← Джавами‘

Джавами‘ · id 145410

بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فإذا مصدر بمعنى الوسوسة سواء. قال أصحاب القول الآخر (١): الدليلُ على أنه وصف أن "فَعْلَلَ" ضَرْبَانِ: أحدهما: صحيح لا تكرارَ فيه؛ كَدَحْرَجَ وسَرْهَفَ (٢) وبَيْطَرَ (٣)، وقياس مصدر هذه: "الفَعْلَلَة"، كالَدَحْرَجَة والسَّرْهَفَة والبَيْطَرَة، و"الفِعْلال" -بكسر الفاء- كالسِّرهاف والدِّحْراج، والوصف منه "مفَعْلِلٌ" كمدَحْرِج ومبيْطِر. والثاني: "فَعْلَل" الثنائي المكرر؛ كزَلْزَلَ ودَكْدَكَ ووَسْوَس، وهذا فرعٌ على "فَعْلَلَ" المجرد عن التَّكرار؛ لأن الأصل السلامةُ من التَّكرار، ومصدر هذا النوع والوصف منه مساوٍ لمصدر الأول ووصفه، فمصدره يأتي على "الفعللة"؛ كالوَسْوَسَةِ وَالزَّلْزَلَةِ، و"الفِعْلال" كالزِّلْزَال، وأَقْيَس المصدرين وأولاهما بنوعي فَعْلَلَ: "الفِعْلال" لأمرين: أحدهما: أن "فَعْلَلَ" مشاكل لـ "أفْعَلَ" في عدد الحروف، وفتح الأول والثالث والرابعِ وسكون الثاني، فجُعِل "إفعال" مصدرْ "أفعل"، و"فِعْلال" مصدر "فَعْلك"، ليتشاكل المصدران، كما يتشاكل الفِعْلان، فكان "الفِعْلالُ" أولى بهذا الوزن من "الفعللة". الثاني: أن أصل المصدر أن يخالفَ وزنه وزن فعله، ومخالفة "فِعْلال" لـ "فَعْلَلَ" أشدُّ من مخالفة "فَعْلَلَة" له، فكان "فِعْلال" أحقَّ بالمصدرية من "فَعْلَلَة"، أو تساويا في الاطِّراد مع أن "فَعْلَلَة" أرجحُ في الاستعمال وأكثرُ، هذا هو الأصل.

стр. 877

وقد جاءوا بمصدر هذا الوزن المكرر مفتوح الفاء، فقالوا: "وَسْوَسِ الشيطان وَسْوَاسًا"، و"وَعْوعَ الكلبُ وَعْوَاعًا" إذا عوى، و"عَظْعَظ السَّهْمُ (١) عَظْعَاظًا"، والجاري على القياس: "فِعْلالٌ" بكسر الفاء، أو "فَعْلَلَة"، وهذا المفتوح نادر؛ لأن الرُّباعي الصحيحَ أصلٌ للمتكرِّر، ولم يأتِ مصدر الصحيح مع كونه أصلًا إلاّ على "فَعْلَلَة وفِعْلال" بالكسر، فلم يحسُن بالرباعي المكرّر لفرعيته أن يكونَ مصدَرُه إلا كذلك، لأن الفرعِ لا يخالف أصلَه، بل يحتذي فيه حذوَه، وهذا يقتضي أن لا يكونَ مصدرُه على "فَعْلال" بالفتح، فإن شذَّ حُفِظ ولم يُزَدْ عليه. قالوا: وأيضًا فإن "فَعْلالًا" المفتوح الفاء قد كثر وقوعُه صفةً مصوغةً من "فَعْلَلَ" المكرر ليكون فيه نظير "فَعَّال" من الثلاثي لأنهما متشاركان وزنًا، فاقتضى ذلك أن لا يكون لـ "فَعْلال" من المصدرية نصيبٌ، كما لم يكن لـ "فَعال" فيها نصيبٌ، فلذلك اسْتندروا وقوع: (وَسْوَاس ووَعْوَاع وعَظْعَاظ) مصادر، وإنما حقُّها أن تكون صفاتٍ دالَّةً على المبالغة في مصادر هذه الأفعال. قالوا: وإذا ثبت هذا فحقُّ ما وقع منها محتملًا للمصدرية والوصفية أن يُحمل على الوصفية، حَمْلًا على الأكثر الغالب وتجنبًا للشَّاذِّ، فمن زعم أن (الوَسْوَاس) مصدر مضاف إليه (ذو، تقديرًا، فقوله خارج عن القياس والاستعمال الغالب، ويدلُّ على فساد ما ذهب إليه أمران:

стр. 878

أحدهما: أن كلَّ مصدر أضيف إليه (ذو) تقديرًا فتجرُّدُهُ للمصدرية أكثرُ من الوصف به، كَرِضى وَصَوْم وفِطْر، و"فَعْلال" المفتوح لم يثبُتْ تجرُّدُه للمصدرية إلا فِي ثلاثة ألفاظ فقط (وَسْوَاسْ ووَعْوَاع وعَظْعَاظ)، على أن منع المصدرية في هذا ممكنٌ؛ لأن غاية ما يمكنُ أن يُستدَلَّ به على المصدرية قولهم: وَسْوَس إليه الشيطان وَسْواسًا، وهذا لا: يتعيَّنُ للمصدرية؛ لاحتمال أن يُرَادَ به الوصفية وينتصب: "وَسْواسًا" على الحال، ويكون حالًا مؤكِّدة، فإن الحال قد يؤكَّدُ بها عاملُها الموافق لها لفظًا ومعنًى، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾، نعم إنما تتعيَّن مصدرية (الوَسْوَاس) إذا سُمِع: "أعوذ بالله من وَسْوَاس الشيطان"، ونحو ذلك مما يكون الوَسْوَاس فيه مضافًا إلى فاعله، كما سُمع ذلك في (الوَسْوَسَة) ولكن أين لكم ذلك؟ فهاتوا شاهده؟! فبذلك يتعيّن أن يكون (الوَسْوَاس) مصدرًا لا بانتصابِه (١) بعد الفعل. الوجه الثاني: -من دلِيل فساد من زعم أن وسواسًا مصدرٌ مضافٌ إليه (ذو) تقديرًا-: أنَّ المصدر المضاف إليه (ذو) تقديرًا لا يؤنَّثُ ولا يُثنَّى ولا يُجمعُ، بل يلزمُ طريقةً واحدةً، ليعلمَ أصالته في المصدرية وأنه عارض: الوصفية، فيقال: امرأة صَوْمٌ، وامرأتان صَوْمٌ، ونساءٌ صَوْم، لأن المعنى: ذاتُ صَوْم، وذواتا صَوْم، وذوات صَوْمِ، و"فَعْلال" الموصوف به ليس كذلك، بل يثنَّى ويُجْمَعُ ويؤَنَّثُ فتقول: رجل ثَرْثار، وامرأة ثَرْثَارة، ورجالٌ ثَرْثارنَ.

стр. 879

وفي الحديث: "أبْغَضُكُمْ إلىَّ الثَّرْثَارُونَ المُتَفَيْهِقُون" (١) وقالوا: ريحٌ زَفْزَافةٌ، أي: تُحَرِّكُ الأشجار، وريح سَفْسَافة، أي: تنخِّلُ التُّرابَ، ودِرْعٌ فَضْفاضَةٌ، أىِ: مُتَّسِعَة. والفعل من ذلك كله: "فَعْلَلَ"، والمصدر: "فَعْللَةٌ وفِعْلال" بالكسر، ولم ينقلْ في شيء من ذلك: "فَعْلالٌ" بالفتح. وكذلك قالوا: تَمْتَامٌ، وفَأْفَاءٌ، ولَضْلاضٌ، أي: ماهرٌ فى الدِّلالة، وفَجْفَاجٌ: كثيرُ الكلام، وهَزهارٌ، أي: ضَحَّاكٌ، وكَهْكاهٌ ووطْواطٌ، أي: ضعيفٌ، وحَشحَاشٌ وعَسْعاسٌ، أي: خفيف (٢)، وهو كثير ومصدره كله "الفَعْلَلَة" والوصف "فَعْلال" بالفتح. ومثله: هَفْهَافٌ أي: خَمِيصٌ، ومثله: دَحْدَاحٌ أي: قَصير، ومثله: بَجْبَاج أي: جَسِيم، وتَخْتَاخٌ أي: ألْكَن، وسَمْسَامٌ أي: سريع، وشيءٌ خَشْخَاش أي: مُصَوِّتٌ، وقَعْقَاعٌ مثله، وأسد قَضْقَاضٌ أي: كاسِر، وحيَّةٌ نَضْنَاضٌ: تُحَرِّكُ لسانها. فقد رأيت "فَعْلالًا" في هذا كله وصفًا لا مصدرًا، فما بال الوَسْوَاس أُخْرِج عن نظائره وقياس بابه؛ فثبت أن وَسْوَاسًا وصفٌ لا مصدر؛ كَثَرْثَار وتَمْتَام ودَحْدَاح، وبابه. ويدلُّ عليه وجهٌ آخر وهو: أنه وصَفَه بما يستحيلُ أن يكون مصدرًا، بل هو متعيِّنُ الوصفيَّة وهو الخَنَّاس، فالوسواس والخَنَّاس

стр. 880

وصفانِ لموصوف (١) محذوف وهو الشيطانُ، وحَسَّنَ حذفَ الموصوف هاهنا غلبةُ الوصف حتي صار كالعَلَم عليه، والموصوف إنما يَقْبُحُ حذفُهُ إذا كان الوصفُ مشتركًا فيقعُ اللَّبْسُ؛ كالطَّويل والقبيح والحَسَن، ونحوه، فيتعيَّن ذكرُ الموصوف ليعلم أن الصِّفة له لا لغيره، فأما إذا غلب الوصفُ واختصَّ ولم يعرضْ فيه اشتراك، فإنه يجري مجرى الاسم، ويحسُنُ حذف الموصوف؛ كالمسلم والكافى والبَرِّ والفاجر والقاصي والداني (٢) والشاهد والوالي والأمير (٣) ونحو ذلك، فحَذْف الموصوف هنا أحسن من ذكره، وهذا التفصيلُ أولى من إطلاق مَنْ منَعَ حذْفَ الموصوفِ ولم يفَصِّلْ. ومما يدلُّ على أن الوسواس وصفٌ لا مصدرٌ: أن الوصفيَّة أغلبُ على "فَعْلال" من المصدرية كما تقدَّم، فلو أريد المصدرُ لأتي بـ: (ذو) المضافة إليه، ليزولَ اللَّبْسُ وتَتَعَيَّنَ المصدريَّةُ، فإن اللَّفظ إذا احتمل الأمرين على السواء، فلا بدَّ من قرينةٍ تدُلُّ على تعيينِ أحدهما، فكيف والوصفيةُ أغلبُ عليه من المصدرية!؟. وهذا بخلاف صَوْم وفِطْر وبابهما، فإنها مصادرُ لا تلتبسُ يالأوصاف، فإذا جرت أوصافًا عُلِم أنها على حذف مضافٍ أو تنزيلًا للمصدر منزلةَ الوصف مبالغةً على الطريقتين في ذلك، فتعيَّنَ أن الوَسْواسَ هو الشَّيطَانُ نفسه، وأنَّه ذاتٌ لا مصدرٌ، والله أعلم.

стр. 881

فصل وأما الخنَّاسُ: فهو "فَعَّال" من: خنَسَ يَخْنِسُ: إذا تَوَارى واخْتَفَى. ومنه قول أبي هريرة: "لَقِيَني النَّبِيُّ ﷺ في بعض طرق المدينة وأنا جُنُبٌ فانخَنَسْتُ منه" (١). وحقيقة اللَّفظ اختفاءٌ بعد ظهور، فليست لمجرد الاختفاء؛ ولهذا وُصِفت بها الكواكبُ في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ [التكوير: ١٥]، قال قتادة: هي النجوم تبدو باللَّيل وتخنِسُ بالنَّهار فتختفي ولا تُرَى. وكذلك قال عليٌّ ﵁: هي الكواكبُ تخنس بالنهار فلا (٢) تُرى. وقالت طائفة: الخُنَّسُ: هي الرَّاجعةُ، التي ترجِعُ كلَّ ليلة إلى جهة المشرق، وهي السبعةُ السَّيَّارة، قالوا: وأصل الخُنُوس: الرُّجُوعُ إلى وراء (٣). والخَنَّاسُ هو مأخوذ من هذين المعنيين، فهو من الاختفاء والرجوع والتأخُّر، فإن العبدَ إذا غَفَلَ عن ذكر الله جَثَمَ على قلبه الشيطانُ، وانبسط عليه، وَبَذَرَ فيه أنواعَ الوساوس التي هي أصلُ الذنوب كلها، فإذا ذكر العبدُ ربَّهُ واستعاذ به انخنَسَ وانقبض كما ينخِنسُ الشيءُ يَتَوَارَى، وذلك الانخناسُ والانقباضُ هو -أيضًا- تَجَمُّعٌ ورجوع وتَأَخُّرٌ عن القلب إلى خارج، فهو تأخُّر ورجوعٌ معه اختفاءٌ. وخَنَسَ وانْخَنَسَ يدُلُّ على الأمرين معًا. قال قتادة: الخَنَّاسُ له

стр. 882

خُرْطُوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبدُ ربَّه خَنَسَ (١). ويقالُ: رأسُه كرأس الحيَّة وهو واضعٌ رأسَهُ على ثَمَرَة القلب يُمَنِّيه ويحدِّثُهُ، فإذا ذكر الله تعالى خَنَسَ، وإذا لم يَذْكرْه عادَ ووضَعَ رأسَهُ يوسوِسُ إليه ويُمَنِّيهِ (٢). وجيء من هذا الفعل بوزن: "فعَّال" الذي للمبالغة دون الخَانِس والمُنْخَنِس إيذانًا بشدة هروبه ورجوعه وعِظَم نفوره عندَ ذكر الله، وأن ذلك دأبُهُ ودَيْدَنُهُ، لا أنه يعرِضُ له عند ذكر الله أحيانًا، بل إذا ذُكِرَ اللهُ هَرَبَ وانخنسَ وتأخَّرَ، فإنَّ ذِكْرَ اللهِ هو مِقْمَعَتُهُ التي يُقمعُ بها، كما يُقمعُ المفسدُ والشِّرِّيرُ بالمقامع التي تَرْدَعُهُ؛ من سِياطٍ وحديدٍ وعِصِيٍّ، ونحوها. فذِكْر اللهِ تعالى يقمعُ الشيطانَ ويؤلمُهُ ويؤذيه، كالسِّياط والمقامع التي تؤذي من يُضْرَبُ بها. ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلًا ضئيلًا مضنًى مما يعذبهُ المؤمنُ ويقمعُه به من ذكر الله وطاعته. وفِي أثرٍ عن بعض السلف: "إن المؤمن يُنْضِي شيطانَه، كما

стр. 883

يُنْضِي الرَّجلُ بعيرَهُ في السَّفَر" (١)؛ لأنه كلما اعترضه صبَّ عليه سياطَ الذِّكر والتَّوجُّه والاستغفار والطاعة، فشيطانُه معه في عذاب شديد، ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحةٍ ودَعَة، ولهذا يكون قويًّا (٢) عاتيًا شديدًا. فمن لم يعذبْ شيطانَه في هذه الدار بذكر الله تعالى وتوحيدِه واستغفارِه وطاعته، عذبه شيطانُه في الآخرة بعذاب النار، فلا بُدَّ لكل أحدٍ أن يُعَذِّبَ شيطانَه أو يُعَذِّبُه شيطانُه. وتأمل كيف جاء بناءُ الوسواس مكرَّرًا لتكريره الوسوسة الواحدة مرارًا، حتى يعزمَ عليها العبد، وجاء بناء "الخناس" على وزن "الفَعَّال" الذي يتكرَّر منه نوع الفعل؛ لأنه كلَّما ذكر الله انخنسَ، ثم إذا غفل العبدُ عاوده بالوسوسة، فجاء بناءُ اللفظين مطابقًا لمعنييها. فصل وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ [الناس: ٥] صفةٌ ثالثة للشيطان، فذكر وسوستَه أولًا، ثم ذكر محلَّها ثانيًا، وأنها في صدور الناس، وقد جعل اللهُ للشّيطان دخولًا في جوف العبد، ونفوذًا إلى قلبه وصدره، فهو يجري منه مجرى الدَّمِ، وقد وُكِلَ بالعبد فلا يفارقُه إلى الممات.

стр. 884

وفي "الصحيحين" (١) من حديث الزُّهْري، عن علي بن حسين، عن صَفِيَّة بنت حُيَيّ، قالت: "كان رسول الله ﷺ معتكفًا فأتيتُه أزوره ليلًا، فحدَّثتُه، ثم قمت فانقلبتُ، فقام معي ليقلِبَني -وكان مسكنُها في دار أُسامة بن زيد- فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُما إنَّها صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ"، فقالا: سبحانَ اللهِ يا رسول: الله! فقال: "إنَّ الشَّيطانَ يجري من الإنسانِ مَجْرَى الدَّمِ، وإني خَشِيْتُ أن يَقْذَفَ في قلوبِكُما سواءً" -أو قال: "شيئًا"-. وفي "الصحيح" أيضًا عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: "قال رسول الله ﷺ : "إذا نُوْدِيَ بالصَّلاةِ أدْبرَ الشَّيْطَان وله ضُرَاطٌ، فإذا قُضِي أقْبَلَ، فإذا ثُوِّبَ بها أَدْبَرَ، فإذا قُضِيَ أقْبَل حتى يَخْطرَ بين الإنسانِ وقلبه، فيقول: اذْكُرْ كذا اذْكُرْ كذا، حتَّى لا يَدْرِي أثَلاثا صَلَّى أم أربعًا، فَإذا لم يَدْر أثلاثا صَلَّى أم أرْبَعًا سَجَدَ سَجْدَتى السَّهْوِ" (٢). ومن وسوسته: ما ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يأتي الشَّيْطانُ أحَدَكمْ فيقولُ مَنْ خَلَقَ كذا؟ مَنْ خَلَقَ كذا؟ حتى يقولَ: مَنْ خَلَقَ الله؟ فَمَنْ وَجَدَ ذَلكَ فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ ولْيَنْتَهِ" (٣). وفي "الصحيح" (٤) أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إن أحَدَنا ليجدُ فى نفسه ما لأَنْ يَخِرَّ من السماء إلى الأرض أحَبُّ إليه من أن

стр. 885

يَتكَلَّمَ به، قال: "الحمْدُ للهِ الذي رَدَّ كَيْدَهُ إلى الوَسْوَسَةِ" (١). ومن وسوسته أيضًا: أن يَشغل (٢) القلب بحديثه حتى يُنسِيَهُ ما يريدُ أن يفعلَه، ولهذا يضافُ النسيانُ إليه إضافتَه إلى سَبَبه، قال تعالى حكاية عن صاحب موسى إنه قال: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. وتأمَّلْ حكمةَ القرآن الكريم وجلالَتَهُ كيف أوْقَعَ الاستعاذةَ من شَرِّ الشيطان الموصوف بأنه الوسواس الخنَّاس، الذي يوسوسُ في صدور الناس، ولم يقلْ: من شرِّ وسوسته؛ لتعمَّ الاستعاذةُ شرَّه جميعَه، فإن قوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ [الناس: ٤]، يعم كلَّ شره، ووصفه بأعظم صفاته وأشدِّها شرًّا، وأقواها تأثيرًا، وأعمِّها فسادًا، وهى الوسوسة التي هى مبادئُ الإرادة، فإن القلبَ يكونُ فارغًا من الشر والمعصية، فيوسوسُ إليه، ويُخْطِرُ الذنبَ بباله، فيصوِّرُهُ لنفسه ويُمَنِّيه، ويُشَهِّيه فيصير شهوة، ويُزَيِّنُها له ويُحَسِّنُها ويُخَيِّلُها له في خيالٍ تميلُ نفسه إليه، فيصيرُ إرادة ثم لا يزالُ يُمَثِّلُ ويُخَيِّلُ، ويُمَنِّي ويُشَهِّي، ويُنَسِّي علمه بضررها، ويَطْوي عنه سُوءَ عاقبتها، فيحُوْلُ بينه وبين مطالعته، فلا يرى إلا صورةَ المعصية والتذاذَه بها فقط وينسى ما وراء ذلك، فتصير الإرادةُ عزيمةً جازمةً، فيشتدُّ الحرصُ عليها من القلب، فيبعثُ الجنودَ في الطَّلَب، فيبعثُ الشيطانُ معهم مَدَدًا لهم وعونًا، فإن فَتَروا حرَّكهم، وإن وَنَوْا (٣) أزعجهم، كما قال تعالى:

стр. 886

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣] أي: تُزْعِجهم إلى المعاصي: إزعاجًا، كلَّما فتروا أو وَنَوْا أزعجتهم الشياطينُ، وأَزَّتْهُم وأثارتهم، فلا تزال بالعبد تقودُه إلى الذنب وتنظمُ شمل الاجتماع بألطف حيلة، وأتمِّ مَكِيدة. قد رضي لنفسه بالقيادة لفَجَرة بني آدم، وهو الذي استكبر وأبى أن يَسْجُدَ لأبيهم. فلا بتلك النَّخوة والكبر (١)، ولا برضاه أن يصيرَ قوَّادًا لكل من عصى الله! كما قال بعضُهم (٢): عجبتُ من إبليسَ فِي تِيهِهِ ... وقبحِ ما أظهَرَ مِنْ نَخْوَتِهْ تَاهَ على آدَمَ في سجْدَةٍ ... وصارَ قوَّادًا لِذرِّيَّتهْ فأصل كل معصية وبلاء إنما هو الوسوسة، فلهذا وصَفَه بها لتكون الاستعاذةُ من شرها أهمَّ من كل مستعاذ منه، وإلا فشرُّه بغير الوسوسة حاصل أيضًا. فمن شرِّه: أنه لصٌّ سارقٌ لأموال الناس، فكل طعام أو شراب لم يذكرِ اسمُ الله تعالى عليه، فله فيه حظٌّ بالسَّرقة والخَطْف، وكذلك يبيتُ في البيت إذا لم يذكر فيه اسم الله تعالى، فيأكلُ طعامَ الإنس بغير إذنهم، ويبيتُ في بيوتهم بغير أمرهم، فيدخل سارقًا ويخرج مغِيْرًا. ويدلُّ على عوراتهم، فيأمر العبدَ بالمعصية، ثم يلقي فِي قلوب الناس (٣) يَقظَةً ومنامًا: أنه فعل كذا وكذا. ومن هذا: أن العبدَ يفعل الذنبَ لا يطَّلِع عليه أحدٌ من الناس،

стр. 887

فيصبحُ والناسُ يتحدثون به، وما ذاك إلا أن الشيطانَ زيَّنَة له، وألقاه في قلبه، ثم وسوس إلى الناس بما فعل، وألقاه إليهم، فأوقعه في الذنب، ثم فضحه به، فالرَّبُّ تعالى يسترُه، والشيطانُ (١) يَجْهَدُ في كشف ستره وفضيحته (٢)، فيغترُّ العبدُ ويقول: هذا ذنبٌ لم يَرَهُ إلا اللهُ تعالى، ولم يشعرْ بأنَّ عدُوَّهُ ساعٍ في إذاعته وفضيحته، وَقلَّ من يتفطَّنُ (٣) من الناس لهذه الدقيقة. ومن شره: أنه إذا نام العبدُ عقد على رأسه عُقَدًا تمْنَعهُ من اليَقَظَة، كما في "صحيح البخاري" (٤) عن سعيد بن المُسَيِّب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيةِ رَأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كلِّ عُقْدَه مَكَانَها عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذَكرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيبَ النَّفْسِ، وَإلَّا أصْبَحَ خَبِيثَ النَفْسِ كَسْلانَ". ومن شره: أنه يبولُ في أُذن العبد حتى ينام إلى الصباح، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه ذُكِر عنده رجل نام ليلة حتى أصبحَ، قال: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَان فِي أُذُنَيْهِ، أَوْ قَالَ: فِي أُذُنِهِ" رواه البخاري (٥). ومن شره: أنه قد قعد لابن آدم بطرق الخير كلِّها، فما من طريق من طرق الخير إلا والشَّيْطَانُ مُرْصِدٌ عليه، يمنعُه بجَهْدِه أن يسلُكَهُ،

стр. 888

فإن خالفَه وسلكَه ثَبَّطَهُ فيه وعوَّقَهُ، وشوَّشَ عليه بالمُعارضات والقواطع، فإن عَمِله وفرغ منه، قيَّضَ له ما يُبْطِلُ أثَرَه وَيَرُدُّهُ على حافِرَته. ويكفي من شرِّه: أنه أقسمَ بالله ليقعُدَنَّ لبني آدم صراطه المستقيم، وأقسم لَيَأتِيَّنهُمْ من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أَيْمانهم وعن شمائلهم، ولقد بلغ شرَّه أن أعملَ المكيدة، وبالغ فى الحِيلة، حتى أخرجَ آدَمَ من الجنة، ثم لم يَكْفِهِ ذلك حتى استقطعَ من أولاده شرطة للنَّار من كلِّ ألف تسع مئة وتسعة وتسعين (١)، ثم: لم يكفِهِ ذلك حتى أعملَ الحيلةَ في إبطال دعوة الله من الأرض، وقصد أن تكون الدعوةُ له، وأن: يُعْبَدَ من دون الله فهو ساعٍ بأقصى جَهْده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته، وإقامة دعوة الكفر والشرك، ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض. ويكفي من شَرِّه: أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومُهُ بالمَنْجَنِيق فى النَّار، فردَّ اللهُ تعالى كيدَهُ عليه، وجعل النارَ على خليله بَرْدًا وسلامًا، وتصدَّى للمسيح ﷺ حتى أراد اليهود قتلَه وصلبَه، فرد الله كَيْدَهُ، وصان المسيحَ ورفعه إليه، وتصدَّى لزكريا ويحيى حتى قُتِلا، واستثار (٢) فرعون حتى زَيَّنَ له الفسادَ العظيم في الأرض ودعوى أنه ربُّهم الأعلى، وتصدَّى للنبي ﷺ وظاهر الكفار على قتلة بجَهْده، والله تعالى يكبتُهُ ويَرُدُّهُ خاسئًا، وتفلَّتَ على النبي ﷺ بشهاب من نار يُريد أن يَرمِيَهُ به وهو فى الصلاة، فجعل النبي ﷺ

стр. 889

يقول: "ألْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ" (١)، وأعان اليهودَ على سحرهم للنبي ﷺ . فإذا كان هذا شأنَهُ وهِمَّتَهُ في الشَّرِّ، فكيف الخلاصُ منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته! ولا يمكن حصرُ أجناس شَرِّه فضلًا عن آحادِها، إذ كلُّ شرٍّ في العالم فهو السبَبُ فيه، ولكن ينحصرُ شرُّهُ في ستة أجناس، لا يزالُ بابن آدم حتى ينالَ منه واحدًا منها أو أكثر: * الشر الأول: شرُّ الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم بَرَد أنينُهُ، واستراح من تعبه معه، وهو أوَّلُ ما يُريده من العبد، فلا يزالُ به حتى ينالَهُ منه، فإذا نال ذلك منه صَيَّرَهُ من جنده وعسكره، واستنابه على أمثاله وأشكاله، فصار من دعاة إبليسَ ونوَّابه. * فإن يَئِسَ منه من ذلك، وكان ممن سبق له الإسلامُ في بطن أُمه، نقله إلى المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحبُّ إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضرَرَها في نفس الدين وهو ضرر متعدَّ، وهىِ ذنبٌ لا يتابُ منه، وهي مخالفةٌ لدعوة الرُّسُل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك، فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقيَ أيضًا نائِبَهُ وداعيًا من دعاتِهِ. * فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبدُ ممن سَبَقَتْ له من الله موهبةُ السُنَّة ومعاداة أهل البدَع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشَّرِّ، وهي الكبائرُ على اختَلاف أنواعها، فهو أشدُّ (٢) حرصًا على أن يوقعَه فيها، ولا سيِّما إن كان عالمًا متبوعًا، فهو حريصٌ على ذلك لينفِّرَ الناس عنه، ثم يشيعُ من ذنوبه ومعاصيه في الناس ويستَنِيبُ

стр. 890

منهم من يشيعُها ويذيعُها تديُّنًا وتقرُّبًا بزعمه إلى الله تعالى، وهو نائب إبليسَ ولا يشعرُ، فإن الذين يُحِبُّون أن تشيعَ الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم، هذا إذا أحبُّوا إشاعَتَها وإذاعَتَها (١)، فكيف إذا تولَّوْا هم إشاعَتَها وإذاعَتَها [لا] نصيحة (٢) منهم، ولكن طاعةً (٣) لإبليس ونيابةً عنه؟! كل ذلك لينفِّرَ الناسَ عنه، وعن الانتفاع به، وذنوب هذا ولو بلغت عَنان السَّماء أهونُ عند الله من ذنوب هؤلاء، فإنها ظلمٌ منه لنفسه، إذا استغفرَ اللهَ وتابَ إليه قبل اللهُ وتوبَتَهُ، وبدَّلَ سيئاتِهِ حسنات، وأما ذنوبُ أولئك فظلم للمؤمنين وتَتَبُّعٌ لعورتهم وقصدٌ لفضيحتهم، والله -سبحانه- بالمرصاد لا تخفى عليه كمائنُ الصدور ودسائسُ النفوس. * فإنْ أعْجَزَ الشيطانَ عن هذه المرتبة، نقله إلى المرتبة الرابعة وهي: الصَّغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي ﷺ : "إيَّاكُمْ ومُحَقَّرَاتِ الذُّنُوب، فإنَّ مَثَلَ ذلك مَثَلُ قَوْمٍ نزلوا بفَلاةٍ من الأرض ... " (٤)، وذكر حديثًا معناه: أن كل واحد منهم جاء بعُود

стр. 891

حَطَب حتى أوقدوا نارًا عظيمة فطبخوا واشْتَوَوْا، ولا يزال يُسَهِّلُ عليه أمرَ الصغائر حتى يستهينَ بها، فيكون صاحبُ الكبيرة الخائفُ منها أحسنَ حالًا منه. * فإن أعجزه العبدُ من هذه المرتبة، نقله إلى المرتبة الخامسة، وهي إشغالُه بالمُبَاحات التي لا ثوابَ فيها ولا عِقَابَ، بل عقابها فَواتُ (١) الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها. * فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة وكان حافظًا لوقته شحيحًا به، يعلم مقدارَ أنفاسِهِ وانقطاعها وما يقابلُها من النعيم والعذاب، نقلَه إلى المرتبة السادسة، وهو: أن يشغَلَهُ بالعمل المفضول عما هو أفضل مه، ليزيحَ عنه الفضيلة (٢) ويفوّته ثواب العمل الفاضل، فيأمرُهُ بفعل الخير المفضول، ويحضُّه عليه، ويحسّنه له، إذا تضمَّن ترك ما هو أفضل وأعلى منه، وقلَّ من يَتنْبَّهُ لهذا من الناس، فإنه إذا رأى فيه داعيًا قويًّا ومحرِّكًا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة، فإنه لا يكادُ يقول: إن هذا الداعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمرُ بخير، ويرى أن هذا خيرٌ، فيقول: هذا الداعي من الله، وهو معذورٌ، ولم يصلْ علمُه إلى أن الشيطان يأمره بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما لِيَتَوَصَّلَ بها إلى باب واحد من الشَّرِّ، وإما ليُفَوِّتَ بها خيرًا أعظمَ من تلك السبعين بابًا وأجلَّ وأفضلَ. وهذا لا يتوصلُ إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفهُ في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول ﷺ وشدَّة عنايته بمراتب الأعمال

стр. 892

عند الله وأحبها إليه وأرضاها له، وأنفعها للعبد، وأعمها نصيحةً لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصَّتهم وعامَّتهم، ولا يعرفُ هذا إلا مَن كان من ورثة الرسول ﷺ ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض، وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر بقلوبهم، والله تعالى يمن بفضله على من يشاء من عباده. * فإذا أعجزه العبدُ من هذه المراتب السِّتِّ وأعيا عليه سَلَّطَ عليه حزبَهُ من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير له والتضليل والتبديع والتحذير منه، وقصد إخماله وإطفائه ليُشَوِّشَ عليه قلبَهُ ويشغل بحربه فكره، وليمنعَ الناسَ من الانتفاع به، فِيبقى سعْيُهُ في تسليط المُبْطِلبنَ من شياطين الإنس والجن عليه، لا يَفْتُرُ ولا بَنِي، فحينئذٍ يلبَسُ المؤمن لأُمَةَ الحرب ولا يضعُها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أُسِرَ أو أصيب، فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله. فتأمَّل هذا الفصلَ وتدبَّرْ موقِعَهُ (١) وعظيمَ منفعته، واجعلْه ميزانًا لك تَزِنُ به الناسَ وتَزِنُ به الأعمال، فإنه يُطْلِعكَ على حقائق الوجود ومراتب الخلق، واللهُ المستعان، وعليه التُّكْلان، ولو لم يكنْ في هذا التعليق إلا هذا الفصلُ لكان نافعًا لمن تدبَّرَهُ ووعاه. فصل وتأمل السر في قوله تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾، ولم يقل: في قلوبهم، والصدر هو ساحة القلب (٢) وبيته، فمنه تدخل الواردات إليه، فتجتمعُ فِي الصدر ثم تَلجُ في القلب، فهو بمنزلة

стр. 893

الدِّهْليز له، ومن القلب تخرجُ الأوامرُ والإرادات إلى الصدر ثم تتفرَّقُ على الجنود. ومن فهم هذا فهم قولَه تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيتِه، فيُلْقي ما يريدُ إلقاءه في القلب، فهو موسوِسٌ في الصدر، ووسوسته (١) واصلةٌ إلى القلب، ولهذا قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠]، ولم يقل: فيه؛ لأن المعنى: أنه ألقى إليه ذلك وأوصلَهُ إليه، فدخل في قلبه. فصل وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ اختلف المُفَسِّرونَ في هذا الجارِّ والمجرور: بمَ يتعلَّقُ؟. فقال الفَرَّاءُ (٢) وجماعة: هو بيانٌ للناسِ المُوَسْوَس في صدورهم، والمعنى: يوَسوِسُ في صدور الناس الذين هم من الجَن والإنس، أي المُوَسوَس في صدورهم قسمان: إنس وجن. فالوسواسُ يُوَسوِسُ للجنِّيِّ كما يوسوسُ للإنسي، وعلى هذا القول فيكون "منَ الجنة والناس": نصبًا على الحال؛ لأنه مجرورٌ بعد معرفة على قول البصريين، وعلى قول الكوفيين نصبًا بالخروج من المعرفة، هذه عبارتهم، ومعناها: أنه لما لم يصلحُ أن يكون نعتًا للمعرفة انقطع عنها، فكان موضعُهُ نصبًا، والبصريون

стр. 894

يقدِّرونه حالًا، أي: كائِنِيْنَ من الجِنَّة والنَّاس، وهذا القولُ ضعيفٌ جدًّا لوجوه: أحدها: أنَّه لم يَقمْ دليلٌ على أن الجِنِّيَّ يوسوسُ في صدور الجنِّ، ويدخلُ فيه كما يدخل في الإنسي، ويجري منه مجراه من الإَنسي، فأيُّ دليل يدُلُّ على هذا حتى يصِحَّ حملُ الآية عليه؟. الثاني: أنه فاسدٌ من جهة اللفظ أيضًا، فإنه قال: (الذي يوسوسُ في صدور الناس)، فكيف يبينُ الناس بالناس؟ فإن معنى الكلام على قوله: يوسوِسُ في صدور الناس (١) الذين هم -أو كائنين- من الجنة والناس، أفيجوزُ أن يقالَ: في صدور الناس الذين هم من الناس وغيرهم؟ هذا ما لا يجوزُ، ولا هو استعمالٌ فصَيحٌ!. الثالث: أن يكونَ قد قسم الناسَ إلى قسمين: جِنَّة وناس، وهذا غيرُ صحيح، فإن الشيء لا يكون قَسِيمَ نفسِهِ. الرابع: أن الجنَّةَ لا يطلقُ عليهم اسمُ الناس بوجه، لا أصلًا ولا اشتقاقًا ولا استعمالًا، ولفظهما يأبى ذلك، فإن الجنَّ إنما سمُّوا جنًّا من الاجتنان، وهو الاستتارُ، فهم مستترون عن أعين البشر، فَسمُّوا جنًّا لذلك، من قولهم: جَنَّهُ الليلُ وأجنَّه: إذا سَتَرَهُ، وأجَنَّ المَيِّتَ: إذَا سَتَرَهُ في الأرض. قال: ولا تَبْكِ مَيْتًا بعد مَيْتٍ أَجَنَّهُ ... عَلِيٌّ وعباسٌ وآلُ أبي بَكْرٍ يريد النبيَّ ﷺ . ومنه: الجَنِينُ لاستتاره في بطنِ أُمِّهِ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي

стр. 895

بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] ومنه: المِجَنُّ لاستتار المُحَارِبِ به من سلاح خصمِهِ، ومنه: الجَنَّةُ لاستتار داخلها بالأشجار، ومنه: الجُنَّةُ بالضمِّ: لِمَا يَقِي الإنسانَ من السِّهام والسِّلاح، ومنه: المجنون لاستتار عقلِه. وأما "الناسُ" فبينهُ وبينَ الإنس مناسبةٌ فى اللفظ والمعنى، وبينهما اشتقاق أوسط، وهو: عَقْد (١) تقاليب الكلمة على معنى واحد (٢)، والإنس والإنسان مشتقٌ من الإيناس وهو الرؤية والإحساس، ومنه قوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي: رآها، ومنه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] أي: أحسستموه ورأيتموه، فالإنسان سمِّيَ إنسانًا لأنه يُؤْنَسُ أي: يُرَى بالعين. والناس فيه قولان: أحدهما: أنه مقلوب من أنس وهو بعيد، والأصل عدم القلب. والثاني: -وهو الصحيح- أنه من النَّوْس وهو الحَرَكة المتتابعة، فسُمِّيَ النَّاسُ ناسًا للحركة الظاهرة والباطنة، كما يسمَّى الرجلُ: حارثًا وهمَّامًا، وهما أصدقُ الأسماء كما قال النبي ﷺ (٣)؛ لأن كل أحدٍ له همٌّ وإرادةٌ هي مَبْدأ، وحرثٌ وعملٌ هو مُنتهى، فكلُّ أحدٍ حارثٌ وهَمَّام، والحَرْثُ والهّمُّ، حركتا الظاهر والباطن، وهو حقيقة

стр. 896

النَّوْس، وأصل نَاسَ: (نوَسَ) تحركت الواو وقبلها فتحة فصارت ألفًا، هذان هما القولان المشهوران في اشتقاق "الناس". وأما قول بعضهم: إنه من النِّسيان، وسُمِّي الإنسانُ إنسانًا لنسيانه، وكذلك الناس سُمُّوا ناسًا لنسيانهم؛ فليس هذا القولُ بشيءٍ! وأين النسيانُ الذي مادَّته (ن س ي) إلى الناس الذي مادَّتُهُ (ن وس)؟ وكذلك أين هو من الأُنس الذي مادته (أن س)؟ وأما إنسانٌ فهو "فِعْلان" من (أن س)؟ والألف والنون في آخره زائدتان، لا يجوزُ فيه غيرُ هذا ألبتَّةَ، إذ ليس في كلامهم أَنْسَنَ (١) حتى يكونَ إنْسَانٌ إفعالًا منه، ولا يجوزُ أن يكون الألفُ والنونُ في أوَّله زائدتينِ، إذ ليس في كلامهم "انْفَعْلٌ" فيتعيَّن أنه "فِعْلانٌ" من الإنس، ولو كان مشتقًّا من (نَسِيَ) لكان نِسْيانًا لا إنسانًا. فإن قلت: فهلَاّ جعلته "إفْعِلالًا"، وأصله: إِنْسِيَان كـ "ليلة إِضْحِيَان"، ثم حذفتَ الياء تخفيفًا فصار إنسانًا؟ قلت: يأبى ذلك: عدمُ "إفْعِلال" فى كلامهم، وحذفُ الياء بغير سبب، ودعوى ما لا نظير له، وذلك كلُّه فاسد، على أن (الناس) قد قيلَ: إن أصله (الأُنَاسُ) فحُذفت الهمزة، فقيل: (النَّاسُ)، واستدل يقول الشاعر (٢): إنَّ المَنَايا يَطَّلِعْـ ... نَ على الأُنَاسِ الغَافِلينا ولا ريب أن (أُناسًا) فُعَالٌ، ولا يجوزُ فيه غير ذلك ألبَتَّةَ، فإن

стр. 897

كان أصلُ ناس أُناسًا (١)، فهو أقوى الأدلة على أنه من (أن س) ويكون الناسُ كالإنسان سواء في الاشتقاق، ويكون وزن ناس على هذا القول: (عال)؛ لأن المحذوفَ فاؤهُ، وعلى القول الأول يكونُ وزنه: "فَعْلٌ"؛ لأنه من النَّوْس، وعلى القول الضعيف يكون وزنه "فَلْع"، لأنه من (نَسِي)، فقلبت لامُه إلى موضع العين فصار ناسًا ووزنه "فَلْعًا". والمقصودُ أن الناسَ اسم لبني آدم، فلا يدخلُ الجنُ في مسمَّاهم، فلا يِصحُّ أن يكونَ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ بيانًا لقوله: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ هذا واضحٌ لا خفاءَ به. فإن قيل: لا محذورَ فى ذلك، فقد أُطْلِق على الجن اسم الرجال، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] فإذا أطلق عليهم اسم الرجال، لم يمتنع أن يُطْلَق عليهم اسم الناس. قلت؛ هذا هو الذي غَرَّ من قال: إن الناس اسم للجن والإنس في هذه الآية. وجواب ذلك: أن اسم الرجال إنما وقع عليهم وقوعًا مقيَّدًا في مقابلة ذكر الرجال من الإنس، ولا يلزمُ من هذا أن يقعَ اسمُ الناس والرجال عليهم مطلقًا، وأنت إذا قلت: "إنسانٌ من حجارة"، أو "رجلٌ من خشب"، ونحو ذلك، لم يلزمْ من ذلك وقوع اسم الرجل والإنسان عند الإطلاق على الحجر والخشب. وأيضًا: فلا يلزمُ من إطلاق اسم الرجل على الجنِّي أن يُطلقَ عليه اسم الناس، وذلك لأن الناسَ والجِنَّةَ متقابلان، وكذلك الإنس

стр. 898

والجن، فالله تعالى يقابلُ بين اللفظين، كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] وهو كثير في القرآن، وكذلك قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ (١) [الناس: ٦] يقتضي أنهما متقابلان، فلا يدخلُ أحدُهما في الآخر، بخلاف الرجال والجنِّ فإنهما لم يستعملا متقابلينِ، فلا: يقال: الجنُّ والرجال، كما يقال: الجن والإنس، وحينئذٍ فالآية أبْيَنُ حُجَّةٍ عليهَم في أن الجنِّ لا يدخلون في لفظ الناس؛ لأنه قَابَلَ بين الجنة والناس، فعُلِم أن أحدَهما لا يدخلُ فِي الآخر، فالصَّواب القولُ الثاني، وهو أن قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ بيان للذي يوسوسُ، وأنهما نوعان: إنسٌ وجنٌّ، فالجِنِّيُّ يوسْوِسُ في صدور الإنس، والإنسي أيضًا يوسوسُ إلى الإنسي. فالموسوِسُ نوعان: إنسٌ وجنٌّ، فإن الوسوسة هي الإلقاءُ الخفيُّ في القلب، وهذا مشترك بين الجن والإنس، وإن كان إلقاءُ الإنسي ووسوسته إنما هي بواسطة الأُذُن، والجِنِّيُّ لا يحتاج إلى تلك الواسطة؛ لأنه يدخل فِي ابن آدمْ ويجري منه مجرى الدم. على أن الجنيَّ قد يتمثَّلُ له ويوسوسُ إليه في أذنه كالإنسيِّ، كما: في "البخاري" عن عُرْوَةَ، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ المَلائِكةَ تُحَدِّثُ فِي العَنَانِ، -والعَنَانُ: الغَمَامُ- بالأمْرِ يَكُونُ فِي الأرْضِ، فَتَسْتَمعُ الشَّيَاطينُ الكَلِمَةَ فَتَقُرُّها فِي أُذُنِ الكَاهِنِ كَمَا تَقُرُّ القَارُورَةُ فَيَريدُونَ مَعَها مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ" (٢) فهذه وسوسة وإلقاء من الشيطان بواسطة الأذن.

стр. 899

ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة اشتراكُهما في الوحي الشيطاني قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] فالشيطانُ يوحي إلى الإنسي باطلَه، ويوحيه الإنسيُّ إلى إِنسي مثلِه، فشياطين الإنس والجن (١) تشترك في الوحي الشيطاني وتشترك فى الوسوسة، وعلى هذا فتزولُ تلك الإشكالات والتعسفات التي ارتكبها أصحابُ القول الأول. وتدلُّ الآيةُ على الاستعاذة من شرِّ نوعي الشياطين: شياطين الإنس والجن. وعلى القول الأول (٢) إنما تكون الاستعاذةُ من شرِّ شياطين الجن فقط، فتأمله فإنه بديعٌ جدًّا. فهذا ما منَّ الله به من الكلام على بعض أسرار هاتين السورتين، وله الحمد والمنّة، وعسى أن يساعد بتفسير على هذا النَّمَط، فما ذلك على الله بعزيز، والحمد لله رب العالمين، ونختم الكلام على السورتين بذكر: قاعدةٍ نافعةٍ فيما يعتصمُ به العبدُ من الشيطان ويستدفعُ به شره ويحترز به منه وذلك في عشرة أسباب: أحدها: الاستعاذة بالله من الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦]،

стр. 900

وفي موضع آخر: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (١) [الأعراف: ٢٠٠]، وقد تقدم أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع العام. وتأمل سرَّ القرآن الكريم كيف أكَّدَ الوصفَ بالسميع العليم بذكر صيغة "هو": الدَّالِّ على تأكيد النسبة واختصاصها، وعرَّفْ الوصف بالألف واللام في سورة (حم) لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركَه في سورة (الأعراف) لاستغناء المقام عنه، فإن الأمر بالاستعاذة في سورة (حم) وقع بعد الأمر بأشقِّ الأشياءِ على النفس، وهو مقابلةُ إساءة المسيءِ بالإحسان إليه، وهذا أمرٌ لا يقدرُ عليه إلا الصابرونَ، ولا يُلَقَّاه إلا ذو حَظٍّ عظيم، كما قال الله تعالى. والشيطانُ لا يدعُ العبدَ يفعل هذا، بل يُرِيه أن هذا ذُلٌّ وعَجْزٌ، ويسلِّطُ عليه عَدُوَّهُ، فيدعوه إلى الانتقام ويُزَيِّنُه له، فإن عَجَزَ عنه دعاه إلى الإعراض عنه، وأن لا يسيءَ إليه ولا يُحْسِنَ، فلا يُؤثِر الإحسانَ إلى المسيء إلا من خالفَه وآثَر الله تعالى وما عندَهُ على حظِّه العاجل، فكان المقام مَقام تأكيد وتحريض، فقال فِيه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾. وأما في سورة (الأعراف) فإنه أمره أن يُعْرِضَ عن الجاهلين، وليسَ فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان بل بالإعراض، وهذا سهلٌ على النُّفوس غير مُسْتعصٍ (٢) عليها، فليس حرصُ الشيطان وسعيُه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ

стр. 901

الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾، وقد تقدَّم (١) ذكرُ الفرق بين هذين الموضعين، وبين قوله في (حم) المؤمن: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥٦]. وفي "صحيح البخاري" عن عَدِيِّ بن ثابت، عن سليمان بن صُرَد قال: كنت جالسًا مع النبي ﷺ ورجلان يَسْتَبَّان، فأحدُهما احمرَّ وجهُه وانتفخت أوداجُهُ، فقال النبي ﷺ : "أني لأعْلَمُ كَلِمَةً لو قَالَها ذَهَبَ عنهُ ما يَجِدُ، لو قَالَ أعوذ باللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عنهُ ما يَجِدُ" (٢). الحرز الثاني: قراءةُ هاتين السورتين، فإن لهما تأثيرًا عجيبًا في الاستعاذة بالله تعالى من شره ودفعه والتحصن منه، ولهذا قال النبي ﷺ : "أما تَعَوَّذَ المُتَعَوَّذُونَ بمِثْلِهِمَا" (٣)، وقد تقدم أنه كان يتعوَّذ بهما كلَّ ليلة عند النوم (٤)، وأمرَ عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة (٥). وتقدم قوله ﷺ : "إنَّ مَنْ قَرَأَهُما مَعَ سُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثًا حِينَ يُمْسِي وثَلاثًا حِينَ يُصْبحُ كَفَتْهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ" (٦). الحرز الثالث: قراءةُ آية الكرسي: ففي "الصحيح" من حديث محمد بن سِيرين، عن أبى هريرة قال: وَكَّلَني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتى آتٍ فجعلَ يحثُو من الطَّعام فأخذتُهُ

стр. 902

فقلت: لأرْفَعَنَّكَ إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث ... ففال: إذا أويتَ إلى فراشِكَ فاقرأْ آيةَ الكرسي، فإنه (١) لن يزالَ عليكَ مِنَ اللهِ حافظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شيطانٌ حتى تُصْبِحَ، فقال النبي ﷺ : "صَدَقَكَ، وَهو كَذُوبٌ، ذَاكَ الشَّيْطَانُ" (٢). وسنذكر -إن شاء الله تعالى- السرَّ الذي لأجله كان لهذه الآية العظيمة هذا التأثير العظيم في التحرز من الشيطان واعتصام قارئها بها في كلام مفرد عليها وعلى أسرارها وكنوزها بعون الله تعالى وتأييده. الحرز الرابع: قراءةُ سورة البقرة، ففي الصحيح من حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَجْعَلُوا: بُيُوتَكُم قُبُورًا، وإنَّ البَيْتَ الذي تُقْرَأُ فيه البَقَرَةُ لا يَدْخلُهُ الشّيْطَانُ" (٣). الحرز الخامس: خاتمة سورة البقرة، فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي مسعود (٤) الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قرَأ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ" (٥). وفي الترمذي عن النُّعمان بن بَشير عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله كتَبَ كتَابًا قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقَ بألفي عام، أنْزَلَ منه آيتَيْن خَتَمَ بهما سُورَةَ البقَرَةِ، فَلا يقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ ليَالٍ فيقْرَبَهَا شَيْطَانٌ" (٦).

стр. 903

الحرز السادس: أول سورة (حم) المؤمن إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ مع آية الكرسي: ففي الترمذي من حديث عبد الرحمن ابن أبي بكر ابن أبي مُلَيْكَةَ (١)، عن زُرَارةَ بن مُصْعَب، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ حم المُؤمنَ إلى: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ وآيَةَ الكُرْسِيّ حِينَ يصْبحُ حُفِظَ بهما حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأهُما حِينَ يُمْسِي حُفظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبحَ" (٢). وعبد الرحمن المُليْكيُّ وإن كان قدْ تكُلِّمَ فيه من قبل حفظه، فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي، وهو محتمل على غرابته. الحرز السابع: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" مائةَ مرَّة، ففي "الصحيحين" (٣) من حديث سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَالَ لا إلهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مائةَ مَرَّةٍ كانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وكُتِبَتْ لَهُ مِئة حَسَنةٍ، وَمحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وكانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيطانِ يَوْمَهُ ذلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ

стр. 904

إلاّ رَجُلٌ (١) عَمِلَ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ". فهذا حِرْز عظيم: النفع، جليل الفائدة، يسير سَهْل على من يسره الله تعالى عليه. الحرز الثامن: -وهو من أنفع الحُروز من الشيطان- كثرةُ ذكر الله ، ففي التِّرمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ أمَرَ يَحْيَى بنَ زَكَريّا بخَمْسِ كلِمَاتٍ أنْ يَعْمَلَ بِها وَيأْمُرَ بنَي إِسْرَائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِها، وَإنَّهُ كادَ يُبْطِئَ بِها، فَقَالَ عِيسَى: إنَّ اللهَ أمَرَكَ بِخَمْسِ كلمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِها وتَأْمُرَ بنِي إِسْرائيلَ أن يَعْمَلُوا بِهَا، فإمَّا أنْ يأْمرَهُمْ وَإِمّا أَنْ آمرَهُمْ. فَقَالَ يَحْيَى: أخْشَى إِنْ سَبقَتَني بِهَاْ أنْ يخْسَفَ بي، أوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بيْتِ المَقْدِسِ فامْتَلأ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ أمَرَنِي بخمْسِ كَلِمَاتٍ أنْ أعْمَلَ بِهِنَّ وَأمَرَكُمْ أن تَعَمَلُوا بِهِنَّ: أوَّلُهنَّ أنْ تَعبدوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بهِ شَيْئًا وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أشْرَكَ بِالله, كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بذْهَبٍ أوْ وَرِقٍ فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي، وَهَذا عَمَلِي وَأدِّ إِليّ، فَكَانَ يَعْمَل ويُؤَدِّي إِلى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أنْ يكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِك؟. وَإِنَّ اللهَ أمَرَكُمْ بالصَّلاةِ، فَإذَا صَلَّيتُمْ فَلا تَلْتَفِتُوا فَإنَّ اللهَ يَنْصُبُ وجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاتِهِ مَا لمْ يَلْتَفِتْ. وَأمَرَكمْ بالصِّيَام، فَإِنَّ مَثَلَ ذلِكَ كمَثلِ رَجُلٍ فِي عِصَابةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمَ يَعْجَبُ أو يُعْجِبُه رِيحُهَا، وَإنَّ رِيحَ الصَّائِم أطْيبُ عِنْ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ.

стр. 905

وَأمَرَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإنَّ مثَلَ ذَلِكَ كَمَثل رَجُلٍ أسَرَهُ العَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبوا عُنُقَه فَقَالَ: أنَا أفْدِيهِ مِنكُمْ بالقَلِيل وَالكَثِيرِ فَفَدَى نَفْسَهُ مِنهمْ. وأمَرَكُمْ أنْ تَذْكُرُوا اللهَ، فإن مَثلَ ذلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ في أثَرِهِ سِرَاعًا، حَتّى أتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفسَهُ مِنهمْ كَذَلِكَ العَبْدُ لا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إلاّ بِذِكرِ الله". قال النبي ﷺ : "وَأنَا آمُرُكُمْ بخَمْسٍ اللهُ أمَرَنِي بِهِنَّ، السَّمْعِ، والطَّاعَةِ، والجِهَادِ, والهِجْرَةِ، والجَمَاعَةِ، فإنَّ مَنْ فارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلام مِنْ عُنُقِهِ إلاّ أنْ يُراجِعَ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى الجَاهِليَّة فَإنَّهُ مِنْ جُثَى جَهَنمَ"، فقالَ رجل: يا رسول الله: وإنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قال: "وَإنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بدَعْوَى اللهِ الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ المؤمنِينَ عِبادَ اللهِ" (١). قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسن غريب صحيح". وقال البخاري: الحارثُ الأشْعَرِيُّ له صحبة وله غير هذا الحديث. فقد أخبر النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث أن العبدَ لا يحرزُ نفسَه من الشيطان إلا بذكر الله، وهذا بعينه هو الذي دلَّت عليه سورةُ

стр. 906

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، فإنه وصف الشيطانَ فيها بأنه الخناس، والخَنَّاسُ (١) الذي إذا ذكر العبدُ اللهَ انخنسَ وتجمَّعَ وانقَبَضَ، وإذا غَفَل عن ذكر الله التقم القلب، وألقى إليه الوساوسَ التي هي مبادئ الشَّرِّ كُلِّه، فما أحرزَ العبدُ نفسَهُ من الشَّيطان بمثل ذكر الله . الحرز التاسع: الوضوء والصلاة: وهذا من أعظم ما يتحرَّز به منه, ولا سيَّما عند ثَوَران (٢) قوَّة الغضب والشهوة، فإنها نارٌ تغلي في قلب ابن آدم، كما في الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: "أَلا وإنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَمَا رَأيْتُمْ إلَى حُمْرَةِ عَيْنيهِ وانْتِفَاخِ أوْداجِهِ، فَمَنْ أحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالأرْضِ" (٣). وفي أثر آخر: "إنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وإنَّمَا تُطْفَأْ النَّارُ بالمَاءِ" (٤)، فما أطفأْ (٥) العبدُ جمرةَ الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاةَ، فإنها نارٌ والوضوء يُطفِئُها، والصَّلاةُ إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثَرَ ذلك كُلِّه، وهذا أمرٌ تجرِبته تُغْني عن إقامة الدليل عليه. الحرز العاشر: إمساكُ فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة

стр. 907

الناس، فإنَّ الشيطانَ إنما يتسلَّطُ على ابن آدَمَ وينالُ منه غَرَضهُ من هذه الأبواب الأربعة، فإن فضولَ النظر يدعوه إلى الاستحسانِ، ووقوع صورةِ المنظور إليه في القلب، والاشتغالِ به، والفكرةِ في الظَّفَرِ به، فمبدأُ الفتنة من فضول النظر، كما في "المسند" عن النبي ﷺ أنه قال: "النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُوٌم مِنْ سِهَامِ إبْلِيسَ، فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ للهِ أوْرَثَهُ اللهُ حَلاوَةً يَجِدُها في قَلْبهِ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ" (١)، أو كما قال ﷺ . فالحوادث العِظَام إنما كلُّها من (٢) فضول النظر، فكم نظرة أعقبت حَسَرات لا حَسْرة، كما قال الشاعر (٣): كلُّ الحوادثِ مَبْدَاها من النَّظَرِ ... ومُعْظمُ النَّار من مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ كم نظرةٍ فَتَكَتْ في قلب صاحِبها ... فَتْكَ السِّهام بلا قَوْس ولا وَتَرِ وقال الآخر (٤): وكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَكَ رائدًا ... لقلبِكَ يومًا أتعبتْكَ المناظرُ

стр. 908

رأيتَ الذي لا كلُّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عن بعضِهِ أنتَ صابِرُ وقال المتنبي (١): وأنا الذي اجْتَلَبَ المَنِيَّةَ طَرْفُةُ ... فمَنِ المُطَالبُ والقَتِيلُ القَاتِلُ ولي من أبيات (٢): يا راميًا بسِهام اللَّحظ مجتهدًا ... أنت القتيلُ بما تَرْمي فلا تُصِبِ وباعثَ الطَّرْف يرتادُ الشِّفَاءَ له ... توَفِّه إنَّه يَرْتَدُّ بالعَطَبِ ترجو الشفاءَ بأحداقٍ بها مَرَضٌ ... فهل سمعت ببُرْءٍ جاءَ من عَطَبِ ومُفْنِيًا نفسَه في إثْرِ أقبحِهِمْ ... وصفًا للطخ جمال فيه مستلبِ وواهبًا عُمْرَه في مثل ذا سفهًا ... لو كنتَ تعرفُ قدْر العمر لم تَهَبِ (٣) وبائعًا طيبَ عيشٍ ما له خَطَرٌ ... بطيْف عيش من الآلام منتهبِ غُبِنْتَ واللهِ غُبْنًا فاحشًا فلو اسـ ... ـتَرْجَعْتَ ذا العقدَ لم تُغْبَنْ ولم تَخبِ وواردًا صفوَ عيش كلُّه كَدَرٌ .. أمامَكُ الوِرْدُ صفوًا ليس بالكذب وحاطبَ اللَّيلِ في الظَّلماء منتصبًا ... لكلِّ داهيةٍ تُدْني من العَطَب شاب الصِّبا والتَّصابي بَعْدُ لم يَشِبِ ... وضاعَ وقتُك بين اللَّهوِ واللَّعِبِ وشمسُ عمرك قد حان الغروبُ لها ... والفيء في الأفق الشرقيِّ لم يغبِ وفاز بالوصلِ من قد فازَ وانْقشعَتْ ... عن أفقه ظُلُماتُ اللَّيلِ والسُّحُب

стр. 909

كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلتْ ... ورسْلُ ربِّك قد وافتْكَ في الطَّلَبِ ما في الديار وقد سارتْ ركائِبُ مَنْ ... تهواه للصَّبِّ من سكنى ولا أَرَبِ فأَفْرِش الخدَّ ذيَّاك التُّرَابَ وقل ... ما قاله صاحبُ الأشواق في الحِقَبِ ما رَبْعُ مَيَّةَ محفوفًا يطيف به ... غَيْلان أشهى له من رَبْعِكَ الخرِب ولا الخدودُ وإن أُدْمِينَ من ضَرَج ... أشهى إلى ناظرِي من خدِّكَ التَّرِبِ (١) منازلًا كان يهواها ويألفُها ... أيامَ كان منالُ (٢) الوصل عن كَثَبِ وكلما جليت تلك الرُّبوعُ له ... يهوي إليها هُوِيَّ الماءِ في صَبَبِ أحيا له الشَّوْقُ تَذْكارَ العهودِ بها ... فلو دعا القلبُ للسُّلْوانِ لم يُجِبِ هذا وكم منزلٍ في الأرض يألفُهُ ... وما له في سواها الدَّهْرَ مِنْ رَغَبِ ما في الخيام أخو وجدٍ يريحُك إن ... بَثَثْتَهُ بعضَ شأن الحبِّ فاغتربِ وأَسْرِ في غَمَرَات الليلِ مهتديًا ... بنفحةِ الطِّيب لا بالنَّار والحَطَبِ وعادِ كلَّ أخي جُبْن ومَعْجَزَةٍ ... وحارب النفسَ لا تُلْقِيكَ في الحَرَبِ وخذ لنفسِكَ نورًا تستضيءُ به ... يوم اقتسام الورى الأنوارَ بالرُّتَبِ فالجسرُ ذو ظلماتٍ ليسَ تقطعُهُ ... إلا بنور يُنَجِّي العبدَ في الكُرَبِ والمقصود أن فضول النظر أصل البلاء (٣). وأما فضول الكلام؛ فإنها تفتحُ للعبدِ أبوابًا من الشر، كلها مداخل

стр. 910

للشيطان، فإمساك فضول الكلام يسُدُّ عنه تلك الأبوابَ كلَّها، وكم منْ حرب جرَّتها كلمةٌ واحدة، وقد قال النبي ﷺ لمعاذ: "وَهَلْ يكُبُّ النّاسَ عَلَي مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إلَّا حَصَائِدُ ألْسِنتَهِمْ" (١). وفي التِّرمذي أن رجلًا من الأنصار توفي فقال بعض الصحابة: طوبى له، فقال النبي ﷺ : "فَمَا يُدْرِيكَ فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا لا يَعْنِيهِ، أَوْ بَخلَ بِمَا لا يَنْقُصُهُ" (٢). وأكثر المعاصي إنما تولدها من فضول الكلام والنظر، وهما أوسعُ مداخل الشيطان، فإن جارحتيهما لا يَمَلَّانِ ولا يسأمان، بخلاف شَهْوة البطن، فإنه إذا امتلأ لم يَبْقَ فيه إرادةٌ للطعام، وأما العين واللِّسان فلو تُرِكا لم يفتُرا من النظر والكلام، فجنايتُهما مُتَّسِعَةُ الأطراف، كثيرةُ الشُّعَبِ، عظيمةُ الآفات، وكان السلف يحذِّرون من فضول النظر، كما يحَذِّرون من فضول الكلام (٣)، وكانوا يقولون: "ما شيءٌ أحوجَ إلى طول السَّجن من اللِّسانٍ" (٤). وأما فضولُ الطعام، فهو داعٍ إلى أنواع كثيرة من الشَرِّ، فإنه يحَرِّكُ الجوارحَ إلى المعاصي، ويثقلُها عن الطاعات، وحسبُك بهذين شرًّا! فكم مِنْ مَعصيةٍ جلبها الشبعُ وفضولُ الطعام، وكم من طاعة حال

стр. 911

دونها، فمن وقِيَ شرَّ بطْنِهِ فقد وُقِيَ شرًّا عظيمًا، والشيطانُ أعظمُ ما يتحكَّم من الإنسان إذا مَلأَ بطنَه من الطعام، ولهذا جاء في بعض الآثار: "ضَيِّقوا مجارِيَ الشيطان بالصَّوْم"، وقال النبي ﷺ : "مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ" (١)، ولو لم يكَنْ في التملِّي من الطَّعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله ، وإذا غَفَل القلبُ عن الذكر ساعةً واحدةً جثم عليه الشيطانُ ووعدَهُ ومنَّاه وشهَّاه، وهام به في كل وادٍ، فإن النفسَ إذا شبعتْ تَحَرَّكَتْ وجالت وطافت على أبواب الشَّهَوَاتِ، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت. وأما فضولُ المخالطةِ؛ فهي الدّاء العُضَالُ الجالبُ لكلِّ شرٍّ، وكم سلبت المخالطةُ والمعاشرةُ من نعمة، وكم زرعتْ من عداوة، وكم غرستْ في القلب من حَزَازات، تزولُ الجبالُ الراسيات وهي في القلوب لا تزول، ففضول المخالطة فيه خسارة الدنيا والآخرة، وإنما ينبغي للعبد أن يأخذَ من المخالطة (٢) بمقدار الحاجة، ويجعلَ الناسَ فيها أربعةَ أقسام، متى خلط أحدَ الأقسام بالآخر، ولم يميِّزْ بينهما دخل عليه الشر: أحدهما: مَنْ مخالَطَتُهُ كالغذاء لا يُستغنى عنه في اليوم واللَّيلةِ، فإذا أخذ حاجَتَهُ منه ترك الخلطة (٣)، ثم إذا احتاجَ إليه خالطه

стр. 912

هكذا على الدّوام، وهذا الضَّرْبُ أعزُّ من الكبريت الأحمر، وهم العلماء بالله وأمره ومكايد عدوه، وأمراض القلوب وأدويتها، الناصحون لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولخلقه، فهذا الضَّرْبُ في مخالطتهم الربحُ كلُّه. القسم الثاني: مَنْ مخالطتهُ كالدَّواء يُحْتَاجُ إليهْ عندَ المرضِ، فما دمتَ صحيحًا فلا حاجةَ لك في خلطته، وهم مَنْ لا يُسْتغنى عن مخالطتهم في مصلحة المعاش، وقيام ما أنت محتاج إليه من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج للأدواء ونحوها، فإذا قضيتَ حاجَتك من مخالطة هذا الضَّرْب بقيَتْ مخالَطَتُهم من: القسم الثالث: وهم مَنْ مخالطته كالدَّاء على اختلاف مراتبه وأنواعه، وقوته وضعفه، فمنهم من مخالطته كالدَّاء العُضَال، والمرض المزمن، وهو من لا تربحُ عليه في دين ولا دنيا، ومع ذلك فلا بدَّ من أن تخسرَ عليه الدِّين والدنيا أو أحدهما، فهذا إذا تمكَّنَت مخالطتُه واتصلت فهي مرض الموت المَخوْف. ومنهم: مَنْ مخالطته كوجع الضرس يشتدَّ ضَرَبانه عليك، فإذا فارقَكَ سكن الألمُ. ومنهم: مَنْ مخالطته حُمَّى الرُّوح وهو الثَّقيلُ البغيضُ العَثِل (١)، الذي لا يُحْسِنُ أن يتكلَّمَ فيفيدَك، ولا يُحسِنُ أن يُنصِتَ فيستفيدَ منك، ولا يعرف نفسَهُ فَيَضَعَها في منزلتها، بل إن تكلم فكلامه كالعِصِيِّ

стр. 913

تنزلُ على قلوب السامعين، مع إعجابه بكلامه، وفرحه به، فهو يُحْدِثُ من فيه كلما تحدَّث, ويظنُّ أنه مِسْكٌ يطيبُ به المجلس، وإن سكت فأثقل من نصف الرَّحَى العظيمة التي لا يُطاق حملُها ولا جَرُّها على الأرض. ويُذْكر عن الشافعي ﵀ أنه قال: ما جَلَسَ إلى جانبي ثقيلٌ إلا وجدتُ الجانبَ الذي هو فيه أنزلَ من الجانبَ الآخر. ورأيت يومًا عند شيخنا (١) -قدَّس اللهُ رُوحَه- رجلاً من هذا الضَّرب، والشيخ يحتملُهُ (٢)، وقد ضعُفَتِ القوى عن حمله، فالتفتَ إليَّ وقال: مُجالسة الثقيل حمَّى الرِّبْع, ثم قال: لكن قد أدْمَنَتْ أرواحُنا على الحُمَّى, فصارت لها عادةً أو كما قال. وبالجملة؛ فمخالطة كلِّ مخالف حمَّى للرُّوح فعَرَضِيَّه ولازمة. ومن نكد الدنيا على العبد أن يُبتلى بواحد من هذا الضرب، وليس له بُدُّ من معاشرته ومخالطته، فليعاشرْه بالمعروف حتى يجعلَ الله له فرجًا ومخرجًا. القسم الرابع: من مخالطته الهُلْكُ كُلُّه، ومخالطته (٣) بمنزلة أكل السُّم، فإن اتَّفقَ لآكله ترياقٌ، وإلا فأحسنَ اللهُ فيه العزاءَ, وما أكثرَ هذا الضَّرْبَ في الناس -لا كثَّرهم اللهُ- وهم أهلُ البدع والضلالة، والصَّادُّون عن سُنَّة رسول الله ﷺ ، الدّاعون إلى خلافها، الذين يَصُدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا, فيجعلون البدعةَ سُنَّةً،

стр. 914

والسُّنَّةَ بِدْعَةً، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، إن جرَّدت التوحيدَ بينهم قالوا: تنقَّصْتَ جنَابَ الأولياء والصالحين، وإن جَرَّدْتَ المتابعةَ لرسول الله ﷺ قالوا: أهدرتَ الأئمةَ المتبوعينَ. وإن وصفت الله بما وصفَ به نفسَه، وبما وصفه به رسولُهْ من غير غُلُوٍّ ولا تقصيرٍ قالوا: أنت من المُشَبِّهين, وإن أَمَرتَ بما أَمَرَ اللهُ به ورسولُه من المعروف ونهيتَ عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر، قالوا: أنت من المُفَتِّنِينَ. وإن اتبعتَ السُّنَّة وتركتَ ما خالفها قالوا: أنتَ من أهل البدَع المُضِلِّين. وإن انقطعتَ إلى الله تعالى وخَلَّيْتَ بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا: أنتَ من المُلَبِّسِين، وإن تركتَ ما أنتَ عليه، واتبعتَ أهواءَهم فأنت عند الله تعالى من الخاسرينَ، وعندهم من المنافقين. فالحزمُ كلُّ الحزمِ التماسُ مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغلَ بإعتابهم ولا باستعتابهم، ولا تبالِ بذَمِّهم ولا بُغضهم، فإنه عينُ كَمَالِكَ، كما قال المتنبي (١):. وإذا أتتكَ مَذَمَّتِي مِنْ ناقصٍ ... فهي الشَّهَادَةُ لي بأنيَ كاملُ وقال آخر (٢): وقد زادني حُبًّا لنفسيَ أنَّني ... بغيضٌ إلى كلِّ امْرِئٍ غيرِ طائلِ فمن كان بوَّابَ قلبه وحارسَه من هذه المداخل الأربعة التي هي

стр. 915

أصلُ بلاء العالم، وهي فضول النظر والكلام والطعام والمخالطة، واستعملَ ما ذكرناه من الأسباب التسعة التي تحرِّزه من الشيطان؛ فقد أخذ بنصيبه من التوفيق، وسَدَّ على نفسه أبوابَ جهنَّم، وفتح عليها أبواب الرحمة، وانعمر ظاهره وباطنه، ويوشكُ أن يحمَدَ (١) عند الممات عاقبةَ هذا الدواء، فعند الممات يحمَدُ القومُ التُّقى و (في الصباح يحْمَدُ القومُ السُّرَى)، والله الموفق لا ربَّ غيرُهُ، ولا إلهَ سواه. * * *
следующие страницы →