← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والمنعَ هو من باب الطلب؛ لأن الحضَّ والمنع طلبٌ. ومن هذا ما أخبرَ به أنه لابدَّ أن يفعله لسبق كلماته به؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٩]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٠]، فهذا إخبار عما يفعله ويتركه أنه لسَبْقِ كلمته به فلا يتغير. ومن هذا تحريمه سبحانه ما حرَّمه على نفسِه، كقوله تعالى فيما يرويه عنه رسوله: "يا عِبَادي إِنى حرَّمتُ الظلمَ على نَفْسي وجعلتُه بينكُمْ مُحَرَّمًا" (١)، فهذا التحريم نظير ذلك الإيجاب، ولا يُلْتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة، الذي يَجْزم الناظر (٢) في سِيَاق هذه المواضع ومقصودها [ببُعْد] المراد منها (٣)، كقول بعضهم: إن معنى الإيجاب والكتابة في ذَلك كلِّه هو إخباره به، ومعنى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، أخبرَ بها عن نفسه، وقوله: "حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسي" أي: أحْبرتُ أنه لا يكون، ونحو ذلك مما يتيقن المرءُ أنه ليس هو المراد بالتحريم، بل الإخبار هاهنا هو الإخبار بتحريمه وإيجابه على نفسه، فمتعلَّق الخبر هو التحريم والإيجاب، ولا يجوز إلغاءُ متعلَّق الخبر، فإنه يتضمَّن إبطال الخبر. ولهذا إذا قال القائل: "أوجبتُ على نفسي صومًا"، فإن متعلَّقه وجوب الصومِ على نفسِه، فإذا قيل: (ق / ١٥٥ أ) إن معناه: "أخبرتُ

стр. 737

بأني أصوم" كان ذلك إلغاءً إبطالًا لمقصودِ الخبر، فتأمله. وإذا كان معقولًا من الإنسان أنه يوجب على نفسِه ويحرِّم، ويأمرها وينهاها، مع كونه تحتَ أمرِ غيرِه ونهيه، فالأمر الناهي الذي ليس فوقَه آمر ولا نَاهٍ، كيف يمتنع في حقِّه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه، وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به، وتحريمه على نفسه يستلزم بُغْضَه لما حرَّمه، وكراهته له، وإرادة أن لا يفعله، فإن محبَّتَه للفعل تقتضىِ وقوعَه منه، وكَرَاهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه -سبحانه- من أفعال عباده ويكرهه، فإن محبَّة ذلك مهم لا تستلزم وقوعَه، وكَرَاهته مهم لا تمنع وقوعه، ففرقٌ بينَ فعله هو سبحانه، وبين فِعْل عبادِه الذي هو مفعوله (١) مع كراهته (٢) وبغضه له، ويتخلَّف مع محبته له ورضاه به، بخلاف فعله هو سبحانه، فهذا نوع وذاك نوع، فتدبَّر هذا الموضع الذي هو مَزَلَّة أقدام الأولين والآخرين إلا من عصمه الله وهداه إلى صراط مستقيم (٣). وتأمل أين تكون محبته وكراهته موجبة لوجود الفعل ومانعةً من وقوعه، وأين تكون المحبة منه والكراهة لا توجب وجود الفعل ولا تمنع وقوعه. ونكتة هذه المسألة: هو الفرق بين ما يريد أن يفعله هو سبحانه، وما لا يريد أن يفعله، وبين ما يحبه من (٤) عبده أن يفعله العبد أو لا يفعله، ومن حقَّق هذا المقام زالت عنه شُبُهات ارتبَكَت فيها طوائفُ

стр. 738

من النُّظَّار والمتكلمين، والله الهادي إلى سواء السبيل. واعلم أن الناس في هذا المقام ثلاث طوائف: فطائفة: منعت أن يجب عليه شيء أو يحرم عليه شيء بإيجابه ولا تحريمه، وهم كثير من مثبتي القدر الذين ردوا أقوال (١) القدرية النُّفاة، وقابلوهم أعظمَ مقابلةٍ، نفوا لأجلها الحِكَمَ والأسبابَ والتعليل وأن يكون العبد فاعلًا أو مختارًا. الطائفة الثانية: بإزاء هؤلاء أوجبوا على الربِّ -تعالى- وحرَّموا أشياءَ بعقولهم جعلوها (٢) شريعةً له، يجب عليه مراعاتها من غير أن يوجبها هو على نفسه ولا حرمها، وأوجبوا عليه من (ظ/ ١١٨ أ) جنس ما يجب على العباد، وحرَّموا عليه من جنس ما يحرم عليهم، ولذلك كانوا مشبِّهَةَ الأفعال، والمعتزلة منهم جمعوا بين الباطلين: تعطيل صفاته وجَحْد نعوت كماله، والتشبيه له (ق/ ١٥٥ ب) بخلقه فيما أوجبوه عليه وحرَّموه، فشبَّهوا في أفعاله وعطلوا في صِفَاتِ كماله، فجحدوا بعض ما وصفَ به نفسَه من صفات الكمال، وسموه "توحيدًا"! وشبَّهوه بخلقه فيما يحسُن منهم ويَقْبُح من الأفعال، وسمَّوا ذلك: "عدلًا"، وقالوا: نحنُ أهلُ العدل والتوحيد، فعَدْلهم: إنكار قدرته ومشيئته العامة الشاملة التي لا يخرج عنها شيء من الموجودات ذواتها وصفاتها وأفعالها، وتوحيدهم: إلحادهم في أسمائه الحسنى، وتحريف معانيها عما هي عليه، فكان توحيدهم في الحقيقة تعطيلًا، وعدلهم شركًا، وهذا مقرَّرٌ في موضعه.

стр. 739

والمقصود أن هذه الطائفة مشبِّهة في الأفعال مُعَطّلة في الصفات، وهدى الله الأمةَ الوَسَط لما اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه، فلم يقيسوه بخلقه، ولم يشبهوه بهم في شيءٍ من صفاته ولا أفعاله، ولم ينفوا ما أثبته لنفسه من ذلك، ولم يوجبوا عليه شيئًا، ولم يحرِّموا عليه شيئًا (١)، بل أخبروا عنه بما أخبر به عن نفسه في إيجاب ما أوجبه وأحقَّه على نفسه، وتحريم ما حرمه على نفسه، وشهدت قلوبُهم ما في ضمن ذلك الإيجاب والتحريم من الحِكَم (٢) والغايات المحمودة التي يستحق عليها كمال الحمد والثناء، فإن العباد لا يحصون ثناءً عليه أبدًا، بل هو كما أثنى على نفسه. وهذا كله بيِّن بحمدِ الله عند أهل العلم والإيمان، مستمرٌّ في فِطَرهم، ثابت في قلوبهم، يشهدون انحرافَ المنحرفين في الطرفين، وهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل هم إلى الله ورسوله متحيِّزون، وإلى محض سنته منتسبون، يدينون دين الحق أنى توجَّهت ركائبُه ويستقرون معه حيث استقرت مضاربه، لا تستفزّهم بَدَوات آراء المختلفين، ولا تُزَلزلهم شُبُهات المبطلين، فهم الحُكَّام على أربابِ المقالات، والمميزون لما فيها من الحق والشبهات، يردُّون على كل [قائلٍ] باطِلَه، ويوافقونه فيما معه من الحق، فهم في الحقِّ سِلْمه وفي الباطل حَرْبُه، لا يميلون مع طائفةٍ على طائفة، ولا يجحدون حقَّها لما قالته من باطل سواه، بل هم ممتثلون قولَ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].

стр. 740

فإذا كان قد نهى عبادَه أن يحملهم بغضهم لأعدائهم على أن لا يعدلوا عليهم، مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم وتكذيبهم لله ورسوله، فكيفَ يسوغُ لمن يدِّعي الإيمانَ أن يحمله بغضُه لطائفةٍ منتسبةٍ إلى الرسول تصيبُ وتخطئ على أن لا يعدلَ فيهم، بل يجرِّد لهم العداوة (ق/ ١٥٦ أ) وأنواع الأذي، ولعله لا يدرى أنهم أولى بالله ورسوله وما جاء به منه علمًا وعملًا ودعوةً إلى الله على بصيرة، وصَبْرًا من قومهم على الأذى في الله، وإقامةً لحجةِ الله، ومعذرةً لمن خالفهم بالجهل (١)، لا كمن نصبَ مقالةً (٢) صادرةً عن آراءِ الرجال، فَدَعَا إليها، وعاقَبَ عليها، وعادَى من خالفها بالعصبية وحمية الجاهلية، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به، وليكن هذا تمام الكلام من هذا السؤال، فقد تعدَّينا به طَوْرَه، وإن لم نقدُرْه قَدْرَه. فصل وأما السؤال الثالث عشر: وهو ما السر في كونه سلَّم عليهم بلفظ النكرةِ، وشرَعَ لعباده إن يسلِّموا على رسوله بلفظ المعرفة، وكذلك تسليمهم على نفوسهم وعلى عباده الصالحين؟. فقد تقدم بيان الحكمة في كون السلام (ظ / ١١٨ ب) ابتداءً بلفظ النكرة، ونزيدُ هنا فائدةً أُخرى، وهي: أنه قد تقدم أن في دخول "اللام" في بالسلام أربع فوائد، وهذا المقام مستغنٍ عنها؛ لأن المتكلم بالسلام هو الله تعالى، فلم يقصد تبرُّكًا بذكر الاسم كما يقصده العبد، فإن التبرك استدعاء البركة واستجلابها، والعبد هو

стр. 741

الذي يقصد لذلك، ولا قَصَدَ أيضًا تعرُّضًا وطلبًا على ما (١) يقصده العبد. ولا (٢) قَصَد العموم، وهو أيضًا غير لائق هنا؛ لأن سلامًا منه سبحانه كافٍ من كل سلام، ومُغْنِ عن كلِّ تحية، ومقرِّب من كلِّ أُمنية، فأدنى سلام منه -ولا أدنى هناك (٣) - يستغرق الوصفَ، ويتم النعمةَ، ويدفع البؤسَ، ويطيب الحياةَ، ويقطع موادَ العَطَبِ والهلاك، فلم يكن لذكر "الألف واللام" هناك معنًى. وتأمل قولَه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] كيف جاءَ بـ "الرضوان" مبتدأ منكرًا مخبرًا عنه بأنه أكبر من كلِّ ما وُعِدُوا به، فأيسر شيءٍ من رضوانه أكبر من الجنات وما فيها من المساكن الطيبة وما حوته، ولهذا لما يتجلى لأوليائه في جنات عَدْن، ويمنيهم: أيّ شيءٍ يريدون؟ "فيقولون: ربّنا وأَيّ شيءٍ نريدُ أفضلَ مما أعطيتنا، فيقول ﵎: إنَّ لكم عِنْدي أفضلَ من ذلكَ أُحِلُّ عليكم رِضْواني فلا أسْخَطُ عليكم بَعْدَه أبدًا" (٤). وقد بانَ بهذا الفرق بين سلام الله على رسله وعباده، وبين سلام العباد عليهم، فإن سلام العبادِ لمَّا كان متضمِّنًا لفوائد "الألف واللام" التي تقدَّمت من قَصْد التبرك باسمه السلام، والإشارة إلى طلب السلام وسؤالها (ق / ١٥٦ ب) من الله باسمه "السلام"، وقصد عموم

стр. 742

السلام، كان الأحسن في حقِّ المُسَلِّم على الرسول ﷺ أن يقول: "السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاته"، وإن كان قد ورد: "سلام عليك"، فالمعرفة أكثر وأَصَحّ وأَتَمّ معنًى، فلا ينبغي العدول عنه، ويُشَحّ في هذا المقام بـ "الألف واللام"، والله أعلم. فصل وقد عرفت بهذا جواب السؤال الرابع عشر وهو: ما الحكمة في تسليم الله تعالى على يحيى بلفظ النكرة، وتسليم المسيح على نفسه بلفظ المعرفة؟ لا ما يقوله من لا تحصيلَ له: إنّ سلامَ يحيى جَرى مجرى ابتداء السلام في الرسالة والمكاتبة فَنُكِّر، وسلام المسيح جرى مجرى السلام في آخر: المكاتبة فَعُرِّف، فإن السورةَ كالقصةِ الواحدة، ولا يخفى فساد هذا الفرق، فإنهما سلامان متغايران من مُسَلِّمَين: أحدهما: سلامُ الله تعالى على عباده. والثاني: سلامُ العبد على نفسه. فكيفَ يُبْنى أحدهما على الآخر!؛ وكذلك قول من قال: إن الثاني عُرِّف لتقدم ذكره في اللفظ، فكانت "الألف واللام" فيه للعهد، وهذا أقرب من الأول لإمكان أن يكونَ المسيح أشار إلى السلام الذي سلَّمه الله على يحيى، فأراد: أن لي من السلام في (١) هذه المواطن الثلاثة مثل ما حصل له، والله أعلم. فصل وأما السؤال الخامس عشر: وهو ما الحكمة في تقييد السلام في

стр. 743

قصتي يحيى والمسيح صلوات الله عليهما بهذه الأوقات الثلاثة؟. فسِرُّه -والله أعلم-: أن طلبَ السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظانُّ العَطَب (١) ومواطن الوَحْشَة، وكلَّما كان الموضع مظِنَّة ذلك، تأكَّد طلب السلامة وتعلقت بها الهمة، فذُكِرَت هذه المواطنُ الثلاثة؛ لأن السلامةَ فيها آكد، (ظ / ١١٩ أ) وطلبها أهم، والنفسُ عليها أَحْرَص؛ لأن العبدَ فيها قد انتقل من دارٍ كان مستقرًّا فيها مُوَطِّن النفس على صحبتها وسكناها، إلى دار هو فيها معرض للآفات والمِحَن والبلاء، فإن الجنين من حين خرجَ إلى هذه الدار انتصب لبلائها وشدائدها ولأوائها ومحنها وأنكادِها (٢)، كما أفصحَ الشاعرُ بهذا المعنى حيث يقول (٣): تأمل بكاءَ الطِّفلِ عندَ خروجِه ... إلى هذه الدُّنيا إذا هو يولدُ تجدْ تحتَهُ سِرًّا عَجِيبًا كأنه ... بكلِّ الذي يَلْقاه منها مُهَدَّدُ وإلا فما يُبْكِيه منها وإِنَّها ... لأوسعُ مما كانَ فيه وَأَرْغَدُ ولهذا من حين خرجَ ابتدرته طَعْنَةُ الشيطانِ في خاصرته فبكى لذلك (٤)، ولما (ق/ ١٥٧ أ) حصل له من الوَحْشة بفراق وطنه الأول، وهو الذى أدركه الأطباء والطبائعيون، وأما ما أخبر به الرسول ﷺ فليس في صناعتهم ما يدلُّ عليه، كما ليس فيها ما يخفيه، فكان طلب

стр. 744

السلامة في هذه المواطن من آكد الأمور. الموطن الثاني: خروجه من هذه الدار إلى دار البرزخ عند الموت، ونسبةُ الدنيا إلى تلك الدار كنسبة داره في بطن أمه إلى الدنيا تقريبًا وتمثيلًا، وإلا فالأمر أعظم من ذلك وأكبر، وطلب السلامة -أيضًا- عند انتقاله إلي تلك الدار من أهم الأمور. الموطن الثالث: موطن يوم القيامة يوم يبعث اللهُ الأحياءَ، ولا نسبةَ لما قبله من الدور إليه، وطلب السلامة فيه آكد من جميع ما قبله، فإن عَطَبه لا يُسْتدرك، وعَثْرته لا تُقَال، وسَقَمه لا يداوى، وفَقْره لا يُسَد، فتأمل كيف خصَّ هذه المواطن الثلاثة بالسلام لشدة الحاجة إلى السلامة فيها، واعْرِف قدرَ القرآن وما تضمَّنه من الأسرار وكنوز العلم والمعارف التي عجزت عقول الخلائق عن إحصاءِ عُشر معشارها، وتأمل ما في السلام مع الزيادة على السلامة من الأُنس وذهاب الوَحْشة، ثم نَزِّل ذلك على الوَحْشة الحاصلة للعبد في هذه المواطن الثلاثة؛ عند خروجه إلى عالم الابتلاء، وعند مُعَاينته هَوْل المطلع إذا قَدِمْ على الله وحيدًا مجرَّدًا عن كلِّ مُؤْنس إلا ما قدَّمه من صالح عمله، وعند موافاته القيامة مع الجمع الأعظم، ليصيرَ إلى إحدى الدارَيْن التي خُلِق لها، واسْتُعْمِل بعمل أهلها، فأيُّ موطن أحق بطلب السلامة من هذه المواطن، فنسأل الله السلامة فيها بمنه وكرمه ولطفه وجوده وإحسانه (١). فصل وأما السؤال السادس عشر: وهو ما الحكمة في تسليم النبيِّ ﷺ

стр. 745

على من اتبعَ الهدى في كتابه إلى هِرَقل بلفظ النكرة، وتسليم موسى عليهم بلفظ المعرفة؟. فالجواب عنه: أن تسليم النبيِّ ﷺ تسليمٌ ابتدائي، ولهذا صَدَّر به الكتاب حيث قال: "مِنْ محمد رسولِ الله إلى هِرَقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتَّبَعَ الهدى" (١)، ففي تنكيره ما في تنكير سلامَ الخِطَاب من الحكمة، وقد تقدم (ظ/ ١١٩ ب) بيانها. وأما قول موسى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ [طه: ٤٧]، فليسَ بسلام تحية، فإنه لم يبتدئ به فى فرعون، بل هو خبَرٌ مَحْض، فإن من أتبع الهدى فلهم السلامُ المطلق دون من خالفه، فإنه قال له: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (ق/١٥٧ ب) وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [طه: ٤٧، ٤٨]. أفلا ترى أن هذا ليس بتحية في ابتداءِ الكلام ولا خاتمته، وإنما وقعَ متوسِّطًا بين الكلامَيْن إخبارًا محضًا عن وقوع السلامة وحلولها على من أتبع الهدى، ففيه استدعاء لفرعون وترغيب له بما جُبلَت النفوسُ على حُبِّه وإيثاره من السلامة، وأنه إن اتبع الهدى الذي جَاء [به] فهو من أهل السلام، والله أعلم. وتأمَّل حُسْن سياقِ هذه الجُمَل، وترتيب هذا الخطاب، ولُطْف هذا القول اللين الذي يَسْلب القلوب حُسْنه وحلاوتُه مع جلالته وعَظَمته، كيف أبتدأ الخطابَ بقوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، وفي ضمن ذلك: إنّا لم نأتك لننازعك مُلْكك ولا لنَشْركك فيه، بل نحن عبدان مأموران (٢)

стр. 746

مرسلان من ربك إليك، وفي إضافة اسم الرب إليه هاهنا دون إضافته إليهما استدعاء لسمعه وطاعته وقبوله، كما يقول الرسول للرجل من عند مولاه: أنا رسول مولاك إليك وأستاذك، وإن كان أستاذهما معًا، ولكن ينبهه بإضافته إليه على السَّمعِ والطاعةِ له، ثم إنهما طلبا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، ويخلِّيَ بينهم وبينهما ولا يعَذِّبهم، ومن طلبَ من غيرِه تَرْك العدوان والظلم، وتعذيبَ من لا يستحق العذاب، فلم يطلب منه شَطَطًا، ولم يُرْهقه من أمره عسرًا، بل طلب منه غاية النصف. ثم أخبره بعد الطلب بثلاث إخبارات؛ أحدها: قوله: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، فقد برئنا من عهدة نسبتك لنا إلى التقوُّل والافتراء بما جئناك به من البرهان (١) والدلالة الواضحة، فقد قامت الحجة. ثم بعد ذلك للمرْسَل إليه حالتان، إما أن يسمع ويطيع، فيكون من أهل الهدى، والسلامُ على من اتبع الهدى، وإما أن يكذِّب ويتولَّى، فالعذابُ على من كذَّب وتولى، فجمعت الآيةُ طلبَ الإنصاف، وإقامة الحجة، وبيان ما يستحقه السامع المطيع، وما يستحقه المكذِّب المتولِّي بألطف خطاب، وألْيَن (٢) قول، وأبلغ ترغيب وترهيب. فصل وأما السؤال السابع عشر وهو: أن قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، هل السلام من الله؟ فيكون

стр. 747

المأمور به الحمد، والوقفُ التامُّ عليه، أو هو داخل في القول والأمر بهما جميعًا؟. فالجواب عنه: أن الكلامَ يحتمل الأمرين، ويشهد لكل منهما (ق/ ١٥٨ أ) ضَرْب من الترجيح، فيرجَّح كونه داخلًا في جملة القول بأمور: منها: اتصاله به وعَطْفه عليه من غير فاصل، وهذا يقتضي أن يكون فعل القول واقعًا على كلِّ واحد منهما، هذا هو الأصل ما لم يمنع منه مانع، ولهذا إذا قلت: "قل (١) الحمد لله وسبحان الله"، فإن التسبيح هنا داخل في المقول (٢). ومنها: أنه إذا كان معطوفًا على المقول كان عطف خبيرٍ (٣) على خبر وهو الأصل، ولو كان (ظ / ١٢٠ أ) منقطعًا عنه كان عطفًا على جملة الطلب، وليس بالحسن عطف الخبر على الطلب. ومنها: أن قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ﴾ [النمل: ٥٩] ظاهر في أن المسلِّم هو القائل: "الحمد لله"، ولهذا أتى بالضمير بلفظ الغَيبة، ولم يقل: "سلام على عبادي". ويشهد لكون السلام من الله تعالى أمور: أحدها: مطابقته لنظائره في القرآن من سلامه تعالى بنفسه على عباده الذين اصطفى، كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ [الصافات: ١٠٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ [الصافات: ١٢٠]،

стр. 748

﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠]. ومنها: أن عباده الذين اصطفى هم المرسلون، والله سبحانه يقرن (١) بين تسبيحِه لنفسه وسلامِه عليهم، وبين حَمْده لنفسه وسلامِه عليهم. أما الأول؛ فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات: ١٨٠، ١٨١] فذكر تنزيهه لنفسه عما لا يليق بجلاله، ثم سلامه (٢) على رسله. وفي اقتران السلام عليهم بتسبيحه لنفسه سِرٌّ عظيم من أسرار القرآن، يتضمَّن الردَّ على كلِّ مُبْطل ومُبْتدع، فإنه نزَّهَ نفسَه تنزيهًا مطلقًا، كما نزَّه نفسَه عما يقول خلقه فيه، ثم سلَّم على المرسلين، وهذا يقتضي سلامتهم من كلِّ ما يقول المكذِّبون لهم المخالفون لهم، وإذا سَلِموا من كلِّ ما رماهم به أعداؤهم، لزم سلامة كلِّ مَا جاؤوا به من الكذب والفسادِ، وأعظمُ ما جاؤوا به التوحيد، ومعرفة الله، ووصفه بما يليق بجلاله مما وصفَ به نفسَه على ألسنتهم. وإذا سَلِم دْلك من الكَذِب والمحال والفساد؛ فهو الحق المَحْض، وما خالفه هو الباطل والكذب المحال (٣)، وهذا المغنى بعينه في قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] فإنه يتضمَّن حمده بما له من نُعُوت الكمال، وأوصاف الجلال، والأفعال الحميدة، والأسماء الحسنى، وسلامة رسلِه من كلِّ عيب ونقص وكذب، وذلك يتضمَّن سلامةَ ما جاؤوا به من كلِّ باطلٍ، فتأمل هذا السِّرَّ في اقتران السلام على رسله بحمدِه وتسبيحِه. فهذا

стр. 749

يشهد (١) لكون السلام هنا من الله تعالى، كما هو في آخر (الصافات). وأما عَطْف الخبر على الطلب فما أكثره! فمنه قوله (ق / ١٥٨ ب) تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ [المؤمنون: ١١٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ [الأعراف: ٨٩]، ونظائره كثيرة جدًّا. وفَصْل الخطاب في ذلك أن يقال: الآيةُ تتضمن الأمرين جميعًا وتنتظمهما انتظامًا واحدًا، فإن الرسول هو المبلِّغ عن الله كلامَه وليس له فيه إلا البلاغ، والكلامُ كلام الربِّ ﵎، فهو الذي حمد نفسه، وسلَّم على عباده، وأمر رسولَه بتبليغ ذلك، فإذا قال الرسول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، كان قد حَمِد اللهَ، وسلَّم على عباده بما حمد به نفسه، وسلم به هو على عباده (٢)، فهو سلامٌ من الله ابتداءً، ومن المبلِّغ بلاغًا، ومن العباد اقتداء وطاعة، فنحن نقول كما أمرنا ربنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، ونظيرُ هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] فهو توحيدٌ (ظ/ ١٢٠ ب) منه لنفسه، وأمرٌ للمخاطَب بتوحيده، فإذا قال العبد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، كان قد (٣) وحَّدَ اللهَ بما وحَّدَ به نفسَه، وأتى بلفظ "قل" تحقيقًا لهذا المعنى، وأنه مبلِّغٌ مَحْض، قائل لما أُمِرَ بقوله، والله أعلم.

стр. 750

وهذا بخلاف قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، فإن هذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة لا تبليغ لقوله: "أعوذ برب الناس" (١)، فإن الله لا يستعيذ من أحدٍ وذلك عليه محال، بخلاف قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فإنه خبر عن توحيده، وهو -سبحانه- يخبر عن نفسه بأنه الواحد الأحد، فتأمَّل هذه النكتة البديعة، والله المستعان (٢). فصل وأما السؤال الثامن عشر: وهو نهي النبيِّ ﷺ من قال له: "عليك السلام" عن ذلك، وقال: "لا تقُلْ عليكَ السلامُ، فإن عليكَ السلامُ تحيةُ المَوْتَى" (٣)، فما أكثرَ من ذهبَ عن الصواب في معناه وخَفِيَ عليه مقصودُه وسرُّه، فتعسَّف ضروبًا من التأويلات المستنكرة الباردة، وردَّ بعضُهم الحديثَ، وقال: قد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال في تحية الموتى: "السَّلامُ عَلَيْكُم دارَ قومٍ مُؤْمِنِين" (٤)، قالوا: وهذا أصحّ من حديث النهي، وقد تضمَّن تقديم ذلك لفظ "السلام" فوجبَ المصير إليه، وتوهَّمت طائفةٌ أن السنةَ في سلام الموتى أن يُقال: "عليكم السلام" فرقًا بين السلام على الأحياء والأموات. وهؤلاء كلُّهم إنما أُتوا مِن عدم فهمهم لمقصودِ الحديث (٥)، فإن قوله ﷺ : "عَلَيكَ السلامُ تحيةُ المَوْتَى"، ليس تشريعًا منه وإخبارًا عن

стр. 751

أمرٍ شرعي، وإنما هو إخبار عن الواقع المعتاد الذي جرى على ألسنة الشعراءِ والناس، فإنهم كانوا يقدِّمون اسمَ الميِّت على الدُّعاء، كما قال (ق/ ١٥٩ أ) قائلهم (١): عليكَ سلامُ اللهِ قَيْسُ ينَ عَاصِمٍ ... ورحمتُه مَا شاءَ أنْ يَتَرَحَّما وقول الآخر الذي رثى عُمر بن الخطاب (٢): عَليكَ سلامٌ مِنْ أميرٍ وباركَتْ ... يا اللهِ في ذاكَ الأدِيْمِ المُمَزَّق وهذا أكثر -في أشعارهم- من أن نذكره هاهنا، والإخبار عن الواقع لا يدل على جوازه فضلًا عن كونه سُنَّة، بل نهيه عنه مع إخباره بوقوعه يدلُّ على عدم مشروعيته، وأن السنة في السلام تقديم لفظه على لفظ المسلَّم عليه في السلام على الأحياءِ وعلى الأموات، فكما لا يُقال في السلام على الأحياء: "عليكم السلام"، فكذلك لا يقال في سلام الأموات، كما دلَّت السنة الصحيحة على الأمرين، وكأن الذي تخيَّله القومُ من الفرق أنَّ المسلِّم على غيره لما كان يتوقع الجواب، وأن يقال له: "وعليك السلام"، بدؤوا باسم السلام على المدعوِّ له توقُعًا لقوله: "وعليك السلام"، وأما الميت فلما لم يتوقَّعوا منه ذلك، قدموا المدعوَّ له على الدعاء، فقالوا: "عليك السلام". وهذا الفرقُ لو صحَّ كان دليلًا على التسوية بين الأحياء والأموات

стр. 752

في السلام، فإن المسلِّم على أخيه الميت يتوقَّع الجوابَ أيضاً. قال ابن عبد البر (١): ثبتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "ما مِنْ رجل يمرُّ بقبرِ أخِيْه كان يعرفُه في الدنيا فيسلِّم عَلَيه إلا ردَّ الله كل عَلَيه روْحَه حتى (ظ/١٢١ أ) يرد ﵇" (٢)، وبالجملةِ، فهذا الخيال قد أبطلته السنةُ الصحيحة. وهنا نكتة بديعة ينبغي التفطن لها، وهي: أن السلام شرع على الأحياء والأموات بتقديم اسمه على المسلَّم عليهم؛ لأنه دعاء بخير، والأحسنُ في دعاء الخير أن يقدم الدعاء به على المدعوِّ له، كقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ [الصافات: ١٣٠]، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]. وأما الدّعاء بالشر: فيُقدم فيه المدعو عليه على المدعو به غالبًا، كقوله تعالى لإبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ [ص: ٧٨]، وقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ [الحجر: ٣٥]، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨]، وقوله: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ [الشورى: ١٦].

стр. 753

وسرُّ ذلك -والله أعلم-: أن في الدعاء بالخير قدموا اسمَ الدعاء المحبوب الذي تشتهيه النفوس وتطلبه، ويَلَذ للسمع لفظه، فَيَبْدَه السَّمعَ ذِكْر الاسم المحبوب المطلوب، ويبدأ القلبُ بتصوره، فيفتح له القلب والسمعُ، فيبقى السامع كالمنتظر لمن (ق / ١٥٩ ب) يحصل هذا، وعلى من يحل، فيأتي باسمه، فيقول: "عليك أو لك" (١)، فيحصل له من السرور والفرح ما يبعث على التحابّ والتوادّ والتراحم، الذي هو المقصود بالسلام. وأما في الدعاء عليه؛ ففي تقديم المدعو عليه إيذانٌ باختصاصه بدلك الدعاء وأنه عليه وحده، كأنه قيل له: هذا عليك وحدك لا يشركك فيه السامعون، بخلاف الدعاء بالخير فإن المطلوب عمومه، وكلّ ما عمَّ به الدَّاعي كان أفضل. وسمعت شيخَ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: فضل عموم الدعاء على خصوصه كفضلِ السماءِ على الأرض، وذكَرَ في ذلك حديثاً مرفوعًا عن علي أن النبي ﷺ مر به وهو يدعو فقال: "يا عَلي عُمَّ فإنَّ فَضْلَ العموْمِ على الخصُوصِ كفَضْلِ السماءِ على الأرْضِ" (٢). وفيه فائدة ثانية -أيضًا- وهي: أنه في الدعاء عليه (٣) إذا قال له: "عليك" أنفتحَ سمعُه وتشوفْ قلبُه إلى أيِّ شيء يكون عليه، فإذا ذكر له أاسم المدعو به صادفَ قلبه فارغًا متشوِّفًا لمعرفته، فكان أبلغَ فى نِكَايته، ومن فهمَ هذا فهمَ السر في حذف "الواو" في قوله تعالى:

стр. 754

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، ففاجأهم وبَغتَهم عذابُها وما أعدَّ اللهُ فيها، فهم بمنزلة من وقفَ على باب لا يدري بما يفتح له من أنواع الشر، إلا أنه متوقع منه شرا عظيمًا، ففُتِح في وجهه وفاجأه ما كان يتوقعه، وهذا كما تجد في الدنيا من يُسَاق إلى السجن، فإنه يُساق إليه وبابه مغلوق، حتى إذا جاءه فتحَ الباب في وجهه، ففاجأته روعته وألمه، بخلاف ما لو فُتِحَ له قبل مجيئه. وهذا بخلاف أهل الجنة فإنهم لما كانوا مساقين إلى دار الكرامة، وكان من تمام إكرام المدعوِّ الزائر أن يُفتح له بابُ الدار، فيجيء فيلقاه مفتوحًا، فلا يَلْحقه ألم الانتظار، فقال في أهل الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وحُذف الجوابُ تفخيمًا لأمره، وتعظيمًا لشأنه على عادتهم في حذف الجوابات لهذا المقصد. وهذه الطريقة تريحك من دعوى زيادة "الواو"، ومن دعوى كونها واو الثمانية؛ لأن أبواب الجنة ثمانية، فإن هذا لو صحَّ فإنما يكون إذا كانت (ظ / ١٢١ ب) الثمانية سوقة في اللفظ واحدًا بعد واحد، فينتهون إلى السبعة، ثم يستأنفون العددَ من الثمانية بـ"الواو"، وهاهنا لا ذِكْر للفظ الثمانية في الآية ولا عدها، فتأمله. على أن في كون "الواو" تجيء للثمانية كلام آخر (ق/١٦٠ أ) قد ذكرناه في "الفتح المكِّي" وبينا المواضعَ التي ادعِى فيها أن "الواو" للثمانية، وأين يمكن دعوى ذلك وأين يستحيل (١)؟. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بأن سيِّد الخلائق ﷺ يأتي بابَ

стр. 755

الجنة فيلقاه مغلقًا حتى يستفتحه (١). قلنا: هذا من تمام إظهار شرفه وفضله على الخلائق، أن الجنة تكون مغلقة فلا تفتح لأهلها إلا على يديه، فلو جاءها وصادفها مفتوحة، فدخلها هو وأهلها، لم يعلم الداخلون أن فتحَها كان على يديه، وأنه هو الذي استفتحها لهم، ألا ترى أن الخلق إذا راموا دخول باب مدينة أو حِصْن وعجزوا ولم يمكنهم فتحه، حتى جاء رجلٌ ففتحه لهم أحوجَ ما كانوا إلى فتحِه، كان في ذلك من ظهور سيادته عليهم، وفضله وشرف ما لو (٢) جاء هو وهم فوجدوه مفتوحًا. وقد خرجنا عن المقصود وما أَبْعَدْنا، ولا تستطِلْ هذه النكت (٣)، فإنك لا تكاد تجدها في غير هذا التعليق، والله المانُّ بفضله وكرمه. فصل وأما السؤال التاسع عشر وهو: دخول "الواو" في قوله ﷺ : "إذا سَلَّم عليكُمْ أهْلُ الكتاب فقُوْلُوا: وعليكُمْ" (٤)، فقد استَشْكَلها كثيرٌ من الناس كما ذُكِر في السؤال، وقالوا: الصواب حذفُها، وأن يقال: "عليكم". قال الخطَّابي (٥): "يرويه عامة المحدثين بـ"الواو" وابنُ عيينة يرويه بحذفها، وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف "الواو" صار

стр. 756

قولهم الذي قالوا بعينه مردودًا عليهم، وبإدخال "الواو" يقع الاشتراك معهم، والدخول فيما: قالوه، لأن الواو حرف العطف والاجتماع بين الشيئين". قلتُ: معنى ما أشار إليه الخطابي: أن "الواو" في مثل هذا تقتضي تقرير الجملة وزيادة الثانية عليها، كما إذا قلت: "زيدٌ كاتب"، فقال المخاطب "وشاعر"، فإنه يقتضي إثبات الكتابة له وزيادة وصف الشعر، وكذلك إذا قلت لرجل: "فلان محب لك"، فقلت: و"مُحْسن إليَّ". ومن هنا استنبط السُّهيلي في "الروض" (١) أن عِدَّة أصحاب الكهف سبعة، قال: لأن الله تعالى عطفَ عليهم الكلب بحرف "الواو" فقال: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ولم يذكر "الواو" فيما قبل ذلك من كلامهم، و"الواو" تقتضي تقرير الجملة الأولى، وما استنبطه حسَن؛ غير أن إنما يفيد إذا كان المعطوف بالواو ليس داخلاً في جملة قولهم، بل يكون (ق/١٦٠ ب) قد حكى سبحانه أنهم قالوا: "سبعة"، ثم أخبر تعالى أن ثامنهم كلبهم، فحينئذٍ يكون ذلك تقريرًا لما قالوه وإخبارًا بكون الكلب ثامنًا، وأما إذا كان الإخبار عن الكلب من جملةِ قولهم، وأنهم قالوا هذا وهذا، لم يظهر ما قاله ولا تقتضي الواو في ذلك تقريرًا ولا تصديقًا، فتأمَّلْه. وأما قوله: "المحدثون يروونه بالواو"، فهذا الحديث رواه عبد الله (٢) ابن عمر أن النبي ﷺ : قال: "إنَّ اليهودَ إذا سَلَّمَ عَلَيكُم أحدُهم فإنما

стр. 757

يقول: السَّامُ عليكم، فقولوا: وعليكم، (١)، قال أبو داود (٢): "وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار. ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار، وقال فيه: وعليكم". انتهى كلامه. وأخرجه الترمذي (ظ/ ١٢٢ أ)، والنسائي كذلك، ورواه مسلم (٣) وفي بعض طرقه: "فقل: عليك"، ولم يذكر "الواو". وحديث مالك الذي ذكره أبو داود أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤)، وحديث سفيان الثوري متفق عليه (٥)، كلها بالواو. وأما ما أشار إليه الخطابي من حديث ابن عيينة؛ فرواه النسائي في "سننه" (٦) بإسقاط الواو (٧). وإذا عُرف هذا؛ فإدخال الواو في الحديث لا تقتضي محذورًا البتة، وذلك لأن التحية التي يحيُّون بها المسلمين غايتها الإخبار بوقوع الموت عليهم وطلبه؛ لأن السَّام معناه: الحوت، فإذا حيوا به المُسْلم فردُّه عليهم كان من باب القصاص والعدل، وكان مضمون ردَّه: أنا لسنا نموت دونكم، بل وأنعم -أيضًا- تموتون، فما تمنيتموه لنا حالٌ بكم واقعٌ عليكم.

стр. 758

وأحسن من هذا أن يقال: ليس في دخول الواو تقرير لمضحون تحيتهم، بل فيه ردها وتقريرها لهم، أي: ونحن أيضًا ندعو عليكم بما دعوتم به علينا، فإن دعاءَهم قد وقع، فإذا رَدَّ عليهم المجيبُ بقوله: "وعليكم"، كان في إدخال الواو سِرّ لطيف، وهو الدلالة على أن هذا الذي طلبتموه لنا ودعوتم به، هو بعينه مردودٌ عليكم لا تحية غيره، فإدخال "الواو" مفيدٌ لهذه الفائدة الجليلة. وتأمل هذا في مقابلة الدعاء بالخير إذا قال: "غفر الله لك"، فقال له: "ولك"، المعنى: أن هذه الدعوة بعينها مني لك، ولو قلت: "غفر الله لك": فقال: "لك"؟ لم يكن فيه إشعار بأن الدعاء الثاني هو الأول بعينه، فتأمله فإنه بديع جدًّا. وعلى هذا فيكون الصواب إثبات الواو كما هو ثابت في "الصحيح" و"السنن". فهذا ما ظهر لي في هذه اللفظة، فمن وجدَ شيئاً فَلْيلْحِقْه بالهامش (ق/ ١٦١ أ)، يَشكُرِ اللهُ وعبادُه له سَعْيَه، فإن المقصودَ الوصولُ إلى الصواب، فإذا ظهر؛ وضِعَ ما عداه تحت الأرجل، وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة بما أمكننا (١) في كتاب "تهذيب السنن" (٢)، وأدلّه أعلم (٣). فصل وأما السؤال العشرون وهو: ما الحكمة في اقتران الرحمة والبركة بالسلام؟.

стр. 759

فالجواب عنه أن يقال: لما كان الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلا بثلاثة أشياء: أحدها: سلامته من الشر، ومن كل ما يضاد حياته وعيشه. والثاني: حصولُ الخير له. والثالث: دوامه وثباته له. فإن بهذه الثلاثة يكمل انتفاعُه بالحياة، فشُرِعَت التحية متضمنة للثلاثة، فقوله: "سلام عليكم" يتضمن السلامة من الشر، وقوله: "ورَحْمَةُ الله" يتضمن حصول الخير. وقوله: "وبركاته" يتضمن دوامه وثباته كما هو موضوع لفظ البركة، وهو كثرة الخير واستمراره. ومن هاهنا يعلم حكمة اقتران اسمه الغفور ﵎ باسمه الرحيم في عامة القرآن. ولما كانت هذه الثلاثة مطلوبة لكل أحد، بل هي متضمنة لكل مطالبه، وكلّ المطالب دونها وسائل إليها وأسباب لتحصيلها؛ جاءَ لفظ التحية دالاً عليها بالمطابقة تارة، وهو "كمالها"، وتارة دالاً عليها بالتضمن، وتارة دالاً عليها باللزوم، فدلالة اللفظ عليها مطابقة إذا ذُكِرَت بلفظها، ودلالته عليها بالتضمُّن إذا ذُكِر السلام والرحمة فإنهما يتضمنان الثالث، ودلالته عليها باللزوم إذا اقتصر على لفظ السلام وحدَه، فإنه يستلزم حصول الخير وثباته؛ إذ لو عُدِم لم تحصل (ظ / ١٢٢ ب) السلامة المطلقة، فالسلامة مستلزمة لحصول الرحمة كما تقدم تقريره. وقد عوف بهذا فضلُ هذه التحية وكمالُها على سائر تحيات الأمم، ولهذا اختارها الله لعباده وجعلَها تحيتهم بينهم في الدنيا وفي دار السلام. وقد بانَ لك أنها من محاسن الإسلام وكماله، فإذا كان

стр. 760

هذا في فرْع من فروع الإسلام، وهو التحية التي يعرفها الخاصُّ والعام، فما ظَنُّكَ بسائر محاسنِ الإسلام وجلالته وعظمته وبَهْجته التي شهدت بها العقول والفِطَر، حتى إنها من أكبر الشواهد وأظهر البراهين الدالَّة على نبوَّة محمد ﷺ ، وكمال دينه وفضله وشرف على جميع الأديان، (ق/ ١٦١ ب) وأن معجزته في نفسِ دعوته، فلو اقتصر عليها كانت آيةً وبرهانا على صِدْقه، وأنه لا يحتاج معها إلى خارق ولا آية منفصلة، بل دينُه وشريعته ودعوتُه وسيرتُه من أعظم معجزاته عند الخاصة من أمته، حتى إن إيمانهم به إنما هو مُسْتند إلى ذلك، والآيات فى حقِّهم مقويات بمنزلة تظاهر الأدلة. ومن فَهِمَ هذا انفتح له باب عظيم من أبواب العلم والإيمان، بل باب من أبواب الجنة العاجلة، يرقص القلب فيه طرباً، ويتمنى أنه له بالدنيا وما فيها. وعسى الله أن يأتي بالفتح أو أَمْر (١) من عنده، فيساعد على تعليق كتاب يتضمَّن ذكْر بعض محاسن الشريعة، وما فيها من الحِكم البالغة، والأسرار الباهرة، التي هي من أكبر الشواهد على كمال علم الرب -تعالى- وحكمته ورحمته وبره بعباده ولطفه بهم، وما اشتملت عليه من بيان مصالح الدارين والإرشاد إليها، وبيان مفاسد الدارين والنهي عنها، وأنه -سبحانه- لم يرحمهم في الدنيا (٢) برحمة ولم يحسن إليهم إحسانَا أعظم من إحسانه إليهم بهذا الدين القَيِّم وهذه الشريعة الكاملة، ولهذا لم يذكر في القرآن لفظ "المنَّة عليهم" إلا في سياق ذكرها؛ كقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي

стр. 761

ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]، فهي مَحْض الإحسان إليهم، والرأفة بهم، وهدايتهم إلى ما به صلاحهم في الدنيا والآخرة، لا أنها محض التكليف والامتحان الخالي عن العواقب الحميدة والغايات التي لا سبيل إليها إلا بهذه الوسيلة، فهي لغاياتها المجربة المطلوبة (١) بمنزلة الأكل للشبع، والشرب للرِّي، والجماع لطلب الولد، وغير ذلك من الأسباب التي رُبطَت بها مسبباتها بمقَتضى الحكمة والعِزَّة، فلذلك نُصبَ هذا الصراطَ المستقيم وسيلة وطريقًا إلى الفوز الأكبر والسعادة، ولا سبيلَ إلى الوصول إليه إلا من هذه الطريق، كما سبيلَ إلى دخول الجَنَّة إلا بالعبور على الصراط، فالشريعةُ هي حياة القلوب، وبَهْجة النفوس، ولذة الأرواح، والمشقة الحاصلة فيها والتكليف وقع بالقصد (ق/ ١٦٢ أ) الثاني كوقوعه في الأسباب المفْضية إلى الغايات المطلوبة، لا أنه مقصود لذاته، فضلاً (ظ / ١٢٣ أ) عن أن يكون هو المقصود لا سواه. فتأمل هذا الموضع، وأعطه حقه من الفِكْر في مصادرها ومواردها، يَفْتَح لك بابًا واسعًا من العلم والإيمان، فتكون من الراسخين في العلم، من الذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. وكما أنها آية شاهدة له على ما وصفَ به نفسَه من صفات الكمال؛ فهي آية شاهدةٌ لرسوله بأنه رسولُه حقًّا، وأنه أعرفُ الخلق وأكملهم وأفضلهم وأقربهم إلى الله وسيلة، وأنه لم يُؤْتَ عبدٌ مثل ما أُوْتي، فَوالَهْفاه (٢)

стр. 762

على مساعدٍ على سلوكِ هذه الطريق، واستفتاحِ هذا الباب، والإفضاء إلى ما وراءَه ولو بشَطْر كلمة؛ بل والهفاه على من لا يتصدَّى لقطع الطريق، والصَّدِّ عن هذا المطلب العظيم، ويَدَع المَطِي وَجَادَّتها، ويعطي القَوْسَ باريها، ولكن إذا عَظمَ المطلوب قلَّ المساعد وكَثرُ المعارض والمعاند، وإذا كان الاعتماد على مجرَّد مواهب اللهِ وفضله، ويعينه (١) ما يتحمله المتحمل من أجله، فلا [يَثْنِكَ شَنآنُ] (٢) من صدَّ عن السبيل وصَدَف، ولا تنقطع مع من عَجَزَ عن مواصلة السُّرى ووقف، فإنما هى مُهْجة واحدة، فانظر فيما تجعل تَلَفها، وعلى من تحتسب خَلَفها. أنتَ القتيلُ بكلِّ (٣) مَنْ أَحْبَبْتَه ... فانظرْ لنفسِكَ في الهوى مَنْ تَصْطَفِي (٤) وأنفق أنفاسك فيما شئتَ، فإن تلك النفقة مردودة بعينها عليك، وصائرة لا سواها إليك، وبين العبد وبين السعادة والفلاح صَبْر ساعةٍ لله، وتحمُّل مَلامة في سبيل الله. ومَا هِيَ إلا ساعَةٌ ثم تنقضي ... ويَذهبُ هذا كُلُّهْ ويزولُ وقد أطلنا ولكن ما أمللنا، فإن قلبًا فيه أدنى حياة يهتزُّ إذا ذُكِر الله ورسوله، ويود أن لو كان المتكلِّم كلُّه أَلْسِنةً تالية، وأن السامعَ كله آذان واعية، ومن لم يجد قلبه ثَمَّ، فليشتغل بما يُناسِبُه، فكُلٌّ ميسَّر لما خُلِق له، وكل يعمل على شاكِلته.

стр. 763

وكلُّ امرئٍ يَهْفو إلى مَنْ يحِبُّه ... وكلُّ امرئٍ يَصْبُو إِلى ما ينَاسِبه (١) فصل وقد عرفتَ بهذا جواب السؤال الحادي والعشرين، وأن كمال التحيةِ عند ذكر البركات، إذ قد استوعَبَت هذه الألفاظ الثلاث جميع المطالب من دفع الشرِّ، وحصول الخير، وثباته وكثرته ودوامه، فلا معنى للزِّيادة عليها، ولهذا جاءَ في الأثر المعروف: "انتهى السلامُ إلى: وبَرَكاته" (٢). فصل وأما السؤال الثاني والعشرون، وهو: ما الحكمة في إضافة الرحمة والبركة إلى الله تعالى، وتجريد السلام عن الإضافة؟. فجوابه: أن السلامَ (ق ١٦٢/ ب) لما كان اسمًا من أسماء الله تعالى، استغنى بذكره مطلقًا عن الإضافة إلى المسمى، وأما الرحمة والبركة فلو لم يُضافا إلى الله لم يُعلم رحمة مَنْ ولا بركة مَنْ تطلب. فلو قيل: "عليكم ورحمته وبركته" لم يكن في هذا اللفظ إشعار بالراحم المبارك الذي تطْلَب الرحمة والبركة منه، فقيل: "ورحمة الله وبركاته"، وجواب ثانٍ وهو: أن السلام يُرَاد به قول المسلم: "سلام عليكم"،

стр. 764

وهذا في الحقيقة مضاف إليه ويُرَاد به حقيقة السلامة المطلوبة من "السلام" ، وهذا يُضاف إلى الله، فيُضاف هذا المصدر إلى الطالب الذَّاكر تارة وإلى المطلوب منه تارة، فأُطْلِق ولم يضف (١). وأما الرحمة والبركة فلا تُضاف إلا إلى الله وحدَه، ولهذا لا يقال: "رحمتي وبركتي عليكم"، ويقال: "سلامٌ مني عليكم" (٢)، "وسلام من فلان على فلان". وسرُّ ذلك: أن لفظ السلام اسم للجملة القولية، بخلاف الرحمة والبركة، فإنهما (ظ/١٢٣ ب) اسمان لمعنييهما دون لفظيهما فتأمَّله فإنه بديع. وجواب ثالث: وهو أن الرحمة والبركة أتم من مجرَّد السلامة، فإن السلامة (٣) تبعيد عن الشر، وأما الرحمة والبركة فتحصيل للخير وإدامة له وتثبيت وتنمية، وهذا أكمل، فإنه هو المقصود لذاته، والأول وسيلة إليه، ولهذا كان ما يحصل لأهل الجنةِ من النعيم أَكمل (٤) من مجرَّد سلامتهم من النار، فأُضيفَ إلى الرب ﵎ أكمل المعنيين وأتمهما لفظًا، وأُطْلِق الآخر وفهمت (٥) إضافته إليه معنًى من العطف وقرينة الحال، فجاءَ اللفظُ على أَتمِّ نظامٍ وأحسنِ سياق. فصل وأما السؤال الثالث والعشرون وهو: ما الحكمة في إفراد السلام

стр. 765

والرحمة وجمع البركة؟. فجوابه: أن السلامَ إما مصدر مَحْض فهو شيءٌ واحدٌ فلا معنى لجمعه، وإما اسم من أسماء الله فيستحيل أيضًا جمعه، فعلى التقديرين لا سبيل إلى جمعه. وأما الرحمة؛ فمصدر أيضًا بمعنى التعطُف والحنان فلا تُجْمع أيضًا، والتاء فيها بمنزلتها في "الخلة والمحبة والرأفة والرقة"، ليست للتحديد بمنزلتها في "ضربة وتمرة"، فكما لا يقال: "رقات ولا خلات ولا رأفات"، لا يقال: "رحمات"، وهنا دخول الجمع يُشعر بالتحديد والتقييد بعددٍ، وإفراده يُشْعر بالمسمى مطلقًا من غير تحديد، فالإفراد هنا أكمل وأكثر (١) معنى من الجمع، وهذا بديع جدًا أن يكون مدلول الفرد أكثر من مدلول الجمع، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ﴾ [الأنعام: ١٤٩] أعمَّ وأتمَّ معنى من أن يقال: "فلله الحُجَج البوالغ"، وكان قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] أتمّ معنًى من أن (ق/١٦٣ أ)، يقال: وإن تعدُّوا نِعَم الله لا تحصوها. وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] أتمّ معنًى من أن يقال: "حسنات". وكذا قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧١]، ونظائره كثيرة جدًّا، وسنذكر سِرَّ هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما البركة؛ فإنها لما كان (٢) مسماها كثرة الخير واستمراره شيئًا بعد شيء، كلما انقضى منه فرد خَلَفه فردٌ آخر، فهو خير مستمرٌّ

стр. 766

يتعاقب الأفراد أن على الدوام شيئًا بعد شيءٍ، كان لفظ الجمع أولى بها لدلالته على المعنى المقصود بها، ولهذا جاءت في القرآن كذلك في قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] فأفردَ الرحمةَ وجمعَ البركةَ، وكذلك في السلام في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". فصل واعلم أن الرحمة والبركة المضافتين إلى الله ﵎ نوعان: أحدهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله. والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها. فمن الأول قوله في الحديث الصحيح: "احْتَجَّتِ الجنةُ والنَّارُ" فذكر الحديث، وفيه: "فقال للجنةِ: إنَّما أنْتِ رَحْمتي أرْحم بكِ منْ أشَاءُ" (١)، فهذه رحمة: مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق تعالى، وسماها رحمةً؛ لأنها خُلِقت بالرحمة وللرحمة، وخُصَّ بها أهل الرحمة، وإنما يدخلها الرّحماء، ومنه قوله ﷺ : "خلقَ الله الرَّحمةَ يومَ خَلَقها مائةَ رحمة كلُّ رحمة منها طِبَاق ما بينَ السَّماء والأرض" (٢) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا

стр. 767

رَحْمَةً﴾ [هود: ٩] ومنه تسميته -تعالى- المطرَ رحمةً بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وعلى هذا فلا يمتنع الدُّعاء المشهور بين الناس قديمًا وحديثاً، وهو قول الداعي: "اللهمَّ اجْمَعْنا في مسْتقَرِّ رَحْمَتِك"، وذكره البخاريّ في كتاب "الأدب المفرد" (١) له عن بعض السلف (٢)، وحكى فيه الكراهة قال: لأن مستمرَّ رحمته ذاتُه، وهذا بناء على أن الرحمة هنا صفة، وليس مراد الداعي ذلك؛ بل مرادُه الرحمةُ المخلوقةُ التي هى الجنة. ولكن الدين كرهوا ذلك لهم نظر دقيق جدًّا (ظ/ ١١٢ أ)، وهو: أنه إذا كان المراد بالرحمة الجنة نفسها، لم يَحْسُن إضافة المستقر إليها، ولهذا لا يَحْسُن أن يُقال: "اجمعنا في مستقرِّ جنتك"، فإن الجنة نفسها هى دارُ القرار وهى المستقر نفسُه، كما قال تعالى: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان: ٧٦]، فكيف يضاف المستقر إليها، والمُسْتَقَر هو المكان الذي يَسْتَقِر فيه الشيء، ولا يصحّ أن يَطْلُب الداعي الجمع في المكان الذي تستقر فيه الجنة فتأمله. ولهذا قال: "مستقر رحمته ذاتُه"، فالصواب أن هذا لا يمتنع، وحتى لو قال صريحاً: "اجمعنا في مستقرِّ جنتك" لم يمتنع، وذلك أن المستقر (ق ١٦٣/ ب) أعمّ من أن يكون رحمة أو عذاباً، فإذا أُضيفَ إلى أحدِ أنواعه أُضِيْف إلى ما يُبيّنه ويميزه من غيره، كأنه قيل: في المستقرِّ الذي هو رحمتك، لا في المستقرِّ الآخر. ونظير هذا أن يقول: "اجلس في مستقر المسجد"، أي: المستقر

стр. 768

الذي هو (١) المسجد، والإضافة في مثل ذلك غير ممتنعة ولا (٢) مستكرهة. وأيضًا فإن الجنة وإن سُمِّيت رحمة، لم يمتنع أن يسمَّى ما فيها من أنواع النعيم رحمة. ولا ريب أن مستقر ذلك النعيم هو الجنة، فالداعي يطلب أن يجمعَه اللهُ ومن يحب فى المكان الذي تستقرُّ فيه تلك الرحمة المخلوقة في الجنة، وهذا ظاهر جدًّا فلا يمتنع الدعاءُ بوجه، والله أعلم (٣). وهذا بخلاف قول الداعي: "يا حَيُّ يا قَيُّوْمُ برَحْمَتِكَ أَسْتَغيثُ" (٤)، فإن الرحمةَ هنا صفته ﵎، وهي متعلَّق الاستغاثة، فإنه لا يُسْتغاث بمخلوق، ولهذا كان هذا الدعاءُ من أدعيةِ الكرب لما تضمَّنه من التوحيد والاستغاثة برحمة أرحم الراحمين، متوسِّلاً إليه باسمين عليهما مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما مرجع معانيها جميعها، وهو اسم: الحيّ القيُّوم. فإن الحياةَ مستلزمةٌ لجميع صفات الكمال، ولا يتخلَّف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكملَ حياة وأتمها استلزم إثباتُها إثباتَ كلِّ كمال يضاد نفي كمال الحياة، وبهذا

стр. 769

الطريق العقلي أثبت متكلمو أهل الإثبات له تعالى صفةَ السمع والبصر والعلم والإرادة والقدرة (١) والكلام وسائر صفات الكمال. وأما القيوم؛ فهو متضمن كمالَ غِناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه لا يحتاج إلى من يقيمه بوجه من الوجوه، وهذا من كمال غناه بنفسه عما سواه، وهو المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، وهذا من كمال قدرته وعزته، فانتظمَ هذان الاسمان صفاتِ الكمال والغنى التام والقدرة التامة. فكأن المستغيث بهما مستغيث بكل اسم من أسماء الرب تعالى وبكل صفة من صفاته، فما أولى الاستغاثة بهذين الاسمين أن تكون في مظنة تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإنالة الطلبات. والمقصود: أن الرحمةَ المستغاث بها هي صفة الرب تعالى لا شيء من مخلوقاته، كنا أن المستعيذ بعزته في قوله: "أعُوذُ بعِزتك" (٢) مستعيذ بعزته التي هي صفته، لا بعزته التي خلقها يُعِزَ بها عبادَه المؤمنين. وهذا كله يقرر قولَ أهل السنة أن قولَ النبي ﷺ : "أعود بكَلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ" (٣) يدل على أن كلماته ﵎ غير مَخلوقة، فإنه لا يسْتعاذ بمخلوق. وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فهذه رحمة الصفة التىِ وسعتْ كلَّ شيء، كنا قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤) [الأعراف: ١٥٦]، وسَعَتُها عمومُ تعلقها بكلِّ شئ، كما أن سَعَة علمه

стр. 770

تعالى عموم تعلقه بكلِّ معلوم. فصل وأما البركة فكذلك: نوعان أيضًا: أحدهما: بركةٌ هي فعله ﵎، والفعل منها "بارك"، ويتعدَّى بنفسه تارة، وبأداةِ "على" تارة، وأداةِ "في" تارة، والمفعول منها "مبارك" وهو ما جُعِل كذلك (ظ/١٢٤ ب)، فكان مباركًا يجعله تعالى. والنوع الثاني: بركة تضاف (١) إليه إضافة الرحمة والعِزَّة، والفعل منها "تبارك"، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له ، فهو سبحانه المتبارك، وعبده ورسوله المبارك، كما قال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] فمن (٢) بارك الله فيه وعليه فهو المبارك. وأما صيغة "تبارك" فمختصَّة به تعالى كما أَطلَقها على نفسه بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٦٤)﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾ [الزخرف: ٨٥]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ﴾ [الفرقان: ٦١]

стр. 771

أفلا تراها كيف اطَّردت في القرآن جارية عليه مختصَّةَ به، لا تطلق على غيره، وجاءت على بناءِ السَّعَة والمبالغة، كتعالى وتعاظم ونحوه، فجاء بخاء "تبارك" على بناء "تعالى" الذي هو دال على كمال العلوِّ ونهايته، فكذلك "تبارك" دال على كمال بركته وعظمها وسَعَتها. وهذا معنى قول من قال من السلف: "تبارك: تعاظم". وقال آخر: معناه أن تجيء البركات من قِبلِه، فالبركة كلُّها منه. وقال غيره: كثرَ خيره وإحسانُه إلى خلقه. وقيل: اتسعت رأفته ورحمته بهم. وقيل: تزايد عن كلّ شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله. ومن هنا قيل: معناه: تعالى وتعاظم، وقيل: تبارك تقدس، والقدس (١) الطهارة. وقيل: تبارك أي: باسمه يُبارَك في كلِّ شيء. وقيل: تبارك ارتفع، والمبارك المرتفع، ذكره البغوي (٢). وقيل: تبارك أي البركة تكتَسَب وتنال بذكره. وقال ابن عباس: جاءَ بكلِّ بركة. وقيل: معناه ثبتَ ودامَ بما لم يزل ولا يزال، ذكره البغوي -أيضًا-. وحقيقةُ اللفظة: أن البركة (ق / ١٦٤ ب] كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلاً منه ﵎، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان، لكن الأليق باللفظة معنى الوصف لا الفعل، فإنه فعل لازم مثل تعالى وتقدَّس وتعاظم. ومثل هذه الألفاظ ليس (٣) معناها أنه جعل غيره عالًا ولا قدوسًا ولا عظيمًا، وهذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه، وإنما معناها في نفس من نُسِبت إليه فهو المتعالي المتقدس في نفسه، فكذلك "تبارك" لا

стр. 772

يصح أن يكون معناها بارك في غيره، وأين أحدهما من الآخر لفظًا ومعنى، هذا لازم وهذا متعد، فعلمتَ أن من فسَّر "تبارك" بمعني: ألقى البركةَ وباركَ في غيره لم يُصِب معناها، وإن كان هذا من لوازم كونه تعالى متباركًا، فتبارك من باب مَجُد، والمَجْد: كثرة صفات الجلال والكمال والسَّعه والفضل، وبارك من باب أَعْطى وأنعَمِ، ولما كان المتعدِّي في ذلك يستلزم اللازم من غير عَكْس فَسَّرَ من فسَّرَ من السلف اللفظة بالمتعدي لينتظم المعنيين، فقال: مجيء البركة كلِّها من عنده، أو البركة كلّها من قِبَلِه، وهذا فرع على تباركه في نفسه. وقد أشبعنا القولَ في هذا في كتاب "الفتح المكي"، وبينا هناك أن البركة كلَّها له تعالى ومنه، فهو المتبارك (١)، ومن ألقى عليه بركته فهو المبارك، ولهذا كان كتابه مباركًا، ورسوله مباركًا، وبيته مباركًا، والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة؛ فلَيْلَة القَدْر مباركة، وما حول المسجد الأقصى مبارك، وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة (٢)، وتدبر قول النبي ﷺ في حديث ثوبان الذي رواه مسلم في "صحيحه" (٣) عند انصرافه من الصلاة: "اللهمَّ (ظ/١٢٥ أ) أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ تَبارَك يا ذا الجَلالِ والإكرَام"، فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نَوْعي الثناء، أعني: ثناء التنزيه والتسبيح، وثناءَ الحمد والتمجيد بأبلغ لفظٍ وأوجزه وأتمه معنى، فأخبر أنه السلامُ ومنه السلام، (فالسلام): له وصفاً وملكًا، وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام، وأن

стр. 773

صفاتِ كماله ونعوتَ جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام، وكذا (الحمد) كله له وصفًا وملكًا، فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاءُ من عبادِه محمودًا فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك (العِزَّة) كلها له وصفًا ومُلْكًا، وهو العزيز الذي لا شيءَ أعز منه، ومن عز من عباده (١) فبإعزازه له. وكذلك (الرحمة) كلها له وصفًا وملكًا. وكذلك (ق / ١٦٥ أ) البركة فهو المتبارك في ذاته الذي يبارك فيمن شاءَ من خَلْقه وعليه فيصير بذلك مباركًا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾ [الزخرف: ٨٥]. وهذا بِسَاط؛ وإنما غاية معارف العلماء الدُّنو من أول (٢) حواشيه وأطرافه، وأما ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق بالله، وأقربهم إلى الله، وأعظمهم عنده جاهًا: "لا أُحْصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثنيتَ على نَفْسِك" (٣)، وقال في حديث الشفاعة الطويل: "فأَخِرُّ ساجِدًا لربي فيفتح عليَّ مِنْ مَحامِدِه بما لا أحْسِنُه الآنَ" (٤)، وفي دعاء الهمِّ والغم: "أسألكَ بكلِّ اسم هو لكَ سَمَّيتَ به نفسَكَ أو أنْزَلْته في كتابك أو علَّمْتَه أحدًا من خَلْقِك أو اسْتأثرتَ به في عِلْم الغيبِ عِنْدَك" (٥)، فدلَ على أن لله أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده (٦) دون خلقِه، لا يعلمها مَلك مقرَّب ولا نبى مُرْسَل. وحسبنا الإقرار بالعَجْز

стр. 774

والوقوف عند ما أَذِن لنا فيه من ذلك، فلا نغلو فيه ولا نجفو عنه، وبالله التوفيق. فصل وأما السؤال الرابع والعشرون وهو: ما الحكمة في تأكيد الأمر بالسلام على النبيِّ ﷺ بالمصدر دون الصلاة عليه في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾؟ [الأحزاب: ٥٦]. فجوابه: أن التأكيد واقع على الصلاة والسلام، وإن اختلفت جهة التأكيد، فإنه سبحانه أخبر في أول الآية (١) بصلاته عليه، وصلاة ملائكته عليه مؤكِّدًا لهذا الإخبار بحرف "إن" مخبرًا عن الملائكة بصيغة الجمع المضاف إليه، وهذا يفيد العمومَ والاستغراق. فإذا استشعَرَت النفوس أن شأنه ﷺ عند الله وعند ملائكته هذا الشأن، بادرت إلى الصلاة عليه وإن لما تُؤمَر بها، بل يكفي [تنبيهها] (٢) والإشارة إليها بأدنى إشارة، فإذا أمِرت بها لم تحتج إلى تأكيد الأمر، بل إذا جاء مطلق الأمر بادرَتْ وسارعَتْ إلى موافقة الله وملائكته في الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه، فلم يحتج إلى تأكيد الفعل بالمصدر، ولما خلا السلام عن هذا المعنى، وجاءَ في حيِّز الأمر المجود دون الخبر حَسُن تأكيده بالمصدر، ليدل على تحقيق المعنى وتثبيته، ويقوم تأكيد الفعل مقام تكريره (٣)، كما حصل التكرير في الصلاة خبرًا وطلبًا، فكذلك حصل التكرير في السلام فعلاً ومصدرًا،

стр. 775

فتأمله فإنه بديع جدًا، والله (ق / ١٦٥ ب) أعلم. وقد ذكرنا بعض ما في هذه الآية من الأسرار والحكم العجيبة في كتاب "تعظيم شأن الصلاة والسلام على خير الأنام" (١) وأتينا فيه من الفوائد بما يُساوي أدناها رِحلة مما لا يوجد في غيره، ولله الحمد، فلنقتصر على هذه النكتة الواحدة. فصل وأما السؤال الخامس والعشرون وهو: ما الحكمة في تقديم السلام على النبي ﷺ في الصلاة قبل الصلاة عليه؟ وهلا وقعت البداءة بما يدأ الله به في الآية؟. فهذا سؤال -أيضًا- له شأن، لا ينبغي الإضراب عنه صفحًا وتمشيته، (ظ / ١٢٥ ب) والنبيّ ﷺ كان شديد التحري لتقديم ما قدَّمه الله والبداءة بما بدأ به، فلهذا بدأ بالصفا في السعي وقال: "نَبْدَأ بما بَدَأ الله به" (٢) وبدأ بالوجه ثم اليدين ثم الرأس في الوضوء، ولم يخل بذلكَ مرَّة واحدة، بل كان هذا وضوءه إلى أن فارقَ الدنيا، لم يقدِّم منه مؤخَّرًا ولم يؤخر منه مقدَّمًا قط، ولا يقدر أحد ينقل عنه خلاف ذلك لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف (٣)، ومع هذا
следующие страницы →