Полный текст (6 167 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فِيهَا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ﴾.
طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه فقال: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارًا، وإنما يعودون إليكم إن عادوا، اضطرارًا مكرهين، وذلك لأن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، ولا يرتد أحد عنه، ولا محيد لأحد منه.
ولهذا قال: ﴿قَدِ افْتَرَينَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي فهو كافينا، وهو العاصم لنا وإليه ملجؤنا في جميع أمورنا.
ثم استفتح على قومه، واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي الحاكمين. فدعا عليهم، والله لا يرد دعاء رسوله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه وخالفوه. ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون: ﴿وَقَال الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
[عقاب الله]:
قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة، أي رجفت بهم أرضهم، وزلزلت زلزالًا شديدًا، أزهقت أرواحهم من أجسادهم، وصيّرت حيوان أرضهم كجمادها، وأصبحت جثثهم جاثية، لا أرواح فيها ولا حركات بها، ولا حواس لها.
وقد جمع الله عليهم أنواعًا من العقوبات، وصنوفًا من المثلات، وأشكالًا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات، سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكتت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائهم والجهات.
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها، في سياق قصة الأعراف أرجفوا نبي الله وأصحابه، وتوعدوهم بالإخراج من قريتهم، أو ليعودون في ملتهم راجعين. فقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ فقابل الإرجاف بالرجفة، والإخافة بالخيفة، وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق.
وأما في سورة هود: فذكر أنهم أخذتهم الصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح، الذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح، فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكنتهم.
وأما في سورة الشعراء: فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة، وكان ذلك إجابة لما طلبوا، =стр. 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٨٥) وَمَا أَنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ(١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَينَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(١٨٧) قَال رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قال الله تعالى وهو السميع العليم: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره: أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين، فقوله ضعيف. وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما: أنه قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ الْمُرْسَلِينَ(١٧٦) إِذْ قَال لَهُمْ شُعَيبٌ﴾ ولم يقل أخوهم كما قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا﴾. والثاني: أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة.
والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأنه وصفهم بعبادة الأيكة، فلا يناسب ذكر الأخوة هاهنا، ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم، وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة.
وأما احتجاجهم بيوم الظلة، فإن كان دليلًا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلًا على أنهم أمتان أخريان، وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئًا من هذا الشأن. فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب ﵇، من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن شقيق بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا "إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهم شعيبًا النبي ﵇". فإنه حديث غريب. وفي رجاله من تكلم فيه. والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو. مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل .. والله أعلم.
ثم قد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان، فدل على أنهم أمة واحدة، أهلكوا بأنواع من العذاب. وذكر في كل موضع ما يناسبه من الخطاب.
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ذكروا أنه أصابهم حر شديد، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيها أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الأرواح، وأخرجت الأشباح.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ(٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾، ونجى الله شعيبًا ومن معه من المؤمنين، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّينَا شُعَيبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ(٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. =стр. 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ(٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾، وهذا في مقابلة قولهم: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
ثم ذكر تعالى عن نبيهم: أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخًا ومؤنبًا ومقرعًا، فقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَال يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي أعرض عنهم موليًا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلًا: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ أي قد أديت ما كان واجبًا عليّ من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه، فلم ينفعكم ذلك، لأن الله لا يهدي من ضل وما لهم من ناصرين، فلست أتأسف بعد هذا عليكم، لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة، ولا تخافون يوم الفضيحة.
ولهذا قال: ﴿فَكَيفَ آسَى﴾ أي أحزن ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي لا يقبلون الحق ولا يرجعون إليه ولا يلتفتون إليه فحلَّ بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدفع ولا يمانع، ولا محيد لأحد أريد به عنه، ولا مناص عنه. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس: أن شعيبًا ﵇ كان بعد يوسف ﵇.
نبيُّ اللهِ يُوسف ﵇ -
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
[من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل]:
وقد أنزل الله في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم، ليُتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَينَا إِلَيكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣].
وجملة القول في هذا المقام: أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، بلسان عربي فصيح، بيّن واضح جلي، يفهمه كل عاقل ذكي، فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان، بأفصح لغة وأظهر بيان.
فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه، ودمغ الباطل وزيفه ورده. وإن كان في الأوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج، وأبين حكمًا وأعدل حكمًا، فهو كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا =стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣) ﴾ أي بالنسبة إلى ما أوحي إليك فيه.
كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا(٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا(١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١].
يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد. كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين علي، مرفوعًا وموقوفًا: "من ابتغى الهدى في غيره أضله الله".
وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشام، أنبأنا خالد عن الشعبي، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ قال: فغضب وقال: "أتتهوكون فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني". إسناد صحيح [مسند أحمد ح ١٥١٥٨].
ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين".
وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف. وفي بعضها: أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال في خطبته: "أيها الناس .. إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارًا، وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون"، ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفًا حرفًا. [مسند أحمد / ح ١٨٣٦٣].
[حلم يوسف ﵇ -]:
﴿إِذْ قَال يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(٤) قَال يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيدًا إِنَّ الشَّيطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ(٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤ - ٦].
قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدًا ذكرًا وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم يوسف ﵇. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى =стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ =стр. 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَو اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ(٩) قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ٨ - ١٠].
[التخلص من يوسف ﵇ -]:
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم، والدلالات والمواعظ والبينات. ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه -يعنون شقيقه لأمه بنيامين- أكثر منهم، وهم عصبة أي جماعة يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي بتقديمه حبهما علينا.
ثم استوروا فيما بينهم في قتل يوسف، أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها، ليخلو لهم وجه أبيهم: أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم، وأضمروا التوبة بعد ذلك.
فلما تمالؤوا على ذلك وتوافقوا عليه: ﴿قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي المارة من المسافرين ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما تقولون لا محالة، فليكن هذا الذي أقول لكم، فهو أقرب حالًا من قتله أو نفيه وتغريبه.
فأجمعوا رأيهم على هذا، فعند ذلك ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ(١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(١٢) قَال إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ(١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم، وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم.
فأجابهم الشيخ، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم: يل بني .. يشق عليَّ أن أفارقه ساعة من النهار، ومع هذا أخشى أن تشغلوا في لعبكم وما أنتم فيه، فيأتي الذئب فيأكله، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه.
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة، إنا إذًا لخاسرون، أي عاجزون هالكون.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَينَا إِلَيهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ(١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ(١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٥ - ١٨].
لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب، أي في قعره على راعونته، وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها "الماتح" وهو الذي يتزل ليملأ الدلاء إذا قل الماء، والذي يرفعها بالحبل يسمى "الماتح". =стр. 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ(٢٠) وَقَال الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
يخبر الله تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة، أي مسافرون، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف.
فلما رآه ذلك الرجل ﴿قَال يَابُشْرَى﴾ أي يا بشارتي ﴿هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي أوهموا أنه =стр. 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٠) وَقَال الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي أحسني إليه ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه، بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة.
وقال ابن إسحاق عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حيث قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾ وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه، ويعتنيان به، مكنّا له في أرض مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي فهمها، وتعبير الرؤيا من ذلك ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي إذا أراد شيئًا فإنه يقيض له أسبابًا وأمورًا لا يهتدي إليها العباد. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد وهو حد الأربعين الذي يوحي الله فيه إلى عباده النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين.
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: هو الحلم. وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة، وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥].
محاولة امرأة العزير الإغرائية:
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالتْ هَيتَ لَكَ قَال مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(٢٥) قَال هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ =стр. 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ(٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَال إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ(٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٣ - ٢٩].
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف ﵇ عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه وهي في غاية الجمال والمال، والمنصب والشباب وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها وهي مع هذا كله امرأة الوزير.
وهذا كله من أن يوسف ﵇ شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء، وحماه عن مكر النساء، فهو سيد السادة النجباء، السبع الأتقياء، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء، في قوله ﵊ من رب الأرض والسماء: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله" [صحيح البخاري / ٦٦٠ / كتاب الأذان].
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص، فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعني زوجها صاحب المنزل، سيدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أي أحسن إليَّ وأكرم مقامي عنده ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وقد تكلمنا على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ بما فيه كفاية ومقنع في التفسير.
وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنه أولى بنا. والذي يجب أن يعتقد: أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي هرب منها طالبًا الباب ليخرج منه فرارًا منها، فاتبعته في أثره ﴿وَأَلْفَيَا﴾ أي وجدا ﴿سَيِّدَهَا﴾ أي زوجها ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ فبدرته بالكلام وحرضته عليه ﴿قَالتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ اتهمته وهي المتهمة، وبرأت عرضها، ونزهت ساحتها، فلهذا قال يوسف ﵇: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة.
[وشهد شاهد من أهلها]:
فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قَدَّت مقدم قميصه، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي =стр. 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالتِ اخْرُجْ عَلَيهِنَّ فَلَمَّا رَأَينَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ(٣١) قَالتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ(٣٢) قَال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ(٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٠ - ٣٤].
يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا، لأنه مولى من الموالي وليس مثله أهلًا لهذا. ولهذا قلن: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي في وضعها الشيء في غير محله.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنّ﴾ أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها، والإشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها، فأظهرن ذمًّا وهي معذورة في نفس الأمر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل ما لديهن. فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها، وأعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت من جملة ذلك شيئًا مما يقطع بالسكاكين، كالأترج ونحوه، وآتت كل واحدة منهن سكينًا، وكانت قد هيأت يوسف ﵇، وألبسته أحسن الثياب، وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرته بالخروج عليهن بهذه الحالة، فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.
﴿فَلَمَّا رَأَينَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي أعظمنه وأجللنه وهبنه، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم، وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
وقد جاء في حديث الإسراء: "فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن". قال السهيلي وغيره من الأئمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم ﵇، لأن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه مِن روحه. فكان في غاية نهايات الحسن البشري. ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه، ويوسف كان على النصف من حسن آدم.
﴿قَالتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ثم مدحته بالعفة التامة فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ =стр. 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ(٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَال أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَال الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْويلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(٣٦) قَال لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ(٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أَسْمَاءً سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٣٤ - ٤١].
[سجن يوسف ﵇ -]:
يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنه بدا لهم، أي ظهر لهم من الرأي بعدما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت، ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية، وأحمد لأمرها، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها، فسجنوه ظلمًا وعدوانًا. وكان هذا مما قدر الله له، ومن جملة ما عصمه به، فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم.
قال الله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ قيل: كان أحدهما ساقي الملك. فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه، ودله وطريقته، وقوله وفعله، وكثرة عبادته ربه، وإحسانه إلى خلقه، فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه.
فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرها لهما وقالا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها، خبير بأمرها ﴿قَال لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ قيل معناه مهما رأيتما من حلم فإني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أَقول. وقيل معناه: أني أخبركم بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوًا وحامضًا، كما قال عيسى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].
وقال لهما: إن هذا من تعليم الله إياي، لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام: إبراهيم الخليل، وإسحاق ويعقوب. ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ =стр. 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أَسْمَاءً سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ أي المتصرف في خلقه الفعال لما يريد، الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ أي وحده لا شريك له و ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي المستقيم والصراط القويم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره.
وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال، لأن نفوسهما معظمة له، منبعثة على تلقي ما يقول بالقبول، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه. ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي وقع هذا لا محالة، ووجب كونه على كل حالة.
وقد روي عن ابن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا: لم نر شيئًا، فقال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. ﴿وَقَال لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. يخبر تعالى أن يوسف قال للذي ظنه ناجيًا منهما وهو الساقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك. وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب.
﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي فأَنسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف ﵇. قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد: وهو الصواب، وهو منصوص أهل الكتاب.
﴿فَلَبِثَ﴾ يوسف ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع، ومن قال إن الضمير في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله، وإن كان قد روي عن ابن عباس وعكرمة. والحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه، تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي وهو متروك. ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل، ولا هاهنا بطريق الأولى والأحرى .. والله أعلم.
[خروج يوسف من السجن]:
﴿وَقَال الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ(٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْويلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ(٤٤) وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْويلِهِ فَأَرْسِلُونِ(٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا =стр. 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٦) قَال تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ(٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ(٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣ - ٤٩].
هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف ﵇ من السجن على وجه الاحترام والإكرام، وذلك أن ملك مصر لما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها، بل ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي أخلاط أحلام من الليل، لعله لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك. ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْويلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ فعند ذلك تذكر الناجي منهما، الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا، وذلك عن تقدير الله وله الحكمة في ذلك. فلما سمع رؤيا الملك، ورأى عجز الناس عن تعبيرها، تذكر أمر يوسف، وما كان أوصاه به من التذكار.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ﴾ أي تذكر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد مدة من الزمن فقال لقومه وللملك: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْويلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ أي فأرسلون إلى يوسف فجاءه فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
فبذل يوسف ﵇ ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط، ولا طلب الخروج سريعًا، بل أجابهم إلى ما سألوه، وعبر لهم ما كان من منام الملك، الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني ما كانوا يعصرونه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها.
فعبر لهم، وعلى الخير دلهم، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم، وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الأوَل في سنبله، إلا ما يرصد بسبب الأكل، ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية، إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم.
﴿وَقَال الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَال ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيمٌ(٥٠) قَال مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ قَالتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ(٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيدَ الْخَائِنِينَ(٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥٣].
لما أحاط الملك علمًا بكمال علم يوسف ﵊، وتمام عقله، ورأيه السديد وفهمه، أمر بإحضاره إلى حضرته، ليكون من جملة خاصته. فلما جاءه الرسول بذلك، =стр. 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥٤) قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ(٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٧].
لما ظهر للملك براءة عرضه، ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه ﴿وَقَال الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي أجعله من خاصتي، ومن أكابر دولتي، ومن أعيان حاشيتي، فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله ﴿قَال إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَينَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي ذو مكانة وأمانة.
﴿قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأهرام لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سني الخصب، لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه، من الاحتياط لهم والرفق بهم، وأخبر الملك أنه حفيظ، أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه، عليم بضبط الأشياء ومصالح الأهرام. وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة. =стр. 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَال ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيلَ وَأَنَا خَيرُ الْمُنْزِلِينَ(٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ(٦٠) قَالُوا سَنُرَاودُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ(٦١) وَقَال لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٥٨ - ٦٢].
يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف ﵇ إلى الديار المصرية يمتارون طعامًا، وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر العباد والبلاد. وكان يوسف ﵇ إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينًا ودنيا. فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه، لأنه لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف ﵇ من المكانة والعظمة، فلهذا عرفهم وهم له منكرون.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ وأي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته، من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه ﴿قَال ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وكان قد سألهم عن حالهم، وكم هم؟ فقالوا: كنا اثني عشر رجلًا، فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا. فقال: إذا قدمتم من العام المقبل فائتوني به معكم.
﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيلَ وَأَنَا خَيرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؟ أي قد أحسنت نزلكم وقراكم، فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي فلست أعطيكم ميرة، ولا أقريكم بالكلية، عكس ما أسدى إليهم أولًا. فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب.
﴿قَالُوا سَنُرَاودُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي وإنا لقادرون على تحصيله. ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(٦٣) قَال هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيهِ إلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَينَا وَنَمِيرُ =стр. 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٥) قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَال اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ(٦٦) وَقَال يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ(٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٣ - ٦٨].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وقولهم له: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيلُ﴾ أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا، فإن أرسلته معنا لم يمنع منا. ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي شيء نريد وقد ردَّت إلينا بضاعتنا؟ ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بسببه ﴿كَيلَ بَعِيرٍ﴾. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَيلٌ يَسِيرٌ﴾ قابلة ذهاب ولده الآخر.
وكان يعقوب ﵇ أضن شيء بولده بنيامين، لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه، ويتعوض بسببه منه. فلهذا قال: ﴿قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي إلَّا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به. ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَال اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
أكد المواثيق وقرر العهود، واحتاط لنفسه في ولده، ولن يغني حذر من قدر! ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة، لما بعث الولد العزيز، ولكن الأقدار لها أحكام، والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد، ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم.
ثم أمرهم ألا يدخلوا المدينة من باب واحد، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة. وقيل: أراد ألا يصيبهم أحد بالعين، وذلك لأنهم كانوا أشكالًا حسنة وصورا بديعة. قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك.
وقيل: أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرًا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر. قاله إبراهيم النخعي، والأول أظهر. ولهذا قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ قَال إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ(٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ(٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ(٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ(٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ(٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ(٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ =стр. 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَال أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ(٧٧) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(٧٨) قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٦٩ - ٧٩].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف، وإيوائه إليه، وإخباره له سرًّا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم، وسلاه عما كان منهم من الإساءة إليه.
ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم، فأمر فتيانه بوضع سقايته، وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام، عن غرة في متاع بنيامين، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، ووعدهم جعالة على رده، حمل بعير، وضمنه المنادي لهم. فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنّبوه وهجّنوه فيما قاله لهم؟ ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ يقولون: أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة.
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ(٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وهذه كانت شريعتهم: أن السارق يدفع إلى المسروق منه. ولهذا قالوا: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وعَاءِ أَخِيهِ﴾ ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة، ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر ﴿إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ أي في العلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم، وأتم رأيًا وأقوى عزمًا وحزمًا، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك، لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك، من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه.
فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسف.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ وهي كلمته بعدها، وقوله ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أجابهم سرًّا لا جهرًا، حلمًا وكرمًا وصفحًا وعفوًا، فدخلوا معه في الترفق والتعطف فقالوا: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(٧٨) قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء، وهذا ما لا نفعله ولا نسمح به، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده. =стр. 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ(٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ(٨٢) قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَال يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ(٨٥) قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٠ - ٨٧].
يقول تعالى مخبرًا عنهم لما استيأسوا من أخذه منه: خلصوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ لتأتنني به إلَّا أن يحاط بكم؟ لقد أخلفتم عهده، وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلم يبق لي وجه أقابله ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لا أزال مقيما هاهنا ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في القدوم عليه، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي ﴿وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أي أخبروه بما رأيتم من الأمر في ظاهر مشاهد ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ(٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي فإن هذا الذي أخبرناك به - من أخذهم أخانا لأنه سرق - أمر اشتهر بمصر وعلمه من مع العير التي كنا نحن وهم هناك ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
﴿قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي ليس الأمر كما ذكرتم، لم يسرق، فإنه ليس سجية له ولا خلقة. وإنما ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.
ثم قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يقدره ويفعله، وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة. ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي أعرضى عن بنيه: ﴿وَقَال يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ذكّره حزنه الجديد بالحزن القديم، وحرك ما كان كامنًا.
وقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي من كثرة البكاء، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف. فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق ﴿قَالُوا﴾ له على وجه الرحمة والرأفة والحرص عليه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. يقولون: لا تزال تتذكره حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك، فلو رفقت بنفسك كان أولى بك.
﴿قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يقول لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه، إنما أشكوه إلى الله ، وأعلم أن الله سيجعل =стр. 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨٨) قَال هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ(٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَال أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ(٩١) قَال لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٨٨ - ٩٣].
يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه، ورغبتهم فيما لديه من الميرة، والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلَّا أن تتجاوز عنا ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَينَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
فلما رأى ما هم فيه من الحال، وما جاؤوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال، تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلًا لهم عن أمر ربه وربهم، وقد حسر عن جبينه الشريف، وما يحويه من الحال الذي يعرفون فيه: ﴿قَال هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾.
﴿قَالُوا﴾ وتعجبوا كل العجب، وقد ترددوا إليه مرارًا عديدة، وهم لا يعرفون أنه هو ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠].
﴿قَال أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم. وقوله: ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ تأكيد لما قال، وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال. ولهذا قال: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا﴾ أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا، وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا، وصبرنا على ما كان منكم، وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا، وشفقته علينا ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا﴾ أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بين يديك. ﴿قَال لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا. ثم زادهم على ذلك فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ومن زعم أن الوقف على قوله ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ﴾ وابتدأ بقوله: =стр. 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ(٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ(٩٧) قَال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف ٩٤: ٩٨].
قال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، سمعت ابن عباس يقول: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال: لما خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيام. وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان به. وقال الحسن البصري وابن جريج المكي: كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخًا، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة.
وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي تقولون: إنما قلت هذا من الفند، وهو الخرف وكبر السن. قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ تسفهون.
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرًا بعدما كان ضريرًا. وقال لبنيه عند ذلك: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف، وسيقر عيني به، وسيريني فيه ومنه ما يسرني.
فمنذ ذلك: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه، وما كانوا عزموا عليه، ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم، فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا، وما عليه عولوا فقال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
[يوسف وأبواه]:
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَبَوَيهِ وَقَال ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ(٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْو مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيطَانُ بَينِي وَبَينَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠١].
هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة. =стр. 301
ذكر يعقوب وأولاده
ثم خبره تعالى عن إخوة يوسف ومجيئهم إلى أبيه عشاءً يبكون، يذكرون له
الحواشي
(١) = وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريبًا، فإن المرأة راودته وهو شاب فامتنع، فكان في السجن بضع سنين، ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع، ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي، جاء إخوته يمتارون في السنة الأولى وحدهم، وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين، وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهليهم أجمعين، فجاؤوا كلهم.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ واجتمع بهما خصوصًا وحدهما دون إخوته، ﴿وَقَال ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾.
ورفعهما على العرش، أي أجلسهما معه على سريره: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي سجد له الأبوان والإخوة الأحد عشر، تعظيمًا وتكريما وكان هذا مشروعا لهم، ولم يزل ذلك معمولًا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا.
﴿وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك: من رؤيتي الأحد عشر كوكبًا والشمس والقمر، حين رأيتهم لي ساجدين، وأمرتني بكتمانها، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ أي بعد الهم والضيق، جعلني حاكمًا نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْو﴾ أي البادية. وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخَليل ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيطَانُ بَينِي وَبَينَ إِخْوَتِي﴾ أي فيما كان منهم من الأمر الذي تقدم وسبق ذكره.
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي إذا أراد شيئًا هيَّأ أسبابه، ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدرها وييسّرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بالأمور ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وشرعه وقدره.
ثم لما رأى يوسف ﵇ نعمته قد تمت، وشمله قد اجتمع، وعرف أن هذه الدار لا يقر بها قرار، وأن كل شيء فيها ومن عليها فإن، وما بعد التمام إلَّا النقصان، فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأل منه - وهو خير المسؤولين - أن يتوفاه، أي حين يتوفاه على الإسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: "اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين" أي حين تتوفانا. اهـ كلام ابن كثير بتصرف.стр. 302
أن يوسف أكله الذئب، وقول والدهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (١) . (١: ٣٣٣).
ثم خبّره ﷻ عن مجيء السيارة، وإرسالهم واردهم، وإخراج الوارد يوسف وإعلامه أصحابه به بقوله: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ يبشرهم (٢) . (١: ٣٣٣).
وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز بمصر ومراودتها إياه على نفسها فلم ينكتم، وقلن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاودُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ قد وصل حبّ يوسف إلى شغاف قلبها فدخل تحته حتى غلب على قلبها. وشغاف القلب: غلافه وحجابه (٣) . (١: ٣٤٠).
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كُدَينَة، عن حُصَين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾، قال: أعطتهن أترُجًّا، وأعطت كلَّ واحدة منهن سكينًا.
فلما فعلت امرأةُ العزيز ذلك بهنَّ، وقد أجلست يوسف في بيت ومجلس غير المجلس الذي هنَّ فيه جلوس، قالت ليوسف: ﴿اخْرُجْ عَلَيهِنَّ﴾، فخرج يوسف عليهنّ، فلما رأينه أجللنه وأكبرنه وأعظمنه، وقطَّعن أبيديهن بالسكاكين التي في أيديهنَ، وهن يحسبن أنهنَّ يقطعن بها الأترجَّ، وقلن: معاذ الله ما هذا إنس، ﴿بَشَرًا إِنْ هَذَا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. فلما حلَّ بهنَّ ما حل من قطع أيديهن من أجل نظرة نظرنها إلى يوسف وذهاب عقولهنَ، وعرفتهنَّ خطأ قيلهنَّ: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاودُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، وإنكارهنّ ما أنكرن من أمرها أقرّت عند ذلك لهن بما كان من مراودتها إياه على نفسها، فقالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ بعد ما حلّ سراويله (٤) . (١: ٣٤/ ٣٤١).
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديِّ: ﴿قَال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيهِ﴾ من الزنى، واستغاث بربه الحواشي
(١) صحيح.(٢) صحيح.(٣) صحيح.(٤) صحيح.стр. 303
فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. فأخبر الله أنه استجاب له دعاءه، فصرَف عنه كيدهنّ ونجاه من ركوب الفاحشة، ثم بدا للعزيز من بَعْد ما رأى من الآيات ما رأى من قَدَّ القميص من الدُّبر، وخمش في الوجه، وقطع النسوة أيديهنَّ وعلمه ببرإءة يوسف مما قُرف به في ترك يوسف مطلقًا (١) . (١: ٣٤١).
فقيل: كان إحسانه ما حدثنا به إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق عليه المكان وَسَّع له، فقال لهما يوسف: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في يومكما هذا ﴿إلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ﴾ في اليقظة. فكره صلى الله عليه أن يعبِّر لهما ما سألاه عنه، وأخذ في غير الذي سألا عنه لما في عبارة ما سألا عنه من المكروه على أحدهما فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٢) . (١: ٣٤٣).
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عمارة -يعني ابن القعقاع- عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف في الرؤيا إنما كانا تحالما ليختبراه، فلما أوّلى رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ ثم قال لـ "نبو" -وهو الذي ظن يوسف أنه ناج منهما-: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني عند الملك، وأخبره أني محبوس ظلْمًا، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، غفلة عرضت ليوسف من قبَل الشيطان (٣) . (١: ٣٤٣/ ٣٤٤).
فحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ فالسمان المخاصيب، والبقرات العجاف هُنَّ السنون المحول الجدوب. قوله: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ أما الخضر الحواشي
(١) صحيح.(٢) صحيح.(٣) صحيح.стр. 304
فهنَّ السنون المخاصيب، وأما اليابسات فهن الجدوب المحول (١) . (١: ٣٤٥).
فلما أخبر يوسف نبو بتأويل ذلك، أتى نبو الملك، فأخبره بما قال له يوسف، فعلم الملك أن الذي قال يوسف من ذلك حق، قال: ائتوني به.
فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: لما أتى الملك رسوله فأخبره، قال: ائتوني به، فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك أبي يوسف الخروج معه، وقال: ﴿قَال ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ (٢) . (١: ٣٤٥/ ٣٤٦).
قال السديّ: قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة، يقول: هذا الذي راود امرأتي. فلما رجع الرسول إلى الملك من عند يوسف جمع الملك أولئك النسوة، فقال لهنَّ: ما خطبكنَّ إذ راودتنّ يوسف عن نفسه" قلن - فيما حدثنا ابن وكيع، قال: حدَّثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ قال: لما قال الملك لهن: ﴿قَال مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ﴾ ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها روادته عن نفسه، ودخل معها البيت، فقالت امرأة العزيز حينئذ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فقال يوسف: ذلك هذا الفعل الذي فعلت من ترديدي رسول الملك بالرسالات التي أرسلت في شأن النسوة، ليعلم أطفير سيدي ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ﴾ في زوجته راعيل، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيدَ الْخَائِنِينَ﴾ (٣) . (١: ٣٤٦).
فلما تبين للملك عذرُ يوسف وأمانته قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا﴾ أُتِي به ﴿كَلَّمَهُ قَال إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَينَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾. فقال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) . (١: ٣٤٧).
فحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: الحواشي
(١) صحيح.(٢) صحيح.(٣) معنى هذا التفسير صحيح إلَّا أن الأسماء (أطفير، وراعيل) لم ترد في خبر صحيح.(٤) صحيح.стр. 305
﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام، فسلَّم سلطانه كلَّه إليه، وجعل القضاء إليه أمره، وقضاؤه نافذ (١) . (١: ٣٤٧).
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ﴾ قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحبَ أمرها، وكان يلي البيع والتجارة وأمرها كله، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ﴾. فلما ولي يوسف للملك خزائن أرضه واستقَرَّ به القرار في عمله، ومضت السنون السبع المخصبة التي كان يوسف أمرَ بترك ما في سنبل ما حصدوا من الزرع فيها فيه، ودخلت السنون المجدبة وقَحط الناس، أجدبت بلاد فلسطين فيما أجدب من البلاد، ولحق مكروه ذلك آل يعقوب في موضعهم الذي كانوا فيه، فوجه يعقوب بنيه (٢) . (١: ٣٤٧/ ٣٤٨).
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان يوسف حين رأى ما أصاب الناسَ من الجهد قد آسى بينهم، فكان لا يحمّل للرجل إلَّا بعيرًا واحدًا، ولا يحمّل الواحد بعيرين تقسيطًا بين الناس، وتوسيعًا عليهم، فقدم عليه إخوتُه فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون لما أراد الله تعالى أن يبلغ بيوسف فيما أراد. ثم أمر يوسف بأن يوقِر لكلّ رجل من إخوته بعيرَه، فقال لهم: ائتوني بأخيكم من أبيكم، لأحمِّل لكم بعيرًا آخر، فتزدادوا به حمل بعير: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيلَ﴾ فلا أبخسه أحدًا، ﴿وَأَنَا خَيرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. وأنا خيرُ من أنزل ضيفًا على نفسه من الناس بهذه البلدة، فأنا أضيفكم ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي﴾ بأخيكم من أبيكم فلا طعامَ لكم عندي أكيله، ولا تقربوا بلادي. وقال لفتيانه الذين يكيلون الطعام لهم: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ وهي ثمن الطعام الذي اشتروه به ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ (٣) . (١: ٣٤٩).
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: الحواشي
(١) صحيح.(٢) صحيح.(٣) إسناده ضعيف ومعناه صحيح في تفسيره للآيات.стр. 306
﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾، أي وَرقهم، فجعلوا ذلك في رحالهم وهم لا يعلمون (١) . (١: ٣٤٩).
فقال يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ يقول: إلَّا أن تهلكوا جميعًا، فيكون حينئذ ذلك لكم عذرًا عندي، فلما وثقوا له بالإيمان قال يعقوب: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٢) . (١: ٣١).
ثم أوصاهم بعد ما أذن لأخيهم من أبيهم بالرحيل معهم، ألَّا تدخلوا من باب واحد من أبواب المدينة خوفًا عليهم من العين، وكانوا ذوي صورة حسنة، وجمال وهيئة، وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرِّقة، كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، قال: كانوا قد أوتوا صورة وجمالًا، فخشي عليهم أنفس الناس، فقال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، وكانت الحاجة التي في نفس يعقوب فقضاها ما تخوَّف على أولاده أعينَ الناس لهيئتهم وجمالهم (٣) . (٣٥١: ١).
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا عبد الواحد، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: الصُّوَاع والسقاية سواء، هما الإناء الذي يشرب فيه، وجعل ذلك في رَحْل أخيه، والأخ لا يشعر فيما ذكر (٤) . (٣٥٢: ١).
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾، والأخ لا يشعر، فلما ارتحلوا أذّن مؤذن قبل أن ترتحل العير: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٥) . (١: ٣٥٢).
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: الحواشي
(١) صحيح.(٢) صحيح.(٣) صحيح.(٤) صحيح.(٥) صحيح.стр. 307
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا﴾ تأخذونه، فهو لكم. فبدأ يوسف بأوعية القوم قبل وعاء أخيه بنيامين، ففتَّشها ثم استخرجها من وعاء أخيه لأنه أخَّر تفتيشه (١) . (١: ٣٥٣/ ٣٥٤).
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ إلَّا بعلَّة كادها الله له، فاعتلَّ بها يوسف، فقال إخوة يوسف حينئذٍ: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون بذلك يوسف (٢) . (١: ٣٥٤).
فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه خبر بنيامين، وتخلُّف روبيل قال لهم: بل سَوَّلتْ لكم أنفسكم أمرًا أردتموه، فصبرٌ جميل لا جزع فيه على ما نالني من فقد ولدي، عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا بيوسف وأخيه وروبيل.
ثم أعرض عنهم يعقوب وقال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ يقول الله : ﴿وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، مملوء من الحزن والغيظ. فقال له بنوه الذين انصرفوا إليه من مصر حين سمعوا قوله ذلك: تالله لا تزال تذكر يوسف فلا تفتر من حبّه وذكره حتى تكون دنفَ الجسم، مخبولَ العقل من حبّه وذكره، هرِمًا باليًا أو تموت!
فأجابهم يعقوب فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله لا إليكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون من صدق رؤيا يوسف، أن تأويلها كائن، وأني وأنتم سنسجد له (٣) . (١: ٣٥٧).
حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدِّي، قال: لما قال لهم يوسف: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ اعتذروا وقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾. قال لهم يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. فلما عرَّفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه (٤) . (٣٥٩: ١). الحواشي
(١) صحيح.(٢) صحيح.(٣) صحيح.(٤) صحيح.стр. 308
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: قال يوسف: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: لما فاته بنيامين عميَ من الحزن فقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ عِير بني يعقوب، قال يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ (١) . (٣٥٩: ١).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قال: كانت تحية الناس أن يسجد بعضهم لبعض، وقال يوسف لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾، يعني بذلك: هذا السجود منكم، يدل على تأويل رؤياي التي رأيتها من قبل، صنع إخوتي بي ما صنعوا، وتلك الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. يقول: قد حقق الرؤيا بمجيء تأويلها (٢) . (١: ٣٦٢)
* * * *
قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع ﵇ -
والذي روى أبيّ بن كعب في ذلك عنه ﷺ ما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد، قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى، فقال: كذَب عدو الله، حدثنا أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ قال: إن موسى قام في بني إسرائيل خطيبًا فقيل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إليه، فقال: بل عبدٌ لي عند مجمع البحرين، فقال: يا ربّ، كيف به قال: تأخذ حوتًا فتجعله في مكْتل فحيث تفقده فهو هناك. قال: فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، ثم قال لفتاه: إذا فقدتَ هذا الحوت فأخبرني. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا صخرة، فرقَد موسى فاضطرب الحوت في المكتل، الحواشي
(١) صحيح.(٢) صحيح.стр. 309
فخرج فوقع في البحر، فأمسك الله عنه جَرْية الماء فصار مثل الطاق، فصار للحوت سرَبًا، وكان لهما عجبًا. ثم انطلقا، فلما كان حين الغداء قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال: ولم يجد موسى النصَب حتى جاوز حيث أمرَه الله، قال: فقال: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. قال: يقصَّان آثارهما. قال: فأتيا الصخرة، فإذا رجل نائم مسجّى بثوبه، فسلَّم عليه موسى فقال: وأنَّى بأرضنا السلام! قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى، إني على علم من علم الله، علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علَّمكه الله لا أعلمه، قال: فإني أتبعك على أن تعلمني ممَّا عُلمْتَ رُشْدًا. ﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلقا يمشيان على الساحل، فإذا بملاح في سفينة، فعرف الخضر، فحمله بغير نَوْل، فجاء عصفور فوقع على حرفها فنقر -أو فنقد- في الماء، فقال الخضر لموسى: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلَّا مقدار ما نقر -أو نقد- هذا العصفور من البحر.
قال أبو جعفر: أنا أشكُّ، وهو في كتابي هذا "نقر". قال: فبينما هم في السفينة لم يُفجأ موسى إلَّا وهو يتد وتدًا أو ينزع تخْتًا منها، فقال له موسى: حمَلنا بغير نَوْل وتخرقها لتُغْرقَ أهلهَا! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ - قال فكانت الأولى من موسى نسيانًا - قال: ثم خرجا فانطلق يمشيان فأبصرا غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ برأسه فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.
فانطلقا حتى إذا أتيا أهلَ قرية استطعما أهلها، فلم يجدا أحدًا يطعمهم ولا يسقيهم، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه بيده - قال: مسحه بيده - فقال له موسى: لم يُضيفونا ولم ينزلونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾. ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾ قال: فقال رسول الله ﷺ : "لوددت أنه كان صبَر حتى يقصّ
стр. 310
علينا قصصهم" (١) . (١: ٣٦٦/ ٣٦٧ / ٣٦٨)
حدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تمارَى هو والحُرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمرَّ بهما أبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى ﵇ الذي سأل السبيلَ إلى لقائه، فهل سمعتَ رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال: نعم إني سمعت رسول الله - يقول: "بينا موسى ﵇ في ملأ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان أحد أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بَلى عبدنا الخَضِر، فسأل موسى السبيلَ إلى لقائه، فجعل الله الحوت آية، وقال له: إذا افتقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾، قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ الخضر، فكان من شأنهما ما قصَّ الله في كتابه" (٢) . (١: ٣٦٩/ ٣٦٨).
حدثني محمد بن مرزوق قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا عبد الله بن عمر النميريّ، عن يونس بن يزيد، قال: سمعت الزهريّ يحدث قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تمارى هو والحُرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ في صاحب موسى، فذكر نحو حديث العباس عن أبيه (٣) . (١: ٣٦٩).
ثم رجع الحديث إلى حديث السديّ. قال: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً الحواشي
(١) هذا إسناد صحيح والحديث صحيح ومن طريق سفيان هذا أخرجه البخاري مختصرًا (ح ٤٧٢٥) ومطولًا (ح ٤٧٢٦) من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار به وسنأتي على ذكر الحديث بعد قليل.(٢) صحيح. هذا إسناد صحيح وأخرجه البخاري من طريق الأوزاعي به كما عند الطبري (صحيح البخاري / كتاب العلم / ح ٧٨) و (ح ٧٤٧٨).(٣) صحيح. صحيح، وانظر ما قبله.стр. 311
مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ يقول: كثرة من الناس يسقون (١) (١: ٣٩٧).
حدثني أحمد بن محمد الطوسيّ، قال: حدَّثنا الحُمَيديّ عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "سألت جبرئيل: أيّ الأجلين قَضَى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما" (٢) . (١: ٣٩٩).
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهوديّ بالكوفة - وأنا أتجهّز للحج -: إني أراك رجلًا يتبع العلم، أخبرني أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم وأنا الآن قادم على حَبْر العرب -يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهوديّ، فقال ابن عباس: قضَى أكثرَهما وأطيَبهما؛ إنَّ النبيّ إذا وَعد لم يُخلف. قال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهوديَّ فأخبرته، فقال: صدق وما أنزل الله على موسى. هذا والله العالم (٣) . (١: ٣٩٩) الحواشي
(١) صحيح. صحيح.(٢) صحيح. في إسناده إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، قال الحافظ في ترجمته عن الحكم بن أبان وعنه سفيان بن عيينة بخبر منكر والرجل نكرة وحديثه عن الحميدي وهذا الرجل ذكره ابن حبان في الثقات (لسان الميزان / ترجمة ٣٨١).
قلنا: ومن طريق إبراهيم هذا أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس (أن النبي ﷺ سأل جبريل أي الأجلين قضى موسى قال: أتمهما) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٤٠٧).
وأخرجه البزار من طريق أحمد بن أبان القرشي عن سفيان عن إبراهيم بن أعين عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، وقال البزار: لا نعرفه مرفوعًا عن ابن عباس إلَّا من هذا الوجه (كشف الأستار عن زوائد البزار ٣/ ٦٣).
وأخرج الخطيب عن أبي ذر مرفوعًا: (إذا سُئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرهما ... الحديث) (تاريخ بغداد ٢/ ١٢٨) وفي إسناده عوبد بن أبي عمران متروك.
وللحديث طرق أخرى مرسلة وموقوفة تتعارض بها جميعًا كما سنذكر بعد الروايتين التاليتين:(٣) صحيح. هذا إسناد ضعيف إلَّا أن المتن صحيح موقوفًا كما أخرجه البخاري في طريقه من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما =стр. 312
فنودي: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾. ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾، يقول: أضرب بها الورق، فيقع للغنم من الشجر ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾، يقول: حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء، فقال له: ﴿قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ يقول: ينتظر. فنوديَ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾، ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ العصا واليد آيتان، فذلك حين يدعو موسى ربه، فقال: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾، يقول: كيما يصدقني ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ -يعني بالقتيل- ﴿قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ - والسلطان الحجة - ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ (١) . (١: ٤٠٠/ ٤٠١).
ولما جاوز ببني إسرائيل البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، ﴿قَالُوا الحواشي
(٢٦٨٤) : وهو في حكم المرفوع لأن ابن عباس كان لا يعتمد على أهل الكتاب كما سيأتي بيانه في الباب الذي يليه (٥/ ٦٢٧ / ط. دار الفكر).
وقال الحافظ ابن كثير: فهذه طرق متعاضدة (تفسير القرآن العظيم ٢٦٥٦ / ط. المنار).
وقال الإمام الشوكاني: بعد سرده لبعض طرق الحديث: وأما روايات أنه قضى أتم الأجلين فلها طرق يقوي بعضها بعضًا (فتح القدير ٤/ ٢٠٦).
أما من المعاصرين فقد رجح الشيخ عبد الرزاق المهدي وقفه (أحكام القرآن / ١٧١٦).
وأما المحدث الألباني فقد ذكر طرق الحديث وبين ضعف أسانيدها وذكر المرسل منها والموقوف والمرفوع ثم قال: فهذه طرق تتعاضد كما قال ابن كثير في تفسيره (٦/ ٣٣٥) فالحديث قوي. وقد رواه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا فهو من يقوي المرفوع لأنه في حكمه والله أعلم (السلسلة الصحيحة خ ١٨٨٠) قلنا: والقول ما قاله الألباني إلَّا أنه لم يذكر أن البخاري أخرجه كذلك موقوفًا عن ابن عباس (ح ٢٦٨٤) والله أعلم.(١) صحيح.стр. 313
يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَال أَغَيرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ وواعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومَه ونجاه وقومَه ثلاثين ليلة (١) . (١: ٤٢١). الحواشي
(١) صحيح.
لقد ذكرنا الرواية (١/ ٤٢٣ / ق ٦٧٧) في قسم الضعيف فإسناده لا يستقيم وفي متنه نكارة وهو خبر طويل يتضمن تفسير بعض الآيات في قصة موسى ﵇ إلَّا أن جزءًا منه يسيرًا (في بداية الخبر) من مكان الحسن - وقد أخرجه الطبري موقوفًا على ابن عباس أنه قال: (تجلى منه مثل طرف الخنصر فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا).
فقد أخرج الترمذي من طريق عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾.
قال حماد هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: فساخ الجبل ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلَّا من حديث حماد بن سلمة حدثنا عبد الوهاب الوراق البغدادي، حدثنا معاذ عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ نحوه، هذا حديث حسن. اهـ. (سنن الترمذي / كتاب تفسير القرآن / ح ٣٥٧٤).
وأخرجه الحاكم من طريقين عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعًا وفيه قال حماد هكذا ووضع الإبهام على مفصل الخنصر الأيمن قال فقال حميد لثابت: تحدَّث بمثل هذا قال: فضرب ثابت صدر حميد ضربة بيده وقال رسول الله ﷺ يحدث به وأنا لا أحدث به.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (المستدرك ٢/ ٣٢٥) والحديث أخرجه الطبري في تفسيره (ح ١٥٠٧٨) و (ح ١٥٥٨٨) وأخرجه أحمد من طريق معاذ بن معاذ العنبري قال: حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس مرفوعًا (المسند ح ١٢٢٦٠).
قلنا: وإسناده حسن صحيح. وقال العلامة أرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ورجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم. اهـ.
والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٢٢) وأما ابن عدي (٦١/ ٤٣٥) فقد عده من غرائب حماد بن سلمة، وأما من المعاصرين فقد صححه العلامة أرناؤوط كما ترى وكذلك صححه المحدث الألباني (كما في صحيح سنن الترمذي) وأما الشيخ عبد الرزاق المهدي فضعفه وقال: ومع ذلك ذكره الألباني في صحيح الترمذي جريًا منه على ظاهر الإسناد والذي أراه أنه معلول لكن لا يتهيأ الحكم عليه بالوضع. وقد ورد من وجه آخر أخرجه الطبري(١٥٠٩٦) . عن الأعمش عن رجل عن أنس وهذا إسناد ضعيف فيه راوٍ لم =стр. 314
فلما كلَّم الله موسى طمع في رؤيته، فسأل ربه أن ينظر إليه، فقال له: إنَّكَ ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم قال الله لموسى: ﴿قَال يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيتُكَ﴾ إلى قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، ومعه عهد الله في ألواحه.
ولما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل ألقى الألواح من يده، وكانت - فيما يذكرون - من زبرجد أخضر، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته ويقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. فقال: ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فارعوى موسى وقال: ﴿قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وأقبل على قومه فقال: ﴿يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ إلى قوله ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. وأقبل على السامريّ فقال: ﴿قَال فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا﴾. ثم أخذ الألواح، يقول الله: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (١) . (١: ٤٢٦/ ٤٢٧).
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، مولى بني هاشم، عن أبي هريرة، قال: قال الحواشي
(٤٨٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس وابن منده من طريق أحمد محمد الصيد عن سعيد بن عامر عن ثابت عن أنس وقال غريب من حديث شعبة (الرد على الجهمية / ٥٩).
قلنا: وفي إسناده أحمد الصيد مجهول الحال فهذان طريقان يضاف إليهما طريق الأعمش الضعيف فهي طرق تتعاضد جميعًا ليرتفع الحديث إلى الحسن إن شاء الله والله تعالى أعلم.(١) صحيح.стр. 315
رسول الله ﷺ : "إن ملَك الموت كان يأتي الناس عِيانًا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه، قال: فرجع فقال: يا ربِّ أن عبدك موسى فقأ عيني، ولولا كرامتَه عليك لشققت عليه، فقال: ائت عبدي موسى، فقل له: فليضعْ كفه على متن ثور، فله بكلّ شعرة وارت يدُه سنة؟ وخيَّره بين ذلك وبين أن يموت الآن، قال: فأتاه فخيَّره، فقال له موسى: فما بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: فالآن إذًا، قال: فشمَّه شمة قبض روحه. قال: فجاء بعد ذلك إلى الناس خُفية" (١) . (١: ٤٣٤). الحواشي
(١) هذا إسناد حسن صحيح وحماد ثقة إلَّا أن له أوهامًا وهو أعلم الناس بحديث ثابت وحميد الطويل تجنبه البخاري وقال الحاكم: ما خرَّج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول إلَّا من حديثه عن ثابت وقد خرَّج له في الشواهد عن طائفة (وانظر ميزان الاعتدال، ترجمة ٢٢٥١). قلنا: ولعلَّ ما في الحديث من غرابة من أوهام حماد ونعني بذلك عبارة (كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا) وإلا فبقية الحديث صحيح أخرجه البخاري عن أبي هريرة (ح ٣٤٠٧) ولفظه: (أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطى يده بكل شعرة سنة. قال أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت قال فالآن. قال فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة.
قال أبو هريرة ﵁ فقال رسول الله ﷺ : "لو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر" قال: وأخبرنا معمر عن همام حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ نحوه. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر تعليقًا على هذه الرواية قوله (قال وأخبرنا معمر عن همام ... إلخ) هو موصول بالإسناد المذكور، ووهم من قال إنه معلق فقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر، ومسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق كذلك (فتح الباري ٧/ ١٠٤).
قلنا: وأما حديث أحمد فهو في مسند أبي هريرة (ح ١٠٩٠٤) وقال الشيخ أرناؤوط: رجاله رجال الصحيح وفي أوله نكارة وهي قوله (كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا) وهذه اللفظة تفرد بها عمار بن أبي عمار وعنه حماد بن سلمة ولكل منهما بعض المناكير. اهـ.
قلنا: وأما حديث عبد الرزاق مرفوعًا، فهو كذلك من حديث أبي هريرة (ح ٢٠٥٣٠) وأما مسلم فقد رواه موقوفًا (١٥٧ / ح ٢٣٧٢) مرفوعًا والحديث أخرجه الحاكم وصححه على شرط مسلم (المستدرك ٢/ ٥٧٨) وأخرجه أحمد (ح ٨١٧٢) من طريق همام عن أبي هريرة مرفوعًا وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد مرفوعًا كما عند الطبري (كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا ... الحديث وفي آخره فكان يأتي الناس خفية).
وقال الهيثمي: في الصحيح طرف منه رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح / مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٤ / ح ١٣٧٨٣). =стр. 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥١) وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا(٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣].
وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن. وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة وغير مطولة. وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير. وسنورد سيرته هاهنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة. وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. [قلنا هكذا قال ابن كثير، ولكننا حذفنا ما ذكره ابن كثير من الإسرائيليات أثناء تفسيره للآيات الواردة في قصة موسى ﵇ وبني قومه].
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طسم(١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(٢) نَتْلُو عَلَيكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص ١: ٦]. يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا، فذكر أنه يتلو على نبيه خبر موسى وفرعون بالحق، أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي تجبر وعتا وطغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى، وجعل أهلها شيعًا، أي قسم رعيته إلى أقسام، وفرق وأنواع، يستضعف طائفة منهم، وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله. وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض. وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر، يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأرداها وأدناها ومع هذا ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن يني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم ﵇، من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه وذلك - والله أعلم - حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها =стр. 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ(٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
[قتل غلمان بني إسرائيل]:
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز ألا يوجد موسى، حتى جعل رجالًا وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكرًا إلَّا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولًا، حذرًا من وجود موسى.
[طفولة موسى في بيت فرعون]:
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ(٨) وَقَالتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٧ - ٩].
هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا. . ... ﴾ الآية.
وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول، كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة.
والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وألقي في خلدها وروعها ألا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده لك، وإن الله سيجعله نبيًّا مرسلًا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به فذهب مع النيل فمر على دار فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ قال بعضهم: هذه (لام) العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقًا بقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ وأما إن جعل متعلقًا بمضمون الكلام، وهو آل =стр. 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٠) وَقَالتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ(١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٠ - ١٣].
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ أي من كل شيء من أمور الدنيا إلَّا من موسى ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي صبَّرناها وثبتناها ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(١٠) وَقَالتْ لِأُخْتِهِ﴾ وهي ابنتها الكبيرة: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي اتبعي أثره واطلبي لي خبره ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ قال مجاهد: عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده. ولهذا قال ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وذلك لأن موسى ﵇ لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديًا ولا أخذ طعامًا، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل، كما قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق، لعلهم يجدون من يوافق رضاعته. فبينما هم وقوف به والنساء عكوف عليه إذ بصرت به أخته، فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت: ﴿فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
فأطلقوها وذهبوا معها إلى مننرلهم، فأخذته أمه، فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، وذهب البشير إلى "آسية" يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها.
فرجعت به تحوزه إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي كما =стр. 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٧) إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ وذلك أنه كان لا يراه أحد إلَّا أحبه ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي﴾ قال قتادة وغير واحد من السلف: أي تطعم وترفه وتغذى بأطيب المآكل، وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني، وذلك كله بحفظي وكلاءتي لك فيما صنعت بك ولك، وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ قَال هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ(١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(١٦) قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٤ - ١٧].
لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه بردّه لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، وهو احتكام الخَلْق والخُلُق، وهو سن الأربعين في قول الأكثرين، آتاه الله حكمًا وعلمًا، وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
[إقامة موسى في مدين]:
ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له، وإكرامه بما أكرمه به، كما سيأتي. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي: وذلك نصف النهار، وعن ابن عباس: بين العشاءين. ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ﴾ أي يتضاربان ويتهارشان ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي إسرائيلي ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي قبطي. قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق.
﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وذلك أن موسى ﵇، كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته، وكان بنو إسرائيل قد عَزُّوا وصارت لهم وجاهة، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه، وهم أخواله -أي من الرضاعة- فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى ﵇ على ذلك القبطي أقبل إليه موسى ﴿فَوَكَزَهُ﴾ قال مجاهد: أي طعنه بجمع كفه، ﴿فَقَضَى عَلَيهِ﴾ أي فمات منها.
وقد كان ذلك القبطي كافرًا مشركًا بالله العظيم، ولم يرد موسى قتله بالكلية، وإنما أراد =стр. 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(١٦) قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي من العز والجاه ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَال لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ(١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَال يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ(١٩) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَال يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ(٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ١٨ - ٢١].
يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفًا -أي من فرعون ومَلَئه- أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، ويترتب على ذلك أمر عظيم.
فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي يتلفت، فبينما هو كذلك، إذ ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه، أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾ أراد أن يبطش بذلك القبطي، الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي ﴿قَال يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
قال بعضهم: إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الذي اطلع على ما صنع موسى بالأمس، وكأنه لما رأى موسى مقبلًا إلى القبطي اعتقد أنه جاء إليه، لما عنفه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾ فقال ما قال لموسى، وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس. فذهب القبطي فاستعدى فرعون على موسى. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه. ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي، وأنه لما رآه مقبلًا إليه خافه، ورأى من سجيته انتصارًا جديدا للإسرائيلي. فقال ما قال من باب الظن والفراسة: إن هذا لعله قاتل ذلك القتيل بالأمس، أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا، والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه، وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَال يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ أي من هذه البلدة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي فيما أقوله لك.
قال الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه، قائلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ(٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ =следующие страницы →