وكذلك عرض كل شقيقة قال: وأما قدرها في الطول فما بين يبرين إلى ينسوعة القف فهو قدر خمسين ميلا .. ).
ونقل ابن منظور كلام الأزهري وفيه زيادة: مكرمة للنبات، في قوله: (الشقيقة: قطعة غليظة بين كل حبلي رمل وهي مكرمة للنبات .. ).
قال ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ): (والشقة: مسير بعيد إلى أرض نطية. تقول: هذه شقة شاقة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ سورة التوبة، آية (٤٢).
والشقة من الثياب، معروفة.
إلى أن قال ابن فارس: والشقيقة: فرجة بين الرمال تنبت. قال أبوحنيفة: الشقيقة: لين من غلظ الأرض، يطول ما طال الحبل. وقال الأصمعي: هي أرض غليظة بين حبلين من الرمل. وقال أبو هشام الأعرابي: هي ما بين الأميلين. والأميل والحبل سواء.
وقال لبيد:
خنساء ضيعت الفرير فلم يرم ... عرض الشقائق طوفها وبغامها
стр. 37
وقال الأصمعي: قطع غلاظ بين كل حبلي رمل. وفي رواية النضر: الشقيقة الأرض بين الجبلين على طوارهما، تنقاد ما انقاد الأرض، صلبة يستنقع الماء فيها، سعتها الغلوة والغلوتان.
قلنا (ابن فارس): ولولا تطويل أهل اللغة في ذكر هذه الشقائق، وسلوكنا طريقهم في ذلك، لكان الشغل بغيره مما هو أنفع منه أولى، وأي منفعة في علم ما هي حتى تكون المنفعة في علم اختلاف الناس فيها. وكثير مما ذكرناه في كتابنا هذا جار هذا المجرى، ولا سيما فيما زاد على الثلاثي، ولكنه نهج القوم وطريقتهم).
أوردت قوله الأخير للفائدة العلمية العامة، وهي فائدة نادرة.
قال الحُميدي في «تفسير غريب الصحيحين»: (الشقة: الناحية قاله ابن عرفة وقال اليزيدي يقال إن فلانا لبعيد الشقة أي بعيد السفر).
قال ابن الأثير: (وفي حديث عثمان «أنه أرسل إلى امرأة بشقيقة سنبلانية» الشقة: جنس من الثياب وتصغيرها شقيقة. وقيل هي نصف ثوب.
стр. 38
وفي حديث ابن عمرو: «وفي الأرض الخامسة حيات كالخطائط بين الشقائق» هي قطع غلاظ بين حبال الرمل، واحدتها شقيقة. وقيل هي الرمال نفسها).
إِذا كانت المُلاءة واحدة فهي ريطة، فإِذا كانت نصفاً فهي شُقة، والجميع: شُقق وشِقاق.
والشَّقُّ: جانب الجبل وغيره.
والشُّقة بالضم وحده، من الثياب: معروفة من الثياب السبيبة المستطيلة، والجمع شقاق وشُقُق.
وفي «الشوارد» للصاغاني (ت ٦٥٠ هـ): (الشِّقَّةُ: الشُّقَّةُ، وقرأَ ابنُ عُمَرَ (١): «وَلكِن بَعُدَتْ عَلَيهم الشِّقَّةُ»).
بالنسبة للقراءة، جاء في «معجم القراءات القرآنية»: (قراءة الجماعة بالضم: الشُّقَّة، وهي لغة قريش.
وقرأ عيسى بن عمر: الشِّقَّة بكسر الشين، وهي لغة قيس.
стр. 39
وعلى هذا تكون قراءة عيسى: بَعِدَت عليهم الشِّقَّة.
قال أبو حاتم: (إنها لغة تميم في اللفظين: بعدت .. الشِّقَّة) ا. هـ أي بكسر العين والشين.
وحكى الكسائي: شُقَّة، وشِقَّة.
وأمال الكسائي الهاء وما قبلها في الوقف). انتهى من «معجم القراءات القرآنية». وفي حاشيته عدد من المراجع عن القراءة.
قال الصفدي: (ويقولون لجمع الشُّقَّة: شِقَقٌ. والصواب شِقاق وشُقَق، وكل ما كان على فُعْلة مضموم الأول فجمعه يأتي على فُعَلٍ قياساً مطَّرداً، وربما جاء على فِعال نحو بُرْمة وبِرام وجُمّة وجُم وجِمام، وكذلك قُبّة وقُبَبٌ وقِباب.
ويقولون: في رجلي شُقاق. والصواب: شُقوق، فأما الشُّقاق فَداءٌ من أدواء الدوابّ، وهو صُدوع تكون في حوافرها وأرساغها).
ومن «تاج العروس»: الشق من كل شيء: نصفه إذا شُق، والشِّقَّة بالكسر: شظية أو قطعة مشقوقة من لوح أو خشب وغيره.
стр. 40
والشقيق: ماء لبني أسيد مصغرا مثقلا، وهو ابن عمرو بن تميم قال عوف بن عطية:
أمن آل مي عرفت الديارا ... بجنب الشقيق خلاء قفارا.
ويروى بجنب الكثيب.
والشقوق بالضم: منهل من مناهل الحاج، ومنزل من منازلهم بين واقصة والثعلبية. والشقوق أيضاً: من مياه بني ضبة بأرض اليمامة.
والشق: موضع من أعمال البحيرة.
وقال في موضع: (الشكة بالضم: الشقة يقال: إنه لبعيد الشكة، أي الشقة). (١)
стр. 41
فالخلاصة:
١. الشِّقَّة، والشُّقَّة، كلاهما يصح لغةً.
٢. أن «الشِّقَّة» وصف للأرض، كغالب القرى والمدن، وسبقت الإحالة إلى مواضع عديدة جداً في جزيرة العرب تسمى «الشقة» أو ... «شقة ... »، فهل يا ترى كلها اشتريت بشق بيت من شعر؟ !
٣. أن قدوم الجد: الحميدي من آل هويمل، وابن عمه: مريزيق من بلدة «التويم» إلى «الشقة» مباشرة، كان في سنة (١٠٤٥ هـ).
وقدمت من «التويم» أيضاً أُسَرُ أخرى كالحصيني وغيرهم، ولا أعلم بالتحديد سنة قدومهم، لكن قدومهم كان بعد قدوم الجد: الحميدي، وابن عمه: مريزيق. (١)
стр. 42
٤. أن القصة في شراء «الشقة» في القصيم من شق بيت من شعر، قصة مكذوبة، رغم تناقل آبائنا وأجدادنا لها، والنقل المتوارث مقبول ما لم يصادم العقل، والنقل العلمي ـ كما سيأتي ـ.
وليس تناقل هذه القصة بأعلى، أو مساو، أو نحوِ تَنَاقُل بعض المنتسبين للعلم في عامة التخصصات، أحاديث مكذوبة أو ضعيفة جداً أو ضعيفة تُنسب للنبي ﷺ مع ورود أسانيد لها، وليس هو أيضاً كتناقل بعض المجتمعات جيلاً بعد جيل لبدع كبيرة أو صغيرة، ومعلومات مغلوطة.
فلماذا نقبل من آبائنا وأجدادنا دون فحص، ونعرض المنقولات الشرعية والتاريخية وغيرها للفحص والنقد، هل حبنا لآبائنا وأجدادنا جعلنا نضفي عليهم العصمة فيما يروونه؟ !
إن كنت تعتبر النقد بعيداً عن متناقَل الأجداد، فلستَ إذن ممن ينظر في العلم، ويُحدَّث، ولا كلامك مما ينبغي أن يُسمع.
فالتتابع وتناقل الأجيال لا يُسلَّم به إلا إذا لم يخالف العقل، أو النقل، والنقل هنا في بيان معنى الشقة لغة، ووجود شقق كثيرة في أرض الله،
стр. 43
ومعرفة أنها كانت مسكونة من قبل، وأن فيها آباراً جاهلية، وأنها على طريق المسافرين من القصيم ـ وموقعها في منطقة استراتيجية في نجد ـ إلى الشمال، وخارج البلاد، إلى غير ذلك الأدلة التي تكذب هذه القصة.
٥. «ضارج» هو المسمَّى الأول القديم، تشمل «الشقة العليا»، ... و «ضاري»، و «الشقة السفلى»، وهي المراد في معلقة امرئ القيس، وضارج من الشق ـ كما سبق ـ ضرجه أي شقه.
وجاء مسمى الشقة ـ للموضع المتحدث عنه ـ متأخراً بعد الألف من الهجرة.
٦. ضارج كان يسكنها في القرن الثامن وقبله بنو خالد، ثم جاء بنو تميم، ثم جاء بنو وائل (١٠٤٥ هـ)، وآخرون من قبائل وسكان شتى.
٧. ضارج = الشقة كلها، فيها آبار هلالية = جاهلية قديمة، وسكنتها قبائل شتى، وهي واسعة جداً، فمن المستحيل أن يشتريها شخص، فضلاً عن أن يكون مقابل شقة بيت شعر، كحجم سجادة الصلاة الفردية! ؟ تُعطى لامرأة منفردة لا أهل ولا عشيرة ـ كما قال الحصيني ﵀.
стр. 44
٨. لما جاء الحميدي من «التويم»، ومعه ابن عمه مريزيق، وأرى أن معهما غيرهما من جماعته، لم تكن الأرض خالية تماماً، فيها سكان قبلهم وبعدهم، والقبائل والأفخاذ في تلك الأزمان تحل وترحل، مع العلم أن ... «تميم» حاضرة لا بادية.
٩. مجئ ثلاثة فقط، واستقرارهم في بلدة جديدة، يخالف المتعارف عليه، من ارتحال الناس جماعات لا فرادى، فانظر مثلاً في ذهاب أبناء عمهم (آل حمد) إلى «حريملاء»، فقد ذكر ذلك بعض المؤرخين، ذكروا أسماء كبارهم، وأضافوا إليهم: وجماعتهم، وفي عبارة: وقبيلتهم.
هكذا كان التنقُّل، خاصة من منطقة إلى منطقة بعيدة.
وإذا سمعتَ أو قرأتَ أن فلاناً ارتحل ونزل المحل الفلاني، فإن المذكور لم يكن وحده، لأن الناس يذكرون رئيس القوم أو المشهور فيهم، وليس المقصود وحده، فانتبه لهذا جيداً ـ رعاك الله ـ.
١٠. الحديث في زماننا عن تأسيس القرى، حديث عجيب، كل أسرة في تلك القرية أو المدينة تدَّعي أن جدها هو الذي أسسها! !
стр. 45
غالب القرى معمورة من قديم، تأتي قبائل تلو القبائل، ولا ينفرد فيها أفراد، بل الموضوع جماعات في جماعات، ولو كانت الأرض جديدة لم تعمر من قبل، فإن النازل فيها شخص مشهور ومعه جماعته = قبيلته.
والعجيب أن الأولين لم يحفظوا تحديد بعض الأنساب، وتعداد الأشخاص، وذكر التاريخ الدقيق، إلى غير ذلك من المعلومات الأساسية، ثم نختلف نحن كثيراً في دعوى أن جدي فلاناً أو جدك فلاناً هو الذي أسس هذه البلدة قبل ٤٠٠ سنة!
ضُبطت ـ في رأيكَ ـ المسألة الكمالية التي لا تُتصور من فرد واحد، وجُهل كثير من الأساسيات المهمة! !
لذا، لا أرى الحديث المفصَّل، والنقاشات والاختلافات حول قضية تأسيس قرية ما، فإنه لا يمكن الجزم بشئ من ذلك إلا لقرى جديدة لا يُختلَف فيها: كالأرطاوية، والبدائع، وغيرهما.
أما أن تأتي لبلدة من العهد الجاهلي، وسكنتها قبائل تلو القبائل، رُحَّل وغيرهم، فتأتي لتجرَّها لجدك فلان قبل ٣٠٠ سنة، وتنسج حولها بعض
стр. 46
الأكاذيب ـ كما سيأتي بعد قليل لشئ من هذه الاختلاقات ـ، فهذا يترفع عنه الرجل العاقل العامي، فضلاً عمن يدعي العلم والبحث.
١١. الفخر للإنسان بما يبذله من الخير، وما يثبته نشراً توثيقياً عما بذله آباؤه وأجداده، من قصص ومواقف ومداينات، وينشر آثارهم العلمية غيرها، التي تدل على خيرية وعطاء؛ ليقتفيها الأبناء ولتغرس فيهم النخوة الإسلامية، والمروءة العربية التي تمنعه من أن يجر لأسرته أو قبيلته أو بلدته أو وطنه كلِّه فعلاً حراماً، أو معيباً، أو خارماً من خوارم المروءة التي لا تُعرف في أجداده الذين تناسل منهم.
стр. 47
وقفات عامة عن الشقة:
١. شاهدت مقطعاً جميلاً في «اليوتيوب» للدكتور: عيد اليحيى ... ـ وفقه الله، وجزاه خيراً ـ يتحدث عن «عين ضارج» التي ذكرها امروء القيس ... وكان جهداً يشكر عليه، ولفتةً حريَّةً بالاعتناء، لكنه ذكر حديثاً لا يجوز نسبته للنبي ﷺ ، ورأيت بعض من يتحدث أو كتب عن ... «ضارج» يستدل به، لذا آمل التنبه، ففي الحديث: «من قال عليَّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار»، فالأمر شديد جداً أن نورد حديثاً مكذوباً أو شبه، كالضعيف جداً، وننسبه للنبي ﷺ ، والحديث هو:
* قال أبو بكر الدَّيْنَوَري (ت ٣٣٣ هـ) في «المجالسة وجواهر العلم» (٣/ ٣٨٦) رقم (١٠١٦): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ حَمَّادٍ، قال: حدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَزْدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: أَقْبَلَ قَوْمٌ مِنَ الْيَمَنِ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَضَلُّوا الطَّرِيقَ وَفَقَدُوا الْمَاءَ، فَمَكَثُوا ثَلَاثًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْمَاءِ؛ فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَسْتَذْرِي بِفَيْءِ السَّمُرِ أَوِ الطَّلْحِ آيِساً مِنَ الْحَيَاةِ، حَتَّى خَفَتَ كَلَامُهُمْ مِنَ الْعَطَشِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَقْبَلَ رَاكِبٌ وَهُوَ يُنْشِدُ بَيْتَيْنِ لِامْرِئِ الْقَيْسِ:
٢. طُبع في عام (١٤٣٣ هـ) كتاب بعنوان: «الشقة الماضي والحاضر» للأخ: محمد بن عبدالرحمن بن محمد الفرَّاج «فرَّاج البَيْدَاء وليس فرَّاج ضاري» من أهل «الشقة السفلى»، وهو في مجلد (٢٨٦ صفحة، وورقه مقوَّى).
وهذا الكتاب هو أول كتاب يُفرد للتعريف ب «الشقة»، وأُسَرِها، وبعض أفرادها البارزين، وتاريخها، وما يتعلق بذلك.
أشكر أخي محمد الفرَّاج على جهده الطيب، ومبادرته الأولى، واهتمامه الكبير ببلدتنا، أسأل الله العظيم أن يجعل ما عمله في ميزان حسناته.
وإني أدعوه ـ أحسن الله إليه ـ ليكون كتابه مرضياً عند عامة أهل ... «الشقة»، دون تفريق بين أجزائها، وأسرها، أن يعتبر الطبعة الأولى تجريبية، وأن يُهيأ للطبعة الثانية نسخاً محدودة يعرضها على أهل العلم من أهل الشقة، وليس هذا إقلالاً للجهد، وانتقاصاً للتأليف، فإن أهل العلم مازالوا من قديم الزمان يعرضون كتبهم للاستشارة، وكتب التعريف بالبدان أولى وأهم؛ لأن لها تعلقاً مباشراً مهماً في أسر متعددة، ولا يستطيع
стр. 50
أحدٌ كائناً من كان أن يكتب عن بلدة كتابةً منصفة مُرضِية إلا بعد أن يستكتب أهل العلم فيها، ويعرض على المبرزين منهم ما كتب، وغني عن البيان أن هذا التعاون لا يسلب الكتاب عن مؤلفه، ولا ينقص قدره، فالكتاب باق لمؤلفه، وهو يحيل الفائدة إلى أصحابها في الكتاب، حتى لا يكون ثَمَّ مدخل عليه حينما يُغفل أسراً من الحديث عنها، الحديثَ الواجب ذكره، لا أعني الإشارة العابرة.
أؤكد القول وأعيده أن الكتاب بمؤلِّفه ـ وحقُّه محفوظٌ لا شك فيه ـ لا يُعتبر خاصاً به، فكل أهل «الشقة»: العليا، وضاري، والسفلى، يرفعونه، ويهتمون به.
كما أقترح أن يُفرِغَ في كتابه جميع ما كتبه العبودي عن «الشقة» وأفرادها في سائر كتبه، معزواً إليه، ويضيف ما كتبَه أهل العلم والباحثون من أهل الشقة، وهذا الجمع يُعطي الكتاب قوة وشمولية، ويغني عن غيره.
إن عُمِل بهذه المقترحات ـ وهو ما أؤمِّله من المؤلِّف وقد طلبتُ منه برسالة قبل إخراجه ـ ساهم أهل الشقة بنشره، وطباعته، واجتمع فيه ما
стр. 51
يستجد من معلومات، ويكون مرجعاً وحيداً، ثم يفخر به أهل الشقة كلهم، ويقولون لأهل البلدات النجدية: هذا كتابنا ينطق بِنا، وعَنَّا، يبين بوضوح جميع ما يقال عن الشقة وأهلها.
٣. صدر في عام (١٤٣٤ هـ) كتاب بعنوان: «تاريخ نشأة مدن وقرى نجد ومعاني أسمائها» للأستاذ: منصور بن عبدالله بن حمد الشعيبي، ... (غلاف ٣٠٠ صفحة)، وهو موضوع لطيف جامع، لم يُسبق إليه ـ جزاه الله خير الجزاء ـ وقد جمع عن «الشقة» من مواضع متعددة من كتب العبودي، وغيره، ويبقى التساؤل عن صعوبة الجزم بقضية التأسيس في غالب الهجر والقرى، لعدم الجزم بمدلول عبارة المؤرخ، ولاعتبارت سبق ذكرها، وهذا لا ينفي ثمرة الكتاب والفوائد العديدة فيه، لكن القصد دفع التنازع والاختلافات عند بعض الناس.
٤. أحد المعاصرين أورد رواية أجزم يقيناً بأنها مفتعلة مكذوبة لم تلد إلا في حدود ١٤٣٦ هـ! ! ـ الله أعلم بمن وضعها ـ مفادها أن الذي جاء من «التويم» هو والد الحميدي ومريزيق ـ وكانت الشقة خالية ـ،
стр. 52
فقسمها الوالد بين ولديه: المشيخة لأولاد وأحفاد مريزيق، والإمارة لأولاد وأحفاد الحميدي، و ... إلخ الهراء.
ولتأخذ القصة الحصانة، أسندَها إلى روايات الآباء والأجداد.
أقول: إن عرضَ هذه القصة كافٍ في معرفة أن الذي افتعلها متأثر جداً بلعبة: البلوت، والمونوبولي، والشطرنج، ونحوها، بل أبعد من ذلك: يحلم حلم يقظة، ثم يطوِّره إلى حقيقة، ويرفعها للحصانة إلى الآباء والأجداد! !
وليُعلَم أن «مريزيق» ليس أخاً لجدي: «الحُميدي»، بل من جماعته وأبناء عمومته.
وأن الذي قدم من «التويم»: الحميدي، ومعه بعض جماعته كابن عمه: مريزيق.
هذا ما أردت بيانه من إحياء المقال القديم للأستاذ: سليمان الحصيني ﵀، شاكراً ومقدراً للأستاذ: علي بن ناصر بن عبدالعزيز الحصيني، ولمن كتبَ عن البلدة مسقط رأس الآباء والأجداد.
стр. 53
أختم بتساؤل للمهتمين ب «الشُّقَّةِ» كلِّها، مع أن الجواب عنه يحتاج إلى جمع أقوال غالب الأسر:
س: لماذا أسر الشقة، خاصة «العليا»، والأسر التي سكنت «ضاري»، وكثير من أسر «السفلى»، خرجوا منها، ولم يعودوا إلى أملاكهم ليحييوها بالزراعة، وغيرها؟
فإننا نجد غالب البلدان النجدية، لم تنقطع الصلة ببلدتهم الأم، بل منهم من حوَّلها إلى «متحف»، كالبلدة القديمة في «شقراء»، وغيرها!
محاولة الجواب:
لابد من التفريق بين من ترك «الشقة» ورحل عنها إلى «بريدة»، ونحوها، ومن رحل عنها بعيداً إلى «الرياض».
ربما لم يتركوها إلا لأجل الجوع ـ وهذا أعلمه بالتفصيل عن أسرتنا آل مديهش ـ، وما دام أن الله رزقهم في «الرياض»، فما الحاجة ـ عندهم فيما يرون ـ للعودة إلى بلدتهم الأولى ـ رجوعاً مؤقتاً للزيارة والزراعة والأعياد ـ، ولضعف المشاعر تأثير في هذا.
стр. 54
زيادة على أنها تذكرهم الجوع الشديد الذي شاهدوه فيها، وأن مياهها لم تعد صالحة للشرب ـ والحديث هنا عن السبعينات الهجرية وما بعدها بقليل ـ.
ولما تقدَّمت العمران، وسهُلَت الزراعة، استصعبوا العودة؛ لأجل كثرة الفروع التي تنتسب إلى صاحب المُلْك، فيُخشى من النزاعات بين أبناء العم ـ والنزاعات في مثل هذا أقرب إلى الاتفاقات ـ، لذا تخلَّى الجميع عن أملاكهم، وهُجرت، واختفت ملامحها.
وهم يرون ـ أيضاً ـ أن إحياءَهُ مشكلة، والأرض لها تعلق بأموات ... ـ جُهِل بعضُهم ـ أوصوا بربع أو ثلث ما يملكون، ومن مُلكِهم هذه الأرض!
والمخرج في نظري: أن يتكفل أثرياء الأسرة ـ أيَّ أسرة ـ بإخراج ربع قيمتها، ويُعمر به مسجداً، لأموات الأسرة الذين أوصوا، وأن يكون باقي الملك كالوقف، يستفاد منه في مناسبات الأسرة العامة، ويجعل استراحة كبيرة مزاراً وصِلَة.
стр. 55
هذا بالنسبة إلى مزارع «الشقة السفلى»، وأملاك «ضاري»، وأملاك «الشقة العليا»، وما حولها، أما داخل «الشقة السفلى» فلا زال حيَّاً عامراً بالسكان إلى هذه السنة، وفيه الخدمات الحكومية العامة، وقد التصقتْ به أحياءُ «بريدة» الجديدة الشمالية الغربية.
ولعلَّ من يريد الإجابة على هذا التساؤل أن يتأمل أمرين زيادة على مالديه:
١. ملوحة الماء، وغور بعض الآبار.
٢. انتقال بعض الأسر عن «الشقة» ـ قديماً ـ وبُعدِهم عن أبناء عمهم، مع أن العادة ـ في الغالب ـ توسُّع الأسر قريباً من مكانها الأول ـ، ومن باب التمثيل لا الحصر: «أسرة السديس»، و «أسرة الحضيف» إلى مدينة: البكيرية، و «أسرة الرعوجي» إلى .... وعنيزة، و «أسرة السعوي» إلى: المريدسية، وغيرهم.
س: لماذا انتقلوا قديماً؟ !
وفي الختام:
أتمنى أن يهدف المقال وما تبعه، إلى التفطن للروايات المختلقة القديمة
стр. 56
والحديثة، وليعلم الجميع أن الأرض لا تُقدِّس أحداً، ولا ترفعه، إنما يرفعه عمله الصالح، وتعليه أخلاقه الحسنة، وتواضعه، ونفعه لعباد الله، وإن الأخلاق الحسنة من الإيمان بالله.
أما الأنساب، فهي للتعارف، لا للتفاخر، وقول الله الحق المبين:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الحجرات: ١٣
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه:
إبراهيم بن عبدالله بن عبدالرحمن المديهش
عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
«مدينة الرياض»
حفظها الله وبلادنا كلها وبلاد المسلمين من كل مكروه.
يوم الخميس (٢١/ ١٢/ ١٤٣٧ هـ)
ثم عدَّلتُ عليها يسيراً، يوم السبت ٢٣/ ١٢