٤٩ - حدّثني القاسم بن الحسن، قال: حدَّثنا الحسين بن داود، قال: حدَّثني حَجّاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظِيّ ومحمد بن قيس، قالا: جلسَ رسولُ الله ﷺ في ناد من أنديَةِ قريش، كثير أهله، فتمنّى يومئذ ألَّا يأتيَه من الله شيء فينفِروا عنه، فأنزل الله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، فقرأها رسول الله ﷺ حتى إذا بلغ: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ألقى الشيطان عليه كلمتين: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى"، فتكلّم بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلَّها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم معه جميعًا، ورفع الوليدُ بن المغيرة ترابًا إلى جبهته، فسجد عليه -وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السُّجود- فرضُوا بما تكلَّم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت؛ وهو الذي يخلُق ويرزق؛ ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده؛ فإذا جعلت لها نصيبًا فنحن معك. قالا: فلما أمْسَى أتاه جبرئيل ﵇، فعرض عليه السورة، فلما بلغَ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتُك بهاتين! فقال رسول الله ﷺ : افتريتُ على الله، وقلتُ على الله ما لم يقل، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَينَا غَيرَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرًا﴾؛ فما زال مغمومًا مهمومًا، حتى نزلت: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قال: فسمع مَنْ كان بأرض الحبَشة من المهاجرين أنّ أهلَ مكّة قد أسلمُوا كلّهم، فرجعوا إلى عشائرهم، وقالوا: هم أحبُّ إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسُوا حينَ نسخ الله ما ألقى الشيطان، ثم قام - فيما حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في نقضِ الصحيفة التي كانت قريش كتبت بينها علي بني هاشم وبني المطّلب - نفرٌ من قريش. وكان أحسنُهم بلاءً فيه هشام بن عمرو بن الحارث العامريّ، من عامر بن لؤيّ - وكان ابنَ أخي نضْلة بن هاشم بن عبد مناف لأمّه - وإنه مشى إلى زُهير بن أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم - وكانت أمّه عاتكة بنتُ عبد المطلب - فقال: يا زهير، أرضيتَ أن تأكلَ الطعام، وتلبس الثياب، وتنكِح النساء، وأخوالُك حيث قد علمت؛ لا يبايعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكِحون ولا ينكَح إليهم! أما إنّي أحلِفُ بالله لو
стр. 2452
كانوا أخوال أبي الحكَم بن هشام ثم دعوتَه إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدًا. قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع! إنَّما أنا رجلٌ واحد؛ والله لو كان معي رجلٌ آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدْتَ رجلًا، قال: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال له زهير: ابغِنَا ثالثًا، فذهب إلى المُطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، فقال له: يا مطعِم، أقَدْ رَضيت أن يهلِك بَطْنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنَّهم إليها منكم سراعًا. قال: ويحك! فماذا أصنع! إنَّما أنا رجلٌ واحد، قال: قد وجدت ثانيًا، قال: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال: ابغنا ثالثًا، قال: قد فعلت، قال: مَنْ هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رابعًا، فذهب إلى أبي البختريّ بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم بن عديّ، فقال: وهل من أحد يُعين على هذا؟ قال: نعم، قال: مَنْ هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعِم بن عديّ وأنا معك قال: ابغِنا خامسًا، فذهب إلى زَمْعة بن الأسود بن المطَّلب بن أسد، فكلّمه، وذكر له قرابتَهم وحقّهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمّى له القومَ. فاتّعدوا له خَطْم الحَجون الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرَهم، وتعاهدوا على القيام في الصَّحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أوّلكم يتكلّم، فلما أصبحوا غدوْا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أميّة، عليه حلّة له؛ فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهلَ مكة! أنأكل الطّعام، ونشرب الشَّراب، ونلبس الثّياب، وبنو هاشم هَلْكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظّالمة، قال أبو جهل- وكان في ناحية المسجد: كذبتَ، والله لا تشقّ! قال زمعة بن الأسود: أنتَ والله أكذبُ، ما رضينا كتابتها حين كتبت؛ قال أبوالبختريّ: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نُقرُّ به! قال المطعم بن عديّ: صَدَقْتما وكَذَبَ مَنْ قال غير ذلك؟ نبرأ إلى الله منها، ومما كُتِب فيها؛ وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك، قال أبو جهل: هذا أمرٌ قُضي بليلٍ، وتُشوورَ فيه بغيرِ هذا المكان- وأبو طالب جالس في ناحية المسجد- وقام المطعم بن عديّ إلى الصحيفة ليشقّها؛ فوجد الأرَضَةَ قد أكلتْها؛ إلَّا ما كان من "باسمك اللهمَّ"، وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش؛ تفتتح بها كتابها إذا كتبت.
стр. 2453
قال: وكان كاتب صحيفة قريش -فيما بلغني- الّتي كتبُوا على رسول الله ﷺ ورهطه من بني هاشم وبني المطلب منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدَّار بن قصيّ، فشَلَّتْ يدُه.
وأقام بقيّتهم بأرض الحبشة؛ حتى بعثَ فيهم رسولُ الله ﷺ إلى النجاشيّ عمرَو بن أميّة الضَّمْريّ، فحملهم في سفينتين، فقدِم بهم على رسول الله ﷺ ، وهو بخيبر بعد الحديبية. وكان جميع من قَدِم في السفينتين ستةَ عَشَرَ رجلًا (١).
٥٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق، قال: حدَّثني عمر بن عبد الله بن عُرْوة بن الزُّبير عن عروة بن الزبير، قال: كان رسولُ الله ﷺ يخرج بذلك إذا رُمي به في داره على العُود فيقف على بابه، ثم
стр. 2454
يقول: يا بني عبد مناف، أيّ جوار هذا! ثم يُلْقِيه بالطريق.
ثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد (١).
٥١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني هشام بن عُروة، عن أبيه قال: لما نثر ذلك السّفيه التّرَابَ على رأسِ رسول الله ﷺ ، دخل رسول الله ﷺ بيتَه والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناتِهِ تغسل عنه التراب؛ وهي تبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها: يا بُنيَّة لا تبكي؛ فإنَّ الله مانعٌ أباكِ! قال: ويقول رسول الله ﷺ : ما نالتْ منّي قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب (٢). (٢: ٣٤٤).
٥٢ - ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله ﷺ إلى الطَّائف يلتمس من ثقيف النّصر والمنَعة له من قومه؛ وذُكِر أنّه خرج إليهم وحده؛ فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدثنا ابنُ إسحاق قال: حدَّثنى يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسولُ الله ﷺ إلى الطائف عَمَد إلى نفرٍ من ثَقيف - همْ يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم؛ وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير؛ وعندهم امرأة من قريش من بني جُمَح، فجلس إليهم - فدعاهم إلى الله وكلّمهم بما جاء لهم من نصرته على الإسلام. والقيام معه على مَنْ خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرُط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلَك! وقال الآخر: ما وجد الله أحدًا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلّمك كلمةً أبدًا؛ لئن كنتَ رسولًا من الله كما تقول؛ لأنتَ أعظمُ خطرًا من أن أردَّ عليك الكلامَ؛ ولئن كنتَ تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلِّمك!
فقام رسولُ الله ﷺ من عندهم، وقد يئس من خيرِ ثقيف؛ وقد قال لهم - فيما
стр. 2455
ذكر لي-: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليّ. وكره رسول الله ﷺ أن يبلُغ قومه عنه، فيُذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبّونه ويصيحون به؛ حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتْبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثَقِيفٍ مَنْ كان يتْبعه، فعمِد إلى ظِلِّ حَبَلةٍ من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويرَيان ما لقيَ من سفهاء ثقِيف. وقد لقيَ رسولُ الله ﷺ فيما ذكر لي - تلك المرأة من بني جُمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائِك! فلما اطمأنَّ رسولُ الله ﷺ ، قال - فيما ذكر لي -: اللهمَّ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلَتي، وهواني على النَّاس؛ يا أرحمَ الرَّاحمين! أنتَ ربُّ المستضعَفين، وأنتَ ربِّي؛ إلى مَنْ تكلني! إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدوّ مَلَّكْتَهُ أمري؛ إنْ لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي! ولكنَّ عافيتَك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظُّلُمات، وصلَح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبُك، أو يحلَّ عليّ سخطُك، لك العُتبى حتى ترضَى، لا حول ولا قوة إلَّا بك.
فلمَّا رأى ابنا ربيعة: عُتبة وشَيبة ما لقي، تحرّكت له رحِمهما، فدعَوا له غلامًا لهما نصرانيًّا؛ يقال له: عدّاس، فقالا له: خذ قِطفًا من هذا العنَب وضعه في ذلك الطَّبَق، ثم اذهب به إلى ذلك الرّجل، فقل له يأكل منه؛ ففعل عدَّاس، ثم أقبل به حتَّى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، فلما وضع رسول الله ﷺ يده، قال: "باسم الله"، ثم أكل، فنظَر عدَّاس إلى وجهه، ثم قال: والله إنَّ هذا الكلام ما يقوله أهلُ هذه البلدة، قال له رسول الله ﷺ : ومِن أهل أيّ البلاد أنت يا عدَّاس؟ وما دينك؟ قال: أنا نصرانيّ، وأنا رجلٌ من أهل نينَوى، فقال له رسول الله ﷺ : أمِنْ قرية الرّجل الصّالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله ﷺ : ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ، فأكبّ عدّاس على رسول الله ﷺ يقبل رأسَه ويديه ورجليه، قال: يقول ابنا ربيعة أحدُهما لصاحبه. أمّا غلامك فقد أفسدَه عليك. فلما جاءهما عدّاس قال له: ويلك يا عدَّاس! ما لك تقبِّل رأسَ هذا الرّجل ويديه وقدميه! قال: يا سيّدي ما في [هذه] الأرض خيرٌ من هذا الرجل! لقد خبّرني بأمر لا يعلمه إلَّا نبيٌّ،
стр. 2456
فقالا: ويحك يا عدَّاس! لا يصرفنّك عن دينك، فإنَّ دينَك خيرٌ من دينه (١). (٢: ٣٤٤/ ٣٤٥ / ٣٤٦).
٥٣ - قال محمّد: وتسمية النّفر من الجنّ الذين استمعوا الوحي - فيما بلغني-: حسًّا، ومسًّا، وشاصر، وناصر، واينا الأرد، وأينين، والأحقم (٢). (٢: ٣٤٧).
قال: ثم قدِم رسول الله ﷺ مكّة، وقومهُ أشدَّ ما كانوا عليه من خِلافه وفراق دينه إلَّا قليلًا مستضعفين ممّن آمن به. (٢: ٣٤٧).
٥٤ - وذكر بعضُهم أن رسولَ الله ﷺ لما انصرف من الطّائف مريدًا مكة مرَّ به بعضُ أهلِ مكّة، فقال له رسول الله ﷺ : هل أنت مبلّغ عنّي رسالة أرسِلك بها؟ قال: نعم، قال: ائت الأخْنَس بن شَرِيق، فقل له: يقول لك محمّد: هل أنت مجيري حتى أبلّغَ رسالة ربّي؟ قال: فأتاه، فقال له ذلك، فقال الأخْنَسُ: إنَّ الحليف لا يُجير على الصريح. قال: فأتى النبيَّ ﷺ ، فأخبره، قال: تعود؟ قال: نعم، قال: ائت سُهَيلَ بن عمرو، فقل له: إنَّ محمّدًا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلِّغ رسالات ربِّي؟ . فأتاه فقال له ذلك، قال: فقال: إن بني عامر بن لؤيّ لا تجير علي بني كعب. قال: فرجع إلى النبي ﷺ ، فأخبره، قال:
стр. 2457
تعود؟ قال: نعم، قال: ائت المطعم بن عديّ، فقل له: إنَّ محمدًا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلِّغ رسالات ربي؟ قال: نعم، فلْيدخل، قال: فرجع الرّجل إليه فأخبره، وأصبح المطعِم بن عديّ قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد، فلمّا رآه أبو جهل، قال: أمُجيرٌ أم متابع؟ قال: بل مجير، قال: فقال: قد أجرْنا مَنْ أجرت، فدخل النبيّ ﷺ مكة؛ وأقام بها، فدخل يومًا المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة، فلما رآه أبو جهل، قال: هذا نبيّكم يا بني عبد مناف، قال عتبة بن ربيعة: ما تنكرُ أن يكون منّا نبيّ أو ملك! فأخبر بذلك النبيّ ﷺ أو سمعه - فأتاهم، فقال: أمّا أنتَ يا عُتْبة بن ربيعة فوالله ما حميتَ لله ولا لرسوله؛ ولكنْ حميتَ لأنْفِك، وأما أنتَ يا أبا جهل بن هشام؛ فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدّهر حتى تضحك قليلًا وتبكي كثيرًا. وأمّا أنتم يا معشر الملأ من قريش؛ فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدّهر حتى تدخلوا فيما تنكرون، وأنتم كارهون (١).
٥٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: وحدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا محمد بن مسلِم بن شهاب الزهريّ: أنّ رسول الله ﷺ أتى كِنْدة في منازلهم، وفيهم سيّد لهم، يقال له: مُلَيح، فدعاهم إلى الله ، وعرَض عليهم نفسَه، فأبوْا عليه (٢).
٥٦ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن حُصَين: أنَّه أتى كلْبًا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله ، وعرَض عليهم نفسَه؛ حتى إنَّه ليَقول لهم: يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم
стр. 2458
أبيكم. فلم يقبَلوا منه ما عَرَض عليهم (١).
٥٧ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمَّد بن إسحاق: حدَّثني بعضُ أصحابنا، عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسولَ الله ﷺ أتى بني حَنِيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله، وعَرَض عليهم نفسَه؛ فلم يكن أحدٌ من العرب أقبحَ ردًّا عليه منهم (٢).
٥٨ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ: أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله، وعَرَض عليهم نفسَه، فقال رجل منهم، يقال له: بَيحَرَةَ بن فراس: والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلتُ به العرب. ثم قال له: أرأيتَ إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرَك الله على مَنْ خالفك؛ أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمرُ إلى الله يضعُه حيث يشاء. قال: فقال له: أفتُهدَفُ نحورُنا للعرب دونك، فإذا ظهرتَ كان الأمرُ لغيرنا! لا حاجةَ لنا بأمرك. فأبَوْا عليه، فلما صدَر النَّاس، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم؛ قد كانت أدركتْه السنّ؛ حتى لا يقدر على أن يوافيَ معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه، حدَّثوه بما يكون في ذلك الموسم؛ فلمَّا قدمُوا عليه ذلك العام، سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتىً من قريش، ثم أحد بني عبد المطّلب، يزعم: أنه نبيّ، ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه؛ ونخرج به معنا إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخُ يده على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف! هل لذناباها من مطلب! والذي نفسُ فلان بيده ما تقوَّلها إسماعيلي قطّ! وإنّها لحق، فأين كان رأيكم عنه!
فكان رسول الله ﷺ على ذلك من أمره؛ كلّما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعُو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرِض عليهم نفسَه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، لا يسمع بقادم يقدم من العرب؛ له اسمٌ وشرفٌ إلا تصدَّى له
стр. 2459
فدَعاه إلى الله، وعَرَض عليه ما عنده (١). (٢: ٣٥٠/ ٣٥١).
٥٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة الظَّفَرِيّ عن أشياخ من قومه، قالوا: قدِم سُوَيد بن صامت - أخو بني عمرو بن عوف - مكة حاجًّا أو معتمرًا، قال: وكان سُوَيد إنما يسميه قومه فيهم: الكامل، لجلَدِه وشِعْره، ونسبه وشرفه؛ وهو الذي يقول:
ألا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَو تَرَى ... مَقَالتَهُ بالْغَيبِ ساءَك ما يَفْرِي
مَقَالتُهُ كالشَّحْمِ ما كان شاهدًا ... وبالغَيبِ مأْثورٌ على ثغْرَةِ النَّحْر
يَسُرُّك باديهِ وتحْتَ أدِيمه ... نَمِيمَةُ غِشٍّ تَبْتَرِي عَقِبَ الظَّهرِ
تُبِينُ لك العَينانِ ما هُوَ كاتِمٌ ... ولا جِنَّ بالبَغْضَاءِ والنَّظَرِ الشَّزْرِ
فَرِشْنِي بخَيرٍ طالما قَدْ بَرَيتَنِي ... وخَيرُ المَوالي مَنْ يَرِيشُ ولا يَبْري
مع أشعار له كثيرة يقولها.
قال: فتصدَّى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدَعاه إلى الله وإلى الإسلام. قال: فقال له سُويدٌ: فلعلّ الذي معك مثلُ الذي معي! فقال له رسولُ الله ﷺ : وما الذي معك؟ قال: مجلَّة لقمان -يعني: حكمة لقمان- فقال له رسول الله ﷺ : اعرضها عليّ، فعرضها عليه، فقال: إنَّ هذا لكلام حَسَنٌ، معي أفضلُ من هذا؛ قرآن أنزله الله عليّ، هدى ونورٌ. قال: فتلا عليه رسولُ الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعُد منه، وقال: إن هذا لقولٌ حَسَنٌ.
ثم انصرف عنه، وقدِم المدينة، فلم يلبَثْ أن قَتَلتْه الخزرج؛ فإنْ كان قومه لَيقولونَ: قد قُتِل وهو مُسْلِمٌ، وكان قتلهُ قبل بُعاث (٢). (٢: ٣٠١/ ٣٣٢).
стр. 2460
لقاء رسول الله ﷺ بوفد الأنصار من الخزرج:
قال: فلمّا أراد الله إظهارَ دينه وإعزاز نبيِّه، وإنجازَ موعده له، خرج رسولُ الله ﷺ في الموسم الذي لقِيَ فيه النفر من الأنصار، فعرَضَ نفسَه على قبائل العرب؛ كما كان يصنع في كلّ موسم؛ فبينا هو عند العَقَبة إذ لقيَ رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا.
٦٠ - قال ابن حُمَيد: قال سلمة: قال محمّد بن إسحاق: فحدَّثني عاصم بن عمر بن قَتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيَهم رسولُ الله ﷺ ، قال لهم: مَنْ أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج، قال: أمِنْ موالي يهودَ؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون حتى أكلّمكم؟ قالوا: بلَى، قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ، وعَرَض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان ممّا صَنع الله لهم به في الإسلام: أن يهودَ كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهلَ كتاب وعِلْم، وكانوا أهلَ شرك، أصحابَ أوثان، وكانوا قد عزُّوهم (١) ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًّا الآن مبعوثٌ قد أظلّ زمانه، نتَّبعه ونقتلكم معه قَتْلَ عاد وإرَم. فلما كلَّم رسول الله ﷺ أولئك النَّفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: تعلمُنَّ والله إنَّه للنبيّ الذي تُوعِدكم به يهود، فلا يَسْبقُنّكُم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدَّقوه، وقبِلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركْنا قومنا، ولا قوم بينَهم من العداوة والشرّ ما بينهم؛ وعسى الله أن يجمَعَهُم بك، وسنقدَم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرضُ عليهم الذي أجبْناك إليه من هذا الدين؛ فإنْ يجمعهم الله عليه فلا رجلَ أعزّ منك. ثم انصرفوا عن رسولِ الله ﷺ جعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدَّقوا.
وهم -فيما ذُكر لي- ستَّة نَفَر من الخزرج: منهم من بني النّجار -وهم تَيم الله- ثم من بني مالك بن النّجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر أسعَدُ بن زرارة بن عُدَس بن عبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النّجار؛ وهو أبو أمامة؛ وعَوْف بن الحارث بن رفاعة بن سَوَاد بن مالك بن غَنْم بن مالك بن النَّجار؛ وهو ابن عفراء.
ومن بني زُرَيق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غَضْب بن جُشَم
стр. 2461
ابن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر رافع بن مالك بن العَجْلان بن عمرو بن عامر بن زُرَيق.
ومن بني سَلِمة بن سَعْد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر؛ ثم من بني سواد قُطْبة بن عامر بن حَدِيدة بن عمرو بن سواد بن غَنْم بن كعب بن سلمة.
ومن بني حَرَام بن كعب بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة عُقْبَة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام.
ومن بني عُبَيد بن عديّ بن غَنْم بن كعب بن سلِمة جابرُ بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عُبيد.
قال: فلما قَدِمُوا المدينة على قومهم، ذكروا لهم رسولَ الله ﷺ ، ودعوْهم إلى الإسلام؛ حتى فشا فيهم فلم تَبْقَ دارٌ من دُور الأنصار إلّا وفيها ذكرٌ من رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسمَ من الأنصار اثنا عَشَر رجلًا، فلقوه بالعَقَبة، وهي العَقَبة الأولى، فبايعوا رسولَ الله ﷺ على بَيعة النساء؛ وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب؛ منهم من بني النَّجار: أسعد بن زُرارة بن عُدَس بن عُبَيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجار؛ وهو أبو أمامة؛ وعَوْف ومُعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سَوَاد بن مالك بن غَنْم بن مالك بن النَّجار، وهما ابنا عَفْراء.
ومن بني زُرَيق بن عامر: رافع بن مالك بن العَجْلان بن عمرو بن عامر بن زُرَيق، وذكوان بن عبد قيس بن خلْدة بن مخلَّد بن عامر بن زرَيق.
ومن بني عَوْف بن الخزْرج، ثم من بني غَنْم بن عوف -وهم القواقل-: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصْرم بن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْم بن عَوْف بن الخزرج، وأبو عبد الرحمن؛ وهو يزيد بن ثعلبة بن خَزْمة بن أصْرم بن عمرو بن عَمَّارة، من بني غُضَينةَ من بَلِيّ، حليف لهم.
ومن بني سالم بن عَوْف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عَباس بن عُبادة بن نَضْلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غَنْم بن سالم بن عَوْف.
стр. 2462
ومن بني سَلِمة، ثم من بني حَرَام، عُقْبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حَرام بن كعب بن غَنْم بن كَعْب بن سلِمة.
ومن بني سَواد قُطْبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غَنْم بن كعب بن سلِمة.
وشهدها من الأوْس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بني الأشْهل أبو الهيثم بن التَّيِّهان؛ اسمه مالك، حليف لهم.
ومن بني عمرو بن عوف عُوَيم بن ساعدة بن صَلْعجة، حليف لهم (١). (٢/ ٣٥٣ / ٣٥٤/ ٣٥٥ / ٣٥٦).
٦٢ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمّد بن إسحاق: فحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: أنتمْ على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريّين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم (٢). (٢: ٣٦٣).
٦٣ - قال أبو جعفر: وقال غير ابن إسحاق: كان مَقدمُ مَنْ قدم على النبيّ ﷺ للبيعة من الأنصار في ذي الحجّة، وأقام رسول الله ﷺ بعدهم بمكّة بقيّة ذي الحجة من تلك السنة، والمحرّم وصفر؛ وخرج مهاجرًا إلى المدينة في شهر ربيع الأول؛ وقدِمها يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خَلتْ منه (٣). (٢: ٣٦٥/ ٣٦٦).
стр. 2463
٦٤ - وحدَّثني عليّ بن نصر بن علي، وعبد الوارث بن عبد الصَّمد بن عبد الوارث -قال عليّ بن نصر: حدَّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدَّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطّار، قال: حدَّثنا هشام بن عُروة، عن عُروة: أنَّه قال: لمّا رجع من أرض الحبشة من رَجع منها ممّن كان هاجر إليها قبل هجرة النبيّ ﷺ إلى المدينة، جعل أهلَ الإسلام يزدادون ويكثرون، وإنه أسلم مِن الأنصار بالمدينة ناسٌ كثير، وفشا بالمدينة الإسلام؛ فطفِق أهلُ المدينة يأتون رسول الله ﷺ بمكّة، فلمّا رأت ذلك قريش تذامرت على أنْ يفتنوهم، ويشتدّوا عليهم، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، وكانت فتنتين: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم بها، وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة لما رجعوا ورأوْا من يأتيهم من أهل المدينة.
ثم إنه جاء رسول الله ﷺ من المدينة سبعون نقيبًا، رؤوس الَّذين أسلموا، فوافوْه بالحجّ فبايعوه بالعقَبة، وأعطوه عهودهم؛ عَلى أنّا منك وأنت منّا، وعلى أنه من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنّا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فاشتدَّت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسولُ الله ﷺ أصحابه بالخروج إلى المدينة؛ وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله ﷺ أصحابه وخرج، وهي التي أنزل الله فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١) (٢: ٣٦٦).
٦٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، أنّهم
стр. 2464
أتوا عبد الله بن أبيّ ابن سَلُول -يعني قريشًا- فقالوا مثل ما ذكر كعْب بن مالك من القول لهم، فقال لهم: إنَّ هذا لأمْرٌ جسيم؛ ما كان قومي ليتفوَّتوا عليَّ بمثل هذا وما علمته كان. فانصرفوا عنه، وتفرَّق النَّاس مِنْ مِنىً، فتنطّس القوم الخبر فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بالحاجر، والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبًا؛ فأمَّا المنذر فأعجز القوم، وأمّا سعد فأخذوه، وربطوا يديه إلى عنقه بِنسْع رَحْله، ثمّ أقبلوا به حتى أدخلوه مكّة، يضربونه ويجبِذونه بجُمَّته - وكان ذا شَعَر كثير - فقال سعد: فوالله إني لفي أيديهم؛ إذ طلع عَلَيَّ نفر من قريش؛ فيهم رجُلٌ أبيض وَضِيءٌ شَعْشاع حلو من الرّجال. قال: قلت: إن يكن عند أحدٍ من القوم خير فعند هذا، فلمّا دنا منّي رفع يديه فلطمني لطمةً شديدةً. قال: قلت في نفسي: والله ما عندهم بعد هذا خير. قال: فوالله إنّي لفي أيديهم يسحبونني؛ إذ أوى إليّ رجل منهم ممّن معهم، فقال: ويحك! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهدٌ! قال: قلتُ: بلَى والله، لقد كنت أجِيرُ لجبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف تِجَارَهُ، وأمنعهم ممّن أراد ظلمهم ببلادي؛ وللحارث بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف. قال: ويحَك! فاهتِف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إنَّ رجلًا من الخزرج الآن يُضرب بالأبطح؛ وإنَّه ليَهتف بكما، ويذكُر: أن بينه وبينكما جوارًا، قالا: ومَنْ هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صَدَقَ والله إن كان ليجير تجارنا، ويمنعهم أن يظلَموا ببلده. قال: فجاءا فخلَّصا سعدًا من أيديهم وانطلق. وكان الذي لَكم سعدًا سُهَيل بن عمرو، أخو بني عامر بن لؤي (١). (٢: ٣٦٧/ ٣٦٨).
٦٦ - قال أبو جعفر: فلما قدِموا المدينة، أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من أهل الشِّرْك؛ منهم عمرو بن الجَمُوح بن زيد بن حرام بن كعب بن غَنْم بن سلِمة، وكان ابنه مُعاذ بن عمرو قد شهد العقَبة، وبايع رسولَ الله ﷺ في فتيان منهم، وبايع رسول الله ﷺ منْ بايع من الأوس والخزرج
стр. 2465
في العقَبة الآخرة؛ وهي بيعة الحرب حين أذن الله في القتال بشروط غير الشروط في العقَبة الأولى، وأمّا الأولى فإنّما كانت على بيعة النساء؛ على ما ذكرت الخبر به عن عبادة بن الصامت قبل؛ وكانت بيعة العقبة الثانية على حَرْب الأحمر والأسود على ما قد ذكرتُ قبل، عن عروة بن الزبير (١).
الهجرة إلى المدينة
قال أبو جعفر: فلمّا أذِن الله لرسوله ﷺ في القتال، ونزل قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ , وبايعه الأنصار على ما وصفتُ من بيعتِهم، أمَرَ رسول الله ﷺ أصحابه ممّن هو معه بمكّة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة، واللُّحوق بإخوانهم من الأنصار؛ وقال: إنَّ الله قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون فيها فخرجوا أرْسالًا، وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربُّه بالخروج من مكة؛ فكان أول من هاجر من المدينة والهجرة إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ من قريش، ثم من بني مخزوم، أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، هاجر إلى المدينة قبل بَيعة أصحاب العقبة رسول الله ﷺ بسنة، وكان قدِم على رسول الله ﷺ بمكّة من أرض الحبشة، فلما آذتْه قريش، وبلغه إسلامُ مَنْ أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجرًا.
ثم كان أوّل مَنْ قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمَة، عامر بن ربيعة، حليف بني عديّ بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمَة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عَبيد بن عَويج بن عديّ بن كعب. ثم عبد الله بن جَحْش بن رِئَاب،
стр. 2466
وأبو أحمد بن جَحْش - وكان رجلًا ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد - ثم تتابع أصحابُ رسول الله ﷺ إلى المدينة أرسالًا.
وأقام رسول الله ﷺ بمكّة بعد أصحابه من المهاجرين؛ ينتظر أن يُؤذَن له في الهجرة. ولم يتخلَّف معه بمكّة أحد المهاجرين إلا أُخِذ فحبس أو فتن إلَّا عليَّ بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قُحافة، وكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذن رسولَ الله ﷺ في الهجرة، فيقول له رسول الله ﷺ : لا تعجلْ، لعلَّ الله أن يجعل لك صاحبًا، فطمع أبو بكر أن يكونه، فلما رأتْ قُرَيش أنّ رسولَ الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم، بغير بلدهم، ورأوْا خروجَ أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارًا، وأصابوا منهم مَنَعة، فحذروا خروجَ رسول الله ﷺ إليهم، وعرفوا أنّه قد أجمع أن يلحَقَ بهم لحربهم، فاجتمعوا له في دار النّدوة؛ وهي دار قُصيّ بن كِلاب، التي كانت قريش لا تقضِي أمرًا إلَّا فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه (١). (٢: ٣٦٩/ ٣٧٠).
стр. 2467
٦٧ - قال أبو جعفر: زاد بعضُهم في هذه القصّة في هذا الموضع: وقال له: إنْ أتاك ابن أبي قُحافة، فأخبره أني توجّهت إلى ثوْر، فَمُرْهُ فليلْحَق بي، وأرسل إليّ بطعام، واستأجرْ لي دليلًا يدلَّني على طريق المدينة؛ واشتر لي راحلةً. ثم مضى رسولُ الله ﷺ ، وأعمى الله أبصارَ الذين كانوا يرصُدونه عنه، وخرج عليهم رسول الله ﷺ (١). (٢: ٣٧٢).
٦٨ - فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدَّثني يزيد بن زياد، عن محمّد بن كعب القُرَظيّ، قال: اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل بن هِشام، فقال وهم على بابه: إنَّ محمّدًا يزعُم أنّكم إن تابعتمُوه على أمره كنتم ملوكَ العرب والعجم، ثم بُعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردنّ، وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح، ثم بُعثْتم بعد موتكم؛ فجعلت لكم نار تحرَّقون فيها.
قال: وخرج رسولُ الله ﷺ ، فأخذ حَفنة من تراب، ثم قال: نعم، أنا أقول ذلك، أنت أحدُهم. وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يروْنه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم؛ وهو يتلو هذه الآيات من يس: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ , حتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاء الآيات، فلم يبقَ منهم رجل إلَّا وقد وضع على رأسه ترابًا؛ ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
стр. 2468
فأتاهم آت ممّن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمّدًا، قال: خيّبكم الله! قد والله خرجَ عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلَّا وقد وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته؛ أفما تروْنَ ما بكم؟ قال: فوضع كلّ رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يطَّلعون، فيروْن عليًّا على الفراش متسجِّيًا ببُرْد رسول الله ﷺ ، فيقولون: والله إنّ هذا لمحمّد نائم، عليه بُردُه؛ فلم يبرحُوا كذلك حتى أصبحوا، فقام عليّ عن الفراش، فقالوا: والله لقد صَدقَنا الذي كان حدَّثنا، فكان ممّا نزل من القرآن في ذلك اليوم، وما كانوا أجمعوا له:
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ , وقول الله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (١).
٦٩ - وقد زعم بعضُهم: أنّ أبا بكر أتى عليًّا فسأله عن نبيّ الله ﷺ فأخبره: أنه لحِقَ بالغار من ثور، وقال: إن كان لك فيه حاجةٌ فالحقْه، فخرج أبو بكر مسرعًا، فلحق نبيّ الله ﷺ في الطّريق، فسمع رسول الله ﷺ جَرْسَ أبي بكر في ظلْمة اللَّيل، فحسبه من المشركين، فأسرع رسولُ الله ﷺ المشيَ، فانقطع قَبَالُ نعله ففلق إبهامَه حَجَرٌ فكثر دمها، وأسرع السعيَ، فخاف أبو بكر أن يشقّ على رسول الله ﷺ ، فرفع صوته، وتكلَّم، فعرفه رسولُ الله ﷺ فقام حتى أتاه، فانطلقا ورجْل رسول الله ﷺ تستنُّ دمًا؛ حتى انتهى إلى الغار مع الصّبح؛ فدخلاه. وأصبح الرّهط الذين كانوا يرصُدون رسول الله ﷺ ، فدخلوا الدَّار، وقام عليّ ﵇ عن فراشه، فلما دنوْا منه عرفوه، فقالوا له: أين صاحبُك؟ قال: لا أدرِي، أو رَقيبًا كنت عليه! أمرتموه بالخروج فخرج؛ فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد، فحبسوه ساعة ثم تركوه، ونجّى الله رسولَه من مكرهم وأنزل عليه في ذلك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
стр. 2469
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١).
٧٠ - فحُدّثت أنه لم يبقَ فيهم إلَّا يومين - وتزعم بنو عمرو بن عوف أنْ قد أقام فيهم أفضلَ من ذلك - فاقتاد راحلتَه فاتَّبعَتْه حتى دخل في دُور بني النجَّار، فأراهم رسولُ الله ﷺ مِرْبدًا كان بين ظهري دورهم (٢). (٢: ٣٧٧).
٧١ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثت عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما خرج رسولُ الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم، فقالوا: أين أبوكِ يابنة أبي بكر؟ قلت: لا أدرِي والله أين أبي! قالت: فرفع أبو جهل يَدَه - وكان فاحشًا خبيثًا - فلطم خدي لطمة طرح منها قُرْطِي. قالت: ثم انصرفوا ومكثنا ثلاثَ ليال، لا ندري أين توجَّه رسولُ الله ﷺ ؛ حتى أقبلَ رجل من الجِنّ، من أسفل مكَّة يغنّي بأبيات من الشّعر
стр. 2470
غناء العرب والنّاس يتّبعونه؛ يسمعون صَوْتَهُ وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة، وهو يقول:
جَزَى اللهُ رَبُّ الناسِ خَيرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَينِ حَلَّا خَيمَتَي أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلاها بالهُدَى وَاغْتَدَوْا بِهِ ... فأفلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
ليَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِم ... ومَقْعَدُها لِلْمؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجِّه رسول الله ﷺ ، وأنَّ وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أُريقط دليلهما (١). (٢: ٣٧٩/ ٣٨٠).
٧٢ - قال أبو جعفر: حدّثني أحمد بن المقدام العجليّ، قال: حدَّثنا هشام ن محمّد بن السَّائب الكلبيّ، قال: حدَّثنا عبد الحميد بن أبي عبْس بن محمّد بن أبي عبس بن جبر عن أبيه، قال: سمعتْ قريش قائلًا يقول في الليل على أبي قُبَيس:
فإن يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ ... بمَكَّةَ لا يَخْشَى خِلافَ المُخَالِفِ
فلمّا أصبحوا قال أبو سفيان: مَنِ السَّعْدان؟ سَعْدُ بكر، سَعْدُ تميم، سعد هُذَيم! فلمَّا كان في الليلة الثانية، سمعوه يقول:
أيَا سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ كُنْ أنْتَ نَاصِرًا ... ويا سَعْدُ سَعْدَ الخَزْرَجَينِ الغَطَارِفِ
أجيبا إلى دَاعِي الْهُدَى وتمنَّيَا ... عَلى اللهِ في الفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ
فَإنَّ ثَوَابَ اللهِ للطَّالِبِ الْهُدَى ... جِنَانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ ذات رَفَارِفِ
فلما أصبحوا، قال أبو سفيان: هو والله سعد بن مُعاذ وسعد بن عبادة (٢). (٢: ٣٨٠/ ٣٨١).
٧٣ - فنزل رسولُ الله ﷺ فيما يذكرون - على كُلْثوم بن هِدْم، أخي بني
стр. 2471
عمرو بن عَوْف، ثم أحد بني عُبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خَيثَمة.
ويقول مَنْ يذكُر أنه نزل على كُلثوم بن هدم: إنّما كانَ رسول الله ﷺ إذا خرج من منزل كُلثوم بن هِدْم، جلس للناس في بيت سَعْد بن خيثمة؛ وذلك أنه كان عَزَبًا لا أهلَ له، وكان منازلُ العزَّاب من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين عنده؛ فمن هنالك يقال: نزل على سعد بن خيثمة، وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة: بيت العزّاب، فالله أعلم أيّ ذلك كان، كلًّا قد سمعنا.
ونزل أبو بكر بن أبي قُحافة على خُبَيب بن أسَاف، أخي بني الحارث بن الخزرج بالسُّنْح، ويقول قائل: كان منزلهُ على خارجة بن زيد بن أبي زُهَير، أخي بني الحارث بن الخزرج (١). (٢: ٣٨٢).
٧٤ - وأقام عليّ بن أبي طالب ﵁ بمكّة ثلاث ليالٍ وأيّامها؛ حتّى أدَّى عن رسول الله ﷺ الودائعَ التي كانت عنده إلى النَّاس؛ حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﷺ ، فنزل معه على كُلْثوم بن هِدْم، فكان عليّ يقول: وإنّما كانت إقامته بقُبَاء على امرأة لا زوْجَ لها مسلمة، ليلة أو ليلتين، وكان يقول: كنتُ نزلت بقُباء على امرأة لا زوْج لها مسلمة، فرأيتُ إنسانًا يأتيها في جَوْف الليل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه فيعطيها شيئًا معه، قال: فاستربْتُ لشأنه، فقلت لها: يا أمَة الله، مَنْ هذا الرجل الذي يضرب عليك بابَك كلّ ليلة فتخرجين إليه، فيعطيك شيئًا، ما أدري ما هو؟ وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك! قالت: هذا سَهْل بن حُنَيف بن واهب، قد عرفَ أنّي امرأة لا أحدَ لي؛ فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسَّرها، ثم جاءني بها، وقال: احتطبي بهذا. فكان عليّ بن أبي طالب يأثر ذلك مِن أمر سهل بن حُنَيف حين هلك عنده بالعراق.
حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدَّثني هذا الحديث عليّ بن هند بن سعد بن سهل بن حُنَيف عن عليّ بن أبي طالب ﵁ (٢). (٢: ٣٨٢/ ٣٨٣).
стр. 2472
٧٥ - قال أبو جعفر: واختلف السَّلفُ من أهلِ العلم في مدّة مقام رسول الله ﷺ بمكّة بعدما استنبيء، فقال بعضهم: كانت مدّة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين.
ذكر من قال ذلك:
حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بن محمّد بن قيس المدنيّ -يقال له: أبو زُكَير- قال: سمعتُ ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ بُعِثَ على رأس أربعين، فأقام بمكة عشرًا (١). (٢: ٣٨٣).
٧٦ - حدَّثني الحسين بن نصر الآمُليّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن شَيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن؛ قال: أخبرتْني عائشة وابنُ عبّاس أن رسولَ الله ﷺ لبث بمكة عشر سنين، ينزل عليه القرآن (٢) (٢: ٣٨٣/ ٣٨٤).
٧٧ - حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبد الوهاب، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ سعيد بن المسيّب، يقول: أنزل على رسول الله ﷺ القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين، فأقام بمكّة عشرًا (٣). (٢: ٣٨٤).
٧٨ - حدَّثني أحمد بن ثابت الرَّازيّ، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد عن هشام، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: أنزل على النبيّ ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، فمكث بمكّة عشرًا (٤). (٢: ٣٨٤).
٧٩ - قال أبو جعفر: وقد وافق قولُ مَنْ قال: بُعِث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، وأقام بمكّة ثلاث عشرة سنة قول أبي قيس صِرْمة بن أبي أنس، أخي بني عديّ بن النّجار، في قصيدته التي يقول فيها، وهو يصف كرامة الله إيَّاهم بما أكرمهم به من الإسلام، ونزول نبيّ الله ﷺ عليهم:
стр. 2473
ثَوى في قُرَيشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يذَكِّرُ لو يَلْقى صَدِيقًا مواتِيَا!
وَيعْرِضُ في أَهْلِ المَوَاسِمِ نَفْسَهُ ... فَلَمْ يَرَ مَنْ يؤوي، ولَمْ يَرَ داعِيا
فلمَّا أتانا أظْهَرَ اللهُ دِينَهُ ... فأصْبَحَ مَسْرُورًا بطَيبةَ رَاضِيَا
وألْفَى صَدِيقًا واطْمَأَنَّتْ به النَّوَى ... وكان له عَوْنًا مِنَ اللهِ باديا
يَقُصُّ لنا ما قال نُوحٌ لقَوْمِهِ ... وما قال مُوسَى إذْ أجابَ المُنادِيا
وأصْبَحَ لَا يَخْشَى مِنَ النَّاس واحدًا ... قريبًا، ولا يَخْشَى من النَّاس نائيا
بَذَلْنا له الأَمْوال منْ جُلِّ مَالنا ... وأنْفُسنا عند الْوَغَى والتَّآسيا
ونعلَمُ أن اللهَ لا شيءَ غيره ... ونعلَمُ أن اللهَ أفْضلُ هاديا
فأخبر أبو القيس في قصيدته هذه أن مقام رسول الله ﷺ في قومه قريش كان بعد ما استنبيء وصَدَع بالوحي من الله بضع عشرة حجّة (١). (٢: ٣٨٥/ ٣٨٦).
٨٠ - قال أبو جعفر: وقد روى عن الشعبيّ أنّ إسرافيل قُرن برسول الله ﷺ قبل أن يوحَى إليه ثلاث سنين.
حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر الواقديّ، قال: حدَّثنا الثوريّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ - قال: وحدَّثنا إملاءً من لفظه منصورٌ عن الأشعث، عن الشعبيّ - قال: قُرن إسرافيل بنبوّة رسول الله ﷺ ثلاث سنين، يسمع حسّه، ولا يرى شخصه. ثم كان بعد ذلك جبريلُ ﵇. قال الواقديّ: فذكرتُ ذلك لمحمّد بن صالح بن دينار، فقال: والله يا بن أخي لقد سمعت عبدَ الله بن أبي بكر بن حَزْم، وعاصم بن عمر بن قتادة يحدّثان في المسجد ورجل عراقيّ يقول لهما هذا، فأنكراه جميعًا وقالا: ما سمعنا ولا علمنا إلَّا أن جبريل هو الذي قُرن به، وكان يأتيه بالوحي من يوم نُبِّيء إلى أن توفِّي ﷺ (٢). (٢: ٣٨٦/ ٣٨٧).
٨١ - حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديّ عن داود، عن عامر، قال: أنزلتْ عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن على لسانه، فلمّا مضت ثلاث
стр. 2474
سنين قرن بنبوّته جبريل ﵇، فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة (١). (٢: ٣٨٧).
قال أبو جعفر: فلعلّ الذين قالوا: كان مقامُه بمكّة بعد الوحي عشرًا؛ عدُّوا مقامَه بها من حين أتاه جبريل بالوحْي من الله ، وأظهر الدعاء إلى توحيد الله. وعدّ الذين قالوا: كان مُقامه ثلاث عشرة سنة من أوّل الوقت الذي استنبيء فيه؛ وكان إسرافيل المقرون به وهي السنون الثلاث التي لم يكن أمِرَ فيها بإظهار الدعوة.
٨٢ - وقد روي عن قتَادة غيرُ القولين اللَّذين ذكرت؛ وذلك ما حدَّثت عن رَوح بن عبادة، قال: حدَّثنا سعيد، عن قَتادة، قال: نزل القرآن على رسول الله ﷺ ثمانى سنين بمكّة وعشرًا بعدما هاجر، وكان الحسن يقول: عشرًا بمكة وعشرًا بالمدينة (٢). (٢: ٣٨٧)
ذكر الوقت الذي عمل فيه التأريخ
٨٣ - قال أبو جعفر: ولما قدِم رسولُ الله ﷺ المدينة، أمر بالتأريخ فيما قيل. حدَّثني زكرياء بن يحيى بن أبي زائدة، قال: حدَّثنا أبو عاصم عن ابن جُرَيج، عن أبي سلمة، عن ابن شهاب: أن النبيّ ﷺ لما قدم المدينة - وقدمها في شهر ربيع الأول - أمر بالتأريخ.
قال أبو جعفر: فذكر أنَّهم كانوا يؤرّخون بالشهْر والشهرين من مَقْدَمه إلى أن تمت السنة (٣) (٢: ٣٨٨)
وقد قيل: إنَّ أول مَنْ أمر بالتأريخ في الإسلام عمر بن الخطاب، ﵀.
ذكر الأخبار الواردة بذلك:
стр. 2475
٨٤ - حدَّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا حَبَّان بن عليّ العَنَزِيّ عن مُجالد، عن الشعبيّ، قال: كتب أبو موسى الأشعريّ إلى عمر: إنَّه تأتينا منك كتب ليس لها تأريخ. قال: فجمع عمر النّاس للمشورة، فقال بعضُهم: أرّخْ لمبعثِ رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: لمهاجَر رسول الله ﷺ ، فقال عمر: لا بل نؤرّخ لمهاجَر رسولِ الله ﷺ ، فإنَّ مهاجَرَه فرق بين الحقّ والباطل (١). (٢: ٣٨٨).
٨٥ - حدّثني محمّد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا قُتيبة بن سعيد، قال: حدَّثنا خالد بن حيّان أبو يزيد الخرَّاز عن فُرات بن سَلْمان، عن ميمون بن مهران، قال: رفِعَ إلى عمر صَكٌّ مَحلّه في شعبان، فقال عمر: أيّ شعبان؟ الذي هو آت، أو الذي نحن فيه؟ قال: ثم قال لأصحاب رسولِ الله ﷺ : ضعوا للنّاس شيئًا يعرِفونه، فقال بعضهم: اكتبُوا على تأريخ الرّوم، فقيل: إنهم يكتبُون من عَهْدِ ذي القرنين؛ فهذا يطول. وقال بعضهم: اكتبوا على تأريخ الفرْس؛ فقيل: إنَّ الفرْس كلّما قام ملك طرح مَنْ كان قبله؛ فاجتمع رأيُهُم على أن ينظروا: كَمْ أقام رسول الله ﷺ بالمدينة؟ فوجدوه عشر سنين؛ فكتب التأريخ من هجرة رسول الله ﷺ (٢). (٢: ٣٨٨/ ٣٨٩).
٨٦ - حدِّثت عن أمية بن خالد، وأبي داود الطّيالسيّ عن قرّة بن خالد السَّدوسيّ، عن محمّد بن سيرين، قال: قام رجل إلى عمرَ بن الخطاب فقال: أرّخوا، فقال عُمر: ما "أرّخوا"؟ قال: شيء تفعله الأعاجم، يكتبون في شَهر كذا من سنة كذا، فقال عمر بن الخطاب: حَسَنٌ، فأرّخوا. فقالوا: من أيّ السنين نبدأ؟ قالوا: من مبعثِه، وقالوا: من وفاتِه؛ ثم أجمعوا على الهجرة. ثم قالوا: فأيّ الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان، ثم قالوا: المحرّم، فهو منصَرَف الناس من
стр. 2476
حَجِّهم؛ وهو شهر حرام، فأجمعوا على المحرَّم (١). (٢: ٣٨٩).
٨٧ - حدَّثني محمَّد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدَّثنا نوح بن قيس الطَّاحيّ، عن عثمان بن مِحْصن، أن ابنَ عباس كان يقول في: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ , قال: الفجر هو المحرّم، فجْر السنة (٢). (٢: ٣٩٠).
٨٨ - حدَّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم الفضل بن دُكَين، قال: حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق؛ عن الأسود بن يزيد، عن عُبيد بن عمير، قال: إنَّ المحرّم شهرُ الله ، وهو رأس السَّنة، فيه يكسَى البيت، ويؤرّخ التأريخ، ويضرب فيه الورق، وفيه يوم كان تاب فيه قوم، فتاب الله عليهم (٣). (٢: ٣٩٠).
٨٩ - حدَّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا رَوْح بن عبادة، قال: حدَّثنا زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار: أن أوَّل مَنْ أرّخ الكُتُب يعلى بن أميّة، وهو باليمن، وأنَّ النبي ﷺ قدم المدينة في شهر ربيع الأول، وأنَّ النَّاس أرَّخوا لأوَّل السَّنة؛ وإنما أرَّخ النَّاس لمقدَم النبيّ ﷺ (٤). (٢: ٣٩٠).
٩٠ - وقال عليّ بن مجاهد: عن محمَّد بن إسحاق، عن الزهريّ. وعن محمَّد بن صالح، عن الشعبيّ، قالا: أرَّخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم ﵇ إلى بنيان البيت، حين بناه إبراهيم وإسماعيل، ثم أرَّخ بنو إسماعيل من بُنيان البيت؛ حتى تفرَّقت، فكان كلَّما خرج قوم من تهامة أرّخوا بمخرجهم، ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرّخون من خروج سعد ونَهْد وجهينة بني زيد من تهامة، حتى مات كعب بن لؤي، فأرّخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل،
стр. 2477
فكان التأريخ من الفيل، حتى أرَّخ عمر بن الخطّاب من الهجرة؛ وذلك سنة سبع عشرة أو ثمانيَ عشرة (١). (٢: ٣٩٠/ ٣٩١).
٩١ - حدَّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحَكَم، قال: حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، قال: حدَّثنا الدراورديّ عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعتُ سعيد بن المسيِّب، يقول: جمع عمرُ بن الخطّاب النّاس، فسألهم، فقال: من أيّ يوم نكتب؟ فقال عليّ ﵇: من يوم هاجرَ رسول الله ﷺ , وتركَ أرض الشِّرْك، ففعله عمر ﵁ (٢). (٢: ٣٩١).
قال أبو جعفر: وهذا الذي رَوَاه عليّ بن مجاهد عمّن رواه عنه في تأريخ بني إسماعيل غيرُ بعيد من الحق؛ وذلك أنَّهم لم يكونوا يؤرّخون على أمر معروف يعمل به عامَّتهم، وإنما كان المؤرّخ منهم يؤرّخ بزمان قُحْمة كانت في ناحية من نواحي بلادهم، ولَزْبَةٍ أصابتهم؛ أو بالعامل كان يكون عليهم، أو الأمر الحادث فيهم ينتشر خبره عندهم؛ يدلّ على ذلك اختلافُ شعرائهم في تأريخاتهم؛ ولو كان لهم تأريخ على أمرٍ معروف، وأصلٍ معمول عليه، لم يختلف ذلك منهم.
ومن ذلك قول الربيع بن ضبُعِ الفَزَارِيّ:
هأَنَذَا آمُلُ الْخُلُودَ وقدْ ... أدْرَكَ عَقْلِي ومَوْلدِي حُجُرَا
أبا امْرِيء الْقَيسِ هَلْ سَمِعْتَ به ... هَيهاتَ هَيهاتَ طال ذَا عُمُرَا!
فأرَّخ عمْرَهُ بحجْر بن عمرو أبي امرئ القيس.
وقال نابغة بني جَعْدة:
فَمَنْ يَكُ سَائِلًا عَنِّي فِإنّي ... مِنَ الشُبَّانِ أزْمانَ الْخُنَانِ
فجعل النَّابعة تأريخَه ما أرَّخ بزمان علّة كانت فيهم عامّة.
وقال آخر:
ومَا هِيَ إلَّا في إزارٍ وعِلْقَةٍ ... مَغارَ ابْنِ هَمَّامٍ على حَيّ خَثْعَمَا
стр. 2478
فكلّ واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم في هذه الأبيات أرّخَ على قرْب زمان بعضهم من بعض، وقرْب وقت ما أرَّخ به من وقت الآخر بغير المعنى الذي أرَّخ بِهِ الآخر؛ ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم ولسائر الأمم غيرها، كانوا إن شاء الله لا يتعدَّوْنه؛ ولكنّ الأمر في ذلك كان عندهم إنْ شاء الله على ما ذكرت؛ فأمّا قريش من بين العرب؛ فإنَّ آخر ما حصلْتُ من تأريخها قبل هجرة النبيّ ﷺ من مكّة إلى المدينة على التأريخ بعام الفيل؛ وذلك عام وُلد رسولُ الله ﷺ ، وكان بين عام الفيل والفِجار عشرون سنة، وبين الفجارِ وبناء الكعبة خمس عشرة سنة، وبين بناء الكعبة ومبعث النبيّ ﷺ خمس سنين.
قال أبو جعفر: وبُعث رسولُ الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، وقُرن بنبوّته -كما قال الشعبيّ - ثلاث سنين: إسرافيلُ؛ وذلك قبل أن يؤمر بالدعوة وإظهارها على ما قدَّمنا الرواية والإخبار به، ثم قُرن بنبوّته جبريلُ ﵇ بعد السنين الثلاث، وأمرَه بإظهار الدعوة إلى الله، فأظهرَها، ودعا إلى الله مقيمًا بمكة عشر سنين، ثم هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأوّل من سنة أربع عشرة من حين استنبيء، وكان خروجه من مكّة إليها يوم الإثنين، وقدومه المدينة يوم الإثنين؛ لمضيّ اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول.
٩٢ - حدَّثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدَّثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعانيّ، عن ابن عبّاس، قال: ولِد النبيّ ﷺ يومَ الإثنين، واستُنبيء يوم الإثنين، ورفع الحجَر يوم الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكّة إلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وقبِض يوم الإثنين (١). (٢: ٣٩١/ ٣٩٢ / ٣٩٣).
٩٣ - وكان أوّلَ من تُوفّيَ بعد مقدمه المدينة من المسلمين - فيما ذكر - صاحب مَنْزِله كُلْثوم بن الهِدْم، لم يلبَث بعد مقدَمه إلا يسيرًا حتى مات.
ثم توفِّيَ بعده أسعدُ بن زُرارة في سنَة مقدَمه؛ أبو أمامة. وكانت وفاته قبل أن
стр. 2479
يَفْرُغَ رسول الله ﷺ من بناء مسجده، بالذَّبْحَة والشَّهْقَة. فحدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمد بن إسحاق. حدَّثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ قال: بئس المَيِّتُ أبو أمامة لِيَهودَ ومنافقي العرب! يقولون: لو كان محمّد نبيًّا لم يَمُتْ صاحبُه، ولا أمْلِكُ لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئًا (١). (٢: ٣٩٧).
٩٤ - وقد حدَّثنا محمَّد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع عن معمَر، عن الزهري، عن أنس، أن النبيّ ﷺ كَوَى أسعد بن زُرَارة من الشَّوْكَةِ (٢). (٢: ٣٩٨).
٩٥ - قال ابنُ حُميد، قال سلمَة عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاريّ أنه لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة، اجتمعتْ بنو النَّجار إلى رسول الله ﷺ وكان أبو أمامة نقيبَهم - فقالوا: يا رسولَ الله؛ إنَّ هذا الرّجل قد كان منَّا حيث قد علمت؛ فاجعلْ منَّا رجلًا مكانه، يقيم من أمرنا ما كان يقيمه، فقال لهم رسول الله ﷺ : أنتم أخوالِي وأنا منكم؛ وأنا نقيبكم.
قال: وكَرِه رسولُ الله ﷺ أن يَخُصَّ بها بعضَهم دون بعض؛ فكان من فَضْل بني النجار الذي تَعدَّ على قومهم: أن رسول الله ﷺ كان نقيبَهم (٣). (٢: ٣٩٨).
٩٦ - حدَّثنا عبدُ الحميد بن بَيَان السكريّ، قال: أخبرَنا محمَّد بن يزيد عن إسماعيل -يعني ابن أبي خالد- عن عبد الرحمن بن أبي الضَّحاك، عن رجل من قُرَيش، عن عبد الرحمن بن محمَّد، أن عبد الله بن صفوان وآخر معه أتيا عائشة، فقالت عائشة: يا فلان؛ أسمعتَ حديث حَفصَة؟ قال لها: نعم يا أمّ المؤمنين، قال لها عبدُ الله بن صفوان: وما ذاك؟ قالت: خلالٌ فيَّ تسع لم تكن في أحَدٍ من النِّساء إلا ما آتى الله مَرْيَمَ بنتَ عمْران؛ والله ما أقول هذا فخرًا على أحد من صواحبي، قال لها: وما هنَّ؟ قالت: نزل المَلكُ بصورتي، وتزوّجني رسول الله ﷺ لسبع سنين، وأهديتُ إليه لتسع سنين، وتزوّجني بكرًا لم يشرَكْهُ
стр. 2480
فيّ أحدٌ من الناس، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد، وكنتُ مِنْ أحبِّ الناس إليه، ونزل فيَّ آيةٌ من القرآن كادت الأمّةُ أن تهلك، ورأيت جبريل ولم يره أحَدٌ من نسائه غيري، وقُبض في بَيتي لم يلِهِ أحدٌ غير الملَك وأنا (١). (٢: ٣٩٩).
ذكر الرِّواية بذلك:
٩٧ - حدثنا ابنُ بشَّار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدَّثنا سفيان عن إسماعيل بن أميَّة، عن عبد الله بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: تزوّجني رسول الله ﷺ في شوّال، وبنَى بي في شوّال. وكانت عائشة تستحبُّ أن يُبْنى بالنساء في شوّال (٢). (٢: ٣٩٩).
٩٨ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عرْوة، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: تزوَّجني رسول الله ﷺ في شوّال، وبنى بي في شوّال، فأيُّ نساء رسول الله ﷺ كانت أحْظَى عنده منّي! وكانت عائشة تستحبّ أن يُدْخل بالنساء في شوّال (٣). (٢: ٤٠٠).
قال أبو جعفر: وقيل: إنَّ رسولَ الله ﷺ بَنَى بها في شوَّال يوم الأربعاء، في منزل أبي بكر بالسُّنْح.
وفي هذه السنة بعثَ النبيُّ ﷺ إلى بناتِهِ وزوجتِهِ سَوْدَة بنت زَمْعَة زيدَ بن حارثة وأبا رافع، فحملاهنَّ من مكّة إلى المدينة.
ولما رجع - فيما ذكر - عبد الله بن أرَيقِط إلى مكّة أخبن عبد الله بن أبي بكر بمكان أبيه أبي بكر، فخَرَجَ عبدُ الله بِعيَال أبيه إليه، وصَحِبَهم طلْحَة بن عبيد الله، معهم أمّ رُومان، وهي أمّ عائشة؛ وعبد الله بن أبي بكر حتى قدموا المدينة.
وفي هذه السنة زيدَ في صلاة الحَضَرِ - فيما قيل - ركعتان، وكانت صلاة الحَضَر والسفَر ركْعتين؛ وذلك بعد مقدَم رسول الله ﷺ المدينةَ بشهر، في ربيع
стр. 2481
الآخر لمُضيّ اثنتي عشرة ليلة منه، زعم الواقديّ أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه (١). (٢: ٤٠٠).
٩٩ - حدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: قال محمد بن عُمَر الواقدي: وُلِد ابنُ الزُّبير بعد الهجرة بعشرين شهرًا بالمدينة (٢). (٢: ٤٠١).
فكبر - فيما ذُكر - أصحابُ رسول الله ﷺ حين وُلِد؛ وذلك أن المسلمين كانوا قد تحدَّثوا أن اليهود يذكرون أنَّهم قد سَحَروهم فلا يُولَد لهم؛ فكان تكبيرُهم ذلك سرورًا منهم بتكذيب الله اليهود فيما قالوا من ذلك.
وقيل: إن أسماءَ بنت أبي بكر، هاجرتْ إلى المدينة وهي حاملٌ به.
وقيل أيضًا: إنَّ النعمان بن بشير ولد في هذه السنة؛ وإنَّه أوَّل مولود وُلِد للأنصار بعد هجْرة النبيّ ﷺ إليهم؛ وأنكر ذلك الواقديّ أيضًا (٣). (٢: ٤٠١).
١٠٠ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا الواقديّ، قال: حدَّثنا محمَّد بن يحيى بن سهل بن أبي حثْمَة عن أبيه، عن جدّه، قال: كان أوَّل مولود من الأنصار النعمان بن بشير؛ ولد بعد الهجْرَة بأربعة عشر شهرًا، فتوفي رسولُ الله ﷺ وهو ابن ثماني سنين، أو أكثر قليلًا.
قال: وولد النُّعمان قبل بدْر بثلاثة أشهر أو أربعة (٤). (٢: ٤٠١).
١٠١ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا مُصْعَب بن ثابت عن أبي الأسود، قال: ذُكِر النُّعمان بن بشير عند ابنِ الزبير، فقال: هو أسنُّ منِّي بستّة أشهر.
قال أبو الأسود: ولد ابنُ الزُّبير على رأس عشرين شهرًا من مهاجَر رسول الله ﷺ ، وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرًا في ربيع الآخر (٥). (٢: ٤٠١/ ٤٠٢).
стр. 2482
قال أبو جعفر: وقيل: إنَّ المُختارَ بن أبي عُبَيد الثَّقفيّ وزياد ابن سُمَيَّة فيها وُلد (١). (٢: ٤٠٢).
قال: وزعم الواقديّ أن رسولَ الله ﷺ عقد في هذه السَّنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجَره لحمزة بن عبد المطَّلب لواءً أبيض في ثلاثين رجلًا من المهاجرين، ليعترض لِعَيرات قريش، وأنَّ حمزة لقيَ أبا جهل [بن هشام] في ثلاثمئة رجل، فحجز بينهم مَجْدِيُّ بن عمْرو الجُهنيّ فافترقوا، ولم يكن بينهم قتال. وكان الذي يحمل لواءَ حمزة أبو مَرْثَد (٢). (٢: ٤٠٢).
وأنَّ رسول الله ﷺ عقد أيضًا في هذه السَّنة، على رأس ثمانية أشهر من مهاجَره في شوّال، لعُبَيدة بن الحارث بن المطَّلب بن عبد مناف لواء أبيض، وأمَرَه بالمسير إلى بطْن رَابغ، وأنَّ لواءه كان مع مِسْطَح بن أُثَاثَة، فبلغ ثنيَّة المرة - وهي بناحية الجُحْفة - في ستين من المهاجرين، ليس فيهم أنصاريّ؛ وأنَّهم التقوْا هم والمشركون على ماء يقال له: أحياء؛ فكان بينهم الرّمْي دون المسايَفة.
قال: وقد اختلفوا في أمير السريَّة؛ فقال بعضُهم: كان أبو سفيان بن حَرْب، وقال بعضهم: كان مُكرَز بن حفص.
قال الواقديّ: ورأيت الثَّبتَ على أبي سفيان بن حرب، وكان في مئتين من المشركين (٣). (٢: ٤٠٢).
١٠٢ - قال: وفيها عَقَد رسولُ الله ﷺ لسعد بن أبي وقّاص إلى الخَرَّار لواءً أبيض يحمله المقداد بن عمرو في ذي القَعْدة. وقال: حدَّثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: خرجتُ في عشرين رجلًا على أقدامِنا -أو قال: واحد وعشرين رجلًا- فكُنَّا نكمُنُ النَّهار، ونسير الليل حتى صَبَّحْنا الخَرَّار صُبْح خامسةٍ؛ وكان رسولُ الله ﷺ قد عهد إليَّ ألَّا أجاوز الخَرَّار،
стр. 2483
وكانت العِيرُ قد سبقتْني قبل ذلك بيوم، وكانوا ستين، وكان مَنْ مع سعد كلُّهم من المهاجرين (١). (٢: ٤٠٣).
قال أبو جعفر: وقال ابن إسحاق في أمر كلّ هذه السرايا التي ذكرتُ عن الواقديّ قولَه فيها غير ما قاله الواقديّ، وأنَّ ذلك كلَّه كان في السنة الثّانية من وقت التاريخ (٢). (٢: ٤٠٣).
١٠٣ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: قدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ في شهر ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة مضت منه، فأقام بها ما بقِيَ من شهر ربيع الأوَّل وشهرَ ربيع الآخَر وَجُمَادَيَيْن وَرَجَبَ وشعبان ورمضان وشَوَّالًا وذَا القَعدة وذا الحجَّة -وولي تلك الحجَّة المشركون- والمحرَّمَ. وخرج في صفَر غازيًا على رأس اثني عشر شهرًا من مقدَمه المدينة، لِثنْتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل؛ حتى بلغ وَدَّان؛ يريد قريشًا وبني ضَمْرة بن بكْر بن عبد مناة بن كنانة؛ وهي غزوة الأبْواء، فوادعتْهُ فيها بنو ضَمْرة؛ وكان الذي وادَعه منهم عليهم سيّدهم كان في زمانه ذلك، مَخشِيّ بن عمرو، رجل منهم.
قال: ثمّ رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ولم يلقَ كيدًا، فأقام بها بقيَّة صَفر وصدْرًا من شهر ربيع الأوّل.
وبعث في مقامه ذلك عُبَيدَةَ بن الحارث بن المطَّلب في ثمانين أو ستين راكبًا من المهاجرين؛ ليس فيهم من الأنصار أحدٌ، حتى بَلَغ أحياء (ماء بالحجاز بأسفل ثنيَّة المَرة)، فلقِيَ بها جَمْعًا عظيمًا من قريش؛ فلم يكن بينهم قتال؛ إلَّا أن سعد بن أبي وقَّاص قد رَمى يومئذ بسهم؛ فكان أوّل سهم رُمِي به في الإسلام.
ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامِيَةٌ، وَفَرَّ مِنَ المشركين إلى المسلمين المِقْداد بن عمرو البَهْرانيّ حليف بني زُهْرة، وعُتْبة بن غَزْوان بن جابر حليف بني نوْفل بن عبد مناف- وكانا مسلمين؛ ولكنّهما خرجا يتوصَّلان بالكُفَّار
стр. 2484
إلى المسلمين- وكان على ذلك الجمع عِكْرِمَة بن أبي جهل.
قال مُحَمّد: فكانت رايةُ عُبَيدة - فيما بلغني - أول راية عقدها رسولُ الله ﷺ في الإسلام لأحد من المسلمين.
وحدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وبعض العلماء يزعُم أن رسولَ الله ﷺ كان بعثه حين أقبل من غزوة الأبْواء قبل أن يصِلَ إلى المدينة. قال: وبعث حمزة بن عبد المُطَّلب في مقامه ذلك إلى سيف البحر من ناحية العِيص في ثلاثين راكبًا من المهاجرين؛ وهي من أرض جُهَينة ليس فيهم من الأنصار أحدٌ، فلقِيَ أبا جهل بن هشام بذلك السَّاحل في ثلاثمئة راكب من أهل مكَّة، فحجز بينهم مَجْديُّ بن عمرو الجُهَنيّ، وكان مُوَادِعًا للفريقين جميعًا، فانصرف القومُ بعضهم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال.
قال: وبعضُ القوم يقول: كانت راية حمزة أول راية عقَدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بَعْثَه وَبَعْثَ عُبَيدة بن الحارث كانا معًا، فشُبِّه ذلك على الناس.
قال: والَّذي سمعْنا من أهل العلم عندنا: أن راية عُبيدة بن الحارث كانت أوّل راية عُقِدت في الإسلام.
قال: ثم غزا رسولُ الله ﷺ في شهر ربيع الآخر، يريد قريشًا، حتى إذا بلغ بُوَاط من ناحية رَضْوَى رجع ولم يَلْقَ كيدًا، فلبث بقيَّة شهر ربيع الآخر وبعضَ جُمادى الأولى.
ثم غزا يريد قريشًا، فسلَكَ على نَقْب بني دينار بن النجَّار، ثم على فَيفَاء الخَبَار، فنزل تحت شجرة ببطْحاء ابن أزْهَر، يقال لها: ذات السَّاق، فصلَّى عندها، فثمّ مسجده. وصُنِعَ له عندها طعامٌ فأكل منه وأكل الناس معه، فموضع أثَافيّ البُرْمة معلوم هنالك. واستُقِيَ له من ماء به يقال له المُشَيرِب. ثم ارتَحَل فترك الخلائق بيَسار، وسلك شعْبَة يقال لها شعبة عبد الله -وذلك اسمها اليوم- ثم صبَّ ليَسار، حتى هبطَ يَلْيَلِ، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضَّبُوعة؛ واستُقِيَ له من بئر بالضَّبُوعة. ثم سلك الفرْش؛ فرش ملَل، حتى لقيَ الطريق بصخَيرات
стр. 2485
اليمام. ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العُشَيْرَة من بطن يَنْبُع، فأقام بها بقيَّة جُمَادى الأولى ولياليَ من جُمادى الآخرة، ووادَع فيها بني مُدْلج وحلفاءهم من بني ضَمْرة. ثم رجع إلى المدينة، ولم يلْقَ كيدًا.
وفي تلك الغزوة قال لعليّ بن أبي طالب ﵇ ما قال:
قال: فلم يُقِمْ رسولُ الله ﷺ حين قَدِم من غَزْوة العُشَيرة بالمدينة إلَّا لياليَ قلائل لا تَبْلغ العَشْر، حتى أغار كُرْزُ بن جابر الفِهْريّ على سَرْح المدينة، فخرج رسولُ الله ﷺ في طلَبه، حتى بلغ واديًا يقال له: سَفَوان من ناحية بدْر، وفَاتَه كرز فلم يدرِكه؛ وهي غزوة بدر الأولى؛ ثم رجع رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، فأقام بها بقيَّة جُمادى الآخرة ورجبَ وشعبان. وقد كان بعث فيما بين ذلك سَعْد بن أبي وَقَّاص في ثمانية رهط (١). (٢: ٤٠٣/ ٤٠٤ / ٤٠٥/ ٤٠٦).
وزعم الواقديّ أن في هذه السنة -أعني السَّنة الأولى من الهجرة- جاء أبو قيس بن الأسْلَت رسولَ الله ﷺ ، فعرَض عليه رسولُ الله ﷺ الإسلام، فقال: ما أحسَنَ ما تدعو إليه! أنظُرُ في أمري، ثم أعود إليك. فلقيَهُ عبدُ الله بن أبيّ، فقال له: كرهتَ والله حرب الخزرج! فقال أبو قيس: لا أسلِم سنة؛ فمات في ذي القعدة (٢). (٤٠٦: ٢).
ثم كانت السنة الثانية من الهجرة
فغزا رسولُ الله ﷺ في قولِ جميع أهل السِّيَر - فيها، في ربيع الأوّل بنفسه غَزْوَةَ الأبواء - ويقال وَدَّان - وبينهما ستَّة أميال هي بحذائها؛ واستخلَف رسولُ الله ﷺ على المدينة حين خرج إليها سعدَ بن عُبادة بن دُلَيم. وكان صاحبَ لوائه في هذه الغَزاة حمزة بن عبد المُطَّلب، وكان لواؤه -فيما ذكر- أبيض.
وقال الواقديّ: كان مُقامه بها خمسَ عشرة ليلة، ثم قَدِم المدينة.
* * *
стр. 2486
قال الواقدي: ثم غزا رسولُ الله ﷺ في مئتين من أصحابه؛ حتى بلغ بُواط في شهر ربيع الأوّل؛ يعترض لِعيرات قريش، وفيها أميَّة بن خَلَف ومئة رجلٍ من قريش، وألفان وخمسمئة بعير. ثم رَجَعَ ولم يَلْقَ كيدًا.
وكان يحملُ لواءه سعدُ بن أبي وقَّاص، واستخلَف على المدينة سَعْد بن مُعاذ في غَزْوتِه هذه.
* * *
قال: ثم غزا في ربيع الأوّل في طلب كُرْزين بن جابر الفِهْريّ في المهاجرين، وكان قد أغار على سَرْح المدينة، وكان يرعى بالجَمَّاءِ فاستاقه، فطلبه رسولُ الله ﷺ حتى بلغ بدْرًا فلم يلحقه؛ وكان يحمل لواءه عليُّ بن أبي طالب ﵇. واستخلف على المدينة زيدَ بن حارثة (١). (٢: ٤٠٧).
١٠٤ - قال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة في صَفر لليال بقينَ منه، تزوَّج عليُّ بن أبي طالب ﵇ فاطمةَ ﵂؛ حُدِّثتُ بذلك عن محمّد بن عمر، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن أبي جعفر (٢). (٢: ٤١٠).
سرية عبد الله بن جحش
١٠٥ - قال أبو جعفر: وخالف في بعض هذه القصة محمدَ بن إسحاق والواقديّ جميعًا السديّ؛ حدَّثني موسى بن هارون، قال: حدَّثنا عمرو بن حمَّاد، قال: حدَّثنا أسْباط، عن السدّيّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ وذلك أن رسولَ الله ﷺ بَعَث سريَّة وكانوا سبعة نَفر؛ عليهم عبد الله بن جحش الأسديّ وفيهم عمَّار بن ياسر، وأبو حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقَّاص، وعُتْبة بن غزوان السُّلَميّ حليف لبني نَوْفل، وسُهَيل بن بيضاء، وعامر بن فُهَيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعيّ؛
стр. 2487
حليف لعمر بن الخطاب. وكتب مع ابن جحش كتابًا وأمره ألَّا تقرَأه حتى ينزل بطن ملَل؛ فلمَّا نزل بطنَ مَلَل فتح الكتاب؛ فإذا فيه: أن سِرْ حتَّى تنزل بطن نخلة؛ فقال لأصحابه: مَنْ كان يريد الموت فليَمْضِ وليُوصِ؛ فإني مُوصٍ وماضٍ لأمر رسولِ الله ﷺ . فسار وتخلَّف عنه سعد بن أبي وقَّاص وعُتْبة بن غزوان، أضَلَّا راحلة لهما، فأتيا بُحْران يطلبانِها، وسار ابنُ جَحْش إلى بطْن نخلة؛ فإذا هو بالحكَم بن كَيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرميّ؛ فاقتتلوا، فأسَرُوا الحَكم بن كَيسان وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقُتِل عمرو بن الحضرميّ؛ قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّلَ غنيمة غَنِمها أصحابُ محمَّد ﷺ .
فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا من الأموال؛ أراد أهل مكَّة أن يُفادوا الأسيرين، فقال النبي ﷺ : حتَّى ننظرَ ما فعل صاحبانا! فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين، ففجَر عليه المشركون، وقالوا: مُحمَّد يزعم أنَّه يتبع طاعة الله، وهو أوَّلُ مَن استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجَب! فقال المسلمون: إنَّما قتلناه في جُمادى -وقيل في أوَّل ليلة من رجَب وآخر ليلة من جُمادى- وغَمَدَ المسلمون سيوفهم حين دخل رجب؛ فأنزل الله يُعَيِّر أهل مكة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ... ﴾ الآية (١).
(٢: ٤١٣/ ٤١٤).
قال أبو جعفر: وقد قيل: إنَّ النبيَّ ﷺ كان انتدَب لهذا المسير أبا عُبيدة بن الجرَّاح، ثم بدا له فيه، فندَب له عبد الله بن جحش (٢). (٢: ٤١٤/ ٤١٥).
ذكر الخبر بذلك:
١٠٦ - حدَّثنا محمّد بن عبد الأعلى؛ حدَّثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه: أنه حدَّثه رجل عن أبي السَّوَّار؛ يحدّثه عن جُنْدَب بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ أنَّه بعث رهطًا، فبعث عليهم أبا عبيدة بن الجرَّاح؛ فلمَّا أخذ لينطلق بكى صَبابَةً إلى رسول الله ﷺ ، فبعث رجلًا مكانه يقال له عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا
стр. 2488
وأمره ألَّا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا: "ولا تُكرِهنَّ أحدًا من أصحابك على السَّير معك". فلمَّا قرأ الكتاب استرجع، ثم قال: سمعًا وطاعة لأمر الله ورسوله! فخَبَّرَهم بالخبر؛ وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان ومضى بقيَّتهم، فلقوا ابن الحضرميّ فقتلوه، ولم يدرُوا ذلك اليوم من رَجَب أو من جُمادى! فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا في الشَّهر الحرام! فأتَوا النَّبى ﷺ ، فحدَّثوه الحديث، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الفتنة هي الشِّرْك.
وقال بعض الذين -أظنُّه قال- كانوا في السريّة: والله ما قَتَله إلَّا واحدٌ؛ فقال: إن يكن خيرًا فقد وليتَ، وإنْ يكن ذنبًا فقد عمِلت (١). (٢: ٤١٥).
ذكر بقية ما كان في السنة الثانية من سني الهجرة
ومن ذلك ما كان من صرْف الله قِبْلَةَ المسلمين من الشَّام إلى الكعبة، وذلك في السنة الثانية من مقدَم النبيّ ﷺ المدينة في شعبان (٢). (٢: ٤١٥/ ٤١٦).
واختلف السَّلَف من العلماء في الوقت الذي صُرفت فيه من هذه السَّنة؛ فقال بعضهم -وهم الجمهور الأعظم-: صُرفت في النّصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدَم رسول الله ﷺ المدينة (٣). (٢: ٤١٧).
ذكر من قال ذلك:
١٠٧ - حدَّثنا موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدَّثَنا عمرو بن حَمَّاد،
стр. 2489
قال: حدَّثنا أسْبَاط عن السُّدّيّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عَبَّاس- وعن مُرة الهمدانيّ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبيّ ﷺ : كان النَّاس يصلّون قِبَل بيت المقدس؛ فلما قَدِم النبي ﷺ المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهَاجَره، كان إذا صلَّى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر، وكان يصلّي قِبَل بيت المقدس؛ فنسختْها الكعبة، وكان النبي ﷺ يحب أن يصلِّيَ قبَل الكعبة، فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ... ﴾ الآية (١). (٢: ٤١٦).
١٠٨ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: صُرِفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدَم رسول الله ﷺ المدينة (٢). (٤١٦: ٢).
١٠٩ - وحُدِّثت عن ابن سعد، عن الواقديّ مثل ذلك. وقال: صرِفت القبلة في الظّهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان (٣). (٢: ٤١٦).
قال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة فُرِض - فيما ذكر - صومُ رمضان. وقيل: إنَّه فرِض في شعبان منها. وكان النبيّ ﷺ حين قدم المدينة رأى يهود تصوم يومَ عاشوراء؛ فسألهم فأخبروه أنَّه اليوم الذي غَرّق الله فيه آلَ فرعون، ونَجَّى موسى ومن معه منهم؛ فقال: نحنُ أحقُّ بموسى منهم. فصامَ وأمر النَّاس بصومه، فلمّا فُرض صوم شهر رمضان، لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه.
وفيها أمر الناس بإخراج زكاة الفطر. وقيل: إنَّ النبيّ ﷺ خطب الناس قبل [يوم] الفِطْر بيوم أو يومين، وأمرهم بذلك.
وفيها خرَج إلى المُصلَّى فصلَّى بهم صلاة العيد؛ وكان ذلك أولَ خَرْجَةٍ خرجها بالناس إلى المصلَّى لصلاة العيد.
وفيها - فيما ذكر - حُمِلت العنزة له إلى المصلَّى، فصلَّى إليها، وكانت للزبير بن العوام -كان النجاشيّ وهبها له- فكانت تحمَلُ بين يديه في الأعياد،
стр. 2490
وهي اليوم فيما بلغني عند المؤذّنين بالمدينة (١). (٢: ٤١٧/ ٤١٨).
ثم اختلفوا في اليومِ الَّذي فيه كانت الحرب بينه وبينهم، فقال بعضهم: كانت وقْعة بدر يوم تسعة عشر من شهر رمضان.
ذكر من قال ذلك:
١١٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا هارون بن المغيرة عن عنْبسة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، قال: التمِسُوا ليلَة القَدْرِ في تِسْع عشرة ليلةً من رمضان؛ فإنها ليلةُ بَدْر (٢). (٢: ٤١٨).
١١١ - حدَّثنا محمد بن عُمارة الأسديّ، قال: حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حُجَير الثعلبيّ، عن الأسود عن عبد الله، قال: التمسوا ليلة القدر في تسعَ عشرة من رمضان، فإنَّ صبيحتَها كانت صبيحة بدر (٣). (٢: ٤١٨/ ٤١٩).
١١٢ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا عُبيد بن محمد المحاربيّ، قال: حدثنا ابنُ أبي الزّناد عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن زيد: أنه كان لا يُحْيِي ليلةً من شهر رمضان كما يحبي ليلةَ تسع عشرة وثلاث وعشرين، ويصبح وجهه مصفرًّا مِنْ أثَر السَّهَر، فقيل له، فقال: إنَّ الله فرَق في صبيحتها بين الحقّ والباطل (٤). (٢: ٤١٩).
١١٣ - حدَّثنا الحارث، قال: حدثنا ابنُ سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدثنا الثوريّ عن الزُّبَيْر بن عديّ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: كانتْ بدر صبيحة تسعَ عشرة من رمضان (٥). (٢: ٤١٩).
١١٤ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن