← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الآلةُ معطَّلةً بغير منفعة، فالحكمةُ التَّامَّةُ فيما وُجِدَت خلقةُ كلٍّ منهما عليه. فصل (١) فارجِع الآن إلى نفسك، وكرِّر النَّظر فيك، فهو يكفيك (٢). وتأمَّل أعضاءك وتقديرَ كلِّ عضوٍ منها للأرب والمنفعة المهيَّأ لها: فاليدان للعلاج والبطش، والأخذ والإعطاء، والمحاربة والدَّفع. والرِّجلان لحمل البدن (٣)، والسَّعي والرُّكوب، وانتصاب القامة. والعينان للاهتداء، والجمال، والزِّينة، والملاحة، ورؤية ما في السَّموات والأرض وآياتهما وعجائبهما. والفمُ للغذاء، والكلام، والجمال، وغير ذلك. والأنفُ للنفَس، ولإخراج فضلات الدِّماغ، وزينةٌ للوجه. واللسانُ للبيان والتَّرجمة عنك. والأذنان صاحبا الأخبار يؤدِّيانها إليك. فاللسانُ رسولٌ إلى خارج، والأذنان رسولان من خارجٍ إليك؛ فهما يؤدِّيان إليك (٤)، واللسانُ يبلِّغُ عنك. والمعدةُ خزانةٌ يستقرُّ فيها الغذاء، فتطبخُه وتنضجُه، وتصلحُه إصلاحًا آخرَ وطبخًا آخرَ غيرَ الإصلاح والطَّبخ الذي تولَّيتَه مِنْ خارج، فأنت تُعاني

стр. 842

إنضاجَه وطبخَه وإصلاحَه مِنْ خارجٍ (١) حتى تظنَّ أنه قد كَمُل، وأنه قد استغنى عن طبخٍ آخرَ وإنضاجٍ آخر، وطبَّاخُه الدَّاخلُ ومُنْضِجُه يعاني من نضجه وطبخه ما لا تهتدي أنت إليه ولا تقدرُ عليه؛ فهو يوقدُ عليه نيرانًا تذيبُ الحصى (٢) وتذيبُ ما لا تذيبُه النَّار، وهي في ألطف موضعٍ منك، لا تحرقُك ولا تلتهبُ عليك، وهي أشدُّ حرارةً من النَّار، وإلا فما يذيبُ هذه الأطعمة الغليظة الشديدة جدًّا (٣) حتى يجعلها ماءً ذائبًا؟! وجَعَل الكبد للتَّخليص وأخذِ صَفْو الغذاء وألطفه، ثمَّ رتَّب منها مجاري وطُرقًا يَسُوقُ بها الغذاء إلى كلِّ عضوٍ وعظمٍ وعَصَبٍ ولحمٍ وشَعرٍ وظُفر. وجَعَل المنافذَ والأبوابَ لإدخال ما ينفعُك وإخراج ما يضرُّك. وجَعَل الأوعيةَ المختلفةَ خزائنَ تحفظُ مادَّة حياتك؛ فهذه خزانةٌ للطَّعام، وهذه خزانةٌ للحرارة، وهذه خزائنُ للدَّم (٤)، وجَعَل منها خزائن مؤديات (٥) لئلَّا تختلط بالخزائن الأُخر، فجعل خزانةً للمِرَّة السَّوداء، وأخرى للمِرَّة الصَّفراء، وأخرى للبول، وأخرى للمنيِّ.

стр. 843

فتأمَّل حال الطَّعام في وصوله إلى المعدة، وكيف يَسْري منها في البدن؛ فإنه إذا استقرَّ فيها اشتملت عليه وانضمَّت، فتطبخُه وتجيدُ صَنْعتَه، ثمَّ تبعثُه إلى الكبد في مجارٍ دِقاق، وقد جُعِل بين الكبد وبين تلك المجاري غشاءٌ (١) كالمِصْفاة الضيِّقة الأبخَاش (٢) تصفِّيه، فلا يصلُ إلى الكبد منه شيءٌ غليظٌ خَشِنٌ فينكؤها؛ لأنَّ الكبد رقيقةٌ لا تحملُ الغليظ (٣). فإذا قَبِلتْه الكبدُ أنفَذتْه إلى البدن كلِّه في مجارٍ مهيَّأةٍ له بمنزلة المجاري المعدَّة للماء ليسلُك في الأرض فيعُمَّها بالسَّقي، ثمَّ يبعثُ ما بقي من الخَبث والفُضول إلى مغَايِض (٤) ومصارف قد أُعِدَّت لها، فما كان مِنْ مِرَّةٍ صفراء بعثَت به إلى المَرارة، وما كان مِنْ مِرَّةٍ سوداء بعثَت به إلى الطُّحال، وما كان من الرُّطوبةِ المائية بعثَت به إلى المَثانة. فمن ذا الذي تولى ذلك كلَّه وأحكمَه ودبَّره وقدَّره فأحسَن تقديرَه؟! وكأني بك أيها المسكينُ تقول: هذا كلُّه مِنْ فعل الطَّبيعة، وفي الطبيعة عجائبُ وأسرار. فلو أراد الله أن يهديَك لسألتَ نفسك بنفسك، وقلتَ: أخبريني عن هذه

стр. 844

الطَّبيعة، أهي ذاتٌ قائمةٌ بنفسها لها علمٌ وقدرةٌ على هذه الأفعال العجيبة، أم ليست كذلك، بل عَرَضٌ وصفةٌ قائمةٌ بالمطبوع تابعةٌ له محمولةٌ فيه؟ فإن قالت لك: بل مِنْ ذاتٍ قائمةٍ بنفسها، لها العلمُ التَّامُّ والقدرةُ والإرادةُ والحكمة. فقل لها: هذا هو الخالقُ الباراءُ المصوِّر، فلِمَ تسمِّينه طبيعةً؟! * وبالله (١) عن ذكر الطَّبائع يُرْغَبُ (٢) * فهلَّا سمَّيته بما سمَّى به نفسَه على ألسُن رسله، ودخلْت في جملة العقلاء والسُّعداء؛ فإنَّ هذا الذي وصفْت به الطَّبيعةَ صفتُه تعالى. وإن قالت لك: بل الطَّبيعةُ عَرَضٌ محمولٌ مفتقرٌ إلى حامل، وهذا كلُّه فعلُها بغير علمٍ منها ولا إرادةٍ ولا قدرةٍ ولا شُعورٍ أصلًا، وقد شُوهِد من آثارها ما شُوهِد. فقل لها: هذا ما لا يصدِّقُه ذو عقلٍ سليم، كيف تصدُر هذه الأفعالُ العجيبةُ والحِكَمُ الدَّقيقةُ التي تعجزُ عقولُ العقلاء (٣) عن معرفتها وعن القدرة عليها ممَّن لا فِعل له ولا قدرة ولا حكمة ولا شُعور؟! وهل التَّصديقُ

стр. 845

بمثل هذا إلا دخولٌ في سِلْك المجانين والمُبَرسَمين (١). ثمَّ قل لها بعدُ: ولو ثبت لكِ ما ادَّعيت فمعلومٌ أنَّ مثل هذه الصِّفة ليست بخالقةٍ لنفسها ولا مبدعةٍ لذاتها، فمن ربُّها ومبدعُها وخالقُها؟! ومن طبَّعها وجعلها تفعلُ ذلك؟! فهي إذن مِنْ أدلِّ الدَّلائل (٢) على بارئها وفاطرها، وكمال قدرته وعلمه وحكمته، فلم يُجْدِ عليك تعطيلُك ربَّ العالم وجحدُك لصفاته وأفعاله إلا مخالفتك لموجَب العقل والفطرة (٣). ولو حاكمناك إلى الطَّبيعة لأريناك أنك خارجٌ عن مُوجَبها، فلا أنت مع مُوجَب العقل، ولا الفطرة، ولا الطبيعة، ولا الإنسانيَّة أصلًا، وكفى بذلك جهلًا وضلالًا. فإن رجعتَ إلى العقل، وقلتَ: لا يوجدُ حكمةٌ إلا من حكيمٍ قادرٍ عليم، ولا تدبيرٌ متقنٌ محكَمٌ إلا من صانعٍ قادرٍ مختارٍ مدبِّر، عليمٍ بما يريد (٤)، قادرٍ عليه، لا يُعْجِزُه ولا يَصْعُبُ عليه ولا يؤودُه. قيل لك: فقد أقررتَ ــ ويحكَ ــ بالخلَّاق العظيم الذي لا إله غيره ولا ربَّ سواه، فدَع تسميتَه طبيعةً أو عقلًا فعَّالًا أو مُوجِبًا بذاته، وقل: هذا هو الله

стр. 846

الخالقُ الباراءُ المصوِّرُ ربُّ العالمين، وقيُّومُ السَّموات والأرضين وربُّ المشارق والمغارب الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خَلَقه، وأتقنَ ما صنع. فما لك جحدتَ أسماءَه وصفاته، بل وذاتَه، وأضفتَ صُنْعَه إلى غيره وخلقَه إلى سواه، مع أنك مضطرٌّ إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والرُّبوبيَّة والتَّدبير إليه ولا بُدَّ؟! فالحمدُ لله ربِّ العالمين. على أنك لو تأمَّلتَ قولك: «طبيعة» ومعنى هذه اللفظة، لدلَّك على الخالق الباراء لفظُها كما دَلَّ العقولَ عليه معناها (١)؛ لأنَّ «طبيعة» فَعِيلة بمعنى مفعولة، أي: مطبوعة، ولا يحتَملُ غيرُ هذا (٢) البتَّة؛ لأنها على بناء الغرائز التي رُكِّبت في الجسم ووُضِعَت فيه، كالسَّجِيَّة والغريزة والنَّحِيزة (٣) والسَّليقة والطَّبيعة؛ فهي التي طُبِع عليها الحيوانُ وطُبِعَت فيه. ومعلومٌ أنَّ طبيعةً مِنْ غير طابعٍ لها محال؛ فقد دلَّ لفظُ الطَّبيعة على الباري تعالى كما دلَّ معناها عليه. والمسلمون يقولون: إنَّ الطَّبيعة خلقٌ مِنْ خَلْق الله مسخَّرٌ مربوب، وهي سنَّته في خليقته التي أجراها عليها، ثمَّ إنه يتصرَّفُ فيها كيف شاء وكما شاء، فيسلُبها تأثيرَها إذا أراد، ويقلبُ تأثيرَها إلى ضدِّه إذا شاء؛ ليُرِيَ عبادَه أنه

стр. 847

وحده الخالقُ الباراءُ المصوِّر، وأنه يخلقُ ما يشاءُ كما يشاء، وإنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له كُن فيكون، وأنَّ الطَّبيعة التي انتهى نظرُ الخفافيش إليها إنما هي خلقٌ مِنْ خَلْقِه بمنزلة سائر مخلوقاته. فكيف يحسُن بمن له حظٌّ من إنسانيَّةٍ أو عقلٍ أن ينسى من طبَعَها وخلقها ويُحِيل الصُّنعَ والإبداع عليها؟! ولم يزل الله سبحانه يسلُبها قوَّتها ويُحِيلُها ويقلبُها إلى ضدِّ ما جُعِلَت له حتى يُرِيَ عباده أنها خلقُه وصنعُه مسخَّرةٌ بأمره، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فصل (١) فأعِد النَّظر في نفسك، وتأمَّل حكمةَ اللطيف الخبير في تركيب البدن ووَضْع هذه الأعضاء مواضعَها منه، وإعدادها لما أُعِدَّت له، وإعداد هذه الأوعية المُعَدَّة لحمل الفَضلات وجمعِها لكيلا تنتشر في البدن فتفسده. ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في تنميتك (٢) وكثرة أجزائك (٣)، مِنْ غير تفكيكٍ ولا تفصيل، ولو أنَّ صانعًا أخذ تمثالًا من ذهبٍ أو فضَّةٍ أو نُحاسٍ فأراد أن يجعله أكبر مما هو، هل كان يمكنُه ذلك إلا بعد أن يكسِرَه ويصُوغه صياغةً أخرى؟! والربُّ تعالى ينمِّي (٤) جسمَ الطِّفل وأعضاءه الظَّاهرة والباطنة وجميعَ أجزائه وهو باقٍ ثابتٌ على شكله وهيئته لا يتزايلُ ولا ينفكُّ

стр. 848

ولا ينتقص (١). وأعجبُ من هذا كلِّه تصويرُه في الرَّحِم حيثُ لا تراه العيون، ولا تلمسُه الأيدي، ولا تصلُ إليه الآلات؛ فيخرجُ بشرًا سويًّا مستوفيًا (٢) لكلِّ ما فيه مصلحتُه وقِوَامُه مِنْ عضوٍ وحاسَّةٍ وآلةٍ من الأحشاء، والجوارح، والحوامل، والأعصاب، والرِّباطات، والأغشية، والعظام المختلفة الشَّكل والقَدْر والمنفعة والموضع، إلى غير ذلك من اللحم والشَّحم والمخِّ، وما في ذلك من دقيق التَّركيب، ولطيف الخِلْقة، وخفيِّ الحكمة، وبديع الصَّنعة. كلُّ هذا صنعُ الله أحسن الخالقين، في قطرةٍ من ماءٍ مهين. وما كرَّر عليك في كتابه مبدأ خَلْقِك وإعادته (٣)، ودعاك إلى التفكُّر فيه، إلا لما لك من العبرة والمعرفة. فلا تَسْتَطِل هذا الفصلَ وما فيه من نوع تكرارٍ يشتملُ على مزيد فائدة؛ فإنَّ الحاجة إليه ماسَّة، والمنفعة به عظيمة. فانظُر إلى بعض ما خصَّك به وفضَّلك به على البهائم المهملة، إذ خلقَك على هيئةٍ تنتصبُ قائمًا، وتستوي جالسًا، وتستقبلُ الأشياء ببدنك، وتُقبِلُ عليها بجملتك، فيمكنُك العملُ والصَّلاحُ والتَّدبير (٤)، ولو كنت كذوات الأربع المكبوبة على وجهها لم يَظهر لك فضيلةُ التَّمييز

стр. 849

والاختصاص، ولم يتهيَّأ منك ما تهيَّأ من هذه النِّصبة (١). قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]؛ فسبحان من ألبَس خِلَع الكرامة كلَّها لبني آدم؛ من العقل، والعلم، والبيان، والنُّطق، والشَّكل، والصُّورة الحسنة، والهيئة الشريفة، والقدِّ المعتدل، واكتساب العلوم بالاستدلال والفِكْر، واقتناص الأخلاق الشريفة الفاضلة من البرِّ والطَّاعة (٢) والانقياد؛ فكم بين حاله وهو نطفةٌ داخلٌ إلى الرَّحِم، مستَودَعٌ هناك، وبين حاله والمَلَكُ يدخلُ عليه في جنَّات عَدْن (٣)؛ فتبارك الله ربُّ العالمين وأحسنُ الخالقين. فالدُّنيا قرية، والمؤمنُ رئيسُها (٤)، والكلُّ مشغولٌ به ساعٍ في مصالحه تسخُّرًا وتذليلًا، وهو مشغولٌ بربِّه وخالقه (٥)، والكلُّ قد أُقِيم في خدمته وحوائجه؛ فالملائكةُ الذين هم حملةُ عرش الرحمن ومَنْ حوله يستغفرون له، والملائكةُ الموكَّلون به يحفظونه، والموكَّلون بالقَطر والنَّبات يسعَون في

стр. 850

رزقه ويعملون فيه، والأفلاكُ مسخَّرةٌ منقادةٌ دائرةٌ بما فيه مصالحُه، والشمسُ والقمرُ والنُّجومُ مسخَّراتٌ جارياتٌ بحساب أزمنته وأوقاته، وإصلاح رواتب أقواته، والعالمُ الجويُّ مسخَّرٌ له برياحه وهوائه، وسحابه وطيره، وما أُودِع فيه، والعالمُ السُّفليُّ كلُّه مسخَّرٌ له مخلوقٌ لمصالحه؛ أرضُه وجبالُه، وبحارُه وأنهارُه، وأشجارُه وثمارُه، ونباتُه وحيوانُه، وكلُّ ما فيه. كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]. فالسَّائرُ (١) في معرفة آلاء الله وتأمُّل حكمته وبديع صَنْعته (٢) أطولُ باعًا وأملأُ صُواعًا من اللصيق بمكانه، المقيم في بلد عادته وطبعه، راضيًا بعَيْش بني جنسه، لا يأنفُ لنفسه أن يكون واحدًا منهم، يقول: لي أسوةٌ بهم، * وهل أنا إلا مِنْ ربيعة أو مُضَر (٣) *

стр. 851

وليست نفائسُ البضائع إلا لمن امتطى غاربَ الاغتراب، وطوَّف في الآفاق حتى رَضِيَ من الغنيمة بالإياب، فاستلانَ ما استَوعَره البطَّالون، وأنِسَ بما استَوحش منه الجاهلون. فصل (١) فأعِد النَّظر في نفسك، وحكمة الخلَّاق العليم في خَلْقِك، وانظُر إلى الحواسِّ التي منها تُشْرِفُ على الأشياء، كيف جعلها الله في الرأس (٢) كالمصابيح فوق المنارة؛ لتتمكَّن بها من مطالعة الأشياء، ولم تُجْعَل في الأعضاء التي تُمْتَهنُ (٣) كاليدين والرِّجلين، فتَعْرِضُ للآفات بمباشرة الأعمال والحركات، ولا جعلها في الأعضاء التي في وسط البدن كالبطن والظَّهر، فيعسُر عليها التلفُّتُ (٤) والاطلاعُ على الأشياء؛ فلما لم يكن لها في شيءٍ من هذه الأعضاء موضعٌ كان الرأسُ أليقَ المواضع بها وأجملها (٥)، فالرأسُ (٦) صومعةُ الحواسِّ (٧). ثمَّ تأمَّل الحكمة في أنْ جعل الحواسَّ خمسًا في مقابلة المحسوسات الخمس؛ ليلقى خمسًا بخمسٍ، كي لا يبقى شيءٌ من المحسوسات لا ينالُه

стр. 852

بحاسَّة (١). فجعل البصرَ في مقابلة المبصَرات، والسَّمعَ في مقابلة الأصوات، والشَّمَّ في مقابلة أنواع الرَّوائح المختلفات، والذَّوقَ في مقابلة الكيفيَّات المَذُوقات، واللَّمسَ في مقابلة الملموسات. فأيُّ محسوسٍ بقي بلا حاسَّة؟! ولو كان في المحسوسات شيءٌ غير هذه لأعطاك له حاسَّةً سادسة. ولمَّا كان ما عداها إنما يُدْرَكُ بالباطن أعطاك الحواسَّ الباطنة؛ وهي هذه الأخماسُ التي جرت عليها ألسنةُ العامَّة والخاصَّة، حيثُ يقولون للمفكِّر المتأمِّل: «ضَرَبَ أخماسَه في أسداسه»؛ فأخماسُه حواسُّه الخمس، وأسداسُه جهاتُه السِّت (٢)، وأرادوا بذلك أنه جَذبه القلبُ وسار به في

стр. 853

الأقطار والجهات حتى قلَّب حواسَّه الخمسَ في جهاته السِّتِّ وضربها فيها (١) لشدَّة فكره. فصل (٢) ثمَّ أُعِينَت هذه الحواسُّ بمخلوقاتٍ أُخَر منفصلةٍ عنها تكونُ واسطةً في إحساسها (٣)؛ فأُعِينَت حاسَّةُ البصر بالضياء والشُّعاع، فلولاه لم ينتفع النَّاظرُ ببصره، فلو مُنِعَ الضياءَ والشُّعاع لم تنفع (٤) العينُ شيئًا. وأُعِينَت حاسَّةُ السَّمع بالهواء يحملُ الأصواتَ في الجوِّ، ثمَّ يلقيه إلى الأذن فتحويه ثمَّ تلقيه إلى القوَّة السَّامعة، ولولا الهواءُ لم يسمع الرَّجلُ شيئًا. وأُعِينَت حاسَّةُ الشمِّ بالنَّسيم اللطيف يحملُ الرائحة، ثمَّ يؤدِّيها إليها، فيدركُها، فلولا هو لم يشمَّ شيئًا. وأُعِينَت حاسَّةُ الذَّوق بالرِّيق المتحلِّل في الفم، تُدْرِكُ القوَّةُ الذَّائقةُ به طُعومَ الأشياء، ولهذا لم يكن له طعمٌ لا حلوٌ ولا حامضٌ ولا مالحٌ ولا حِرِّيف (٥)؛ لأنه كان يُحِيلُ (٦) تلك الطُّعومَ إلى طعمه فلا يحصلُ به مقصوده.

стр. 854

وأُعِينَت حاسَّةُ اللَّمس بقوَّةٍ جعلها الله فيها تُدْرِكُ بها الملموسات، ولم تحتَجْ إلى شيءٍ من خارج، بخلاف غيرها من الحواسِّ، بل تُدْرِكُ الملموسات بلا واسطةٍ بينها وبينها؛ لأنها إنما تدركُها بالاجتماع (١) والملامسة، فلم تحتج إلى واسطة. فصل (٢) ف تأمَّل (٣) حال من عَدِمَ البصر ، وما ينالُه من الخلل في أموره، فإنه لا يعرفُ موضعَ قدمه، ولا يبصرُ ما بين يديه، ولا يفرِّقُ بين الألوان والمناظر الحسنة من القبيحة، ولا يتمكَّنُ من استفادة علمٍ من كتابٍ يقرؤه، ولا يتهيَّأ له الاعتبارُ والنَّظرُ في عجائب مُلك الله. هذا مع أنه لا يشعرُ بكثيرٍ من مصالحه ومضارِّه؛ فلا يشعرُ بحفرةٍ يهوي فيها، ولا بحيوانٍ يقصدُه، كالسَّبُع، فيحترزُ منه (٤)، ولا بعدوٍّ يهوي نحوه ليقتلَه، ولا يتمكَّنُ من هربٍ إن طُلِبَ (٥)، بل هو مُلْقٍ السَّلَم لمن رامه بأذى، ولولا حفظٌ خاصٌّ من الله له قريبٌ من حفظ الوليد وكلاءته لكان عطبُه إليه أقربَ من سلامته؛ فإنه بمنزلة لحمٍ على وَضَم (٦)، ولذلك جعل الله ثوابَه إذا

стр. 855

صبر واحتسبَ الجنَّة. ومن كمال لطفه أنْ عَكَس (١) نورَ بصره إلى بصيرته، فهو أقوى النَّاس بصيرةً وحَدْسًا، وجمع عليه همَّه، فقلبُه مجموعٌ عليه غيرُ مشتَّت؛ ليَهْنَأ له العيش، وتتمَّ مصلحتُه، فلا يُظنَّ (٢) أنه مغمومٌ حزينٌ متأسِّف. هذا حكمُ من وُلِد أعمى. فأما من أصيبَ بعينيه بعد البصر، فهو بمنزلة سائر أهل البلاء المنتقلين من العافية إلى البليَّة، فالمحنةُ عليه شديدة؛ لأنه قد حِيل بينه وبين ما ألِفَه من المرائي والصُّور ووجوه الانتفاع ببصره؛ فهذا له حكمٌ آخر. وكذلك من عَدِم السَّمع؛ فإنه يفقدُ روحَ المخاطبة والمحاورة، ويَعْدَمُ لذَّة المذاكرة ونَغَمةَ الأصوات الشَّجيَّة، وتعظُم المؤنة على النَّاس في خطابه (٣)، ويتبرَّمون به، ولا يسمعُ شيئًا من أخبار النَّاس وأحاديثهم، فهو بينهم شاهدٌ كغائب، وحيٌّ كميِّت، وقريبٌ كبعيد. وقد اختلف النُّظَّارُ في أيهما أقربُ (٤) إلى الكمال وأقلُّ اختلالًا لأموره: الضريرُ أو الأطرش؟ (٥) وذكروا في ذلك وجوهًا (٦).

стр. 856

وهذا مبنيٌّ على أصلٍ آخر؛ وهو: أيُّ الصِّفتين أكمل: صفةُ السَّمع أو صفةُ البصر؟ وقد ذكرنا الخلافَ فيهما فيما تقدَّم من هذا الكتاب (١)، وذكرنا أقوال النَّاس وأدلَّتهم والتَّحقيقَ في ذلك (٢)، فأيُّ الصِّفتين كانت أكمل فالضررُ بعدمها أقوى. والذي يليقُ بهذا الموضع أن يقال: عادمُ البصر أشدُّهما ضررًا، وأسلمُهما دِينًا، وأحمدُهما عاقبة، وعادمُ السَّمع أقلُّهما ضررًا في دنياه، وأجهلُهما بدينه، وأسوؤهما عاقبة؛ فإنه إذا عَدِم السَّمعَ عَدِم المواعظ والنَّصائح، وانسدَّت عليه أبوابُ العلوم النَّافعة، وانفتحت له (٣) طرقُ الشَّهوات التي يدركُها البصر، ولا ينالُه من العلم ما يكفُّه عنها، فضررُه في دينه أكثر، وضررُ الأعمى في دنياه أكثر. ولهذا لم يكن في الصَّحابة أطرش، وكان فيهم جماعةٌ أضرَّاء، وقلَّ أن يبتلي الله أولياءه بالطَّرَش، ويبتلي كثيرًا منهم بالعمى. هذا فصلُ الخطاب في هذه المسألة؛ فمضرَّةُ الطَّرَش في الدِّين، ومضرَّةُ العمى في الدنيا، والمعافى من عافاه الله منهما ومتَّعه بسمعه وبصره وجَعَله الوارثَ منه (٤).

стр. 857

فصل وأما من عَدِم البيانَيْن: بيانَ القلب وبيانَ اللسان (١)، فذلك بمنزلة الحيوانات البهيميَّة، بل هي أحسنُ حالًا منه؛ فإنَّ فيها ما خُلِقَت له من المنافع والمصالح التي تُستعملُ فيها، وهذا يجهلُ كثيرًا مما تهتدي إليه البهائم، ويُلْقِي نفسَه فيما تكفُّ البهائمُ أنفسَها عنه. وإن عَدِم بيانَ اللسان دون بيان القلب عَدِم خاصَّةَ الإنسان، وهي النُّطق، واشتدَّت المؤنةُ به وعليه، وعَظُمَت حسرتُه، وطال تأسُّفه على ردِّ الجواب ورَجْع الخطاب، فهو كالمُقْعَد الذي يرى ما هو محتاجٌ إليه ولا تمتدُّ إليه يدُه ولا رجلُه. فكم لله على عبده من نعمةٍ سابغةٍ في هذه الأعضاء والجوارح والقُوى والمنافع التي فيه (٢)، فهو لا يلتفتُ إليها ولا يشكرُ الله عليها، ولو فقد شيئًا منها لتمنَّى أنه له بالدُّنيا وما عليها؛ فهو يتقلَّبُ في نعم الله بسلامة أعضائه وجوارحه وقُواه وهو عارٍ مِنْ شُكرها، ولو عُرِضت عليه الدُّنيا بما فيها بزوال واحدةٍ منها لأبى المعاوضةَ وعَلِم أنها معاوضةُ غَبْنٍ؛ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. فصل (٣) ثمَّ تأمَّل حكمتَه في الأعضاء التي خُلِقَت فيك آحادًا ومثنى وثُلاث

стр. 858

ورُباع، وما في ذلك من الحِكَم البالغة. فالرَّأسُ واللسانُ والأنفُ والذَّكَرُ خُلِق كلٌّ منها واحدًا فقط، ولا مصلحة في كونه أكثر من ذلك، ألا ترى أنه لو أضيف إلى الرَّأس رأسٌ آخرُ لأثقلا بدنَه من غير حاجةٍ إليه؛ لأنَّ جميع الحواسِّ التي يحتاجُ إليها مجتمعةٌ في رأسٍ واحد، ثمَّ إنَّ الإنسان كان ينقسمُ برأسيه قسمين، فإن تكلَّم من أحدهما وسَمِع به وأبصر وشَمَّ وذاق بقي الآخرُ معطَّلاً لا أَرَبَ فيه، وإن تكلَّم وأبصر وسمع بهما معًا كلامًا واحدًا وسمعًا واحدًا وبصرًا واحدًا كان الآخرُ فضلةً لا فائدة فيه، وإن اختلف إدراكُهما اختلفت عليه أحوالُه وإدراكاتُه. وكذلك لو كان له لسانان في فمٍ واحد، فإن تكلَّم بهما كلامًا واحدًا كان أحدهما ضائعًا، وإن تكلَّم بأحدهما دون الآخر فكذلك، وإن تكلَّم بهما معًا كلامَيْن مختلفَيْن خَلَط على السَّامع ولم يَدْرِ بأيِّ الكلامين يأخذ. وكذلك لو كان له هَنَوانِ (١) أو فَمَانِ لكان ــ مع قُبح الخِلْقة ــ أحدُهما فضلةً لا منفعة فيه. وهذا بخلاف الأعضاء التي خُلِقت مثنى، كالعينين والأذنين والشَّفتين واليدَيْن والرِّجلين والسَّاقين والفَخِذين والوَرِكين والثَّديين؛ فإنَّ الحكمة فيها ظاهرة، والمصلحة فيها بيِّنة (٢)، والجمال والزِّينة عليها بادية، فلو كان الإنسانُ بعينٍ واحدةٍ لكان مشوَّه الخِلقة ناقِصَها، وكذلك الحاجبان. وأما اليدان والرِّجلان والسَّاقان والفَخِذان فتعدُّدهما ضروريٌّ للإنسان

стр. 859

لا تتمُّ مصلحتُه إلا بذلك، ألا ترى من قُطِعَت إحدى يديه أو رجليه كيف يبقى حالُه وعجزُه؛ فلو أنَّ النَّجَّار والخيَّاط والحدَّاد والخبَّاز والبنَّاء وأصحابَ الصَّنائع التي لا تتأتَّى إلا باليدين شُلَّت يدُ أحدِهم (١) لتعطَّلت عليه صنعتُه؛ فاقتضت الحكمةُ أن أُعطِيَ مِنْ هذا الضَّرب من الجوارح والأعضاء اثنين اثنين. وكذلك أُعطِيَ شفتَيْن لأنه لا تكمُل مصلحتُه إلا بهما، وفيهما ضروبٌ عديدةٌ من المنافع ومن الكلام والذَّوق وغطاء الفَم والجمال والزِّينة والقُبلة وغير ذلك. وأمَّا الأعضاءُ الثلاثية (٢)، فهي جوانبُ أنفه وحيطانُه الثلاثة (٣)، وقد ذكرنا حكمةَ ذلك فيما تقدَّم (٤). وأما الأعضاءُ الرُّباعيةُ، فالكِعابُ الأربعةُ التي هي مَجْمَعُ القدمين، والممسِكةُ لهما، وبهما قوَّةُ القدمين وحركتُهما، وفيهما منافعُ السَّاقين. وكذلك أجفانُ العينين الأربعة، فيها من الحِكَم والمنافع أنها غطاءٌ للعينين، ووقايةٌ لهما، وجمالٌ وزينة، وغيرُ ذلك من الحِكَم. فاقتضت الحكمةُ البالغةُ أن جُعِلت الأعضاءُ على ما هي عليه من العَدَد والشَّكل والهيئة، فلو زادت أو نقصت لكان نقصًا في الخِلقة.

стр. 860

ولهذا يوجدُ في النَّوع الإنسانيِّ مِنْ زائدٍ في خَلْقِه (١) وناقصٍ منه ما يدلُّ على حكمة الربِّ تعالى، وأنه لو شاء لجعل خلقَه كلَّهم هكذا، وليَعْلَم الكاملُ الخِلقة تمامَ النِّعمة عليه، وأنه خُلِق خلقًا سويًّا معتدلًا، لم يُزَد في خَلْقه ما لا يحتاجُ إليه، ولم يُنْقَص منه ما يحتاجُ إليه كما يراه في غيره، فهو أجدرُ أن يزداد شكرًا وحمدًا لربِّه، ويعلم أنَّ ذلك ليس مِنْ صُنع الطَّبيعة، وإنما ذلك صنعُ الله الذي أتقنَ كلَّ شيء، وأنه يخلقُ ما يشاء. فصل (٢) مِنْ أين للطَّبيعة هذا الاختلافُ والفَرقُ الحاصلُ في النَّوع الإنسانيِّ بين صُوَرهم؟! فقلَّ أن ترى اثنين متشابهين (٣) من كلِّ وجه، وذلك من أندر ما في العالم، بخلاف أصناف الحيوان، كالنَّعم والوحوش والطَّير وسائر الدَّوابِّ؛ فإنك ترى السِّربَ من الظِّباء، والثُّلَّة من الغنم، والذَّوْد من الإبل، والصُّوار من البقر (٤)، تتشابهُ حتى لا يفرَّق بين أحدٍ منها وبين الآخر إلا بعد طول تأمُّلٍ أو بعلامةٍ ظاهرة، والنَّاسُ مختلفةٌ صُوَرهم وخلقُهم (٥)، فلا يكادُ اثنان منهم يجتمعان في صفةٍ واحدةٍ وخِلقةٍ واحدة بل ولا صوتٍ واحدٍ (٦)

стр. 861

وحنجرةٍ واحدة (١). والحكمةُ البالغةُ في ذلك أنَّ النَّاس يحتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحِلاهم (٢)؛ لما يجري بينهم من المعاملات، فلولا الفرقُ والاختلافُ في الصُّوَر لفسدت أحوالهم، وتشتَّت نظامُهم، ولم يُعرَف الشاهدُ من المشهود عليه، ولا المَدِينُ من ربِّ الدَّين، ولا البائعُ من المشتري، ولا كان الرَّجلُ يعرفُ عِرْسَه (٣) من غيرها عند الاختلاط (٤)، ولا هي تعرفُ بعلَها من غيره. وفي ذلك أعظمُ الفساد والخلل. فمن الذي ميَّز بين حِلاهم وصُوَرهم وخلقهم (٥) وأصواتهم، وفرَّق بينها بفروقٍ لا تنالها العبارةُ ولا يدركُها الوصف؟! فسَل المعطِّل: أهذا فعلُ الطَّبيعة؟! وهل في الطَّبيعة اقتضاءُ هذا الاختلاف والافتراق (٦) في النَّوع؟! وأين قولُ الطَّبائعيِّين: إنَّ فعلها متشابهٌ لأنها واحدةٌ في نفسها، لا تفعلُ بإرادةٍ ولا مشيئة، فلا يمكنُ اختلافُ أفعالها؟! فكيف يجمعُ المعطِّل بين هذا وهذا؟! ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].

стр. 862

وربَّما وقع في النَّوع الإنسانيِّ تشابهٌ بين اثنين لا يكادُ يميَّز بينهما، فتعظُم عليهم المؤنةُ في معاملتهما، وتشتدُّ الحاجةُ إلى تمييز المستحقِّ منهما والمؤاخَذ بذنبه ومن عليه الحقُّ (١)، وإذا كان يَعْرِضُ هذا في التَّشابه في الأسماء كثيرًا، ويلقى الشاهدُ والحاكمُ من ذلك ما يلقى، فما الظنُّ لو وُضِعَ التشابُه (٢) في الخِلقة والصُّورة؟! ولمَّا كان الحيوانُ البهيمُ والطَّيرُ والوحوشُ لا يضرُّها هذا التَّشابهُ شيئًا لم تَدْعُ الحكمةُ إلى الفرق بين كلِّ زوجين منها. فتبارك الله أحسنُ الخالقين، الذي وسعت حكمتُه كلَّ شيء. فصل (٣) ثمَّ تأمَّل لم صارت المرأةُ والرجلُ إذا أدركا اشتركا في نبات العانة، ثمَّ ينفردُ الرجلُ عن المرأة باللِّحية؟ فإنَّ الله لمَّا جعل الرجل قيِّمًا على المرأة، وجعلها كالخَوَل له والعاني في يديه (٤)، ميَّزه عليها بما فيه له المهابةُ والعزُّ والوقارُ والجلالة؛ لكماله وحاجته إلى ذلك، ومُنِعَتها المرأةُ لكمال الاستمتاع بها والتلذُّذ؛

стр. 863

لتبقى (١) نضارةُ وجهها وحُسْنُه لا يَشِينُه الشَّعر. واشتركا في سائر الشُّعور للحكمة والمنفعة التي فيها. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل (٣) هذا الصَّوتَ الخارجَ من الحلق وتهيئةَ آلاته، والكلامَ وانتظامَه، والحروفَ ومخارجَها وأدواتها ومقاطعَها وأجراسَها= تجد الحكمةَ الباهرة في هواءٍ ساذَجٍ يخرجُ من الجوف، فيسلكُ في أنبوبة الحنجرة، حتى ينتهي إلى الحلق واللسان والشفتين والأسنان، فيحدثُ له هناك مقاطعُ ونهاياتٌ وأجراس، يُسْمَعُ له عند كلِّ مقطعٍ ونهايةٍ جَرْسٌ متميزٌ منفصلٌ عن الآخر، يحدثُ بسببه الحرف (٤). فهو صوتٌ واحدٌ ساذَجٌ يجري في قَصَبةٍ واحدةٍ حتى ينتهي إلى مقاطع وحدودٍ تُسمَعُ له منها تسعةٌ وعشرون جَرْسًا، يدورُ عليها الكلامُ كلُّه: أمرُه ونهيُه، وخبرُه واستخبارُه، ونظمُه ونثرُه، وخطبُه ومواعظُه وفصولُه. فمنه المضحِك، ومنه المبكِي، ومنه المُؤْيِس، ومنه المُطْمِع، ومنه المخوِّف، ومنه المرجِّي، والمسلِّي، والمُحْزِن، والقابضُ للنَّفس والجوارح، والمنشِّطُ لهما، والذي يُسْقِمُ الصَّحيحَ ويُبرِاءُ السَّقيم، ومنه ما يزيلُ النِّعمَ ويُحِلُّ النِّقم، ومنه ما يُستَدفعُ به البلاء، ويُستَجلبُ به النَّعماء،

стр. 864

ويستمالُ به القلوبُ، ويؤلَّفُ (١) بين المتباغضين، ويُوالى بين المتعاديين، ومنه ما هو بضدِّ ذلك، ومنه الكلمةُ التي لا يلقي لها صاحبُها بالًا يهوي بها في النَّار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب، والكلمةُ التي لا يلقي لها بالًا صاحبُها يَرْكُض بها في أعلى عِلِّيِّين في جوار ربِّ العالمين. فسبحان من أنشأ ذلك كلَّه من هواءٍ ساذَجٍ يخرجُ من الصَّدر، لا يدري ما يرادُ به، ولا أين ينتهي، ولا إلى أين مستقرُّه! هذا إلى ما في ذلك من اختلاف الألسنة واللُّغات التي لا يحصيها إلا الله ، فيجتمعُ الجمعُ من النَّاس من بلادٍ شتَّى فيتكلَّمُ كلٌّ منهم بلُغَته، فتسمعُ لغاتٍ مختلفةً (٢) وكلامًا منتظمًا مؤلَّفًا، ولا يدرِكُ كلٌّ منهم ما يقولُ الآخر. واللسانُ الذي هو جارحةٌ واحدٌ في الشَّكل والمنظر، وكذلك الحلقُ والأضراسُ والشَّفتان، والكلامُ مختلفٌ متفاوتٌ أعظمَ اختلاف (٣)، فالآيةُ في ذلك كالآية في الأرض التي تسقى بماءٍ واحد، ويخرجُ من ذلك من أنواع النَّبات والأزهار والحبوب والثمار تلك الأنواعُ المختلفةُ المتباينة. ولهذا أخبر الله سبحانه في كتابه أنَّ في كلٍّ منهما آياتٍ (٤)؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ

стр. 865

لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. فانظر الآن إلى الحَنجَرة، كيف هي كالأنبوب لخروج الصَّوت، واللسانُ والشَّفتان والأسنانُ لصياغة (١) الحروف والنَّغَمات. ألا ترى أنَّ من سقطت أسنانُه لم يُقِم الحروفَ التي تخرجُ منها ومن اللسان، ومن نقصت شفتُه كيف لم يُقِم الحروفَ الشفهيَّة (٢)، ومن ثقُل لسانُه (٣) كيف لم يُقِم الرَّاء واللام والذال، ومن عرضت له آفةٌ في حلقه كيف لم يتمكَّن من الحروف الحلقيَّة؟! وقد شبَّه أصحابُ التَّشريح مخرجَ الصَّوت بالمزمار، والرِّئةَ بالزِّقِّ الذي يُنفَخُ به (٤) مِنْ تحته ليدخل الرِّيح فيه، والعضلات (٥) التي تَقْبِض (٦) على الرِّئة ليخرجَ الصَّوتُ من الحَنجَرة بالأكُفِّ (٧) التي تقبض على الزِّقِّ حتى يخرجَ الهواءُ في القَصَبة، والشفتين والأسنانَ واللسانَ التي تَصُوغُ الصَّوتَ

стр. 866

حروفًا ونَغَمًا بالأصابع التي تختلفُ على المزمار فتصوغُه ألحانًا، والمقاطعَ التي ينتهي إليها الصَّوتُ (١) بالأبخاش (٢) التي في القَصَبة، حتى قيل: إنَّ المزمار إنما اتُّخِذ على مثال ذلك من الإنسان (٣). فإذا تعجَّبتَ من الصِّناعة التي تعملُها أكُفُّ النَّاس حتى تخرجَ منها تلك الأصوات، فما أحراكَ بطول التَّعجُّب من الصِّناعة الإلهيَّة التي أخرجت تلك الحروفَ والأصوات منك، من اللحم والدَّم والعُروق والعظام، ويا بُعْد ما بينهما! ولكنَّ المألوفَ المعتاد لا يقعُ عند النُّفوس موقعَ التَّعجُّب، فإذا رأت ما لا نسبة له إليه أصلًا إلا أنه غريبٌ عندها تلقَّته بالتَّعجُّب وتسبيح الرَّبِّ تعالى (٤)، وعندها من آياته العجيبة الباهرة ما هو أعظمُ من ذلك مما لا يدركُه القياس. ثمَّ تأمَّل اختلاف هذه النَّغَمات، وتبايُن هذه الأصوات، مع تشابه الحناجر والحُلُق (٥) والألسنة والشِّفاه والأسنان، فمن الذي ميَّز بينها أتمَّ تمييزٍ مع تشابهِ محالِّها سوى الخلَّاق العليم؟! فصل (٦) وفي هذه الآلات مآربُ أخرى ومنافعُ سوى منفعة الكلام:

стр. 867

ففي الحَنجَرة مسلكُ النَّسيم البارد الذي يروِّحُ عن الفؤاد (١) بهذا النَّفَس الدَّائم المتتابع. وفي اللسان منفعةُ الذَّوق، فيُذاقُ به الطُّعوم، ويُدْرِكُ لذَّتها، ويميِّز به بينها، فيعرفُ حقيقة كلِّ واحدٍ منها، وفيه مع ذلك معونةٌ (٢) على إساغَة الطَّعام وأنه يَلُوكه ويقلِّبه حتى يسهُل مسلكُه في الحَلْق. وفي الأسنان من المنافع ما هو معلومٌ مِنْ تقطيع الطَّعام كما تقدَّم، وفيها إسنادُ الشَّفتين وإمساكهما عن الاسترخاء وتشويه الصُّورة، ولهذا ترى من سقطت أسنانُه كيف تسترخي شفتاه. وفي الشَّفتين منافعُ عديدة، يُرْشَفُ بهما الشرابُ حتى يكون الدَّاخلُ منه إلى حَلْقِه بقَدَرٍ، فلا يَشْرَقُ به الشَّارب وينكأ جوفَه (٣). ثمَّ هما بابٌ مغلقٌ على الفم الذي إليه ينتهي ما يخرجُ من الجوف، ومنه يبتدي ما يَلِجُ فيه، فهما غطاءٌ وطابَقٌ عليه، يفتحُهما البوَّابُ متى شاء، ويغلقُهما إذا شاء، وهما أيضًا جمالٌ وزينةٌ للوجه، وفيهما منافعُ أخرُ سوى ذلك. وانظُر إلى من سقطت شَفَتاه ما أشوهَ منظرَه! فقد بان أنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأعضاء يتصرَّفُ إلى وجوهٍ شتَّى من المنافع والمآرب والمصالح كما تتصرَّفُ الأداةُ الواحدةُ في أعمالٍ شتَّى.

стр. 868

هذا؛ ولو رأيتَ الدِّماغَ وكُشِفَ لك عن تركيبه وخَلْقِه لرأيتَ العجبَ العُجاب، ولكُشِفَ لك عن تركيبٍ يَحارُ فيه العقل، قد لُفَّ (١) بحُجُبٍ وأغشيةٍ بعضها فوق بعض؛ لتصُونه عن الأعراض، وتحفظه عن الاضطراب. ثمَّ أطبِقَت عليه الجمجُمة بمنزلة الخُوذَة وبَيْضة الحديد (٢)؛ لتقيه حدَّ الصَّدمة والسَّقطة والضَّربة التي تصلُ إليه، فتتلقَّاها تلك البيضةُ عنه، بمنزلة التي على رأس المحارب. ثمَّ جُلِّلت تلك الجمجمةُ بالجِلد الذي هو فروةُ الرَّأس تستُر العظمَ من البُروز للمؤذيات. ثمَّ كُسِيَت تلك الفروةُ حُلَّةً من الشَّعر الوافر وقايةً لها وسترًا من الحرِّ والبرد والأذى وجمالًا وزينةً له. فسَل المعطِّل: من الذي حصَّن الدِّماغ هذا التَّحصين (٣)، وقدَّره هذا التقدير، وجعله خِزانةً أودع فيها من المنافع والقوى والعجائب ما أودعَه، ثمَّ أحكَم سدَّ تلك الخزانة، وحصَّنها أتمَّ تحصين، وصانها أعظم صيانة، وجعلها مَعْدِن الحواسِّ والإدراكات؟! ومن الذي جعل الأجفانَ على العينين كالغِشاء، والأشفارَ كالأشراج (٤)،

стр. 869

والأهدابَ (١) كالرُّفوف عليها إذا انفتحت؟! ومن الذي ركَّب طبقاتها المختلفة طبقةً فوق طبقةٍ حتى بلغت عدد السَّموات سبعًا، وجعل لكلِّ طبقةٍ منفعةً وفائدة، فلو اختلَّت طبقةٌ منها لاختلَّ البصر؟! ومن شقَّهما في الوجه أحسنَ شقٍّ (٢)، وأعطاهما أحسنَ شكل، وأودع الملاحةَ فيهما، وجعلهما مِرآةً للقلب، وطليعةً وحارسًا للبدن، ورائدًا يرسلُه كالجُنْد في مهمَّاته، فلا يتعبُ ولا يَعْيَا (٣) على كثرة ظعنه وطول سفره؟! ومن أودع النُّور الباصر فيه في قَدْر جِرْم العَدَسَة، فيرى به السَّموات والأرض والجبال والشمس والقمر والبحار والعجائب مِنْ داخل سبع طبقات، وجعلهما في أعلى الوجه بمنزلة الحارس على الرَّابية العالية ربيئةً (٤) للبدن؟! ومن حجب المَلِك في الصَّدر، وأجلسه هناك على كرسيِّ المملكة، وأقام جُنْدَ الجوارح والأعضاء والقُوى الباطنة والظَّاهرة في خدمته، وذلَّلها له، فهي مؤتمِرةٌ إذا أمرها، منتهيةٌ إذا نهاها، سامعةٌ له مطيعة، تكدَحُ وتسعى في مرضاته، فلا تستطيعُ له خلافًا (٥)، ولا خروجًا عن أمره.

стр. 870

فمنها رسولُه، ومنها بَرِيدُه، ومنها تُرجُمانه، ومنها أعوانُه وخَدَمُه (١) وكلٌّ منها على عملٍ لا يتعدَّاه ولا يتصرَّفُ (٢) في غير عمله، حتى إذا أراد الرَّاحة أوعَز إليها بالهدوء والسُّكون ليأخذ المَلِكُ راحتَه، فإذا استيقظ من منامه قامت جنودُه بين يديه على أعمالها، وذهبت حيثُ وجَّهها دائمًا لا تفتُر. فلو شاهدتَه في محلِّ مُلكه، والأشغالُ والمراسيمُ صادرةٌ عنه وواردة، والعساكرُ في خدمته، والبُرُدُ (٣) تتردَّدُ بينه وبين جُنده ورعيَّته؛ لرأيتَ له شأنًا عجيبًا! فماذا فات الجاهلَ الغافل من العجائب والمعارف والعِبَر التي لا يحتاجُ فيها إلى طول الأسفار وركوب القِفار! قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]؛ فدعا عبادَه إلى التفكُّر في أنفسهم، والاستدلال بها على فاطرها وباريها، ولولا هذا لم نوسِّع الكلام في هذا الباب، ولا أطلنا النَّفَس إلى هذه الغاية (٤)، ولكنَّ العبرة بذلك حاصلة، والمنفعة به عظيمة، والفكرة فيه مما يزيدُ المؤمنَ إيمانًا. فكم دون القلب مِنْ حَرَس! وكم له مِنْ خادم! وكم له مِنْ عبد ولا يشعُر به! ولله ما خُلِقَ له، وهُيِّاء له، وأُريد منه، وأُعِدَّ له من الكرامة والنَّعيم أو الهوان والعذاب! فإمَّا على سرير المُلك في مقعد صِدْقٍ عند مليكٍ

стр. 871

مقتدر، ينظرُ إلى وجه ربِّه ويسمعُ خطابَه، وإمَّا أسيرٌ في السِّجن الأعظم بين أطباق النِّيران في العذاب الأليم. فلو عَقَل هذا السُّلطانُ ما هُيِّاء له لضَنَّ بمُلكه، ولسعى في المُلك الذي لا ينقطعُ ولا يبيد، ولكنَّه ضُرِبَت عليه حُجُبُ الغفلة، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. فصل (١) * من جعل (٢) في الحلق منفذين: أحدهما: للصَّوت وللنَّفَس الواصل إلى الرِّئة (٣). والآخر: للطَّعام والشراب، وهو المريءُ الواصلُ إلى المعدة. وجَعَل بينهما حاجزًا يمنعُ عُبورَ أحدهما في طريق الآخر، فلو وَصَل الطَّعامُ من منفذ النَّفَس إلى الرِّئة لأهلك الحيوان؟! * من جعل الرِّئة مِرْوحةً للقلب تروِّحُ عليه لا تَنِي ولا تفتُر، لكيلا تنحصر (٤) الحرارةُ فيه فيهلك؟! * من جعل المنافذ لفضلات الغذاء، وجعل لها أشراجًا (٥) تضبطها (٦)

стр. 872

لكيلا تجري جريًا دائمًا، فيفسُد على الإنسان عيشُه، ويمنع النَّاس من مجالسة بعضهم بعضًا؟! * من جعل المعدة كأشدِّ ما يكونُ من العَصَب، لأنها هيِّئت لطبخ الأطعمة وإنضاجها، فلو كانت لحمًا غضًّا لانطبخت هي ونَضِجَت، فجُعِلت كالعَصَب الشَّديد لتقوى على الطَّبخ والإنضاج، ولا تُنْهِكها النَّارُ التي تحتها؟! * من جعل الكبدَ رقيقةً ناعمة؛ لأنها هيِّئت لقبول الصَّفو اللطيف من الغذاء والهضم، وعملٍ هو ألطفُ (١) من عمل المعدة؟! * من حصَّن المخَّ اللطيف الرَّقيق في أنابيب صلبةٍ من العظام، لتحفظه وتصونه (٢)، فلا يفسُد (٣) ولا تذوب؟! * من جعل الدَّم السَّيَّال محبوسًا محصورًا في العُروق بمنزلة الماء في الوعاء، لينضبط فلا يجري؟! * من جعل الأظفار على أطراف الأصابع، وقايةً لها ومعونةً على الأعمال والصِّناعات؟! * من جعل داخلَ الأذن ملتويًا كهيئة اللَّولب (٤)؛ ليطرد فيه الصَّوتُ

стр. 873

حتى ينتهي إلى السَّمع الدَّاخل وقد انكسرت حِدَّةُ الهواء فلا ينكؤه، وليتعذَّر على الهوامِّ النُّفوذُ إليه قبل أن يمسك، وليمسك ما عساه أن يغشاها من القذى والوسخ، ولغير ذلك من الحِكَم؟! * من جعل على الفَخِذين والوَرِكين من اللحم أكثر مما على سائر الأعضاء، ليَقِيَها من الأرض، فلا تألمُ عظامُها من كثرة الجلوس كما يألمُ مَنْ قد نَحَل جسمُه وقلَّ لحمُه من طول الجلوس، حيثُ لم يَحُل بينه وبين الأرض حائل؟! * من جعل ماء العينين مِلْحًا (١) يحفظُها من الذَّوبان (٢)، وماءَ الأذن مرًّا يحفظُها من الذُّباب والهوامِّ والبعوض، وماءَ الفم عذبًا يُدْرَكُ به طُعومُ الأشياء فلا يخالطُها طعمُ غيرها؟! * من جعل بابَ الخلاء في الإنسان في أستر موضعٍ منه، كما أنَّ البنَّاء الحكيم يجعلُ موضع التخلِّي في أستر موضعٍ في الدَّار، وهكذا منفذُ الخلاء في الإنسان في أستر موضع، ليس بارزًا مِنْ خلفه ولا ناشزًا (٣) بين يديه، بل مغيَّبٌ (٤) في موضعٍ غامضٍ من البدن، يلتقي عليه الفَخِذان بما عليهما من اللحم فتوارِيانه (٥)، فإذا جاء وقتُ الحاجة وجلس لها الإنسانُ بَرَز ذلك

стр. 874

المخرجُ للأرض؟! * من جعل الأسنانَ حِدَادًا لقَطْع الطَّعام وتفصيله، والأضراسَ عِراضًا لرضِّه وطحنه؟! * من سَلَبَ الإحساسَ الحيوانيَّ الشُّعورَ والأظفار التي في الآدميِّ؛ لأنها قد تطولُ وتمتدُّ وتدعو الحاجةُ إلى أخذها وتخفيفها، فلو أعطاها الحسَّ لآلمتْه وشقَّ عليه أخذُ ما شاء منها، فلو كانت تحسُّ لوقع الإنسانُ منها في إحدى البليَّتين: إمَّا تركها حتى تطول وتفحُش وتثقل عليه، وإمَّا مقاساةُ الألم والوجع عند أخذها؟! * من جعل باطنَ الكفِّ غير قابلٍ لإنبات الشَّعر؛ لأنه لو أشعَر لتعذَّر على الإنسان صحَّةُ اللَّمس، ولشقَّ عليه كثيرٌ من الأعمال التي تُباشَرُ بالكفِّ، ولهذه الحكمة لم يكن هَنُ الرَّجل قابلًا لإنباته؛ لأنه يمنعُه من الجماع، ولمَّا كانت المادَّةُ تقتضي إنباته هناك نبت حول هَنِ الرَّجل والمرأة. ولهذه الحكمة سُلِب عن الشَّفتين، وكذا باطن الفم، وكذا أيضًا عن القدم أخمصِها وظاهرِها؛ لأنها تلاقي التُّرابَ والوسخَ والطِّينَ والشَّوك، فلو كان هناك شعرٌ لآذى الإنسان جدًّا، وحمل من الأرض كلَّ وقتٍ ما يُثقِلُ الإنسان. وليس هذا للإنسان وحده، بل ترى البهائم قد جلَّلها الشَّعرُ (١) كلَّها، وأُخْلِيَت هذه المواضعُ منه لهذه الحكمة.

стр. 875

أفلا ترى الصَّنعةَ الإلهيَّة كيف سَلَبت وجوهَ الخطأ (١) والمضرَّة، وجاءت بكلِّ صوابٍ وكلِّ منفعةٍ وكلِّ مصلحة؟! ولمَّا اجتهدَ الطَّاعنون في الحكمة (٢)، العائبون للخِلقة، فيما يطعنون به، عابوا الشَّعرَ تحتَ الآباط، وشعرَ العانة، وشعرَ باطن الأنف، وشعرَ الرُّكبتين، وقالوا: أيُّ حكمةٍ فيها؟! وأيُّ فائدة؟! وهذا مِنْ فَرط جهلهم وسخافة عقولِهم؛ فإنَّ الحكمة لا يجبُ أن تكون بأسرها معلومةً للبشر، ولا أكثرِها، بل لا نسبة لما عَلِمُوه إلى ما جهلوه منها، فلو قِيسَت علومُ الخلائق كلِّهم بوجوه حكمة الله تعالى في خلقه وأمره إلى ما خفي عنهم منها كانت كنقرة عصفورٍ في البحر. وحسبُ الفَطِن اللبيب أن يستدلَّ بما عَرَف منها على ما لم يعرف، ويعلم [أنَّ] (٣) الحكمة فيما جهله مثلُها (٤) فيما عَلِمَه، بل أعظمُ وأدقُّ وألطف (٥). وما مثلُ هؤلاء الحمقى النَّوكى إلا كمثل رجلٍ لا علمَ له بدقائق الصَّنائع والعلوم، من البناء والهندسة والطبِّ، بل والحياكة والخياطة والنجارة؛ إذا رام الاعتراض بعقله الفاسد على أربابها في شيءٍ من آلاتهم وصنائعهم وترتيب صناعاتهم، فخَفِيَت عليه (٦)، فجعل كلَّما خَفِيَ عليه منها

стр. 876

شيءٌ قال: هذا لا فائدة فيه، وأيُّ حكمةٍ تقتضيه؟! هذا مع أنَّ أربابَ الصَّنائع بشرٌ مثله يمكنه أن يشاركهم في صنائعهم ويفُوقهم فيها. فما الظَّنُّ بمن بهرت حكمتُه العقول، الذي لا يشاركه مشاركٌ في حكمته، كما لا يشاركه في خلقه، فلا شريك له بوجهٍ ما؟! فمن ظنَّ أن يكتال حكمتَه (١) بمكيال عقله، ويجعل عقله عِيارًا عليها فما أدركه أقرَّ به وما لم يدركه نفاه؛ فهو من أجهل الجاهلين. ولله في كلِّ ما خَفِي على النَّاس وجهُ الحكمة فيه حِكَمٌ عديدةٌ لا تُدْفَعُ ولا تُحْجَب. فاعلم الآن أنَّ تحت منابت هذه الشُّعور من الحرارة والرُّطوبة ما اقتضت الطَّبيعةُ إخراجَ هذه الشُّعور عليها، ألا ترى أنَّ العُشبَ ينبتُ في مستنقع المياه بعد نُضوب الماء عنها، لِمَا خُصَّت به من الرُّطوبة؟! ولهذا كانت هذه المواضعُ مِنْ أرطب مواضع البدن، وهي أقبلُ لنبات الشعر وأهيَأ (٢)، فدَفعَت الطَّبيعةُ تلك الفضلات والرُّطوبات إلى خارجٍ فصارت شَعرًا، ولو حبسَتها في داخل البدن لأضرَّته وآذت باطنَه، فخروجُها عينُ مصلحة الحيوان، واحتباسُها إنما يكونُ لنقصٍ وآفةٍ فيه. وهذا كخروج دم الحيض من المرأة، فإنه عينُ مصلحتها وكمالها، ولهذا يكونُ احتباسُه لفسادٍ في الطَّبيعة ونقصٍ فيها.

стр. 877

ألا ترى أنَّ من احتَبس عنه شعرُ الرَّأس واللحية بعد إبَّانه (١) كيف تراه ناقصَ الطَّبيعة، ناقصَ الخِلقة، ضعيفَ التَّركيب؟! فإذا شاهدتَ ذلك في الشَّعر الذي عرفتَ بعض حكمته، فما لك لا تعتبرُه في الشَّعر الذي خَفِيَت عليك حكمتُه؟! * من جعل الرِّيقَ يجري جريًا دائمًا إلى الفم لا ينقطعُ عنه، ليَبُلَّ الحلقَ واللَّهوات، ويسهِّل الكلام، ويُسِيغ الطَّعام؟! قال أبُقْراط (٢): «الرُّطوبةُ في الفم مطيَّةُ الغذاء». فتأمَّل حالك عند ما يجفُّ ريقُك بعض الجفاف، ويقلُّ ينبوعُ هذه العَيْن التي لا يستغنى عنها! فصل (٣) تأمَّل حكمة الله تعالى في كثرة بكاء الأطفال وما لهم فيه من المنفعة؛ فإن الأطبَّاء والطَّبائعيِّين شهدوا منفعةَ ذلك وحكمته، وقالوا: في أدمغة الأطفال رطوبةٌ لو بقيَت في أدمغتهم لأحدثت أحداثًا عظيمة، فالبكاءُ يسيلُ ذلك ويُحْدِرُه من أدمغتهم، فتقوى أدمغتُهم وتصحُّ.

стр. 878

وأيضا؛ فإنَّ البكاء والعِياط (١) يوسِّعُ عليه مجاري النَّفَس، ويفتحُ العُروق ويصلِّبها، ويقوِّي الأعصاب (٢). وكم للطِّفل من منفعةٍ ومصلحةٍ فيما تسمعُه من بكائه وصُراخه! فإذا كانت هذه الحكمةُ في البكاء الذي سببُه ورودُ الألم والمؤذي وأنت لا تعرفُها ولا تكادُ تخطُر ببالك، فهكذا إيلامُ الأطفال فيه وفي أسبابه وعواقبه الحميدة من الحِكَم ما قد خَفِي على أكثر النَّاس، واضطربَ عليهم الكلامُ في حكمته اضطرابَ الأَرْشِيَة (٣)، وسلكوا في هذا الباب مسالك: * فقالت طائفة: ليس إلا محض المشيئة العارية عن الحكمة والغاية المطلوبة. وسدُّوا على أنفسهم هذا البابَ جملة، وكلَّما سئلوا عن شيءٍ أجابوا بـ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾. وهذا (٤) مِنْ أصدق الكلام، وليس المرادُ به نفيَ حكمته تعالى وعواقبِ أفعاله الحميدة وغاياتها المطلوبة منها، وإنما المرادُ بالآية إفرادُه بالإلهيَّة والرُّبوبيَّة، وأنه لكمال حكمته لا معقِّب لحكمه، ولا يُعْتَرض عليه بالسُّؤال؛ لأنه لا يفعلُ شيئًا سُدى، ولا خَلَق شيئًا عبثًا، وإنما يُسألُ عن فعله مَنْ خرجَ

стр. 879

عن الصَّواب، ولم يكن فيه منفعةٌ ولا فائدة. ألا ترى إلى قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١ - ٢٣]، كيف ساق الآية في الإنكار على من اتخذ من دونه آلهةً لا تساويه، فسوَّاها به مع أعظم الفَرق؟! فقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ إثباتٌ لحقيقة الإلهيَّة، وإفرادٌ له بالرُّبوبيَّة والإلهيَّة، وقولُه: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ نفيٌ لصلاح تلك الآلهة المتَّخَذة للإلهيَّة؛ فإنها مسؤولةٌ مربوبةٌ مدبَّرة، فكيف يسوَّى بينها وبينه مع أعظم الفرقان؟! فهذا الذي سِيقَ له الكلام، فجعلها الجبريَّةُ مَعْقِلًا وملجأً في إنكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السَّديدة (١). والله الموفِّق للصَّواب. * وقالت طائفة: الحكمةُ في ابتلائهم تعويضُهم في الآخرة بالثَّواب التَّامِّ. فقيل لهم: قد كان يمكنُ إيصالُ الثَّواب إليهم بدون هذا الإيلام. فأجابوا بأنَّ توسُّط الإيلام في حقِّهم كتوسُّط التكاليف في حقِّ المكلَّفين. فقيل لهم: فهذا ينتقض عليكم بإيلام أطفال الكفَّار.

стр. 880

فأجابوا بأنا لا نقول: إنهم في النَّار كما قاله من قاله من النَّاس، والنَّارُ لا يُدخِلُها ربُّها أحدًا إلا بذنب (١)، وهؤلاء لا ذنبَ لهم. وكذا الكلامُ معهم في مسألة الأطفال (٢)، والحِجَاجُ فيها من الجانبين بما ليس هذا موضعه (٣). فأُورِد عليهم ما لا جواب لهم عنه، وهو إيلامُ أطفالهم الذين قُدِّر بلوغُهم وموتُهم على الكفر، فإنَّ هذا لا تعويض فيه قطعًا ولا هو عقوبةٌ على الكفر، فإنَّ العقوبة لا تكونُ سلفًا وتعجيلًا. فحاروا في هذا الموضع، واضطربت أصولهم، ولم يأتوا بما يقبلُه العقل. * وقالت طائفةٌ ثالثة: هذا السُّؤال لو تأمَّله مُورِدُه لعَلِمَ أنه ساقط، وأنَّ تكلُّف الجواب عنه إلزامُ ما لا يَلْزَم، فإنَّ هذه الآلام وتوابعَها وأسبابها (٤) من لوازم النَّشأة الإنسانيَّة التي لم يخلق منفكًّا عنها، فهي كالحرِّ والبرد، والجوع والعطش، والتَّعب والنَّصَب، والهمِّ والغمِّ، والضعف والعجز، فالسُّؤال عن حكمتها كالسُّؤال عن حكمة الحاجة إلى الأكل عند الجوع، والحاجة إلى الشراب عند الظَّمأ، وإلى النَّوم والرَّاحةِ عند التَّعب؛ فإنَّ هذه الآلام هي من لوازم النَّشأة الإنسانيَّة التي لا ينفكُّ عنها الإنسانُ ولا
следующие страницы →