← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

فحملتُ عليه أضرب يده اليسرى فأطنَنْتها، وتنخّيت قريبًا، فقلت له: أما إني أراك وَدِدْتَ أنك في أهلك، فقال: بئسما رأيت! أما والله ما أحبّ أنها يدك الآن إلّا أن يكون لي فيها من الأجر مثل ما في يدي؛ قال: فقلت له: لم؟ قال: لكيما يجعل الله عليك وِزْرَها، ويُعظم لي أجرها؛ قال: فغاظني فجمعتُ خيلي ورجالي؛ ثمّ حملنا عليه وعلى أصحابه، فدفعتُ إليه فطعنتُه فقتلتُه، وإنه لمقبل إليّ ما يزول؛ فزعموا بعدُ أنه كان من فقهاء أهل العراق الذين كانوا يُكثرون الصوم والصلاة ويُفتُون الناس (١). (٥/ ٦٠٢). قال أبو مخنف: وحدّثني الثقة، عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزيّة قال: لما هلك عبد الله بن والٍ نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إلى جنبه، ونحن نرى أنه رفاعة بن شدّاد البَجَليّ، فقال له رجل من بني كنانة يقال له الوليد بن غضين: أمسك رايتَك؛ قال: لا أريدها؛ فقلت له: إنا لله! ما لَكَ! فقال: ارجعوا بنا لعلّ الله يجمعَنا ليوم شرّ لهم، فوثب عبد الله بن عوف بن الأحمر إليه، فقال: أهلكْتَنا، والله لئن انصرفت ليركبُنّ أكتافنا فلا نبلغ فرسخًا حتى نَهلِك من عند آخرِنا، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب وأهلُ القرى، فتقرّبوا إليهم به فيُقتل صبرًا، أنشدك الله أن تفعل، هذه الشمس قد طفلتْ للمغيب، وهذا الليلُ قد غشيَنا، فنقاتلهم على خيلنا هذه فإنا الآن ممتنعون، فإذا غَسَق الليل ركبنا خيولَنا أوّل الليل فرمينا بها، فكان ذلك الشأن حتى نُصبح ونسير ونحن على مَهَل، فيحمل الرجل منا جريحَه وينتظر صاحبَه، وتسير العَشَرة والعشرون معًا، ويعرف الناس الوجهَ الذي يأخذون، فيتبع فيه بعضهم بعضًا؛ ولو كان الذي ذكرت لم تقف أم على ولدها، ولم يعرف رجل وجهَه، ولا أين يسَقُط، ولا أين يَذهَب! ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور، فقال له رفاعة بن شدّاد: فإنك نعمَ ما رأيت؟ قال: ثمّ أقبل رفاعة على الكنانيّ فقال له: أتمسكها أم آخذُها منك؟ فقال له الكنانيّ: إني لا أريد ما تريد، إني أريد لقاء ربِّي، واللَّحاق بإخواني، والخروجَ من الدنيا إلى الآخرة، وأنت تريد ورقَ الدنيا، وتَهوَى البقاء، وتكره فراق الدنيا، أما والله إني لأحبُّ لك أن ترشد، ثمّ دفع إليه الراية، وذهب

стр. 4587

ليستقدم، فقال له ابن أحمر: قاتل معنا ساعةً رحمك الله ولا تُلقِ بيدك إلى التَّهلُكة. فما زال به يناشده حتى احتبس عليه، وأخذ أهلُ الشام يتنادَوْن: إنّ الله قد أهلكهم؛ فأقدموا عليهم فافرُغوا منهم قبل الليل، فأخذوا يقدمون عليهم، فيقدمون على شوكة شديدة؛ ويقاتلون فُرسانًا شجعانًا ليس فيهم سَقَط رجل، وليسوا لهم بمضجرين فيتمكنوا منهم: فقاتلوهم حتى العشاء قتالًا شديدًا، وقتِل الكنانيّ قبل المساء، وخرج عبد الله بن عزيز الكنديّ ومعه ابنه محمد غلام صغير، فقال: يا أهل الشام، هل فيكم أحدٌ من كندة؟ فخرج إليه منهم رجال، فقالوا: نَعَم، نحن هؤلاء. فقال لهم: دونكم أخوكم فابعثوا به إلى قومكم بالكُوفة، فأنا عبد الله بن عزيز الكنديّ، فقالوا له: أنت ابن عمّنا، فإنك آمن؛ فقال لهم: والله لا أرغب عن مَصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نورًا، وللأرض أوتادًا، وبمثلهم كان الله يُذكرَ؛ قال: فأخذ ابنُه يبكي في أثر أبيه، فقال: يا بنيّ، لو أن شيئًا كان آثَرَ عندي من طاعة ربِّي إذًا لكنتَ أنتَ، وناشَدَه قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه في أثره، وأرى الشاميون له ولابنه رِقَّة شديدة حتى جزعوا وبكَوا، ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منه قومه، فشدّ على صفّهم عند المساء، فقاتلَ حتى قُتل (١). (٥/ ٦٠٢ - ٦٠٤). قال أبو مخنف: حدّثني فضيل بن خَدِيج، قال: حدّثني مسلم بن زَحْر الخَوْلانيّ، أنّ كريب بن زيد الحميريّ مشى إليهم عند المساء ومعه راية بَلْقاء في جماعة، قلّما تَنقُص من مئة رجل إنْ نقصَت، وقد كانوا تحدّثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى، فقام لهم الحميريّ وجمع إليه رجالًا من حميَر وهَمْدان، فقال: يا عباد الله! رُوحوا إلى ربّكم، والله ما في شيء من الدنيا خَلَف من رضاء الله والتوبة إليه، إنه قد بلغني أنّ طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم، وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم، فأمّا أنا فوالله لا أولّي هذا العدوّ ظهري حتى أرِدَ مَوارِد إخواني؛ فأجابوه وقالوا: رأينا مثل رأيك، ومضى برايته حتى دنا من القوم، فقال ابن ذي الكَلاع: والله إني لأرى

стр. 4588

هذه الراية حِمْيَريّة أو هَمْدانيّة، فدنا منهم فسألهم، فأخبروه، فقال لهم: إنكم آمنون، فقال له صاحبهم: إنه قد كنا آمنين في الدنيا، وإنما خرجنا نطلب أمانَ الآخرة؛ فقاتلوا القوم حتى قُتلوا، ومشى صُخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزَنّي في ثلاثين من مُزَينة، فقال لهم: لا تهابوا الموت في الله، فإنه لاقيكم، ولا ترجعوا إلى الدّنيا التي خرجتم منها إلى الله فإنها لا تَبقَى لكم، ولا تَزهَدوا فيما رغبتم فيه من ثواب الله فإنّ ما عند الله خير لكم؛ ثمّ مضَوا فقاتَلوا حتى قُتلوا، فلما أمسى الناسُ ورجع أهل الشام إلى معسكرهم، نظر رفاعة إلى كلّ رجل قد عُقر به، وإلى كل جريح لا يُعينُ على نفسه؛ فدفعه إلى قومه، ثمّ سار بالناس ليلتَه كلَّها حتى أصبح بالتُّنَيْنير فعَبَر الخابُور، وقطع المعابر، ثمّ مضى لا يمرّ بمعبر إلا قطعه، وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قد ذَهبَوا، فلم يبعث في آثارهم أحدًا، وسار بالناس فأسرَعَ، وخلَّف رفاعة وراءهم أبا الجُوَيْرية العبديّ في سبعين فارسًا يَستُرون الناس؛ فإذا مرّوا برجل قد سقط حمله، أو بمتاع قد سقط قَبَضَه حتى يعرفه، فإن طُلب أو ابتُغىَ بعث إليه فأعلمه، فلم يزالوا كذلك حتى مرّوا بقَرْقيسيا من جانب البرّ، فبعث إليهم زُفَر من الطعام والعلف مثل ما كان بعث إليهم في المرة الأولى، وأرسل إليهم الأطباء وقال: أقيموا عندنا ما أحببتم، فإنّ لكم الكرامة والمواساة؛ فأقاموا ثلاثًا، ثمّ زوّد كلَّ امرئ منهم ما أحبّ من الطعام والعَلَف؛ قال: وجاء سعد بن حُذَيفة بن اليمان حتى انتهى إلى هِيتَ، فاستقبله الأعراب فأخبَروه بما لقى الناس، فانصرف، فتلقى المثنى بن مخرّبة العبديّ بصندوْداء، فأخبره، فأقاموا حتى جاءهم الخبر: إنّ رفاعة قد أظلّكم فخرجوا حين دنا من القرية، فاستقبلوه فسلم الناس بعضهم على بعض، وبكى بعضُهم إلى بعض، وتناعوْا إخوانَهم فأقاموا بها يومًا وليلة؛ فانصرف أهل المدائن إلى المدائن، وأهل البصرة إلى البصرة، وأقبل أهلُ الكوفة إلى الكوفة، فإذا المختار محبوس (١). (٥/ ٦٠٤ - ٦٠٥). قال هشام: قال أبو مخنف: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أدهم بن مُحرز الباهليّ، أنه أتي عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح، قال: فصعد المنبر، فحمِد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد، فإنّ الله قد أهلك من رؤوس

стр. 4589

أهل العراق مُلقح فتنة، ورأسَ ضلالة سليمان بن صُرَد، ألا وإنّ السيوف تركتْ رأس المسيّب بن نجبَة خَذَاريف، ألا وقد قتل اللهُ من رؤوسهم رأسَين عظيمين ضالَّين مضلَّين: عبد الله بن سعد أخا الأزد، وعبد الله بن وال أخا بكر بن وائل، فلم يَبقَ بعد هؤلاء أحدٌ عندَه دفاع ولا امتناع (١). (٥/ ٦٠٥). قال هشام، عن أبي مخنف: وحُدِّثت أن المختار مكث نحوًا من خمس عشرة ليلةً، ثمّ قال لأصحابه: عدّوا لغازيكم هذا أكثرَ من عشر، ودون الشهر، ثمّ يجيئكم نبأ هِتْر، من طعن نَتر، وضرب هبر، وقتل جمّ، وأمر رَجم. فمَنْ لها؟ أنا لها، لا تُكْذَبُنَّ، أَنا لَها (٢). (٥/ ٦٠٥ - ٦٠٦). قال أبو مخنف: حدّثنا الحصين بن يزيد عن أبان بن الوليد، قال: كتب المختار وهو في السجن إلى رفاعةَ بن شدّاد حين قَدِم من عين الوردة: أما بعد، فمرحبًا بالعَصَب الذي أعظَم الله لهم الأجر حينَ انصرفوا، ورضيَ انصرافَهم حين قَفَلُوا، أمّا وربّ البنيّة التي بَنَى ما خطا خاطٍ منكم خُطوةً، ولا رَتا رتْوة، إلا كان ثوابُ الله له أعظم من مُلْك الدنيا، إنّ سليمان قد قضى ما عليه، وتوفّاه الله فجعل روحَه مع أرواح الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تُنْصَرون إني أنا الأمير المأمور، والأمين المأمون، وأمير الجيش، وقاتل الجبّارين، والمنتقم من أعداء الدّين، والمقيد من الأوتار، فأعدّوا وأستعدّوا وأبشِروا واستبشروا؛ أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيِّه ﷺ ، وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضُّعفَاء، وجهاد المُحلِّين؛ والسلام (٣). (٥/ ٦٠٦). قال أبو مخنف: وحدّثني أبو زهير العبسيّ، أنّ الناس تحدّثوا بهذا مِنْ أمْر المختار، فبلغ ذلك عبدَ الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد، فخرجا في الناس حتى أتيَا المختار، فأخذاه (٤). (٥/ ٦٠٦).

стр. 4590

قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: لما تهيَّأنا للانصراف قام عبد الله بنِ غزيّة ووقف على القتلى فقال: يرحمكم الله، فقد صدقْتم وصَبرْتم، وكذبنا وَفرَرْنا؛ قال: فلما سرنا وأصبحنا إذا عبد الله بن غزيّة في نحو من عشرين قد أرادوا الرجوع إلى العدوّ والاستقتال، فجاء رفاعة وعبد الله بن عوف بن الأحمر وجماعة الناس فقالوا لهم: نَنْشدكم الله ألّا تزيدونا فُلولًا ونقصانًا، فإنا لا نزال بخير ما كان فينا مثلكم من ذوي النيّات، فلم يزالوا بهم كذلك يناشدونهم حتى ردّوهم غيرَ رجل من مزينة يقال له عُبيدة بن سُفيان، رحل مع الناس، حتى إذا غُفِل عنه انصرف حتى لقي أهل الشام، فشدّ بسيفه يضاربهم حتى قُتل (١). (٥/ ٦٠٦ - ٦٠٧). قال أبو مخنف: فحدّثني الحصين بن يزيد الأزديّ، عن حُميد بن مسلم الأزديّ، قال: كان ذلك المزنيّ صَدِيقًا لي، فلما ذهب لينصرفَ ناشدتُه الله، فقال: أما إنك لم تكن لتسألَني شيئًا من الدّنيا إلا رأيتُ لك من الحقّ عليّ إيتاءَكَهُ، وهذا الذي تسألني أريد اللهَ به، قال: ففارقني حتى لقي القومَ فقُتل؛ قال: فوالله ما كان شيء بأحبَّ إليَّ من أن ألقَى إنسانًا يحدّثني عنه كيف صَنَع حين لقيَ القوم! قال: فلقيتُ عبدَ الملك بن جزء بن الحِدْرِجان الأزديّ بمكة، فجرى حديث بيننا، جرى ذكرُ ذلك اليوم، فقال: أعَجب ما رأيتُ يومَ عَين الوردة بعد هلاك القوم أنّ رجلًا أقبل حتى شدّ عليّ بسيفه، فخرجنا نحوه، قال: فانتهى إليه وقد عُقِرَ بِهِ وهو يقول: إنِّي منَ اللهِ إلى اللهِ أَفِرْ ... رِضْوانَكَ اللَّهمّ أُبْدِي وأُسِرْ قال: فقلنا له: ممن أنت؟ قال: من بني آدم، قال: فقلنا: ممن؟ قال: لا أحبّ أن أعرِفَكم ولا أن تعرفوني يا مُخربي البيتَ الحرام؛ قال: فنزل إليه سليمانُ بن عمرو بن محصن الأزديّ من بني النجار؛ قال: وهو يومئذ من أشدّ الناس، قال: فكلاهما أثخَنَ صاحِبَه، قال: وشدّ الناسُ عليه من كلّ جانب، فقتلوه، قال: فوالله ما رأيتُ أحدًا قطّ هو أشدّ منه؛ قال: فلمّا ذُكر لي، وكنتُ أحبّ أن أعلم علمه، دمعتْ عيناي، فقال: أبيْنك وبينه قرابة؟ فقلت له: لا،

стр. 4591

ذلك رجل من مضَر كان لي وُدًّا وأخًا، فقال لي: أرقَأ الله دمعَك، أتبكي على رجل من مضَر قُتل على ضلالة! قال: قلتُ: لا، والله ما قُتل على ضلالة، ولكنه قتل على بيّنة من ربّه وهُدىً؛ فقال لي: أدخَلَك اللهُ مدخَله، قلتُ: آمين، وأدخَلَك الله مدخَل حصين بن نمير، ثم لا أرقأ الله لك عليه دمعًا؛ ثمّ قمت وقام. وكان مما قيل من الشعر في ذلك قولُ أعشى هَمْدانَ، وهي إحدى المكتَّمات، كنّ يُكتَّمن في ذلك الزمان: أَلمَّ خيالٌ منكِ يا أُمَّ غالبٍ ... فَحُيِّيتِ عنّا من حَبيبٍ مُجانبِ وما زِلت لي شَجْوًا وما زلتُ مُقصدًا ... لِهَمٍّ عَرانِي من فِراقِك ناصِبِ فما أنسَ لَا أَنْسَ انْفِتَالَكِ في الضُّحَى ... إلينا مع البيضِ الوِسام الخَراعِب تَرَاءَتْ لنا هَيْفَاءَ مَهْضُومَةَ الحَشا ... لطيفةَ طيِّ الكَشْح رَيَّا الحَقائِبِ مُبْتَلَّةً غَرَّاءَ، رُؤْدٌ شَبَابُها ... كشمسِ الضُّحَى تَنكلُّ بين السحائِب فلمّا تغَشَّاها السَّحابُ وحولَهُ ... بَدَا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجبِ فتلك الهوى وَهْي الجَوَى ليَ والمُنَى ... فأحْبِبْ بها من خُلَّةٍ لم تُصاقِبِ ولا يُبْعِدِ اللهُ الشَّبَابَ وذِكرَهُ ... وحُبَّ تَصافي المعْصِرَات الكَواعبِ ويزدادُ ما أحببتُه من عِتَابِنَا ... لُعَابًا وسُقيًا للخَدين المُقَارِبِ فإِنّي وإنْ لم أنسَهُنَّ لذَاكرٌ ... رَزيئةَ مِخْباتٍ كريم المَناصبِ توَسَّلَ بالتَّقْوَى إلى اللهِ صادقًا ... وتَقْوى الإِلَهِ خيرُ تَكْسَابِ كاسِبِ وخَلَّى عن الدنيا فلم يلتبِسْ بها ... وتابَ إلى اللهِ الرَّفيعِ المَرَاتِب تخلَّى عن الدنيا وقال اطَّرَحتُها ... فلَستُ إليها ما حَيِيتُ بآيِبِ وما أنا فيما يُكبرُ الناسُ فَقدَهُ ... ويسعى له الساعُونَ فيها بِرَاغِبِ فوجَّهَهُ نحوَ الثَّوِيَّةِ سائرًا ... إلى ابنِ زيادٍ في الجموع الكباكبِ بقوم همُ أهلُ التَّقِيَّةِ والنُّهَى ... مَصَالِيتُ أنجادٌ سُرَاةُ مَنَاجِبِ مَضَوا تارِكي رأْي ابنِ طلحة حَسْبُهُ ... ولم يستجيبوا للأَمير المُخاطِبِ فساروا وهمْ من بين مُلتَمِسِ التُّقَى ... وآخرَ مما جرّ بالأَمسِ تائِبِ فلاقوا بعين الوردَةِ الجَيْشَ فاصِلا ... إليهمْ فحسُّوهم ببيضٍ قواضِبِ يَمانِيَةٍ تذْرِي الأَكفَّ وتارةً ... بخيلٍ عِتاقٍ مُقْرَباتٍ سَلاهِب

стр. 4592

فجاءَهُم جمعٌ من الشامِ بعده ... جُمُوعٌ كموج البحر من كلّب فما بَرِحوا حتى أُبِيدَتْ سُراتُهُمْ ... فلم ينجُ منهم ثَمَّ غيرُ عصائِب وغودِرَ أهلُ الصبر صرْعى فأَصبحوا ... تعاوِرُهم ريحُ الصّبَا والجنائبِ فأَضحَى الخُزاعيُّ الرئيسُ مُجَدَّلًا ... كأَن لم يقاتل مَرَّةً ويُحارِبِ ورأسُ بني شَمْخٍ وفارِسُ قومِهِ ... شنُوءَةَ والتَيميُّ هادِي الكتائِب وعمرو بنُ بشِرٍ والوليدُ وخالدٌ ... وزيدُ بنُ بكر والحُلَيسُ بن غالبٍ وضارِبُ من هَمَدانَ كلّ مُشَيعٍ ... إذا شدّ لم يَنْكلْ كريمُ المكاسبِ ومن كل قومٍ قد أُصِيبَ زعيمُهمْ ... وذو حَسَبٍ في ذِروَةِ المجد ثاقِبِ أَبَوْا غيرَ ضربٍ يَفلِقُ الهامَ وقعُهُ ... وطَعْنٍ بأَطرافِ الأَسِنَّةِ صائب وإنَّ سعيدًا يومَ يدْمُرُ عامِرًا ... لأشجَعُ من لَيثٍ بدُرنَى مُواثبِ فيا خيرَ جيش للعراقِ وأَهلِهِ ... سُقيتم رَوايا كلِّ أَسَحَم ساكِبِ فلا يبْعَدنْ فُرساننا وحُماتنا ... إذا البِيض أبدتْ عن خِدَامِ الكواعِبِ فإن يُقتَلوا فالقتلُ أكرَمُ مِيتة ... وكل فتىً يومًا لإحدى الشَّواعِبِ وما قُتِلُوا حتى أثَاروا عِصابةً ... مُحِلِّين ثَورًا كاللُّيُوثِ الضَّوارِبِ وقُتل سليمانُ بنُ صرَد ومن قُتل معه بعَين الوردة من التوابين في شهر ربيع الآخر (١). (٥/ ٦٠٧ - ٦٠٩). ذكر الخبر عن بيعة عبد الملك وعبد العزيز ابني مروان وفي هذه السنة أمر مروان بن الحكم أهل الشام بالبيعة من بعده لابنيْه عبد الملك وعبد العزيز، وجعَلَهما وليَّي العهد. * ذكر الخبر عن سبب عقد مروان ذلك لهما: قال هشام عن عوانة قال: لما هَزم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق مصعبَ بن الزبير حين وجَّهه أخوه عبدُ الله إلى فلسطين وانصرف راجعًا إلى مروان، ومروانُ يومئذ بدِمشقَ، قد غلب على الشام كلِّها ومصر، وبلغ مروان أنّ عمرًا يقول: إنّ هذا الأمر لي من بعد مروان، ويدّعي أنه قد كان وعَده وعدًا، فدعا مروانُ حسّان بن مالك بن بحدل فأخبَرَه أنه يريد أن يبايع لعبد الملك

стр. 4593

* ذكر الخبر عمّا كان من أمرهما في ذلك وظهور المختار للدعوة إلى ما دعا إليه الشيعة بالكوفة: ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف: أن فُضَيل بن خَدِيج حدّثه عن عُبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير من بنى هند: أنّ أصحاب سليمان بن صُرَد لمَّا قدموا كتب إليهم المختار: أمَّا بعد؛ فإنّ الله أعظم لكم الأجر، وحطّ عنكم الوِزْر، بمفارقة القاسطين، وجهاد المُحلّين؛ إنّكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خَطْوة إلّا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة إلى ما لا يحصيه إلا الله من التضعيف؛ فأبشروا فإنّي لو قد خرجت إليكم قد جرّدت فيما بين المشرق والمغرب في عدوكم السيف بإذن الله، فجعلتُهم بإذن الله رُكامًا؛ وقتلتُهم فذًّا وتؤَامًا؛ فرحَّب الله بمن قارب منكم واهتدى؛ ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى؛ والسلام يا أهل الهدى. فجاءهم بهذا الكتاب سَيحان بن عمرو، من بني ليث من عبد القيس قد أدخله في قلنسوته فيما بين الظّهارة والبِطانة؛ فأتى بالكتاب رفاعة بن شدّاد والمثُنَّى بن مُخرّبة العبديّ وسعد بن حُذيفة بن اليَمَان ويزيد بن أنس وأحمرَ بن شُمَيْط الأحمسيّ، وعبد الله بن شدّاد البَجلِيّ، وعبد الله بن كامل؛ فقرأ عليهم الكتاب؛ فبعثوا إليه ابن كامل؛ فقالوا: قل له: قد قرأنا الكتاب؛ ونحن حيث يسرّك؛ فإن شئت أن نأتيَك حتى نخرجك فعلنا. فأتاه، فدخل عليه السجن؛ فأخبره بما أرسِل إليه به؛ فسرّ باجتماع الشيعة له؛ وقال لهم: لا تريدوا هذا؛ فإني أخرج في أيَّامي هذه. قال: وكان المختار قد بعث غلامًا يُدْعى زِربِيًّا إلى عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وكتب إليه: أمّا بعد: فإني قد حبست مظلومًا، وظنّ بي الولاةُ ظنونًا كاذبة؛ فاكتب فيّ يرحمك الله إلى هذين الظَّالميْن كتابًا لطيفًا؛ عسى الله أن يخلّصني من أيديهما بلطْفك وبركتك ويُمنك؛ والسلام عليك. ذكر خبر مقتل حبيش بن دلجة وفي هذه السنة قتل حُبيش بن دُلْجة، وأما حبيش بن دُلْجة، فإنه سار حتى انتهى - فيما ذُكِر عن هشام، عن عوانة بن الحَكَم - إلى المدينة، وعليهم جابر بن

стр. 4594

الأسود بن عوف، ابن أخي عبد الرّحمن بن عوف؛ مِن قِبَل عبد الله بن الزبير، فهرب جابر من حُبيش، ثمّ إنّ الحارث بن أبي ربيعة - وهو أخو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة - وجَّه جيشًا من البصرة، وكان عبد الله بن الزبير قد ولّاه البصرة، عليهم الحُنيف بن السجْف التميميّ لحرب حبيش بن دُلْجة، فلما سمع حبيش بن دُلْجة سار إليهم من المدينة، وسرَّح عبد الله بن الزبير عبّاس بن سهل بن سعد الأنصاريّ على المدينة، وأمره أن يسيرَ في طلب حبيش بن دُلْجة حتى يوافيَ الجند من أهل البصرة الذين جاؤوا يَنصرُون بن الزبير عليهم الحنيف، وأقبل عبّاس في آثارهم مُسرعًا حتى لحقهم بالرَّبَذةَ، وقد قال أصحاب ابن دلجة له: دَعْهم، لا تعجلْ إلى قتالهم؛ فقال: لا أنزل حتى آكلَ من مُقَنَّدهم - يعني السَّوِيق الذي فيه القَنْد - فجاءه سهمُ غَرْب فقتله، وقتل معه المنذر بن قيس الجذاميّ، وأبو عتّاب مولَى أبي سُفْيان، وكان معه يومئذ يوسفُ بن الحكم، والحجاج بن يوسف، وما نَجَوا يومئذ إلا على جَمل واحد، وتحرّز منهم نحوٌ من خمسمئة في عمود المدينة، فقال لهم عباس: انزِلوا على حُكْمي، فنزلوا على حُكْمِه فضرب أعناقَهم، ورجع فلُّ حُبَيش إلى الشام. (٥: ٦١١ - ٦١٢). حدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد أنه قال: الذي قتل حبيش بن دُلْجة يوم الرَّبَذة يزيد بن سِيَاه الأسواريّ، رماه بنُشّابة فقتله، فلما دخلوا المدينة وقف يزيد بن سياه على بِرْذون أشهبَ وعليه ثيابٌ بياض، فما لبث أن اسودّت ثيابُه، ورأيتُه ممّا مسح الناسُ به ومما صبّوا عليه من الطِّيب. (٥/ ٦١٢). * * * مقتل نافع بن الأزرق قال أبو جعفر: وأمّا هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف، عن أبي المخارق الراسبيّ من قصّة ابن الأزرق، وبنِي الماحوزُ قصّةً هي غيرُ ما ذكره عمر عن زهير بن حرب، عن وهب بن جرير؛ والذي ذكر من خبرهم: أنّ نافع بن الأزرق اشتدّت شوكته باشتغال أهلِ البصرة بالاختلاف الذي كان بين الأزْد وربيعة وتميم بسبب مسعود بن عمرو، وكثرت جموعُه، فأقبل نحوَ البصرة حتى دنا من الجسْر، فبعث إليه عبدُ الله بن الحارث مُسْلمَ بن عبيس بن كريز بن

стр. 4595

ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة، فخرج إليه، فأخذ يَحُوزه عن البصرة، ويدفعه عن أرضها، حتى بلغ مكانًا من أرض الأهواز يقال له: دُولاب، فتهيّأ الناس بعضهم لبعض وتزاحفوا، فجعل مسلم بن عبيس على ميمنته الحجّاج بن باب الحِميرَيّ، وعلى ميسرته حارثة بن بدر التميميّ، ثم الغُدَانيّ، وجعل ابنُ الأزرق على ميمنته عَبيدة بن هلال اليَشْكريّ، وعلى ميسرته الزبير بن الماحوز التميميّ؛ ثمّ التقَوا فاضطربوا، فاقتتل الناس قتالًا لم يَر قتال قطّ أشدّ منه، فقتل مسلم بن عُبيس أمير أهل البصرة، وقتل نافع بن الأزرق رأس الخوارج، وأمَّر أهل البصرة عليهم الحجّاج بن باب الحميريّ، وأمَّرت الأزارقةُ عليهم عبدَ الله بن الماحوز، ثمّ عادوا فاقتتلوا أشدّ قتال، فقتل الحجّاج بن باب الحميريّ أمير أهل البصرة، وقتل عبد الله بن الماحوز أمير الأزارقة، ثمّ إنّ أهل البصرة أمَّروا عليهم ربيعة الأجذم التميميّ، وأمَّرت الخوارجُ عليهم عُبيدَ الله بن الماحوز، ثمّ عادوا فاقتتلوا حتى أمسَوا، وقد كَرِه بعضُهم بعضًا، وملُّوا القتال، فإنهم لمُتواقفون متحاجزون حتى جاءت الخوراج سريّة لهم جامّة لم تكن شهدت القتال، فحملتْ على الناس من قبَل عبد القيس، فانهزم الناس، وقاتل أمير البصرة ربيعةُ الأجذم، فقتل، وأخذ راية أهل البصرة حارثةُ بن بدر، فقاتل ساعةً وقد ذهب الناس عنه، فقاتل من وراء الناس في حماتهم، وأهل الصبر منهم، ثمّ أقبل بالناس حتى نزل بهم منزلًا بالأهواز ففي ذلك يقول الشاعر من الخوارج: يا كَبِدَا من غير جُوعٍ ولا ظَمَإٍ ... ويا كَبِدي من حُبِّ أُمِّ حَكيمِ ولو شَهدَتني يوم دُولابَ أَبْصرتْ ... طعَانَ امرئٍ في الحرب غير لئيمِ غَداةَ طَفَتْ في الماءِ بكْر بنُ وائل ... وعُجْنَا صُدُورَ الخيل نحوَ تميمِ وكان لعبدِ القيْس أَوَّلُ حَدّنا ... وذَلَّتْ شُيُوخُ الأَزْدِ وَهْيَ تَعُومُ وبلغ ذلك أهل البصرة، فهالَهم وأفزَعَهم، وبعث ابنُ الزبير الحارثَ بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشيّ على تلك الحَرّة، فقَدم وعزل عبد الله بن الحارث، فأقبلتْ الخوارجُ نحوَ البصرة، وقَدِم المهلّب بن أبي صُفرة على تلك من حال الناس من قبَل عبد الله بن الزّبير، معه عهدُه على خراسان، فقال الأحنف للحارث بن أبي ربيعة وللناس عامّة: لا والله، ما لهذا الأمر إلّا المهلّبُ

стр. 4596

[بن أبي صُفرة]، فخرج أشرافُ الناس، فكلَّموه أن يتولّى قتالَ الخوارج، فقال: لا أفعل، هذا عهدُ أميرِ المؤمنين معي على خُراسان، فلم أكن لأدَعَ عهدَه وأمره، فدعاه ابن أبي ربيعة فكلّمه في ذلك، فقال له مثل ذلك، فاتفق رأي ابن أبي ربيعة ورأيُ أهل البصرة على أن كتبوا على لسان ابن الزبير: بسم الله الرّحمن الرحيم، من عبد الله بن الزُّبير إلى المهلب بن أبي صُفرة، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك اللهَ الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّ الحارث بن عبد الله كتب إليّ أنّ الأزارقة المارِقَة أصابوا جُنْدًا للمسلمين كان عددُهم كثيرًا، وأشرافهم كثيرًا، وذكر أنهم قد أقبلوا نحو البَصرة، وقد كنتُ وجّهتُك إلى خُراسانَ، وكتبت لك عليها عهدًا، وقد رأيتُ حيث ذكر هذه الخوارج أن تكون أنتَ تلي قتالَهم، فقد رجوتُ أن يكون ميمونًا طائرُك، مباركًا على أهل مِصرِك، والأجر في ذلك أفضل من المسير إلى خُراسان، فسرْ إليهم راشدًا، فقاتلْ عدوّ الله وعدوّك، ودافع عن حقك وحقوقِ أهل مصرك، فإنه لن يفوتَك من سلطاننا خُراسانُ ولا غيرُ خراسان إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله. فأتيَ بذلك الكتاب، فلما قرأه قال: فإني والله لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبتُ عليه، وتُعطوني من بيت المال ما أقوِّي به مَن معي، وأنتخب من فُرسان الناس ووجوههم وذَوِي الشرف مَن أحببت؛ فقال جميعُ أهل البصرة: ذلك لك؛ قال: فاكتبوا لي على الأخماس بذلك كتابًا ففعلوا، إلا ما كان من مالك بن مسْمَع وطائفة من بكر بن وائل، فاضطغَنَها عليهم المهلَّب، وقال الأحنف وعبيد الله بن زياد بن ظَبيان وأشراف أهل البصرة للمهلّب: وما عليك ألّا يَكتُب لك مالك بن مسمع ولا من تابعه من أصحابه إذا أعطاكَ الذي أردتَ من ذلك جميع أهل البصرة! ويستطيع مالك خلاف جماعة الناس أوله ذلك! انكمشْ أيها الرجل، واعزمْ على أمرِك، وسرْ إلى عدوّك؛ ففعل ذلك المهلب، وأمَّر على الأخماس، فأمَّر عبيد الله بن زياد بن ظَبيانَ على خمس بكر بن وائل، وأمَّر الحَريش بن هلال السعديّ على خمس بني تميم، وجاءت الخوارج حتى انتهت إلى الجسْر الأصغر، عليهم عبيد الله بن الماحوز، فخرج إليهم في أشراف الناس وفُرسانهم ووجوههم، فحازهم عن الجسر، ودفعهم عنه، فكان أوّل شيء دفعهم عنه أهل البصرة، ولم يكن بقي لهم إلا أن يدخلوا؛ فارتفعوا إلى الجسر

стр. 4597

الأكبر، ثمّ إنه عبّأ لهم، فسار إليهم في الخيل والرّجال، فلما أن رأوا أن قد أظلّ عليهم، وانتهى إليهم، ارتفعوا فوق ذلك مَرحلة أخرى، فلم يزل يحوزهم ويرفعهم مَرحلةً بعد مرحلة، ومنزلة بعد منزلة، حتى انتهَوْا إلى منزل من منازل الأهواز يقال له سَلَّى وسَلّبْرَى، فأقاموا به؛ ولما بلغ حارثة بن بدر الغُدَاني أن المهلب قد أمِّر على قتال الأزارقة، قال لمن معه من الناس: كَرْنِبوا دَوْلبوا ... وحيث شئتمْ فاذهبُوا قد أُمِّرَ المهلَّبُ فأقبل من كان معه نحو البصرة، فصرفهم الحارثُ بن عبد الله بن أبي ربيعة إلى المهلب؛ ولما نزل المهلب بالقوم خندَق عليه ووضع المسالحَ، وأذكى العيون، وأقامَ الأحراس، ولم يزل الجندُ على مصافِّهم، والناس على راياتهم وأخماسهم وأبواب الخنادق عليها رجال موكَّلون بها، فكانت الخوارج إذا أرادوا بَياتَ المهلَّب وجدوا أمرًا مُحْكمًا، فرجعوا، فلم يقاتلْهم إنسانٌ قطّ كان أشدّ عليهم ولا أغيظَ لقلوبهم منه (١). (٥/ ٦١٣ - ٦١٧). قال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر: أن رجلًا كان في تلك الخوارج حدّثه أنّ الخوارج بعثتْ عبَيدَة بن هلال والزبير بن الماحوز في خيلين عظيمين ليلًا إلى عسكر المهلب، فجاء الزبير من جانبه الأيمن، وجاء عبَيدة من جانبه الأيسر، ثمّ كبّروا وصاحوا بالناس، فوَجَدوهم على تعبيتهم ومصافِّهم حَذِرين مُغِذِّين، فلم يصيبوا للقوم غِرّةً، ولم يَظفَروا منهم بشيء، فلما ذهبوا ليرجعوا ناداهم عبيدُ الله بن زياد بن ظَبْيانَ فقال: وجَدتمُونا وُقُرًا أَنْجَادَا ... لا كُشُفًا خُورًا ولا أَوْغَادَا هيهات! إنَّا إذا صيحَ بنا أتَيْنا، يا أهل النار، ألّا ابكروا إليها غدًا، فإنها مأواكم ومثواكم؛ قالوا: يا فاسق، وهل تُدَّخر النار إلا لك ولأشباهك! إنّها أعدّت للكافرينَ وأنت منهم. قال: أتسمعون! كلُّ مملوك لي حرّ إنْ دخلتم أنتم الجنة إن بقيَ فيما بين سَفَوان إلى أقصى حجر من أرض خُراسانَ مجوسيٌّ ينكح أمّه وابنته وأختَه إلا دخلها. قال له عُبيدة: اسكت يا فاسق فإنما

стр. 4598

أنت عبد للجبّار العنيد، ووزيرٌ للظالم الكفور. قال: يا فاسق، وأنت عدوّ المؤمن التقيّ، ووزير الشيطان الرَّجيم. فقال الناس لابن ظَبيان: وفّقك الله يا بن ظبيان؛ فقد والله أجبتَ الفاسقَ بجوابه، وصَدَقته. فلما أصبح الناس أخرجَهُم المهلَّب على تعبيتهم وأخماسهم، ومواقفهم الأزدُ، وتميم ميمنة الناس، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة الناس، وأهل العالية في القَلْب وسط الناس. وخرجت الخوارجُ على ميمنتهم عبَيدة بن هلال اليشكريّ، وعلى ميسرتهم الزّبير بن الماحوز، وجاؤوا وهم أحسن عُدَّة، وأكرم خيولًا، وأكثر سلاحًا من أهل البصرة؛ وذلك لأنهم مخَروا الأرض وجرّدوها، وأكلوا ما بين كَرْمان إلى الأهواز، فجاؤوا عليهم مَغافرُ تضرب إلى صدورهم، وعليهم دُروعٌ يسحَبونها، وسوق من زرَد يشدّونها بكلاليب الحديد إلى مناطقهم، فالتقَى الناسُ فاقتتلوا كأشدّ القتال، فصبر بعضُهم عامّة النهار، ثمّ إنّ الخوارج شدّت على الناس بأجمعها شدّةً منكرة، فأجفل الناسُ وانصاعوا منهزِمين لا تلوى أمٌّ على ولد حتى بلغ البصرة هزيمةُ الناس، وخافوا السِّباءَ، وأسرع المهلَّب حتى سبقهم إلى مكان يَفاع في جانب عن سنن المنهزمين. ثمّ إنه نادى الناسَ: إليّ إليّ عبادَ الله، فثاب إليه جماعةٌ من قومه، وثابت إليه سَرِيّة عُمانَ فاجتمع إليه منهم نحوٌ من ثلاثة آلاف، فلما نظر إلى مَنْ قد اجتمع رضي جماعتهم، فحَمد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أما بعد، فإنّ الله ربّما يَكلُ الجمعَ الكثيرَ إلى أنفسهم فيُهْزَمون، ويُنزل النصرَ على الجمع اليسير فيَظهرون، ولَعَمري ما بكم الآن من قلّة، إني لجماعتكم لَراضٍ؛ وإنكم لأنتم أهل الصبر، وفُرسان أهل المِصْر، وما أحبُّ أنّ أحدًا ممَّن انهزم معكم، فإنهم لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، عزمت على كلّ امرئٍ منكم لَما أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا نحو عسكرهم، فإنهم الآن آمنون، وقد خرجتْ خيلُهم في طلب إخوانكم، فوالله إنّي لأرجو ألّا ترجع إليهم خيلُهم حتى تستبيحوا عسكرَهم، وتقتلوا أميرهم، ففعلوا، ثمّ أقبل بهم راجعًا، فلا واللهِ ما شعرت الخوارج إلا بالمهلَّب يضاربهم بالمسلمين في جانب عسكرهم، ثم استقبلوا عبيد الله بن الماحوز وأصحابه، وعليهم الدّروع والسلاح كاملًا، فأخذ الرجل من أصحاب المهلَّب يستقبل الرجلَ منهم، فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حتى يُثخنَه، ثم

стр. 4599

يطعنه بعد ذلك برمحه، أو يضربه بسيفه، فلم يقاتلْهم إلا ساعة حتى قُتل عبيد الله بن الماحوز، وضرب الله وجوهَ أصحابه؛ وأخذ المهلَّب عسكر القوم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلًا ذريعًا، وأقبل مَنْ كان في طلب أهل البصرة منهم راجعًا؛ وقد وضع لهم المهلَّب خيلًا ورجالًا في الطريق تختطفهم وتقتلهم، فانكفؤوا راجعين مفلولين، مقتولين محروبين، مغلوبين؛ فارتفعوا إلى كَرْمان وجانب أصفهان، وأقام المهلّب بالأهواز، ففي ذلك اليوم يقول الصَّلتَانُ العَبْديّ: بِسِلَّى وسِلَّبْرَى مَصارعُ فتْيَةٍ ... كرامٍ وقَتْلَى لم تُوَسَّدْ خدودُها وانصرفت الخوارج حين انصرفت؛ وإنّ أصحاب النيران الخمس والست لَيجتمعون على النار الواحدة من الفلول وقلّة العدد، حتى جاءتهم مادَّةٌ لهم من قبَل البحرين، فخرجوا نحو كرْمان وأصبهان؛ فأقام المهلب بالأهواز فلم يزل ذلك مكانه حتى جاء مُصعب البصرةَ، وعزل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عنها. ولما ظهر المهلّب على الأزارقة كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير الحارث بن عبد الله، من المهلّب بن أبي صفرة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فالحمد لله الذي نَصر أميرَ المؤمنين، وهزم الفاسقين، وأنزل بهم نقمته، وقتلهم كلّ قتلة، وشرّدهم كلَّ مشرَّد، أخبر الأمير أصلحَه الله أنَّا لقينا الأزارقة بأرض من أرض الأهواز يقال لها سِلّى وسِلَّبْرى؛ فزحفنا إليهم، ثم ناهضناهم، فاقتتلنا كأشد القتال مليًّا من النهار، ثم إن كتائب الأزارقة اجتمع بعضها إلى بعض، ثم حملوا على طائفة من المسلمين فهزموهم؛ وكانت في المسلمين جوْلة قد كنت أشفقت أن تكون هي الأصرّى منهم، فلما رأيت ذلك عمَدت إلى مكان يَفاع فعلوته، ثم دعوت إليّ عشيرتي خاصّة والمسلمين عامة، فثاب إليّ أقوام شرَوْا أنفسَهم ابتغاءَ مرضاة الله من أهل الدّين والصبر والصدق والوفاء، فقصدت بهم إلى عسكر القوم؛ وفيه جماعتهم وحدّهم وأميرهم قد أطاف به أولو فضلهم فيهم، وذوو النيّات منهم، فاقتتلْنا رمْيًا بالنَّبْل وطعنًا بالرماح. ثم خلص الفريقان إلى السيوف؛ فكان الجلاد بها ساعة من النهار مبالطةً

стр. 4600

ومبالدةً، ثمّ إن الله أنزل نصره على المؤمنين، وضرب وجوه الكافرين ونزل طاغيتُهم في رجال كثير من حُماتهم وذوي نيّاتهم، فقتلهم الله في المعركة، ثمّ اتّبعت الخيل شرادَهم، فقتلوا في الطريق والآخاذ، والقريّ، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك ورحمة الله. فلما أتى هذا الكتابُ الحارثَ بن عبد الله بن أبي ربيعة بعثَ به إلى الزُّبير فقرئ على الناس بمكّة. وكتب الحارث بن أبي ربيعة إلى المهلَّب: أما بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر فيه نصر الله إيّاك، وظَفَر المسلمين، فهنيئًا لك يا أخا الأزد بشرف الدنيا وعزّها، وثوابِ الآخرة وفضلها، والسلام عليك ورحمة الله. فلما قرأ المهلَّب كتابه ضحك ثم قال: أما تظنّونه يعرفني إلا بأخي الأزد! ما أهل مكة إلا أعرابٌ (١). (٥/ ٦١٧ - ٦٢٠). قال أبو مخنف: فحدّثني أبو المُخَارق الراسبيّ أن أبا علقمة اليَحْمَديّ قاتَلَ يوم سِلَّى وسِلَّبرَى قتالًا لم يقاتله أحدٌ من الناس، وأنه أخذ ينادي في شَباب الأزْد وفتيان اليَحْمَد: أعيرونا جَماجِمَكم ساعةً من نهار؛ فأخذ فتيانٌ منهم يكرّون، فيقاتلون ثم يرجعون إليه، يضحكون ويقولون: يا أبا علقمة القدورُ تُستعار! فلما ظهر المهلَّب ورأى من بلائه ما رأى وفّاه مئة ألف. وقد قيل: إنّ أهلَ البصرة قد كانوا سألوا الأحنف قَبْل المهلب أن يقاتل الأزارقة، وأشار عليهم بالمهلّب، وقال: هو أقوى على حربهم مني، وإن المهلب إذ أجابهم إلى قتالهم شَرَط على أهل البصرة أنّ ما غلب عليه من الأرض فهو له ولمن خفّ معه من قومه وغيرهم ثلاثَ سنين، وأنه ليس لمن تخلّف عنه منه شيء، فأجابوه إلى ذلك، وكتب بذلك عليهم كتابًا، وأوفدوا بذلك وفدًا إلى ابن الزبير. وإنّ ابن الزبير أمضى تلك الشروط كلَّها للمهلَّب وأجازها له، وإنّ المهلب

стр. 4601

لما أجيب إلى ما سأل وجه ابنه حبيبًا في ستمئة فارس إلى عمرو والقَنَا، وهو معسكر خلْف الجسر الأصغر في ستمئة فارس، فأمر المهلب بعقد الجسر الأصغر، فقطع حبيب الجسر إلى عمرو ومَن معه؛ فقاتلهم حتى نفاهم عما بين الجسر، وانهزموا حتى صاروا من ناحية الفُرات، وتجهّز المهلب فيمن خفّ من قومه معه، وهم اثنا عشر ألف رجل، ومن سائر الناس سبعون رجلًا، وسار المهلب حتى نزل الجسر الأكبر، وعمرو القنا بإزائه في ستمئة. فبعث المغيرة بن المهلب في الخيل والرّجالة، فهزمتهم الرّجالة بالنّبل، واتبعتهم الخيل، وأمر المهلب بالجسر فعُقد، فعَبر هو وأصحابه، فلحق عمرو القنا حينئذ بابن الماحوز وأصحابه، وهو بالمفْتَح، فأخبروهم الخبر، فساروا فعسكروا دون الأهواز بثمانية فراسخ، وأقام المهلَّب بقية سنته، فجبَى كُوَر دِجْلة، ورَزَقَ أصحابَه، وأتاه المدَد من أهل البصرة لما بلغهم ذلك؛ فأثبتهم في الديوان وأعطاهم حتى صاروا ثلاثين ألفًا (١). (٥/ ٦٢٠ - ٦٢١). قال أبو جعفر: فعلَى قول هؤلاء كانت الوقعة التي كانت فيها هزيمة الأزارقة وارتحالهم عن نواحي البصرة والأهواز إلى ناحية أصبِهَان وكرمان في سنة ست وستين، وقيل: إنهم ارتحلوا عن الأهواز وهم ثلاثة آلاف، وإنه قتل منهم في الوقعة التي كانت بينهم وبين المهلَّب بسلّى وسلّبرى سبعة آلاف. (٥/ ٦٢١ - ٦٢٢). * * * قال: أبو جعفر: وفي هذه السنة وجه مرْوان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمّدًا إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر. (٥/ ٦٢٢). * * * وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزّبير عبدَ الله بن يزيد عن الكوفة، وولّاها عبد الله بن مطيع، ونزع عن المدينة أخاه عبيدة بن الزبير، وولّاها أخاه مُصعب بن الزبير، وكان سبب عزله أخاه عبيدة عنها أنه - فيما ذكر الواقديّ - خَطَب الناس فقال لهم: قد رأيتم ما صُنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمئة درهم،

стр. 4602

فسُميَ مقوِّمَ الناقة؛ وبلغ ذلك ابن الزبير فقال: إنّ هذا لهو التكلُّف. (٥/ ٦٢٢). * * * ذكر خبر بناء عبد الله بن الزبير البيت الحرام وفي هذه السنة بَنَى عبد الله بن الزبير البيتَ الحرام، فأدخل الحِجْر فيه. أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدّثني عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعانيّ أبو محمد، قال: حدّثني زياد بن جيل أنه كان بمكّة يومَ غلب ابن الزبير، فسمعه يقول: إنّ أمي أسماء بنت أبي بكر حدّثتْني أنّ رسولَ الله ﷺ قال لعائشة: لولا حداثةُ عهد قومك بالكفر رددت الكعبة على أساس إبراهيم؛ فأزيد في الكعبة من الحِجْر، فأمر به ابن الزبير فحفر، فوجدوا قِلاعًا أمثال الإبل، فحرّكوا منها صخرة، فبرقتْ بارقة فقال: أقرّوها على أساسها، فبناها ابن الزبير، وجعل لها بابين: يُدخل من أحدهما ويُخرَج من الآخرَ. * * * قال أبو جعفر: وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة أخوه مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة في آخر السنة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي؛ وهو الذي يقال له القُباع, وعلى قضائها هشام بن هُبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم. (٥/ ٦٢٢). * * * خروج بني تميم بخراسان على عبد الله بن خازم وفي هذه السنة خالف مَنْ كان بخُراسان من بني تميم عبدَ الله بن خازم حتى وقعتْ بينهم حروب. * ذكر الخبر عن سبب ذلك: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر -: أن مَنْ كان بخُراسان من بني تميم أعانوا عبدَ الله بن خازم على مَنْ كان بها من ربيعة، وعلى حَرْب أوْس بن ثعلبة حتى قتَل

стр. 4603

من قَتَل منهم، وظَفِر به؛ وصفا له خراسان، فلما صفا له ولم ينازعه به أحد جَفاهم، وكان قد ضمّ هَراةَ إلى ابنه محمد واستعمله عليها؛ وجعل بكير بن وِشَاح على شُرْطته، وضمّ إليه شمّاس بن دثَار العُطَارديّ؛ وكانت أم ابنه محمد امرأةً من تميم تدعى صَفيَّة، فلما جفا ابن خازم بني تميم أتوْا ابنه محمَّدًا بهرَاة؛ فكتب ابن خازم إلى بكير وشمّاس يأمرهما بمنع بني تميم من دخول هَراة؛ فاما شماس بن دثار فأبَى ذلك، وخرج من هَراة، فصار من بني تميم، وأما بُكير فمنعهم من الدخول. فذكر عليّ بن محمد: أن زهير بن الهُنَيْد حدّثه: أنّ بُكير بن وِشَاح لمّا منع بني تميم من دخول هَرَاة أقاموا ببلاد هَرَاة، وخرج إليهم شمّاس بن دثار فأرسل بكير إلى شماس: إني أعطيك ثلاثين ألفًا، وأعطي كلّ رجل من بني تميم ألفًا على أن ينصرفوا، فأبوْا، فدخلوا المدينة، وقتلوا محمد بن عبد الله بن خازم، قال عليّ: فأخبرنا الحسن بن رُشيد، عن محمد بن عزيز الكنديّ قال: خرج محمد بن عبد الله بن خازم يتصيَّد بهَراة، وقد منع بني تميم من دخولها، فرصدوه، فأخذوه فشدّوه وثاقًا، وشربوا ليلتَهم، وجعل كلَّما أراد رجل منهم البوْل بال عليه، فقال لهم شمّاس بن دثار: أما إذْ بلغتم هذا منه فاقتلوه بصاحبَيْكما اللَّذَيْن قتلهما بالسياط، قال: وقد كان أخذ قُبَيل ذلك رجلين من بني تميم، فضربهما بالسياط حتى ماتا. قال: فقتلوه، قال: فزعم لنا عمّن شهد قتله من شيوخهم أن جَيْهان بن مَشْجَعة الضبِّيّ نهاهم عن قتله، وألقى نفسه عليه، فشكر له ابن خازم ذلك، فلم يقتلْه فيمن قتل يوم فرْتَنَا، قال: فزعم عامر بن أبي عمر: أنه سمع أشياخهم من بني تميم يزعمون أن الذي وَلي قتلَ محمد بن عبد الله بن خازم رجلان من بني مالك بن سعد، يقال لأحدهما: عَجَلة، وللآخر كُسيب، وقال ابن خازم: بئس ما اكتسب كُسيبٌ لقومه، ولقد عجّل عَجَلة لقومه شرًّا. (٥/ ٦٢٣ - ٦٢٤). قال عليّ: وحدّثنا أبو الذّيال زهير بن هُنيد العدويّ، قال: لما قتَل بنو تميم محمد بنَ عبد الله بن خازم انصرفوا إلى مَرْو، فطلبهم بُكَير بن وِشَاح فأدرك رجلًا من بني عُطارد يقال له شُمَيْخ؛ فقتله، وأقبل وشمّاس وأصحابه إلى مرو، فقالوا لبني سعد: قد أدركنا لكم بثأركم؛ قتلنا محمد بن عبد الله بن خازم بالجُشميّ

стр. 4604

الذي أصيب بمَرْو، فأجمعوا على قتال ابن خازم، وولَّوا عليهم الحَريشَ بنَ هلال القُرَيْعيّ. (٥/ ٦٢٤). قال: فأخبرني أبو الفوَارس عن طُفيل بن مرداس، قال: أجمع أكثر بني تميم على قتال عبد الله بن خازم، قال: وكان مع الحريش فرسان لم يدرك مثلهم، إنما الرجل منهم كتيبة؛ منهم شمّاس بن دِثار، وبحير بن ورقاء الصُّريميّ، وشعبة بن ظَهير النَّهشَليّ، ووَرْد بن الفلق العنْبريّ، والحجّاج بن ناشب العدويّ - وكان من أرْمى الناس - وعاصم بن حبيب العدويّ، فقاتل الحريشُ بن هلال عبدَ الله بن خازم سنتين. قال: فلمّا طالت الحرب والشرّ بينهم، ضَجِروا، قال: فخرج الحريش فنادى ابنَ خازم، فخرج إليه فقال: قد طالت الحرب بيننا؛ فعلامَ تقتل قومي وقومك! ابرز لي، فأيُّنا قتل صاحبَه صارت الأرض له؛ فقال ابن خازم: وأبيك لقد أنصفتني، فبرز له، فتصاولا تصاوُلَ الفَحلَين، لا يقدر أحدٌ منهما على ما يريد، وتغفَّل ابن خازم غفلة، وضربه الحُرَيش على رأسه، فرمى بفَرْوة رأسه على وجهه، وانقطع رِكابا الحريش، وانتزع السيف، قال: فلزم ابن خازم عُنُق فرسه راجعًا إلى أصحابه وبه ضربة قد أخذتْ من رأسه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا بذلك بعد الضربة أيّامًا؛ ثم ملّ الفريقان فتفرّقوا ثلاثَ فِرَق، فمضى بحير بن ورقاء إلى أبَرْشَهْر في جماعة، وتوجَّه شمّاس بن دثار العُطارديّ ناحيةً أخرى، وقيل: أتى سِجسْتان، وأخذ عثمان بن بشر بن المحتفز إلى فَرْتَنا، فنزل قصرًا بها، ومضى الحريش إلى ناحية مَرْوَ الرُّوذ، فاتبعه ابن خازم، فلحقه بقرية من قُراها يقال لها قرية الملحمة - أو قصر الملحمة - والحريش بن هلال في اثنَيْ عشر رجلًا؛ وقد تفرّق عنه أصحابه؛ فهم في خَرِبة؛ وقد نصب رماحًا كانت معه وتِرَسةً. قال: وانتهى إليه ابنُ خازم، فخرج إليه في أصحابه، ومع ابن خازم مولىً له شديد البأس، فحمل على الحريش فضربه فلم يصنع شيئًا، فقال رجل من بني ضبّة للحرِيش: أما ترى ما يصنع العبد! فقال له الحريش: عليه سلاح كثير، وسيفي لا يعمل في سلاحه، ولكن انظر لي خشبةً ثقيلة؛ فقطع له عودًا ثقيلًا من عُنَّاب - ويقال له: أصابه في القصر - فأعطاه إيّاه؛ فحمل به على مولى ابن خازم؛

стр. 4605

فضربه فسقط وَقيذًا، ثم أقبل على ابن خازم، فقال: ما تريد إليّ وقد خلّيتك والبلاد! قال: إنك تعود إليها، قال: فإني لا أعود، فصالحه على أن يخرج له من خُراسان ولا يعود إلى قتاله، فوصله ابن خازم بأربعين ألفًا، قال: وفتح له الحريش باب القصر، فدخل ابن خازم، فوصَله وضمن له قضاء دَينه، وتحدّثا طويلًا، قال: وطارت قُطْنة كانت على رأس ابن خازم مُلصَقة على الضربة التي كان الحريش ضربه، فقام الحريش فتناولها، فوضعها على رأسه، فقال له ابن خازم: مَسُّك اليوم يا أبا قُدامة أليَن من مَسِّك أمس، قال: معذرة إلى الله وإليك؛ أما والله لولا أن رِكابيّ انقطعا لخالط السيف أضراسَك، فضحك ابن خازم، وانصرف عنه وتفرّق جمع بني تميم، فقال بعض شعراء بني تميم: فلو كُنتمُ مِثلَ الحَرِيش صبَرْتُم ... وكنتمْ بقصرِ المِلح خَيرَ فوارِسِ إذًا لَسقَيْتم بالعَوالي ابنَ خازمٍ ... سجالَ دَمٍ يُورِثنَ طُولَ وَسَاوِسِ قال: وكان الأشعث بن ذؤيب أخو زهير بن ذؤيب العَدويّ قتل في تلك الحرب، فقال له أخوه زهير وبه رَمَق: مَنْ قتَلك؟ قال: لا أدري، طعنني رجل على بِرْذَون أصفر، قال: فكان زهير لا يرى أحدًا على برذون أصفر إلا حمل عليه؛ فمنهم مَن يقتله، ومنهم من يهرب؛ فتحامى أهل العسكر البرَاذين الصُّفْر؛ فكانت مخلّاةً في العسكر لا يركبها أحد، وقال الحريش في قتاله ابنَ خازم: أَزَالَ عظمَ يَميِني عَنْ مُرَكَّبِهِ ... حمْلُ الرُّدَيْنيّ في الإِدْلاجِ والسَّحَرِ حَوْلَيْنِ ما اغْتَمَضَتْ عيني بمنزلةٍ ... إلَّا وكفِّي وسادٌ لي على حَجَرِ بَزَّى الحدِيدُ وسرْبالي إذا هَجَعَتْ ... عنّي العيونُ مِحالُ القارحِ الذَّكَرِ (٥/ ٦٢٤ - ٦٢٦). ثم دخلت سنة ستّ وستين ذكر الخبر عن الكائن الذي كان فيها من الأُمور الجليلة. فممَّا كان فيها من ذلك وثوب المختار بن أبي عُبَيد بالكوفة طالبًا بدم الحُسين بن عليّ بن أبي طالب وإخراجه منها عاملَ ابن الزُّبير عبدَ الله بن مُطيع العَدويّ.

стр. 4606

* ذكر الخبر عمّا كان من أمرهما في ذلك وظهور المختار للدعوة إلى ما دعا إليه الشيعة بالكوفة: ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف: أن فُضَيل بن خَدِيج حدّثه عن عُبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير من بني هند: أنّ أصحاب سليمان بن صُرَد لمَّا قدموا كتب إليهم المختار: أمَّا بعد؛ فإنّ الله أعظم لكم الأجر، وحطّ عنكم الوِزْر، بمفارقة القاسطين، وجهاد المُحلّين؛ إنّكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خَطْوة إلّا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة إلى ما لا يحصيه إلا الله من التضعيف؛ فأبشروا فإنّي لو قد خرجت إليكم قد جرّدت فيما بين المشرق والمغرب في عدوكم السيف باذن الله، فجعلتُهم بإذن الله رُكامًا؛ وقتلتُهم فذًّا وتؤَامًا؛ فرحَّب الله بمن قارب منكم واهتدى؛ ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى؛ والسلام يا أهل الهدى. فجاءهم بهذا الكتاب سَيحان بن عمرو، من بني ليث من عبد القيس قد أدخله في قلنسوته فيما بين الظّهارة والبِطانة؛ فأتى بالكتاب رفاعة بن شدّاد والمثُنَّى بن مُخرّبة العبديّ وسعد بن حُذيفة بن اليَمَان ويزيد بن أنس وأحمرَ بن شُمَيْط الأحمسيّ، وعبد الله بن شدّاد البَجلِيّ، وعبد الله بن كامل؛ فقرأ عليهم الكتاب؛ فبعثوا إليه ابن كامل؛ فقالوا: قل له: قد قرأنا الكتاب؛ ونحن حيث يسرّك؛ فإن شئت أن نأتيَك حتى نخرجك فعلنا. فأتاه، فدخل عليه السجن؛ فأخبره بما أرسِل إليه به؛ فسُرّ باجتماع الشيعة له؛ وقال لهم: لا تريدوا هذا؛ فإني أخرج في أيَّامي هذه. قال: وكان المختار قد بعث غلامًا يُدْعى زِربِيًّا إلى عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وكتب إليه: أمّا بعد: فإني قد حُبست مظلومًا، وظنّ بي الولاةُ ظنونًا كاذبة؛ فاكتب فيّ يرحمك الله إلى هذين الظَّالميْن كتابًا لطيفًا؛ عسى الله أن يخلّصني من أيديهما بلطْفك وبركتك ويُمنك؛ والسلام عليك.

стр. 4607

فكتب إليهما عبد الله بن عمر: أمَّا بعد؛ فقد علمتُما الَّذي بيني وبين المختار بن أبي عبيد من الصِّهر، والَّذي بيني وبينكما من الودّ؛ فأقسمت عليكما بحقّ ما بيني وبينكما لَمّا خلّيتما سبيله حتى تنظران في كتابي هذا، والسلام عليكما ورحمة الله. فلمَّا أتى عبدَ الله بن يزيد وإبراهيمَ بن محمد بن طلحة كتابُ عبد الله بن عمر دعوَا للمختار بكُفَلاء يضمنونه بنفسه، فأتاه أناس من أصحابه كثير، فقال يزيد بن الحارث بن يزيد بن رُؤيْم لعبد الله بن يزيد: ما تصنع بضمان هؤلاء كلّهم! ضمّنه عشرة منهم أشرافًا معروفين، ودعْ سائرهم. ففعل ذلك، فلما ضمِنوه، دعا به عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة فحلَّفاه بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان؛ فإن هو فعل فعليه ألف بَدَنة ينحرها لدى رِتاج الكعبة؛ ومماليكُه كلّهم ذَكَرُهم وأنثاهم أحرارٌ، فحلف لهما بذلك، ثم خرج فجاء داره فنزلها (١). (٦/ ٧ - ٩). قال أبو مخنف: فحدّثني يحيى بن أبي عيسى، عن حُميد بن مسلم، قال: سمعت المختار بعد ذلك يقول: قاتلهم الله! ما أحمقهم حين يَرَوْن أنّى أفي لهم بأيمانهم هذه! أمَّا حلِفي لهم بالله؛ فإنه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدَع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير؛ وأكفّر يميني، وخروجي عليهم خير من كفِّي عنهم؛ وأكفّر يميني؛ وأمَّا هَدْي ألف بَدَنة فهو أهْوَن عليّ من بصقة؛ وما ثمنُ ألف بدنة فيهولَني! وأمَّا عتق مماليكي فوالله لوددت أنه قد استتبّ لي أمري، ثمّ لم أملك مملوكًا أبدًا. قال: ولمَّا نزل المختار دارَه عند خروجه في السِّجن، اختلف إليه الشيعة واجتمعت عليه؛ واتَّفق رأيها على الرضا به، وكان الذي يبايع له الناس وهو في السّجن خمسة نفر: السَّائب بن مالك الأشعريّ، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شُميط، ورفاعة بن شدّاد الفِتْياني، وعبد الله بن شداد الجُشَميّ. قال: فلم تزل أصحابه يكثُرون، وأمره يقوَى ويشتدُّ حتَّى عزل ابنُ الزبير

стр. 4608

عبدَ الله بن يزيد وإبراهيمَ بن محمد بن طلحة، وبعث عبد الله بن مُطيع على عملهما إلى الكوفة (١). (٦/ ٩). قال أبو مخنف: فحدّثني الصّقْعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: دَعا ابن الزبير عبدَ الله بن مطيع أخا بني عدي بن كعب، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ؛ فبعث عبد الله بن مطيع على الكوفة، وبعث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، قال: فبلغ ذلك بَحِيرَ بن رَيْسان الحميريّ؛ فلقيهما فقال لهما: يا هذان؛ إن القمر الليلة بالناطح، فلا تسيرا فأمَّا ابنُ أبي ربيعة؛ فأطاعه؛ فأقام يسيرًا ثم شخص إلى عمله فسلم؛ وأمَّا عبد الله بن مطيع فقال له: وهل نطلب إلا النّطح! قال: فلقي والله نطحًا وبَطْحًا، قال: يقول عمر: والبلاء موكَّل بالقول. قال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: بلغ عبد الملك بن مروان: أن ابن الزبير بعث عمالًا على البلاد؛ فقال: مَنْ بعث على البصرة؟ فقيل: بعث عليها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة؛ قال: لا حُرَّ بوادي عوف، بعث عوفًا وجلس! ثم قال: مَنْ بعث على الكوفة؟ قالوا: عبد الله بن مطيع، قال: حازم وكثيرًا ما يسقط وشجاع وما يكره أن يفرّ، قال: مَنْ بعث على المدينة؟ قالوا: بعث أخاه مُصعب بن الزبير، قال: ذاك الليث النَّهْد، وهو رجل أهل بيته (٢). (٦/ ٩ - ١٠). قال هشام: قال أبو مخنف: وقدِم عبد الله بن مُطيع الكوفة في رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، فقال لعبد الله بن يزيد: إنْ أحببت أن تقيم معي أحسنتُ صحبتَك، وأكرمت مثواك؛ وإن لحقتَ بأمير المؤمنين عبدِ الله بن الزبير فابك عليه كرامة، وعلى مَنْ قبله من المسلمين، وقال لإبراهيم بن محمد بن طلحة: الحقْ بأمير المؤمنين. فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة، وكسر على ابن الزبير الخراج؛ وقال: إنَّما كانت فتنة؛ فكفّ عنه ابن الزبير.

стр. 4609

قال: وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصّلاة والخراج؛ وبعث على شرُطته إياس بن مضارب العجليّ، وأمره أن يُحسن السيرة والشدّة على المريب (١). (٦/ ١٠). قال أبو مخنف: فحدّثني حَصِيرة بن عبد الله بن الحارث بن دريد الأزديّ - وكان قد أدرك ذلك الزمان، وشهد قتل مُصْعب بن الزبير - قال: إني لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعِد المنبر، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثني على مصركم وثغوركم، وأمرني بجباية فيئكم؛ وألّا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضًا منكم، ووصيَّة عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان بن عفان التي سار بها في المسلمين؛ فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا على أيدي سفهائكم، وإلّا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني؛ فوالله لأوقعنّ بالسقيم العاصي؛ ولأقيمنّ دَرْء الأصعر المرتاب، فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أمَّا أمر ابن الزبير إيّاك إلّا تُحمل فضل فيئنا عنَّا إلا برضانا فإنا نشهدك أنَّا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنّا؛ وألّا يقسم إلا فينا؛ وألّا يُسار فينا إلا بسيرة عليّ بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجةَ لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا؛ فإنها إنما كانت أثَرَة وهوىً، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا، وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرًّا؛ وقد كان لا يألو النَّاس خيرًا، فقال يزيد بن أنس: صدق السائب بن مالك وبَرَّ، رأيُنا مثل رأيه، وقولنا مثل قوله. فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكلّ سيرة أحببتموها وهويتموها ثم نزل. فقال: يزيد بن أنس الأسديّ: ذهبتَ بفضلها يا سائب؛ لا يعدمْك المسلمون! أما والله لقد قمتُ وإني لأريد أن أقوم فأقول له نحوًا من مقالتك، وما أحبّ أن الله ولَّى الردّ عليه رجلًا من أهل المِصْر ليس من شيعتنا. وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مُطيع، فقال له: إنّ السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمنُ المختار؛ فابعث إليه فليأتك؛ فإذا جاءك

стр. 4610

فاحبسْه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس؛ فإن عيوني قد أتتني فخبَّرتْني أنّ أمره قد استجمع له؛ وكأنه قد وثب بالمِصْر، قال: فبعث إليه ابن مُطيع زائدةَ بن قُدامة وحُسين بن عبد الله البُرْسُميّ من هَمْدان، فدخلا عليه، فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابَّته، وتحشحش للذهاب معهما؛ فلما رأى زائدةُ بن قدامة ذلك قرأ قول الله ﵎: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه عنه، ثمّ قال: ألقوا عليّ القطيفة؛ ما أراني إلّا قد وُعِكت، إني لأجد قفقفةً شديدة، ثم تمثَّل قول عبد العُزَّى بن صُهَل الأزديّ: إذا ما مَعْشَرٌ تَركُوا نَدَاهُمْ ... ولمْ يأْتوا الكريهَة لم يُهَابُوا ارجعا إلى ابن مطيع، فأعلماه حالي التي أنا عليها، فقال له زائدة بن قدامة: أمَّا أنا ففاعل، [فقال: ] وأنت يا أخا همْدان فاعذرني عنده فإنه خير لك (١). (٦/ ١٠ - ١٢). قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نُعيم الهمْداني عن حسين بن عبد الله، قال: قلت في نفسي: والله إن أنا لم أُبَلِّغ عن هذا ما يُرضيه ما أنا بآمن مِن أن يظهر غدًا فيهلكني، قال: فقلت له: نعم، أنا أضع عند ابن مطيع عذرك، وأبلغه كلّ ما تحبّ؛ فخرجنا من عنده، فإذا أصحابه على بابه، وفي داره منهم جماعة كثيرة. قال: فأقبلنا نحو ابن مطيع، فقلت لزائدة بن قدامة: أما إني قد فهمت قولك حين قرأتَ تلك الآية؛ وعلمت ما أردتَ بها، وقد علمت أنها هي ثَبّطته عن الخروج معنا بعد ما كان قد لبس ثيابه، وأسرج دابّته، وعلمتُ حين تمثَّل البيت الذي تمثَّل أنما أراد يخبرك أنه قد فهم عنك ما أردت أن تُفهمه، وأنه لن يأتيه. قال: فجاحدني أن يكون أراد شيئًا من ذلك، فقلت له: لا تحلف؛ فوالله ما كنت لأبلغَ عنك ولا عنه شيئًا تكرهانه؛ ولقد علمت أنَّك مشفق عليه، تجد له ما يجد المرء لابن عمه، فأقبلنا إلى ابن مطيع، فأخبرناه بعلَّته وشكواه؛ فصدَّقَنا ولها عنه. قال: وبعث المختار إلى أصحابه؛ فأخذ يجمعهم في الدُّور حوله وأراد أن

стр. 4611

يثِب بالكوفة في المحرّم؛ فجاء رجل من أصحابه من شِبَام - وكان عظيمَ الشرف يقال له عبد الرحمن بن شريح - فلقي سعيد بن منقذ الثَّوريّ وسعر ابن أبي سِعر الحنفيّ والأسود بن جَراد الكنديّ وقدامة بن مالك الجشميّ؛ فاجتمعوا في منزل سعْر الحنفيّ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد؛ فإنَّ المختار يريد أن يخرج بنا، وقد بايعناه ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا؛ فانهضوا بنا إلى ابن الحنفيَّة فلنخبره بما قدم علينا به وبما دَعانا إليه؛ فإنْ رخّص لنا في اتّباعه اتّبعناه؛ وإن نهانا عنه اجتنبناه؛ فوالله ما ينبغي أن يكون شيءٌ من أمر الدنيا آثرَ عندنا من سلامة ديننا، فقالوا له: أرشدك الله! فقد أصبت ووفِّقت؛ اخرج بنا إذا شئت. فأجمع رأيهم على أن يخرجوا من أيَّامهم فخرجوا، فلحقوا بابن الحنفيَّة؛ وكان إمامَهم عبدُ الرحمن بن شريح، فلمَّا قدموا عليه سألهم عن حال النَّاس فخبَّروه عن حالهم وما هم عليه (١). (٦/ ١٢ - ١٣). قال أبو مخنف: فحدّثني خليفة بن ورقاء، عن الأسود بن جراد الكنديّ قال: قلنا لابن الحنفيَّة، إنّ لنا إليك حاجةً، قال: فسرّ هي أم علانية؟ قال: قلنا: لا؛ بل سرّ، قال: فرويدًا إذًا؛ قال: فمكث قليلًا، ثم تنحَّى جانبًا فدعانا فقمنا إليه، فبدأ عبد الرحمن بن شُريح، فتكلَّم فحمِد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنكم أهل بيت خصَّكم الله بالفضيلة، وشرّفكم بالنبوّة، وعظَّم حقكم على هذه الأمة؛ فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي، مخسوس النصيب؛ قد أصِبتم بحسين رحمة الله عليه، عظُمت مصيبة اختُصصتم بها، بعد ما عم بها المسلمون، وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تِلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيِّه ﷺ ؛ والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء؛ فبايعناه على ذلك، ثم إنَّا رأينا أن نأتِيَك فنذكر لك ما دعانا إليه، وندبنا له؛ فإن أمرتَنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه. ثم تكلمنا واحدًا واحدًا بنحو مما تكلم به صاحبنا؛ وهو يسمع، حتى إذا فرغنا حمِد الله وأثنى عليه، وصلَّى على النبي ﷺ ، ثم قال:

стр. 4612

أمَّا بعد؛ فأما ما ذكرتم مما خصَّصنا الله به من فضل؛ فإن الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ فلله الحمد! وأمَّا ما ذكرتم من مصيبتنا بحُسين؛ فإنّ ذلك كان في الذكر الحكيم وهي ملحمة كُتبت عليه، وكرامة أهداها الله له، رفع بما كان منها درجات قوم عنده، ووضع بها آخرين، وكان أمر الله مفعولا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. وأمَّا ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطَّلب بدمائنا؛ فوالله لوددت أنّ الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه؛ أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم. قال: فخرجنا من عنده، ونحن نقول: قد أذن لنا؛ قد قال: لوددت أنّ الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلْقه ولو كره لقال: لا تفعلوا. قال: فجئنا وأناس من الشيعة ينتظرون مقدمنا ممَّن كنَّا قد أعلمناه بمخرَجنا وأطلعناه على ذات أنفسنا ممن كان على رأينا من إخواننا؛ وقد كان بلغ المختارَ مخرجنا، فشقّ ذلك عليه، وخشي أن نأتيَه بأمر يُخذّل الشيعة عنه؛ فكان قد أرادهم على أن ينهض بهم قبل قدومنا؛ فلم يتهيَّأ ذلك له؛ فكان المختار يقول: إن نُفيرًا منكم ارتابوا وتحَيَّروا وخابوا؛ فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا؛ وإن هم كبوا وهابوا، واعترضوا وانجابوا، فقد ثَبروا وخابوا؛ فلم يكن إلا شهرًا وزيادة شي؛ حتى أقبل القوم على رواحلهم؛ حتى دخلوا على المختار قبل دخولهم إلى رحالهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ فقد فُتِنْتُم وارتبتم. فقالوا له: قد أمِرنا بنصرتك. فقال: الله أكبر! أنا أبو إسحاق، اجمعوا إليّ الشيعة، فجمع له منهم مَنْ كان منه قريبًا فقال: يا معشرَ الشيعة؛ إنَّ نفرًا منكم أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى ابن خير من طشى ومشى؛ حاشا النبي المجتبى؛ فسألوه عمَّا قدمت به عليكم، فنبَّأهم أني وزيره وظهيره، ورسوله وخليله؛ وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلِّين، والطلب بدماء أهل بيت نبيّكم المصطفيْن. فقام عبد الرحمن بن شريح، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد يا معشر الشيعة؛ فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة، ولجميع إخواننا عامة؛ فقدمنا على المهديّ بن عليّ، فسألناه عن حربنا هذه، وعمَّا دعانا إليه

стр. 4613

المختار منها، فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته وإجابته إلى ما دعانا إليه، فأقبلنا طيّبة أنفُسنا، منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشكّ والغِلّ والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتال عدوّنا، فليبلِّغ ذلك شاهدُكم غائبكم، واستعدّوا وتأهَّبوا، ثمّ جلس وقمنا رجلًا فرجلا، فتكلَّمنا بنحو من كلامه، فاستجمعت له الشيعة وحدَبت عليه (١). (٦/ ١٣ - ١٥). قال أبو مخنف: فحدّثني نُمَير بن وَعْلة والمَشرِفيّ، عن عامر الشَّعْبيّ، قال: كنت أنا وأبي أوّلَ من أجاب المختار، قال: فلما تهيّأ أمره ودنا خروجه، قال له أحمر بن شُميط ويزيد بن أنس وعبد الله بن كامل وعبد الله بن شدّاد: إنّ أشرافَ أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع؛ فإن جامعَنا على أمرنا إبراهيمُ بن الأشتر رجوْنا بإذن الله القُوَّة على عدوّنا وألّا يضرّنا خلافُ مَنْ خالفنا، فإنه فتى بئيس، وابن رجل شريف بعيد الصّيت؛ وله عشيرة ذات عزّ وعدد. قال لهم المختار: فالقَوْه فادعوه، وأعلموه الذي أمِرنا به من الطَّلَب بدم الحسين وأهل بيته. قال الشعبيّ: فخرجوا إليه وأنا فيهم، فتكلَّم يزيد بن أنس، فقال له: إنَّا قد أتيناك في أمر نعرضه عليك، وندعوك إليه؛ فإن قبلته كان خيرًا لك، وإن تركته فقد أدّينا إليك فيه النصيحة، ونحن نحبّ أن يكون عندك مستورًا. فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: وإنّ مثلي لا تُخاف غائلته ولا سعايتُه؛ ولا التقرّب إلى سلطانه باغتياب الناس، إنما أولئك الصغارُ الأخطار الدّقاق هممًا، فقال له: إنَّما ندعوك إلى أمر قد أجمع عليه رأي الملأ من الشيعة؛ إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه ﷺ ، والطَّلب بدماء أهل البيت، وقتال المحِلِّين، والدفع عن الضعفاء، قال: ثم تكلم أحمر بن شميط، فقال له: إني لك ناصح، ولحظّك محبّ، وإنّ أباك قد هلك وهو سيّد [الناس] وفيك منه إن رعيتَ حقّ الله خَلَفٌ؛ قد دعوناك إلى أمر إن أجبْتَنا إليه عادت لك منزلة أبيك في النَّاس، وأحييت من ذلك أمرًا قد مات؛ إنما يكفي مثلكَ اليسيرُ حتى تبلغ الغاية التي لا مذهب وراءها، إنه قد بنى لك أوّلك مفتَخرًا، وأقبل القوم كلّهم عليه يدعونه

стр. 4614

إلى أمرهم ويرغّبونه فيه، فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: فإني قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته، على أن تولّوني الأمر، فقالوا: أنت لذلك أهل؛ ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قِبَل المهديّ، وهو الرسول والمأمور بالقتال، وقد أمِرنا بطاعته، فسكت عنهم ابن الأشتر ولم يجبْهم، فانصرفنا من عنده إلى المختار فأخبرناه بما ردّ علينا؛ قال: فغبَر ثلاثًا؛ ثم إنّ المختار دعا بضعةَ عشر رجلًا من وجوه أصحابه - قال الشعبيّ: أنا وأبي فيهم - قال: فسار بنا ومضى أمامنا يقُدّ بنا بيوت الكوفة قدًّا لا ندري أين يريد؛ حتى وقف على باب إبراهيم بن الأشتر؛ فاستأذنَّا عليه فأذن لنا، وألقيت لنا وسائدُ؛ فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه؛ فقال المختار: الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وصلَّى الله على محمّد، والسَّلام عليه، أمَّا بعد، فإنّ هذا كتاب إليك من المهديّ محمد بن أمير المؤمنين الوصيّ؛ وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله؛ وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجَّة عليك، وسيغني الله المهديّ محمدًا وأولياءه عنك. قال الشعبيّ: وكان المختار قد دفع الكتاب إليّ حين خرج من منزله؛ فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب إليه، فدفعته إليه، فدعا بالمصباح وفضّ خاتمه، وقرأه فإذا هو: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد المهديّ إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فإني قد بعثت إليكم بوزيري وأميني ونجِيِّي الذي ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوّي والطلب بدماء أهل بيتي؛ فانهضْ معه بنفسك وعشيرتك ومَنْ أطاعك؛ فإنك إن نصرتَني وأجبت دعوتي وساعدت وزيري كانت لك عندي بذلك فضيلة؛ ولك بذلك أعنَّة الخيل وكلّ جيش غازٍ، وكلّ مصر ومنبر وثغر ظهرْتَ عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد أهل الشام، عليّ الوفاء بذلك على عهد الله؛ فإن فعلت ذلك نلتَ به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكًا لا تستقيله أبدًا، والسلام عليك.

стр. 4615

فلما قضى إبراهيمُ قراءة الكتاب، قال: لقد كتب إليّ ابنُ الحنفيَّة؛ وقد كتبتُ إليه قبل اليوم؛ فما كان يكتب إليّ إلا باسمه واسم أبيه، قال له المختار: إنّ ذلك زمان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمَنْ يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفيَّة إليّ؟ فقال له: يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم - قال الشعبيّ: إلّا أنا وأبي - فقالوا: نشهد أنّ هذا كتاب محمد ابن عليّ إليك، فتأخر إبراهيم عند ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار عليه، فقال: ابسط يدك أبايعْك، فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم، ودعا لنا بفاكهة، فأصبنا منها؛ ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا؛ وخرج معنا ابنُ الأشتر؛ فركب مع المختار حتى دخل رحله؛ فلما رجع إبراهيم منصرفًا أخذ بيدي، فقال: انصرف بنا يا شعبيّ، قال: فانصرفت معه ومضى بي حتى دخل بي رحله، فقال: يا شعبيّ، إني قد حفظت أنَّك لم تشهد أنت ولا أبوك؛ أفترى هؤلاء شهدوا على حقّ؟ قال: قلت له: قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القرّاء ومشيخة المصْر وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقًّا، قال: فقلت له هذه المقالة؛ وأنا والله لهم على شهادتهم متّهَمٌ؛ غير أني يعجبني الخروج وأنا أرى رأي القوم؛ وأحبّ تمام ذلك الأمر؛ فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك؛ فقال لي ابن الأشتر: اكتبْ لي أسماءهم فإني ليس كلَّهم أعرف. ودعا بصحيفة ودواة، وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعريّ، ويزيد بن أنس الأسديّ وأحمر بن شميط الأحمسيّ ومالك بن عمرو النهديّ؛ حتى أتى على أسماء القوم؛ ثم كتب: شهدوا أن محمد بن عليّ كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يأمره بمؤازرة المختار ومظاهرته على قتال المحِلّين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النَّفر الذين شهدوا على هذه الشهادة شَراحيل بن عبد - وهو أبو عامر الشعبيّ الفقيه - وعبد الرحمن بن عبد الله النَّخعيّ، وعامر بن شَراحيل الشعبيّ، فقلت له: ما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال: دعْه يكون، قال: ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومَنْ أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار (١). (٦/ ١٥ - ١٨).

стр. 4616

قال هشام بن محمد: قال أبو مخنف: حدثني يحيى بن أبي عيسى الأزديّ، قال: كان حُميد بن مسلم الأزدي صديقًا لإبراهيم بن الأشتر؛ وكان يختلف إليه؛ ويذهب به معه؛ وكان إبراهيم يروح في كلّ عشية عند المساء، فيأتي المختار، فيمكث عنده حتى تصوّب النجوم، ثم ينصرف؛ فمكثوا بذلك يدبّرون أمورهم؛ حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين، ووطَّن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم، فلما كان عند غروب الشمس، قام إبراهيم بن الأشتر؛ فأذّن؛ ثمّ إنه استقدم، فصلَّى بنا المغرب، ثم خرج بنا بعد المغرب حين قُلت: أخوك أو الذئبُ - وهو يريد المختار - فأقبلنا علينا السلاحُ، وقد أتى إياسُ بن مضارب عبدَ الله بن مطيع فقال: إنّ المختار خارج عليك إحدى الليلتين؛ قال: فخرج إياس في الشُّرَط، فبعث ابنه راشدًا إلى الكُنَاسة، وأقبل يسير حولَ السوق في الشُّرَط. ثم إنّ إياس بن مضارب دخل على ابن مطيع، فقال له: إني قد بعثت ابني إلى الكناسة، فلو بعثتَ في كل جبَّانة بالكوفة عظيمة رجلًا من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة؛ هاب المريبُ الخروج عليك. قال: فبعث ابن مطيع عبدَ الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جَبَّانة السَّبيع، وقال: اكفني قومك، لا أوتَينّ من قِبلك، وأحكِم أمر الجبَّانة التي وجّهتك إليها، لا يحدُثنّ بها حَدَث؛ فأوليَك العجز والوهن، وبعث كعب بن أبي كعب الخثعميّ إلى جَبَّانة بشر، وبعث زحْر بن قيس إلى جبَّانة كِنْدة، وبعث شِمر بن ذي الجوشن إلى جبّانة سالم، وبعثَ عبد الرحمن بن مخنف بن سُليم إلى جبَّانة الصائديّين، وبعث يزيد بن الحارث بن رُؤيم أبا حَوْشب إلى جبّانة مراد، وأوصى كلَّ رجل أن يكفيه قومه، وألّا يؤتَى من قبَله، وأن يحكم الوجه الذي وجّهه فيه؛ وبعث شَبَث بن رِبْعيّ إلى السَّبَخة، وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجّه نحوهم، فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الإثنين، فنزلوا هذه الجبابين، وخرج إبراهيم بن الأشتر من رَحله بعد المغرب يريد إتيان المختار؛ وقد بلغه أن الجبابين قد حُشيتْ رجالًا، وأن الشّرَط قد أحاطت بالسوق والقصر (١). (٦/ ١٨ - ١٩).

стр. 4617

قال أبو مخنف: فحدّثني يحيى بن أبي عيسى، عن حُميد بن مسلم، قال: خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتى مررنا بدار عمرو بن حُريث، ونحن مع ابن الأشتر كتيبةٌ نحوٌ من مئة، علينا الدروع، قد كفرنا عليها بالأقبية، ونحو متقلّدو السيوف؛ ليس معنا سلاحٌ إلا السيوف في عواتقنا، والدّروع قد سترناها بأقبِيتنا؛ فلمَّا مررنا بدار سعيد بن قيس فجُزْناها إلى دار أسامة، قلنا: مُرَّ بنا على دار خالد بن عُرْفُطة، ثم امض بنا إلى بَجِيلة، فلنمرّ في دورهم حتى نخرج إلى دار المختار - وكان إبراهيم فتىً حدَثًا شجاعًا؛ فكان لا يكره أن يلقاهم - فقال: والله لأمرّنّ على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السوق، ولأرعبنّ به عدوّنا ولأرينَّهم هوانهم علينا، قال: فأخذنا على باب الفيل على دار ابن هبّار؛ ثم أخذ ذات اليمين على دار عمرو بن حريث؛ حتى إذا جاوزها ألفينا إياس بن مضارب في الشُّرَط مظهرين السلاح، فقال لنا: مَنْ أنتم؟ ما أنتم؟ فقال له إبراهيم: أنا إبراهيم بن الأشتر، فقال له ابن مضارب: ما هذا الجمع معك؟ وما تريد؟ والله إنّ أمرك لمريب! وقد بلغني أنك تمرّ كلّ عشية هاهنا، وما أنا بتاركك حتى آتي بك الأمير فيرى فيك رأيه، فقال إبراهيم: لا أبًا لغيرك! خلّ سبيلَنا، فقال: كلا والله لا أفعل - ومع إياس بن مضارب رجل من هَمْدان، يقال له أبو قطن، كان يكون مع إمرة الشّرْطة فهم يكرِمونه ويؤثرونه، وكان لابن الأشتر صديقًا - فقال له ابن الأشتر: يا أبا قَطن، ادنُ مني - ومع أبي قَطَن رمح له طويل -: فدنا منه أبو قَطَن ومعه الرمح؛ وهو يرى أن ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب ليخلِّيَ سبيله؛ فقال إبراهيم - وتناول الرّمح من يده: إنّ رمحَك هذا لطويل؛ فحمل به إبراهيم على ابن مضارب فطعنه في ثُغْرة نحره فصرعه، وقال لرجل من قومه: انزل [عليه]، فاحتز رأسه، فنزل إليه فاحتزّ رأسه، وتفرّق أصحابه ورجعوا إلى ابن مطيع، فبعث ابن مطيع ابنَه راشدَ بن إياس مكان أبيه على الشرْطة، وبعث مكان راشد بن إياس إلى الكُنَاسة تلك الليلة سُوَيد بن عبد الرحمن المِنْقَرِي أبا القعقاع بن سُويد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلى المختار ليلةَ الأربعاء، فدخل عليه فقال له إبراهيم: إنَّا اتّعدنا للخروج للقابلة ليلة الخميس، وقد حدث أمرٌ لابدّ من الخروج الليلة، قال المختار: ما هو؟ قال: عرض لي إياس بن مضارب في الطريق ليحبسني

стр. 4618

بزعمه، فقتلته؛ وهذا رأسه مع أصحابي على الباب. فقال المختار: فبشّرك الله بخير! فهذا طير صالح، وهذا أوّل الفتح إن شاء الله، ثم قال المختار: قم يا سعيد بن منقذ، فأشعل في الهراديّ النيران ثم ارفعها للمسلمين، وقم أنت يا عبد الله بن شدّاد، فناد: "يا منصور أمتْ"؟ وقم أنت يا سفيان بن ليل، وأنت يا قدامة بن مالك، فناد: يا لثأرات الحسين! ثم قال المختار: عليّ بدرعي وسلاحي، فأتِيَ به؛ فأخذ يلبس سلاحه وَيقول: قَدْ عَلِمَتْ بَيْضاءُ حَسناءُ الطَّلَلْ ... واضِحَة الخَدَّين عَجْزاءُ الكَفَلْ أنى غداةَ الرَّوْع مِقْدامٌ بَطَلْ ثم إنّ إبراهيم قال للمختار: إنّ هؤلاء الرؤوس الَّذين وضعهم ابن مطيع في الجَبَابِين يمنعون إخوانَنا أن يأتونا، ويضيِّقون عليهم؛ فلو أني خرجت بمن معي من أصحابي حتى آتيَ قومي؛ فيأتيني كلّ مَنْ قد بايعني من قومي، ثم سرت بهم في نواحي الكوفة، ودعوت بشعارنا؛ فخرج إليّ مَن أراد الخروج إلينا، ومن قدر على إتيانك من الناس؛ فمن أتاك حبستَه عندك إلى مَنْ معك ولم تفرّقهم، فإن عوجلت فأتيت كان معكَ من تمتنع به، وأنا لو قد فرغت من هذا الأمر عجلت إليك في الخيل والرجال. قال له إمّا لا فاعجل وإيّاك أن تسير إلى أميرهم تقاتله، ولا تقاتل أحدًا وأنت تستطيع ألّا تقاتل، واحفظ ما أوصيتك به إلّا أن يبدأك أحد بقتال، فخرج إبراهيم بن الأشتر من عنده في الكتيبة الَّتي أقبل فيها؛ حتى أتى قومَه، واجتمع إليه جلّ مَنْ كان بايعه وأجابه، ثم إنَّه سار بهم في سكك الكوفة طويلًا من الليل؛ وهو في ذلك يتجنَّب السكك الَّتي فيها الأمراء، فجاء إلى الَّذين معهم الجماعات الَّذين وضع ابن مطيع في الجبابين وأفواه الطّرق العظام، حتَّى انتهى إلى مسجد السَّكون، وعجلت إليه خيلٌ من خيل زَحْر بن قيس الجُعفيّ ليس لهم قائد ولا عليهم أمير، فشدّ عليهم إبراهيمُ بن الأشتر وأصحابه، فكشفوهم حتَّى دخلوا جبَّانة كِندة، فقال إبراهيم: من صاحب الخيل في جبَّانة كندة؟ فشدّ إبراهيم وأصحابُه عليهم، وهو يقول: اللهمّ إنك تعلم أنا غضبنا لأهل بيت نبيّك وثُرْنا لهم، فانصرنا عليهم، وتمّم لنا دعوتَنا؛ حتَّى انتهى إليهم هو وأصحابُه، خالطوهم وكَشفُوهم فقيل له: زَحْرُ بن قيس؛ فقال:

стр. 4619

انصرفوا بنا عنهم، فركب بعضُهم بعضًا كلَّما لقيَهم زقاق دخلَ منهم طائفةٌ، فانصَرَفُوا يسيرون. ثم خرج إبراهيم يسير حتَّى انتهى إلى جبَّانة أثَيْر، فوقف فيها طويلًا، ونادى أصحابه بشعارهم، فبلغ سُوَيد بن عبد الرحمن المنقريّ مكانهم في جبَّانة أثَير، فرجا أن يصيبَهم فيحظَى بذلك عند ابن مطيع، فلم يشعر ابن الأشتر إلا وهم معه في الجبَّانة، فلمَّا رأى ذلك ابن الأشتر قال لأصحابه: يا شُرطةَ الله، انزِلوا فإنكم أولَى بالنَّصر من الله من هؤلاء الفسَّاق الَّذين خاضوا دماءَ أهلِ بيت رسول الله ﷺ ، فنزلوا، ثم شدّ عليهم إبراهيم، فضربهم حتى أخرجهم من الصَّحراء، وولَّوا منهزمين يركَب بعضهم بعضًا، وهم يتلاوَمون، فقال قائل منهم: إنّ هذا الأمر يراد: ما يلقوْن لنا جماعة إلّا هزموهم! فلم يزل يَهزِمهم حتَّى أدخلَهم الكُناسةَ، وقال أصحاب إبراهيم لإبراهيم: اتّبعهم واغتنِم ما قد دَخَلهم من الرّعب، فقد علم الله إلى من ندعو وما نطلب، وإلى من يدعون وما يطلبون! قال: لا، ولكن سيروا بنا إلى صاحبنا حتّى يؤمّن الله بنا وحشتَه، ونكون من أمره على عِلم، ويعلم هو أيضًا ما كان من عَنائنا، فيزداد هو وأصحابه قوّة وبصيرة إلى قواهم وبصيرتهم، مع أني لا آمن أن يكون قد أتِيَ. فأقبل إبراهيمُ في أصحابه حتَّى مرّ بمسجد الأشعث، فوقفَ به ساعة، ثم مضى حتَّى أتى دار المختار، فوجد الأصوات عالية، والقومَ يقتتلون، وقد جاء شَبَث بن ربعي من قبَل السبخَة، فعبّى له المختار يزيد بن أنس، وجاء حجّار بن أبجر العجليّ، فجعل المختار في وجهه أحمر بن شميط، فالناس يقتتلون وجاء إبراهيم من قبل القصر، فبلغ حجَّارًا وأصحابه أنّ إبراهيم قد جاءهم من ورائهم، فتفرّقوا قبل أن يأتيَهم إبراهيم، وذهبوا في الأزقَّة والسكك، وجاء قيس بن طَهْفة في قريب من مئة رجل من بني نَهْد من أصحاب المختار، فحمل على شَبث بن رِبعيّ وهو يقاتل يزيد بن أنس، فخلَّى لهم الطريق حتَّى اجتمعوا جميعًا، ثمّ إن شَبَث بن رِبعيّ ترك لهم السكَّة، وأقبل حتَّى لقي ابن مطيع، فقال: ابعث إلى أمراء الجَبَابِين فمرهم فليأتوك، فاجمعْ إليك جميعَ الناس، ثمّ انهد إلى هؤلاء القوم فقاتِلهم وابعث إليهم من تثق به فليكفك قتالهم، فإنّ أمرَ القوم قد قَوي، وقد خرج المختار وظهر، واجتمع له أمرُه، فلمَّا بلغ ذلك المختار من مشورة

стр. 4620

شَبَث بن رِبْعِيّ على ابن مطيع خرج المختار في جماعة من أصحابه حتَّى نزل في ظهر دَيْر هند ممَّا يلي بُستان زائدة في السَّبخة. قال: وخرج أبو عثمان النّهديّ فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم، يخافون أن يظهروا في الميدان لقُرْب كعب بن أبي كعب الخثعميّ منهم، وكان كعب في جبَّانة بشر، فلمَّا بلغه أن شاكرًا تخرج جاء يسير حتى نزل بالميْدان، وأخذ عليهم بأفواه سِكَكهم وطُرُقِهم، قال: فلمَّا أتاهم أبو عثمان النَّهديّ في عصابة من أصحابه، نادى: يا لَثأرات الحسين! يا منصورَ أمِت! يا أيّها الحَيّ المهتدون، ألا إنّ أمير آل محمَّد ووزيرَهم قد خرج فنزل ديرَ هند، وبعثني إليكم داعيًا ومبشرًا، فاخرجوا إليه يرحمكم الله! قال: فخرجوا من الدّور، يتداعَوْن: يا لثَارات الحسين! ثم ضاربوا كعب بن أبي كعب، حتَّى خلَّى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار حتَّى نزلوا معه في عسكره، وخرج عبد الله بن قراد الخثعميّ في جماعة من خثعم نحو المئتين حتّى لحق بالمختار، فنزلوا معه في عسكره، وقد كان عرض له كعب بن أبي كعب فصافَّه، فلمَّا عرفهم ورأى أنَّهم قومُه خلَّى عنهم، ولم يقاتلْهم. وخرجتْ شِبَام من آخر ليلتهم فاجتمعوا إلى جبَّانة مراد، فلمَّا بلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد بن قيسِ بعث إليهم: إن كنتم تريدون اللّحاق بالمختار فلا تمرُّوا على جبَّانة السَّبيع، فلحِقوا بالمختار، فتوافَى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمئة من اثني عشر ألفًا كانوا بايعوه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر، فأصبح قد فرغ من تعبيته (١). (٦/ ١٩ - ٢٣). قال أبو مخنف: فحدّثني الوالبيّ قال: خرجتُ أنا وحميد بن مسلم، والنعمان بن أبي الجَعْد إلى المختار ليلةَ خرج، فأتيناه في داره، وخرجْنا معه إلى معسكره؛ قال: فوالله ما انفَجَر الفجر حتى فرغ من تعبيته؛ فلمَّا أصبح استقدم فصلَّى بنا الغداةَ بغلَس، ثم قرأ "النازعات" و"عبس وتولَّى". قال: فما سمعنا إمامًا أمّ قومًا أفصحَ لهجةً منه (٢). (٦/ ٢٣).

стр. 4621

قال أبو مخنف: حدّثني حَصيرة بن عبد الله، أنّ ابنَ مطيع بعث إلى أهل الجبابين، فأمرهم أن ينضمُّوا إلى المسجد، وقال لراشد بن إياس بن مضارب: نادِ في الناس فليأتوا المسجد، فنادى المنادي: ألا برئتْ الذّمّة من رجل لم يحضر المسجد الليلة! فتوافَى النَّاس في المسجد، فلمَّا اجتمعوا بعث ابن مطيع شَبَث بن رِبْعيّ في نحو من ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث راشد بن إياس في أربعة آلاف من الشُّرَط (١). (٦/ ٢٣). قال أبو مخنف: فحدّثني أبُو الصَّلْت التيميّ عن أبي سعيد الصّيْقل. قال: لما صلَّى المختار الغداةَ ثم انصرف سَمعْنَا أصواتًا مرتفعة فيما بين بني سُلَيم وسكَّة البريد، فقال المختار: مَنْ يعلم لنا علم هؤلاء ما هم؟ فقلت له: أنا أصلحك الله! فقال المختار: إمَّا لا فألق سلاحك وانطلق حتى تدخل فيهم كأنك نظّار، ثم تأتيني بخبرهم، قال: ففعلتُ، فلمَّا دنوت منهم إذا مؤذنهم يقيم، فجئت حتَّى دنوتُ منهم فإذا شَبَث بن رِبعيّ معه خيل عظيمة، وعلى خيله شَيْبان بن حُرَيث الضبيّ، وهو في الرجّالة معه منهم كثرة، فلما أقام مؤذنهم تقدّم فصلَّى بأصحابه، فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ , فقلت في نفسي: أما والله إني لأرجو أن يزلزل الله بكم، وقرأ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ فقال أناس من أصحابه: لو كنت قرأت سورتين هما أطول من هَاتين شيئًا! فقال شَبَث: ترون الدّيْلم قد نزلت بساحتكم، وأنتم تقولون: لو قرأت سورة "البقرة" و"آل عمران"! قال: وكانوا ثلاثة آلاف، قال: فأقبلت سريعًا حتى أتيت المختارَ فأخبرته بخبر شَبَث وأصحابه، وأتاه معي ساعة أتيته سِعْر بن أبي سعر الحنفيّ يركض من قِبَل مراد، وكان ممَّن بايع المختار فلم يقدر على الخروج معه ليلة خرج مخافة الحرس، فلمَّا أصبح أقبل على فرسه، فمرّ بجبَّانة مراد؛ وفيها راشد بن إياس، فقالوا: كما أنت! ومن أنْت؟ فراكضهم حتى جاء المختار فأخبره خبر راشد، وأخبرته أنا خبر شَبث، قال: فسَرّح إبراهيم بن الأشتر قبل راشد بن إياس في تسعمئة - ويقال ستمئة فارس وستمئة راجل - وبعث نعيم بن هبيرة أخا مَصْقلة بن هبيرة في ثلاثمئة فارس وستمئة راجل، وقال لهما: امضيا حتى تلقيَا عدوّكما، فإذا لقيتماهم

стр. 4622

فانزلا في الرجال وعجلا الفَرَاغ وابدآهم بالإقدام، ولا تستهدفا لهم؛ فإنهم أكثر منكم، ولا ترجعا إليّ حتى تظهرا أو تُقتلا، فتوجَّه إبراهيم إلى راشد، وقدّم المختارُ يزيد بن أنس في موضع مسجد شَبَث في تسعمئة أمامه. وتوجّه نعيم بن هبيرة قبَل شَبَث (١). (٦/ ٢٣ - ٢٤). قال أبو مخنف: قال أبو سعيد الصيقل: كنت أنا فيمن توجَّه مع نُعيم بن هبيرة إلى شَبَث ومعي سِعْر بن أبي سعر الحنفيّ، فلما انتهينا إليه قاتلناه قتالًا شديدًا، فجعل نعيم بن هبيرة سعر بن أبي سِعْر الحنفيّ على الخيل ومشى هو في الرجال فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت، فضربناهم حتى أدخلناهم البيوت؛ ثم إنّ شَبَث بن رِبعيّ ناداهم: يا حماة السوء! بئس فرسان الحقائق أنتم! أمِنْ عبيدكم تهربون! قال: فثابت إليه منهم جماعة فشدّ علينا وقد تفرّقنا فهزمَنا، وصبر نعيم بن هبيرة فقتِل، ونزل سعر فأسِر وأسِرت أنا وخليد مولى حسان بن محدوج، فقال شبث لخليد - وكان وسيمًا جسيمًا: مَن أنت؟ فقال: خليد مولى حسان بن محدوج الذهلي، فقال له شَبَث: يا بن المَتْكاء، تركت بيع الصِّحناة بالكُناسة وكان جزاء من أعتقك أن تعدوَ عليه بسيفك تضرب رقابه! اضربوا عنقه، فقُتِل، ورأى سعرًا الحنفيّ فعَرَفه، فقال: أخو بني حنيفة؟ فقال له: نعم، فقال: وَيْحَك! ما أردتَ إلى اتّباع هذه السَّبئيَّة! قبح الله رأيك، دعوا ذَا، فقلتُ في نفسي: قَتَل المولَى وتَرَك العربيّ، إن علم والله أني مولى قتلني، فلمَّا عُرِضت عليه قال: من أنت؟ فقلت: من بني تيم الله؛ قال: أعربيّ أنت أو مولىً؟ فقلت: لا بل عربيّ، أنا من آل زياد بن خَصفَة، فقال: بخ بخ! ذكرتَ الشريفَ المعروف، الحقْ بأهلك، قال: فأقبلتُ حتَّى انتهيت إلى الحمراء، وكانت لي في قتال القومِ بصيرة، فجئت حتى انتهيت إلى المختار، وقلت في نفسي: والله لآتينّ أصحابي فلأواسينَّهم بنفسي، فقبح الله العيشَ بعدَهم! قال: فأتيتُهم وقد سبقني إليهم سِعْر الحنفيّ، وأقبلتْ إليه خيلُ شَبَث، وجاءه قتْل نُعَيم بن هُبيرة، فدخل من ذلك أصحابَ المختار أمرٌ كبير؛ قال: فدنوتُ من المختار، فأخبرتُه بالذي كان من أمري، فقال لي: اسكتْ، فليس هذا بمكان الحديث، وجاء شَبَث حتَّى أحاط بالمختار وبيزيد بن أنس وبعث ابن مطيع يزيدَ بن الحارث بن

стр. 4623

رؤيم في ألفين من قبَل سكَّة لحّام جرير، فوقَفَوا في أفواه تلك السكك، ووَلَّى المختارُ يزيد بن أنس خيلَه، وخرج هو في الرَّجالة (١). (٦/ ٢٤ - ٢٦). قال أبو مخنف: فحدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ، والبة الأزد، قال: حملتْ علينا خيلُ شَبَث بن رِبْعيّ حملتين، فما يزول منَّا رجل من مكانه، فقال يزيد بن أنس لنا: يا معشر الشّيعة، قد كنتم تُقتَلون وتُقطَّع أيديكم وأرجلكم، وتسمَل أعينكم، وتُرفَعون على جُذوع النخل في حُبّ أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوّكم، فما ظنُّكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم! إذًا والله لا يَدعون منكم عينًا تَطرف، وليقتُلنَّكم صبْرًا، ولتروُنّ منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموتُ خيرٌ منه، والله لا يُنجيكم منهم إلا الصدق والصبر. والطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدَّراك على هامِهم، فتيسَّروا للشَّدّةِ، وتهيؤوا للحَمْلة، فإذا حرّكت رايتي مرّتين فاحملوا، قال الحارث: فتهيَّأنا وتيسَّرنا وجثَوْنا على الرُّكَب، وانتظرنا أمره (٢). (٦/ ٢٦). قال أبو مخنف: وحدّثني فضيل بن خديج الكنديّ أنّ إبراهيم بن الأشتر كان حين توجَّه إلى راشد بن إياس، مضى حتَّى لقيه في مراد، فإذا معه أربعةُ آلاف، فقال إبراهيم لأصحابه: لا يهولنَّكم كثرةُ هؤلاء، فوالله لرُبّ رجل خيرُ من عشرة، ولرُبّ فئة قَليلة قَدْ غَلَبْت فِئةً كثيرةً بإذْن الله واللهُ مع الصَّابرين، ثم قال: يا خُزيمة بن نصر، سرْ إليهم في الخيل، ونزل هو يمشي في الرّجال، ورايتُه مع مُزاحم بن طُفيل، فأخذ إبراهيم يقول له: ازدَلِف برايتك، امضِ بها قُدُمًا قُدُمًا، واقتتل الناسُ، فاشتدّ قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسيّ براشد بن إياس، فحمل عليه فطعنه، فقَتَله، ثمّ نادى: قتلتُ راشدًا وربِّ الكعبة، وانهزم أصحابُ راشد، وأقبل إبراهيمُ بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمانُ بن أبي الجعْد يبشّر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد، فلمَّا أن جاءهم البشير بذلك كبَّروا، واشتدّت أنفسُهم ودخل أصحاب ابن مطيع الفَشَل، وسرّح ابن مطيع حسَّان بن فائد بن بكير العبسيّ في جيش كثيف نحو من ألفين، فاعترض إبراهيمَ بن الأشتر فُوَيقَ الحمراء ليردّه عَمّن

стр. 4624

في السبخة من أصحاب ابن مطيع، فقدّم إبراهيمُ خُزيمة بن نصر إلى حسَّان بن فائد في الخيل، ومشى إبراهيم نحوه في الرجال. فقال: والله ما اطَّعنَّا برمح، ولا اضطَربْنَا بسيف، حتَّى انهزموا، وتَخلَّف حسان بن فائد في أخرَيات الناس يَحميِهم، وحمل عليه خزيمة بن نصر، فلمَّا رآه عرفه، فقال له: يا حسَّان بن فائد، أما والله لولا القرابة لعرفت أني سألتمس قتلَك بجهدي، ولكن النّجاءَ، فعثَر بحسَّانَ فرسُه فوقَع، فقال: تعسًا لك، أبا عبد الله! وابتدره الناس فأحاطوا به، فضارَبَهم ساعة بسيفه، فناداه خزيمة بن نصر، قال: إنَّك آمن يا أبا عبد الله، لا تقتل نفسَك، وجاء حتّى وقف عليه ونَهنَه الناسَ عنه، ومرّ به إبراهيم، فقال له خزيمة: هذا ابن عمِّي وقد آمنته؛ فقال له إبراهيم: أحسنتَ فأمر خزيمة بطلب فرسه حتى أتِيَ به فحمَلَه عليه، وقال: الحق بأهلِك. قال: وأقبل إبراهيم نحوَ المختار، وشبَث محيط بالمختار ويزيد بن أنس، فلمَّا رآه يزيد بن الحارث وهو على أفواه سِكَك الكوفة الَّتي تلي السَّبَخة، وإبراهيم مقبل نحو شبَث، أقبل نحوَه ليصدّه عن شَبَث وأصحابه، فبعث إبراهيم طائفةً من أصحابه مع خزيمة بن نصر، فقال: أغْنِ عنا يزيدَ بن الحارث، وصَمَد هو في بقيَّة أصحابه نحو شَبَث بن رِبْعيّ (١). (٦/ ٢٦ - ٢٧). قال أبو مخنف: فحدّثني الحارث بن كعب أنَّ إبراهيم لمَّا أقبل نحونا رأيْنا شَبَثًا وأصحابَه ينكُصون وراءهم رُوَيدًا رويدًا، فلمَّا دنا إبراهيمُ من شبث وأصحابه، حمل عليهم، وأمرنا يزيد بن أنس بالْحملة عليهم، فحملنا عليهم، فانكشفوا حتَّى انتهوا إلى أبياتِ الكوفة، وحمل خزيمةُ بن نصر على يزيد بن الحارث بن رؤيم فهزمه، وازدحموا على أفواه السِّكَك، وقد كان يزيد بن الحارث وضع راميةً على أفواه السكك فوق البيوت، وأقبل المختارُ في جماعة الناس إلى يزيد بن الحارث، فلمَّا انتهى أصحابُ المختار إلى أفواه السكك رَمتْه تلك الرامية بالنبل، فصدّوهم عن دخول الكوفة من ذلك الوجه، ورجع الناسُ

стр. 4625

من السَّبَخة منهزمين إلى ابن مطيع وجاءه قتلُ راشد بن إياس، فأسقِط في يده (١) (٦/ ٢٧ - ٢٨). قال أبو مخنف: فحدّثني يحيى بن هانئ، قال: قال عمرو بن الحجاج الزُّبيديّ لابن مطيع: أيُّها الرجل لا يُسْقَط في خَلَدك، ولا تُلْقِ بيَدِك، اخرُج إلى الناس فاندبهم إلى عدوّك فاغزهم، فإنّ الناس كثير عددُهم، وكلهم معك إلا هذه الطَّاغية الَّتي خرجتْ على الناس، والله مخزيها ومُهلِكُها، وأنا أوّل مُنتدَب، فاندب معي طائفة، ومع غيري طائفة، قال: فخرج ابن مطيع، فقام في الناس، فحمِد الله وأثنَى عليه ثم قال: أيُّها الناس، إنّ من أعجب العجَب عجزكم عن عُصْبة منكم قليل عَدَدُها خبيث دينها، ضالّة مُضِلَّة، اخرجوا إليهم فامنعوا منهم حريمَكم وقاتِلوهم عن مِصرِكم، وامنعوا منهم فَيئَكم، وإلا والله ليشاركَنَّكم في فَيْئكم من لا حقّ له فيه، والله لقد بلَغني أنّ فيهم خمسمئة رجل من محرَّريكم عليهم أميرٌ منهم، وإنَّما ذهاب عزّكم وسلطانكم وتغير دينكم حين يكثرون، ثم نزل. قال: ومنعهم يزيدُ بن الحارث أن يدخلوا الكوفة، قال: ومضى المختار من السَّبَخة حتَّى ظهر على الجبَّانة، ثمَّ ارتفع إلى البيوت؛ بيوت مُزينة وأحمس وبارق، فنزل عند مسجدهم وبيوتهم، وبيوتُهم شاذّةٌ منفردة من بيوت أهل الكوفة، فاستقبلوه بالماء، فسقى أصحابَه، وأبى المختار أن يشرَب، قال: فظنّ أصحابُه أنَّه صائم، وقال أحمر بن هديج من هَمْدان لابن كامل: أترى الأميرَ صائمًا؟ فقال له: نعم، وهو صائم، فقال له: فلو أنَّه كان في هذا اليوم مفطرًا كان أقوى له؛ فقال له: إنَّه معصوم، وهو أعلم بما يصنع؛ فقال له: صدقت، أستغفر الله، وقال المختار: نعم مكان المقاتل هذا، فقال له: إبراهيم بن الأشتر: قد هزمهم الله وفَلَّهم، وأدخل الرعب قلوبَهم، وتنزل هاهنا! سِرْبنا؛ فوالله ما دون القصر أحد يمنع، ولا يمتنع كبيرَ امتناع؛ فقال المختار: لِيقُم هاهنا كلّ شيخ ضعيف وذي علة، وضعوا ما كان لكم من ثَقَل ومَتاع بهذا الموضع حتى تسيروا إلى عدوّنا، ففعلوا، فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهديّ، وقدّم
следующие страницы →