٢. وهي مثلثة محشوة باللحم بإجماع! ! ومن معاني السمبوسة: المثلَّث، وقول المؤلف بأنها: قرص غليظ، وكروية الشكل، وبقدر الكف، غير محشوة باللحم، وجَزْمُهُ بأن هذه هي السنبوسك الحقيقية، قول غير صحيح البتة، ووصفه المذكور يطابق قرص خبز، لا قطعة صغيرة محشوة! ! وقريب من وصفه ما يسمى بيتزا بالخضار! !
٣. قوله بأن السنبوسك الأفريقية باللحم غير مستحسنة، غير صحيح، لأن أصلها شرقية محشوة باللحم، وقيمتها الحقيقة باللحم، وعدم الاستحسان والاستطابة إنما هي من المؤلِّف فقط ـ رأيٌّ شخصي ـ مخالف لإجماع الأمة! ! فالناس كلهم! قد تلذذوا بها واستحسنوها شكلاً ومضموناً [[ابتسامة]].
قال محمد بن الحسن بن محمد بن علي الكاتب البغدادي (ت ٦٣٧ هـ) ﵀: (وأما السنبوسج فهو أن يؤخذ اللحم الموصوف في عمل المقلوبة (١)، ويقطع الخبز الرقيق المتخذ لذلك، ويحشى باللحم المذكور بعد أن يقطع سيوراً، ويُعمل مثلثاً ثم يلصق بيسير عجين، ويقلى في الشيرج، ثم يرفع.
وأما الذي يسمى المكلل فهو أن يحشى عوض اللحم بالسكر واللوز المدقوق ناعماً المعجمون بماء الورد، وإما بالحلواء الصابونية (٢)، ويقلى بالشيرج.
стр. 37
وفي الناس من يخرجه من الشيرج، يجعله في الجلاب ثم يرفعه منه ويتركه في السكر المدقوق ناعماً المطيب بالمسك والكافور لمن أراده). (١)
قال ابن الحشَّاء (ت ٦٤٧ هـ) ﵀: (السنبوسك: عجين يُحشى بسكَّر ولوز مدقوقين، أو سكر وفستق، ويثنى طرفاه كالقرطاس، ويُقلى في الدهن، وربما حُشي بلحم مدقوق مع أفاويه، ويسمى سنبوسك اللحم، وهو صنف معروف عندنا بالمغرب، ويُسمُّونه الفرتلَّات، وأكثر ما يحشونه بلحم الكبد). انتهى. (٢)
قال ابن العديم (ت ٦٦٠ هـ) ﵀: (السنبوسك وهو أربعة أنواع:
١. يؤخذ لحم الأفخاذ والتقاوير، يدق على قرمية بساطور، ويلصق إلى أن ينضج، ثم يصفى عنه الماء، ويدق في الهاون إلى أن ينعم، ثم يجعل في دست، ويقلب عليه دهن ألية، وكزبرة يابسة، ودار صيني، ومصطكا، وفلفل، ويُحمَّص، فإذا تحمَّص يجعل عليه بقدونس مخروط جزءان، ونعنع جزء، وسذاب نصف جزء، ويغلى غلية، ثم
стр. 38
يقلب عليه ماء ليمون، وخل، ويغلى إلى أن ينقص الخل وماء الليمون، وبعد ذلك يحشى في رقاق السنبوسك على العادة، فإنه أجود ما عُمِل.
٢. نوع آخر: يزاد في هذا الحشو: سماق، وقلب جوز، وفستق.
٣. نوع آخر: تؤخذ حلوى قطع، تحشى في رقاق السنبوسك عوض اللحم، ويقلى، فإنه مليح لتشهير الطعام.
٤. نوع آخر: لباب خبز يصبغ بزعفران، ويقلب عليه سكر مدقوق، وعسل نحل، وشيرج، ويعمل مثل الأسيوطية (١)، فإذا استوى يعمل فيه خشخاش، وقلب فستق، ويُحشى به السنبوسك أيضاً، فإنه غاية).
ثم ذكر في موضع آخر نسخة سنبوسك تسمى فضيل ... وذكر وصفها وطريقتها. (٢)
وذكر المحققتان (٢/ ٨٢٧) تعريفاً وشرحاً لما ورد في الكتاب: (سنبوسك، سنبوسق.
معرب سنبُوسَه، فارسية، وباليونانية بزماورد، ويقال له أيضاً: سنبوسج: عجين بالسمن أو الشيرج، يرق ويحشى بلحم ناعم القطع، مطيباً بالأفاوية والأبزار والبصل، يطوى، ثم يقلى، أو يخبز). (٣)
стр. 39
قال خضر بن علي الآيديني (ت ٨١٦ هـ تقريباً) ﵀: (السنبوسق: أجودُه المحمَّض بمياه الفواكه، أو بالخل.
وهو: حارٌّ، غليظٌ، طويلُ الوقوفِ في المعدة، مُعطِّش، يُبخِّر إلى الرأس، ينفع أصحاب الكدِّ والرياضة القويَّة، والهضوم الجيِّدة، وإذا انهضَم غذَّى كثيراً، وخبزُهُ لايكاد ينهضم.
وصنعته: أن يُعمَلَ مُدَقَّقُه، وتُحمَّض، ويُحشَّى به رِقاق السنبوسق، ويُقلى في الدهن). (١)
جاء في كتاب «قاموس الصناعات الشامية» (٢): (سنبوسكاني: هو البغاجاتي ... ـ المتقدم في حرف الباء ـ بمعنى واحد في اصطلاح أهل الشام .... يطلق اللفظ من حيث المعنى على بائع «السنبوسك»، وهو كما في التذكرة:
«عجين يُحكم عجنه بالأدهان كالسمن، ويُحشى بلحم قد نُعِّمَتْ قِطَعُه، وفُوِّه، وبُزِّر، ويُطوى عليه، ويقلى في الدهن، أو يخبز».
وقد يقال للمعمول بهذا في اصطلاح أهل الشام «بريكات».
وتارة يعمل به إلا أنه يُحشى باللوز والفستق مع السكر، وقد تقم في حرف الباء أن هذه الحرفة كثيرة الوجود بدمشق جداً، ويتعيش بها أمم كثيرة، وهي رائجة في
стр. 40
بلدتنا، لتبذير أهلها، والله المسهل).
وقال قبل ذلك في (ص ٤٥): [بغاجاتي: وهو السنبوسكاني ـ الآتي ذكره في حرف السين ـ، وهو من يصنع الرقاق من العجين الأبيض، من خالص ناعم الطحين، ويجعل كالورق في رقته، ثم يمده مدوراً على مقدار الصينية ـ بواسطة آلة تسمى النشابة، وهي عصا من خشب بطول ذراع ونصف ـ، ويضعه فيها طبقاً فوق طبق ....
ثم ذكر المؤلف الطريقة لهذا العجين، وما يوضع فيه وبحسبه يُسمى نمورة، أو بقلاوة، والبغاجا، والفطائر التي تسمى (كُلْ واشْكُرْ)، والكنافة، والغُرَيبة. (١)
* * * *
стр. 41
السمبوسة في الشعر
قال أبو منصور الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) ﵀: وأحسن وأظرف ما سمعتُ في وصف أطعمة شتى قول كُشاجم (١)، وكتب بها إلى صديق له يستدعيه:
متى تنشط للأكل ... * ... فقد زُخرِفَت الجُونَة
وقد زيَّنها الطاهي ... * ... لنا أحسن تزيينة
إلى أن قال:
وفرُّوج وطَهْيُوجٍ ... * ... قصَدْنا لك تطجينَه
وسنبوسكَةٍ مقلوْ ... * ... وَةٍ في إِثْرِ طَرْذِيْنَهْ
إلى أن قال:
يولِّدْنَ لذي التخمـ ... * ... ـة جوعاً ويُشَهِّينَه.
وهي في خمس وعشرين بيتاً. (٢)
قال شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي (ت ١٠٦٩ هـ) ﵀: ... (كقوله ـ أي كشاجم ـ في استدعاء صديق له:
وسنـبوسجـة مقلوْ ... * ... وَة في إِثر طَرْزينَه
وعندي لك دستجة ... * ... مطبوخ وقنينه
стр. 42
وطيهوج وفرُّوج ... * ... أجدنا لك تطجينه
فما عذرك أن لا ... * ... ترى في سكره طينه.
«سنبوسجة»: رقائق يُحشَى، وأهلُ مصر يقولون له: سنبوسك.
وطرزينه: اسم طعام معرَّب أيضاً.
وطيهوج كديجور، ودستجة معرَّب دستي، وهو: الجرَّة الصغيرة.
وقوله: في سكر طينه. من أمثال المولَّدِين، يقال: سكران طينه، بمعنى: ... لا يتماسك). (١)
من قصائد السراج الورَّاق (ت ٦٩٥ هـ) ﵀:
ما أنصف الصَّحنَين منِّي واصِفٌ ... * ... عجلت بديهة فكرة المتوالي
لم يهد ملك الصِّين أحسنَ منهما ... * ... أخوين كالقمَرين عند كمال
أرز تجاوره هريسة فستق ... * ... كالخدِّ حفَّ بعارِض سبال
ويروقني مع ذا وذا سنبوسج ... * ... حُلو الضمير مرقَّق السِّربال
عجباً له كلُّ الأنام تحبُّه ... * ... وله من الأقوام شخصٌ قالِ (٢)
стр. 43
السمبوسة في «الهند» في القرن ٨ هـ
ذكر ابن بطوطة (ت ٧٧٩ هـ) ﵀ (١) في «رحلته» أثناء حديثه عن «الهند»: (ثم يجعلون شيئاً يسمونه سموسك (٢)، وهو لحم مهروس مطبوخ باللوز والجوز والفستق والبصل والأبازير، موضوع في جوف رقاقة مَقلوَّة بالسَّمِن، يضعون أمام كل إنسان خمس قطع من ذلك أو أربعاً .. ). (٣)
وقال في موضع آخر: (ذكر عادتهم في إطعام الناس في الولائم.
وعادتُهم ببلاد الهند وببلاد السَّرا أنَّه إذا فُرغ من أكل الطعام في الوليمة جعل أمام كلِّ إنسان من الشرفاء والفقهاء والمشايخ والقضاة وعاءٌ شِبْهُ المهْدِ، له أربعُ قوائم، مَنْسوجٌ سطحُه من الخوض، وجعل عليه الرقاق ورأس غنم مشويٍّ، وأربعة أقراص معجونة بالسمن، مملوَّة بالحلواء الصابونية، مغطاة بأربع قطع من الحلواء كأنها الآجر، وطبقاً صغيراً مصنوعاً من الجلد فيه الحلواء والسموسك، ويُغطَّى ذلك الوعاء
стр. 44
بثوب قطن جديد، ومَن كان دون مَن ذكرناه جُعِل أمامَه نصفُ رأسِ غنم، ويُسمُّونه الزلَّة، ومقدار النصف مما ذكرناه.
ومن كان دون هؤلاء أيضاً جُعل أمامه مثل الربع من ذلك، ويرفع رجال كلِّ أحدٍ ما جُعل أمامه.
وأول ما رأيتهم يصنعون هذا بمدينة السرا، حضرة السلطان أوزبك، فامتنعتُ أن يرفع رجالي ذلك إذْ لم يكن لي به عهد!
وكذلك يبعثون أيضاً لدار كبراء الناس من طعام الولائم). (١)
استفدتُ هذين النصين في «رحلة ابن بطوطة» من د. عبدالعزيز بن حميد الحميد ــ الأستاذ في كلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض ـ في كتابه النافع المفيد: «ابن بطوطة وجهوده اللغوية والجغرافية ـ ألفاظ الأطعمة والأشربة أنموذجاً ـ». (٢)
وقد نقل د. الحميد من: الألفاظ الفارسية المعرَّبة، ومن التجيبي، والمحبِّي، ودوزي، والتوبخي. وأفادَ أنَّ د. عادل خلَف ذكر أنَّ السموسك هندية فارسية. (٣)
وذكر د. الحميد في (ص ٤٠) في جدول إحصائي بالأطعمة المذكورة في «رحلة ابن بطوطة»، فذكر أن «السموسك» طعام، البلد: الهند، اللغة: الهندية أو الفارسية.
وأقول: إنَّ ذِكرَ ابن بطوطة (ت ٧٧٩ هـ) لهذه الأكلة في «الهند» لايدل على أنها هندية، فقد ذُكرت قبل ابن بطوطة بعدة قرون، وظاهر الاسم المختوم بالكاف ...
стр. 45
«سنبوسك» يدل على أن اللفظة فارسية، ولعل نطق الهنود لها بتحريف وتخفيف ... «سمُّوسك» وربما هي بتشديد الميم ـ والله أعلم ـ.
السمبوسة في «الأندلس»
قال أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت ١٠٤١ هـ) ﵀ في الباب السادس: الوافدون على الأندلس من أهل المشرق، في ترجمة: رئيس المغنين: أبي الحسن علي بن نافع، الملقَّب بِـ «زرياب» مولى المهدي العباسي (ت ٢٣٨ هـ):
( ... ومما اخترعوه من الطبيخ اللون المسمَّى عندهم بالتفايا (١)، وهو مصطنع بماء الكزبرة الرطبة محلى بالسنبوسق والكباب، ويليه عندهم لون التقلية المنسوبة إلى زرياب). (٢)
стр. 46
عُلِمَ من هذا أن «السنبوسق» في الأندلس وردت عليهم من المشرق.
وسبق ذكرُ قول ابن رزين التجيبي الأندلسي (ت القرن ٧ هـ).
لُقِّبَت السمبوسة بِ «جامع سفيان الثوري» في الحديث والأثر والفقه
الإمام سفيان بن سعيد الثوري الكوفي (٩٧ هـ ـ ١٦١ هـ) ﵀ إمام في العلم والعمل والزهد والورع، ألَّف كتاباً جامعاً سُمِّي «جامع سفيان الثوري الكبير» في الفقه والحديث، وهو من أوائل ما صُنِّف في الحديث مرتباً على الأبواب.
ذكر أبو داوود في رسالته إلى أهل مكة بأن جامع سفيان من أحسن ما وضع الناس من الجوامع.
بلغ الجامع شهرة لم تبلغه كثير من المصنفات.
وللإمام سفيان ثلاثة جوامع: الكبير ــ وهو الذي يُضرب به المثل ــ.
والجامع الوسط، والصغير.
انظر: «جامع سفيان الثوري ـ منزلته، معالمه، رواياته» لرياض بن حسين عبداللطيف البغدادي (غلاف ٨٢ صفحة) ط. الدار الأثرية في عمَّان، ط. الأولى ... (١٤٣١ هـ).
* * * *
стр. 47
لَقَّبَ الطفيليون (١) «السمبوسة» ب «جامع سفيان»، كما لقبوا كثيراً من الأطعمة:
أصل المثَل:
قال الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) ﵀: (جامع سفيان، يُضرب المثل بجامع سفيان
стр. 48
الثوري في «الفقه» للشي الجامع كلَّ شئ، كما يُضرب المثل بسفينة نوح.
وعهدي بأبي بكر الخوارزمي إذا رأى رجلاً جامعاً أو كتاباً، قال: ما هوَ إلا سفينة نوح، وجامع سفيان، ومخلط خراسان.
وقال أبو عبدالله بن الحجاج:
بالله قولوا لي ولا تغضبوا ... * ... لستُ من الحق بغضبان
فقرٌ وذلٌّ وخمول معاً ... * ... أحسنتَ يا جامعَ سفيان. (١)
وانظر في تلقيب «السمبوسة» بِـ «جامع سفيان» (٢)
* * * *
стр. 49
السمبوسة في كتب الفقه
ذكرها الحنابلة في باب الربا، والشافعية في: البيع، وفي الأيمان، والحنفية في باب الأيمان.
الحنابلة:
قال الموفَّق ابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ) ﵀ في باب الربا والصرف:
(في بيع الحنطة وفروعها، وفروعها نوعان: أحدهما: ماليس فيه غيره كالدقيق والسويق، والثاني: مافيه غيره كالخبز والهريسة والفالوذج والنَّشاء، وأشباهها، ولايجوز بيع الحنطة بشئ من فروعها، وهي ثلاثة أقسام ...
ثم تحدث عن مسألة بيع بعض فروعها ببعض ...
ثم قال:
فصل: فأما مافيه غيره، كالخبز، وغيره، فهو نوعان: أحدهما: أن يكون مافيه من غيره غير مقصود في نفسه، إنما جُعِل فيه لمصلحته، كالخبز والنَّشَاء، فيجوز بيع كل واحد منهما بنوعه، إذا تساويا في النشافة والرطوبة، ويعتبر التساوي في الوزن، لأنه يقدَّر به في العادة، ولا يمكن كيله .....
إلى أن قال: ولا يجوز بيع الرَّطْبِ باليابس؛ لانفرادِ أحدهما بالنقص في ثاني الحال، فأشبهَ الرُّطَبَ بالتمر.
ولا يمنع زيادةُ أخذِ النار من أحدهما أكثر من الآخر حالَ رطوبتهما إذا لم يَكْثُرْ؛
стр. 50
لأن ذلك يسير، ولا يمكِنُ التحرُّزُ منه، أشبَهَ بيعَ الحدِيثة بالعتيقة. ولا يلزم ما فيه من الملح والماء؛ لأن ذلك ليس بمقصودٍ فيه، ويراد لمصلحته، فهو كالملحِ في الشَّيْرَج.
وإنْ يَبِسَ الخُبْزُ، فَدُقَّ، وجُعِلَ فَتِيتَاً، بِيعَ بمثله كَيلاً؛ لأنه أمكنَ كَيْلُهُ، فرُدَّ إلى أصلِه.
وقال ابن عقيل: فيه وجْهٌ آخر، أنه يباع بالوزن؛ لأنَّه انتقل إليه.
النوع الثاني، ما فيه غيرُه مما هو مقصود، كالهريسة، والخَزِيْرَةِ، والفالوذج، وخُبْزِ الأبَازير، والخُشْكَنَانِجْ، والسنبوسك، ونحوه، فلا يجوز بيع بعضه ببعض، ولا بيعُ نوعٍ بنوعٍ آخر؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما يشتمل على ما ليس من جنسه، وهو مقصود، كاللحم في الهريسة، والعسل في الفالوذج والماء، والدهن في الخزيرة. ويكثر التفاوت في ذلك، فلا يتحقق التماثل فيه.
وإذا لم يمكن التماثل في النوع الواحد، ففي النوعين أولى). (١)
جاء في «الإقناع» للحجاوي (ت ٩٦٨ هـ) ﵀ مع شرحه «كشاف القِناع عن الإقناع» للبهوتي (ت ١٠٥١ هـ) ﵀ في أبواب الربا والصرف: [[(ولا) يصح بيع (دقيق حَبِّ) كبُرٍّ (بسويقه) لأن النار قد أخذت من السويق، فهو كبيع الحنطة المقلية بالنيئة.
(ولا) يصح بيع (خبز، وزَلابية، وهَرِيسة، وفالوذج، ونشأ، ونحوها) كسنبوسك، وحَريرة (بحَبِّهِ) لأن فيها ماءً، فلا يتَأتى العلم بالمماثلة ..... ]
стр. 51
وقال: [(فإن كان فيه) أي في المطبوخ (من غيره من فروع الحنطة مما هو مقصود كالهريسة والحريرة والفالوذج وخبز الأبازير فلا يجوز) أي الخبز المضاف إليه الأبازير المقصودة لا اليسيرة التي لا تُقصد كما تقدم (والخُشْكَنَانِك، والسنبوسك، ونحوه) كالكعك، (فلا يجوز بيع بعضه ببعض) كبيع هريسة بهريسة؛ لأنه من مسألة مُدِّ عجوة ودرهم، وتأتي.
(ولا) يصح أيضاً (بيع نوع منه بنوع آخر) كبيع خبز بهَريسة، أو هريسة بحريرة، أو سنبوسكة بخُشْكَنانكة لما تقدم]]. (١)
الشافعية:
في متن «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) ﵀: (والخبز يتناول كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقلا) بتشديد اللام مع القصر على الأشهر (وذُرة) بمعجمة وهاؤها عوض عن واو أو ياء (وحمص) بكسر ففتح أو كسر وسائر المتخذ من الحبوب
قال الشرواني (ت ١٣٠١ هـ) ﵀ في حاشيته: (قول المتن يتناول كل خبز) أي: وإن لم يقتت اختيارا فيما يظهر اهـ. ع. ش. ويتناول الكنافة والسنبوسك المخبوز والبقلاوة؛ لأنها تخبز أولا م ر بخلاف ما إذا قليت أولا فالضابط أن الخبز يتناول كل ما خبز.
стр. 52
وإن قُلي وحدَث له اسم يخصه دون ما قلي أولا فلا يتناول المقلي كالزلابية والقطائف سلطان وقليوبي اهـ. بجيرمي، عبارة الرشيدي: وكذا الكنافة والقطائف المعروفة خبزا وأما السنبوسك فإن خبز فهو خبز، وإن قلي فلا، وإن كان رقاقه مخبوزا؛ لأنه جدد له اسم آخر وكذا الرغيف الأسيوطي؛ لأنه مقلي وإن كان رقاقه مخبوزا أو لا؛ لأنه لا يسمى رغيفا من غير تقييد م ر اهـ. سم على حج ومنه يؤخذ أن ما استمر على اسمه عند الخبز يحنث به، وإن تجدد له اسم غير الموجود عند الخبز لا يحنث به كالسنبوسك المخبوز رقاقه كان عند الخبز يسمى رقاقا فلما قلي صار يسمى سنبوسكا، بخلاف السنبوسك المخبوز على هيئته كذا فهمته من تعاليلهم وأمثلتهم فليراجع اهـ.
ابن قاسم العبادي (ت ٩٩٢ هـ) ﵀: (قوله والخبر يتناول كل خبز إلخ) ينبغي أن السنبوسك خبز إن كان مخبوزا إلا إذا كان مقليا م ر.
ابن قاسم العبادي: (قوله ــ أي الهيتمي ـ: والبقسماط والرقاق خبز)، وكذا الكنافة والقطائف المعروفة وأما السنبوسك، فإن خبز فهو خبز، وإن قلي فلا، وإن كان رقاقه مخبوزا؛ لأنه حدث له اسم آخر، وكذا الرغيف الأسيوطي؛ لأنه مقلي، وإن كان رقاقه مخبوزا أو لا؛ لأنه لا يسمى رغيفا من غير). (١)
ما سبق في أبواب البيع، وجاء ذكرُها في باب الأيمان!
ففي حاشية المغربي الرشيدي (ت ١٠٩٦ هـ) على «نهاية المحتاج» للرملي ... (ت ١٠٠٤ هـ)
стр. 53
قال الرشيدي: قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُعْهَدْ بِبَلَدِهِ) بَحَثَ ابْنُ قَاسِمٍ عَدَمَ الْحِنْثِ إذَا أَكَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْخُبْزَ لَا يَتَنَاوَلُهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ وَشَمَلَ مَا ذَكَرَ الْبُقْسُمَاطَ وَالرُّقَاقَ) وَكَذَا الْكُنَافَةُ وَالْقَطَائِفُ الْمَعْرُوفَةُ، وَأَمَّا السَّنْبُوسَكُ فَإِنْ خُبِزَ فَهُوَ خُبْزٌ وَإِنْ قُلِيَ فَلَا، وَإِنْ كَانَ رُقَاقُهُ مَخْبُوزًا لِأَنَّهُ وُجِدَ لَهُ اسْمٌ آخَرُ، وَكَذَا الرَّغِيفُ الْأَسْيُوطِيُّ لِأَنَّهُ يُقْلَى وَإِنْ كَانَ رُقَاقُهُ مَخْبُوزًا أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَغِيفًا بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْ الشَّارِحِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَا اسْتَمَرَّ عَلَى اسْمِهِ عِنْدَ الْخَبْزِ يَحْنَثُ بِهِ وَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ الْمَوْجُودِ عِنْدَ الْخَبْزِ لَا يَحْنَثُ بِهِ، كَالسَّنْبُوسَكِ الْمَخْبُوزِ رُقَاقُهُ كَانَ عِنْدَ الْخَبْزِ يُسَمَّى رُقَاقًا فَلَمَّا قُلِيَ صَارَ يُسَمَّى سَنْبُوسَكاً، بِخِلَافِ السَّنْبُوسَكِ الْمَخْبُوزِ عَلَى هَيْئَتِهِ كَذَا فَهِمْته مِنْ تَعَالِيلِهِمْ وَأَمْثِلَتِهِمْ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ خُبِزَ ثُمَّ بُسَّ حَنِثَ بِهِ) اُنْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ دَقَّ الْخُبْزَ وَسَفَّهُ الْآتِي عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ). (١)
الحنفية:
ذُكرت في باب الأيمان.
قال ابن عابدين الدمشقي الحنفي (ت ١٢٥٢ هـ) ﵀: [[«قوله ومنه» أي: من الخبز الرقاق، وينبغي أن يُخصَّ ذلك بالرِّقاق البيساني بمصر، أما الرقاق الذي يُحشى بالسكر واللوز فلا يدخل تحت اسم الخبز في عرفنا كما لا يخفى. بحر.
قلت: وذلك كالذي يعمل منه البقلاوة والسنبوسك. وينبغي أيضاً أن لا يحنث بالكعك والبقسماط؛ لأنه لا يُسمَّى خبزاً في العُرف «قوله لا الفطائر» الذي في الفتح والبحر: القطائف وأما الفطائر فالظاهر أنها كذلك، فهي اسم عندنا لما يُعجن بالسَّمن ويخبز أقراصاً كالخبز، ولا يُسمَّى خبزاً في العرف، وكذا ما يُوضع في الصواني ويُخْبَز
стр. 54
ويُسمَّى بغاجه فلا يحنث به، وكذا الزلابية]]. (١)
السمبوسة في كتب الحسْبَة
الاحتساب على صانعي السنبوسة:
كان الاحتساب في الزمن السابق على كل شئ، وأما الآن في التنظيمات الجديدة في عدد من الدول فالاحتساب على المطاعم والمتاجر مِن عمل «وزارة التجارة»، ... و «البلديات»، ونحوهما.
ذكر عبدالرحمن بن نصر الشيزري الشافعي (ت ٥٩٠ هـ تقريباً) ﵀ وصفاً مطولاً في الاحتساب على أصحاب المطاعم، وذكر أنواعاً من الغش التجاري، ومنها: ( ... منهم من يحشو السنبوسك بلحوم السمك المشوية، والتوابل، ومنهم من يغشها بالباقلا المنبت المقشور، وبياض البصل.
ويعرف جميع ذلك بأن يشق [المحتسب] النقانق قبل قليها، فيظهر ما فيها للعين. وإذا وضعت في المقلاة فلا تكاد تعرف؛ لأنهم ينخسونها بالسفود إذا قاربت النضج، فيسيل ما فيها من الغش، وتنضجه النار، فلا يعرف، ويكون دهنها الذي تقلى به طيب الطعم، والرائحة غير عتيق، ولا متغير، ثم ينثرون عليها بعد قليها الأبازير الطيبة، والتوابل المسحوقة الصالحة لها، والله أعلم). (٢)
ومثله ابن بسام المحتسب (ت منتصف القرن ٥ هـ) ﵀ فقد ذكر في الباب الحادي عشر: في الطباخين وغشهم.
стр. 55
قال ﵀: (وكذلك غش السنبوسك يبين قبل قَلْيه وبعد قَليه، فإنه يُغش بالباقلاء المقشر المنبت، وبيان البصل، فإذا فتحتَه رأيتَه عادماً اللحم، وهو ما ذكرناه، فاعلم أنه مغشوش، وقد يعمل فيه من لحوم الأسماك المشوية والتوابل). (١)
يُستَكثر في زمننا في عدد من بلدان المسلمين إنكار الناس تبرجَ النساء، واختلاطهن بالرجال، ورفع الأصوات الغنائية فضلاً عن الرقص والتمايل، وغيرها، وقد كان الاحتساب في القرون السالفة شاملاً شؤون الناس كلها، وانظر مثلاً الاحتساب على المتاجر والمطاعم في المصادر التالية في الحاشية. (٢)
* * * *
стр. 56
ممن ذكَر السمبوسة
١. علي بن الحسين بن محمد، أبو الفرج الأصبهاني (ت ٣٥٦ هـ). ذكر أنها قُدِّمت للخليفة المتوكل ــ بُويع له بالخلافة (٢٣٢ هـ)، وتوفي سنة (٢٤٧ هـ) ــ: فجيء بخروف وسنبوسج، وأشياء قريبة المأخذ من طعام مثله. (١)
٢. قال أبو بكر الرازي (ت ٣١٣ هـ): سنبوسك. (٢)
٣. في ترجمة أبي بكر بن مجاهد المقرئ (ت ٣٢٤ هـ) لفَّات، وسنبوسج. (٣)
٤. ذُكر أنَّ الأمير: علي بن كامة وُضع له سم في «سنبوسق»، ومات ... (٦/ ١١/ ٣٧٤ هـ). (٤)
٥. المحسن بن علي التنوخي البصري (ت ٣٨٤ هـ): سنبوسج. (٥)
٦. في ترجمة صدقة بن الحسن بن الحسين بن بختيار الحداد ... (ت ٥٦٣ هـ). سنبوسج (٦)
٧. محمد بن محرز الوهراني المغربي (ت ٥٧٥ هـ). السنبوسك المورد، والدجاج
стр. 57
المسمن. (١)
٨. محمد أمين بن فضل الله المحبِّي الحموي الأصل، الدمشقي ... (ت ١١١١ هـ): سنبوسكة. (٢)
من أخبار السمبوسة
السنبوسة من طعام الملوك
فقال أبو الحسن القفطي (ت ٦٤٦ هـ) ﵀: ( .... حضرت اليوم في مجلس الملك الرحيم أتابك طغرل الظاهري وحضرت المائدة وفيها طعام الملوك: شواء، وشرائح وسنبوسج وحلاوات وغيرها كما جرت العادة، فتأملته فنفرت نفسي منه ولم تقبله، مع كوني قد قارب الظُّهرَ ولم أتغدَّ. (٣)
وفي حديث ابن بطوطة ــ كما سيأتي ـ ما يدل على أنها من طعام كبار القوم في ... «الهند».
لا يمُدُّ المرءُ يدَه في مجلس الملوك إلى «سنبوسة» مشتهاة!
стр. 58
قال علي بن عبد الله الغزولي البهائي الدمشقي (ت ٨١٥ هـ) ﵀: ... (ولا يمدُّ يدَه إلى قطعةِ لحمٍ مشهورة، ولا بيضة منضورة، ولا «سنبوسجة» مشتهاة، ولا ما تقع الشهوة عليه، ولا ما تسارع النفس إليه .. ). (١)
هل رِضا الرجل في «بطنه»؟
اشتهر عند بعض النساء اللاتي تبالغ في إرضاء زوجها بأنواع مسرفة من الطبخ، أنَّ رِضى الرجل متوقف على سفرة الطعام! ! ولا ينبغي الحرص على هذا، إن تضمَّن إسرافاً وتبذيراً.
ذكر أبو العباس المبرِّد (ت ٢٨٥ هـ) ﵀ خبراً عن أحد العشاق:
قال: (وذكروا أن أبا القمقام بن بَحْر السَّقَّاء، عَشِقَ مَدينية، فبعث إليها: إنَّ أخواناً لي زاروني، فابعثي إلي برؤوسٍ حتى نتغدَّى، ونصطَبِح على ذِكرك، ففَعَلَتْ.
فلما كان في اليوم الثاني بعثَ إليها: إنَّا لم نفترق، فابعثي إلي بسنبوسكٍ حتى نصطبح اليوم على ذكرك.
فلما كان في اليوم الثالث، بعث إليها: إن أصحابي مقيمون فابعثي إليَّ ببقرييَّة قَدِيَّة، وجَزُورِيَّةٍ شهية، حتى نأكلها، ونصطبح على ذكرك.
فقالت لرسوله: إني رأيتُ الحُبَّ يحلُّ في القَلبِ، ويفيضُ إلى الكبدِ والأحشاء، وإنَّ حُبَّ صاحِبَنا هذا، ليس يُجاوِزُ المعِدَة). (٢)
стр. 59
علَّق أبو الحسن علي بن إبراهيم البلنسي القشتيلي (ت ٥٧١ هـ) ﵀ بقوله: (السنبوسك: لحم مدقوق بالأبازير الرقاق). (١)
الكرم بالسمبوسة، وموقفٌ محرج
ذكر ابن الطقطقي (ت ٧٠٩ هـ) ﵀ ... في وصف أبي جعفر المنصور المستنصر بالله ــ بويع له بالخلافة سنة (٦٢٣ هـ) ــ، وأنه كان شهماً جواداً يباري الريح كرماً وجوداً، وكانت هباته وعطاياه أشهر من أن يدل عليه، وأعظم من أن تُحصى، ولو قيل: إنَّه لم يكن في خلفاء بني العباس مثله لصدق القائل (ت ٦٤٠ هـ).
ذكر أنه استوزَر: نصير الدين أبي الأزهر أحمد بن محمد بن الناقد (ت ٦٤٢ هـ)، وذَكر نصير الدين موقف مُحرِج، قيل: بأنه قبل الوزارة عمل في بعض الأعياد ... «سنبوسجاً» كثيراً، وأحبَّ أنْ يُداعب بعض أصحابه، فأمر أن يحشى سبعون سنبوسجة بحبِّ قطن ونخالة وتجعل مفردة، وعمل «سنبوسجا كثيراً» كجاري العادة، وركب إلى دار الخليفة فطلب منه عمل شيء من «السنبوسج»، فذكر أنَّ عنده شيئاً مفروغاً منه، وأمر خادماً له بإحضار ما عنده من «السنبوسج»، فمضى الخادم عن غير معرفة بذلك المحشوِّ بحبِّ القُطن ومزج الجميع، ووضعه في الأطباق ليحمله إلى دار الخليفة، فجاء الجواري والخدم وقالوا: أعطونا حصَّتَنا من هذا، فأخذوا منه مئة «سنبوسجة»، وحمل الخادم الأطباق بما فيها إلى دار الخليفة، فلما حمل «السَّنبوسج»
стр. 60
وصار بدار الخليفة، ورجع ابن الناقد إلى داره سأل عن «السنبوسج» المحشوِّ بحبِّ القطن، فقالوا له: ما عرفنا بشيء من ذلك، وفلان الخادم جاء ومزجَ الجميع، وأخذه ومضَى، فلم يشكَّ أنه هالك وكادت تسقط قوَّته خوفاً وخجلاً، فقال: أما تخلَّف منه شيء قط؟ قالوا: قد اقتطع الجواري والخدم منه حدود مئة «سنبوسجة»، فقال: أحضروها فأُحضِرَتْ وفتحت بين يديه، فوجد السبعين «سنبوسجة» المحشوَّة بحبِّ القُطْن قد حصلت بأيدي الجواري والخدم في جملة ما أخذوه لأنفسهم، لم تشذَّ منهم واحدة إلى دار الخليفة). (١)
تنوع المأكولات من العادات السيئة صحياً
من العادات القبيحة في الأكل وفي الولائم: الإسراف والتبذير
ذكر عبدالله النديم (ت ١٣١٤ هـ) في مجلة «التنكيت والتبكيت» مقالاً جميلاً بعنوان «عادة قبيحة ألفناها» في بيان هذه العادات السئية، وقد مثَّل بالمأكولات المتعددة على السُّفرَة: السنبوسك. (٢)
النهم في أكل السمبوسة
قال ابن العمراني (ت ٥٨٠ هـ) ﵀: (حكى محمد بن عبد الملك الزيات في وصف المعتصم العباسي ... وكان في بكرة كل يوم إذا وقف يتعمَّم، يُلقِمُه خادمٌ ... «
стр. 61
السنبوسك» فعَدُّوا عليه إلى أن فرغ من التعميم مئة وخمسين سنبوسكة! ! (١)
أقول: الله أعلم بصحة هذا.
كثير من الناس في رمضان يتشبهون بالأسواري الأكول
ذكر ابن قتيبة الدينوري ت ٢٧٦ هـ مبالغة مستطرفة:
(قيل للحارثي: لمَ لا تؤاكل الناس؟
فقال: لو لم أترك مؤاكلتهم إلا لنزوعي عن الأسواري (٢) لتركتها!
ما ظنكم برجل نهش بضعة لحم بقر فانقلع ضرسه وهو لا يدري. وكان إذا أكل ذهب عقله وجحظت عيناه وسكر، وسدر [تحيَّر] وتربَّد وجهه [تغيَّر]، وغضب، ولم يسمع ولم يبصر، فلما رأيتُه وما يعتريه ويعتري الطعام منه صرت لا آذن له إلا ونحن نأكل الجوز والتمر والباقلّى؛ ولم يفجأني قطّ وأنا آكل تمراً إلا استفَّه سَفَّا وزدَ [رمى] به زوداً، ولا وجده كنيزاً إلا وتناول القطعة منه كجمجمة الثور كدمها كدما [عضها بأدنى فيه]، ونهشها طولاً وعرضاً، ورفعاً وخفضاً، حتى يأتي عليها؛ ثم لا يقع عضُّه إلا على الأنصاف والأثلاث؛ ولا رمى بنواةٍ قطّ، ولا نزع قمعاً، ولا نفى عنه قشراً، ولا فتَّشه مخافة السوس والدود). (٣)
стр. 62
قيل لأبي الحارث جُمَّين: ما أطيب الأصوات؟
قال: نشنشة المقالي بين غمغمة القدور، ولا تنسَيَنَّ قرقرة القناني! (١)
من النصائح في الأكل:
رُبَّ أكلة تمنع أكلات، البِطنَة تُذهِب الفطنة.
قال جالينوس: العاقل يترك ما يُحبُّ لِيستغنيَ عن العلاج بما يَكره، والصبرُ على الامتناع عما يَشتهي أهونُ من أكلِ مالا يَشتهي.
سئل حكيم: كم آكل؟ قال: فوق الجوع، ودون الشِّبَع. (٢)
من أسماء الأكول:
الجُرْضُم، الجُرَجْمان، السرواط، القرشبّ، الهِقَمّ، الهِلباجة، المُفَوَّهُ، اللَّهِمْ، الفارهة، الجُراف، البلْعَم، الفيِّه، القرضوف، المجلِّح، الأكول، السَّرْهَب، المِخْضَد، الجعظري، الشولقي، المسحوت، العُتُلُّ. (٣)
كثرة الأكل في رمضان ـ وغيره ـ تُضعف عن القيام والخشوع لصلاة الليل: التهجد، وتجلب الكسل والخمول، وتباعد بين المرء وتدبر القرآن.
نقل الجاحظ عن أبي عبدالرحمن الثوري: لا أدَّى حق الركوع والسجود ذو كِظَّة،
стр. 63
ولا خشعَ ذو بِطنَة. (١)
* * * *
صورة النشرة الأولى (٢/ ٩/ ١٤٢١ هـ) في أربع صفحات
الخلاصة:
السمبوسة = السنبوسة = السنبوسك = السنبوسق = السنبوسق = سنبوسجه، قُلْ ما شئت، فاللفظةُ الأعجمية يُلعَب بها، أكثرها وروداً: السنبوسك
وأحسنُها عندي وأقربها:
السمبوسة = السنبوسة؛ لخفتها وبعد الكاف الفارسية.
هذه الأكلة الرمضانية العجيبة «الفارسية» هي الوحيدة المعمَّرة: باسمها، ووصفها، ومضمونها، لا أعرف لها مثيلا، عمرها أكثر من (١٢٠٠) سنة! !
стр. 64
وهي ضمن أطعمة كثيرة انتقلت من «الفرس» إلى «العرب» في الدولة العباسية.
فأول ذِكْرٍ لها ـ فيما بين يدي من المصادر ـ: أول القرن الثالث، في قصيدة إسحاق بن إبراهيم الموصلي (ت ٢٣٥ هـ) التي ذكرها المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) في ... «مروج الذهب» ولم أرها عند غيره!
ثم ذكَرَهَا: الفقهاء: الحنابلة، والشافعية، والحنفية، وذكرها بعضُ أهل الحديث، ورجالُ الحسبة، والأدباء، والشعراء، والمؤرخون، والرحَّالة، ومُؤلِّفو كتب الطبخ التراثية ...
وقد شُبِّهت لجمالها وجودتها وتنوع مضمونها بكتاب كبير جميل ـ مفقود ـ: ... «الجامع الكبير للإمام سفيان الثوري في الحديث والأثر والفقه»! «جامع سفيان».
ويُقال بأن معنى سمبوسة في الفارسية أو غيرها = مثلث، فكُلُّ مثلث سمبوسة.
وهي عجين، محشوٌّ باللحم والخضروات، شكلها مثلَّث، وتُقلَى بالزيت.
وهي مع لذَّتِها وحُسْنِها، لا تناسب الصحة، خاصةً في زماننا هذا، لأمور:
١. كثرة مرضى الضغط.
٢. كثرة مرضى الكلسترول.
٣. كثرة السمنة.
стр. 65
٤. كثرة مرضى القولون، وعُسْر الهضم، وعجينُها عَسر الهضم ـ كما في قول الآيديني ـ.
٥. قِلَّة الحركة عند غالب الناس.
٦. غالباً ما تؤكل مع أصناف عديدة، فيزيد ثقلها، والبلاء بها.
٧. أنها أضرار مجتمعة: لحم ـ وكثرة اللحوم في زماننا ممرضة ـ، وعجين عسر الهضم، وقليٌّ بالزيت.
فإن قلتَ يوجد صنعة لها بالفرن، دون قلي:
فالجواب: تبقى الأضرار السبعة السابقة (ابتسامة).
وقد عجبتُ ولا زلتُ أعجب مِن الجمع بين: السمبوسة والفول في سُفْرَةِ العَشاء في رمضان! ! وهي عادة من عادات بعض المناطق في بلادنا، لأن الجمع بين الاثنين يسدُّ مسالك المعدة والأمعاء، والسمعَ والبصرَ، والنَّفَس، والإدراك، ويحبس الجوارح عن الحركة فضلاً عن الصلاة (ابتسامة).
وما أحسن قول خضر بن علي الآيديني (ت ٨١٦ هـ تقريباً) ﵀ عن السمبوسة ــ سبق نقله ـ: (وهو: حارٌّ، غليظٌ، طويلُ الوقوفِ في المعدة، مُعطِّش، يُبخِّر إلى الرأس، ينفع أصحاب الكدِّ والرياضة القويَّة، والهضوم الجيِّدة، وإذا انهضَم غذَّى كثيراً، وخبزُهُ لايكاد ينهضم).
стр. 66
أقول: ومع ذلك كلِّه، كُلْ مِن الطيِّبات ولا تخف! ولا تُكثِر، واستعن بعد ذلك بالرياضة الجادَّة، وتذكَّر إخوانك الفقراء والمشرَّدين الذين لا يجدون مأكلاً، ثم أنفِقْ مما آتاك اللهُ، واشكُر اللهَ كثيراً، واجعل الأولويات في رمضان:
كلُّ عمل يُبلِغُكَ التقوى، الذي من أجله شرع اللهُ صيام رمضان.
أيها القارئ، مابين يديك، هو أول بحث عن «السمبوسة» مفرد، ... أسأل اللهَ أن يحفظه من السرقة، أوالنقل دون عزو، فمن الأمانة والبركة العلمية: النقل مع العزو إلى صاحب الفائدة.
نصيحة:
احرص ـ يا عبدالله ويا أمة الله ــ على هذا الشهر المبارك، فقد اختاره الله من بين الأشهر، وخصَّه بميزات وخصائص، فالمغبون من أدركه رمضان، ولم يستفد منه، ولم تغفر ذنوبه.
رمضان، شهر: الصلاة = النافلة، والصيام، والصدقات، والقرآن، والعمرة، والذكر، والدعاء، والجود بالخير بأنواعه ...
فليس الشهر المبارك للَّهْوِ والعبث والأكل، ومتابعة المسلسلات ـ وما أكثرها ـ والرياضة، وكثرة الذهاب إلى الأسواق، والاهتمام المبالغ فيه في شراء وإعداد وأكل الأطعمة. ...
... العمرُ قصير، والدنيا متاعٌ زائل، والموفَّق مَن عمَرَ وقته في طاعة الله، فالنعيم
стр. 67
الحقيقي، والمتعة الكاملة في جنات عدن ونهر، اعمَلْ ليقال لك في الجنة: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ الإنسان: (٢٢)
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الطور: (١٩) والمرسلات ٤٣
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ الحاقة: (٢٤) ويُقال عنك ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الواقعة: (٢٤)
﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأعراف: (٤٣)
﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الزخرف: (٧٢)
فالدنيا دار عمل، والآخرة دار الجزاء، ومَن صرفه الشيطان عن العمل في الأوقات الفاضلة، فغيرها من باب أولى.
اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم أعنَّا على صيام رمضان وقيامه، واجعلنا ممن يصومه ويقومه، ويقوم ليلة القدر إيماناً واحتساباً.
اللهم صلِّ على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه:
إبراهيم بن عبدالله بن عبدالرحمن المديهش
مدينة الرياض
النشرة الرابعة (١/ ٨ /١٤٤١ هـ)