَّم"، ومصدره الجارىِ عليه "تسليم"، كـ "علَّم تعليمًا"، و"فهَّمَ تفهيمًا"، و"كلَّم تكليمًا"، والسلام من "سلَّم"، كالكلام من "كلَّم".
فإن قيل: وما الفرق بين المصدر والاسم؟.
قلنا: بينهما فرقان، لفظيٌّ ومعنويٌّ.
أما اللفظي: فإن المصدرَ هو الجاري على فعله الذي هو قياسه، كالإفعال من "أفعل" والتفعيل من "فعَّل" والانفعال من "انفعل"، والتفعلل من "تفعْلَل "وبابه. وأما السلام والكلام فليسا بجاريين على فعليهما، ولو جريا عليه لقيل: "تسليم وتكليم".
وأما الفرق المعنويُّ: فهو أن المصدر دالٌّ على الحَدَث وفاعله، فإذا قلت: تكليم وتسليم وتعليم (٢)، ونحو ذلك، دلَّ على الحدث ومن قدَّم به، فيدل التسليم على السلام والمسلم، وكذلك التكليم التعليم وأما اسم المصدر فإنَّما يدلُّ على الحدث وحدَه، فالسلام والكلام لا يدل (٣) لفظُه على مُسَلِّم ولا مُكَلِّم، بخلاف التكليم والتسليم.
وسرُّ هذا الفرق أن المصدر فى قولك: "سلَّم تسليمًا" و"كلَّم
стр. 697
تكليمًا" بمنزلة تكرار الفعل، فكأنك قلت: "سلَّم سلَّم" و"تكلَّم تكلَّم"، والفعل لا يخلو عن فاعله أبدًا. وأما اسم المصدر؛ فإنهم جرَّدوه لمجرد الدلالة على الحدث، وهذه النكتة من أسرار العربية، فهذا السلام الذي هو التحيَّة.
وأما "السلام" الذي هو اسم من أسماء الله؛ ففيه قولان:
أحدهما: أنه كذلك اسم مصدر، وإطلاقه عليه كإطلاق "العدل" عليه، والمعنى: أنه (ق/ ١٤٤ أ) ذو السلام وذو العدل، على حذف المضاف.
والثاني: أنَّ المصدرَ بمعنى الفاعل هنا، أي: السالم (١) كما سُمِّيت ليلة القدر: "سلامًا"، أىِ: سالمة من كلِّ شرٍّ، بل هي خير لا شرَّ فيها.
وأحسن من القولين وأَقْيَس في العربية: أن يكون نفس السلام من أسمائه تعالى، كالعدل، وهو من باب إطلاق المصدر على الفاعل لكونه غالبًا عليه مكرَّرًا منه، كقولهم: رجل صَوْم وعَدْل وزَوْر، وبابه.
وأما "السلام" الذي هو بمعنى السلامة، فهو مصدر نفسه، وهو مثل الجلال والجلالة، فإذا حذفت "التاء" كان المراد نفس المصدر، وإذا أتيت (٢) بالتاء كان فيه إيذان (٣) بالتحديد بالمرة من المصدر، كالحبِّ والحبَّة، فالسلام والجمال والجلال كالجنس العام من حيث لم يكن فيه [تاء] (٤) التحديد. والسلامةُ والجلالة والملاحةُ والفصاحةُ
стр. 698
كلُّها تدلُّ على الخصلة الواحدة.
ألا ترى أن الملاحة خَصْلة من خصال الكمال، والجلالة خَصْلة من خصال الجلال، ولهذا لم يقولوا: كَمَالة، كما قالوا: مَلاحة وفَصَاحة؛ لأن "الكمال" اسم جامع لصفات الشرف والفضل، فلو قالوا: كمالة، لنقضوا الغرض المقصود من اسم "الكمال"، فتأمَّلْه.
وعلى هذا جاء: "الحَلاوة والأصَالة والرَّزانة والرَّجَاحة"؛ لأنها خصلة (١) من مطلق الكمال والجمال محددة، فجاؤوا فيها بـ "التاء" الدالة على التحديد، وعكسه: "الحماقة والرَّقاعة والنَّذالة والسفاهة"، فإنها خصال محددة من مطلق العيب والنقص، فجاؤوا في الجنس الذى يشمل الأنواع بغير "تاء"، وجاؤوا في أنواعه وأفراده بـ "التاء"، وقد تقدَّم تقرير هذا المعنى وإيضاحه (٢)، فلا حاجةَ إلى إعادته.
فتأمَّل الآن كيف جاء "السلام" (٣) مجرَّدًا عن "التاء" إيذانًا بحصول المسمى التام؛ إذ لا يحصل المقصود إلا به، فإنه لو سلم من آفةٍ ووقعَ في آفة، لم يكن قد حصل له السلام، فوضح أن السلام لم يحرج عن المصدريَّة في جميع وجوهه.
فإن قيل: فما الحكمة في مجيئه اسم مصدر، ولم يجئ على أصل المصدر؟.
قيل: هذا السرُّ بديع، وهو أن المقصود حصول (٤) مُسَمَّى السلامة
стр. 699
للمسلَّم عليه على الإطلاق، من غير تقييد بفاعل، فلما كان المراد مطلق السلامة من غير لعرّض لفاعل أتوا باسم المصدر الدال على مجرَّد الفعل، ولم يأتوا بالمصدر الدالِّ على الفعل والفاعل معًا، فتأمله.
فصل
وأما السؤال الثالث: وهو أن قول المسلم: "سلام عليكم" هل هو إنشاء أم خبر (١)؟
فجوابه: أن هذا ونحوه من ألفاظ الدعاء متضمن للإنشاء والإخبار، فجهة الخبرية فيه لا تُناقض جهةَ الإنشائية، وهذا موضعٌ بديع يحتاج إلى كشف وإيضاح، فنقول: الكلام له نسبتان، نسبة إلى المتَكلِّم به نفسِه (٢)، ونسبة إلى المتكلَّم فيه إما طلبًا وإما خبرًا، وله نسبة ثالثة إلى المخاطَب، لا يتعلَّقُ بها هذا الغرض، وإنما يتعلق تحقيقه بالنِّسبتين الأوليين، فباعتبار تينك النسبتين ينشأ التقسيم إلى الخبر والإنشاء، ويعلم أين يجتمعان وأين يفترقان، فله بنسبته إلى قَصْد المتكلِّم وإرادته لثبوتِ مضمونِه وصف الإنشاء، وله بنسبته إلى المتكلَّم فيه والإعلام بتحقُّقه في الخارج وصف الإخبار، ثم تجتمع النسبتان في موضع، وتفترقان في موضع، فكلُّ موضع كان المعنى فيه حاصلاً بقصد المتكلِّم وإرادته فقط، فإنه لا يُجامع فيه الخبرُ الإنشاءَ، نحو قوله: بعتك كذا، ووهبتكه، وأعتقت، وطلقت، فإنَّ هذه المعاني لم يثبت لها وجود خارجي إلا بإرادة المتكلِّم وقصدِه، فهي إنشاآت، وخبريتها من جهة أخرى، وهي تضمنها إخبار المتكلِّم
стр. 700
عن ثبوت هذه النِّسبة في ذهنه؛ لكن ليست هذه هى الخبرية التي وضع لها لفظ الخبر، وكل موضع كان المعنى حاصلاً فيه من غير جهة المتكلِّم، وليس للمتكلّم فيه إلا دعاؤه بحصوله ومحبته، فالخبرُ فيه لا يناقض الإنشاء، وهذا نحو: "سلامٌ عليكم"، فإن السلامة المطلوبة (١) لم تحصل بفعل المسلِّم، وليس للمسلِّم إلا الدعاء بها ومحبتها، فإذا قال: "سلامٌ عليكم"، تضمَّن الإخبار بحصول السلامة والإنشاء للدعاء بها وإرادتها وتمنِّيها، وكذلك: "ويل له" قال سيبويه: هو دعاء وخبر، ولم يفهم كثير من الناس قولَ سيبويه على وجهه، بل حرَّفوه عما أراده به، وإنما أراد سيبويه هذا المعنى أنها تتضمن الإخبار بحصول الويل له مع الدعاء به، فتدبَّر هذه النكتة التي لا تجدها محرَّرةً في غير هذا الموضع هكذا (ظ/١١٠ أ)، بل تجدهم يُطلقون تقسيم الكلام إلى خبير وإنشاء من غير تحرير وبيان لمواضع اجتماعهما وافتراقهما .. وقد عرفت بهذا أن قولهم: "سلام عليكم"، و"ويل له"، وما أشبه هذا، أبلغ من إخراج الكلام في صورة الطلب المجرد نحو: اللهم سلمة.
فصل
وأما السؤال الرابع: وهو ما معنى السلام المطلوب عند التحية؟.
ففيه قولان مشهوران:
أحدهما: أن المعنى: اسم السلام عليكم، و"السلام" هنا هو الله ومعنى الكلام: نزلت بركةُ اسمه عليكم، وحلت عليكم، ونحو هذا، واختير في هذا المعنى من أسمائه اسم "السلام" دون غيره من الأسماء، لما يأتى في جواب السؤال الذي بعده،
стр. 701
واحتجَّ أصحابُ هذا القول بحجج، منها: ما ثبت في "الصحيح" (١) أنهم كانوا يقولون في الصلاة: السلام على الله قبل (٢) عباده، السلام على جبريل، السلام على فلان، فقال النبي ﷺ : "لا تَقولوا: السَّلامُ على اللهِ فإنَّ اللهَ هو السلام، ولكنْ قُولوا: السلامُ عَلَيْك أيُّها النبيّ ورحمة اللهِ وبركاته، السلامُ عَلَيْنا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالحين"، فنهاهم النبيُّ ﷺ أن يقولوا: "السلام على الله"؛ لأن السلام على المسلَّم عليه دعاء له وطلب أن يَسْلَم، والله تعالى هو المطلوبُ منه لا المطلوبُ له، وهو المدعوّ لا المدعوّ له، فيستحيل أن يُسَلَّم عليه، بل هو المسلِّمُ على عباده كما سلَّم عليهم في كتابه حيث يقول: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١]، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ [الصافات: ١٠٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠]، وقال في يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ [مريم: ١٥] وقال لنوح: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨] ويسلِّم يوم القيامة على أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧)(٣) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٧ - ٥٨] فـ "قولاً" منصوب على المصدر، وفعله ما تضمَّنه "سلام" من القول؛ لأن السلام قول.
وفي "مسند الإمام أحمد" (٤) و"سنن ابن ماجه" (٥) من حديث
стр. 702
محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "بَيْنَا أهْلُ الجنَّةِ في نَعيْمهِمْ إذ سَطَعَ لَهم نُوْرٌ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَرَفَعُوا رُؤوسَهُم فَإذَا الجَبَّارُ ﷻ قَدْ أشْرَف عَلَيهِم مِنْ فَوْقِهم وقال: يَا أَهْلَ الجنةِ سَلامٌ عَلَيْكم ثُمَّ قَرَأ قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨] ثُمَّ يَتَوارَى عنهم فَتَبْقَى رَحْمَتُه وبَرَكَتُه عَلَيْهِمْ في دِيَارِهِمْ" (١).
وفي "سنن ابن ماجة" (٢) مرفوعًا: "أوَّل مَنْ يُسلِّم عَلَيه الحقُّ يومَ القَيَامَةِ عُمَر"، وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] فهذا تحيتهم يوم يلقونه ﵎، ومحالٌ أن تكون هذه تحية منهم له فإنهم أعرف به من أن يسلموا عليه وقد نُهوا عن ذلك في الدنيا، وإنما هذا تحية منه لهم والتحية هنا مضافة إلى المفعول، فهي التحية التي يُحَيَّون بها لا التحية التي يحيونه هم بها ولولا قوله تعالى في (ق/١٤٥ ب) سورة يس: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨] لاحتمل أن تكون التحية لهم من الملائكة، كما قال الله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، ولكن هذا سلام الملائكة إذا دخلوا عليهم وهم في منازلهم من الجنة يدخلون مُسَلِّمين عليهم وأما التحية المذكورة في قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] فتلك تحية لهم [وقت] (٣) اللقاء، كما
стр. 703
يُحيى الحبيبُ حبيبَه إذا لقيه، فماذا حرم المحجوبون عن ربهم يومئذ!؟.
يَكْفِي الذي غَابَ عنك غَيْبَتُهُ ... فذاك ذَنْبٌ عِقَابهُ فِيْهِ
والمقصود: أنَّ اللهَ تعالى يُطْلَب منه السلام، فلا يمتنع في حقه أن يسلِّم على عباده ولا يُطلب له ذلك، فلذلك لا يُسَلَّم عليه. وقوله ﷺ : "إنَّ اللهَ هو السَّلام" (١) صريحٌ في كون السلام اسمًا من أسمائه.
قالوا: فإذا قال المسلِّم: "سلام عليكم"، كان معناه: اسم السلام عليكم. ومن حُججهم ما رواه أبو داود (٢) من حديث ابن عمر أن رجلًا سلَّمَ على النبي ﷺ فلم يَردَّ عليه حتى استقبل الجدار، ثم تيمَّم وردَّ عليه، وقال: "إني كرهتُ أنْ أذكرَ اللهَ إلا على طُهْر"، قالوا: ففي هذا الحديث بيان أن "السلام" ذِكر الله، وإنما يكون ذكرًا له إذا تضمن اسمًا من أسمائه.
ومن حججهم أيضًا: أن الكفار من أهل الكتاب لا يُبْدَؤون بالسلام، فلا يقال لهم: سلامُ عليكم. ومعلوم أنه لا يكره أن يقال لأحدهم: سلَّمَكَ الله، وما ذاك إلا لأن السلام اسم من أسماء الله، فلا يسوغ أن يُطْلَب للكافر حصول بركة ذلك الاسم عليه. فهذه
стр. 704
حججٌ كما ترى قوية ظاهرة.
القول الثاني: أن السَّلام مصدر بمعنى السلامة، وهم المطلوب المدعوّ به عند التحية. ومن حُجَّة أصحاب هذا القول أنه يُنكَّر بلا ألف ولام (١)، بل يقول المسلِّم: "سلام عليكم"، ولو كان اسمًا من أسماء الله لم يستعمل كذلك، بل كان يطلق عليه معرَّفًا، كما يُطلق علي سائر أسمائه الحسنى، فيقال: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]، فإن التنكير لا يصرف اللفظ إلى مُعيَّن فضلًا عن أن يصرفه إلى الله وحده، بخلاف المعرف فإنه ينصرف إليه تعيينًا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى.
ومن حُجَجهم أيضًا: إن عطفَ الرحمة والبركة عليه في قوله: "سلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، يدل على أن المراد به المصدر، ولهذا عطف عليه مصدرين مثله.
ومن حُجَجهم أيضًا: أنه لو كان السلام (ق/١٤٦ أ) هنا اسمًا من أسماء الله، لم يستقم الكلام إلا بإضمار وتقدير يكون به مُقيدًا، ويكون المعنى بركة اسم السلام عليكم، فإن الاسم نفسه ليس عليهم، ولو قلت: اسم الله عليك، كان معناه: بركة هذا الاسم عليك، ونحو ذلك من التقدير، ومعلوم أن هذا التقدير خلاف الأصل، ولا دليل عليه.
ومن حُجَجهم أيضًا: أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى، وإنما المقصود منه الإيذان (٢) بالسلامة خبرًا ودعاءً، كما يأتي في جواب السؤال الذي بعد هذا ولهذا كان السلام أمانًا، لتضمُّنِه معنى
стр. 705
السلامة، وأَمْن كل واحد من المسلِّم والرَّاد عليه من صاحبه. قالوا: فهذا كله يدل على أن السلام مصدر بمعنى السلامة، وحُذِفت تاؤه؛ لأن المطلوب هذا الجنس لا المرة الواحدة منه، و"التاء" تفيد التحديد كما تقدَّم.
وفَصْلُ الخطاب في هذه المسألة أن يُقال: الحق في مجموع القولين، فكل منهما بعض الحق، والصوابُ في مجموعهما، وإنما يتبيَّن ذلك بقاعدة قد أشرنا إليها مرارًا، وهي: أن مِن دعاءِ الله بأسمائه الحسنى أن يسأل في كل مطلوب، ويتوسل إليه بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله، حتى إن الداعي متشفع إلى الله (١) متوسل إليه به، فإذا قال: "ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ إِنك أنت التواب الغفور"، فقد سأله أمرين، وتوسَّل إليه باسمين من أسمائه مقتضيين لحصول مطلوبه، وكذلك قول النبي ﷺ (ظ/ ١١١ أ) لعائشة ﵂ وقد سألته ما تدعو به إن وأفقت ليلة القدر؛ "قولي: اللهم إنَّك عَفُوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني" (٢)، وكذلك قوله للصديق ﵁ وقد سأله أن يعلِّمه دعاءً يدعو به: "اللهمَّ إني ظلمتُ نفسي ظُلمًا كثيرًا وإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ فاغفرْ لى مغفرةً من عندكَ وارحمني إنَّك أنتَ الغفورُ الرَّحيم" (٣)، وهذا كثير جدًّا، فلا نطول بإيراد شواهده.