فحمل رَمِيمًا وهي بمعنى فاعل على "امرأة قتيلٍ" وبابه، فهذا المسلكُ هو من أقوى مسالك النُّحاة، وعليه يعتمدونَ، وقد اعترضَ عليه بثلاثة اعتراضات:
أحدها: أن ذلك يستلزمُ التَّسْوِيَةَ بين اللَاّزم والمتعدِّىِ، فإن "فَعيلًا" بمعنى مفعول بابه الفعل المتعدي، و"فَعِيلًا" بمعنى فاعل بابه الفعل اللازم؛ لأنه غالبُ ما يأتي من "فَعُل" المضموم العين, فلو جرى على أحدهما حكم الآخر، لكان ذلك تسوية بين اللازم والمتعدِّي وهو ممتنعٌ.
الاعتراض الثاني: أنّ هذا إنِ ادُّعِيَ على وجه العموم فباطل، وإن ادُّعِيَ على سبيل الخُصوص فما الضابطُ وما الفرقُ بين ما يسوغُ فيه هذا الاستعمالُ وما لا يسوغُ؟.
الاعتراض الثالث: أن العربَ قد نَطَقَتْ في "فَعِيل" بالتاء وهو بمعنى مفعول، وجرَّدَتْهُ من التاء وهو بمعنى فاعل، قال جرير (١) يرثي خالدة (٢):
نِعْمَ القَرِينُ وكنتِ عِلْقَ مَضِنَّةٍ ... وأرى بِنَعْفِ بُلَيَّةَ الأحجارُ
فجرَّدَ "القرين" من التاء وهو بمعنى فاعل، وقال (٣): فسَقَاكِ حيثُ حَلَلْتِ غيْرَ فَقِيْدةٍ ... هَزِجُ الرَّوَاحِ ودِيمَةٌ لا تُقْلِعُ فقرن "فقيدة" بالتاء، وهو فعيل، بمعنى مفعول أي: غير مفقودة.
стр. 947
وقال الفرزدق (١):
فَدَاوَيْتُهُ عَامَيْنِ وهي قَريبةٌ ... أَرَاها وتَدْنو لي مِرارًا وأَرْشُفُ
ويقولون: "امرأَةٌ فَتِينٌ وسَرِيحٌ وهَرِيتٌ" (٢)، فجرَّدوه من التاء وهو بمعنى فاعل، وقالوا: "امْرَأَةٌ فَروكٌ، وهَلُوكٌ، ورَشُوفٌ، وأَنُوفٌ، وَرَصوفٌ" (٣)، فجردوه وهو بمعنى فاعل كصبور، وقالوا: "امْرأَةٌ عَرُوبٌ" (٤)، فجردوه أيضًا، ثم قالوا: "امرَأَةٌ مَلُولَةٌ وفُرُوقَةٌ"، فقرنوه بالتاء وهو بمعنى فاعل أيضًا، ودعوى أن التاء هاهنا للمبالغة لا دليل عليها، فقد رأيتَ اشتراكَ فَعُول وفَعِيل في الاقتران بالتاء والتجرُّد منها، فدعوى أصالةِ المجرَّد منهما، وشذوذ المقرون مقابلة بمثلها، ومع مقابِلِها قياسُ اللغة في اقتران المؤنَّث وتجريد المذكَّر.
وأما ما استشهدتم به من قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾، فهو على وَفْق قياس العربية، فإن العظامَ جمع عَظْم، وهو مذكَّر، ولكن جمعه جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز أن يُرَاعَى فيه تأنيثُ الجماعة، وباعتباره قال: (وهي)، ولم يقلْ: (وهو)، ويُرَاعى فيه معنى الواحد، وباعتباره قال: "رَمِيم"، كما يقال: "عظمٌ رَمِيم"، مع أن رَمِيمًا يطلقُ على (٥) المذكر مفردًا
стр. 948
وجمعًا، قال جرير (١):
آلُ المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دابِرَهُمْ ... أَمْسَوا رَمِيمًا فلا أَصْلٌ ولا طَرَفُ
فهذا الاعتراضُ على هذا المسلكِ.
فصل
المسلك الثاني: أن "قريبًا" في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى كقول الشاعر (٢):
أرى رجلاً منهم أَسِيفًا كأنَّما ... يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًا مُخَضَّبا
فكفٌّ مؤنَّثٌ، ولكن تأوَّلَه بمعنى عُضْو وطَرَف، فذكر صفتَه، فكذلك تُتأوَّلُ الرحمة وهى مؤنثة بالإحسان، فيذكر خبرها. قالوا: وتأويلُ الرحمة بالإحسان أولى من تأويل الكفِّ بعضوٍ لوجهين:
أحدهما: أن الرحمةَ معنًى قائمٌ بالرَّاحم، والإحسان هو بِرُّ المرحوم، ومعنى القُرْب في البر من المحسنين أظهرُ منه في الرحمة.
الثاني: أن ملاحظة الإحسان في الرَّحمة الموصوفة بالقُرْب من المحسنين، هو مقابل الإحسان (٣) الذي صدر منهم، وباعتبار المقابلة ازداد المعنى قُوَّةً، واللفظُ جزالةً، حتى كأنه قال: إن إحسان الله قريبٌ من أهل الإحسان، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] فذكر "قريبًا" ليفهم منه أنه صفةٌ
стр. 949
لمذكَّر، وهو الإحسانُ، فيفهم المقابلة المطلوبة. قالوا: ومن تأويل المؤنث بمذكَّر ما أنشده الفَرَّاء (١):
وَقَائِعُ في مُضَرٍ تِسْعَةٌ ... وفي وائِلٍ كانَتِ العاشِرَهْ
فتأوَّلَ الوقائعَ وهي مؤنَّثَةٌ بأيام الحرب المذكَّرة، فأَنَّث العَدَدَ الجاري عليها، فقال: تسعة، ولولا هذا التأويل لقال: تِسْعٌ؛ لأن الوقائع مؤنثة، قالوا: وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال: "جاءَتْهُ كِتابي"، أي: صَحِيفتي، وفي قول الشاعر (٢):
يا أيُّها الرَّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ ... سَائِلْ بني أسَدٍ ما هذهِ الصَّوْتُ
أي: ما هذه (٣) الصيحَة؟ مع أنه حَمْل أصلٍ على فرع، فَلأَنْ يجوزَ تأويل مؤنث بمذكر، لكونه حَمْل فرع على أصل أولى وأحرى، وهذا وجهٌ جيد، وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين:
أحدهما: أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه، لجاز أن يقال: "كَلَّمَتْنِي زَيدٌ، وَأَكْرَمَتْنِي عَمْرٌو، وكَلَّمَنِي هِنْدٌ، وأكْرَمَنِي زَيْنَبُ" تأويلًا لزيْدٍ وعمْرٍو بالنفس والجثة، وتأويلاً لهندٍ وزينبَ بالشخص والشَّبَح، وهذا باطلٌ (٤).
وهذا الاعتراضُ غيرُ لازم، فإنهم لم يدَّعواْ اطّرادَ ذلك، وإنما ادَّعوا أنه مما يَسُوغ أن يستعملَ، وفَرْق، بين ما يَسُوغُ في بعض الأحيان
стр. 950
وبين ما يَطَّرِد كرفع الفاعل ونصب المفعول، وهم لم يدَّعوا أنه من القسم الثاني.
ثم إن هذا الاعتراضَ مردودٌ بكلِّ ما يسوغُ استعمالُه بمُسَوِّغٍ وهو غير مُطَّرِد، وهو أكثرُ من أن يذكر هاهنا، ولا ينكرُه نحْوِيٌّ أصلًا، وهل هذا إلا اعتراضٌ (١) على قواعد العربية بالتشكيكات والمناقضات؟! وأهلُ العربية لا يلتفتون إلى شيء من ذلك، فلو أنهم قالوا: يجوزُ تأويلُ كلِّ مؤنَّث بمذكَّر يوافقه وبالعكس لصحَّ النقض، وإنما قالوا: يسُوغ أحيانًا تأويل أحدهما بالآخر لفائدة يتضمَّنُها (٢) التأويل، كالفائدة التي ذكرناها من تأويل الرَّحمة بالإحسان.
الاعتراض الثاني: أن حَمْل الرحمة على الإحسان؛ إما أن يكونَ حملًا على حقيقته أو مجازه، وهما ممتنعان، فإن الرحمة والإحسان مُتَغَايرَانِ، لا يلزمُ من أحدهما وجود الآخر؛ لأن الرحمة قد توجدُ وافرةً في حقِّ من لا يتمكَّنُ من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها (٣)، وقد يوجدُ الإحسان ممَّن لا رحمةَ في طباعه كالمَلِك القاسي، فإنه قد يُحسِنُ إلى بعض أعدائِهِ وغيرهم لمصلحة مُلْكِهِ مع أنه لا رحمةَ عندَهُ، وإذا تبَيَّنَ انفكاكُ أحدهما عن الآخر لم يَجُزْ إطلاقُه عليه لا حقيقةً ولا مجازًا.
أما الحقيقةُ فظاهرٌ، وأما المجازُ فإن شرطهُ خطورُ (٤) المعنى المجاري بالبال ليَصِحَّ انتقالُ الذهن إليه، فإذا كان منفكًّا عن الحقيقة
стр. 951
لم يخطرْ بالبال (١)، وهذا الاعتراضُ أفسدُ من الذي قبلَه، وهو من باب التَّعَنُّت والمناكدة.
وأين هذا من قول أكثر المتكلمين -ولعل هذا المعترض منهم-: إنه لا معنى للرحمة غالبًا إلا الإحسانُ المحضُ، وأما الرِّقَّةُ والحِنَّة (٢) التي في الشاهد فلا يوصفُ الله تعالى بها، وإنما رحمتُه مجرَّدُ إحسانه، ومع أنَّا لا نرتضي هذا القولَ، بل نثبتُ لله تعالى الرحمةَ حقيقةً، كما أثبتها لنفسه منزَّهَةً مبرَّأَةً عن خواصِّ صفاتِ المخلوقين، كما نقوله في سائر صفاته، من إرادتِهِ وسمعِهِ وبصرِهِ وعلمِهِ وحياتِهِ وسائرِ صفات كماله، فلم نذكره إلا لِنُبَيَّنَ فسادَ اعتراض هذا المعترض على قول أئمته ومن قال بقوله من المُتَكَلِّمينَ.
ثم نقول: الرحمةُ لا تنفكُّ عن إرادة الإحسان، فهي مستلزمةٌ للإحسان أو إرادته استلزامَ الخاصِّ للعام، فكما يستحيلُ وجودُ الخاص بدون العام، فكذلك الرحمة بدون الإحسانِ أو إرادتِه يستحيلُ وجودُها.
وأما قضيّةُ الأم العاجزة فإنها وإن لم (٣) تقدِر على الإحسان بالفعل فهي محسِنةٌ بالإرادة، فرحمتها لا تنفكُّ عن إرادتها التامَّة للإحسان، التي يقترنُ بها مقدورها إمَّا بدُعاء وإمَّا بإيثار بما تقدر عليه، ونحو ذلك، فتخلُّف بعض الإحسان التي لا تقدرُ عليه عن رحمتها لا يخرجُ رحمتَها عن استلزامها للإحسان المقدور، وهذا واضحٌ.
وأما المَلِكُ القاسي إذا أحسَنَ فإن إحسانه لا يكون رحمةً، فهذا
стр. 952
لأن الإحسانَ أعمُّ من الرحمة، والأعمُّ لا يستلزمُ الأخصَّ، وهم لم يدَّعوا ذلك فلا يلزمهم، وأيضًا فإن الإحسان قد يقالُ: إنه يستلزمُ الرحمةَ، وما فعلى المَلِكُ المذكور فليس بإحسان في الحقيقة، وإن كانت صورتُهُ صورةَ الإحسان، وبالجملة؛ فالعنتُ والمناكدةُ على هذا الاعتراض أَبْيَنُ من أن (ق/ ٢١٣ ب) يتُكَلَّفَ معه رَدّهُ وإبْطَالُه.
فصل
المسلك الثالث: أن (قريبًا) في الآية من باب حذف المُضَاف وإقامة المُضَاف إليه مقامَه، مع الالتفات إلى المحذوف، فكأنه قال: "إنَّ مكانَ رحمة الله (١) قريبٌ من المُحسنينَ"، ثم حذفَ المكان وأعطى الرحمة إعرابَهُ وتذكيرَهُ. ومن ذلك قولٌ الشاعر -حسَّان (٢) -.
يَسْقُون من وَرَدَ البَرِيصَ عليهمُ ... برَدَىَ يُصَفَّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
فقال: يُصَفَّقُ بالياء، وبَرَدَى: مؤنَث؛ لأنه أراد ماءَ بردى، ومنه قول النبي ﷺ وقد أخذ بيديه ذهبًا وحريرًا فقال-: "هذان حَرَامٌ على ذكورِ أمتِي" (٣)، فقال: "حَرَامٌ" بالإفراد والمخبَرُ عنه مثنَّى، كأنه قال: "استعمالُ هذينِ حَرَامٌ"، وهذا المسلك ضعيفٌ جدًّا؛ لأن حذفَ المُضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه، يُسوغُ ادِّعاؤه مطلقًا، وإلا لالتبسَ الخطاب وفَسَد التَّفاهم وتعطَّلَتِ الأدلَّةُ، إذ ما من لفظِ
стр. 953
أمرٍ أو نهي أو خبرٍ يتضمِّن مأمورًا به (١) ومنهيًّا عنه ومخبَرًا، إلا ويمكنُ على هذا أن يُقَدَّر له لفظ (٢) مضاف يُخرجه عن تعلُّق الأمر والنهي والخبرية.
فيقول الملحدُ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] أ، أي: معرفة حج البيت، و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي: معرفة الصيام، وإذا فُتِحَ هذا الباب فسَدَ التَّخَاطُبُ وتعطَّلَتِ الأدلَّةُ، وإنما يضمَرُ المضافُ حيث يتعيَّنُ ولا يصِحُّ الكلامُ إلا بتقديره للضرورة، كما إذا قيل: "أكَلْتُ الشَّاةَ" فإن المفهوم من ذلك: "أكَلْت لَحْمَها"، فحَذف المضاف لا يُلْبس، وكذلك إذا قلت: "أكَلَ فُلانٌ كَبدَ فُلانٍ": إذا أكل مالَهُ، فإِن المفهوم: أكل ثَمَرَةَ كَبدِه، فحَذْف المضاف هنا لا يُلْبس (٣)، ونظائره كثيرة.
وليس منه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وإن كان أكثر الأصوليين يمثِّلون به، فإن القوية اسمٌ للسكان في مسكن مجتمع، فإنما تطلقُ القريةُ باعتبار الأمرين، كالكأسِ: لمأ فيه الشَّراب. والذَّنُوب: للدَّلْوِ الملآنِ ماءً، والنهرِ (٤). والخِوان: للمائدةِ إذا كان عليها طعامٌ ونظائره.
ثم إنهم لكثرة استعمالهم هذه اللَّفظةَ ودورانِها في كلامهم أطلقوها على السُّكَّان تارَةً، وعلى المسكن تارة، بحسب سياق الكلام وبساطه (٥)، وإنما يفعلونَ هذا حيث لا لَبْسَ فيه (٦)، فلا إضمارَ (ظ /٥٦١ ب) في
стр. 954
ذلك ولا حَذْف، فتأمَّلْ هذا الموضعَ الذي خَفِيَ على القومِ مع وضوحه.
وإذا عُرِف هذا فقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ليس في اللَّفظ ما يدُلُّ على إرادة (ق /٢١٤ أ)، موضع ولا مكانٍ أصلًا، فلا يجوزُ دعوى إضماره، بل دعوى إضماره خطأ قطعًا؛ لأنه يتضمَّنُ الإخبارَ بأن المتكلِّم أرَاد المحذوفَ ولم ينصبْ على إرادته دليلًا لا صريحًا ولا لزومًا، فدعوى المُدَّعي أنه أراده (١) دعوى باطلةٌ.
وأما قوله: "بَرَدَى يُصَفَّقُ" فليس أيضًا من باب حذف المُضاف، بل أراد "ببَرَدَى" النهر وهو مُذَكَّرٌ، فوصفه بصفة المذكَّر فقال: يُصَفَّقُ (٢)، فلم يُذَكَّرَ بناء على حذف مضاف، وإنما ذُكَر بناءً على أن بَرَدَى المُرادُ به النهرُ.
فإن قلتَ: فلابُدَّ من حذف مضاف؛ لأنهم إنما يَسقُونَ ماءَ بَرَدَى لا نفسَ النهر.
قلتُ: هذا وإن كان مرادَ الشاعر فلم يلزمْ منه صحَّةُ ما ادَّعاه من أنه ذكر "يُصَفَّقُ" باعتبار الماء المحذوف، فإن تذكيره إنما يكونُ باعتبار إرادة النهر وهو مذكَّرٌ، فلا يدلُّ على ما ادَّعَوْه.
وأما قولة ﷺ : "هذانِ حَرامٌ"؛ ففي إفراد الخبر سِرٌ بديعٌ جدًّا، وهو التنبيهُ والإشارةُ على أن كلَّ واحدٍ منهما بمفرده موصوفٌ بأنه حرامٌ، فلو ثَنَّى الخبر لم يكن فيه تنبيهٌ على هذا المعنى، فلهذا أفْرَدَ الخبر، فكأنه قال: "كلُّ واحدٍ من هذين حرامٌ"، فدلَّ إفرادُ الخبر على إرادة الإخبار عن كل واحدٍ واحدٍ بمفرده، فتأمَّلْه فإنه من بديع
стр. 955
اللُّغة، وقد تقدَّم بيانهُ في هذا التعليق في مسألة (كِلا وكِلْتا) (١)، وإن قولهم: "كلاهما قائمٌ" بالإفراد لا يدُلُّ على أن (كلا) مفردٌ كما ذهب إليه البصريون، بل هو مثنّى حقيقة، وإنما أفردوا الخبرَ للدلالة على أن الإخبار عن كلِّ واحد منهما بالقيام، وقد قرَّرنا ذلك هناك بما فيه كفاية.
فصل
المسلك الرابع: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصِّفَة مقامَهُ، كأنه قال: "إن رحمةَ الله شيءٌ قريبٌ من المحسنين"، أو "لطفٌ قريبٌ"، أو "بِرٌّ قريبٌ"، ونحو ذلك، وحَذْف الموصوف كثير، فمنه قول الشاعر (٢):
فامت تُبَكِّيْه على قَبْرِهِ ... مَنْ لِيَ مِنْ بَعْدِكَ يا عامرُ
تَرَكْتَنِي في الدَّار ذا عُرْبَةٍ ... قَدْ ذلَّ من ليس له ناصِرُ
المعنى: تَرَكتَنِي شَخْصًا أو إنسانًا ذا غُرْبَةٍ، ولولا ذلك لقالت: تَرَكْتَنِي ذَاتَ غُرْبَةٍ. ومنه قول الآخر (٣):
فلو أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخَاءِ سَأَلْتِنِي ... فِرَاقَكِ لم أبخَلْ وأنتِ صَدِيقُ
أراد: وأنت شخصٌ أو إنسان صديقٌ، وعلى هذا المسلك حَمَل سيبويه قولَهم للمرأة: حَائِضٌ وطَامِث وطَالِقٌ، فقال: "كأنهم قالوا:
стр. 956
شيء حائِضٌ وشيء طامِثٌ" (١) وهذا المسلك -أيضًا- ضعيف لثلاثة أوجه:
أحدها: أن حذفَ الموصوف وإقامةَ الصِّفة مقامَهُ إنما يحسُنُ بشرطين: أن تكونَ الصِّفَةُ خاصَّةً يُعْلَمُ ثبوتها لذلك الموصوف بعينه لا لغيره. الثاني: أن تكونَ الصِّفَةُ قد غلب استعمالها مفردةً على الموصوف (٢)، كالبَرِّ والفاجر والعالم والجاهل والمتِّقي والرسول والنبي، ونحو ذلك مما غلب استعمالُ الصِّفَة فيه مجرَّدَةً عن الموصوف، فلا يكاد يجيءُ ذكر الموصوف معها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤] وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ [الحجر: ٤٥] وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤] وهو كثير جدًّا في القرآن وكلام العرب وبدون ذلك لا يحسُنُ الاقتصار على الصِّفَة، فلا يحسُنُ أن تقول: "جاءَني طَويلٌ ورأيْتُ جميلًا أو قَبيحًا" وأنت تريد: "جَاءَنِي رجُلٌ طَويلٌ، وَرأيْتُ رَجُلًا جَمِيلًا أو قبيحًا" ولا تقول: "سَكَنْتُ في قَرِيبٍ" تريد: "في مكانٍ قريبٍ" مع دلالة السكنى على المكان.
الثاني: أن الشيءَ أعمُّ المعلومات، فإنه يشملُ الواجب والممكنَ، فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلامُ بها فصيحًا بليغًا، فضلًا عن أن يكونَ بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأيُّ فَصَاحةٍ وبَلَاغةٍ في قول القائل في "حائِضٌ وطامِثٌ وطالِقٌ":
стр. 957
"شيءٌ حائِضٌ وشيءٌ طامث وشيءٌ طالقٌ"، وهو لو صرَّح (ظ / ١٥٧ أ)، بهذا لاستهجَنَهُ السامعُ، فكيف يقدر في الكلام مع أنه لا يتضمَّنُ فائدةً أصلًا؟! إذ كونه شيئًا أمرٌ معلومٌ عامٌّ لا يدُلُّ على مَدْح ولا ذمٍّ، ولا كمال ولا نقصان.
وينبغي أن يُتَفَطَّنَ هاهنا لأمر لابُدَّ منه، وهو أنه لا يجوزُ أن يُحْمَلَ كلام الله ويُفَسر بمجرد الاحتمال النَّحْوي الإعرابي الذي يحتملُه تركيبُ الكلام (١)، ويكونُ به الكلام له معنًى ما، فإنَّ هذا مقامٌ (٢) غَلِطَ فيه أكثرُ المعربين للقرآن، فإنهم يفسِّرون الآية ويعربونها بما يحتملُهِ تركيب تلك الجملة، ويُفْهَم من ذلك الترِكيبِ أي معنًى اتَّفَقَ، وهذا غلطٌ عظيمٌ يقطع السامعُ بأن مرادَ القرآن غيْرُهُ، وإن احتملَ ذلكَ التركيبُ هذا المعنى في سياقٍ آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزمُ أن يحتملَهُ القرآن.
مثل قول (ق/٢١٥ أ) بعضهم في قراءة من قرأ: ﴿وَالْأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] بالجرِّ (٣): إنه قَسَمٌ (٤).
ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]: إن المسجدَ مجرور بالعطف على الضمير المجرور في (به) (٥).
стр. 958
ومثلُ قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُم وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]: إن (المقيمين) مجرور بواو القسم (١).
ونظائر ذلك أضعافُ أضعافِ ما ذكرناه، وأَوْهَى بكثير، بل للقرآنِ عرفٌ خاصٌ ومَعَانٍ معهودةٌ لا يناسبُهُ تفسيره بغيرها، ولا يجوزُ تفسيره بغير عُرْفه والمعهودِ من معانيه، فإنَّ نسبةَ معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ، بل أعظم، فكما أن ألفاظَهُ ملوكُ الألفاظ وأجلُّها وأفصحُها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي تعجَزُ عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجلُّ المعاني (٢) وأعظمُها وأفخمُها، فلا يجوزُ تفسيرُه بغيرها من المعاني التي لا تَلِيقُ به، بل غيرُها أعظمُ منها وأجلُّ وأفخمُ، فلا يجوز حملهُ على المعاني القاصرة، بمجرَّدِ الاحتمال النَّحْوي الإعرابي، فتدبَّرْ هذه القاعدةَ، ولْتَكُنْ منك على بال، فإنك تنتفعُ بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزَيْفها، وتقطعُ أنها ليست مُرَادَ المتكلم تعالى بكلامه، وسنزيد هذا إن شاء الله بيانًا وبسطًا في الكلام على أصول التفسير، فهذا أصلٌ من أصوله بل من (٣) أهمِّ أصولِهِ.
الوجه الثالث: أن "طالِقًا وحائضًا وطامِثًا" إنما حُذِفَتْ تاؤُه لعدم الحاجة إليها، فإن التاء إنما دخلت للفرق بين المذكَّر والمؤنث في محل اللَّبْس، فإذا كانت الصِّفَة خاصَّة بالمؤنَّث فلا لَبْس، فلا حاجة إلى التاء، هذا هو الصَّوَابُ في ذلك، وهو المذهبُ الكوفيُّ.
فإن قلت: هذا خلافُ مذهب سيبويه.
стр. 959
قلت: فكان ماذا؟ وهل يرتضي محصِّل بردِّ موجب الدليل الصحيح لكونه خلافَ قول عالم معيَّن، هذه طريقةُ الخفافيش، فأما أهلُ: البصائر فإنهم لا يردُّون الدليلَ وموجبه يقول مُعَيَّنٍ أبدًا، وقليلٌ ما هم.
ولا ريْبَ أن أبا بشر (١) ﵀ ضَرَبَ في هذا العلمِ بالقِدْح المُعَلَّى، وأَحْرَزَ من قَصَبَات سَبْقِهِ، واستولى من أمدِهِ (٢) على ما لم يَسْتَوْلِ عليه غيرُهُ، فهو المُصَلِّي في هذا المضمار، ولكن لا يوجبُ ذلك أن يُعْتَقَدَ أنه أحاطَ بجميع كلامِ العرب، وأنه لا حقَّ إلا ما قالَهُ، وكم (ق/٢١٥ ب) لسيبويه من نَصٍّ قد خالفه جمهورُ أصحابه فيه، والمُبَرِّزونَ منهم، ولو ذهبنا نذكرُ ذلك لطال الكلام به.
ولا تنسَ قولَه في باب الصِّفة المُشَبَّهَةِ (٣): "مَرَرْتُ برَجُلٍ حَسَنٍ وَجْهُهُ" بإضافة حسن إلى الوجه، والوجه إلى الضمير، ومخالفة جميع البصريين والكوفيين في ذلك، فسيبويه ﵀ ممن يُؤْخَذُ من قوله ويترك، وأما أن نعتقدَ صحَّة قوله في كلِّ شيءٍ فكلَاّ، وسنفردُ إن شاء الله كتابًا للحكومة بين البصريين والكوفيين فيما اختلفوا فيه، وبيان الراجح من ذلك، وباللهِ التوفيق والتَّأْييد.
فإن قلت: يكفي في رد ما اخترتموه في "حَائِض وطامِث وطَالِق" من المذهب الكوفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] فهذا وصف يختصُّ به الإناث، وقد جاء بالتاء.
стр. 960
قلت: ليس في هذا -ولله الحمد- ردٌّ لهذا المذهب ولا إبطال له، فإن دخولَ (ظ / ١٥٧ ب) التاء هاهنا يتضمَّنُ فائدةً لا تحصلُ بدونها فتعيَّنَ الإتيانُ بها، وهي: أن المراد بالمرضعة فاعِلَةُ الرَّضَاع، فالمرادُ الفعل لا مجرد الوصف، ولو أُرِيْدَ الوصفُ المجرَّد بكونها من أهل الإرضاع لقيل: "مُرْضِعٌ" كحَائِض وطَامِث.
ألا ترى إلى قوله ﷺ : "لا يَقْبلُ الله صَلاةَ حَائِضٍ إلاّ بِخِمَارٍ" (١) فإن المرادَ به الموصوفة بكونها من أهل الحَيْض لا من يجري دمُها، فالحائضُ والمُرْضِعُ وَصْف عامّ، يقالُ (٢) على من لها ذلك وصفًا، وإن لم يكنْ قائِمٌا بها، ويقال على مَنْ قام بها الفعلُ، فأُدْخِلت التاءُ هاهنا إيذانًا بأن المُرَادَ: مَنْ تفعل الرَّضَاع، فإنها تذهلُ عمَّا تُرْضِعُهُ لشدَّة قوله زلزلة الساعة، وأكَّدَ هذا المعنى بقوله: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ فعُلِم أن المُرادَ: المُرضِعَةُ التي تُرْضِعُ بالفعل لا بالقوَّة والتَّهَيُّؤ، وترجيح هذا المذهب له موضع غير هذا.
فصل
المسلك الخامس: أن هذا من باب اكتساب المضاف حكم المضاف إليه، إذا كان صالحًا للحذف والاستغناء عنه بالثاني، كقول الشاعر (٣):
لمَّا أتى خَبَر الزُّبَيْرِ تواضَعَتْ ... سُورُ المَدِينَةِ والجَبِالُ الخُشَّعُ
стр. 961
وقال الآخر (١):
مَشَيْنَ كما اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيَها مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ
وقال الآخر:
بَغْيُ النُّفُوسِ مُعِيدَةٌ نَعْمَاءَهَا ... نِقَمًا، وإنْ عَمِهَتْ، وطالَ غُرُورُها
فأنَّثَ الأوَّلُ: "السُّورَ" المضاف إلى المدينة، والثاني: "المَرَّ" المُضَافَ إلى الرِّياح، (ق/٢١٦ أ) والثالثُ: "البَغْيَ" المُضاف إلى النفوس، لتأنيث المُضاف إليه مع أن التذكير أصلٌ والتأنيث فرع، فحُمِل الأصل على الفرع، فَلأَنْ يجوزَ تذكيرُ المؤنث لإضافته إلى غير مؤنث أولى؛ لأنه حَمْل للفرعِ (٢) على الأصل.
ومنْ الأول أيضًا قول الشاعر (٣):
وتَشْرَقُ بالأَمْرِ الذي قد أَذَعْتَهُ ... كما شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ منَ الدَّمِ
فأنث "الصَّدْرَ" لإضافته إلى القناة.
وأنشدني بعضُ أصحابنا لأبي محمد بن حزم، في هذا المعنى بإسناد لا يحضرُني:
تجنَّب صديقًا مثل ما، واحذرِ لذي ... تراه كعَمْرو بين عُرْبِ وأعجمِ
فإن صديقَ السَّوْءِ يُرْدِي وشاهدي ... كما شَرِقَتْ صدْرُ القناةِ من الدَّمِ
стр. 962
ومنه قول النابغة الذبياني (١):
حتى اسْتَغَاثَتْ بأهلِ المِلْحِ ضَاحِيَةً ... يَرْكُضْنَ قد قَلِقَتْ عقد الأطانيبِ
ومنه قول لبيد (٢):
فمضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً ... منهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقدامُهَا
وهذا المسلكُ وإن كان قد ارتضاه غيرُ واحد من الفضلاء فليس بقَويٍّ؛ لأنه إنما يُعْرَفُ مجيئهُ في الشعر، ولا يُعرفُ في الكلام الفصيح منه إلا النَّادر، كقولهم: "ذَهبَتْ بعضُ أَصابِعِهِ" والذي قوَّاه هاهنا شدَّةُ اتِّصال المُضاف بالمضاف إليه، وكونُه جزؤُه حقيقة، فكأنه قال: "ذَهبَتْ إصْبَعٌ أو إصْبَعَانِ مِنْ أصَابعِهِ"، وحَمْل القرآن على المكثور الذي خلافُهُ أفصحُ منه ليس بسهل.
فصل
المسلك السادس: إن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر؛ لكونه تَبعًا له ومعنًى من معانيه، فإذا ذُكر أغنى عن ذكره؛ لأنه يُفهم منه.
ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ [الشعراء: ٤] فاستغنى عن خبر الأعناق بالخبر عن أصحابها، ومنه في أحدِ الوجوه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، المعنى: واللهُ أحقُّ أن يُرضوه
стр. 963
ورسولهُ كذلك، فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله، إذ إرضاؤُه هو أرضاءُ رسولِهِ، فلم يحتجْ أن يقول: يرضوهما، فعلى هذا يكون الأصل في الآية: "إنَّ الله قَرِيبٌ من المُحْسِنينَ، وإن رحمةَ اللهِ قريبةٌ من المُحْسِنين"، فاستغنى بخبرِ المحذوف عن خبر الموجود، وسَوَّغَ ذلك ظهورُ المعنى، وهذا المسلكُ مسلكٌ حَسَنٌ إذا كُسِي تعبيرًا أحسنَ من هذا، وهو مسلكٌ لطيفٌ المَنْزِع دقيقٌ على الأفهام، وهو من أسرار القرآن.
والذي ينبغي أن يعَبَّرَ عنه به: أن الرحمة صِفَةٌ من صِفَات الرب ﵎، والصِّفَةُ قائمة بالموصوف (ظ / ١٥٨ أ) لا تفارِقُهُ؛ لأن الصفة لا تفارقُ موصوفَها، فإذا كانت قريبةً من المُحسنين (ق / ٢١٦ ب) فالموصوف ﵎ أولى بالقرب منه، بل قربُ رحمته منه تَبَعٌ لقُرْبه هو ﵎ من المُحسنينَ.
وقد تقدَّم في أوَّل الآية أن الله ﵎ قريبٌ من أهل الإحسان بإثابته، ومن أهل سؤاله بإجابته، وذكرنا شواهدَ ذلك، وأن الإحسانَ يقتضي قربَ الرَّبِّ من عبده، كما أن العبدَ قرُبَ من ربِّه بالإحسان، وأن من تَقَرَّبَ منه شِبرًا تقرَّب اللهُ منه ذراعًا، ومن تَقَرَّبَ منه ذراعًا تَقَرَّبَ منه باعًا، فالربُّ ﵎ قريبٌ من المحسنين، ورحمتُه قريبةٌ منهم، وقربُهُ يستلزمُ قربَ رحمته، ففي حذف التاء هاهنا تنبيهٌ على هذه الفائدة العظيمة الجليلة، وأن الله تعالى قريبٌ من المحسنين، وذلك يستلزمُ القُربين: قربَه وقربَ رحمته، ولو قال: "إن رحمةَ الله قريبةٌ من المحسنين"، لم يدُلَّ على قربه تعالى منهم؛ لأن قربَهُ تعالى أخصُّ من قرب رحمته، والأعمُّ لا يستلزمُ الأخصَّ، بخلاف قربه، فإنه لما أكان أخصَّ استلزمَ الأعمَّ، وهو قرب رحمته،
стр. 964
فلا تستهِنْ بهذا المسلك، فإنَّ له شأنًا، وهو متضمِّنٌ لسِرٍّ بديع من أسرار الكتاب، وما أظنُّ صاحبَ هذا المسلكِ قَصَدَ هذا المعنىَ ولا أَلَمَّ به، وإنما أراد أن الإخبار عن قُرْبِه تعالى من المحسنين كافٍ عن الإخبار عن (١) قُرْب رحمته منهم.
فهو مسلك سابع في الآية، وهو المختار، وهو من أَلْيَقِ ما قيلَ فيها، وإن شئتَ قلت: فُرْبُهُ ﵎ من المحسنين، وقُرْب رحمته منهم متلازمانِ، لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخر، فإذا كانت رحمتُه قريبةً منهم فهو أيضًا قريبٌ منهم، وإذا كان المعنيانِ متلازمينِ صحَّ إرادةُ كلِّ واحد منهما (٢)، فكان في بيان قُرْبه سبحانه من المُحسنينَ من التَّحريض على الإحسان، واستدعائه من النفوس، وترغيبها فيه [غايةُ] (٣) حظٍّ لها وأشرفُه وأجلُّه على الإطلاق، وهو أفضلُ عطاءٍ أُعْطِيَهُ العبدُ، وهو قربه ﵎ من عبده الذي هو غايةُ الأماني، ونهاية الآمال، وقرَّة العيون، وحياة القلوب، وسعادة العبد كلها، فكان في العدولِ عن "قريبة" إلى "قريب" من استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلَّفُ بعده إلا من غَلَبَتْ عليه شقاوَتُهُ، ولا قُوَّة إلا بالله تعالى.
فصل
المسلك الثامن: أن الرحمة مصدرٌ، (ق/٢١٧ أ) والمصادر كما لا تثنَّى ولا تجمع، فحقها أن لا تؤنث، وهذا المسلك ضعيف جدًّا،
стр. 965
فإنَّ الله سبحانه حيث ذكر الرحمة أجرى عليها التأنيث كقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقوله فيما حكى عنه رسوله ﷺ : "إنّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ، أَوْ سَبَقَتْ غَضَبِي" (١)، ولو كان حذفُ "التاء" من الرحمة لكونها مصدرًا، والمصادرُ لا حظَّ للتأنيث فيها، لم يَعُدْ عليها الضمير إلا مذكَّرًا، وكذلك ما كان من المصادر بالتاء، كالقدرة والإرادة والحكمة والهمة ونظائرها، وفي بطلان ذلك دليلٌ على بطلان هذا المسلك.
فصل
المسلك التاسع: أن "القريب" يراد به شيئان:
أحدهما: النَّسَب في القرابة، فهذا بالتاء، تقول: "فُلانَةٌ قَريبةٌ لي".
والثاني: قرب المكان وهذا بلا "تاء"، تقول: "جَلَسَتْ (٢) فُلانَةٌ قَرِيبًا منِّي"، ولا تقول: "قَريبةً مني" وهذا مسلك الفَرَّاء وجماعة، وهو أيضًا ضعيفٌ، فإن هذا إنما هو إذا كان لفظُ القريب ظرفًا فإنه يذكَّر كما قال، تقول: "جَلَسَتِ المَرْأَةُ مني قَرِيبًا" فأما إذا كان اسمًا محضًا فلا.
فصل (٣)
المسلك العاشر: أن تأنيثَ الرحمة لما كان غيرَ حقيقيٍّ سَاغَ فيه حذف "التاء"، كما تقول "طَلَعَ الشَّمْسُ وَطَلَعتْ"، وهذا المسلكُ.
стр. 966
أيضًا فاسدُ، فإن هذا إنما يكون إذا أُسْنِد الفعل (ظ / ١٥٨ ب) إلى ظاهر المؤنث.
فأما إذا أُسْنِد إلى (١) ضميره فلابُدَّ من التاء كقولك: "الشَّمْسُ طَلَعَتْ"، وتقول: "الشَّمْسُ طَالِعةٌ" ولا تقول: "طالع"؛ لأن في الصفة ضميرها، فهي بمعنى الفعل في ذلك سواء.
فصل (٢)
المسلك الحادي عشر: أن "قريبًا" مصدرٌ لا وصفٌ، وهو بمنزلة النقيض، فجُرِّد من "التاء"؛ لأنك إذا أخبرتَ عن المؤنث بالمصدر لم تَلْحَقْهُ "التاءُ"، ولهذا تقول: "امْرَأَةٌ عَدْلٌ" ولا تقول: "عَدْلَةٌ" و"امرأةٌ صَوْمٌ، وصَلاةٌ، وصِدْقٌ، وبِرٌّ" ونظائره، وهذا المسلكُ من أفسد ما قيل عن "القريب"، فإن "القريب" (٣) لا يُعْرَفُ استعمالُه مصدرًا أبدًا، وإنما هو وصف، والمصدرُ هو القُرْب لا القريب.
[فصل]
المسلك الثاني عشر: أن "فَعِيلًا وفَعُولًا" مطلقًا يستوي فيهما المذكَّرُ والمؤنث، حقيقيًّا كان أو غير حقيقي، كما قال امرؤُ القيسِ (٤):
بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ ... كَخُرْعُوبَةِ البَانَةِ المُنْفَطِرْ
стр. 967
فَتُوْرُ القيام قطيعُ الكلام ... تَفْتَرُّ عن ذي غُروبٍ خَصرْ
وقال أيضًا (١):
له الوَيْلُ إن أمسى ولا أمُّ هاشمٍ ... قريبٌ ولا البَسْبَاسَةُ ابنةُ يَشْكُرا
وقال جرير (٢):
أَتَنْفَعُكَ الحَيَاةُ وأُمُّ عمرٍو ... قَرِيبٌ لا تَزُورُ ولا تُزَارُ
وقال جرير أيضًا (٣):
كأْن لم نُحَارِبْ يا بُثَيْنُ لو انَّهَا ... تَكَشَّفُ غُمَّاهَا، وأَنْتِ صَدِيقُ
وقال أيضًا (٤).
دَعَوْنَ الهَوَى ثم ارْتَهَنَّ قُلوبَنَا ... بِأَسهمِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صديقُ
قالوا: وشواهدُ ذلك كثيرةٌ، وفي هذا المسلك غُنْيَةٌ عن تلك التَّعَسُّفات والتَّأويلات.
وهذا المسلكُ ضعيفٌ أيضًا، وممَّن ردَّه أبو عبد الله بن مالك فقال (٥): هذا القولُ ضعيف؛ لأن قائِلَهُ إما أن يُريدَ أن "فَعِيلًا" في هذا الموضع وغيره يستحِقُّ ما يستحِقُّه "فَعُولٌ" من الجَرْي على المذكَّر والمؤنَّث بلفظٍ واحد، وإما أن يريدَ أن "فَعِيلًا" في هذا
стр. 968
الموضع خاصَّةً محمول على "فَعُول".
فالأوَّلُ مردودٌ؛ لإجماع أهل العربية على التزام التاء في "ظريفة وشريفة" وأشباههما وَزْنًا ودلالة، ولذلك احتاج علماؤُهم أن يقولوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، وقوله: ﴿وَلَم أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠]: أن أصل "بَغُوي" على فَعول، فلذلك لم تلحقه التاءُ، ثم أُعِلَّ بإبدال الواو ياء، والضمة كسرة، فصار لفظُه كلفظ "فَعِيل"، ولو كان فَعِيلًا أصلًا للحقته التاءُ، فقيل: "لم أكُ بغيَّةً".
والثانى أيضًا مردودٌ؛ لأن لـ "فَعِيل" على "فَعُول" من المزايا ما لا يليقُ به أن يكون تَبَعًا له، بل العكس أولى أن يكونَ "فعولٌ" تبعًا لـ"فَعِيل"؛ ولأنه يتضمَّن حَمْل "فَعِيل" على "فَعُول" وهما مختلفان لفظًا ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأنَّ "قريبًا" لا مُبَالغةَ فيه، لأنه يوصفُ به كلُّ ذي قُرْب وإن قلَّ، و"فَعُول" لابدّ فيه من المبالغة.
وأيضًا فإن الدَّالَّ على المبالغة لابُدَّ أن يكونَ له بِنَيَةٌ لا مبالغَةَ فيها، ثم يُقْصدُ به المبالغةَ، فتُغيَّر بنيته كـ "ضَارِب وضَرُوب، وعَالِم وعَلِيم"، و"قريبٌ" ليس كذلك، فلا مبالغةَ فيه.
وأما بيت امرئ القيس فلا حجَّة فيه لوجوه:
أحدها: أنه نادرٌ فلا حكمَ له، فلا كَثُرَتْ صُوَرُهُ، ولا جاءَ على الأصل، كـ "اسْتَحْوَذَ، واسْتَنْوق البعيرُ، وأغْيَمَتِ السَّمَاءُ، واعْوَرَّ واحْوَلَّ" وما كان كذلك فلا حكمَ له.
الثاني: أن يكونَ أراد قطيعةَ القيام، ثم حذف التاء للإضافة، فإنها تجوزُ بحذفها عند الفراء وغيره، وعليه حمل قوله تعالى:
стр. 969
﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] أي: إقامتها؛ لأن المعروف في ذلك إنما هو لفظُ الإقامة، ولا يقال: "إقام" دون إضافة، كما لا يقال: (ق/٢١٨ أ) "إرادُ" في إرَادَة، ولا: "إقَالُ" في إقالة؛ لأنهم جعلوا هذه التاء عِوَضًا عن ألف "إفعال" أو عينه؛ لأن أصل: "إقَامَة: إقْوَام" فنقلت حركة العين إلى "الفاء فانقلبت ألفًا، فالتقتْ ألِفان، فحُذِفت إحداهما، فجاءوا بالتاء عوضًا، فلزمتْ إلاّ مع الإضافة، فإن حذفها جائزٌ عند قوم قياسًا، وعند آخرين سماعًا، ومثلها في اللَّزوم تاء: "عِدَة وزِنَة" وأصلهما "وَعَدَ ووَزَنَ"، فحُذِفت الواو، وجُعِلَتِ التاء عِوَضًا منها فلزمتْ. وقد تُحْذَفُ للإضافة (ظ / ١٥٩ أ) كقول الشاعر (١):
إنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ وانْجَرَدُوا ... وأَخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الذي وَعَدوا
أي: أخلفوك عِدَة الأمر، فحذف التاء، وعلى هذه اللغة قرأ بعض القراء (٢): ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦] بالهاء أي: عُدَّتَهُ فحذف التاء (٣).
الثالث: أن يكونَ "فَعيل" في قوله: "قَطِيع القيامٍ" بمعنى مفعول؛ لأن صاحبَ "المحكم" (٤) حكى أنه يقالَ: قَطْعَهُ وأقْطَعَهُ: إذا بَكَّتَهُ، وقُطِعَ هو فهو قَطِيع القول، فقَطِيع على هذا بمعنى مَقْطُوع، أي: مُبَكَّتٌ، فحَذْف التاء على هذا التَّوجيه ليس مخالفًا للقِياس، وإن
стр. 970
جعل قَطِيعًا مبنيًّا على: قَطُع، كسريع من سَرُع، فحقُّه على ذلك أن يلحقَهُ التاءُ عند جَرْيه على المؤنَّث، إلا أنه شُبِّهَ بفعيل الذي بمعنى مفعول، فأُجْريَ مجراه.
فهذا تمامُ اثني عشر مسلكًا في هذه الآية، أصحُّها المسلكُ المركَّبُ من السادس والسابع، وباقيها (١) ضعيفٌ وواهٍ ومحتمل.
والمبتدئُ والمقلِّدُ لا يدركُ هذه الدقائق، والفاضل المنصف لا يخفى عليه قَوِتُّها من ضعيفها، وَلْيكنْ هذا آخِرَ الكلام على الآية، والله أعلم.
فائدة (٢)
خبرُ المبتدإ إما مفرد وإما جملة، فإن كان جملةً؛ فإما أن تكونَ هي نفس المبتدإ أو غيره، فإن كانت نفس المبتدإ لم تحْتَجْ إلى رابط يربطُها به، إذ لا رابطَ أقوى من اتحادهما نحو قولي (٣): "الحمد لله".
وإن كانت غيرَ المبتدإ (٤)؛ فلابدَّ فيها من رابط يربطُها بالمبتدإ لئلا يُتَوَهَّمَ استقلالُها وانقطاعُها عن المبتدإ؛ لأن الجملة كلامٌ قائمٌ تامٌّ بنفسه، وذلك الرابط لا يتعيَّنُ أن يكونَ ضميرًا، بل يجوزُ أن يكونَ ضميرًا، وهو الأكثرُ، واسم إشارة كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ﴾
стр. 971
أَصحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ١٠] .. ونظائره كثيرة.
أو اسمًا ظاهرًا قائمًا مقامَ المُضْمَر، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وقد يُستغنى عن الضمير إذا عُلم الرابطُ (١) وعدم الاستقلال بالسياق، وباب هذا التفصيل بعد الجملة، ففيه يقعُ الاستغناءُ عن الضمير (٢) كثيرًا كقولك: "المَالُ لِهؤُلاءِ: لِزَيْدٍ درْهَمٌ، ولِعَمْرٍو دِرْهْمَانِ، ولخَالدٍ (ق/ ٢١٨ ب) ثَلاثَةٌ"، ومثله: "النَّاسُ واحِدٌ في الجَنَّةِ، ووَاحِدٌ في النَّارِ"، ولا حاجة بنا إلى تقدير ضمير رابط محذوف تقديره: "لِزَيْدٍ منه درْهَمٌ، وواحِدٌ منهم في الجَنَّةِ"، فإنَّ تفصيل المبتدإ بالجملة بعدَه رابطٌ أغنى عن الضمير فتأمَّلْهُ. ومثلُه: "السَّمْنُ مَنَوَان بدِرْهَمٍ"، وهذا (٣) بخلاف قولك: "زَيْدٌ عَمْروٌ مُسَافِرٌ" فإنه لا رابطَ بينهما بوجه، فلذلك يحتاجُ أن يقولَ: "في حاجته" ونحو ذلك ليفيدَ الإخبار. هذا حكمُ الجملة.
وأمَّا المفرد؛ فقد اشتهر على ألسنة النُّحاة: أنه إنْ كان مشتقًّا فلابُدَّ من ضمير يربطُه بالمبتدإ، وإن كان جامدًا لم يَحَتَجْ إلى ضمير، وبعضُهم يَتكَلَّفُ تأويلَه بالمشتقِّ.
وهذا موضع لابُدَّ من تحريره، فنقول: الخبر المفرد لما كان نفسَ المبتدإ كان اتِّحَادُهما أعظمَ رابطٍ يمكنُ، فلا وجهَ لاشتراط الرَّابط بعد هذا أصلًا، فإن المخاطَب يعرفُ أن الخبرَ مسندٌ إلى المبتدإ -وأنه هو نفسُه، ومن هنا يُعْلمُ غلط المنطقيِّين في قولهم: "إنه لابُدَّ من الرَّابط،
стр. 972
إما مضمَرًا وإما مظهَرًا" وهذا كلامُ مَنْ هو بعيد من تصوُّر المعاني وارتباطها بالألفاظ، ولا تَسْتنكِرْ (١) هذه العبارةَ في حقِّ المنطقيينَ فإنهم من أفسدِ الناس تَصَوُّرًا، ولا يُصَدِّقُ بهذا إلا مَنْ عَرَف قوانينَ القوم، وعَرَفَ ما فيها من التَّخبيط والفساد.
وأما إن كان الخبرُ اسمًا مشتقًّا مفردًا فلابُدَّ فيه من الضمير، ولكن ليس الجالب لذلك الضمير ربطه بالمبتدإ بل الجالبُ له أن المشتقَّ كالفعل في المعنى، فلابُدَّ له من فاعل ظاهر أو مضمر.
فإن قيل: وما الذي يدُلُّ على أن في الفعل ضميرًا حتى يكونَ في ثانيه ضمير؟. فإذا قلت: "زَيْدٌ قَائم" فإن هذا اللَّفظ (ظ / ١٥٩ ب) لا ضميرَ فيه يُسمع، فدعوى تحمُّله للضمير دعوى محضة.
قيل: الذي يدلُّ على أن فيه الضمير: تأكيدُهم له وعطفُهم عليه وإبدالُهم منه، كقولك في التأكيد: "إنَّ زَيْدًا سَيَقُومُ نَفْسُهُ" برفع "نفس"، وفي العطف كقوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ﴾ [المسد: ٣، ٤] فـ "امرأتُه" رُفِعَ عطفًا على الضمير في "سَيَصْلى"، وفي البدل قولك: "إنَّ زَيْدًا يُعْجِبُنِي عِلْمُهُ"، على أن يكونَ "علمُه" بَدَلَ اشتمال لا فاعل، فإذا كان المشتَقُّ مفرَدًا كان الضميرُ الذي فيه اسمًا، فعلًا كان أو اسمًا، نحو: "زَيْدٌ ذَهبَ (٢) وزيْدٌ ذَاهِبٌ".
وأما في التثنية والجمع؛ فلا يكونُ ضميرًا إلا في الأفعال، نحو: "يَذْهَبَانِ ويَذْهَبُونَ" وأما في الأسماء؛ فإنه لا يكون فيها إذا ظهر، إلا علامةً لا ضميرًا، نحو: "ذاهبانِ (ق/٢١٩ أ) وذَاهِبُونَ" فهما في الاسم
стр. 973
حرفان، وفي الفعل اسمان، برهانُ ذلكْ انقلابُهما في الاسم "ياء" في التثنية والجمع، كما ينقلبان فيما لا يتحمل ضميرًا كالـ "زَّيْدَيْنِ والزَّيْدِينَ" ولو كانا ضميرًا كـ "هما" في الفعل لبقِيا على لفظ واحد، كما تقول في الفعل: "هؤُلاءِ رِجَالٌ يَذْهَبُونَ"، و"مَرَرْتُ بِرِجَالٍ يَذْهَبُون"، و"رَأَيْتُ رِجَالًا يَذْهَبُونَ"، وكذلك في التثنية سواء، فلا يتغيَّر لفظ "الواو"؛ لأنها فاعلٌ، وليست علامةَ إعراب الفعل، فثبتَ بهذا صحَّةُ دعوى النُّحاة على العرب: أن الضميرَ المستتر في الاسم المشتقِّ لا يظهرُ في تثنيةٍ ولا جمع، وأن الضميرَ المستترَ في الفعل يظهرُ في التَّثنية والجمع.
ولولا الدليلُ الذي ذكرناه لما عُرِفَ هذا أبدًا؛ لأن العرب لم تُشَافِهْنا بهذا مشافهةً، ولا أفصحتْ عن هذا القَدْر في هذا ونحوه، إلا باستقراء كلامها والتَّتَبُّع لأنحائها ومقاصدها المُوصل إلى غرائب هذه اللُّغة وأسرارها وحِكَمِها.
فإن قيل: فقد عَرَفنا صِحَّةَ ذلك، فما هي الحكمةُ التي من أجلها فرَّقوا بين المَوْطِنَيْنِ فجعلوها ضمائرَ في الأفعال، وحروفًا في الأسماء؟.
قيل: في ذلك حكمةٌ بديعةٌ، وهي: أن الأسماءَ لما كان أصلها الإعراب كانت أحوجَ إلى علامة إعراب منها إلى علامة إضمار. والأفعال أصلُها البناءُ، ولم يكنْ لها بُدٌّ من الفاعل ضَرورة، فكانت أحوجَ إلى علامة إضمار الفاعلين منها إلى علامة إعراب، مع أن هذهِ العلامةَ في الأسماء علامةُ تثنية وجَمْع، وحَرْف إعراب أيضًا، والأفعالُ لا تُثَّنى ولا تُجمع إذ هي مشتَقَّةٌ من المصدر، وهو لا يُثَّنْى ولا يُجمعُ؛ لأنه يدُلُّ على القليل والكثير يلفظ واحد، هذه عِلَّةُ النُّحاة.
стр. 974
وفيه علَّةٌ أخرى أصَحُّ من هذه وألطفُ وأدَقُّ، قد تَقَدَّمَتْ في أول هذا التعليق (١).
وإذ ثبت أن الأفعال لا تُثَّنى ولا تُجمع، وعلامة التَّثْنِيَةِ والجمع حروفُ إعراب، فلا يكونُ "الواو والألف" إلا علامةَ إضمار، ولا يكونُ في الأسماء -وإن احتملتِ الضمائرَ- إلا علامةُ تثنية وجمع و (٢) حروف إعراب على قول سيبويه (٣)، أي: محل الإعراب، أو هى الإعراب نفسها على قول قُطْرُب وغيره، بمنزلة الحَرَكات في المفرد، أو دليل إعراب على قول (٤) الأخفش وأبي العباس المُبَرِّد (٥).
فصل (٦)
هذا حكم الخبر إذا كان مفردًا أو جملة، فأما إذا (ق/٢١٩ ب) كان واقعًا موقعَ الخبر، وليس هو نفسُهُ خبرًا، كالظَّرْف والمجرور، فإنه وأقعٌ موقِعَ مُشْتَقٍّ متَحَمِّلٍ للضَّمير، وهو إما مفردٌ وإما جملة.
وأكثر النُّحاة يقدَّرُونه بمفرد مشتَقٍّ، نظرًا إلى أن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا، فتقديرُه كذلك موافقٌ للأصل، وأيضًا فإنما قُدِّرَ لضَرورة صِحَّة الكلام، فإن الظرفَ والمجرورَ ليس هو نفس المبتدأ، وما قُدِّرَ للضَّرُورة لا يُتَعَدَّى به ما تقتضيه الضَّرورةُ، وهي تزولُ بالمفرد، فتقديرُ الجملة مستغنى عنه مع أنه خلافُ الأصلِ.
стр. 975
وأيضًا: فإنه قُدِّر للتَّعلُّق، وهذا التَّعلُّق يكفي فيه المفردُ، وأيضًا فإنه يقعُ في موضع لا يصحُّ فيه تقدير الجملة، كقولك: "أمَّا عِنْدَكَ فَزَيْدٌ، وأمَّا في الدَّار فعَمْرٌو" فإن "أمَّا" لا يليها إلا اسمٌ مفرد، فإذا تعيَّنَ المفردُ هاهنا، يرجحُ في (ظ/ ١٦٠ أ) الباقي، ليجريَ البابُ على سَنَن واحد، ولا ينتقض هذا بوقوعه في صِلَةِ الموصول، كقولك: "جَاءَنِي الَّذي في الدَّارِ"، إذ يتعيَّنُ تقديرُ الجملة؛ لأن كلامنا في التقدير في باب الخبر، لا في التقدير في سائر الأبواب، كالصِّلَة والصِّفَة والحال، ولا يلزمُ من تعين الجملة في التَّقدير في الصِّلَة تعيُّنُها ولا ترجيحها في باب المبتدإ.
وسأل أبو الفتح ابن جِنِّي أبا عليٍّ (١) عن هذه المسألة، فلم يراجعه بجواب شافٍ أكثرَ من أن قال له: تقدير الاسم هاهنا أولي؛ لأن خبرَ المبتدأ في أغلبِ أحواله اسم.
وكَشْفُ الغطاء عن هذه المسألة أن يقالَ: الجار هنا لا يُتَصَوَّر تعلُّقه بفعل محض؛ إذ الفعل المحضُ ما دَلَّ على حَدَث وزمان، ودلالته على الزمان بِبِنْيته، فإذا لم يكن له وجود في اللَّفظ، لم يكن له بنيَةٌ تَدُلُّ على الزَّمَان، مع أن الجارَّ لا تعلُّقَ له بالزَّمانِ، ولا يَدُلُّ عليَه، إنما هو في أصل وضعِهِ لتقييد الحَدَث وجرِّه إلى الاسم على وجهٍ مَّا من الإضافة، فلا تعلُّقَ له إلا بالحَدَث، والحدث الذي هو المصدرُ لا يمكن تقديرُه هاهنا لأنه خبرُ المبتدإ، والمبتدأُ ليس هو الحَدَثَ، فَبَطَلَ أن يكون التقدير: "زَيْدٌ اسْتِقْرارُ (٢) في الدَّارِ"، وبطَلَ -أيضًا بما تقدَّم- أن يكون التقدير: "زَيْدٌ اسْتَقَرَّ في الدَّارِ"، ألا ترى
стр. 976
أنه يقبُحُ أن يقال: "زَيْدٌ في الدَّارِ أمْسِ، أو: أوَّلَ مِنْ أَمْسِ".
وإذا بطل القسمان -أعني إضمار المصدر والفعل- لم يبق إلا القسم الثالث وهو: إضمار اسم الفاعل فتصِحّ (١) الفائدتانِ:
إحداهما: (ق / ٢٢٠ أ)، أن يكون خبرًا عن المبتدإ، ويُضمرُ فيه ما يعودُ عليه، إذ لا يمكنُ ذلك في المصدر.
والثانية: أن يصِحَّ تَعَلُّق الجارِّ به، إذ مطلوبه الحَدَث، واسم الفاعل متضمِّنٌ للحَدَث لا للزمان.
إذا (٢) عُرِف هذا فلا يَصِحُّ ارتفاع الاسم بعد الظرف والمجرور بالاستقرار على أنه فاعل، وإن كان في موضعِ خبر أو نعت (٣)، وإنما يرتفعُ بالابتداء كما يرتفعُ في قولك: "قَائِم زَيْدٌ" بالابتداء لا بـ "قائم" خلافًا للأخفش، فإذا قلت: "في الدَّارِ زيْدٌ"، فارتفاع "زَيْد" بالابتداء لا بالاستقرار (٤).
فإن قلت: أليس إذا قلت: "زَيْدٌ قَائِمٌ أَبُوهُ" و"رَأَيْتُ رَجُلًا قَائِمًا أَبُوه" و"مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ أَبُوهُ" فيرتفع الاسمَ بـ "قائم" إذا كان معتمدًا على مبتدإ أو مَنعوت أو ذي حال، وكذلك إذا كان قبله استفهام أو نفي، نحو: "أَقَائِمٌ زيْدٌ" و"مَا قَائِمٌ زَيْدٌ".
قيل: اسم الفاعل مشتقٌّ، وفيه لفظ الفعل ومعناه، فإذا اقترن به ألف الاستفهام أو قرينة من القرائن التي ذكرتَ، التي يَقْوَى بها معنى
стр. 977
الفعل، عَمِلَ عَمَلَ الفعل، بخلاف: "قَائِمٌ زيْدٌ" فإنه لا قرينةَ معه تقتضي أن يعملَ عَملَ الفعل، فحُمِل على أصلِهِ من الابتداء والخبر.
فإن قبل: فهلَاّ قلت: إن الظرفَ والمجرورَ إذا اعتُمِدَ كما يُعْتَمدُ اسم الفاعل، أنه يرفع: الاسم كما هو مَعْزِيٌّ إلى سيبويه، فإذا قلتَ: "زَيْدٌ في الدَّارِ أَبُوه" كان "أبوه" مرفوعًا بالظرف، كما إذا قلت: "زَيْدٌ قَائِمٌ أَبُوهُ".
قلتُ: قد توهَّم قوم أن هذا مذهبُ سيبويهْ، وأنَّكَ إذا قلت: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ معه صَقْرٌ" أنَّ "صقرًا" مرفوعٌ بالظرف لاعتماده على الموصوف، وكنا نظنُّ: ذلك زمانًا حتى تَبَيَّنَ أن هذا ليس بمذهبه، وأنه غَلَطٌ عليه، وقد بيَّن أبو سعيد السِّيرافي مرادَ سيبويه من كلامه، وشَرَح وجْهَ الغلط عليه بما فيه كفاية فراجعْه في كتابه (١).
والفرقُ بين الظرف وبين اسم الفاعل ما تقدَّم: أن اسم الفاعل: مشتقٌّ وفيه لفظ الفعل: ومعناه، فإذا اعتُمِد أو اقترنَتْ به قرينةٌ، قَوِيَ جانب الفعليَّة فيه فعَمِلَ عَمَلَ الفعل، وأما الظرفُ فلا لفظَ للفعل فيه، إنما هو معنًى يتعلَّقُ به الفعلُ وبدُلُّ عليه، ولم يكنْ في قوَّة القرينة التي يعتمدُ عليها أن تجعلَه كالفعل، كما لم يكنْ في قُوَّته إذا كان ملفوظًا به دون قرينة أن يكونَ كالفعل، فإذا اجتمعَ (ظ / ١٦٠ ب) الاعتمادُ المُقَوِّي لمعنى الفعل مع اللَّفظ المشتقِّ من الفعل عَمِلَ الاسمُ حينئذٍ عَمَلَ الفعلِ.
ووجه آخر (ق / ٢٢٠ ب)، من الفرقِ بين المسألتينِ: أنك إذا قلت: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ أَبُوهُ" فالقيامُ -لا مَحَالَةَ- مسنَدٌ إلى الأب في
стр. 978
المعنى، وهو في اللَّفظ جار (١) على "رجل"، والكلامُ له لفظ ومعنى، فـ "قائمٌ" في اللفظ جارٍ على ما قبلَهُ وفي المعنى مسنَدٌ إلى ما بعدَهُ، وأما الظرف والمجرور فليس كذلك، إنما هو معنى يتعلَّقُ به الجار، وذلك المعنى مسنَدٌ إلى الاسم المرفوع وخبَرٌ عنه، فصحَّ أنه مبتدأ والمجرور خبر عنه، والجملةُ في موضع نعتٍ أو خبر.
فإن قيل: فيلزمكم إذا قدَّمتم الظرفَ في موضع الخبر، وقدَّرتم فيه ضميرًا يعودُ على المبتدإ، أن تُجيزوا: "في الدَّارِ نَفْسُهُ زَيْدٌ"، و"فيها أَجْمَعُونَ إِخْوَتُكَ"، وهذا لا يُجَوِّزُهُ أحدٌ، وفي هذا حُجَّةٌ للأخفش، ولمن قال بقوله في أن رفع الاسم بالظرف.
قيل: إنما قَبُحَ توكيد المضمَر إذا كان الظرفُ خبرًا مقدَّمًا؛ لأن الظرفَ في الحقيقة ليس هو الحاملَ للضمير، إنما هو متعلِّقٌ بالاسم الحامل للضمير، وذلك الاسم غيرُ موجود في اللَّفظ حتى يقالَ: إنه مقدَّمٌ في اللفظ مؤخَّرٌ في المعنى، وإذا لم يكن ملفوظًا به فهو في المعنى والرُّتبة بعد المبتدإ، والمجرورُ المقدَّمُ قبل المبتدإ دالٌّ عليه، والدالُّ (٢) على الشيء غيرُ الشيء، فلذلك قَبُحَ: "فيها أجْمَعُونَ الزَّيْدُونَ" (١)؛ لأن التوكيد لا يتقدَّم على المؤكد، ولذلك صحَّ تقديمُ خبرِ "إن" على اسمها إذا كان ظرفُا، لأن الظرف ليس هو الخيرَ في الحقيقة، إنما هو متعلِّقٌ بالخبر، والخبر منوِيٌّ في موضعه مقدَّرٌ في مكانه؛ ولذلك لم ينكسرْ أصلُ الخليل في منعه تقديمَ خبر المبتدإ مع كثرة هذا النحو في الكلام، أعني: "في الدَّارِ زَيْدٌ" ولذلك عَدَل
стр. 979
سيبويه في قولهم: "فيها قَائِمًا رَجُلٌ"، و: "لِمَيَّة مُوحِشًا طَلَلُ" (١) إلى أن جَعَل الحالَ من النكرة، ولم يجعلْها حالًا من الضمير الذي في الخبر؛ لأن الخبر مؤخَّر في النية، وهو العامل فى الحال وهو منوِيٌّ (٢)، والحال لا يتقدَّمُ على العامل المَنْوِيِّ، فهذا كلُّه مما يبيِّنُ أن الظرفَ والمجرور ليس هو الخبرَ في الحقيقة، ولا الحاملَ للضمير، ولا العاملَ في شيءٍ من الأشياء، لا في حال ولا في ظرف ولا في فاعل.
ومن جهة المفعول أن "الدَّار" إذا انفردت بلفظها، لم يَصِحَّ أن تكون خَبَرًا عن "زيْد"، ولا عاملة ولا حاملة للضمير، وكذلك "في" و"من" وسائر حروف الجر لو انفردت لم يكن فيها شيءٌ من ذلك، فقد وضَحَ أن الخبرَ غيرُها، وأنها واقعةٌ موقِعَه، والله أعلم.
فإن قيل: فما تقول فيما حكاه الزَّجَّاجي (٣) عن بعض النُّحاة أنك إذا قلت: "قَائِم زيْدٌ" أن "قائمًا" مبتدأ و"زيد" فاعل به سدَّ مسَدَّ الخبر؟.
قيل: هذا وإن كان قد جَوَّزَهُ بعضُ (ق/٢٢١ أ) النُّحاة فهو فاسدٌ في القياس؛ لأن أسمَ الفاعل اسمٌ محضٌ، واشتقاقُه من الفعل لا يوجبُ له عمل الفعل كـ "مَسْجِد ومَرْقَد ومِرْوَحَة ومِغْرَفة"، ولكن إنما يعَملُ
стр. 980
إذا تقدَّم ما يطلبُ الفعل، أو كان في موضع لا تدخلُ عليه العواملُ اللَّفظيةُ نحو: النعت والخبر والحال، فيقْوَى حينئذٍ معنى الفعل فيه، ويعضدُ هذا من السماع أنهم لم يحكوا: "قَائِمٌ الزَّيْدَانِ"، و"ذَاهِبٌ إخْوَتُكَ" عن العرب، إلاّ على الشرط الذي ذكرنا، ولو وَجَد الأخفشُ ومن قال بقوله سماعًا لاحتجُّوا به على الخليل وسيبويه، فإذا لم يكنْ مسموعًا وكان بالقياس مدفوعًا؛ فأَحْرِ به أن يكونَ باطلًا ممنوعًا!!.
فإن قلت: فما تصنعُ في قول الشاعر (١):
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فلا تَكُ مُلْغِيًا ... مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إذا الطَّيْرُ مَرَّتِ
فهذا صريح في أن "خبير" مبتدأ، و"بنو لهب" فاعل به. وفي قول الآخر (٢):
فَخَيْرٌ نحنُ عندَ النَّاسِ مِنْكُم ... إذا الدَّاعِي المُثَوِّبُ قَالَ: يَالا
قلت: أما البيتُ الأوَّلُ فعلى شذوذه ونُدْرته لا يُعْرَفُ قائلُه، ولم يُعْرَفْ أن متقدِّمي النُّحاة وأئمَّتَهم استشهدوا به، وما كان كذلك فإنه لا يُحتجُّ به باتفاق، على أنه لو صَحَّ أن قائله حُجَّةٌ عند العرب، لاحتملَ أن يكون المبتدأُ محذوفًا مضافًا إلى بني لِهْب، وأصلُه: "كُلُّ بَني لِهْبٍ خَبِيرٌ" و"كلُّ" يخبَرُ عنها بالمفرد كما تقدم في أول التعليق (٣)، ثم
стр. 981
حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامَه فاستحقَّ إعرابَه.
ويدلُّ على إرادة العموم عجزُ البيت وهو قوله:
... فلا تَكُ مُلغَيا ... مقالةَ لِهْبِيٍّ ...
أفلا ترى كيف يُعطي هذا الكلامُ أن كلَّ واحدٍ من بني لِهْبٍ خَبِيرٌ فلا تَلْغِ مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ (١).
وكذلك البيت الثاني فلا متعلّق فيه أصلًا؛ لأن أفعلَ التفضيل إذا وقع خَبَرًا عن غيرِه، وكان مقترِنًا بمن كان مفردًا على كلِّ حال، نحو: "الزَّيْدُونَ خَيْرٌ مِنَ العَمْرِينَ" (٢).
فصل (٣)
إذا ثبت هذا؛ فيجوزُ في اسم الفاعل إذا اعْتُمِد على ما قبلَه، أو: كان معه قرينةٌ مقتضيةٌ للفعل وبعده اسم مرفوع وجهانِ:
أحدها: أن يكون خَبَرًا مقدَّمًا، والاسمُ بعدَهُ مبتدأٌ، وأن يكونَ مبتدأً والمرفوعُ بعدَه فاعلٌ به (٤). نحو: "أَقَائِمٌ زيدٌ"، و"ما قَائِمٌ عَمْروٌ" ونحوه، إلا أن يمنعَ مانعٌ من ذلك، وذلك في ثلاث مسائل:
أحدها: قولك: "زَيْدٌ قَائِمٌ أَخوَاهُ" فإنَّ هذا يتعيَّنُ فيه أن يكونَ
стр. 982
"أَخَوَاهُ" فاعلًا بِـ "قَائِم"، ولا يجوزُ أن يكون "أخواه" مبتدأً و"قائم" الخبر؛ لعدم المطابقة.
الثانية: قولُك: "زَيْدٌ قَائِمَانِ أَخَوَاهُ"، فإنَّ هذا يتعتَّنُ فيه على الأفصح أن يكون مبتدأً وخبرًا، ولو كان من باب الفعل والفاعل لقلت: "قَائِم أَخَوَاهُ" كما تقول: "قَامَ أَخوَاهُ".
الثالثة: قولك: "زَيْدٌ قَائِمٌ أنْتَ إليه"، و"زَيْدٌ قَائِمٌ هُوَ" إذا كان الفاعلُ ضميرًا منفصلًا، فإنَّ هذا لا يكون إلا مبتدأ وخبرًا؛ لأن الضميرَ المنفصلَ لا يكونُ فاعلًا مع اتِّصاله بعامله، إنما يكون فاعلًا إذا لم يمكن اتِّصاله نحو: "ما قَائِمٌ (١) إلا أنْتَ" ونحو: "الضَّارِبُهُ هو".
فإذا عرفتَ هذا؛ فقوله ﷺ في حديث المبعث: "أَوَ مُخْرجِيَّ هُم" (٢)؛ "مُخْرِجِيَّ" يتعينُ أن يكون خبرًا مقدَّمًا، و"هم" مبتدأ (٣)؛ لأنَّ الرواية اتَّفَقَتْ على تشديد "مُخْرِجِيَّ" (٤) وكان أصلَه: "مُخْرِجُونَ لِي" فحذف اللام وأُضيف "مُخْرِجُونَ" إلى الياء، فسقطت نون الجمع؛ لأنها تسقط للإضافة فصار: "مُخْرِجُوْي" (٥)، فاجتمعت الواو والياء، والسابق منهما ساكنٌ، فقُلِبَت الواو ياءً فصار (٦) مِثْلان، فأُدْغِم أحدهما في الآخر فجاء: "مُخْرِجِيَّ".
ومثله: "ضَارِبيَّ ومُكْرِميَّ"، ولو أن الصِّفَةُ هاهنا رافعةٌ للضمير
стр. 983
لكانت مفردةً، وكان يُقَالُ: "أو مُخْرِجيْ هُم"؟ بالتخفيف، كما تقول: "أَضَاربِي إِخْوَتُكَ"؟ ولو جعلتَه مبتدأً وخَبرًا لقلت: "أَضَارِبيَّ" بالتشديد، والله أعلم.
فإن قلت: "ما هُم بمُخْرِجيَّ" تعيَّن التشديد ليس إلا؛ لأن الفاعل لا يتقدَّمُ، فلو خفَّفْتَ لكانت المسألة في باب الفعل والفاعل. والفاعلُ لا يتقدَّمُ عاملَه، كان أخَّرْتَ الضميرَ جاز لك الوجهانِ كما تقدم.
فصل (١)
قولهم: "ظروفُ الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث" (٢) ليس على إطلاقه ، بل فيه تفصيل يُعْرَف من العلة في منع ذلك، والعلَّةُ: أن الزمان لما كان عبارة عن أوقات الحوادث، وكانوا محتاجينَ إلى تقييد حوادثهم وتأريخها بأزمنة تقارنُها معلومة عند المتكلِّم والمخاطب، كما يقدرونها بالأماكن التي تقعُ فيها، جعل (٣) اللهُ حَرَكات الشَّمس والقمر، وما يحدثُ بسببهما من الليل والنَّهار والشهور والأعوام، معيارًا يَعْلَم به العِبَادُ مقاديرَ حوادثِ أفعالها وتأريخها ومعيارها، لشدَّة حاجتهم إلى ذلك في الآجال، كالعِدَد والإجارات والسَّلَم والديون المؤجَّلة، ومعرفة مواقيت الحجِّ والصِّيام وغيرها، فصارت حركةُ الشمس والقمر تأريخًا وتقييدًا ومعيارًا للأفعال والحياة والموت والمولد، وغير ذلك.
فالزمانُ إذًا عبارةٌ عن مقارنة حادثٍ لحادث، مقارنة الحادث
стр. 984
(ق/٢٢٢ أ) من الحركة العُلْوية (١) للحادث من حركات العباد ومعيارًا له (٢)، ولهذا سمَّاه النُّحاة ظرفًا؛ لأنه مكيالٌ ومِعْيَارٌ يعلم به مقدار الحركة (٣) والفعل وتقدُّمه وتأخره، وقربه وبعده، وطوله وقصره، وانقطاعه ودوامه.
فإذا أخبرتَ أن فعلَكَ قارَنَ ذلك الحادثَ المعلومَ من حركة الشمس والقمر، يُوَقَّتُ له ويُقَيَّدُ به فسمِّي وقتًا، وهو في الأصل مصدرُ: وقَّتُّ الشَّيءَ أُوَقِّتُهُ (٤): إذا حدَّدته وقَدَّرْته، حتى لو أمكن أن يقيَّدَ ويؤرَّخ بما يقارنُ الفعل من (ظ / ١٦١ ب)، الحوادث غير الزمان استَغْنى عن الزمان، نحو: "قُمْتُ عِنْدَ خُرُوجِ الأَمِيرِ"، و"عِنْدَ قُدُوْمِ الحَاجِّ"، و"عنْدَ مَوْتِ فُلانٍ"، لكن ذلك لا يشتركُ علمه ومعرفته كالاشتراك في معرفة يوم الجمعة وشهر رمضانَ ونحوه، ولا يطَّرد مع أنه أيضًا توقيتٌ وتاريخ بالزمان في الحقيقة، فإن قولك: "عِنْدَ خُرُوج الأَمِيرِ وقُدُومِ الحَاجِّ" إنما تريدُ يه هذه الأوقاتَ والأزمنةَ، ولكن المعلوم عند جميع المخاطبين (٥) إنما هى أجزاءُ الزمان كالشهر والسنة واليوم وأبعاض ذلك.
وإذا عُرِف هذا فلا معنى لقولك: "زَيْدٌ اليَوْمَ وعَمْروٌ غَدًا"؛ لأن
стр. 985
الجُثَثَ ليست بأحداث فتحتاجَ إلى تقييدها بما يقارنُها وإلى تأريخها بما يحدث معها، فما ليس بَحَدَث فلا معنى لتقييده بالحَدَث الذي هو الزمان.
وعلى هذا فإذا أردتَ حدوثَ الجثة ووجودها، فهو أيضًا حادثٌ، فيجوزُ أن يخبرَ عنه بالزمان إذا كان الزمانُ يَسَعُ مُدَّتَها، تقول: "نحن في المائة الثامنة"، و"كان الأَوْزاعي في المائة الثانية"، و"الإمام أحمد في المائة الثالثة"، ونحو هذا.
وعلى هذا فإذا قلت: "اللَّيْلَةَ الهِلالُ" صَحَّ، ولا حاجة بك إلى تكلُّف إضمار "الليلة طلوع الهلال"، فإن المرادَ حدوثُ هلال ذلك الشهر، فَجَرى مَجْرى الأحداث، وكذلك تقول: "الوَرْدُ في أَيَّارَ" وتقول: "الرُّطَبُ في شَهْرِ كَذَا وكَذَا" ومنه قول الشاعر (١):
أَكُلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَخوُونَهُ ... يُلْقِحُه قَوْمُ وتَنْتِجُونَهُ
ومثله قولك: "البَدْرُ لَيْلَةُ أرْبَعَ عَشْرَةَ" ولا حاجةَ إلى تكلُّف: "طلوع البدر"، بل لا يصِحُّ هذا التقدير؛ لأن السائل إذا سألك: "أَيُّ وَقْتٍ البَدْرُ" فإنه لم يسألْك عن الطُّلوع، إذ هو لا يجهلُه، وإنما يسألُك عن ذات البدر ونفسه، فقولك: "هو لَيْلَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ" تريد به، أن ليلة أربع عشرة هي ليلة كونه بدرًا لا ليلةَ طلوعه، فتأمَّلْه.
وعلى هذا فلا يسوغُ هذا الاستعمالُ حتى يكونَ الزَّمانُ يسَعُ ما قيَّدْتَهُ به من الحَدَث (ق/٢٢٢ ب) والجثة التي في معناه، فلو كان الزَّمانُ أضيقَ من ذلك لم يَجُزِ التقييدُ به؛ لأن الوقت لا يكون أقلَّ من