← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

لأصحابه: ما ترون؟ قال له حصين: قد قال لك عمرو بن معد يكرب، قال: وما قال؟ قال: قال: إذَا لمْ تَسْتَطِعْ أمرًا فدَعْه ... وجاوزْهُ إلى ما تَستطيعُ قال: فأمر الاْحنف بالرّحيل، ثمّ انصرف إلى بَلْخ، وقد قبض ابن عمّه ما صالحهم عليه؛ وكان وافق وهو يجبيهم المِهْرجان، فأهدوا إليه هدايا من آنيةِ الذهب والفضّة ودنانير ودراهم ومتاع وثياب، فقال ابنُ عمّ الأحنف: هذا ما صالحناكم عليه؟ قالوا: لا، ؛ ولكن هذا شيء نصنعه في هذا اليوم بمَن وليَنا نستعطفه به، قال: وما هذا اليوم؟ قالوا: المِهْرجان، قال: ما أدري ما هذا؟ وإني لأكره أن أردّه؛ ولعله من حقّي؛ ولكن أقبضه وأعزله حتى أنظر فيه؛ فقبضه، وقدم الأحنف فأخبره، فسألهم عنه، فقالوا له مثل ما قالوا لابن عمّه، فقال: آتِي به الأمير؛ فحمله إلى ابن عامر، فأخبره عنه، فقال: اقبِضه يا أبا بحر! فهو لك؟ قال: لا حاجة لي فيه، فقال ابنُ عامر: ضمّه إليك يا مسمار! قال: قال الحسن: فضمّه القرشيّ وكان مِضَمًّا (١) (٤: ٣١٣/ ٣١٤). ٧٧٢ - قال عليّ: وأخبرنا عمرو بن محمد المرّيّ عن أشياخ من بني مرّة: أنّ الأحنف استعمل على بلْخ بشرَ بن المتشمّس (٢) (٤: ٣١٤). ٧٧٣ - قال عليّ: وأخبرنا صدَقة بن حُميد عن أبيه، قال: بعث ابنُ عامر - حين صالح أهلَ مَرْو، وصالح الأحنفُ أهلَ بلْخ - خُلَيْدَ بن عبد الله الحنفيَّ إلى هَراة وباذَغيس؛ فافتتحهما، ثم كفروا بعدُ فكانوا مع قارِن (٣). (٤: ٣١٤). ٧٧٤ - قال عليّ: وأخبرنا مَسلمة، عن داود، قال: ولما رجع الأحنفُ إلى ابنِ عامر؛ قال الناسُ لابن عامر: ما فتح على أحد ما قد فتح عليك؛ فارس، وكَرمان، وسجسْتان وعامّة خُراسان! قال: لا جَرَم، لأجعلنّ شكري لله على ذلك أن أخرج محرمًا معتمرًا من موقفي هذا. فأحرَم بعُمْرة من نيسابور؛ فلما قدِم

стр. 3222

على عثمان لامه على إحرامه من خُراسان، وقال: ليتك تضبط ذلك من الوقت الذي يحرِم منه الناس! (١) (٤: ٣١٤). ٧٧٥ - قال عليّ: أخبرنا مسلَمة عن السّكن بن قُتادة العُرينيّ، قال: استخلف ابنُ عامر على خُراسان قيسَ بن الهيثم، وخرج ابنُ عامر منها في سنة اثنتين وثلاثين. قال: فجمع قارن جمعًا كثيرًا من ناحية الطَّبَسين، وأهل باذَغيس، وهَراة، وقُهستان، فأقبل في أربعين ألفًا، فقال لعبد الله بن خازم: ما ترى؟ قال: أرى أن تُخلِّيَ البلاد فإني أميرها؛ ومعي عهدٌ من ابن عامر؛ إذا كانت حرب بخُراسان فأنا أميرها - وأخرج كتابًا قد افتعله محمدًا - فكره قيس مشاغبَته، وخلّاه والبلاد؛ وأقبل إلى ابن عامر، فلامه ابن عامر، وقال: تركتَ البلاد حربًا وأقبلت! قال: جاءني بعهد منك. فقالت له أمّه: قد نهيتك أن تَدَعهما في بلد، فإنه يشغَب عليه. قال: فسار ابنُ خازم إلى قارن في أربعة آلاف: وأمر الناس فحملوا الودَك؛ فلما قرب من عسكره أمرَ الناس، فقال: ليدرجْ كلُّ رجل منكم على زُجّ رمحه ما كان معه من خِرْقة، أو قطن، أو صوف؛ ثم أوسعوه من الوَدَك من سمن، أو دهن، أو زيت، أو إهالة. ثم سار حتى إذا أمسى؛ قدّم مقدّمته ستمئة، ثم اتّبعهم، وأمر الناس فأشعلوا النيران في أطراف الرّماح، وجعل يقتبس بعضهم من بعض. قال: وانتهت مقدّمته إلى عسكر قارن، فأتوهم نصفَ الليل؛ ولهم حرس، فناوشوهم، وهاج الناس على دَهش، وكانوا آمنين في أنفسهم من البيات، ودنا ابنُ خازم منهم، فرأوا النيران يمنة ويسرة، وتتقدّم وتتأخّر، وتنخفض وترتفع؛ فلا يروْن أحدًا. فهالهم ذلك، ومقدّمة ابن خازم يقاتلونهم؛ ثم غشيَهم ابنُ خازم بالمسلمين، فقتل قارن، وانهزم العدوّ، فأتبعوهم يقتلونهم كيف شاؤوا، وأصابوا سبيًا كثيرًا؛ فزعم شيخ من بني تميم، قال: كانت أمّ الصلت بن حُريث من سَبْي قَارن، وأمّ زياد بن الربيع منهم، وأمّ عون أبي عبد الله بن عون الفقيه منهم (٢). (٤: ٣١٤/ ٣١٥).

стр. 3223

٧٧٦ - قال عليّ: حدّثنا مسلمة، قال: أخذ ابن خازم عسكر قارن بما كان فيه، وكتب بالفتح إلى ابن عامر؛ فرضيَ، وأقرّه على خراسان، فلَبث عليها؛ حتى انقضى أمرُ الجمل، فأقبل إلى البَصْرة، فشهد وقعةَ ابن الحضرميّ، وكان معه في دار سبيل (١). (٤: ٣١٥). ٧٧٧ - قال عليّ: وأخبرنا الحسن بن رشيد عن سليمان بن كثير العميّ الخزاعيّ، قال: جمع قارن للمسلمين جمعًا كثيرًا، فضاق المسلمون بأمرهم، فقال قيس بن الهيثم لعبد الله بن خازم: ما ترى؟ قال: أرى أنك لا تطيق كثرة مَن قد أتانا، فاخرج بنفسك إلى ابن عامر فتخبره بكثرة مَن قد جمعوا لنا، ونقيم نحن في هذه الحصون، ونطاولهم؛ حتى تقدم، ويأتينا مددكم. قال: فخرج قيس بن الهيثم، فلما أمعن؛ أظهر ابن خازم عهدًا، وقال: قد ولّاني ابنُ عامر خراسان؛ فسار إلى قارن، فظفر به، وكتب بالفتح إلى ابن عامر، فأقرّه ابنُ عامر على خُراسان؛ فلم يزل أهل البصرة يغزُون من لم يكن صالح من أهل خراسان، فإذا رجعوا؛ خلّفوا أربعة آلاف للعقَبة، فكانوا على ذلك حتى كانت الفتنة (٢). (٤: ٣١٥/ ٣١٦). ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ففيها كانت غزوة معاوية حِصْن المرأة من أرض الرّوم من ناحية مَلَطية في قول الواقديّ. وفيها كانت غزوة عبد الله بن سعد بن أبي سرْح إفريقيَة الثانية حين نقض أهلها العهد. وفيها قدّم عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس إلى خراسان؛ وقد انتقض أهلُها، ففتح المَرْوَيْن: مَرْو الشاهجان صلحًا، ومَرْو الرّوذ بعد قتال شديد، وتبعه عبد الله بن عامر، فنزل أبْرشَهْر، ففتحها صلحًا في قول الواقديّ.

стр. 3224

٧٧٨ - وأمّا أبو معشر فإنه قال - فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه، قال: كانت قبرُس سنة ثلاث وثلاثين، وقد ذكرنا قول مَنْ خالفه في ذلك، والخبرَ عن قُبْرس. وفيها: كان تسيير عثمان بن عفان مَنْ سيّر من أهل العراق إلى الشأم (١). (٣١٧: ٤). ذكر تسيير مَن سير من أهل الكوفة إليها ٧٧٩ - اختلف أهلُ السير في ذلك، فأما سيف فإنّه ذكر فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عنه، عن محمد، وطلحة، قالا: كان سعيد بن العاص لا يغشاه إلّا نازلة أهل الكوفة، ووجوه أهل الأيام وأهل القادسيّة، وقرّاء أهل البصرة، والمتسمِّتُون، وكان هؤلاء دخْلته إذا خلا، فأما إذا جلس للناس؛ فإنه يدخل عليه كلّ أحد، فجلس للناس يومًا، فدخلوا عليه؛ فبينا هم جلوس يتحدّثون قال خُنَيس بن فلان: ما أجود طَلحة بن عبيد الله! فقال سعيد بن العاص: إنّ من له مثل النّشاسْتَج لحقيق أن يكون جوادًا؛ والله لو أنّ لي مثله لأعاشكم الله عيشًا رغدًا. فقال عبد الرحمن بن خُنَيس - وهو حَدث: والله لوددتُ أنّ هذا الملْطاط لك - يعني: ما كان لآل كسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة - قالوا: فضّ الله فاك! والله لقد هممنا بك، فقال: خُنيس غلام فلا تجازوه، فقالوا: يتمنى له من سوادنا! قال: ويتمنّى لكم أضعافه، قالوا: لا يتمنى لنا ولا له، قال: ما هذا بكم! قالوا: أنت والله أمرتَه بها، فثار إليه الأشتر، وابن ذي الحبَكة، وجندَب، وصَعْصعة، وابن الكوّاء، وكُمَيل بن زياد، وعُمير بن ضائي؛ فأخذوه فذهب أبوه ليمنع منه فضربوهما حتى غُشي عليهما، وجعل سعيد يناشدهم، ويأبوْن، حتى قضوا منهما وطَرًا، فسمعت بذلك بنو أسد، فجاؤوا وفيهم طليحة، فأحاطوا بالقَصْر، وركبت القبائل، فعاذوا بسعيد، وقالوا: أفلِتنا، وخلِّصنا. فخرج سعيد إلى الناس، فقال: أيّها الناس! قوم تنازعوا، وتهاوَوا، وقد

стр. 3225

رزق الله العافية. ثم قعدوا، وعادوا في حديثهم، وتراجعوا، فساءهم، وردهم، وأفاق الرّجلان؛ فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتْنا غاشيتك، قال: لا يغشوني والله أبدًا! فاحفظا عليّ ألسنتكما, ولا تجرّئا عليّ الناس. ففعلا. ولما انقطع رجاء أولئك النفر من ذلك؛ قعدوا في بيوتهم، وأقبلوا على الإذاعة حتّى لامه أهل الكوفة في أمرهم؛ فقال: هذا أميركم وقد نهاني أن أحرّك شيئًا، فمن أراد منكم أن يحرّك شيئًا فليحرّكه. فكتب أشراف أهل الكوفة، وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم، فكتب: إذا اجتمع ملؤكم على ذلك؛ فألحقوهم بمعاوية. فأخرَجوهم، فذلّوا وانقادوا حتى أتوه - وهم بضعةَ عشر - فكتبوا بذلك إلى عثمان، وكتب عثمان إلى معاوية: إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرًا خُلِقوا للفتنة، فرُعْهم وقُمْ عليهم؛ فإن آنست منهم رَشَدًا؛ فأقبل منهم؛ وإن أعيَوْك؛ فاردُدْهم عليهم. فلما قدموا على معاوية؛ رَحّب بهم وأنزلهم كنيسة تسمّى مريم، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجري عليهم بالعراق، وجعل لا يزال يتغدّى ويتعشّى معهم، فقال لهم يومًا: إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفًا وغلبتم الأمم وحويتُم مراتبَهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشًا؛ وإن قريشًا لو لم تكن عدتم أذلّةً كما كنتم، إنّ أئمتكم لكم إلى اليوم جُنّة، فلا تَشِذُّوا عن جُنّتكم؛ وإنّ أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجَوْر، ويحتملون منكم المؤونة؛ والله لتنتهُنّ، أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثمّ تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعيّة في حياتكم وبعد موتكم. فقال رجل من القوم: أمّا ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثرَ العرب، ولا أمنعها في الجاهلية، فتُخوّفَنا؛ وأما ما ذكرت من الجُنّة فإنّ الجُنّة إذا اخترِقتْ؛ خُلِص إلينا. فقال معاوية: عرفتكم الآن، علمتُ أنّ الذي أغراكم على هذا قِلّة العقول، وأنت خطيب القوم، ولا أرى لك عقلًا، أعْظِم عليك أمر الإسلام، وأذكرك به، وتذكّرني الجاهلية! وقد وعظتُك. وتزعم لما يجنُّك أنه يُخترق، ولا ينسب ما يخترَق إلى الجُنّة ضح؛ أخزى الله أقوامًا أعظموا أمركم، ورفعوا إلى خليفتكم! افقهوا - ولا أظنكم تفقهون -: أنّ قريشًا لم تُعَزّ في جاهلية ولا إسلام إلّا بالله

стр. 3226

عزّ وجلّ، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدّهم؛ ولكنهم كانوا أكرمَهم أحسابًا، وأمحضهم أنسابًا، وأعظمهم أخطارًا؛ وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضًا إلّا بالله الذي لا يُستذل مَنْ أعزّ، ولا يوضَع مَنْ رفع؛ فبوّأهم حرمًا آمنًا يُتَخطّف الناس من حَوْلهم! هل تعرفون عربًا، أو عجمًا، أو سودًا، أو حمرًا إلّا قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدوْلة؛ إلّا ما كان من قريش، فإنه لم يردّهم أحدٌ من الناس بكيد إلّا جعل الله خدّه الأسفل، حتى أراد الله أن يتنقّذ مَن أكرم واتّبع دينه من هوان الدّنيا وسوء مَردّ الآخرة، فارتضى لذلك خيرَ خلقه، ثم ارتضى له أصحابًا فكان خيارُهم قريشًا، ثم بني هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم؛ ولا يصلح ذلك إلّا عليهم؛ فكان الله يحوطهم في الجاهليّة وهم على كفرهم بالله، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم! أفٍّ لك ولأصحابك! ولو أنّ متكلمًا غيرك تكلّم، ولكنك ابتدأت. فأمّا أنت يا صعصعة؛ فإن قَرْيتك شرّ قُرىً عربيّة؛ أنتنُها نبتًا، وأعمقها واديًا، وأعرفها بالشرّ، وألأمها جيرانًا، لم يسكنها شريف قطّ ولا وضيع إلّا سُبّ بها، وكانت عليه هُجنة، ثم كانوا أقبح العرب ألقابًا، وألأمهم أصهارًا، نزّاع الأمم؛ وأنتم جيران الخَطّ، وفَعَلة فارس، حتى أصابتكم دعوة النبيّ ﷺ ونكبتْك دعوته؛ وأنت نزِيع شَطير في عُمان، لم تسكن البَحْرين فتشركَهَم في دعوة النبيّ ﷺ ، فأنت شرّ قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام، وخلَطك بالناس، وحملك على الأمم التي كانت عليك؛ أقبلتَ تبغي دينَ الله عِوَجًا، وتنزع إلى اللآمة والذلّة. ولا يضع ذلك قريشًا، ولن يضرّهم، ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم؛ إنّ الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشرّ من بين أمّتكم، فأغرى بكم الناس؛ وهو صارعكم. لقد علم أنه لا يستطيع أن يردّ بكم قضاءً قضاه الله، ولا أمرًا أراده الله، ولا تدركون بالشرّ أمرًا أبدًا إلا فتح الله عليكم شرًّا منه وأخزى. ثم قام وتركهم؛ فتذامروا فتقاصرت إلهم أنفسهم، فلمّا كان بعد ذلك أتاهم فقال: إني قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم؛ لا والله لا ينفع الله بكم أحدًا ولا يضرّه؛ ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرّة؛ ولكنكم رجال نكير. وبعد، فإنْ أردتم النجاة؛ فالزموا جماعتكم؛ وليسعكم ما ولمع الدَّهْماء، ولا يبطرنّكم

стр. 3227

الإنعام؛ فإن البَطر لا يعتري الخيار؛ اذهبوا حيث شئتم، فإني كاتب إلى أمير المؤمنين فيكم. فلمّا خرجوا دعاهم فقال: إني معيد عليكم. إنّ رسول الله ﷺ كان معصومًا فولّاني، وأدخلني في أمره، ثم استُخلف أبو بكر ﵁ فولّاني؛ ثمّ استُخلف عمر فولّاني، ثم استُخْلِف عثمان فولّاني، فلم ألِ لأحد منهم ولم يولِّني إلا وهو راضٍ عني؛ وإنما طلب رسول الله ﷺ للأعمال أهلَ الجزاء عن المسلمين والغَناء؛ ولم يطلب لها أهل الاجتهاد والجهل بها والضعف عنها؛ وإن الله ذو سطَوات ونِقمات يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوالأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون؛ فإنّ الله غير تارككم حتى يختبرَكم ويبديَ للناس سرائركم؛ وقد قال : ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. وكتب معاوية إلى عثمان: إنه قدم عليّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدْل؛ لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلّمون بحجّة؛ إنما همّهم الفتنة، وأموال أهل الذّمة؛ والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم؛ وليسوا بالذين ينكون أحدًا إلا مع غيرهم، فَانْهَ سعيدًا ومَن قِبَله عنهم؛ فإنهم ليسوا لأكثر من شغَب أو نكير. وخرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا إلى الكُوفة، فإنهم يشمتون بكم، وميلوا بنا إلى الجزيرة، ودعوا العراق والشام. فأوَوا إلى الجزيرة، وسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد -وكان معاوية قد ولّاه حِمْص وولى عامل الجزيرة حَرّان والرّقة- فدعا بهم، فقال: يا آلة الشيطان! لا مرحبًا بكم ولا أهلًا! قد رجع الشيطان محسورًا وأنتم بعدُ نشاط؛ خَسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدّبكم حتى يحسركم. يا معشر مَن لا أدري أعرب أم عجم! لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية؛ أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته العاجِمات، أنا ابن فاقئ الرّدّة، والله لئن بلغني يا صعصعة بن ذلّ: أنّ أحدًا ممن معي دقّ أنفك ثم أمصّك لأطيرنّ بك طَيْرة بعيدة المهوَى. فأقامهم أشهرًا كلّما ركب أمشاهم، فإذا مرّ به صعصعة قال: يا بن الحطيئة! أعلمت أنّ من لم يصلحه الخير أصلحه الشرّ! مَا لَك لا تقول كما كان يبلغني أنّك تقول لسعيد،

стр. 3228

ومعاوية! فيقول، ويقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله! فما زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم. وسرّح الأشترَ إلى عثمان، وقال لهم: ما شئتم، إن شئتم فأخرجوا، وإن شئتم فأقيموا. وخرج الأشتر، فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه وعن أصحابه، فقال: سلّمكم الله. وقدم سعيد بن العاص، فقال عثمان للأشتر: احلل حيث شئت، فقال: مع عبد الرحمن بن خالد؟ وذكر من فضله، فقال: ذاك إليكم، فرجع إلى عبد الرحمن (١). (٤: ٣١٧/ ٣١٨/ ٣١٩/ ٣٢٠/ ٣٢١/ ٣٢٢). ٧٨٠ - وأمّا محمد بن عمر؛ فإنه ذكر: أنّ أبا بكر بن إسماعيل حدّثه عن أبيه، عن عامر بن سعد: أنّ عثمان بعث سعيد بن العاص إلى الكوفة أميرًا عليها، حين شهد على الوليد بن عُقبة بشرب الخمر من شهد عليه، وأمره أن يبعث إليه الوليد بن عقبة. قال: قَدِم سعيد بن العاص الكوفَة، فأرسل إلى الوليد: إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن تلحق به. قال: فتضجّع أيامًا، فقال له: انطلق إلى أخيك، فإنه قد أمرني أن أبعثَك إليه، قال: وما صعِد منبرَ الكوفة حتى أمر به أن يُغسَل، فناشده رجال من قريش كانوا قد خرجوا معه من بني أميّة، وقالوا: إنّ هذا قبيح؛ والله لو أراد هذا غيرُك لكان حقًّا أن تذبّ عنه؛ يلزمه عارُ هذا أبدًا. قال: فأبى إلّا أن يفعل، فغسله وأرسل إلى الوليد أن يتحوّل من دار الإمارة، فتحوّل منها، ونزل دار عُمارة بن عُقْبة، فقدم الوليد على عثمان، فجمع بينه وبين خصمائه، فرأى أن يجلده، فجلده الحدّ (٢). (٤: ٣٢٢). ٧٨١ - قال محمّد بن عمر: حدثني شيبان عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قدِم سعيد بن العاص الكوفَة، فجعل يختار وجوهَ الناس يدخلون عليه ويسمُرون عنده؛ وإنه سمر عنده ليلةً وجوه أهل الكوفة، منهم: مالك بن كعب الأرحبيّ، والأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس النّخعيّان، وفيهم مالك الأشتر في رجال، فقال سعيد: إنما هذا السواد بستان لقريش؛ فقال الأشتر: أتزعم أنّ السّواد الذي

стр. 3229

أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومِك! واللهُ ما يزيد أوفاكم فيه نصيبًا إلا أن يكون كأحدنا، وتكلم معه القوم. قال: فقال عبد الرحمن الأسديّ - وكان على شُرْطة سعيد: أتردّون على الأمير مقالَته! وأغلظ لهم، كقال الأشتر: مَن ها هنا؟ لا يفوتنكم الرجل؛ فوثبوا عليه فوطؤوه وطأً شديدًا، حتى غُشي عليه، ثم جُرّ برجله فألقِيَ، فنضح بماء فأفاق، فقال له سعيد: أبك حياة؟ فقال: قتلني مَن انتخبت -زعمت- للإسلام، فقال: والله لا يسمُر منهم عندي أحد أبدًا، فجعلوا يجلسون في مجالسهم وبيوتهم يشتمون عثمان وسعيدًا؛ واجتمع الناس إليهم، حتى كثر من يختلف إليهم. فكتب سعيد إلى عثمان يخبره بذلك، ويقول: إنّ رهطًا من أهل الكوفة -سمّاهم له عشرة- يؤلّبون ويجتمعون على عيبك وعيبي والطعن في ديننا، وقد خشيت إن ثبت أمرهم أن يكثروا؛ فكتب عثمان إلى سعيد: أن سيّرهم إلى معاوية -ومعاوية يومئذ على الشأم- فسترهم -وهم تسعة نفر- إلى معاوية؛ فيهم مالك الأشتر، وثابت بن قيس بن مُنْقَع، وكُمَيل بن زياد النخعيّ، وصعصعة بن صُوحان. ثم ذكر نحو حديث السريّ عن شعيب؛ إلّا أنه قال: فقال صعصعة: فإن اختُرقت الجُنَّة، أفليس يُخْلَص إلينا؟ فقال معاوية: إنّ الجُنة لا تخترَق، فضعْ أمر قريش على أحسن ما يحضرك. وزاد فيه أيضًا: إنّ معاوية لما عاد إليهم من القابلة وذكرهم؛ قال فيما يقول: وإني والله ما آمركم بشيء إلّا قد بدأتُ فيه بنفسي وأهل بيتي وخاصّتي؛ وقد عرفتْ قريش: أن أبا سفيان كان أكرمَها وابن أكرمها، إلّا ما جعل الله لنبيّه نبيّ الرحمة ﷺ ؛ فإن الله انتخبه وأكرمه، فلم يخلق في أحد من الأخلاق الصالحة شيئًا إلا أصفاه الله بأكرمها وأحسنها؛ ولم يخلق من الأخلاق السيّئة شيئًا في أحد إلا أكرمه الله عنها ونزّهه؛ وإني لأظن أن أبا سفيان لو ولد الناسَ لم يلد إلا حازمًا. قال صعصعة: كذبت! قد ولدَهم خير من أبي سفيان؛ مَن خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البرّ والفاجر، والأحمق والكيّس. فخرج تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم القابلة، فتحدّث عندهم طويلًا، ثم قال: أيُّها القوم! ردّوا عليّ خيرًا، أو اسكتوا، وتفكروا،

стр. 3230

وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهليكم، وينفع عشائركم، وينفع جماعة المسلمين؛ فاطلبوه تعيشوا، ونعش بكم. فقال صعصعة: لستَ بأهلِ ذلك، ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله. فقال: أوَ ليس ما ابتدأتُكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعته وطاعة نبيه ﷺ ، وأن تعتصموا بحبله جميعًا ولا تفرّقوا! قالوا: بل أمرتَ بالفرقة وخلاف ما جاء به النبيّ ﷺ . قال: فإني آمركم الآن، إن كنت فعلتُ فأتوب إلى الله، وآمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيه ﷺ ولزوم الجماعة، وكراهة الفُرقة، وأن توقّروا أئمّتكم، وتدلُّوهم على كلّ حسن ما قدرتم، وتعظوهم في لين، ولطف في شيء إن كان منهم. فقال صعصعة: فإنّا نأمرُك أن تعتزل عملك؛ فإنّ في المسلمين من هو أحقّ به منك، قال: مَن هو؟ قال: مَن كان أبوه أحسن قدمًا من أبيك، وهو بنفسه أحسنُ قدمًا منك في الإسلام، فقال: والله إنّ لي في الإسلام قدمًا، ولغَيري كان أحسنُ قدمًا مني؛ ولكنه ليس في زماني أحدٌ أقوى على ما أنا فيه منِّي؛ ولقد رأى ذلك عمر بن الخطاب، فلو كان غيري أقوَى مني لم يكن لي عند عمر هَوادة ولا لغيري، ولم أحدِث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزِل عملي؛ ولو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة المسلمين لكتب إليّ بخطّ يده فاعتزلت عملَه؛ ولو قضى الله أن يفعل ذلك؛ لرجوتُ ألا يعزم له على ذلك إلا وهو خير؛ فمهلًا فإنّ في ذلك وأشباهه ما يتمنّى الشيطان ويأمر؛ ولعمري لو كانت الأمور تقضَى على رأيكم، وأمانيّكم؛ ما استقامت الأمور لأهل الإسلام يومًا ولا ليلة، ولكن الله يقضيها ويدبّرها؛ وهو بالغ أمره؛ فعاودوا الخبر وقولوه. فقالوا: لستَ لذلك أهلًا، فقال: أما والله إنّ لله لسطَوات ونِقمات! وإني لخائف عليكم أن تتابعوا في مطاوعة الشيطان؛ حتى تُحِلَّكم مطاوعة الشيطان، ومعصية الرحمن دارَ الهوان من نَقْم الله في عاجل الأمر، والخزي الدائم في الآجل. فوثبوا عليه؛ فأخذوا برأسه، ولحيته، فقال: مَهْ؛ إنّ هذه ليست بأرض الكوفة، والله لو رأى أهل الشأم ما صنعتم بي وأنا إمامهم ما ملكتُ أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم. فلَعمري إنّ صنيعكم ليشبه بعضه بعضًا، ثمّ قام من عندهم، فقال: والله لا أدخل عليكم مدخلًا ما بقيت!

стр. 3231

ثم كتب إلى عثمان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد يا أميرَ المؤمنين! فإنك بعثت إليّ أقوامًا يتكلَّمون بألسنة الشياطين وما يُمْلون عليهم، ويأتون الناس - زعموا - من قِبَل القرآن، فيشبّهون على الناس، وليس كلّ الناس يعلم ما يريدون؛ وإنما يريدون فُرْقة، ويقربون فتنة؛ قد أثقلهم الإسلام، وأضجرهم، وتمكّنت رُقَى الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيرًا من الناس ممن كانوا بين ظهرانَيْهم من أهل الكوفة؛ ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشأم أن يغرّوهم بسحْرهم، وفجورهم؛ فارْدُدهم إلى مصرهم؛ فلتكنْ دارهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم؛ والسلام. فكتب إليه عثمان يأمره أن يردّهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردّهم إليه، فلم يكونوا إلَّا أطلق ألسنَة منهم حين رجعوا. وكتب سعيد إلى عثمان يضجّ منهم؛ فكتب عثمان إلى سعيد أن سيّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ وكان أميرًا على حمص. وكتب إلى الأشتر وأصحابه: أمّا بعد؛ فإني قد سيّرتكم إلى حمْص، فإذا أتاكم كتابي هذا؛ فاخرجوا إليها؛ فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شرًّا. والسلام. فلما قرأ الأشتر الكتاب؛ قال: اللهمّ أسوأنا نظرًا للرعيّة، وأعملنا فيهم بالمعصية؛ فعجِّل له النقمة! فكتب بذلك سعيد إلى عثمان، وسار الأشتر وأصحابه إلى حِمْص؛ فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل، وأجرى عليهم رزقًا (١). (٤: ٣٢٢/ ٣٢٣/ ٣٢٤/ ٣٢٥/ ٣٢٦). ٧٨٢ - قال محمد بن عمر: حدّثني عيسى بن عبد الرحمن عن أبي إسحاق الهمْدانيّ، قال: اجتمع نفر بالكوفة - يطعَنون على عثمان - من أشراف أهل

стр. 3232

العراق: مالك بن الحارث الأشتر، وثابت بن قيس النَّخَعيّ، وكُميل بن زياد النَّخَعيّ، وزيد بن صُوحان العبديّ، وجندَب بن زهير الغامديّ، وجندَب بن كعب الأزديّ، وعُروة بن الجَعْد، وعمرو بن الحَمِق الخُزاعيّ. فكتب سعيد بن العاص إلى عثمان يخبره بأمرهم، فكتب إليه أن سيِّرهم إلى الشأم، وألزمهم الدّروب (١). (٤: ٣٢٦). ذكر الخبر عن تسيير عثمان مَنْ سيَّر من أهل البصرة إلى الشام ٧٨٣ - مما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفَقْعميّ؛ قال: لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاثُ سنين؛ بلغه: أن في عبد القيس رجلًا نازلًا على حُكَيم بن جَبَلة، وكان حُكيم بن جبلة رجلًا لصًّا، إذا قفل الجيوش خَنَس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيُغير على أهل الذّمة، ويتنكّر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمّه وأهل القِبْلة إلى عثمان. فكتب إلى عبد الله بن عامر: أن احبسه، ومَن كان مثله فلا يخرجنّ من البصرة حتى تأنسوا منه رُشْدًا؛ فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرُج منها. فلما قدم ابنُ السوداء نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرَح لهم ابنُ السوداء، ولم يصرّح، فقبلوا منه، واستعظموه، وأرسل إليه ابنُ عامر، فسأله: ما أنت؟ فأخبره: أنه رجل من أهل الكتاب، رغِب في الإسلام، ورغب في جوارك؛ فقاله. ما يبلغني ذلك، اخرج عني. فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها، فاستقرّ بمصر، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم (٢) (٤: ٣٢٦/ ٣٢٧). ٧٨٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: إن حُمران بن أبان تزوّج امرأة في عِدّتها، فنكّل به عثمان، وفرّق بينهما، وسيّره إلى البصرة، فلزم ابنَ عامر؛ فتذاكروا يومًا الركوب والمرور بعامر بن عبد قيس - وكان منقبضًا عن الناس - فقال حُمران: ألا أسبقكم فأخبره! فخرج فدخل

стр. 3233

عليه وهو يقرأ في المصحف، فقال: الأمير أراد أن يمرّ بك فأحببت أن آخبرك، فلم يقطع قراءته، ولم يُقبل عليه، فقام من عنده خارجًا، فلما انتهى إلى الباب؛ لقيَه ابنُ عامر، فقال: جئتك من عند امرئ لا يرى لآل إبراهيم عليه فضلًا؛ واستأذن ابن عامر، فدخل عليه، وجلس إليه، فأطبق عامرٌ المصحف، وحدّثه ساعة، فقال له ابنُ عامر: ألا تغشانا؟ فقال: سعد بن أبي العرجاء يحبّ الشرف، فقال: ألا نستعملك؟ فقال: حصين بن أبي الحرّ يحب العمل، فقال: ألا نزوّجك؟ فقال: ربيعة بن عِسْل يعجبه النساء، قال: إن هذا يزعم أنك لا ترى لآل إبراهيم عليك فضلًا، فتصفّح المصحف؛ فكان أوّل ما وقع عليه وافتتح منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، فلما رُدّ حُمران تتبّع ذلك منه، فسعى به، وشهد له أقوأم فسيّره إلى الشام، فلما علموا علمه؛ أذنوا له، فأبى، ولزم الشام (١). (٤: ٣٢٧). ٧٨٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة: أنّ عثمان سير حُمران بن أبان، أن تزوَّج امرأة في عِدتها، وفرق بينهما، وضربه وسيّره إلى البصرة، فلما أتى عليه ما شاء الله، وأتاه عنه الذي يحبّ؛ أذن له. فقدم عليه المدينة، وقدم معه قوم سعَوْا بعامر بن عبد قيس؛ أنه لايرى التزويج، ولا يأكل اللحم؛ ولا يشهد الجمعة - وكان مع عامر انقباض؛ وكان عمله كله خُفية - فكتب إلى عبد الله بن عامر بذلك، فألحقه بمعاوية؛ فلما قدم عليه؛ وافقه وعنده ثَريدة فأكل أكلًا غريبًا؛ فعرف: أنّ الرجل مكذوب عليه، فقال: يا هذا! هل تدري فيم أخرجت؟ قال: لا، قال: أبلغَ الخليفة أنك لا تأكل اللحم، ورأيتُك وعرفت أن قد كُذب عليك، وأنك لا ترى التزويج، ولا تشهد الجمعة، قال: أمّا الجمعة فإني أشهدها في مؤخّر المسجد ثم أرجع في أوائل الناس؛ وأمّا التزويج فإني خرجت وأنا يُخْطَب عليّ؛ وأما اللحم فقد رأيتَ، ولكنيّ كنت امرأ لا آكل ذبائح القصّابين منذ رأيت قَصّابًا يجرّ شاةً إلى مذبحها، ثم وضع السكين على مذبحها، فما زال يقول: النَّفاق النَّفاق، حتى وجبت قال: فارجع، قال: لا أرجع إلى بلد استحلّ أهله منّي ما استحلوا ولكنّي أقيم بهذا البلد الذي اختاره الله لي. وكان يكون في السواحل؛ وكان يلقى معاوية، فيُكثر

стр. 3234

معاويةُ أن يقول: حاجتك؟ فيقول: لا حاجة لي؛ فلما أكثر عليه، قال: تردّ عليّ من حَرّ البصرة لعلّ الصوم أن يشتدّ عليّ شيئًا، فإنه يخِفّ يرّ في بلادكم (١). (٤: ٣٢٧/ ٣٢٨). ٧٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، وأبي عثمان، قالا؛ لما قدم مسيَّرة أهل الكوفة على معاوية؛ أنزلهم دارًا، ثم خلا بهم، فقال لهم وقالوا له، فلما فرغوا قال: لم تُؤْتَوْا إلَّا من الحمْق، والله ما أرى منطقًا سديدًا، ولا عذرًا مبينًا، ولا حلمًا ولا قوّة؛ وإنّك يا صعصعة لأحمقهم! اصنعوا وقولوا ما شئتم ما لم تَدَعوا شيئًا من أمر الله؛ فإنّ كلّ شيء يحتمل لكم إلَّا معصيته، فأما فيما بيننا وبينكم فأنتم أمراء أنفسكم. فرآهم بعدُ وهم يشهدون الصلاة، ويقفون مع قاصّ الجماعة، فدخل عليهم يومًا وبعضهم يقرئ بعضًا، فقال: إنّ في هذا لخَلفًا مما قدمتم به عليّ من النِّزاع إلى أمر الجاهلية؛ اذهبوا حيث شئتم، واعلموا: أنكم إن لزمتم جماعتكم؛ سعدتم بذلك دونهم؛ وإن لم تلزموها؛ شقيتم بذلك دونهم؛ ولم تضرُّوا أحدًا، فجزَوْه خيرًا، وأثنوْا عليه، فقال: يا بن الكوّاء! أيّ رجل أنا؟ قال: بعيد الثرى، كثير المرعى، طيّب البديهة، بعيد الغوْر، الغالب عليك الحلم، ركن من أركان الإسلام، سُدّت بك فُرجة مخوفة. قال: فأخْبِرني عن أهل الإحداث من أهل الأمصار فإنك أعقل أصحابك؛ قال: كاتبتُهم وكاتبوني، وأنكروني وعرفتهم؛ فأما أهلُ الإحداث من أهل المدينة فهم أحرصُ الأمّة على الشرّ، وأعجزه عنه. وأما أهلُ الإحداث من أهل الكوفة فإنّهم أنظر الناس في صغير، وأركبه لكبير. وأمّا أهلُ الإحداث من أهل البصرة، فإنهم يَرِدون جميعًا، ويصدرُون شتّى، وأما أهل الإحداث من أهل مصر فهم أوْفى الناس بشرّ، وأسرعه ندامة؛ وأما أهل الإحداث من أهل الشأم فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم (٢). (٤: ٣٢٨/ ٣٢٩). وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان.

стр. 3235

وزعم أبو معشر: أنّ فتح قُبرس كان في هذه السنة، وقد ذكرت من خالفه في ذلك (١). (٤: ٣٢٩). ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ذكر خبر اجتماع المنحرفين على عثمان ٧٨٧ - مما كتب إليّ به السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن قيس بن يزيد النَّخَعى، قال: لما رجَّع معاوية المسيَّرين، قالوا إن العراق والشأم ليسا لنا بدار؛ فعليكم بالجزيرة. فأتوْها اختيارًا. فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد، فسامهم الشدّة، فضرِعوا له وتابعوه. وسرّح الأشتر إلى عثمان، فدعا به، وقال: اذهب حيث شئت، فقال: أرجعُ إلى عبد الرحمن، فرجع. ووفَد سعيدُ بن العاص إلى عثمان في سنة إحدى عشرة من إمارة عثمان. وقبْل مخرج سعيد بن العاص من الكوفة بسنة وبعض أخرى بعث الأشعثَ بن قيس على أذْرَبيجان، وسعيدَ بن قيس على الرّيّ، وكان سعيد بن قيس على هَمذان، فعُزل وجعل عليها النُّسَير العجليّ، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماهَ مالك بن حَبيب اليربوعيّ، وعلى الموصِل حكيم بن سلامة الحِزاميّ، وجرير بن عبد الله على قَرْقِيسياء، وسلْمان بن ربيعة على الباب؛ وعلى الحرب القعقاع بن عمرو، وعلى حُلوان عُتَيبة بن النَّهاس، وخَلت الكوفة من الرؤساء إلَّا منزوعًا أو مفتونًا. فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خَلْع عثمان، فدخل المسجد، فجلس فيه، وثاب إليه الذين كان فيه ابن السوداء يكاتبهم، فانقضّ عليه القعقاع، فأخذ يزيدَ بن قيس، فقال: إنما نستعفي من سعيد، قال: هذا ما لا يعرَض لكم فيه، لا تجلس لهذا ولا يجتمعُنّ إليك، واطلب حاجتك، فلعمري لتُعطَينّها. فرجع إلى بيته واستأجر رجلًا، وأعطاه دراهم وبغلًا على أن يأتيَ المسيَّرين. وكتب إليهم: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا، فإنّ أهل المصر قد جامعونا. فانطلق الزجل، فأتى عليهم وقد رجع الأشتر؛ فدفع إليهم الكتاب، فقالوا: ما اسمك؟ قال: بُغْثُر، قالوا: ممن؟ قال: من كَلْب، قالوا: سبع ذليل يبغثر النفوس؛ لا حاجة لنا بك. وخالفهم الأشتر، ورجع عاصيًا،

стр. 3236

فلما خرج قال أصحابه: أخرَجنا أخرجه الله؛ لا نجد بدًّا مما صنع؛ إن علم بنا عبد الرحمن لم يصدِّقنا ولم يستقلّها، فاتّبعوه فلم يلحقوه، وبلغ عبد الرحمن أنّهم قد رحلوا فطلبهم في السواد، فسار الأشتر سبعًا والقوم عشرًا، فلم يفجأ الناس في يوم جمعة إلَّا والأشتر على باب المسجد يقول: أيّها الناس! إني قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيدًا يريده على نقصان نسائكم إلى مئة درهم. وردّ أهل البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بالُ أشراف النساء؛ وهذه العلاوة بين هذين العِدْلين! ويزعم أنَّ فيئكم بستان قريش؛ وقد سايرته مرحلةً، فما زال يرجز بذلك حتى فارقته؛ يقول: ويْلٌ لأشْرافِ النِّساء مِنِّي ... صَمَحْمَحٌ كأنَّني مِن جِنِّ فاستخفّ الناسَ، وجعل أهلُ الحِجى ينهوْنه فلا يُسمع منهم، وكانت نفْجة، فخرج يزيد، وأمر مناديًا ينادي: مَن شاء أن يلحق بيزيدَ بن قس لرد سعيد وطلب أمير غيره فليفعل. وبقيَ حُلماء الناس وأشرافُهم ووجوههُم في المسجد، وذهب مَن سواهم، وعَمرو بن حُرَيث يومئذ الخليفة، فصعِد المنبرَ فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا، بعد أن كنتم على شَفا حُفرة من النار فأنقذَكم منها، فلا تعودوا في شرّ قد استنقذكم الله منه. أبَعْد الإسلامِ وهَدْيه وسنّته لا تَعرفون حقًّا، ولا تصيبون بابَه؛ فقال القَعقاع بنُ عمرو: أتردّ السيلَ عن عُبابه! فاردُدِ الفراتَ عن أدراجه، هيهات! لا والله لا تُسكّن الغَوغَاءَ إلَّا المَشرفيّة ويوشك أن تُنتضَى، ثم يَعِجّون عجيجَ العتْدان ويتمنّون ما هم فيه فلا يردّه الله عليهم أبدًا. فاصبر، فقال: أصبر، وتحوّل إلى منزله، وخرج يزيد بن قيس حتى نزل الجَرَعة، ومعه الأشتر، وقد كان سعيد تَلبّث في الطريق، فطلع عليهم سعيد وهم مقيمون له معسكرون، فقالوا: لا حاجة لنا بك. فقال: فما اختلفتم الآن؛ إنما كان يكفيكم أن تَبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلًا وتضعوا إليّ رجلًا. وهل يخرج الألف لهم عقولٌ إلى رجل! ثم انصرَف عنهم وتحسَّوْا بمولىً له على بعير قد حُسِر، فقال: والله ما كان ينبِغي لسعيد أن يَرجع. فضرب الأشترُ عنقَه، ومضى سعيد حتى قَدِم على عثمان، فأخبَرَه الخبر، فمْال: ما يريدون؟ أخلَعَوا يدًا من طاعة؟ قال: أظهَروا أنهم يريدون البدَل. قال: فمن يريدون؟ قال:

стр. 3237

أبا موسى؛ قال: قد أثبتْنا أبا موسى عليهم، ووالله لا نجعل لأحد عُذرًا، ولا نترك لهم حجّة، ولنَصبرنّ كما أمرنا حتى نَبلغ ما يريدون. ورجع من قرب عمله من الكوفة، ورجع جرير من قَرْقيسياء وعُتيبة من حُلْوان. وقام أبو موسى فتكلّم بالكُوفة فقال: أيَّها الناس؛ لا تنفروا في مثل هذا، ولا تعودوا لمثله، الزَموا جماعتكم والطاعة، وإيَّاكم والعجلة، اصبروا، فكأنكم بأمير. قالوا: فصلّ بنا، قال: لا، إلَّا على السمع والطاعة لعثمانَ بن عفان؛ قالوا: على السمع والطاعة لعثمان (١). (٤: ٣٣٠/ ٣٣١/ ٣٣٢). ٧٨٨ - حدّثني جعفر بنُ عبد الله المحمديّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة، وعليّ بن حسين بن عيسى، قالا: حدّثنا حسين بن عيسى، عن أبيه،

стр. 3238

عن هارون بن سعد، عن العَلاء بن عبد الله بن زيد العنبريّ: أنّه قال: اجتمع ناسٌ من المسلمين، فتذاكروا أعمالَ عثمان وما صنع، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلًا يكلّمه، ويخبره بإحداثه، فأرسلوا إليه عامرَ بن عبد الله التميميّ ثم العنبريّ - وهو الذي يُدعى عامرَ بنَ عبد قيس - فأتاه، فدخل عليه، فقال له: إن ناسًا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك، فوجدوك قد ركبتَ أمورًا عظامًا، فاتّق الله وتُب إليه، وانزع عنها. قال له عثمان: انظر إلى هذا، فإنّ الناس يزعمون أنه قارئ، ثم هو يجيء فيكلّمني في المحقَّرات، فو الله ما يدري أين الله! قال عامر: أنا لا أدري أين الله! قال: نعم، والله ما تدري أين الله؛ قال عامر: بلى واللهِ إنّي لأدرِي أنّ اللهَ بالمرصاد لك. فأرسل عثمان إلى معاويةَ بن أبي سُفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص بن وائل السهميّ، وإلى عبدِ الله بنِ عامر؛ فجمَعهم ليشاورَهم في أمره وما طُلِب إليه، وما بلغه عنهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم: إنّ لكلّ امرئ وزراءَ ونُصَحاء، وإنَّكم وزرائي ونُصَحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناسُ ما قد رأيتم، وطلبوا إليّ أن أعزل عمّالي، وأن أرجعَ عن جميع ما يَكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيَكم، وأشيروا عليّ. فقال له عبدُ الله بنُ عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرَهِم بجهاد يشغَلهم عنك. وأن تُجمّرهم في المغَازي حتى يذِلُّوا لك، فلا يكون همّة أحدهم إلَّا نفسَه، وما هو فيه من دَبرة دابته، وقَمْل فرْوه. ثم أقبل عثمانُ على سعيد بنِ العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين! إن كنتَ ترى رأينَا فاحسم عنك الدّاء، واقطَعْ عنك الذي تَخاف، واعمل برأي تُصِب؛ قال: وما هو؟ قال: إنّ لكل قوم قادةً متى تَهلِكْ يتفرّقوا، ولا يجتمعْ لهم أمر، فقال عثمان: إنّ هذا الرأيُ لولا ما فيه. ثم أقبل على معاوية فقال: ما رأيُك؟ قال: أرى لك يا أميرَ المؤمنين أن تردّ عمّالك على الكفاية لما قِبَلهم، وأنا ضامن لك قِبَلي. ثم أقبل على عبد الله بن سعد، فقال: ما رأيُك؟ قال: أرى يا أميرَ المؤمنين: أنّ الناسَ أهل طَمَع، فأعطهم من هذا المال تَعطفْ عليك قلوبهم. ثم أقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيُك؟ قال: أرى أنك قد ركبتَ الناس بما يكرهون؛

стр. 3239

فاعتزم أن تعتدل، فإن أبيتَ فاعتزمْ أن تعتزل، فإن أبيْتَ فاعتزِمْ عزمًا، وامض قُدُمًا؛ فقال عثمان: مَا لَك قَمِل فَرْوُك؟ أهذا الجدّ منك! فأسكتَ عنه دهرًا، حتى إذا تفرّق القوم قال عمرو: لا واللهِ يا أمير المؤمنين! لأنت أعزُّ عليّ من ذلك، ولكن قد علمتُ أن سيبلغ الناسَ قولُ كلّ رجل منا، فأردتُ أن يبلغهم قولي فيَثقوا بي، فأقودَ إليك خيرًا، أو أدفعَ عنك شرًّا (١). (٤: ٣٣٣/ ٣٣٤).

стр. 3240

٧٨٩ - حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد، وعليّ بنُ حسين، قالا: حدَّثنا حسين عن أبيه، عن عمرو بن أبي المقدام، عن عبد الملك بن عُمير الزُّهريّ: أنه قال: جمع عثمانُ أمراءَ الأجناد: معاويةَ بن أبي سُفيان، وسعيدَ بن العاص، وعبدَ الله بن عامر، وعبدَ الله بن سعد بن أبي سَرْح، وعمرَو بن العاص، فقال: أشيروا عليّ، فإنّ الناس قد تنمّروا لي، فقال له معاوية: أشيرُ عليك أن تأمر أمراءَ أجنادِك فيكفيَك كلّ رجل منهم ما قبَله، وأكفيك أنا أهلَ الشأم؛ فقال له عبد الله بنُ عامر: أرى لك أن تجمّرهم في هذه البعوث حتى يهمّ كلّ رجل منهم دَبَرُ دابّته، وتشغلهم عن الإرجاف بك، فقال عبد الله بنُ سعد: أشير عليك أن تنظر ما أسخَطهم فتُرضيَهم، ثم تُخرج لهم هذا المال، فيُقسَم بينهم. ثم قام عمرو بن العاص، فقال: يا عثمان! إنك قد ركبتَ الناس بمثل بني أمية، فقلتَ وقالوا، وزغْتَ وزاغوا، فاعتدلْ أو اعتزِلْ، فإن أبَيْتَ فاعتزم عَزْمًا، وامضِ قُدُمًا؛ فقال له عثمان: مَالك قَمِل فَرْوُك! أهذا الجدّ منك! فأسْكَت عمرو حتى إذا تفرّقوا قال: لا واللهِ يا أميرَ المؤمنين! لأنت أكرمُ على من ذلك، ولكني قد علمتُ أنّ بالباب قومًا قد علموا أنك جمعتنَا لنُشير عليك، فأحببتُ أن يبلغهم قولي، فأقودَ لك خيرًا، أو أدفعَ عنك شرًّا. فردّ عثمان عمّالَه على

стр. 3241

أعمالهم، وأمَرَهم بالتضييق على مَن قبلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البُعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه، ويحتاجوا إليه، وردّ سعيد بن العاص أميرًا على الكُوفة، فخرج أهلُ الكوفة عليه بالسلاح، فتلقَّوْه فَردّوه، وقالوا: لا والله لا يلي علينا حُكْمًا ما حملْنا سيوفَنا (١). (٤: ٣٣٤/ ٣٣٥). ٧٩٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن مسلم، عن واقد بن عبد الله، عن عبد الله بن عُمير الأشجَعيّ، قالط: قام في المسجد في الفتنة فقال: أيّها الناس! اسكُتوا، فإنّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من خرج وعلى الناس إمام - واللهِ ما قال: عادل - ليَشُقّ عصاهم، ويفرّق جماعتَهم، فاقتلوه كائنًا مَن كان" (٢). (٤: ٣٣٦). ٧٩١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما استَعْوى يزيد بن قيس الناسَ على سعيد بن العاص، خرج منه ذِكْرٌ لعثمان، فأقبَلَ إليه القَعْقاع بنُ عمرو حتى أخذه، فقال: ما تُريد؟ ألك علينا في أن نَستعفي سبيل؟ قال: لا، فهل إلَّا ذلك؟ قال: لا، قال: فاستعفِ. واستَجلَبَ يزيد أصحابَه من حيث كانوا، فردّوا سعيدًا، وطلبوا أبا موسى، فكتب إليهم عثمان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أمّا بعد: فقد أمَّرتُ عليكم من اخترتم، وأعفَيْتكم من سعيد، والله لأفْرُشنَّكم عرْضي، ولأبذُلنّ لكم صبري، ولأستصلحنَّكم بجهدي، فلا تَدَعوا شيئًا أحببتموه لا يُعصَى الله فيه إلَّا سألتموه، ولا شيئًا كرهتموه لا يُعصى الله فيه إلَّا استعفيتم منه، أنزل فيه عند ما أحبجتم، حتى لا يكون لكم عليّ حجّة. وكتب بمثل ذلك في الأمصار، فقدمت إمارة أبي موسى وغزو حُذيفة. وتأمّر

стр. 3242

أبو موسى، ورجع العمَّال إلى أعمالهم، ومضى حُذيفة إلى الباب (١). (٤: ٣٣٦). ٧٩٢ - وأما الواقديّ؛ فإنه زعم: أن عبدَ الله بن محمد حدّثه عن أبيه، قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحابُ رسول الله ﷺ بعضُهم إلى بعض: أن اقدموا، فإن كنتم تريدون الجهادَ فعندنا الجهاد. وكثُر الناسُ على عثمان، ونالوا منه أقبحَ ما نِيلَ من أحَد، وأصحابُ رسول الله ﷺ يَرون ويَسمعون؛ ليس فيهم أحد ينهى ولا يذبّ إلَّا نُفير؛ منهم زيد بن ثابث، وأبو أسَيْد الساعديّ، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت. فاجتمع الناس، وكلّموا عليّ بنَ أبي طالب. فدخل علَى عثمان، فقال: الناس ورائي، وقد كلّموني فيك، واللهِ ما أدري ما أقولُ لك، وما أعرِف شيئًا تَجهلُه، ولا أدلّك على أمر لا تَعرفه؛ إنك لتَعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنُخبرَك عنه، ولاخلوْنا بشيء فنُبلغَكَه، وما خُصصنا بأمر دونك، وقد رأيتَ وسمعتَ، وصحبتَ رسولَ الله ﷺ ونلتَ صهرَه، وما ابن أبي قُحافة بأوْلى بعمل الحقّ منك، ولا ابنُ الخطاب بأوْلى بشيء من الخير منك، وإنك أقربُ إلى رسول الله ﷺ رَحِمًا، ولقد نلتَ من صهر رسول الله ﷺ ما لم يَنالا، ولا سَبَقاك إلى شيء. فالله اللهَ في نفسك، فإنك والله ما تُبصَّر من عمىً، ولا تُعلَّم من جَهْل، وإنّ الطريق لواضح بيّن، وإنّ أعلامَ الدّين لقائمة. تعلَّمْ يا عثمان أنّ أفضل عبادِ الله عند الله إمامٌ عادل، هُديَ وهَدَى، فأقام سنّةً معلومة، وأمات بدْعةً متروكة، فو الله إنّ كُلًّا لَبَيِّن، وإن السُّنَن لقائمة لها أعلام، وإن البدَع لقائمةٌ لها أعلام، وإن شرّ الناس عند الله إمامٌ جائر، ضَلَّ وضلَّ به، فأماتَ سنَّة معلومة، وأحيا بدعةً متروكة، وإنّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يُؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيُلقَى في جهنم، فيدور في جهنم كما تدور الرَّحَا، ثم يَرتطم في غَمرةِ جهنم". وإني أحذّرك الله، وأحذّرك سطوَتَه ونِقماته؛ فإنّ عذابَه شديد أليم. وأحذّرك أن تكون إمامَ هذه الأمة المقتول، فإنه يقال: يُقتَل في هذه الأمة إمام، فيُفتَح عليها القتلُ والقتالُ إلى يوم القيامة، وتُلبَّس أمورُها عليها، ويتركهم شِيَعًا، فلا يُبصرون الحقّ لعلوّ الباطل؛ يموجون فيها مَوْجًا، ويمْرَجون فيها مَرجًا.

стр. 3243

فقال عثمان: قد واللهِ علصت، ليَقولُنّ الذي قلتَ، أما واللهِ لو كنتَ مكاني ما عنّفتك، ولا أسلَمْتك، ولا عبتُ عليك، ولا جئتُ مُنْكَرًا أن وصلتُ رَحمًا، وسدَدْتُ خَلّة، وآويتُ ضائعًا، وولّيْتُ شبيهًا بمن كان عُمر يولِّي. أنشُدُك اللهَ يا عليّ! هل تَعلم أن المغيرة بنَ شُعْبة ليس هناك؟ ! قال: نعم. قال: فتعلم أنّ عمر ولّاه؟ قال: نعم، قال: فلمَ تلومُني أن ولّيتُ ابنَ عامر في رَحِمه وقَرابته؟ قال علي: سأخبرك، إنّ عمر بنَ الخطاب كان كلُّ مَن ولّى فإنما يطأ على صِماخه، إنْ بَلَغه عنه حرفٌ جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية؛ وأنت لا تفعل، ضعفتَ ورفقتَ على أقربائك. قال عثمان: هم أقرباؤك أيضًا. فقال عليّ: لَعَمري إنّ رَحِمهم منِّي لقريبة، ولكنّ الفضلَ في غيرهم؛ قال عثمان: هل تعلم أنّ عمرَ ولّى معاويةَ خلافَته كلَّها؟ فقد ولّيتُه. فقال عليّ: أنْشُدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخَوفَ من عمرَ من يَرْفَأ غلام عمر منه؛ قال: نعم. قال عليّ: فإنّ معاوية يقتطع الأمورَ دونَك وأنت تعلمها، فيقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك ولا تغيّر على معاوية. ثم خرج على من عنده، وخرج عثمانُ على أثره، فجلس على المنبر، فقال: أمَّا بعد، فإنّ لكلّ شيء آفة، ولكلّ أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الأمة، وعاهةَ هذه النعمة، عَيّابون طعّانون، يُرونكم ما تحبّون، ويُسرّون ما تَكرهون، يقولون لكم وتقولون، أمثالُ النعام يتبعون أوّل ناعق، أحبُّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلَّا نَغَصًا، ولا يَرِدون إلَّا عَكَرًا، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتْهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب. ألا فقد والله عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنّه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدِنْتم له على ما أحببتم، أو كرهتم، ولنت لكم، وأوطأت لكم كتفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ. أما والله لأنا أعزّ نفرًا، وأقربُ ناصرًا وأكثرُ عددًا، وأقمن إن قلتُ هلمّ؛ أُتِيَ إليّ، ولقد أعددتُ لكم أقرانَكم، وأفضلتُ عليكم فضولًا، وكشَرتُ لكم عن نابي، وأخرجتم مني خُلُقًا لم أكن أحسِنه، ومنطقًا لم أنطقْ به، فكُفّوا عليكم ألسنَتكم، وطَعْنكم، وعيبكم على وُلاتكم، فإنّي قد كففت عنكم مَنْ لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا فما تفقدون من حقكم؟ والله ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلِي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه. فَضَل فَضْلٌ من مال؛ فما لي لا أصنع في الفضْل ما أريد! فلمَ كنتُ إمامًا!

стр. 3244

فقام مروان بن الحَكَم، فقال: إن شئتم حَكّمنا واللهِ بيننا وبينكم السيفَ، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر: فَرَشْنا لَكُمْ أعْراضَنا فَنَبَتْ بكُمْ ... مَعارسُكُم تَبْنُونَ في دِمَنِ الثَّرَى فقال عثمان: اسكت لا سكتَّ، دعني وأصحابي، ما منطقُك في هذا! ألم أتقدّم إليك ألَّا تنطق! فسكَت مرْوان، ونزل عثمان (١). (٤: ٣٣٦/ ٣٣٧ / ٣٣٨/ ٣٣٩). ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك نزول أهل مصرَ ذا خُشُب، حدّثني بذلك أحمد بنُ ثابت عمن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كان ذو خُشُب سنةَ خمس وثلاثين، وكذلك قال الواقديّ. ذكر مسير من سار إلي ذي خُشُب من أهل مصرَ وسبب مسير مَنْ سار إلى ذي المرْوة من أهل العراق ٧٩٣ - فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيدَ الفَقْعِميّ، قال: كان عبد الله بن سَبَأ يهوديًّا من أهل صَنْعاء، أمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقّل في بُلدان المسلمين، يحاول ضلالَتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البَصرة، ثم الكوفة، ثم الشأم، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشأم، فأخرجوه حتى أتى مصرَ، فاعتَمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لَعَجبٌ ممن يزعم أنّ عيسى يرجع، ويكذّب بأنّ محمدًا يرجع، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. فمحمد أحقّ بالرجوع من عيسى. قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرّجعة، فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبيّ، ولكلّ نبيّ وصيّ، وكان عليّ وصيّ محمد؛ ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتمُ الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: مَن أظلمُ

стр. 3245

ممن لم يُجِز وصيّة رسول الله ﷺ ، ووثب عليّ وصيّ رسول الله ﷺ ، وتناول أمرَ الأمّة! ثم قال لهم بعد ذلك: إنَّ عثمان أخذها بغير حقّ، وهذا وصيّ رسولِ الله ﷺ ، فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه، وابدؤوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهيَ عن المنكر؛ تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر. فبثّ دعاته، وكاتَب من كان استَفسَد في الأمصار وكاتَبوه، ودعَوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عُيوب وُلاتِهِم، ويكاتبهم إخوانُهم بمثل ذلك، ويكتب أهلُ كلّ مصرٍ منهم إلى مصرٍ آخَر بما يصنعون؛ فيقرؤه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسَعُوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غيرَ ما يُظهرون، ويُسرّون غيرَ ما يُبدون، فيقول أهلُ كلّ مصر: إنّا لفي عافية مما ابتُليَ به هؤلاء، إلَّا أهلَ المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس، وجامعه محمد، وطلحة من هذا المكان، قالوا: فأتوْا عثمان، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله، ما جاءني إلَّا السلامة، قالوا: فإنا قد أتانا ... وأخبَروه بالذي أسقطوا إليهم؛ قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا عليّ، قالوا: نُشير عليك أن تبعث رجالًا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم. فدعا محمّد بنَ مسْلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البَصرة، وأرسل عمَّار بن ياسر إلى مصَر، وأرسل عبدَ الله بنَ عمر إلى الشأم، وفرّق رجالًا سواهم، فرجعوا جميعًا قبل عمّار، فقالوا: أيُّها الناس! ما أنكرنا شيئًا، ولا أنكره أعلامُ المسلمين ولا عوامُّهم، وقالوا جميعًا: الأمر أمر المسلمين، إلَّا أنّ أمراءهم يقسِطون بينهم، ويقومون عليهم. واستبطأ الناس عمّارًا حَتى ظنوا أنه قد اغتيل، فلم يَفجَأهم إلَّا كتابٌ من عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح يخبرهم: أنّ عمارًا قد استماله قومٌ بمصر، وقد انقطعوا إليه؛ منهم عبدُ الله بن السوداء، وخالد بن مُلجَم، وسُودان بن حُمْران، وكنانة بن بِشْر (١). (٤: ٣٤٠/ ٣٤١).

стр. 3246

٧٩٤ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعطيّة، قالوا: كتب عثمانُ إلى أهل الأمصار: أمّا بعد، فإني آخُذ العمال. (٤: ) بموافاتي في كلّ موسم، وقد سلّطت الأمة منذ وَليتُ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يُرفع عليّ شيء ولا على أحد من عمالي إلَّا أعطيتُه، وليس لي ولعيالي حقّ قِبَل الرعيّة إلَّا متروك لهم، وقد رفع إليّ أهلُ المدينة أنّ

стр. 3247

أقوامًا يُشتَمون، وآخرون يُضرَبون، فيا من ضُرب سرًّا، وشتم سرًّا، من ادّعى شيئًا من ذلك فليوافِ الموسمَ فليأخذْ بحقّه حيث كان؛ منّي أو من عمالي، أو تصدّقوا فإن الله يجزي المتصدِّقين. فلما قرئ في الأمصار أبْكَى الناس، ودعَوا لعثمان وقالوا: إنّ الأمة لتَمخَّضُ بشرّ. وبعث إلى عمال الأمصار فقَدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيدًا، وعَمْرًا، فقال: ويْحَكم! ما هذه الشكاية؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقًا عليكم، وما يُعصب هذا إلَّا بي؛ فقالوا له: ألم تبعث! ألم نرجع إليك الخبرَ عن القوم؟ ! ألم يرجعوا ولم يشافههم أحدٌ بشيء؟ ! لا والله ما صدَقوا ولا برّوا، ولا نعلم لهذا الأمر أصلًا، وما كنتَ لتأخذ به أحدًا فيقيمك على شيء؛ وما هي إلَّا إذاعة لا يحلّ الأخذُ بها، ولا الانتهاء إليها. قال: فأشيروا عليّ؛ فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يُصنع في السرّ، فيُلْقى به غير ذي المعرفة، فيُخبَر به، فيُتحدَّث به في مجالسهم، قال: فما دواءُ ذلك؟ قال: طلبُ هؤلاء القوم، ثم قتلُ هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبد الله بنُ سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتَهم الذي لهم؛ فإنه خير من أن تدَعَهم. قال معاوية: قد ولّيتني فوليتُ قومًا لا يأتيك عنهم إلَّا الخير، والرّجلان أعلَم بناحيتيهما؛ قال: فما الرأي؟ قال: حسنُ الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ ! قال: أرى أنك قد لِنتَ لهم، وتراخَيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيْك، فتشتدَّ في موضع الشدّة، وتلينَ في موضع اللين. إن الشدّة تنبغي لمن لا يألو الناس شرًّا، واللين لمن يخلف الناسَ بالنصح، وقد فرشتَهما جميعًا اللين. وقام عثمان فحمِد الله وأثنى عليه وقال: كلّ ما أشرتم به عليّ قد سمعتُ، ولكلّ أمر بابٌ يؤتَى منه، إنّ هذا الأمر الذي يُخاف على هذه الأمة كائن، وإنّ بابه الذي يُغلَق عليه فيُكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابَعة، إلَّا في حدود الله تعالى ذكرُه، التي لا يستطيع أحد أن يباديَ بعيب أحدها، فإن سدّه شيء فرفْق، فذاك والله ليُفتَحنّ، وليست لأحد عليَّ حجة حقّ، وقد علم الله أنّي لم آلُ الناس خيرًا، ولا نفسي. ووالله إن رَحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحرّكْها. كفكفوا الناس، وهبُوا لهم حقوقَهم، واغتفروا لهم، وإذا تُعوطيتْ

стр. 3248

حقوق الله فلا تُدْهِنوا فيها. فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبد الله بن سعد إلى المدينة، ورجع ابن عامر وسعيد معه. ولما استقلّ عثمان رَجَزَ الحادي: قد عَلِمتْ ضَوَامرُ المَطِيِّ ... وضَامِراتُ عَوَجِ القِسِيِّ أنَّ الأميرَ بعدَه عَليُّ ... وفي الزُّبَيْر خَلفٌ رَضِيُّ وطلحةُ الحامي لَها وَليُّ فقال كعب وهو يسير خلفَ عثمان: الأميرُ والله بعدَه صاحبُ البغلة - وأشار إلى معاوية (١). (٤: ٣٤٢، ٣٤٣). ٧٩٥ - حدّثني عبد الله بن أحمد بن شَبَّوَيْه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عبد الله، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة، قال: أرسل عثمان إلى طلحة يدعوه؛ فخرجتُ معه حتى دخل على عثمان، وإذ عليٌّ، وسعد، والزبير، وعثمان، ومعاوية، فحمِد الله معاويةُ وأثْنَى عليه بما هو أهله، ثم قال: أنتم أصحاب رسول الله ﷺ ، وخيرتُه في الأرض، وولاة أمر هذه الأمة، لا يطمع في ذلك أحد غيركم، اخترتم صاحبَكم عن غير غَلَبة ولا طمع، وقد كبرتْ سنُه، وولّى عمرُه، ولو انتظرتم به الهَرَم كان قريبًا؛ مع أني أرجو أن يكون أكرَم على الله أن يبلغ به ذلك، وقد فشتْ قالةٌ خفْتُها عليكم، فما عتبتم فيه من شيء فهذه يدي لكم به، ولا تُطمعوا الناس في أمركم، فوالله لئن طمعوا في ذلك؛ لا رأيتم فيها أبدًا إلَّا إدبارًا. قال عليّ: ومالك وذلك! وما أدراك لا أمَّ لك! قال: دع أمّي مكانَها، ليست بشرّ أمّهاتِكم، قد أسلمتْ، وبايَعت النبيَّ ﷺ ، وأجبْني فيما أقول لك. فقال عثمان: صدق ابن أخي، إنّي أخبركم عنّي وعمّا وليتُ، إنّ صاحبيّ اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتسابًا، وإن رسول الله ﷺ كان يعطي قرابته، وأنا في رهط أهل عَيْلة، وقلّة معَاش، فبسطت يدي في شيء من ذلك المال، لمكان ما أقوم به فيه، ورأيت: أنّ ذلك لي، فإن رأيتم ذلك خطأ فردّوه، فأمري لأمركم تَبَع. قالوا: أصبتَ، وأحسنتَ؛ قالوا: أعطيتَ عبد الله بن خالد بن أسيد ومروان - وكانوا يزعمون أنه أعطى مروان خمسة عشر ألفًا، وابن أسيد خمسين ألفًا - فرُدّوا منهما ذلك،

стр. 3249

فرضُوا وقَبِلوا، وخرجوا راضين (١). (٤: ٣٤٤/ ٣٤٥). ٧٩٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي حارثة، وأبي عثمان، قالوا: صفى عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يومًا، ثم إنهم منعوه الصلاة، فصلّى بالناس أميرهم الغافقيّ، دان له المصريون، والكوفيّون، والبصريون، وتفزق أهلُ المدينة في حيطانهم، ولزموا بيوتهم، لا يخرج أحدٌ ولا يجلس إلَّا وعليه سيفه يمتنع به من رَهق القوم وكان الحصار أربعين يومًا، وفيهن كان القتل، ومنْ تعرّض لهم وضعوا فيه السلاح، وكانوا قبل ذلك ثلاثين يومًا يكفّون. وأما غيرُ سيف فإنّ منهم من قال: كانت مناظرة القوم عثمان وسبب حصارهم إياه (٢). (٤: ٣٥٣/ ٣٥٤). ٧٩٧ - وأمّا الواقديّ فإنه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خُشُب أمورًا كثيرة، منها ما قد تقدّم ذِكْره؛ ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني لبشاعته. ومنها ما ذكر: أنّ عبد الله بن جعفر حدّثه عن أبي عون مولى المِسْور، قال: كان عمرو بن العاص على مصر عاملًا لعثمان؛ فعزله عن الخراج، واستعمله على الصلاة، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج؛ ثم جمعهما لعبد الله بن سعد، فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان، فأرسل إليه يومًا عثمان خاليًا به، فقال: يا بن النابغة! ما أسرع ما قمل جُرُبّان جُبَّتك! إنما عهدك بالعمل عامًا أوّل. أتطعن عليّ وتأتيني بوجه وتذهب عنّي بآخر! والله لولا أُكْلَةٌ ما فعلتَ ذلك. قال: فقال عمرو: إنّ كثيرًا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل؛ فاتّق الله يا أميرَ المؤمنين في رعيتك! فقال عثمان: والله لقد استعملتك على ظلعِك، وكثرة القالة فيك. فقال عمرو: قد كنتُ عاملًا لعمر بن الخطاب، ففارقني وهو عنّي راض. قال: فقال عثمان: وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقصتَ؛ ولكني لنت عليك فاجترأتَ عليّ، أما والله لأنا أعزُّ منك نفرًا في الجاهليّة؛ وقبل أن ألي هذا السلطان. فقال عمرو: دع عنك

стр. 3250

هذا، فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد ﷺ وهدانا به، قد رأيت العاصيَ بن وائل ورأيت أباك عفان، فوالله للعاصُ كانَ أشرفَ من أبيك. قال: فانكسر عثمان، وقال: ما لنا ولذكر الجاهليّة! قال: وخرج عمرو، ودخل مَرْوان، فقال: يا أميرَ المؤمنين! وقد بلغتَ مبلغًا يذكر عمرو بن العاص أباك! فقال عثمان: دَعْ هذا عنك، مَن ذى آباء الرجال ذكروا أباه. قال: فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه، يأتي عليًّا مرّة فيؤلِّبه على عثمان، ويأتي الزّبير مرة فيؤلِّبه على عثمان، ويأتي طلحة مرة فيؤلِّبه على عثمان، ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمَّا كان حَصْر عثمان الأوّل؛ خرج من المدينة، حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها: السبْع؛ فنزل في قصر له يقال له: العجلان، وهو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفان! . قال: فبينا هو جالس في قَصْره ذلك، ومعه ابناه محمد، وعبد الله، وسلامة بن رَوْح الجُذاميّ؛ إذْ مرّ بهم راكب، فناداه عمرو: من أين قدم الرجل؟ فقال: من المدينة، قال: ما فعل الرجل؟ يعني: عثمان، قال: تركتُه محصورًا شديد الحصار. قال عمرو: أنا أبو عبد الله؛ قد يضرط العَيْر والمكواة في النار. فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مرّ به راكب آخر، فناداه عمرو: ما فعل الرجل؟ يعني: عثمان، قال: قتل، قال: أنا أبو عبد الله؛ إذا حكَكْتُ قَرْحة نكأتها، إن كُنت لأحرّض عليه؛ حتى إني لأحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل. فقال له سلامة بن روح: يا معشرَ قريش! إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا أن نُخرج الحقّ من حافرة الباطل، وأن يكون الناس في الحقّ شَرَعًا سواء. وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمِّه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ففارقها حين عزله (١). (٤: ٣٥٦/ ٣٥٧). ٧٩٨ - قال محمد بن عمر: وحدّثني عبد الله بن محمد عن أبيه، قال: كان محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة بمصر يحرّضان على عثمان، فقدم محمد بن أبي بكر، وأقام محمد بن أبي حُذَيفة بمصر، فلما خرج المصريون؛

стр. 3251

خرج عبد الرحمن بن عُدَيس البلويّ في خمسمئة، وأظهروا أنهم يريدون العُمْرة، وخرجوا في رَجَب، وبحث عبد الله بن سعد رسولًا سار إحدى عشرة ليلة يخبر عثمان: أنّ ابن عُدَيس وأصحابه قد وُجّهوا نحوه، وأنّ محمد بن أبي حذيفة شيَّعهم إلى عجرود، ثم رجع وأظهر محمد أن قال: خرج القوم عُمّارًا، وقال في السرّ: خرج القوم إلى إمامهم فإن نزع وإلّا قتلوه؛ وسار القوم المنازل لم يعدوها حتى نزلوا ذا خُشُب. وقال عثمان قبل قدومهم حين جاءه رسول عبد الله بن سعد؛ هؤلاء قوم من أهل مصر يريدون - بزعمهم - العُمْرة، والله ما أراهم يريدونها؛ ولكن الناس قد دُخل بهم؛ وأسرعوا إلى الفتنة، وطال عليهم عمري؛ أما والله لئن فارقتُهم ليتمنّوْن أنّ عمري كان طال عليهم مكان كلّ يوم بسنة مما يرون من الدماء المسفوكة، والمحن والأثَرة الظاهرة، والأحكام المغيَّرة. قال: فلما نزلَ القوم ذا خُشب؛ جاء الخبر: أنّ القوم يريدون قتل عثمانَ إن لم ينزع، وأتى رسولهم إلى عليّ ليلًا، وإلى طلحة، وإلى عمّار بن ياسر. وكتب محمد بن أبي حذيفة معهم إلى عليّ كتابًا، فجاؤوا بالكتاب إلى عليّ، فلم يَظْهَرْ على ما فيه، فلما رأى عثمان ما رأى جاء عليًّا فدخل عليه بيته، فقال: يا بنَ عمّ! إنه ليس لي مترَّك؛ وإن قرابتي قريبة؛ ولي حقّ عظيم عليك، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم، وهم مصبِّحيَّ؛ وأنا أعلم أنّ لك عند الناس قدرًا، وأنهم يسمعون منك، فأنا أحبّ أن تركب إليهم فتردّهم عنيّ، فإني لا أحبّ أن يدخلوا عليّ؛ فإن ذلك جرأة منهم عليّ، وليسمع بذلك غيرُهم. فقال عليَّ: عَلامَ أردّهم؟ قال: على أن أصير إلى ما أشرتَ به عليّ ورأيتَه لي؛ ولست أخرج من يديك؛ فقال عليّ: إني قد كنت كلمتك مرّة بعد مرّة، فكلّ ذلك نخرج فتُكلَّم، ونقول وتقول؛ وذلك كله فعل مرْوان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وابن عامر، ومعاوية؛ أطعتَهم، وعصيتَني. قال عثمان: فإني أعصيهم وأطيعك. قال: فأمر الناس، فركبوا معه: المهاجرون والأنصار. قال: وأرسل عثمان إلى عمّار بن ياسر، يُكلمه أن يركب مع عليّ فأبى، فأرسل عثمان إلى سعد بن أبي وقاص، فكلّمه أن يأتيَ عمّارًا فيكلمه أن يركب مع عليّ؛ قال: فخرج سعد حتى دخل على عمّار، فقال: يا أبا اليقظان! ألا تخرج فيمن يخرج! وهذا عليّ

стр. 3252

يخرج فاخرج معه، واردد هؤلاء القوم عن إمامك، فإني لأحسب أنك لم تركب مركبًا هو خيرٌ لك منه. قال: وأرسل عثمان إلى كَثير بن الصَّلْت الكِنديّ - وكان من أعوان عثمان - فقال: انطلق في إثر سعد؛ فاسمع ما يقول سعد لعمّار، وما يردّ عمّار على سعد، ثم ائتني سريعًا. قال: فخرج كَثير حتى يجد سعدًا عند عمّار مُخلِيًا به، فألقم عينَه جُحْر الباب، فقام إليه عمَّار ولا يعرفه، وفي يده قضيب، فأدخل القضيب الجُحْر الذي ألقمه كَثير عينَه، فأخرج كثير عينه من الجُحْر، وولّى مدبرًا متقنّعًا. فخرج عمار فعرف أثره، ونادى: يا قليل ابن أمّ قليل! أعليَّ تطّلع وتستمع حديثي! والله لو دريتُ: أنّك هو لفقأتُ عينك بالقضيب؛ فإنّ رسول الله ﷺ قد أحلّ ذلك. ثم رجع عمار إلى سعد، فكلمه سعد وجعل يفتله بكلّ وجه؛ فكان آخر ذلك أن قال عمَّار: والله لا أردّهم عنه أبدًا. فرجع سعد إلى عثمان، فأخبره بقول عمار، فاتّهم عثمان سعدًا أن يكون لم يناصحه، فأقسم له سعد بالله؛ لقد حرّض. فقبل منه عثمان. قال: وركب عليّ ﵇ إلى أهل مصر، فردّهم عنه، فانصرفوا راجعين (١). (٤: ٣٥٧/ ٣٥٨ / ٣٥٩). ٧٩٩ - قال محمد بن عمر: حدّثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لَبيد، قال: لما نزلوا ذا خُشب، كلم عثمان عليًّا وأصحاب رسول الله ﷺ أن يردّوهم عنه، فركب عليّ، وركب معه نفر من المهاجرين، فيهم سعيد بن زيد، وأبو جَهْم العدويّ، وجُبير بنُ مطعم، وحكيم بن حزام، ومَرْوان بن الحكَم، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن عَتَّاب بن أسيد؛ وخرج من الأنصار أبو أسَيْد الساعديّ، وأبو حُمَيد الساعديّ، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومعهم من العرب نيار بن مِكْرم، وغيرهم ثلاثون رجلًا؛ وكلّمهم عليّ، ومحمد بن مسلمة - وهما اللذان قدِما - فسمعوا مقالتهما، ورجعوا. قال محمود: فأخبرني محمد بن مسلمة، قال: ما برِحنا من ذي خُشُب حتى رحلوا راجعين إلى مصر، وجعلوا يسلّمون على عليّ، فما أنسى

стр. 3253

قول عبد الرحمن بن عُدَيس: أتوصينا يا أبا عبد الرحمن بحاجة؟ قال: قلت: تتّقي الله وحدَه لا شريك له، وتردّ مَن قِبَلَك عن إمامه، فإنه قد وَعَدنا أن يرجع وينزع. قال ابنُ عُديس: أفعلُ إن شاء الله. قال: فرجع القوم إلى المدينة (١). (٤: ٣٥٩/ ٣٦٠). ٨٠٠ - قال محمَّد بن عمر: فحدّثني عبد الله بن محمد عن أبيه، قال: لما رجع على ﵇ إلى عثمان ﵁، أخبره: أنهم قد رجعوا، وكلّمه عليّ كلامًا في نفسه، قال له: اعلم أني قائل فيك أكثر مما قلت. قال: ثمّ خرج إلى بيته، قال: فمكث عثمان ذلك اليوم؛ حتى إذا كان الغد جاءه مَرْوان، فقال له: تكلّم، وأعلم الناس أنّ أهل مصر قد رجعوا، وأنّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلًا، فإنّ خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلّب الناس عليك من أمصارهم؛ فيأتيك مَن لا تستطيع دفعه. قال: فأبى عثمان أن يخرج. قال: فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمَّا بعدُ، فإن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر؛ فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم. قال: فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد: اتق الله يا عثمان! فإنك قد ركبت نهابير، وركبناها معك؛ فتب إلى الله نتب. قال: فناداه عثمان؛ وإنك هناك يا بن النابغة! قمِلَتْ والله جُبّتك منذ تركتُك من العمل. قال: فنودي من ناحية أخرى: تب إلى الله وأظهر التوبة يكفّ الناس عنك. قال: فرفع عثمان يديه مدًّا واستقبل القبلة، فقال: اللهمّ إني أوّل تائب تاب إليك! ورجع إلى منزله، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل منزله بفلسطين، فكان يقول: والله إن كنت لألقى الراعِيَ فأحرّضه عليه (٢). (٤: ٣٦٥). ٨٠١ - قال محمد بن عمر: فحدّثني عليّ بن عمر، عن أبيه، قال: ثمّ إن عليًّا جاء عثمان بعد انصراف المصريين، فقال له: تكلم كلامًا يسمعه الناس منك ويشهدون عليه، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة؛ فإن البلاد قد تمخّضتْ عليك؛ فلا آمنُ ركبًا آخرين يقدمون من الكوفة، فتقول: يا عليّ، اركب إليهم! ولا أقدر أن أركب إليهم؛ ولا أسمع عذرًا. ويقدم ركب آخرون من

стр. 3254

البصرة، فتقول: يا عليّ اركبْ إليهم! فإن لم أفعل رأيتَني قد قطعت رحِمك، واستخففتُ بحقك. قال: فخرج عثمان فخطب الخُطبة التي نزع فيها، وأعطى الناس من نفسه التوبة، فقام فحمِد الله، وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: أما بعد أيها الناس! فوالله ما عابَ من عابَ منكم شيئًا أجهلُه، وما جئت شيئًا إلَّا وأنا أعرفه؛ ولكنّي مَنّتْني نفسي وكذبتني، وضلّ عني رشدي، ولقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن زلّ فليتب، ومَن أخطأ فليتب، ولا يتماد في الهلكة، إنّ مَن تمادى في الجوْر كان أبعد من الطريق"، فأنا أوّل من اتَعظ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فمثلي نَزع، وتاب؛ فإذا نزلت فليأتني أشرافُكم فليُروني رأيهم؛ فوالله لئن ردَّني الحق عبدًا لأستنّ بسنة العبد، ولأذلّنّ ذلّ العبد، ولأكونَنّ كالمرقوق، إن مُلِك؛ صبر، وإن عتِق؛ شكر، وما عن الله مذهَب إلَّا إليه، فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنو إليّ، لئن أبت يميني لتتابعنِّي شمالي. قال: فرقَّ الناس له يومئذ، وبكى مَن بكى منهم، وقام إليه سعيد بن زيد، فقال: يا أميرَ المؤمنين! ليس بواصل لك مَن ليس معك؛ اللهَ اللهَ في نفسك! فأتمم على ما قلتَ. فلما نزل عثمان وجد في منزله مَرْوان، وسعيدًا، ونفرًا من بني أميَّة؛ ولم يكونوا شهدوا الخطبة؛ فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين! أتكلّم، أم أصمت؟ فقالت نائلة ابنة الفَرافصة، امرأة عثمان الكلبيّة: لا بل اصمت، فإنهم والله قاتلوه ومؤثِّموه؛ إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان، فقال: ما أنت وذاك! فوالله لقد مات أبوك وما يُحسن يتوضّأ، فقالت له: مهلًا يا مروان عن ذكر الآباء، تُخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه! وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه؛ أما والله لولا أنه عَمّه، وأنه يناله غمّه، أخبرتُك عنه ما لن أكذب عليه. قال: فأعرض عنها مروان، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين! أتكلّم أم أصمت؟ قال: بل تكلَّم، فقال مروان: بأبي أنت وأمّي! والله لوددتُ أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أوّلَ من رضي بها، وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلتَ حين بلَغ الحِزام الطُّبْيَيْن، وخلف السّيْلُ الزُّبى، وحين أعطى الخطّة الذليلةَ الذليلُ؛ والله لإقامةٌ على خطيئة تستغفر الله منها أجملُ من توبة تُخوّف عليها؛

стр. 3255

وإنك إن شئت تقرّبت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة؛ وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبالى من الناس. فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلّمهم، فإني أستحيي أن أكلمهم. قال: فخرج مروان إلى الباب والناسُ يركب بعضهم بعضًا، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهبٍ! شاهت الوجوه! كلّ إنسان آخذ بأذُن صاحبه. ألا من أريدَ! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منَّا أمر لا يسرّكم؛ ولا تحمدوا غبّ رأيكم ارجعوا إلى منازلكم؛ فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا! قال: فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى عليًّا فأخبره الخبر، فجاء عليّ ﵇ مغضَبًا، حتى دخل على عثمان، فقال: أما رضيتَ من مروان ولا رضي منك إلَّا بتحرّفك عن دينك وعن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به؛ والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه؛ وأيم الله إني لأراه سيورِدك ثم لا يصدرك؛ وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبتَ شرفك، وغلبت على أمرك. فلما خرج عليّ دخلت عليه نائلة ابنة الفَرافصة امرأته، فقالت: أتكلّم أو أسكت؟ فقال: تكلمي؛ فقالت: قد سمعت قول عليّ لك؛ وإنه ليس يعاودك، وقد أطعتَ مرْوان يقودك حيث شاء. قالى: فما أصنع؟ قالت: تتَّقي الله وحدَه لا شريك له، وتتّبع سنة صاحبيك من قَبْلك، فإنك متى أطعت مَرْوان قتلك؛ ومروان ليس له عنْد الناس قدْر ولا هيبة ولا محبّة؛ وإنما تركَك الناس لمكان مروان؛ فأرسِل إلى عليّ فاستصلحه، فإن له قرابةً منك، وهو لا يُعصَى، قال: فأرسل عثمان إلى عليّ، فأبى أن يأتيَه، وقال: قد أعلمتُه أتي لست بعائد. قالى: فبلغ مروان مقالةَ نائلة فيه، قال: فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه، فقال: أتكلم أو أسكت؛ فقال: تكلم، فقال: إن بنت الفَرافصة ... فقال عثمان: لا تذكُرنّها بحرْف فأسوّئ لك وجهك، فهي والله أنصح لي منك. قال: فكفّ مروان (١). (٤: ٣٦٠/ ٣٦١/ ٣٦٢/ ٣٦٣). ٨٠٢ - قال محمد بن عمر: وحدَّثني شُرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال:

стр. 3256

سمعتُ عبدَ الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم، قال: قبّح الله مروان! خرج عثمان إلى الناس، فأعطاهم الرّضا، وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مُخْضَلّة من الدّموع، وهو يقول: اللهمّ إنِّي أتوب إليك! اللهم إني أتوب إليك! اللهم إنّي أتوب إليك! والله لئن ردّني الحق إلى أن أكون عبدًا قِنًّا لأرضينّ به! إذا دخلتُ منزلي فادخلوا عليَّ؛ فوالله لا أحتجب منكم، ولأعطينكم الرضا، ولأزيدنَّكم على الرّضا، ولأنحّينّ مروان وذويه. قال: فلما دخل أمر بالباب ففتح، ودخل بيته، ودخل عليه مَرْوان، فلم يزل يفتله في الذِّرْوة والغارب حتى فَتله عن رأيه؛ وأزاله عمّا كان يريد؛ فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ما خرج استحياءً من الناس؛ وخرج مروان إلى الناس، فقال: شاهت الوجوه! ألا من أريد! ارجعوا إلى منازلكم؛ فإن يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه، وإلّا قرّ في بيته. قال عبد الرحمن: فجئت إلى عليّ فأجده بين القبر والمنبر، وأجد عنده عمّار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولان: صنَع مروان بالناس وصَنع. قال: فأقبل عليَّ عليٌّ، فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قلت: نعم، قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قلت: نعم، قال عليّ: عياذ الله، يا للمسلمين! إنّي إن قعدت في بيتي قال لي: تركتَنِي وقرابتي وحقي؛ وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مَرْوان، فصار سيّمة له، يسوقُه حيث شاء بعد كبَر السنّ وصحبة رسول الله ﷺ . قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم يزُل حتى جاء رسول عثمان: ائتني، فقال عليّ بصوت مرتفع عالٍ مغضَب: قل له: ما أنا بداخل عليك، ولا عائد. قال: فانصرف الرسول. قال: فلقيتُ عثمان بعد ذلك بليلتين خائبًا، فسألت نائلًا غلامه: من أين جاء أمير المؤمنين؟ فقال: كان عند عليّ، فقال عبد الرحمن بن الأسود: فغدوتُ فجلست مع عليّ ﵇، فقال لي: جاءني عثمان البارحة، فجعل يقول: إني غير عائد؛ وإني فاعل؛ قال: فقلت له: بعد ما تكلّمت به على منبر رسول الله ﷺ ، وأعطيتَ من نفسك، ثم دخلتَ بيتك، وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم! قال: فرجع وهو يقول: قطعتَ رحمي، وخذلتَني، وجرّأت الناس عليَّ. فقلت: والله إني لأذبّ الناس عنك؛ ولكني كلَّما جئتك بهنَة أظنّها لك رضًا جاء بأخرى؛ فسمعتَ قولَ مروان عليّ، واستدخلت مروان. قال: ثمّ انصرف إلى بيته. قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم أزل أرى عليًّا منكِّبًا عنه

стр. 3257

لا يفعل ما كان يفعل، إلَّا أني أعلم أنه قد كلم طلحة حين حصر في أن يُدخَل عليه الرَّوايا، وغضب في ذلك غضبًا شديدًا، حتى دخلت الرّوايا على عثمان (١). (٤: ٣٦٣/ ٣٦٤). ٨٠٣ - قال محمد بن عمر: وحدّثني عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد: أنّ عثمان صعد يوم الجمعة المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، فقام رجل، فقال: أقِمْ كتاب الله، فقال عثمان: اجلس، فجلس حتى قام ثلاثًا، فأمر به عثمان فجلس، فتحاثَوْا بالحصباء حتى ما تُرى السماء؛ وسقط عن المنبر، وحُمِل فأدخل داره مغشيًّا عليه، فخرج رجل من حجّاب عثمان، ومعه مصحف في يده وهو ينادي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ ودخل عليّ بن أبي طالب على عثمان ﵄ وهو مغشيٌّ عليه، وبنو أميَّة حوله، فقال: ما لك يا أمير المؤمنين؟ ! فأقبلتْ بنو أميَّة بمنطق واحد، فقالوا: يا عليُّ أهلكتَنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين! أما والله لئن بلغتَ الذي تريد لتُمَرَّنَ عليك الدّنيا. فقام عليّ مغضبًا (٢). (٤: ٣٦٤/ ٣٦٥). ذكر الخبر عن قتل عثمان ﵁ وفي هذه السنة قتل عثمان بن عفان ﵁. ذكر الخبر عن قتله وكيف قتل: قال أبو جعفر ﵀: قد ذكرنا كثيرًا من الأسباب التي ذكر قاتلوه: أنهم جعلوها ذريعةً إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعللٍ دعت إلى الإعراض عنها؛ ونذكر الآن كيف قُتِل، وما كان بدء ذلك وافتتاحه، ومَن كان المبتدئ به والمفتتحَ للجرأة عليه قبل قتله. ٨٠٤ - ذكر محمد بن عمر: أنّ عبد الله بن جعفر حدّثه عن أم بكر بنت المسْوَر بن مخرَمة، عن أبيها، قال: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان، فوهبها لبعض بني الحكَم، فبلغ ذلك عبدَ الرحمن بن عوف، فأرسل إلى

стр. 3258

المسوَر بن مخرَمة وإلى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فأخذاها، فقسَمها عبد الرحمن في الناس؛ وعثمان في الدار (١). (٤: ٣٦٥). ٨٠٥ - قال محمد بن عمر: وحدَّثني محمد بن صالح عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة، عن عثمان بن الشَّريد، قال: مرّ عثمان على جَبلة بن عمرو الساعديّ وهو بفناء داره، ومعه جامعة، فقال: يا نعثل؛ والله لأقتلنك؛ ولأحملنّك على قَلوص جرباء، ولأخرجنَّك إلى حَرّة النار! ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه (٢). (٤: ٣٦٥). ٨٠٦ - حدثني محمد، قال: حدَّثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه، عن عامر بن سعد، قال: كان أوّل من اجترأ على عثمان بالمنطق السيِّئ جبَلة بن عمرو الساعديّ، مرّ به عثمان وهو جالس في نديّ قومه، وفي يد جبلة بن عمرو جامعة، فلما مرَّ عثمان سلَّم، فردّ القوم! ، فقال جبلة: لم تردون على رجل فعل كذا وكذا! قال: ثم أقبل على عثمان، فقال: والله لأطرحنّ هذه الجامعة في عُنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه. قال عثمان: أيّ بطانة! فو الله إني لأتخيّر الناس؛ فقال: مروان تخيَّرته! ومعاوية تخيّرتَه! وعبد الله بن عامر بن كُرَيز تخترتَه! وعبد الله بن سعد تخيَّرتَه! منهم من نزل القرآن بدمِه، وأباح رسول الله ﷺ دمَه. قال: فانصرف عثمان، فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم (٣). (٤: ٣٦٥/ ٣٦٦). ٨٠٧ - قال محمد بن عمر: وحدّثني ابن أبي الزّناد عن موسى بن عُقْبة، عن أبي حَبيبة، قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه، فقال عمرو بن العاص: يا أميرَ المؤمنين! إنك قد ركبت نَهابير وركبناها معك، فتب، نتب. فاستقبل عثمان القبلة وشهرَ يديه - قال أبو حبيبة: فلم أرَ يومًا أكثر باكيًا ولا باكية من يومئذ - ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس، فقام إليه جَهْجَاهٌ الغِفاريّ؛ فصاح: يا عثمان! ألا إن هذه شارف قد جئنا بها، عليها عباءة وجامعة، فانزل فلندرّعك

стр. 3259

العَباءة، ولنطرحك في الجامعة؛ ولنحملك على الشارِف؛ ثم طرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به! قال أبو حبيبة: ولم يكن ذلك منه إلَّا عن ملأ من الناس؛ وقام إلى عثمان خيرته، وشيعته من بني أميّة، فحملوه فأدخلوه الدار. قال أبو حبيبة: فكان آخر ما رأيته فيه (١). (٤: ٣٦٦). ٨٠٨ - قال محمد: وحدّثني أسامة بن زيد الليثيّ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، قال: أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبيّ ﷺ التي كان يخطب عليها، وأبو بكر، وعمر ﵄، فقال له جَهْجاه: قم يا نعثَل! فانزل عن هذا المنبر، وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى، فدخلت شظيَّة منها فيها؛ فبقي الجرح حتى أصابته الأكلَة، فرأيتها تدود، فنزل عثمان، وحملوه، وأمر بالعصا فشدّوها، فكانت مضبّبة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلَّا خَرْجة، أو خرجتيْن؛ حتى حُصِر فقتل (٢) (٤: ٣٦٦/ ٣٦٧). ٨٠٩ - حدّثني جعفر بن عبد الله المحمديّ، قال: حدّثنا عمرو عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، عن عمّه عبد الرحمن بن يسار: أنه قال: لمَّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب مَن بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ إلى مَن بالآفاق منهم - وكانوا قد تفرّقوا في الثغور: إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله ، تطلبون دينَ محمد ﷺ فإنَّ دين محمد قد أُفسِد من خلفكم وتُرِك، فهلمّوا فأقيموا دينَ محمد ﷺ . فأقبلوا من كلّ أفق حتى قتلوه. وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرْح عامله على مصر - حين تراجع الناس عنه، وزعم أنه تائب - بكتاب في الذين شخصوا من مصر، وكانوا أشدّ أهل الأمصار عليه: أمَّا بعد؛ فانظر فلانًا وفلانًا فاضرب أعناقَهم إذا قدموا عليك؛ فانظر فلانًا وفلانًا فعاقبهم بكذا وكذا - منهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومنهم قوم من التّابعين - فكان رسوله في ذلك أبو الأعور بن سفيان السُّلميّ، حمله عثمان على جَمل له، ثم أمره أن يقبل حتى يدخل مصر قبل أن يدخلها القوم، فلحقهم

стр. 3260

أبو الأعور ببعضِ الطريق، فسألوه: أيْن يريد؟ قال: أريد مصر؛ ومعه رجل من أهل الشأم من خوْلان؛ فلما رأوه على جمل عثمان، قالوا له: هل معك كتاب؟ قال: لا، قالوا: فيمَ أُرسِلتَ؟ قال: لا علم لي، قالوا: ليس معك كتاب ولا علم لك بما أرسِلت! إن أمرَك لمريب! ففتَّشوه، فوجدوا معه كتابًا في إداوة يابسة، فنظروا في الكتاب، فإذا فيه قتْل بعضهم، وعقوبة بعضهم في أنفسهم وأموالهم. فلما رأوا ذلك رجعوا إلى المدينة، فبلغ الناسَ رجوعُهم، والذي كان من أمرهم فتراجعوا من الآفاق كلها، وثار أهل المدينة (١) (٤: ٣٦٧). ٨١٠ - حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ، قالا: حدّثنا حسين، عن أبيه، عن محمد بن السائب الكلبيّ، قال: إنما ردّ أهلَ مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه: أنه أدركهم غلام لعثمان على جَمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم، وأن يصلب بعضهم. فلما أتوا عثمان، قالوا: هذا غلامك، قال: غلامي انطلق بغير علمي، قالوا: جملك، قال: أخذه من الدار بغير أمري، قالوا: خاتَمك، قال: نقش عليه، فقال عبد الرحمن بن عُدَيس التُّجيبيّ حين أقبل أهل مصر: أقْبلْنَ مِنْ بَلْبِيسَ والصَّعيدِ ... خُوصًا كأمثال القسِيِّ قودِ مسْتحْقِباتٍ حَلَقَ الحديدِ ... يطْلُبْنَ حَقَّ اللهِ في الوَليدِ وعِندَ عثمانَ وَفي سَعيد ... يا رَبِّ فارْجِعنا بما نريدُ فلما رأى عثمان ما قد نزل به، وما قد انبعث عليه من النّاس، كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشأم: بسم الله الرحمن الرحيم، أَمَّا بعد؛ فإنّ أهل المدينة قد كفروا، وأخلفوا الطاعة، ونكثوا البيعة، فابعث إليّ من قِبلَك من مقاتلة أهل الشأم على كلّ صعب وذَلول. فلما جاء معاويةَ الكتاب تربّص به، وكره إظهارَ مخالفة أصحاب رسول الله ﷺ ؛ وقد علم اجتماعهم؛ فلما أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن أسد بن كُرْز، وإلى أهل الشأم يستنفرهم ويُعظّم حقَّه عليهم، ويذكر الخلفاء وما أمر الله به من طاعتهم ومناصحتهم، ووعدِهم أن ينجدَهم جندٌ أو بطانةٌ
следующие страницы →