← Адаб

Адаб · id 145432

ندب العيد

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (36 стр.). Показаны 1–36.

стр. 1

بحث بعنوان: نَدْبُ العيد! ! لِمَ يندُبُ (١) كبارُ السِّنِّ ـ في كل زمَن ـ العِيدَ؟ ! لمَ يغيب السرورُ عن كثير من الناس في العِيد؟ ! (٢)

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد فإن للمسلمين عيدين اثنين سنويين لا ثالث لهما، يأتيان بعد عبادة: الصوم، والحج، وفيهما عباداتٌ جليلة من صدقةٍ، وذبحٍ، وذكرِ لله، وقربات ... وفيهما فرَح مشروط بما أذن به الشارع الحكيم، فنحن عبيد لله في أرضه، نعمل بما شرع لا بما نشرع لأنفسنا ونهوى .. والفرح نوعان: محمود، ومذموم: (١) المحمود: فرح بالمشروع من: تمام عبادة، وإعانة عليها، وحصول علم، ومال وبنين، وصحة، وغير ذلك ... فرحاً وِفْق شرع الله.

стр. 3

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يونس: ٥٧ - ٥٨ فذكر الفرح بعد القرآن. لذا قال المفسرون: فضل الله هو: الإسلام، ورحمته: القرآن. وقد عُدَّ من مقامات الإيمان: الفرح بالله، والسرور به. قال ابن القيم: (والله يحب من عبده أن يفرح بالعلم والقرآن والإسلام، ويُسرُّ به، بل يحب من عبده أن يفرح بالحسنة إذا عملها، ويُسَرُّ بها، وهو فرحٌ بفضل الله حيث وفَّقَه لها، وأعانه عليها، ويسَّرها له). (١) ومِن المذموم: الفرح بالمحرَّم، والباطل، والجهل، والإعراض عن الله قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ القصص: ٧٦ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ الأنعام: ٤٤

стр. 4

وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ غافر: ٨٣ إنَّ بعض الناس إذا سمع الإذن بالفرح والاحتفال ظنَّ أنه أُطلق له ما كان محذوراً محرَّماً قبل الفرح، فترك نفسه وما تهوى، وترك لأولاده ما يريدون، واحتجَّ بالعيد = الفرح. والأصل في الفرح وإظهاره في العيد ما ورد في «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ ... أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغنِّيان بما تقاوَلَت به الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليستا بمُغنِّيتين (١)؛ فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في

стр. 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6

بيت رسول الله ﷺ ؟ ! وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر إنَّ لكل قومٍ عيداً، وهذا عيدنا». وفي لفظ لمسلم: «جاريتان تلعبان بدُف». (١) وفي رواية في «الصحيحين» أيضاً: دخل رسول الله ﷺ وعندى جاريتان تغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟ فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما». فلما غفَل غمزتهما فخرجتا ــ وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب ـ

стр. 7

ـ فإما سألتُ رسول الله ﷺ وإما قال: «تشتهين تنظرين»؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدِّي على خدِّه، وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة». حتى إذا مللتُ قال: «حسبكِ»؟ قلتُ: نعم، قال: «فاذهبي». وفي رواية: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان من أيام منى تغنيان وتضربان ورسول الله ﷺ مسجى بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله ﷺ عنه، وقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد». وقالت: رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون، وأنا جارية، فاقدُروا قدْرَ الجارية العَرِبة الحديثة السن. وفي رواية في «صحيح البخاري» عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كان الحبش يلعبون بحرابهم، فسترني رسول الله ﷺ وأنا أنظر، فما زلتُ أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، تسمع اللهو. (١)

стр. 8

ففي قوله: «وهذا عيدنا» وإقراره الجاريتين دليل على مشروعية إظهار الفرح في العيد. قال الخطَّابي (ت ٣٨٨ هـ) ﵀: (وقوله: «وهذا عيدنا» يعتذرُ به عنها، يريد أنَّ إظهار السرور في العيد من شعار الدين وإعلان أمرِه والإشادَةِ بذكرِه، وليس كسائر الأيام سواء). (١) قال ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ) ﵀: (يريد إظهار السرور في العيد من شعائر الدين ... (٢) وقال ابن حجر العسقلاني الشافعي (ت ٨٥٢ هـ) ﵀): وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس وترويح البدن من كلَف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى. وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين ... ). (٣)

стр. 9

وذكر الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ) ﵀: أن إظهار السرور في العيد مندوب، وهو من الشريعة التي شرعها الله لعباده ... (١) ... قال النووي (ت ٦٧٦ هـ) ﵀): قولها: «وأنا جارية فاقدروا قدر الجارية العربة حديثة السن» معناه: أنها تحب اللهو والتفرج والنظر إلى اللعب حباً بليغاً وتحرص على إدامته ما أمكنها، ولا تمل ذلك إلا بعذر من تطويل. وقولها: «فاقدروا» هوا بضم الدال وكسرها لغتان حكاهما الجوهري وغيره، وهو من التقدير أي: قدروا رغبتنا في ذلك إلى أن تنتهي. وقولها: «العَرِبة» هو بفتح العين وكسر الراء والباء الموحدة ومعناها المشتهية للعب المحبة له. (٢) ما العيد ؟ أكثر العلماء والأدباء والشعراء من وصف العيد، وما يجري فيه، وتعددت مذاهبهم في ذلك ...

стр. 10

والعيد معنى جميل في يوم، وليس اليوم ذاته مجرداً، بدليل أن عيد الفطر قد يختلف من بلد إلى بلد حسب الرؤية. و «الفطر يوم يفطر الناس». (١) قال الرافعي ﵀: «العيد هو المعنى الذي يكون في اليوم، لا اليوم نفسه». (٢) وقال الطنطاوي ﵀: «العيد في حقيقته عيد القلب، فإن لم تملأ القلوبَ المسرَّةُ، ولم يترعها الرضا، ولم تعمها الفرحة، كان العيد مجرد رقم على التقويم». (٣) فالقصد في العيد مع مشاعر الفرح: تنقية النفوس مما اعتراها من الكدر، والعلاقات وما تلبس بها من القذى والقطيعة، «فنَقَاءُ الضمائر، وسيادة الوحدة في الصف والجمع الإسلامي؛ من أعظم أهداف المظهر

стр. 11

الإسلامي الذي تجلى به العيد». (١)» ومن أراد معرفة أخلاق الأمم فليراقبها في أعيادها؛ إذْ تنطلق السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف والميول والعادات على حقيقتها؛ والمجتمع السعيد هو الذي تسمو أخلاقه الاجتماعية في العيد إلى أعلى ذروة». (٢) تَعرف المجتمعَ بعِيدها واجتماعاتها، «فأعياد الأمم هي الأيام التي تستعلن فيها خصائص الشعوب وذخائرها وأخلاقها الأدبية والعقلية والنفسية والسياسية، هي الأيام المبتهجة التي تنبض بالحياة وأسبابها في الأمة .... » (٣) قال الرافعي: يومُ العيد، زمن قصير ضاحك، هو يوم السلام والبِشر والضحك والوفاء والإخاء، وقول الإنسان: وأنتم بخير ... يومُ الزينة، يوم تقديم الحلوى إلى كلَّ فمٍ لتحلوَ الكلماتُ فيه ... يومٌ تعُمُّ فيه الناسَ ألفاظُ الدعاء والتهنئةِ مرتفعةً، فوقَ منازَعاتِ

стр. 12

الحياة ... (١) وقال الرافعي أيضاً: ليس العيدُ للأمة إلا يوماً تعرض فيه جمال نظامها الاجتماعي، فيكون يومَ الشعور الواحد في نفوس الجميع، والكلمة الواحدة في ألسنة الجميع ... وقال: ليسَ العيدُ إلا تعليمَ الأمَّةِ كيف تتَّسع روحُ الجِوار وتَمتَدُّ، حتى يرجع البلدُ العظيمُ وكأنَّه لأهلهِ دارٌ واحدةٌ، يتَحقَّقُ فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلةُ الإخلاصِ مُستعلنةً للجميع، ويُهدِي الناسُ بعضُهم إلى بعض هدايا القلوبِ المخلصةِ المحبة، وكأنما العيدُ هو إطلاقُ رُوح الأسرةِ الواحدةِ في الأمَّةِ كُلِّها. وقال: وليس العيدُ إلا التقاءَ الكبارِ والصغارِ في معنى الفرح بالحياة الناجِحَةِ المتقدِّمَةِ في طريقها، وتَرْكَ الصغارِ يُلقون درسَهم الطبيعيِّ في حماسة الفرح والبَهجة، ويُعلِّمون كبارَهم كيف تُوضَع المعاني في بعض

стр. 13

الألفاظ التي فَرَغَتْ عندهم من معانيها، ويُبصِّرونهم كيف ينبغي أنْ تعملَ الصفاتُ الإنسانية في الجموعِ عملَ الحليفِ لحلِيفِهِ، لَا عمَلَ المنَابِذ لمنَابِذِه؛ فالعيدُ يومُ تسلُّطِ العنصرِ الحَيِّ عَلى نَفْسِيَّةِ الشَّعْبِ. (١) وقال علي الطنطاوي: (تمر الأيام متتابعة متشابهة لايكاد يختلف يوم منها عن يوم، ثم يأتي العيد فتراه يوماً ليس كالأيام، وترى نهاره أجمل، وتحس بالمتعة أطول، وتبصر شمسه أضوأ، وتجد ليله أهنأ. ... وما اختلفت في الحقيقة الأيام ذاتها، ولكن اختلف نظرنا إليها؛ نسينا في العيد متاعبنا فاسرحنا، وأبعدنا عنا آلامنا فهنئنا، وابتسمنا للناس وللحياة فابتسمت لنا الحياة والناس، وقلنا لمن نلقى أطيب القول: «كل عام وأنتم بخير» فقال لنا أطيب القول: «كل عام وأنتم بخير». ... في الحاشية علَّقَ بقوله: إن لم يكن بد من هذا التعبير فاحذفوا واو «وأنتم» قولوا: «كلَّ عام أنتم بخير»). (٢) ... وبالمناسبة: صدرت رسالة في عام ١٤٣١ هـ بعنوان «رسالة في

стр. 14

كل عام وأنتم بخير متضمنة مسائل نادرة في النحو والتصريف والبلاغة وأصولهن» للأستاذ المبدع النحوي الأديب: فيصل المنصور (غلاف ٩٦ صفحة). وقد انتهى إلى أن أبلغ الجُمَل: «كُلُّ عامٍ وأنتم بخير». وذكر جواز: «كلُّ عامٍ أنتم بخير» بدون الواو، و «كلَّ عامٍ وأنتم بخير» بنصب كلَّ ... . وخطّأَ: «كلَّ عامٍ أنتم بخير» بنصب كل، وبدون الواو وذكر أنَّ أبلغ العبارات هي الأولى؛ لثلاثة أوجهٍ ذكرها في (ص ٧٠). وأقولُ: أفضلُ التهاني على الإطلاق: (تقبل الله منا ومنكم)؛ لأمرين: ١. لأنها تهنئة ودعاء، بخلاف الأولى فهي تهنئة مجردة. ٢. ولأنها تهنئة صحابة رسول الله ﷺ فيما بينهم ﵃. فابدأ بها، وارغب في إجابة دعوة من دعا لك بها، وأضف عليها ـ إن شئت ـ ما تعارف عليه الناس من «كلُّ عام وأنتم بخير» وغيرها من الجُمَل دون تكَلُّف وشقشقة.

стр. 15

ندب العيد! ! ! كبار السن ـ في كل جيل ـ يظنون أن العيد قد تغيَّر، والحقيقة أن غالب التغير من قِبَل أنفسهم ... ! ! وكأنهم انحدوا من بيت المتنبي: عيد بأية حالٍ عدت يا عيد * بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديد. (١) كنت أظن أن العيد عند الأجداد أفضل من العيد في هذه الأيام: ... «عيد الرسائل النصية» و «النت» والتهنئة ب «الواتساب» و «تويتر» و ... «الفيسبوك»، و «الانستجرام» و «سناب شات»، والتصاميم الجاهزة ... «صورة» مذيَّلَةً باسم المرسِل، فيرسلها برسالة جماعية في «الواتساب» بضغطة زرٍّ واحدة، فتصل الجميع هكذا ساذجة باردة وهو يظن أنه أحسن صنعاً، أندى بها المشاعر، وقوَّى العلائق، وأدَّى صلة العيد! ! وبما أن الواتساب مجاني ميسور، لا تجد منه طيلة السنة (٣٦٠ يوماً) إلا هذه التميمة التي هي بالعقيقة أقرب.

стр. 16

كنتُ أظن ذاك، وإذا بالكتبة الكبار (وبعضهم في زمن الأجداد) يتحدثون عن فقدان طعم العيد، ولم يكن قد بلغتهم ملهيات زماننا هذا ... فوجدتُ مثلاً: الرافعي المصري (ت ١٣٥٦ هـ) ﵀ في «وحي القلم» ـ ط. دار القلم ـ (١/ ٦٤) والإبراهيمي الجزائري (ت ١٣٨٥ هـ) ﵀ في «آثاره» ... (٤/ ٢٩١) وحسن الزيات المصري (ت ١٣٨٨ هـ) ﵀ في مقالين في مجلته «الرسالة» في (١٣٥١ ـ ١٣٥٢ هـ) تقريباً، ونشرها في كتابه «وحي الرسالة» (١/ ١٧، ١٠٥) وأبا تراب الظاهري الحجازي (ت ١٤٢٣ هـ) ﵀ في «الموزون والمخزون» (ص ٢٠٤) وعلي الطنطاوي الدمشقي الحجازي في (ت ١٤٢٠ هـ) ﵀ ... «من حديث النفس» (ص ٨٩)، وغيرهم من الأعلام الكبار، يندبون العيد، وتغيره، ويبكون عليه! !

стр. 17

يذكر الرافعي أن أعيادنا تجئ كالحة عاطلة ممسوحةَ من المعنى، أكبرُ عملها تجديدُ الثياب، وتحديدُ الفراغ، وزيادةُ ابتسامة على النفاق! فالعيد إنما هو المعنى الذي يكون في اليوم، لا اليوم نفسه ... (١) ويدعو الأكابر إلى «تغيير النظرة الكالحة الممسوحة المعنى إلى النظرة الباسمة المليئة بالفرحة المغيرة للنفوس والأخلاق» (٢) ولم يذكروا سبباً إلا تغيُّرَ الناس ... ... فهذا العلامة الإبراهيمي (ت ١٣٨٥ هـ) ﵀ يقول: ... (وأصبحوا يلقون أعيادهم بهمم فاترة، وحس بليد، وشعور بارد، وأسِرَّةٍ عابسة، وكأنها عملية تجارية تتبع الخصب والجدب، وتتأثر بالعسر واليسر، والنَّفاق والكساد؛ لاصبغة روحية ذاتية تؤثر ولا تتأثر)! ! وكأنه يُلفت للسبب في ذلك بقوله: (لاننكر أن عوائد الناس تابعة لأحوال الناس رقياً وانحطاطاً؛ فالأمة الراقية ترقى في عاداتها في الغالب؛ لأن عاداتها تتشعب من مقوماتها ... ). (٣)

стр. 18

وذكر الأديب: الزيَّات المصري (ت ١٣٨٨ هـ) ﵀ تعليلاً تافهاً مضحكاً! لهذا التغيُّر وهو: (غياب المرأة عن المجتمع الإسلامي).! ولو عَلِم بتعليله هذا المنافقون: (من الجالية الأقلية اللبرالية وغيرهم من مرَدَة المنافقات) وغيرِهم؛ لطاروا بها فرحاً، ولجعلوها حجةً على المؤمنين، ألا ساء ما يزرون. ومع كل ما سبق، نجد في رجال اليوم (١٤٣٨ هـ) مَن يرى أن العيد قبل عشرين، وثلاثين سنة من أمتع الأعياد؛ رغم وجود الكتابات في ذلك الزمن تذكر أن العيد قد تغير، بتغير الناس! وهكذا دواليك، كل جيل يندب العيد! فما السبب ؟ يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن الكل يذكر عيد طفولته مع آبائه، والطفولة تحمل فرحاً غير مشوب بَهمٍّ وقَلَقٍ؛ وربما كانت طفولة فقيرة، تفرح بما تُؤتى في العيد من حلوى وجديد .. ولمَّا تعالت سِنُّه، وحمل هموماً وأسقاماً وقلاقل كالجبال ثقُلَتْ نفسُه عن تحمُّلِها؛ نغَّصت عليه العيد، ولم يستطع الخروج الذهني منها إلى وقت الفرح والسرور، لذا لا يجدُ للعيد طعماً، بل مرارةً وثِقلاً؛ لمسؤولية

стр. 19

السلام والاجتماع والزيارات، والأولاد، والهدايا وسائر التكاليف ... ... إذن الفرق: - عيد الطفولة، وعيد الفقراء من جهة - وعيد الكبار، وعيد الأغنياء من جهة مقابلة. والجهة الأولى أسعد وألذ وأمتع، ولو بالقليل من المطعم والملبس والملعب. وإن كان وقتنا هذا ـ فيما أزعم ـ أنه أكثر تعقيداً ومدنية وتكلفاً وتباعداً وتشاحناً من أي زمن مضى، وعليه فهو أبعدُ عن الفرحة الصادقة عند الكثيرين ... يضاف إلى ذلك صعوبة إحداث ملبس ومطعم ومشرب جديد؛ وكذا لعبة وهدية جديدة، لكثرة النِّعم والرخاء طيلة العام (١) ... فلسان حال كثير من الآباء: ماذا أُقدِّم في العيد من جديد؟ ! ! أضف سبباً خفياً لضعف الفرح عند الكبار، هو: أن التباعد البدني طيلة العام؛ المورث للجفوة، له تأثير على تغيُّر النفوس واستبدال المتعة بالرسمية، وإذا دخلت الرسمية في ملتقيات الأُسَر، والجماعات في القرى

стр. 20

والقبائل، والجيران، إذا دخلت في الأعياد؛ حلَّت الكَلَفة وتوسَّط الثِّقل، فأصبح اللقاء طارداً! ! والفرح مصطنعاً، فأين السعادة إذن؟ ! ! مصداق ذلك أن تقارن بين أعياد المدن وأعياد القرى، والقرى أكثر اجتماعاً طيلة السنة، وعيدهم أجمل وأمتع وليس ثمَّة مهرجانات واحتفالات وأسواق وطرب ومسرحيات! ! كما في المدن. كذلك قارن بين أعياد الأسر التي تجتمع كثيراً طيلة السنة، مع الأسر التي لا تلتقي إلا في السنة مرَّة واحدة. إذن طول الغياب مورث للجفوة والرسمية. والفرح لابد له من التبسط والأريحية. ونجد أن كثيراً من الشباب يرغب في العيد مع أصدقائه مع أنه يراهم يومياً، لأنه يحبهم، و «لقاء الأحبة مسلاة الهموم» (١) ويجد معهم طرحَ الكَلَفَة، وكثيراً من معاني السرور ما لا يجدها في عيد أسرته أو أخواله أو جيرانه، ناهيك عن ضعف الوازع الديني في كثير من الشباب في أمر «صلة الرحم»، فالهدف عندهم المتعةُ لا غير.

стр. 21

الأطفال والجواري والشباب أولاً يا عبدَ الله، إذا فقدتَ طعمَ العيد فلا تُفْقِدْه أولادَك (احذر)، فلقد ارتويتَ (أنتَ) منه أيام طفولتك، ولديك الآن أطفال ومَنْ في حُكْمِهم، فلهم عليك حق في العيد، وانظر في هدي الرسول ﷺ ؛ كيف أجاز الممنوع (الدف) لأجل العيد، وقال: (هذا عيدنا) ..... وإظهار السرور بالعيد من شعائر الدين ـ كما سبق ـ. ولا تحتج بالعادات وما تلقيته من والديك وأجدادك، لأن «العادات يمكن تبديلها مهما تمكنت من الإنسان، وكلُّ عمَلٍ تعمَلُه يكون ـ إذا واظَبْتَ عليه ـ بدايةَ عادَةٍ جدِيدةٍ». (١) جميلٌ أن تبحث كثيراً في حدود منطقتك، وقدرتك، ومالك أفكاراً لتصنع بها سروراً لأولادك، ف «جعل السرور فكراً، وإظهاره في العمل» (٢) هو واجبك في العيد، فاستعد له قبل ذلك.

стр. 22

قال الأديب الكبير: الرافعي (ت ١٣٥٦ هـ) ﵀: «الأطفال لايعرفون قياساً للزمن إلا بالسرور. وقال: الأطفال بثيابهم الجديدة يكونون هم أنفسهم ثوباً جديداً على الدنيا. ينتبهون الفجر للعيد فيبقى الفجر على قلوبهم إلى غروب الشمس! وقال: «الأطفال يثيرون السخط بالضجيج والحركة، فيكونون مع الناس على خلاف؛ لأنهم على وِفَاقٍ مع الطبيعة، وتحتدم بينهم المعارك، ولكن لاتتحطم فيها إلا اللُّعَب». (١) وليس للإنسان أن يسأل: كيف أفرحُ بالعيد، وأُسعِد أولادي؟ ! ! لأن هذا السؤال كقوله: كيف آكل، وأشرب، وأنام؟ ! مَنْ حَرِصَ عَلَى شَئٍ؛ وَجَدَهُ، وَرُبَّما يَحتَارُ فِيْمَا يَخْتَارُ. * * *

стр. 23

والحديث عن إظهار الفرح والسرور في العيد، وأنه من شعائر الدين؛ وأنَّ نَدْب الكبار للعيد، وعدم قيامهم بما يجب عليهم تجاه أولادهم، وظهور شئ من الحزن على سيماهم، مما يُنغِّص على الأولاد والزوجات وغيرهم لرؤيتهم هذا الكبير وكأنه في مأتم! ! هذا الموضوع يأخذنا لموضوع أشمل، وهو القدرة على الفرح والسرور في المجتمعات الشرقية، مقارنة بالمجتمعات الغربية، وهو ما طرحه بابتكار الأديب المصري: أحمد أمين (ت ١٣٧٣ هـ) ﵀ في مقالة وَسَمَها بِ «فنُّ السرور» (١) أنتقي منها ما أراه مناسباً لمقالتي هذه، وبعض النقل فيه تصرف يسير:

стр. 24

قال ﵀: (يُخطئُ مَنْ يظنُّ أنَّ أسبابَ السرورِ كلَّها في الظروف الخارجية، فيشترطُ لِيُسَرَّ: مَالاً، وبنينَ، وصِحةً؛ فالسرورُ يَعتمدُ على النفس أكثرَ مما يعتمدُ على الظروف. وفي الناس مَن يشقى في النعيم، ومنهم مَن ينعم في الشقاء؛ وفي الناس مَن لا يستطيع أنْ يشتريَ ضَحكةً عَميقةً بكُلِّ مالِه وهُو كثير، وفيهم مَن يستطيع أنْ يشتريَ ضحكاتٍ عاليةً عميقةً واسعةً بأتْفَهِ الأثمان، وبِلا ثَمَنٍ). ويتأسَّفُ الأستاذُ: أحمد أمين لأنَّ كميةَ السرورِ في مصر والشرق قليلةٌ، مع يُسرِ الحياة وكثرةِ الخيرات ــ في زمنه ـ، وقِلَّة المصايب من الحروب، فهي أقل من الغرب! وبدأ يعدد أسباب قلة السرور في الشرق مقارنة بالغرب، فذكر عدداً تأخذُ منها وتَذَرُ ... مِن الأسباب قوله: (أول درس يجب أن يُتعلَّم في فنِّ السرور: ... «قوة الاحتمال» فأكبر أسباب الشقاء: رخاوة النفس وانزعاجها العظيم للشيء الحقير؛ فما إنْ يُصاب المرءُ بالتَّافِه من الأمر حتى تَراه حَرِجَ

стр. 25

الصدر، لهيفَ القلب، كاسِف الوجه، ناكِس البصر، تتناجى الهمومُ في صدره، وتقضُّ مضجعَه، وتُؤرِّق جفنَه. وهيَ وأكثرُ منها إذا حدثَتْ لمن هُو أقوى احتمالاً، لم يُلقَ لها بالاً، ولم تُحَرِّك منه نَفْساً، ونامَ ملءَ جُفُونه رَضِيَّ البال فارغ الصدر). وذكر من الفوارق أن تاريخ الغرب الحربي متسلسل متتابع ـ في زمانه وقبله ـ، ومن مزايا الحروب أنها تصهر الأمم، وتُرخص الحياة، وتُهوِّن الموت، وإذا رخصت الحياة وهان الموت؛ رأيت المرءَ لا يعبأ بالكوارث إلا بقدر محدود؛ وإذا كان لا يهاب الموت فأولى ألا يهاب ما عداه؛ لأنَّ كل شيء غير الموت أهون من الموت؛ فكل أسرة أوربية لها رجال فُقِدوا في الحرب؛ أو أصيبوا في الحرب أو ابتُلوا بنوع من كوارث الحرب؛ فعلَّمتهم أن يتقبلوا هذه الرزايا بقوة احتمال، ونشأ عن هذا أنهم لا يُنغِّصون حياتَهم بذكرى الرزايا؛ فالأولى ألَّا يُنغصوها بتوافه الأمور. وقال: (أما أُمَمُ الشرق فقد مرَّ عليهم دهرٌ طويل لم يكونوا فيه أمماً حربية؛ بل كانوا مستسلمين وادعين، يتولى غيرهم الدفاع عنهم، وإن حاربوا فحرب الضرورة، وحرب الأفراد لا حرب الشعوب، فاستفظعوا الموت، وغَلوا في الحرص على الحياة، ولم يصابوا بكوارث

стр. 26

شعبية يستعذبون معها الموت والتضحية، وتبع ذلك رخاوة العيش، وعدم القدرة على الاحتمال، وتهويل الصغائر، والجزع من توافه الأمور، ولا دواء لهذا إلا التربية القوية، وبث الأخلاق الحربية). قلت: وقد انعكست الحال الآن، فأصبح الشرق ملئ بالمصائب والحروب والكوارث والفواجع، وبلاد الغرب وادعة ساكنة من عشرات السنين، والأمر لم يتغيَّر في موضوع «السرور»! ! فسقط هذا السبب! بل إني أرى أنَّ الشرق أكثرُ راحة ومتعة من الغرب، رغم الفقر، وقلة المتع عند المسلمين في المشرق؛ ودليل ذلك: قلة أو انعدام المصحات النفسية في بلدان المسلمين في أزمنة سابقة، بخلاف الدول الغربية. كذلك وجود حالات الانتحار في الغرب حتى بين كبار المتعلمين منهم، وانعدام ذلك في المشرق ـ خاصة في زمن أحمد أمين في أوائل ومنتصف القرن الرابع عشر الهجري ـ. والغربي ليس له إلا ابن واحد أو بنت واحدة، يطردهما بعد البلوغ أو يطلب منهما دفع مال مقابل المعيشة عنده، وليس عند غالبهم حقوق: حق الوالدين، الأقارب، الجار، اليتيم، المسكين، فليس للوالدين بر

стр. 27

ورحمة، ولا الأقارب صلة، أما الأسرة بمعناها الصحيح (١) ـ كما عند المسلمين ـ، فهي من نوادر النوادر عندهم، فأي التزامات مالية ووقتية، وصلة رحم لدى الغربي، عنده: وظيفة، وبيت صغير جداً، وملهى؟ بينما الشرقي تجد عنده: بنين عدداً، وأرحاماً كثيرة، ومناسبات متعددة، والتزامات فرضتها الحياة ـ بتعقيدات الشرقيين وتكلُّفهم ومباهاتهم ـ، مع زيادة الأمراض مقارنة بالغربيين؛ كل هذا مما يزيد من أغلال النفس والبدن؛ فيُضعِف شيئاً من إظهار الفرح والسرور مقارَنة بالخمار الزاني، الذي يأكل ويشرب وينام، كالأنعام بل هو أضل كما وصفهم الله تعالى في كتابه، ومع ذلك هم في غمرات الهم والحزن والضيق والاكتئاب رغم متع الحياة المفتوحة على مصراعيها وجمال الطبيعة و ... وقال الأستاذ: أحمد أمين: (وسبب آخر لقلة السرور في الشرق، وهو: سوء النظم الاجتماعية؛ ففي كل بيت محزنة من سوء العلاقات الزوجية والعلاقات الأبوية، وفي كل مصلحة أهلية أو حكومية مأساة

стр. 28

من سوء العلاقات المصلحية، وأحاديث الدرجات والعلاوات، وعدم التعاون في حمل الأعباء، وبناء المعاملات على الفوضى والمصادفات. ثم عدم القدرة على خلق أسباب السرور الاجتماعية؛ فاجتماعات المنازل التي تبعث السرور محدودة ضيقة نادرة، وفي كثير من الأحيان تنتهي بمنغصات. والملاهي العامة إما داعرة لا تُرضي الذوق السليم، ولا ترمي إلى غرض شريف، وإما تافهة لا يرقيها ذوق؛ ... إلى أن قال: (ومع هذا كله ففي استطاعة الإنسان أن يتغلَّب على كل هذه المصاعب، ويخلق السرور حوله، وجُزءٌ كبير من الإخفاق في خلق السرور يرجع إلى الفرد نفسه! ! بدليل أنا نرى في الظروف الواحدة والأسرة الواحدة والأمَّة الواحدة مَن يستطيع أن يخلق من كُلِّ شيءٍ سروراً، وبجانبه أخوهُ الذي يَخلِقُ مِن كُلِّ شيء حُزْناً؛ فالعامل الشخصي ــ لاشك ــ له دخلٌ كبيرٌ في خلق نوع من الجوِّ الذي يتنفس منه ... إلخ وقال ﵀: (ولعلَّ مِن أهم أسباب الحزن: ضيقَ الأفق، وكثرةَ تفكيرِ الإنسان في نفسِه، حتى كأنها مركزُ العالم، وكأنَّ الشمسَ والقمرَ

стр. 29

والنجومَ والبحارَ والأنهارَ والأمَّةَ والحكومةَ والميزانيةَ والسعادةَ والرخاءَ كلَّها خُلِقَتْ لِشَخصِه؛ فهو يَقِيسُ كلَّ المسائل بمقياس نفسِه، ويُديمُ التفكيرَ في نفسِه وعلاقةِ العالم بها، وهذا ـ من غيرِ رَيْب ـ يُوجِدُ البؤسَ والحزنَ؛ فمُحَالٌ أن يجري العالَمُ وِفْقَ نفسِه؛ لأنَّ نفسَه ليست المركز، وإنما هي نقطة حقيرة على المحيط العظيم، فإنْ هو وسَّعَ أُفُقَهُ، ونظَرَ إلى العالم الفسيح، ونسيَ نفسَهُ أحيَاناً، ونَسِيَ نفسَه كثيراً؛ شَعُرَ بأنَّ الأعباءَ التي ترزحُ تحتَها نفسُه، والقيودَ الثقيلةَ التي تثقلُ بها نفسُه قَدْ خَفَّتْ شَيئاً فشَيئاً، وتحلَّلَتْ شَيئاً فشيئاً. وهذا هو السببُ في أنَّ أكثر الناس فراغاً أشدُّهم ضِيقَاً بنَفْسِهِ، لأنَّه يجدُ مِن زمنه ما يطيل التفكير فيها إلى درجَةِ أنْ يُجن بنفسه؛ فإن هو استغرق في عملِه، وفكَّر في أمته، وفكَّر في عالَمِه؛ كان له من ذلك لذة مزدوجة: لذَّةَ الفِكْرِ وَالعمَلِ، ولذَّةَ نِسيانِ النَّفْسِ. ونصح الأستاذ أحمد أمين: بأن يقبض الإنسان على زمام تفكيره؛ فيُصَرِّفَهُ كما يشاء؛ فإن هو تعرض لموضوع مُقْبِضٍ، عدل عنه إلى موضوع آخر ...

стр. 30

وذكر من الدروس أيضاً: (ألاَّ تقدِّرَ الحياةَ فوق قيمتِها؛ فالحياةُ هيِّنَةٌ، وكُلُّ مَا فيها زائلٌ؛ فاعمَلْ الخيرَ مَا استطعْتَ، وافرَحْ مَا استطَعْتَ، ولا تَجْمَعْ عَلى نَفْسِكَ الألمَ بِتَوقُّعِ الشَرِّ، ثُمَّ الألم بوقوعه! ! فيَكفِي في هذه الحياة ألمٌ واحِدٌ للشَرِّ الواحد). وختم مقالته بأن يتصنَّع الإنسان الفرح والسرور والابتسام للحياة؛ حتى يكون التطبُّعُ طَبْعَاً. انتهى المراد نقله من مقالة «فن السرور» لأحمد أمين. (١) والحقيقة التي لا تقبل الامتراء: أن السعادة والسرور والفرح والبهجة كلَّها من القلب، وأنه لا حياة للقلب ولا سعادة ولا سرور إلا بالله وحده، فإذا فرح القلب اطمأن، وظهر الفرحُ على الوجه والأعضاء، وسَعِد حقاً لا تكلُّفاً، وفَرَحُ القَلْبِ إنما هو بالله وحده لا بالمال ولا بالولد ولا بالسياحة ولا بالفُرجَة ولا بالمنصب ولا بأي شئ، فوالله لو كان الإنسانُ فقيراً مدقعاً، كثير العلل والأمراض، وتعلَّق بالله لملأ الله قلبه فرحاً وحبوراً وطمأنينة وبشراً وسعادة، والعكس لو كانت الدنيا وما

стр. 31

فيها من المتع الحلال والحرام بين يديه، وهومعرض عن الله؛ لضاقت الدنيا كلها عليه، وأصبح ضيقاً حرَجاً كأنما يصَّعَّد في السماء ... (١) دليل ذلك: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد: ٢٨ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ الزخرف: ٣٦

стр. 32

وهل يسعد مَن كان الشيطان قرينه ؟ ! وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ طه: ١٢٤ - ١٢٧ وصلاة الفجر مفتاح السعادة والسرور: لما في «الصحيحين» من حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ، بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا ـ وفي رواية البخاري: عليك ليل طويل ـ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطَاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ». (١) والسرورُ في الدنيا قليلٌ، وإن كان القلب مطمئناً مرتاحاً بالله، لأن

стр. 33

الدنيا جُبلَت على كدَر، قال ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) ﵀: (إنَّ الدنيا لا تتخَلَّصُ أفراحُها من أحزانِها وأتراحِها البتة. بل ما مِن فرحة إلا ومعها تَرْحَةٌ سابِقَةُ، أو مُقَارِنَةٌ، أو لَاحِقَةٌ. ولا تتجرَّد الفرحة، بل لا بُدَّ مِن تَرحَةٍ تُقارنها، ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن فينغمر حُكمُه وألَمُه مع وجودها، وبالعكس). (١) أخيراً: العيدُ فرَحٌ شَرْعِيٌّ، مع ذكرِ الله وشُكْرِه، وحُسنِ عبادته، ومن عبادته: السلام، والبشاشة، وصلة الرحم، والصدقة، وإدخال السرور، وإظهار التكبير في عيد الأضحى، وزكاة الفطر، وذبح الهدي والأضاحي و .... وليس من مستلزمات العيد عقلاً ولا شرعاً ولا عادةً للمسلمين: أن يُفعلَ المنكر، ويُجاهرَ به، ويُفرح به، من أغانٍ، وخمور، وتعرٍّ، واختلاطٍ بين الرجال والنساء، وإسرافٍ في المأكل والمشرب، وتضييعٍ للصلوات، وتقصيرٍ في الواجبات من صلة الرحم، وغيرها.

стр. 34

واحذر أن تقصدَ مكاناً تعلو فيه أصوات المنكر، وتجدُ النساءَ فيه كاسياتٍ عارياتٍ، كما في شواطئ بعضِ الدول الغربية والشبيهةِ بالدول الغربية، فإنَّ ذلك مُخِلٌّ بالديانة، إلا إذا أنكرْتَ عليهم، فإما زوالُ المنكر فتجلس، أو بقاؤه فتذهب: قال تعالى: ... ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الأنعام: ٦٨ وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ النساء: ١٤٠ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٣٩): عن رجُلٍ مَقبولٍ القَولِ عند الحُكَّامِ، يخرُجُ للفُرْجَةِ في الزَّهَرِ في «مَواسم الفُرَجِ» حيث يكونُ مَجمَعَ الناسِ، ويَرى المنكرَ ولا يَقْدِرُ عَلى إزالَتِهِ، وتَخْرُجُ امرَأَتُهُ أيضاً مَعَهُ. هَل يجوز ذلك؟ وهل يَقدَحُ في عَدَالَتِهِ؟

стр. 35

فأجاب ﵀ وقدَّسَ رُوحَهُ في عِلِّيِّيْن: (لَيسَ لِلإنسانِ أنْ يَحْضُرَ الأمَاكِنَ التي يَشْهَدُ فيهَا المنكراتِ، ولا يُمْكِنُهُ الإنكَارُ؛ إلَّا لِمُوجِبٍ شَرعِيٍّ، مثل: أنْ يكون هناكَ أمرٌ يحتاجُ إليه لمصلحةِ دينِه أوْ دُنياهُ، لا بُدَّ فيهِ مِن حضورِه، أو يكونَ مُكرَهَاً. فأمَّا حُضُورُهُ لمجرَّدِ الفُرْجَةِ وَإحضَارِ امرأَتِهِ تُشَاهِدُ ذلِكَ؛ فهَذَا مما يقدَحُ في عدَالَتِهِ ومُرُوءَتِهِ إذَا أصَرَّ عَلَيه. والله أعلم). اللهم أدم الإيمان والتوحيد والسُّنَّة والأمن والرخاء والاجتماع في بلادنا وجميع بلاد المسلمين، اللهم اكفنا شر الأشرار وكيد الفجار، وشر ما اختلف عليه الليل والنهار. اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبعفوك عمن سواك. اللهم اجعل لنا من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، يارب اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، وارزقنا سعادة الدارين. اللهم اعمُر قلوبنا بذكرك، واجعل القرآن والسنة النبوية ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا، وارفعنا بهما في الدنيا والآخرة.

стр. 36

اللهم استعملنا فيما يرضيك، ياربِّ حبِّبْ إلينا الإيمان، وزيِّنْهُ في قلوبنا، وكَرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه ومَن اتبع هداه، وسلِّمْ تسليماً كثيراً. كتبه: إبراهيم بن عبدالله المديهش الرياض نشرة خاصة: (١٢/ ١٤٣٢ هـ) ثم أعدت ترتيبه وزدت عليه في هذه: النشرة الأولى: (١٢/ ١٤٣٨ هـ)