← Фикх малики

Фикх малики · id 14555

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

ابن ناجي التنوخي

Полный текст (890 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

في كشقير وهي بسكون القاف وفتحها. قلت: وقال بعض شيوخنا: اللقطة مال وجد بغير حرز محترم ليس حيوانا ناطقًا ولا نعما فيخرج الركاز وما بأرض الحرب، وتدخل الدجاجة وحمام الدور إلا السمكة تقع في سفينة هي لمن وقعت إليه قاله ابن عات عن ابن شعبان والأظهر في السمكة إن كانت في موضع بحيث لو لم يأخذها من سقطت إليها لنجت بنفسها لقوة حركتها وقرب محل سقوطها من ماء البحر فهي كما قال ابن شعبان في زاهيه: وإلا فهي لرب السفينة كقول المدونة فيمن طرد صيدا حتى دخل دار قوم إن اضطره إليها فهو له، وإن لم يضطره، وبعد عنه فهو لرب الدار. واعلم أن واجد اللقطة على ثلاثة أقسام: تارة يعلم من نفسه الخيانة فهذا يحرم عليه التقاطها لأن ذلك مستلزم لإتلاف المال المعصوم وتارة يخاف على نفسه الخيانة فهذا يكره له التقاطها ولا يحرم، وتارة يعلم من نفسه الأمانة فإن كانت في مكان يخاف عليها من أهل الخيانة فهذا يجب عليه التقاطها باتفاق، وإن لم يخف عليها الخيانة ففي ذلك ثلاثة أقوال: الاستحباب والكراهة، والاستحباب فيما له بال، وكلها لمالك. وفي المدونة مع سماع ابن القاسم من التقط ثوبًا يظنه لقوم يراهم فسألهم فقالوا له: ليس لنا فرده حيث وجده لا بأس به. قال ابن القاسم: إن كانت علينا فأخذه أحب إلى فجعل بعض شيوخنا قول ابن القاسم رابعًا، وهو الفرق بين العين وغيرها، وتأوله ابن رشد فقال: معناه لا ضمان عليه إن فعل والاختيار أن لا يفعل كقوله في الثوب إذ لا فرق بينهما وبين الثوب ورده شيخنا بوضوح خفة الحفظ في العين دون الثوب ولما يلزم من تفقده. وقال ابن عبد السلام: والأظهر إن كان مع القدرة على الحفظ أن يجب الالتقاط ولا يعد علمه بخيانة نفسه مانعا وأحرى خوفه ذلك؛ لأنه يجب عليه ترك الخيانة والحفظ للمال المعصوم وقصارى الأمر أن من يأمن على نفسه الخيانة فقد توجه عليه الخطاب بالحفظ وحده ومن يخاف على نفسه الخيانة وجب عليه أمران: الحفظ وترك الخيانة، وبعد تسليم هذا فالأظهر من الأقوال الثلاثة الاستحباب أو الوجوب لو قيل به لوجوب أعانة المسلمين عند الحاجة والقدرة على الإعانة. وما ذكر الشيخ أنه يعرف بها بموضع يرجو التعريف بها هو كذلك؛ لأن ذلك مظنة لوجود صاحبها، ويريد في غير المسجد ولكن على بابه.

стр. 667

قال في المدونة: ويعرف بها على أبواب المساجد مع أنه أجاز في المدونة الحكومة في المسجد وهي مظنة لرفع الصوت فيه وكأنه رآه من باب المذاكرة في العلم فاستخفه أو لقلة الحكومة في زمانهم قاله المغربي. وقال ابن الحاجب: يعرف بها في الجوامع والمساجد، وغيرها. قال ابن عبد السلام: لعل ذلك مع حفظ الصوت، وما في المدونة أولى ويريد الشيخ أيضًا، ويكون تعريفه بها فورا بحيث لو تواني بها وضاعت ثم جاء صاحبها فإنه يضمن وهو كذلك على تفصيل فيه ذكره اللخمي، وظاهر كلامه أنه يعرف بنفسه، وهو كذلك إلا أن يكون مثله لا يعرف فيستأجر منهما؛ لأن ذلك مصلحة لربها قاله ابن شاس، وتبعه ابن الحاجب. وظاهر لفظ اللخمي أجاز ابن شعبان أن يستأجر عليها منها أنه لو كان ممن يلي ذلك لم يلزمه. (فإن تمت سنة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها وضمنها لربها إن جاء وإن انتفع بها ضمنها، وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك لم يضمنها): اعلم أن هذه إحدى مسائل السنة، وكذلك الشفعة والمعترض والمجنون والأجذم والأبرص، وعدة المستحاضة والمرتابة والمريضة والجرح، ولا يحكم فيه إلا بعد سنة والبكر تقيم عند زوجها سنة، ولم يصبها ثم تطلق فإنها لا تجبر واليتيمة تمكث في بيتها سنة فإنها تحمل على الرشد في قول والذي يوصي بشراء عبد ليعتق وأبي أهله البيع فإنه يستأني سنة، والتي تقيم شاهد الطلاق، ويأبى زوجها أن يحلف فإنه يحبس سنة في قول. والهبة إن حاز الموهوب الهبة سنة صح الحوز فيها وإن رجعت إلى الواهب على المشهور والزكاة والصوم لا يجبان إلا بعد السنة، والعمرة لا يباح فعلها على المشهور في السنة إلا مرة واحدة وعهدة السنة، والشاهد إذا تاب من فسقه قيل: لابد من مضي السنة، وقيل: ستة أشهر. وقيل: لا حد لذلك وكل هذه النظائر ذكرها الشيخ خليل وأكثرها في نظائر أبي عمران الصنهاجي، وظاهر كلام الشيخ أن السنة كافية، ولو كانت لقطة مكة، وهو كذلك لم يحك المازري عن المذهب غيره، ومثله وعزاه عياض لمالك، وأصحابه. وقيل: يعرف بها أبدًا لقوله ﷺ : " لا تحل ساقطته إلا لمنشد" قاله الباجي،

стр. 668

وابن رشد عن المذهب ولفظ ابن رشد أقوى ونصه في المقدمات لقطة مكان لا يحل استنفاقها بإجماع، وعليه أن يعرف بها أبدًا وبها أيضًا قال اللخمي، وابن العربي في القبس بعد أن ذكر اللخمي القول الأول عن ابن القصار، وكذلك ابن العربي، وإنما اختار ما ذكره بعد أن ذكر الأول مالك قال: وتكلم علماؤنا في الاحتجاج لمالك والانفصال عن الحديث، ولا أرى مخالفة الحديث ولا تأويل ما لا يقبل. وأجابه بعض شيوخنا بقاعدة مالك في تقديمه العمل على الحديث الصحيح حسبما ذكره ابن يونس في كتاب الأقضية، ودل عليه استقراء المذهب. قال: وقول المازري: محمل الحديث على أصلنا على المبالغة في التعريف؛ لأن ربها يرجع لبلده وقد لا يعود إلا بعد أعوام حجة عليه لا له، وظاهر كلامه وإن كانت يسيرة أنها كالكثيرة ولابد من سنة وهو كذلك على ظاهر قول مالك في المدونة. وقيل: يعرف بها أيامًا فقط قاله ابن وهب، وابن القاسم في المدونة والقولان حكاهما ابن رشد في المقدمات، وذلك مثل الدريهمات مما جرت العادة أن ربها يسمح بها. وأما التافه فلا يعرف به وظاهر كلام التسوية بين حبسها وصدقتها ومثله في ابن الجلاب، وزاد ويتملكها وليس في كلام الشيخ خلاف. وقال اللخمي: واختلف في صفة تصرفه فيها على أربعة أقوال: فقيل: إنه مخير في انفاقها والصدقة ويخير صاحبها في تضمينه وهو قول مالك: لا أحب أن يأكلها مع قول ابن القصار، ويكره أكلها، وقيل: يجوز استمتاعه بها غنيا كان أو فقيرا، ويضمنها لربها، وهو مقتضى قول ابن القاسم في المدونة، وقيل إن كان غنيا بمثلها قاله أشهب، وابن شعبان، وقيل: مثله إن قلت وكان فقيرا قاله ابن وهب في العتبية، وذكر ابن رشد مثل ما ذكر اللخمي من الأربعة الأقوال إلا أنه عزا قول ابن القاسم للشافعي لا لأحد من أهل المذهب. وقال ابن العربي: لم أجد لأحد من المسلمين خلافًا في ضمان مستنفقها لربها، وأجابه بعض شيوخنا بأن في معلم المازري اختلف الناس في غرامة ملتقطها إن أكلها جاء ربها فعندنا يغرمها، وقال داود: لا غرامة عليه. (وإذا عرف طالبها العفاص والوكاء أخذها): قيل العفاص: هو وعاء الدراهم، والوكاء ما يشد به وهذا هو المعلوم في اللغة، وعليه أكثر الفقهاء، وقيل: بالعكس عزاه الباجي لأشهب، وعزا الأول لابن القاسم وهو

стр. 669

واضح لقوله ﷺ : "اعرف عددها ووكاءها ووعاءها" فجعل بدل العفاض الوعاء. وظاهر كلام الشيخ أن الدنانير والدراهم لا يشترط معرفة عددها، وهو كذلك عند أصبغ واعتبر ذلك ابن القاسم وأشهب كذا عزاهما الباجي. وعزا اللخمي الثاني كما ذكر والأول للمدونة. قال بعض شيوخنا: وفيه نظر؛ لأن فيها يلزم دفعها لمن وصف عفاصها، ووكاءها وعددها قال: لم أسمع من مالك فيها شيئًا، ولا شك أن وجه الشأن أن تدفع إليه فظاهر هذا اعتبار العدد، وعلى هذا اللفظ اختصرها البراذعي، وفيها بعد ذلك أن دفعها لمن وصف عفاضها، ووكاءها وعددها ثم جاء آخر فوصف مثل ما وصف الأول وأقام بينه أن تلك اللقطة كانت له لم يضمنها له لأنه قد دفعها بأمر كان وجه الدفع فيه كذا جاء في الحديث " اعرف عفاصها ووكاءها". فظاهر هذا مثل ما قال اللخمي قال: وفي اقتصاره على هذا دون الأول نظر، وكذلك بالنسبة إلى البراذعي لكونه اقتصار على الأول فقط، ظاهر كلام الشيخ، أنه لا يفتقر إلى اليمين كما هو ظاهر المدونة، وهو المشهور. وقال أشهب: لابد من من اليمين وسبب الخلاف هل العرف يتنزل منزلة الشاهدين أو الشاهد الواحد، ولهذه المسألة نظائر كتصديق الزوجة في المسيس بإرخاء الستر عليه في خلوة الاهتداء، وكالقمط والعقود في الحائط، وكالحكم لأحد الزوجين بما يصلح ما في اختلافهما في متاع البيت، وتصديق المغصوبة إذا جائت مستغيثة عند النازلة أو جاءت تدمي وتصديق أحد المتداعيين مع الحوز وتصديق المرتهن في مبلغ قيمة الرهن. وذكر المغربي في إرخاء الستور عوض هذه النظيرة تصدق الراهن في دفع الدين إذا قبض الرهن، ولا أعرفها منصوصه لغيره وكأنها مناقضة لما نص عليه ابن الهندي، وقبله هو وغيره فيما إذا وجدت الوثيقة بيد المديان ويقول ما قبضتها حتى دفعت ما على فإنه لا يقبل منه ويؤخذ بالحق؛ لأن من حجة رب الدين أن يقول سقطت لي أو سرقت إلا أن يقال: إن الاحتفاظ على الرهن أشد. وقال شيخنا أبو مهدي ﵀: أعرفها منصوصة لغيره، ومحملها عندي على ما إذا اقر المرتهن إنه إذا دفع الرهن، وأما إذا خالف وقال: لم أدفعه فإن القول قوله

стр. 670

كمسألة الوثيقة. قال المازري في المعلم: ولو جهل عين المسروق منه فكاللقطة يأخذ السرقة ويصفها بما تؤخذ به اللقطة قاله أصحابنا. واختلف في جهل المودع فقيل: كذلك وقيل: لأنه قادر على دفعها ببينة؛ لأنه مختار. واعلم أنه إذا وصفها اثنان بما يأخذها به المنفرد تحالفا وقسمت بينهما فإن نكل أحدهما أخذها الحالف قال الباجي زاد اللخمي عن أشهب إن نكلا لم تدفع إليهما قال: وأرى أن يقتسماها. قلت: قال بعض شيوخنا، وهو الجاري على قول ابن القاسم بعدم وقف أخذها بالصفة على اليمين قال اللخمي: وإن أخذها بالصفة ثم أتى آخر فوصفها بمثل وصف الأول قبل أن يتبين ويظهر أمرها قسمت بينهما على الصحيح من القولين فظاهره أن في ذلك خلافًا. وقال ابن يونس: تقسم بينهما على قول ابن القاسم وعلى قول أشهب تكون للأول. (ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء):

стр. 671

ظاهر كلام الشيخ: وإن كانت بموضع لا يؤمن عليها من السباع وهو كذلك في أحد القولين، وظاهر كلامه أيضًا أنه يلتقطها إذا وجدها في غير الصحراء، وهو واضح؛ لأن وجود ربها في غير الصحراء أسهل فليلتقطها ليحفظها له حتى يجدها عن قرب بخلاف ما إذا وجدها في الصحراء فلا يتأتى له معرفه ربها إذا نقلها إلى العمارة. واختلف هل يلحق البقر والخيل والبغال والحمير بالإبل أم لا؟ على ثلاثة أقوال: ثالثها لابن القاسم تلحق البقر دونها وهذه الأقوال حكاها ابن الحاجب. قال ابن عبد السلام: وإنما تتصور الأقوال الثلاثة على نوع من التخريج. (وله أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء لا عمارة فيها): ظاهر كلام الشيخ ولا ضمان عليه إن جاء صاحبها، وهو كذلك قاله مالك. قال ابن عبد البر، وقال سحنون في العتبية: إذا أكل الشاة واجدها بالفلاة أو تصدق بها ثم جاء صاحبها ضمنها له، وهو الصحيح، وقد قال مالك: ومن اضطر إلى طعام غيره، وأكله فإنه يضمنه فالشاة الملتقطة أولى بذلك ورأوا أن قوله ﷺ : " هي لك أو لأخيك أو للذئب" ليس بتمليك لقوله أو للذئب. قالوا: وقد جاء: " هي لك أو لأخيك أو للذئب فاردد على أخيك ضالته" قيل: وإنما قوله هي لك مثل قوله في اللقطة فشأنك بها. قلت: وما نقله عن العتبية قبله ابن عبد السلام: وقال بعض شيوخنا هو وهم وليس في العتبية شيء من ذلك، وإنما لسحنون فيها ضمانه فيما يجب عليه فيه التعريف. قال فيها عنه: من اختلطت بغنمه شاة ولم يجد ربها كانت لقطة يتصدق بها ويضمنها لربها وشرب لبنها خفيف؛ لأنه يرعاها ويتفقدها فهذا هو الموجود فيها لا ما تقدم، وإذا فرعنا على الأول فإذا ذبحها في الفلاة ثم أتى بلحمها أكله غنيا كان أو فقيرا. قال أصبغ: ويصير لحمها وجلدها مالا من ماله، ولا ضمان عليه في ذلك إلا أن يجده صاحبها في يده فيكون أحق به.

стр. 672

قال اللخمي: يريد ويغرم أجر نقلها. قلت: قال بعض شيوخنا: وفيه نظر؛ لأنه نقلها لنفسه، وإن أتى بالشاة من الفلاة إلى العمارة فلها حكم اللقطة فإن أتى ربها أخذها قاله أصبغ أيضًا، وقال اللخمي: والقياس لا شيء فيها لربها؛ لأنه نقلها بعد أن ساغ له ملكها ولولا ذلك لما نقلها، وأجابه بعض شيوخنا بأن المملوك له منها الانتفاع بها لا ملكها. وقال ابن رشد: تعقب التونسي قول أصبغ إذا قدم بها مذبوحة، وقال: الأصوب عدم أكله إياها، وإن يبيعها، ويوقف ثمنها؛ لأن الإباحه إنما كانت حيث لا ثمن لها، وهو صحيح، فيتحصل من هذا ثلاثة أقوال: قول أصبغ، وقول سحنون وقول التونسي. وأما إذا وجد ما يفسد كالطعام وكان كثيرًا فلا يخلو إما أن يكون مما لا يخشى تلفه كوجوده في رفقة مأمونة أو قرية أم لا؟ فالأول: إن أكله أو تصدق به، واختلف في ضمانه له على ثلاثة أقوال: فقيل: إنه يضمنه أكله أو تصدق به وهو ظاهر قول أشهب يبيعه، ويعرف بثمنه وقيل: بعكسه، وهو ظاهر المدونة وقيل: إن أكله ضمنه، وإن تصدق به لم يضمنه قاله ابن حبيب. وأما الثاني فيجوز له أكله ولا شيء عليه وهذه طريقة ابن رشد في المقدمات وما ذكر اللخمي الثلاثة في التافه وغيره وعزاه الأول كما تقدم والثاني لمالك والثالث لمطرف قال: وأرى فيما لا يطلبه ربه غالبًا لقلته لا شيء فيه إذا أكله أو تصدق به، وأما ما الغالب طلبه فعلى واجده حفظه لبقائه على ملك ربه فذكر كما ترى الأقوال في الكثير واليسير. (ومن استهلك عرضًا فعليه قيمته): ما ذكر أن العرض تلزمه فيه القيمة هو المشهور، وحكى الباجي عن مالك قوله بأن جميع المتلفات مثليه كقول أبي حنيفة والشافعي. قال المازري: كذا في نسخ المنتقي وأراه وهما. قلت: وحكاه عنه ابن زرقون، ولم يتعقبه، ولا نقل كلام المازري، مع أنه نقل عنه في غير موضع. (وكل ما يوزن أو يكال فعليه مثله): ظاهر كلام الشيخ أن من استهلك غزلا فعليه مثله، وهو كذلك عند غير ابن القاسم، وهو أشبه.

стр. 673

وقال ابن القاسم: تلزمه قيمته وكلاهما في المدونة وهي أول مسألة من كتاب تضمين الصناع. فإن قلت: وهل حكم سلف الغزل يتنزل منزلة استهلاكه فيختلف فيه أم لا؟ قلت: ليس كذلك بل نقل ابن يونس في أوائل الجعل والإجارة عن البراذعي وعن محمد بن أبي زيد أنه يرد مثله، وسألت شيخنا أبا مهدي: هل تحفظ خلافة؟ قال: لا، وهو صواب؛ لأنه فرق بين السلف والاستهلاك، وكذلك اختلف ابن القاسم، وأشهب فيمن استهلك حليا إلا أن قول اشهب ليس هو في المدونة، وإنما نقله ابن يونس والأصل قول أشهب ولذلك قال بعض شيوخ الفاكهاني: الأصل أن يحكم في ذوات الأمثال بالمثل إلا في أربع مسائل: الأولى: مسألة الغزل. الثانية: من فدى أسيرًا بدار الحرب بقنطار قطن مثلاً فإنه يأخذ قيمته ببلد الإسلام؛ لأنه لو أخذ القطن ربما أضر بالمفتدى. الثالثة: إذا وهب لغيره هبة ثواب مما يكال أو يوزن فيفوت فعليه قيمته، وهل له أن يعطيه مثله؟ فقال ابن القاسم: ليس له ذلك خلافًا لأشهب. الرابعة: إذا كان لشريكين على رجل قنطار كتان مثلاً فاقتضى أحدهما منه نصفه فدخل معه شريكه فيما اقتضى، وقلنا: إنه يرجع الآخر بالنصف الثاني، فقبضه منه فعليه أن يعطيه قيمة نصفه لشريكه. وأما من قال: يرجعان جميعا فلا تخرج هذه المسألة عن الأصل. وزاد الفاكهاني مسألة خامسة: وهي من اشترى صبرة جزافا فأتلفها البائع أو غيره فإنما فيها القيمة لا المثل ذكر ذلك عند تكلمه على كلام الشيخ، وكل بيع فاسد فضمانه من البائع. ومسألة الحلي السابقة سادسة: وظاهر كلام غير واحد أن المعدود من ذوات القيم بالإطلاق. وقال ابن رشد: المعدود الذي لا تختلف أعيان عدده كالجوز والبيض مثلي، قلت: وأما اللؤلؤ الصغير القدر جداً الذي لا يباع إلا وزنا فهو مثلي أيضًا بخلاف ما فوقه فإنه من ذوات القيم لكمال تباين آحاده، ولذلك قال في المكاتب لا تجوز الكتابة على لؤلؤ غير موصوف لتقارب الإحاطة بصفته يريد بصفة الوسط منه قاله بعض شيوخنا.

стр. 674

(والغاصب ضامن لما غصب) قال ابن الحاجب مختصرا لكلام ابن شاس: الغصب أخذ المال عدوانا قهرًا من غير حرابة فأخرج بالعدوان ما أخذ قهرا لا عدوانا كأخذ الإمام الزكاة من الممتنع وتعقب بوجهين: أحدهما: أن فيه التركيب وهو وقف معرفة على معرفة حقيقة أخرى ليست أعم منه، ولا أخص من أعمه. الثاني: بأنه غير مانع لأنه يدخل عليه فيه المنافع كسكنى ربع وحرثه، وليس غصبًا بل تعديل، وهو لبعض شيوخنا وحده بأن قال: الغصب أخذ مال غير منفعة ظلما قهرا لا لخوف قتال فيخرج أخذه غيلة إذ لا قهر فيه؛ لأنه بموت مالكه وحرابه، ومعرفة حرمة الغصب في الدين ضرورة؛ لأن حفظ الأموال أحد الكليات التي اجتمعت الملل عليها. قال ابن رشد في مقدماته، ومثله لابن شعبان، وغيره: ويؤدب فاعله سواء عفا عنه المغصوب منه أم لا!! لئلا يتجرأ على الناس، وما ذكروه هو خلاف نقل المتيطي لا يؤدب إن عفا عنه المغصوب منه فجعل الحق فيه للآدمي، وإن كان الغاصب صغيرا لم يبلغ فقيل: يسقط أدبه لرفع الإثم عنه. وقيل: إنه يؤدب كتأديبه في المكتب وكلاهما حكاه ابن رشد في مقدماته، وغيره ولم يحك ابن الحاجب غير الثاني، ولم يتحقق ابن عبد السلام وجود الأول بل قال: أظن أني وقفت عليه لبعض الشيوخ. قال ابن شعبان: والغصب بين الزوجين وبين الوالد، وولده ثابت لابد من أدبه، وفي اغتصاب الوالد من ولده خلاف، وبهذا أقول: وظاهر كلام الشيخ أن الغاصب يضمن وإن كان صبيا مميزا وهو كذلك باتفاق. وأما غصب الصغير الغير المميز فقيل: كذلك وقيل، لا، كذلك الخلاف في الدم وجمع ابن الحاجب بينهما فذكر ثلاثة أقوال فقال: وأما غير المميز فقيل: المال في ماله

стр. 675

والدية على عاقلته، وقيل: المار هدر كالمجنون، وقيل: كلاهما هدر، واعترضه ابن عبد السلام بأن هذه الطريقة، وإن كانت حسنة في الفقه لكن الروايات لا تساعدها، وإنما تعرضوا للتحديد في هذه المسألة بالسنين فقيل: ابن سنتين، وقيل: ابن سنة ونصف إلى غير ذلك. وأجابة بعض شيوخنا بأنها تساعده، قال ابن رشد في ثاني مسألة في رسم العتق من سماع عيسى من الجنايات: لا خلاف أن الصبي الذي لا يعقل ابن سنة ونصف ونحوها أنه في جنايته في المال، والدماء كالمجنون، وفيها ثلاثة أقوال المذكورة وعزا الثالث لهذه الروايات والصبي قال: والصبي والمميز ضامن المال في ذمته والدماء على حكم الخطأ والمشهور أن الضمان يعتبر حالة الغصب إن فات المغصوب. وقيل: يلزمه أرفع القيم نقله ابن شعبان عن ابن وهب، وأشهب، وعبد الملك قال: لأن عليه رده في كل وقت فمتى لم يرده فهو كغصبه حينئذ قال: وكذلك إذا كانت قيمته خمسين ثم بلغت ألفا ثم عادت إلى خمسين أو هلك فالقيمة عندهم على أرفع القيم. قال اللخمي: فجعلوا له أرفع القيم مع وجود عينه وعدمها وأراه كذلك إن كان المغصوب للتجر لا للقنية، ولقول مطرف، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم وأصبغ، فيمن غصب دارًا فأغلقها أو أرضًا فبورها أو دابة فأوقفها يغرم إجارتها لمنعه ربها إياها. (فإن رد ذلك بحاله فلا شيء عليه وإن تغير في يده فربه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة): ظاهر كلامه وإن تغير في سوقه وهو المشهور وتقدم الآن ما في ذلك. واختلف إذا نقل الغاصب الطعام لغير البلد الذي غصبه فيه ووجده ربه على أربعة أقوال، فقيل: إنما يلزمه مثله في البلد الذي غصبه فيه قال ابن القاسم وقيل: إنه مخير في ذلك بين قيمته وأخذه قاله أشهب وقيل: إن لقيه ببلد بعيد عن بلد غصبه فالأول وإلا فالثاني قاله أصبغ. وقال اللخمي: بعد أن نقل ما تقدم: إن له أخذ الطعام إن كان الغاصب مستغرق الذمة أو لم يكن سعره في بلد الغصب أقل منه في بلد النقل أو قال ربه: ادفع الأقل من نقله وزيادة سوقه. قال ابن الحاجب: ولا خلاف أن الغاصب يمنع منه حتى يتوثق.

стр. 676

قال ابن عبد السلام: هذا صحيح في النظر، ولا يبعد وجود الخلاف فيه أو ما يدل عليه في فروعهم وأظن أني وقفت على ما يقتضي ذلك. قلت: ولم ينقل الشيخ خليل ما ذكره، واعترضه بعض شيوخنا بأن قول وجود الخلاف فيه يقتضي وجود القول عنده؛ لأنه لا يحال بينه وبينه مع عدم التوثق منه، وهذا خلاف الإجماع على منع الحاكم من الحكم بما يقتضي تضييع الأموال على أربابها فتأمله. وفسر خليل التوثق المذكور بأحد أمرين: إما برهن أو بضامن وقبله شيخنا أبو مهدي وهو عندي بعيد بالنسبة إلى الرهن، والصواب: الضامن فقط، والله أعلم. قال الشيخ أبو مهدي، وفي الموازية عن ابن القاسم: لو اتفقا على أن يأخذ منه ثمنا نقدا جاز كبيع طعام القرض قبل قبضه، وقاله أصبغ، وروي ابن القاسم في المجموعة والعتبية: لا يجوز أخذه منها طعامًا يخالفه في جنس أو صفة؛ لأنه طعام بطعام مؤخر. (ولو كان النقص بتعديه خير أيضًا في أخذه وأخذ ما نقصه، وقد اختلف في ذلك): هذه المسألة هي من باب التعدي لا من باب الغصب ويعني أن من خرق ثوبًا مثلاً فأفسده فسادًا كثيرًا أن ربه مخير في أخذه وأخذ ما نقصه أو أخذ القيمة بخلاف اليسير، وهذا قول مالك في المدونة. قال ابن القاسم فيها: وكان مالك يقول: ويغرم ما نقصه، ولم يفصل بين القليل والكثير ونقل غير واحد كابن يونس عن أشهب إنما له أخذ القيمة أو أخذه ناقصًا ولا شيء له معه، وقاله ابن القاسم في أحد قوليه. قال سحنون وفي المدونة إن أفسده يسيرا فلا خيار له وإنما له ما نقصه بعد رفوه. قال ابن حارث: اتفاقًا من ابن القاسم، وأشهب زاد غيره، ومالك قال اللخمي: وليس فيه القضاء بالمثل ولو كان منه ما غرم النقص بعد إصلاحه، وقد تكون قيمة الثوب سالما مائة ومعيبًا تسعين فأجرة رفوة عشرة وتكون قيمته بعد إصلاحه خمسة وتسعين بخسر المتعدي خمسة، وقد لا تزيد إلا صلاح في قيمته معيبًا شيئًا وإنما يلزمه إصلاحه؛ لأن ربه لا يقدر على استعماله إلا بعده، ومثله من حلق رأس محرم كرها بفدي عنه؛ لأنه أدخله في ذلك. واختلف في هذا الأصل هل يغرم الجارح أجرة الطبيب أم لا؟ على قولين الأحسن أنه على الجارح كأنه كالرفو قال ابن يونس: ولو قال قائل السير إنما عليه فيه ما نقصه فقط، لم يبعد؛ لأنه إذا أعطاه ما نقصه دخل فيه الرفق كقولهم فيمن وجد آبقا، وكذلك شاة له جعل مثله، ولا نفقة له؛ لأنها داخلة في تقويم جعل مثله.

стр. 677

قلت: وما ذكرناه قول ابن الحاجب قالوا: بعد رفو الثوب وشعب القصعة وضعف. واعترضه خليل بأنه يوهم تواطؤ أهل المذهب أو أكثرهم عليه، وإنما نقله ابن يونس عن بعض الأصحاب، ونحوه. قال ابن عبد السلام: وإنما حكاه بعض الشيوخ وأنكره غيره، وقال ظاهر نصوصهم لا يلزم رفو الثوب ولا شعب القصعة ولعل هذا وما في معناه هو ما أراد بقوله: وضعف. (ولا غلة للغاصب ويرد ما أكل من غلة أو انتفع بها، وعليه الحد إن وطئ ولده رقيق لرب الأمة): قال ابن رشد في المقدمات: تحصيل اختلافهم في الغلة بعد اجتماعهم على أن ما هلك ببينة لا ضمان على الغاصب فيه، وأنه لا يقبل دعواه التلف، وإن كان مما لا يغاب عليه على ثلاثة أقسام قسم على خلقه الأصول كالولد، وفي إطلاق الغلة عليه نظر فلا خلاف عندهم أن عليه رده مع الأم إن كانت قائمة، وإن ماتت خير بين الولد وقيمة الأم. قلت: وخرج الشيخ ابن القاسم السيوري: أن الولد غلة وهو للغاصب من قول مالك في المدونة في كتاب الرد بالعيب فيمن رد أمة ابتاعها بعيب فقد زوجها فولدت يجبر نقص النكاح بالولد كما يجبر بزيادة قيمتها، والنكاح ثابت. قال المازري: ورد بوجهين: أحدهما: لو كان غلة ما جبر به العيب؛ لأن الولد غير عين وقيمة العيب، إنما هي عين والجبر فيه يوجب كونه كعضو منها. الثاني: أنه يجبرها وإن زاد على أرش العيب ولو كان كما قال لما جبر به مع الزيادة. قال ابن رشد: وما كان متولدا على غير خلقة الأصول كالصوف واللبن ففيه قولان، وأما ما كان غير متولد كالأكرية والجراحات ففي ذلك خمسة أقوال ولم يعزها، وما ذكر من العزر هو للمغربي، فقيل: يرد ذلك قاله مطرف، وابن الماجشون، وأشهب وابن عبد الحكم، وأصبغ، وعكسه قاله مالك، وقيل: يرد إن اكتري ولا يلزمه إن انتفع أو عطل رواه أبو الفرج. وقيل: يلزمه إن أكرى أو انتفع، ولا يلزمه إن عطل قاله مطرف، وقيل: يرد غلة الأصول دون الحيوان قاله ابن القاسم.

стр. 678

قلت: وأقام المغربي من قول المدونة من أنه إذا عطل لا شيء عليه على ما نص عليه في الواضحة من وكل على ربع فتركه ولم يكره فلا شيء عليه، قال: ويتخرج من قول مطرف ومن ذكر أنه يضمن. قلت: ويرد بأن الغاصب أشد، وقبل شيخنا أبو مهدي ما نص عليه ابن سهل أن الوصي إذا بور ربع اليتيم؛ أنه ضامن وهو الصواب، ولا يتخرج في الوكيل؛ لأن الموكل قادر على أن يكري بنفسه أو يوكل غيره وبخلاف الموصى عليه والله أعلم. (ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه): قال اللخمي: واختلف في ربح الغاصب على ثلاثة أقوال: فقيل له سواء كان موسرا أم لا قاله مالك وابن القاسم. وقيل له: إن كان موسرا قاله ابن حبيب، وابن مسلمة في الولي يتجر في مال يتيمه لنفسه. قلت: ويرد بأن الغاصب أشد، وقيل: للمغصوب منه بقدر ما ربح في ذلك المال لو بقي في يده، وما زاد عليه للغاصب، وذكره ابن سحنون فيمن شهد بدين حال أن صاحبه أخر الغريم به سنة ثم رجع عن الشهادة بعد محل الأجل. قال التادلى: وقول الشيخ: ولا يطيب أي لا يحل اختلاطه بالمحرم وحمل عبد الوهاب على الكراهة قائلاً: لأن الشيء المعصوب في ذمته فكان الربح بحكم الشرع؛ لأنه مكروه؛ لأنه نشأ عن مال لم تطب نفس مالكه بتقبله فإذا رد رأس المال على ربه ساغ له. (ولو تصدق بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك، وفي باب الاقضية شيء من هذا المعني): كلام الشيخ دل على قولين: أحدهما: إذا رد رأس المال على ربه؛ أنه يطيب له الربح، ولا يستحب له الصدقة به، وإلى هذا أشار بقوله: ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه. الثاني: أنه يستحب له الصدقة به ولهذا أشار بقوله: ولو تصدق بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك وعرضت هذا على شيخنا أبي مهدي ﵀ فاستحسنه وقال به.

стр. 679

باب في أحكام الدماء والحدود قال ابن رشد: قتل المسلم عمدًا عدوانا كبيرة ليس بعد الشرك أعظم منه وفي قبول التوبة منه وإنفاذ وعيده مذهبان للصحابة رضوان الله عليهم، وإلى الثاني ذهب ملك لقوله: لا تجوز إمامته. قلت: قال بعض شيوخنا: لا يلزم منه عدم قبول توبته لعدم علم رفع سابق جرأته وقبول توبته أمر باطن وموجب منصب الإمامة أمر ظاهر. قال ابن رشد في سماع عيسى من قول مالك: ليكثر العمل الصالح، والصدقة والحج والجهاد ويلزم الثغور من تعذر القود منه دليل على الرجاء عنده في قبول توبته خلاف قوله: لا تجوز إمامته. قال: والقول بتخليده خلاف السنة، ومن توبته عرض نفسه على ولي المقتول قودا أودية وفي كون القود منه كفارة له أم لا؟ مذهبان وجه الثاني أنه لا نفع فيه للقتيل بل لوليه قال غيره، ونقل الأصوليون إجماع الملل على حفظ الأديان والعقول والنفوس والأعراض والأموال، وذكر بعضهم الأنساب عرض الأموال واستشكل الفاكهاني قول مجاهد جعل الله جزاء من قتل نفسًا مؤمنة بغير حق جهنم وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا فول قتل جميع الخلق لم يزد من عذاب الله على ذلك؛ لأن الإثم على قدر عظم المفسدة هذا أصل الشريعة والمستقرأ من أحكامها. (ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة أو اعتراف أو بالقسامة إذا وجبت يقسم الولاة خمسين يمينا، ويستحقون الدم): مذهب مالك أن القود يجب بالقسامة، وبه قال ابن أبي ذئب، وابن حنبل وداود، وروى ذلك عن عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين. وقال إسحاق بن راهويه: من قال القود في القسامة لم يبعد، وأما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لا يقاد بالقسامة وإنما تجب بها الدية وإليك النظر في بقية اختلاف العلماء في ذلك. (ولا يحلف في العمد أقل من رجلين): ما ذكره هو قول مالك لظاهر قوله ﵊: " أتحلفون خمسين

стр. 680

يمينا وتستحقون دم صاحبكم" فأتى بصيغة الجمع، وأقل الجمع عندنا اثنان ومن أهل العلم من قال: لا يحلف أقل من ثلاثة رعيا للصيغة، وأقلها عنده ثلاثة، ومنهم من قال: يحلف واحد وحمل الكلام على مجازه، وهو بعيد. وعبر التادلى عن هذين القولين بلفظة قيل، وذلك يوهم أنها في المذهب وليس كذلك ويشترط في الحالفين أن يكونا عصبة اتباعا لقضية الأنصار فإن لم يكونا فالموالي فإن لم يكونا ردت اليمين. (ولا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد): ما ذكره هو قول الموطأ لا نعلم قسامة كانت قط إلا على واحد. وقال المغيرة: يقسم على جماعة في العمد، ويقتلون كما يقتلون بالشهادة القاطعة قال: وكذلك كان في الزمان الأولى إلى زمان معاوية وعلى ﵄. وفي المجموعة وكتاب ابن المواز عن ابن القاسم في قوم وجب لهم دم رجل بقسامة فقدم للقتل فأرادوا قتله فأقر غيره أنه قتله قال: إن شاءوا قتلوا المقر بإقراره وإن شاءوا قتلوا الأول بالقسامة ولا يقتلون إلا واحدًا منهما، وهذا نحو ما قال مالك وإذا فرعنا عليه، وكان المدعي عليه جماعة، ففي ذلك ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم في المجموعة: إنهم لا يقسمون إلا على واحد بعينه. وقال أشهب: هم بالخيار أن يقسموا على واحد كما قال ابن القاسم أو يقسموا على اثنين أو على الجميع فإذا أقسموا عليهم اختاروا واحدًا منهم فقتلوه وكلامهما نقله ابن يونس والباجي، ولابن حارث عن سحنون: إن كان الضرب واحدًا كاحتمالهم صخره حلفوا على جميعهم كالخطأ وإن افترق الضرب كما إذا ضربه واحد على الرأس وآخر على البطن وآخر على الظهر لم يحلفوا إلا على واحد وعزا الفاكهاني هذا القول لنقل مكي بن أبي طالب في تذكرته وهو قصور. (وإنما تجب القسامة بقول الميت دمي عند فلان أو بشاهد على القتل أو بشاهدين على الجرح ثم يعيش بعد ذلك ويأكل ويشرب): ما ذكر أنه يقتل بقول الميت دمي عند فلان هو قول مالك. قال ابن رشد: وتابعه على قوله أصحابه والليث بن سعد، والجمهور على

стр. 681

خلافه. قلت: وفي اختصار الحريري، وقال عبد الرحمن بن أحمد بن مخلد: إنه توقف عن القول في التدمية ففهم منه بعض شيوخنا أنه قال بلغوها كقول المخالف، وسمعت شيخنا أبا مهدي ﵀ يقول: هذه إحدى المسائل التى حلف فيها بالمشي إلى مكة أبو القاسم السيوري أن لا يفتي فيها بمذهب مالك، وكذلك وقف فيها اللؤلؤي ولم يفت به. قلت: واحتج مالك على قوله بقوله تعالى: (فقلنا اضربوه ببعضها) [البقرة: ٧٣] الآية. قال ابن العربي: في أحكام القرآن فإن قيل: كان ذلك آية ومعجزة لموسى ﵇، قلنا: الآية، والمعجزة إنما كانا في إحياء الميت فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الآدميين كلهم في القبول والرد، وهذا دقيق من العلم لا يتفطن له إلا مالك، فإن قيل: إنما قتله موسي بالآية. قلنا: أليس في القرآن آية إنه إذا أخبر وجب صدقة فلعله أمرهم بالقسامة معه أو صدقه جبريل ﵇، وكما قتل النبي ﷺ الحارث بن سويد. وظاهر كلام الشيخ: ولو كان المدعي عليه القتل ورعا عدلا والمدعي مسخوطًا، وهو كذلك على المشهور، وقال ابن عبد الحكم: صواب. قال: واختلف إذا قال ذلك على عدوه وفيه شبهة فيصح أن يقبل قوله؛ لأن عدو الإنسان يصح أن يفعل به ذلك، ويصح أن لا يقبل لتهمة إذا نزل به ذلك أنه يرميه بدعواه عليه ليشتفي منه، وظاهره أيضًا أنه لا فرق بين كون المدعي امرأة على زوجها أم لا، وهو ظاهر المذهب. ومن الشيوخ من أخرج دعواها عليه لما شرع له من أدبها وربما أدى ذلك إلى قتلها نقله ابن هشام وابن عات عن ابن أبي زمنين عن الشعباني عن ابن مزين قائلاً: هو الذي تعلمناه من شيوخنا. وظاهر كلامه أنه لا فرق بين أن يكون هناك أثر ضرب أم لا، وهو كذلك عند أصبغ خلافًا لابن كنانة، واختاره ابن رشد، وغيره. وبالثاني: العمل، واختلف إذا قال الابن: إن أبي قتلني مثلاً فالأكثر أنه لا يقتل به، وقال أشهب: يقتل به. واختلف قول مالك في أعمال قول دمي عند فلان خطأ، ويريد الشيخ أن الشاهد الواحد على القتل لابد من عدالته، وهو المشهور، وقيل: لا يشترط.

стр. 682

واعلم أنه إذا تعدد اللوث فلابد من القسامة كما لو شهد شاهد على الموت، وقال المقتول دمي عند فلان. (وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعي عليهم خمسين يمينا فإن لم يجد من يحلف من ولاته معه غير المدعي عليه وحده حلف الخمسين يمينا): اعلم أنه اختلف المذهب إذا نكل ولاة الدم، وكانت القسامة وجبت بقول المقتول أو بشاهد على القتل على ثلاثة أقوال حكاها ابن رشد في المقدمات: أحدها: أن الأيمان ترد على المدعي عليه فيحلف أو يحلف عنه رجلان فأكثر من ولاته خمسين يمينا إن أطاعوا بذلك، ولا يحلف هو معهم قاله ابن القاسم. والثاني: أن المتهم يحلف معهم قاله ابن القاسم أيضًا. والثالث: لا يحلف إلا المدعى عليه وحده، وليس له أن يستعين بأحد قاله مطرف. قلت: وذكر ابن حارث قول مطرف رواية له ونقلة الشيخ أبو محمد قولاً له ورواية وإن وجبت القسامة بشاهدين على الجرح ففي رد الأيمان على القاتل قولان: أحدهما: أنها ترد على المدعي عليه، فيحلف ما مات من ضربي فإن نكل سجن حتى يحلف ولو حلف ضرب مائة وسجن عامًا، وإن أقر قتل قاله ابن القاسم، وابن الماجشون. والقول الثاني: أن الأيمان لا ترد على القاتل ولا يحلف؛ لأن يمينه حينئذ غموس فعلى هذا إن أقر لم يقتل وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم وأصبغ. قال اللخمي: واختلف إن نكل المدعي عليه عن الأيمان ففي المدونة يحبس حتى يحلف. وقال أشهب: عليه الدية وأرى أن يخير الأولياء في حبسه أبدًا حتى يحلف أو أخذهم الدية. (ولو ادعى القتل على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا، ويحلف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلاً خمسين يمينا): لأن كل واحد من الجماعة مدعي عليه فلا يبرأ إلا بالخمسين. واختلف إذا كان المدعى عليهم أكثر من خمسين هل يحلفون كلهم أو إنما يحلف خمسون رجلاً منهم. (وإن كانوا أقل قسمت عليهم الأيمان): يعني: إذا كان اثنان فإنه يحلف كل واحد منهما خمسًا وعشرين يمينا فإن أطاع

стр. 683

أحدهما أن يحلف أكثر الأيمان لم يجز ذلك قاله ابن رشد في مقدماته ولم يعزه وعزاه غيره لنقل أبي محمد عن ابن القاسم في الموازية. قال ابن رشد: فإن كانوا أكثر من ذلك إلى الخمسين وتشاحوا مع تساويهم في العدد قسمت بينهم على عددهم فلو وقع كسر كما لو كانوا عشرين فيحلف كل واحد منهم يمينين يمينين ثم لا سبيل لهم إلى القتل إلا أن يحلف العشرة منهم العشرة الإيمان الباقية فإن أبي جميعهم من حلفها بطل الدم كنكولهم. واختلف إذا طاع اثنان بحلف الخمسين فقال ابن القاسم: ذلك جائز، ولم يجزه المغيرة وأشهب وابن الماجشون، وأما لو كانوا أكثر من خمسين فإنه يجتزأ منهم بخمسين باتفاق عند الأكثر، وقد رأيت لابن الماجشون في كتاب مجهول أنه لابد أن يحلف كل واحد منهم يميناً يمينًا وإلا لم يستحق الدم. (ولا تحلف امرأة في العمد): ما ذكر مثله في الموطأ والمدونة قال الفاكهاني: وقيل: تحلف. (ويحلف الورثة في الخطأ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة): ما ذكر من أنه يحلف واحد منهم على قدر ميراثه هو متفق عليه؛ لأن الأيمان سبب لحصول الدية لهم فيجب توزيع الأيمان كما توزع الدية. (وإن انكسرت يمين عليهم حلفها أكثرهم نصيبًا منها وإذا حضر بعض ورثة الخطأ لم يكن له بد أن يحلف جميع الأيمان ثم يحلف من يأتي بعده بقدر نصيبه من الميراث):

стр. 684

يعني كما لو كان الوارث ابنا وبنتا فإنها إنما تحلفها البنت مراعاة للتبعية والمتبوعية، والضمير المجرور في قوله منها عائد على اليمين المذكورة وتردد التادلي هل هو كذلك أو عائد على الدية، وهو بعيد. وما ذكر الشيخ هو كذلك في القول المشهور ومثله قول المدونة إن لزم واحدًا نصف اليمين ولزم آخر ثلثها وآخر سدسها يحلفها صاحب النصف وصورتها بنت وزوج وأم عاصب. وقيل: إنما يحلفها صاحب الأكثر من عدد الأيمان لا من عدد اليمين المنكسرة حكاه ابن رشد، ولم يعزه وعزاه غيره للموطأ من رواية يحيى. وقيل: على كل واحد منهم يمين مستقلة نقلة ابن الحاجب ومثله في الكافي لابن عبد البر، وقال ابن حارث: واتفقوا على أنها لا تجبر على كل واحد منهم فتصير الأيمان أكثر من خمسين، وهذا يقتضي نفي الثالث. قال ابن رشد: واختلف إذا انكسرت اليمين بأجراء متساوية مثل ما لو كان الورثة ثلاث إخوة لوجب على كل واحد منهم ستة عشر يمينا وثلثا بيمين فقال ابن القاسم، يجبر على كل واحد منهم الكسر الذي صار إلى حظه فيحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا. وقال أشهب: يحلف كل واحد منهم ستة عشر يمينا، ويقال لهم: عينوا اثنين منكم يحلفان يمينين فإن تشاحوا فيمن يحلف ما بقي فرأيت لابن كنانة: لايجبر الإمام منهم أحدًا، ويقال لهم: لا تأخذوا شيئًا إلا أن تحلفوا بقية الأيمان ويشبه أن يقول

стр. 685

أشهب مثل هذا أو يقرع بينهم فيها. وقاله بعض أهل النظر وقاسه على قول ابن القاسم، ولا يصح إلا على قول أشهب. (ويحلفون في القسامة قيامًا): ما ذكر هو المشهور، ونقل مكي في تذكرته عن ابن الماجشون أنهم يحلفون قعودا ولا خصوصية للحلف قيامًا في القسامة بل وكذلك كل الحقوق المالية على المشهور ونص الشيخ على ذلك بعد قوله: ويحلف قائمًا. وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يعتبر في أيمان القسامة زمن معين وهو كذلك. وقيل: إنه تقع الأيمان بعد صلاة العصر يوم الجمعة ذكره ابن رشد واختلف في الذي يحلف به على أربعة أقوال: فقيل: يقول: بالله الذي لا إله إلا هو. والثاني: يقول معه الذي أمات وأحيا. والثالث: يقول معه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم. والرابع: لا يزيد فيها الرحمن الرحيم، وذكر ابن رشد أن العمل مضى عندهم مع كون اليمين بعد صلاة العصر من يوم الجمعة كما تقدم. (ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعمالها للقسامة): لأن ذلك أيضًا أهول وأخوف على الحالف وأردع. (ولا يجلب في غيرها إلا من الأميال اليسيرة): قال التادلي: واختلف في الأميال اليسيرة، فقال ثلاثة أميال. وقيل: بريد، وقيل: عشرة أميال. (ولا قسامة في جرح ولا في عبد ولا بين أهل الكتاب، ولا في قتيل بين الصفين أو وجد في محلة قوم): ما ذكر من أنه لا قسامة في الجرح هو نص المدونة، وما ذكر أنه لا قسامة في عبد هو كذلك؛ لأنه مال. قال ابن زرقون: ولو قال العبد دمي عند فلان ففيه أربعة أقوال: يحلف المدعى عليه خمسين يمينا ويبرأ قال أشهب: ويضرب مائة ويسجن فإن كل حلف السيد يمينا واحدًا ويستحق قيمة عبده مع الضرب والسجن. وقال ابن القاسم: ويحلف المدعي عليه يمينا واحدة ولا قيمة عليه ولا ضرب ولا سجن فإن نكل ضرب وسجن وغرم القيمة. وروى أشهب عن مالك مثل قوله إلا أن مالكًا قال: إذا حلف المدعى عليه

стр. 686

الأيمان لم يضرب، ولم يسجن، وقال أصبغ: يحلف المدعى عليه خمسين يمينا فإن حلف برئ، وإن نكل لم يلزمه شيء لا قيمة ولا ضرب ولا سجن، وأما إذا أقام السيد شاهدا على أحد أنه قتل عبده حلف السيد يمينا واحدة وأخذ قيمته ويجلد مائة ويسجن عامًا قاله ابن القاسم، وأشهب، وفي المدونة قال مالك في نصراني قام على قتله شاهد واحد مسلم يحلف، ولأنه يمينا واحدة ويستحقون الدية على قاتله مسلمًا كان أو نصرانيا ومثله في رسم أوصى من سماع عيسى من الجنايات وسماع أشهب في الديات. قال ابن رشد: وقيل: دم النصراني لا يستحق بالشاهد واليمين، وهو قول أشهب وظاهر سماع يحيى في الديات وفيه قول ثالث، وهو أن يحلف أولياؤه مع شاهدهم خمسين يمينا ويستحقون ديته، وهو قول المغيرة لمالك في المدونة من رواية محمد بن يحيى السبائي أنه يستحق بغير يمين. قلت: وحكى ابن زرقون فيها وفيما إذا قال الذمي: دمي عند فلان أربعة أقوال فذكر ما تقدم عن المدونة في المسألتين، وعزاه لنقل ابن حبيب عن ابن القاسم، وقول المغيرة على فرض ما حكاه ابن رشد في مسألة الشاهد وعزاه لنقله قال: وهو غريب، وقيل: يحلف المدعى عليه خمسين يمينا ويبرأ قاله مالك، وأشهب وابن عبد الحكم. وقيل: إن لم يكن إلا قول الذمي دمي عند فلان فلا قسامة فيه، وفي مسألة الشاهد فيحلف ولاته يمينا واحدة ويأخذون الدية ويضرب مائة ويسجن سنة قاله ابن القاسم في المدونة. قال الفاكهاني: انظر قول الشيخ ولا بين أهل الكتاب هل المعنى إذا كان المقتول ذميا، والقاتل مسلماً أو المعنى لا قسامة بينهم إذا تحاكموا إلينا فلا نوجبها عليهم وكلاهما قد قيل. ورجح بعضهم القول الأول لقوله: ولا في عبد، وما ذكر أنه لا قسامة في القتيل بين الصفين هو قول مالك في المدونة ورجع إليه ابن القاسم بعد أن أخذ بقوله في الموطأ بثبوتها قيل لابن القاسم في العتبية فإن كان القتيل الذي وجد بين الصفين إنما كانوا يقتلون على تأويل، قال: ليس على الذين قتلوه قتل، وإن عرفوا قيل: له فديته هل عليهم منها شيء؟ قال: لما سقط القتل سقطت الدية، وليس أهل التأويل كغيرهم، وروي معناه عن مالك، قال القاضي أبو الوليد بن رشد: ومن أهل العلم من يري أنه يقاد من صاحب التأويل ويقتص، وهو قول أصبغ وعطاء والخلاف في القصاص منه مطلقًا سواء تاب أو أخذ قبل أن يتوب ولا يقام عليه حد الحرابة وإن أخذ قبل أن

стр. 687

يتوب ولا يؤخذ منه ما أخذ من مال وإن كان موسرا إلا أن يوجد شيء بعينه بيده فإنه يرد إلى ربه. واختلف إذا شهدت البينة أنه قتل ودخل في جماعة فقيل: لا شيء عليهم قاله سحنون وقيل: يستحلف كل واحد منهم خمسين يمينا ويغرمون الدية بلا قسامة قاله ابن القاسم في العتبية، وما ذكر أنه لا قسامة فيما إذا وجد في محلة قوم هو المعروف في المذهب بالإطلاق. وقال ابن رشد في مقدماته: إنه لوث إذا وقع الأمر فيه على الصورة التي وقعت بخيبر للأنصار وذهبت طائفة من العراقيين خارج المذهب إلى أنه لوث بالإطلاق. وكذلك قال بعض العلماء في الذي يموت في ازدحام الناس في الأعياد وغيرها: إن ديته على جميع الناس من ذلك، وتأول ابن يونس قول المدونة إذا وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم لا يدرون من قتله لم يؤخذ به أحد بأن معناه إن لم يكن معه أحد، ولو وجد في دار ومعه رجل وعليه أثر قتله لقتل به مع القسامة. (وقتل الغيلة لا عفو فيه): ظاهره وإن كان المقتول كافرًا أو القاتل له مسلم، وهو كذلك نص عليه في المدونة قال فيها: لا يتقل مسلم بكافر إلا أن يقتله قتل غيلة. قال بعض شيوخنا: والاستثناء منقطع؛ لأن بالحرابة قتل لأن الغيلة حرابة، ولذا قال فيها: إن قطع يديه ورجليه غيلة حكم عليه بحكم المحارب. قلت: ويجري فيه قول أبي مصعب أن الإمام مخير في المحارب إن قتل كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال الفاكهاني عن أهل اللغة: قتل الغيلة هو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع خفي فإذا صار فيه قتله فهذا يقتل، ولا عفو فيه؛ لأنه حق الله وكل حق تعلق به حق الله فلا عفو فيه كالزنى، ونحوه. واعترضه بأنه لا يختص حق الله تعالى بقتل الغيلة حتى يكون عله لما ذكر إذا لا حق من الحقوق للعبد إلا ولله فيه حق، وهو إيصال الحق إلى مستحقه فانظر العله في ذلك. ونقل عن بعض أصحابنا وأظنه البوني رحمه الله تعالى أنه اشترط في ذلك أن يكون القتل على مال، وأما الثائرة، وهي العداوة بينهما يجوز العفو فيه. قلت: ما ظنه عن البوني مثله نقل الباجي عن العتبية والموازية قال: قتل الغيلة حرابة، وهو قتل الرجل خفية لأخذ ماله، وقال: ومن أصحابنا من يقول هو القتل على

стр. 688

وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ، وقبله ابن زرقون فالعجب من الشيخ ﵀. (ولرجل العفو عن دمه العمد إن لم يكن قتل غيلة وعفوه عن الخطأ في ثلثه): اعلم أنه اختلف المذهب إذا قال رجل لرجل: إن قتلتني فقد وهبت لك دمي، وهذا الخلاف حكاه سحنون عن أصحابنا قال: وأحسن ما رأيت في ذلك أنه يقتل القاتل؛ لأن المقتول عفا عن شيء لم يجب له، وإنما يجب للأولياء، ولا يشبه هنا من أنفذت مقاتله. وقال: وأشهدكم أني قد عفوت عنه فقيل: فلو أنه قال له: اقطع يدي فقطعها قال: لا شيء عليه؛ لأن هذا جرح لا نفس، وذكر ابن رشد قولاً ثالثًا في مسألة القتل أنه لا يقتل به بل تكون الدية في ماله قال: وهو أظهر الأقوال. (وإن عفا أحد البنين فلا قتل، ولمن بقي نصيبهم من الدية ولا عفو للبنات مع البنين): اعلم أنه إذا عفا بعض البنين فإنه يسقط نصيب العافي وحده؛ لأن الحق المشترك بين جماعة لا يسقط جميعه بإسقاط بعض الشركاء له وإلا لما كان للشركة فائدة، وهذا إذا بقي بعض العصبة، وأما إذا عفا البنون وثم بنات فإنه يسقط حق البنات من الدية وكذلك الأخوات مع الأخوة، قاله ابن القاسم، وأشهب. وروى أشهب عن مالك أن حق الإناث باق وقال ابن المواز، وبالقول الأول قال: من أدركناه من أصحاب مالك، وهو أصله في موطئه، قال الباجي: وهذا إذا عفا الرجال في فور واحد فأما إن عفا أحدهم ثم بلغ الآخر فعفا فلا يضر ذلك من كان معهما من أخت أو غيرها؛ لأنه مال ثبت بعفو الأول قاله محمد. (ومن عفي عنه في العمد ضرب مائة وحبس عامًا): ظاهر كلامه وإن كان رقيقًا أو امرأة وهو كذلك قاله في المدونة. وقيل: إن الضرب والسجن ساقطان عنهما حكاه ابن عبد السلام مفسرا به قول ابن الحاجب، ومن عفي عنه ضرب مائة وحبس عامًان وإن كان رقيقًا أو امرأة على الأشهر والذي أعرفه للباجي رحمه الله تعالى قولين: أحدهما: مثل ما في المدونة. والثاني لأصبغ في الموازية: لا حبس على عبد ولا على امرأة ويجلدان قاله

стр. 689

المغيرة، وخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قتل عبده متعمدًا فجلده النبي ﷺ مائة جلدة ونفاه سنة ومحا اسمه من المسلمين ولم يغربه وأمره أن يعتق رقبة قال عبد الحق في سنده إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف في غير الشاميين، وهذا الإسناد حجازي، رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي قرة عن إبراهيم عن عبد الله بن جبير عن أبيه عن على عن النبي ﷺ ولم يذكر رقبة وإسحاق بن أبي قرة متروك وذكر حديثه أيضًا الدارقطني ولا يصح في هذا شيء، وتعقب ابن القطان قوله هذا في الإسناد حجازي فإنه شامي بأنه في إسناد الدارقطني حدثنا إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الحديث، وجعل أهل المذهب هذا الحديث أصلاً في قاتل العمد إذا تعذر القصاص منه لموجب ما ولو وجبت القسامة للأولياء فنكلوا فحلف المدعى عليه. فقال ابن المواز على المدعى عليه الجلد، والسجن، ولم يخالف فيه إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: إذا نكلوا فلا جلد، ولا سجن، والأكثر على تعميم هذا الحكم في كل مقتول واختاره ابن حبيب ورواه عن مالك إنما ذلك في المسلم عبدًا كان أو حرًا وأما غير المسلم فإنما لم يجب فيه إلا الأدب المؤلم. وقال أشهب: إن شاء بدأ بالجلد أو بالحبس وذلك واسع وظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم في العتبية أنه يبدأ بالجلد؛ لأنه قال: يأتنف حبس سنة من يوم جلد، ولا يحتسب بما مضى، ولم يذكر ابن رشد غير ما في السماع وحفظ الباجي قول أشهب. (والدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم): في الموطأ أن عمر بن الخطاب ﵁ قول الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. وروى أهل العراق أن عمر وضع الديات فوضع على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألف شاة، وعلى أهل الحلل ألف حلة. وروي مثله مرسلا إلا أنه لم يذكر الدراهم، وهو قول عطاء والزهري وفقهاء المدينة السبعة وغيرهم.

стр. 690

قال مالك: أهل البادية وأهل العمود أهل الإبل. قال الباجي: لا خلاف في ذلك، وأما أهل مكة فقال إصبع في العتبية: هم أهل الذهب. وقال أشهب: أهل الحجاز أهل إبل، وأهل مكة منهم، وأهل المدينة أهل الذهب، وفي الموازية عن مالك أهل الشام، وأهل مصر أهل الذهب. وقال ابن حبيب: وكذلك أهل مكة، والمدينة، وقال أصبغ: هم اليوم أهل الذهب، وقال ابن الحاجب: أهل المغرب أهل الذهب. وقال ابن حبيب: أهل الأندلس أهل ورق وأشار أصبغ في قوله: أهل مكة وأهل المدينة هم اليوم أهل الذهب إلى أن المعتبر في كل جهة الزمان الذي تجب الدية فيه، وهو اختيار القاضي الباجي رحمه الله تعالى. (ودية العمد إذا قبلت خمس وعشرون حقة وخمسة وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنت ليون وخمس وعشرون بنت مخاض): اختلف المذهب في الواجب في العمد فقال أشهب: يخير الولي في القصاص أو الدية وروى ابن القاسم تعيين القود فعلى رواية أشهب تعيين دية العمد لا إشكال فيها، وأما على رواية ابن القاسم فالقياس أن يقال لا يجب فيها إلا ما اصطلحوا عليه كما حكي عن أبي حنيفة، قاله ابن عبد السلام. وظاهر كلام الشيخ سواء وقع النص على الدية بالتعيين أو بالإبهام. قال الباجي: وهو المشهور عن مالك في الموازية إن اصطلحوا على شيء فهو ذلك، وإن اصطلحوا على دية مبهمة أو عفا بعض الأولياء رجع الأمر إلى دية مثل دية الخطأ. (ودية الخطأ مخمسة عشرون من كل ما ذكرنا وعشرون ابن لبون ذكرا) قال ابن عبد السلام: الأحاديث في الخطأ مختلفة لم تقع بشرط الصحة فيما قد علمت فخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعشرون ابن لبون". قالوا: إسناده ضعيف وخرج أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قضى فيمن قتل خطأ بمائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشرون ابن لبون ذكروًا.

стр. 691

(وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة فيقتله فلا يقتل به ويكون عليه ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وقيل ذلك على عاقلته، وقيل ذلك في ماله): دل كلام الشيخ من باب أحرى أن الأم كالأب فلا تقتل؛ لأنه لم يقتل الأب إذا قتل أبنه لما طبع عليه من الحنانة والشفقة وبالإذن له في التأديب فالأم أحرى، وهذا ما لم تكن قرينة تدل على أ، هـ أراد قتله حقيقة فإن كانت فإنه يقتل به على المشهور خلافًا لأشهب وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما، وذلك إذا ذبحه أو شق جوفه وما أشبه ذلك. وذكر الشيخ في ذكر كون الدية على من تكون؟ على ثلاثة أقوال: فقيل: إنها تكون على الأب يعني في ذمته فإن كان له مال الآن أخذه منه، وإلا انتظر يسره. الثاني: أنها على العاقلة. الثالث: أنها تكون في ماله إن كان وإن لم يكون فعلى عاقلته وإليه أشار الشيخ بقوله وقيل ذلك في ماله. والثاني لمالك واللخمي وعزا ابن رشد الثالث لمطرف وابن حبيب لا غير ويريد الشيخ أنها حالة، قال ابن زرقون: لا خلاف أنها في مال الجاني حالة. قلت: وقال ابن عبد السلام: لا يبعد وجود قول بأنها منجمة في مال الجاني إذا اختلف في تنجيم دية العمد مع كونها في مال الجاني. قال اللخمي: قال عبد الملك هي على العاقلة معجلة، ولابن القاسم في الواضحة هي عليها منجمة ثم رجع لقول المدونة، وهو أحسن، والمشهور أنها تغلظ على أهل الذهب والورق، وقيل: لا تغلظ عزاه اللخمي لأول قول مالك في الموازية، ولم يعزه ابن رشد إلا لنقل عبد الوهاب وعزاه الباجي لرواية سحنون وابن عبد الحكم، وفي كيفية التغليظ خلاف شهير في المذهب، وكذلك اختلف هل تغظ الجراح أم لا؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن زرقون فروى ابن عبد الحكم: لا تغلظ فيها وقال مالك في المدون والمبسوط: تغلظ في الجراح كلها، وفرق عبد الملك وسحنون بين ما يقتص منه في العمد وما لا يقتص منه. (ودية المرأة على النصف من دية الرجل): هو كذلك في كتابه ﷺ لعمرو بن حزم. (وكذلك دية الكتابيين ونساؤهم على النصف من ذلك):

стр. 692

ما ذكر هو المذهب وقال أبو حنيفة: دية الكتابي مثل دية المسلم، وقال الشافعي: ديته مثل دية المسلم، ونقل الفاكهاني عنه مصل قول أبي حنيفة ﵁، واحتج أبو حنيفة بما رواه الدارقطني عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه ودي ذميا دية مسلم، وأجيب بأن في إسناده من هو متروك وفي مراسيل أبي داود قال: قال رسول الله ﷺ : " دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار" واحتج أصحابنا بما خرجه النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى" وعنه أن رسول الله ﷺ قال: " عقل الكافر نصف عقل المؤمن". (والمجوسي ديته ثمانمائة درهم ونساؤهم على النصف من ذلك ودية جراحهم كذلك): ما ذكر الشيخ هو قولنا وقول الشافعي، وقال أبو حنيفة ﵁: دية المجوسي مثل دية الحر المسلم. واختلف المذهب في دية المرتد على ثلاثة أقوال: فقيل: كدية المجوسي قال ابن القاسم وأشهب وأصبغ، في كتاب ابن سحنون وقيل: كدية من ارتد إليه ورواه سحنون عن أشهب وكلاهما حكاه الباجي، وقيل: لا شيء فيه حكاه ابن رشد في مقدماته، ولم يعزه كالأولين وعزاه في البيان لأشهب، وسحنون. قال ابن عبد السلام: وهو الظاهر سواء قلنا بوجوب الاستنابة أو باستحبابها غير أنه إذا قيل بوجوبها فقد يظهر لوجوب الدية وجه، وهذه المسألة تشبه قتل الكافر إذا قتل قبل الدعوة هل تكون فيه الدية أم لا؟ قلت في تعليق الطرطوشي: من لم تبلغه الدعوة بحال كمن هو في جزيرة إن قتل لا يضمن ومن قول مالك إن أقام مسلم بدار الحرب مع القدرة على خروجه لا دية فيه. (وفي اليدين الدية وكذلك في الرجلين أو العينين وفي كل واحد منهما نصفها): يريد أن الدية كاملة في مجموع اليدين سواء قطعت الأصابع خاصة أو قطعت من

стр. 693

الكف أو مع الذراع أو قطعت اليدان من المنكب، وهذا الذي قلناه هو قول مالك من رواية أشهب مستدلاً باستكمال دية الذكر بقطع الحشفة فتكون ديته كدية قطعه من أصله ولو قطع كفه وليس فيها إلا إصبع واحد فله دية الإصبع، واستحسن ابن القاسم في كف حكومة. وقال أشهب: لا شيء له في الكف ما بقي له شيء فيه دية، واتفقوا إذا بقي الكف خاصة ففيها حكومة وإنه إذا لم يذهب إلا إصبع واحد لا شيء له فيها ما بقي من الكف. واختلفوا فيما بين ذلك فجعل ابن القاسم الإصبع قليلاً كما لو لم يبق فيها شيء وجعل أشهب وجودها مانعا من أخذ الحكومة ووافقه على ذلك سحنون قاله ابن القاسم في الإصبعين وجعل عبد الملك الثلاثة من حيز القليل فله في الكف عنده بحساب ما ذهب من الأصابع. وقال المغيرة: إذا ذهب منها إصبعان ثم قطع بعد فإن أخذ في الإصبعين عقلا وقودا فله عقل ثلاثة أصابع ولا حكومة له، وما ذكر الشيخ أن في الرجلين الدية صحيح لأنه بنص رسول الله ﷺ وسواء قطعت الأصابع وحدها أو الأصابع مع الرجل أو الرجل بإصبعها إلى الركبة وكذلك إلى الورك. قال الفاكهاني: روينا قول الشيخ بالياء في الرجلين والعينين والوجه فيه، وكذلك الرجلان والعينان ويبعد فيه تقدير في عند البصريين إذ لا يحذف الجر ويبقى عمله عندهم قياسًا. (وفي الأنف يقطع مارنه الدية): ما ذكر هو مذهب المدونة وهو المشهور، وفي المبسوط عن مالك أنه يعتبر من أصل الأنف. قال ابن الحاجب: والأصح هو الأول وصحح غيره القول الثاني لموافقته ظاهر ما في كتاب عمرو بن حزم، وفي الأنف إذا أوعب جدعا مائة من الإبل، والمارن ما فوق العظم الذي هو أصل الأنف ويسمي أيضًا الأرنبة والرونة قاله أشهب، وإذا فرعنا على ما قال الشيخ وقطع بعض المارن كان فيه إلا دية واحدة، وهذا كما أن الذكر إذا قطع من أصله وجبت فيه الدية وإذا قطعت الحشفة فكذلك وإذا قطع بعض الحشفة نظر المقطوع منها فبحسابه منها يجب من الدية لا من أصل الذكر قاله في المدونة والمجموع والموازية. وأما الشم فروي عن مالك أن فيه حكومة، وقال أبو الفرج: فيه الدية وكلاهما

стр. 694

نقله ابن زرقون وقال اللخمي: واختلف إذا ذهب الشم والأنف معًا فقال ابن القاسم: فيهما معًا دية واحدة، وقال ابن الجلاب: القياس ديتان والأول أحسن قياسًا على الذكر واللسان. (وفي السمع الدية): يعني إذا لم يسمع بشيء من أذنه فيجب عليه الدية بلا خلاف وفي إبطال أحدهما نصف الدية وما نقص فبحسابه، ويعرف ذلك بأن يصاح من مواضع عدة مختلفة الجهات، وتكون الأذن الصحيحة مسدودة فإذا لم يضطرب قول المجني عليه بل تساوت الأماكن التي بلغ سمعه إليها سدت تلك الأذن الناقصة وفتحت الأذن الصحيحة وصيح حينئذ ثم يقدر أهل المعرفة ما نقصه من السمع ويلزم ذلك الجاني، وحكي نحو هذا عن على بن أبي طالب ﵁، وسكت في المدونة عن يمينه ونص في غيرها على لزومها. قال بعض الشيوخ: وينبغي أن يختلف فيه؛ لأن ذلك يمين تهمة إذ الجاني لا يحقق دعوى المجنى عليه، وإنما هو متهم له فإن اختبر، واختلف قوله لم يكن له شيء. وقال عيسى بن دينار: له الأقل مع يمينه. واعلم أنه إن لم يكن يسمع إلا بأذن واحدة ففيها ما تقدم نصف الدية. قال الفاكهاني: انظره مع قولهم في عين الأعور الدية الكاملة. قلت: فرق ابن القاسم بين عين الأعور وغيرها بالسنة قاله في المدونة. قال ابن الجلاب: فإذا ذهب السمع والأذن بضربة واحدة ففيهما دية واحدة قاله ابن القاسم، والقياس عندي أن تكون فيهما دية وحكومة أو ديتان على اختلاف الروايتين. واختلف في أشراف الأذنين فقيل: فيهما دية، وقيل حكومة حكاهما القاضي عبد الوهاب. (وفي العقل الدية): قال ابن رشد في مقدماته: محل العقل القلب لا الدماغ عند مالك خلافًا لابن الماجشون، وما ذكر الشيخ أن العقل فيه الدية صحيح، وكيف لا تكون فيه الدية، وهو أفضل صفات الإنسان فإذا وجبت الدية في السمع وشبهه فلأن تجب فيه أحرى ولو ذهب بعض العقل فبحسابه، وقدر اللخمي بالأيام وشبهها من الشهر فإن كان يذهب عقله يومًا وليلة في الشهر وجب له جزء من ثلاثين وهكذا.

стр. 695

(وفي الصلب ينكسر الدية): اختلف في المسألة على أربعة أقوال: فقيل: إن امتنع من القيام والجلوس وجبت الدية كاملة وإلا فلا. وقيل: إن تعذر القيام فقط وجبت الدية، وإن لم يتعذر الجلوس قاله مالك، وقيل: فيه الدية إذا انطوى. قال اللخمي: يريد إذا صار كالراكع، وقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب: في الصلب الدية إن انكسر فلم يقدر على الجلوس ثم على هذه الأقوال فما نقص فبحسابه، واتفق المذهب على أنه إذا ضرب على صلبه فبطل بذلك قيامه وجماعه فإنه يلزمه فيه ديتان. (وفي الأنثيين الدية): خرج النسائي في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في البيضتين الدية، وروي عن ابن المسيب أنه قال: في البيضة اليسرى نصف الدية وفي اليمنى الثلث، فقيل له: لم؟ فقال: إن اليسرى إذا ذهبت لم يولد له وإذا ذهبت اليمنى ولد له. قال ابن حبيب: وقيل: في اليسرى دية كاملة قال اللخمي: يريد لما قيل: إن النسل منها خاصة، ولو قطع الذكر والأنثيين بضربة كان فيها ديتان. قال ابن حارث: اتفاقًا وهو قصور لنقل اللخمي رواية القاضي عبد الوهاب فيهما معًا دية واحدة وإن كان واحدة بعد أخرى فمذهب المدونة والمجموعة والموازية ديتان مطلقًا، وقال ابن الماجشون في الأول منهما قطعا الدية كاملة وفي الذكر إن كان هو الآخر الدية أيضًا كاملة وإن كان الاثنين فحكومة. قال الفاكهاني: ذكر هذا القول مكي في تذكرته. قلت: وعزاه اللخمي لابن حبيب ونقل الباجي عن مالك أن قطع الذكر أولا وآخرًا ففي الآخر الحكومة وعن ابن حبيب إن قطعهما بعد الذكر فلا دية فيهما، وفي الذكر الدية قطع قبلهما أو بعدهما، وقيل: أيهما قطع قبل صاحبه ففي الثاني حكومة حكاه أبو الفرج عن مالك فيتحصل في ذلك خمسة أقوال. (وفي الحشفة الدية): ما ذكر هو المنصوص وخرج اللخمي من أحد القولين في الأنف أن الدية لا تجب فيه إذا من أصله لا من المارن قولاً هنا بأن الدية لا تجب في الحشفة وحدها بل يقطعه من أصله.

стр. 696

قال ابن عبد السلام: وفي هذا التخريج بعد؛ لأن في الحديث أن الأنف إذا أوعب جدعا الدية وروي هنا في الحشفة الدية فلا يبعد أن يفرق بينهما باتباع ما روي والله اعلم، ولو قطع عسيبها بعدها فحكومة كالكف بعد الأصابع. وأما قطع أليتي المرأة أو الرجل فقال ابن القاسم في المدونة: فيهما حكومة. قال الباجي، وقاله ابن وهب وقال أشهب: فيهما من المرأة الدية الكاملة. (وفي اللسان الدية وفيما منع منه الكلام الدية): قال التادلي: والألسنة ثلاثة غير ناطق فيه الحكومة ولسان الصبي، قال مالك: يتربص به إذ لعله ينبت فلا دية وإلا فله الدية، وإذا قطع لسان الناطق ففيه دية كاملة فإن قطع ما لا يمنع النطق شيئًا فحكومة؛ لأن الدية للنطق لا له، ولذلك كان في لسان الأخرس حكومة. (وفي ثديي المرأة الدية): يريد وكذلك قطع حلمتيهما وكذلك إن بطل اللبن قاله ابن القاسم، ولو بطل اللبن فأخذت الدية ثم عاد ردت. (وفي عين الأعور الدية، وفي الموضحة خمس الإبل):

стр. 697

ما ذكر هو مذهبنا وبه قال الزهري، وربيعة، وقضى به عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄، وقاله ابن عمر والليث بن سعد، وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما فيها نصف الدية، قاله الشافعي، وعطاء. قال أشهب: محتجا لقول مالك لأن ينظر بالعين الواحدة ما ينظر بالعينين معًا، ولا يعمل بيد واحدة ما يعمل باليدين، وعبر الفاكهاني عن أشهب ببعضهم، واعترضه بأنها دعوى محتاج عليها لدليل وأي فرق بين الأعور، ومن لا يسمع إلا بأذن واحدة ثم لا يقال فيها أيضًا انتقل السمع إليها. قلت: وفرق ابن القاسم بين عين الأعور وغيرها بالسنة ومثله قول ابن الحاجب، وفي عين الأعور الدية كاملة بخلاف كل زوج في الإنسان لما جاء في السنة قال ابن

стр. 698

عبد السلام: وفيه نظر فإن ظاهر السنة مع المخالف؛ لأن في كتاب عمرو بن حزم في العين خمسون. واختلف المذهب في ذكري العنين والخصي فقيل: تجب فيه الدية، وقيل: بل حكومة، وكذلك ما ليس فيه إلا الجمال كأشفار العينين فيه حكومة عندنا، معنى الحكومة هو أن يقوم المجني عليه عبدًا سالما بعشرة مثلاً ثم يقوم مع الجناية بتسعة فالتفاوت عشر فيجب عشر الدية قاله الشافعي وتبعه أصحابنا البغداديون وفي تفسير ابن مزين أن الحكومة أن ينظر الإمام أو الحاكم على قدر اجتهاده، ومن يحضره معه، وذكر أبو عمران في تعليقه القولين كما تقدم قائلاً: هو الذي كنا نقول قبل أن نظهر على قول ابن إدريس. قلت: وذكر غيره أن القول الأول معزو لمالك ومثله في كتاب أبي الفرج وهو نص ابن الجلاب، وأن القول الثاني ذكره في النوادر لأشهب، وأما لو قطع من لحمه بضعة فإنه يجب القصاص، ويعتبر في البضعتين المساواة في المقدار طولا وعمقًا إن أمكن لسمن المجروح ونحافة الجارح، ولا شك في اعتبار محلها، وهذه المسألة داخلة في عموم قوله تعالى: (والجروح قصاص) [المائدة: ٤٥] ولا قود في اللطمة باتفاق وفي ضربة السوط القود على المشهور، وقاله ابن القاسم، وروي عن مالك لا قود فيه كاللطمة نقله سحنون وعزاه في المجموعة لأشهب قائلاً: لأنه لا يعرف أحد تلك الضربة والضرب من الناس مختلف. قال شيخنا أبو مهدي رحمه الله تعالى: ويفرق لابن القاسم بأحد أمرين أحدهما إما لنهيه ﷺ عن لطم الوجه، وإما لأنه رأى الضرب بالسوط ينضبط بخلاف اللطمة. (وفي السن خمس): من الإبل ظاهر كلام الشيخ لا فرق بين أن تكون من مقدم الفم أو مؤخرهن وهو كذلك؛ لأن السن تصدق على الأضراس وغيرها، ففي الفم اثنان وثلاثون سنا خلافًا للخمي في قوله: الأسنان اثنا عشر سنا والأضراس عشرون. وقال ابن شعبان: للرجل الألح اثنان وثلاثون وللكوسج ثمانية وعشرون سنا. قال اللخمي: يريد لأنه لا نواجذ له واسودادها كزوالها قاله في المدونة خلافًا للشافعي في قوله فيه حكومة وفي الموازية عن أشهب قال عمر وعلى وابن المسيب وعدد من التابعين: إذا اسودت وجب عقلها ولم يبلغني عن أحد خلافه، وسئل

стр. 699

القرويون ﵃ عمن أطعمته زوجته ما اسود به لونه فوقفوا فقال أحمد بن ناصر هي المدونة وأوجب الدية أخذها من قولها في السن إذا اسودت وأول ما وقفت على الإقامة المذكورة للشيخ المذكور في حال صغرى في تأليف الشيخ أبي بكر المالكي المسمي برياض النفوس وسلمها كغيره. وقال بعض شيوخنا: قد يفرق بلزوم البياض للسن وسواد بعض الآدميين ولو قلع سن سوداء فكغيرها وسن الصبي الذي لم يثغر يوقف عقلها إلى الإياس كالقود. قال ابن عبد السلام: وهذا ربما يظهر في الخطأ وأما في العمد فالمتبادر إلى الذهن وجوب القصاص وسواء نبتت أو لم تنبت؛ لأن المقصود من القصاص إنما هو إيلام الجاني بمثل ما آلم به المجني عليه، ولكن يجاب عن هذا بأنه لو وجب فيه القصاص لوجبت الدية والإلزام باطل. (وفي كل إصبع عشر من الإبل وفي الأنملة ثلاث وثلث): الإصبع مؤنث بلا خلاف وقد قدمنا أن في الإصبع عشرة لغات منها قول الشيخ: وإن استاك بإصبعه، وفي الأنملة لغتان أصحهما الفتح في الميم والضم طردي. وظاهر كلام الشيخ من غير تفضيل بعض الأصابع على بعض وهو كذلك عندنا وللسلف في تفضيل بعض الأصابع على بعض كلام يطول ذكره ولو قطعت يد لها أربع أصابع فله دية أربع أصابع قاله أشهب، وابن القاسم في المدونة. قال اللخمي: واختلف فيمن له ستة أصابع فلا بن القاسم وفي العتبية إن كانت السادسة قوية ففيها عشر ولو قطعت عمدًا إذ لا قصاص فيها وفي كل يدها ستون وإن كانت ضعيفة ففيها حكومة إن انفردت مع اليد لا يزاد لها شيء، وقال ابن سحنون عنه إذا قطعت يد خطأ ففيها نصف الدية فقط وقيل: حكومة في الزائد ولم يفرق بين قوية وضعيفة، وقول ابن القاسم أبين. (وفي كل أنملة من الإبهامين خمس من الإبل): ما ذكر الشيخ هو قول مالك قال ابن المواز وذكر عنه أنه رجع عن ذلك وقيل: إن فيها ثلاث أنامل وكذلك روى عنه سحنون أنه رجع إلى ذلك قال: وأخذ أصحابنا بالقول الأول. قال الفاكهاني: وأما أبهام الرجلين ففي كل واحد أنملتان ولم يذكر أن بي ذلك خلافًا. قلت: وقال اللخمي: بعد أن ذكر ما تقدم عن محمد بن المواز: المسألة تحتمل القولين جميعا أن يقال فيها أنملتان؛ لأن ذلك هو البائن منها وإن يقال فيها ثلاثة؛ لأن

стр. 700

الثالث وإن لم يكن بائنًا فهو متحرك بحركة الإبهام عن استعمال البائن من ذلك واستعمال الإبهام بالجميع البائن وغيره، وهو أقيس، ويريد الشيخ في أقل من أنملة بحساب ذلك الأقل. (وفي المنقلة عشر ونصف عشر والموضحة ما أوضح العظم والمنقلة من طار فراشها من العظم ولم يصل إلى الدماغ وما وصل إليه فهي المأمومة ففيها ثلث الدية، وكذلك الجائفة وليس فيها دون الموضحة إلا الاجتهاد وكذلك في جراح الجسد ولا يعقل جرح إلا بعيد البرء): المنقول بكسر القاف المشددة قاله الجوهري. (وما برأ على غير شين مما دون الموضحة فلا شيء فيه): قال الفاكهاني: ظاهرة أنه لا يعطى أجر الأدوية ولم يقل به مالك، وقيل: يعطى ما أنفق من الأدوية قال الفقهاء السبعة رضي الله تعالى عنهم. قلت: وأخذه بعضهم من قول مالك بوجوب رفو الثوب قال بعض شيوخنا: وهو أخذ أحروي لأن الدماء أكد من الأموال وأراد الشيخ بقوله: ولم يقل به مالك أي لم يقل بأن له الأجرة، بل قال: مثل ظاهر كلام الشيخ إذا قيل له من انكسرت فخذه ثم انجبرت مستوية له ما أنفق في علاجه قال: ما علمته من أمر الناس أرأيت من برأ علي غير شين أتكون له قيمة الشين وما أنفق. (وفي الجراح القصاص في العمد إلا في المتألف مثل المأمون والجائفة والمنقلة والفخذ والأنثيين والصلب ونحوه ففي كل ذلك الدية): يعني: أن الجراح على قسمين منها ما هو غير المتلف ومنها ما هو متلف فالأول قال الشيخ: فيه القصاص، ويعني بذلك إذا تحققت فيه المماثلة. وأما مالا تتحقق فيه المماثلة فعلى ضربين ضرب لا تتأتى فيه المماثلة كالبياض العين فهذا لا قصاص فيه وضرب قد تتأنى فيه المماثلة والغالب نفيها ككسر العظام فحكى القاضي عبد الوهاب في ذلك روايتين وذكر في المدونة عن مالك أنه يقاد من الظفر وفي غيرها عنه: أنه لا يقاد بناء على أنه كالعظم أو كالشعر. وأما المتلف فذكر الشيخ أنه لا قصاص في المأمونة الجائفة، وهو كذلك باتفاق لنصه ﷺ بذلك وما ذكر أنه لا قصاص في المنقلة هو المشهور. قال اللخمي: وروي عن مالك القصاص فيها حكاه عبد الوهاب. قلت: وذكره ابن الجلاب أيضًا قال ابن زرقون قال محمد بن عبد الحكم القصاص.

стр. 701

في كل جرح ولو كان متلفا إلا ما خصصه الحديث عنه من الجائفة والمأمومة وقال ربيعة: القصاص عموما ولم يستثن وحيث لا قصاص فلابد من الأدب قاله في المدونة. (ولا تحمل العاقلة قتل عمد ولا اعترافا به): قال الفاكهاني: روينا ولا اعتراف بغير تنوين والصواب تنوينه وكذلك هو في بعض النسخ، واختلف في المقر بالخطأ على خمسة أقوال: فقيل تكون الدية في مال المقرر وحده، وقيل: على العاقلة بقسامة في رواية ابن القاسم، وأشهب، وكلاهما في المدونة في كتاب الصلح، وقيل: تسقط الدية مطلقًا حكاه عبد الوهاب، ونجوه حكاه ابن ميسر عن ابن وهب، وابن القاسم. وقيل: تقسط عليه، وعلى العاقلة فيلزمه منها ما يخصه، ولا يلزم العاقلة شيء حكاه ابن الجلاب عن رواية ابن وهب، وهو قول ابن دينار وغيره وفي المدونة في كتاب الديات إن اتهم أنه أراد غناء ولد المقتول كالأخ والصديق ولم يصدق، وإن كان من الأباعد صدق إن كان ثقة مأمونا ولم يخف أن يرشي على ذلك، وأطال عياض ﵀ الكلام عليها في كتاب الصلح، وحصل فيها ستة أقوال وهو أحسن من تكلم عليها. (وتحمل من جراح الخطأ ما كان قدر الثلث فأكثر، وما كان دون الثلث ففي مال الجاني): ما ذكر الشيخ هو مذهبنا خلافًا للشافعي في قوله تحمل القليل، والكثير إلى غير ذلك من المذاهب. (وأما المأمومة والجائفة عمدًا فقال مالك ذلك على العاقلة، وقال أيضًا: إن ذلك في ماله إلا أن يكون عديما فتحمله العاقلة؛ لأنهما لا يقاد من عمدهما وكذلك ما بلغ ثلث الدية مما لا يقاد منه؛ لأنه متلف): ما ذكر الشيخ من القولين كلاهما في المدونة والذي رجع إليه مالك منهما هو القول الأول. قال ابن القاسم فيها: وبه أقوال. قال الفاكهاني: ترك الشيخ قولاً ثالثًا لمالك أيضًا أنها تكون في ماله وليس على العاقلة شيء، وإن كان عديما وذكره ابن الجلاب. قلت: وذكر ابن زرقون هذه الروايات أيضًا وعزا ابن هارون هذا القول لظاهر ديات المدونة. (ولا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدًا أو خطأ): ما ذكر هو مذهبنا وقال الأوزاعي من أخذ يضرب بسيفه في العدو فأصاب

стр. 702

نفسه فعلي عاقلته الدية ونحوه عن احمد بن حنبل ﵁ وروي أن رجلاً فقأ عين نفسه خطأ فقضى عمر بن الخطاب ﵁ بديتها على عاقلته، وقال أصابته يد من أيدي المسلمين وقال الفاكهاني: لا أعرف من خالف في الخطأ سوى الأوزاعي. (وتعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل فإذا بلغتها رجعت إلى عقلها): قال في المدونة: في كتاب الجراحات: والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديته فإذا بلغت إلى ذلك رجعت إلى عقل نفسها، وقصد بقوله: تعاقل أي تساوي قال فيها: وتفسير ذلك أن للها في ثلاثة أصابع، ونصف أنملة أحدا وثلاثين بعيرا وثلثي بعير وهي والرجل في ذلك سواء إن أصيب منها ثلاث أصابع وأنملة رجعت إلى عقلها وكان لها من ذلك ستة عشر بعيرًا وثلث بعير ونحوه في الموطأ قال ربيعة لابن المسيب لما عظم جرحها واشتدت بليتها نقص عقلها قال أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم قال: هي السنة يا ابن أخي وظاهر لفظه هذا يدل على أنه أرسله عن النبي ﷺ . (والنقر يقتلون رجلاً فإنهم يقتلون به):

стр. 703

النقر والنفير عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة قاله الفاكهاني عن أهل اللغة، وظاهر كلام الشيخ ولو كثروا جدًا وهو كذلك ويعني سواء باشروا القتل كما لو جرحه كل واحد جرحا أو ضربه كل واحد سوطًا وهم قاصدون قتله أو باشر بعضهم القتل والباقون بحضرته. واختلف قول ابن القاسم إذا أنفذ رجل مقاتل رجل وأجهز عليه آخر فقال مرة في سمع يحيى يقتل الأول ويعاقب الثاني، وقال مرة في سماع أبي زيد بعكسه، وبالأول قال أشهب، وأختاره غير واحد كابن رشد قال ابن عبد السلام، ولكن قد يلزم عليه أمور شنيعة وهو أنه إذا كان يتعين على الأول القصاص لأنه هو الذي قتله حقيقة فهو من حينئذ كالميت فلا تجوز وصاياه، وقد ذهب إلى ذلك أصبغ، وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة، ويلزم أن لا يخاطب بالصلاة إلى ذلك، وقد أوصى عمر بن الخطاب ﵁ وصلى على تلك الحالة وأنفذ المسلمون وصاياه وأشار إلى لزوم الصلاة له حينئذ بقوله: ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وأشار بعض الشيوخ يعنى به ابن رشد إلى أنه لو قيل بقتلهما معًا ما كان بعيدًا. قال ابن شاس، واختلف المذهب إذا حفر رجل حفر لشخص معين لكي يقع فيها فوقف الرجل على شفيرها فرداه آخر فقال القاضي أبو الحسن يقتلان معًا للاعتداء، وقال القاضي أبو عبد الله بن هارون البصري يقتل المردي دون الحافز تغليبًا

стр. 704

للمباشرة. قلت: قال بعض شيوخنا: الأظهر أن علم المردي بتقدم فعل الحافر وقصده قتلا معًا كبينة الزور مع القاضي العالم بزورها وإلا قتل وحده على رواية ابن القاسم في بينة الزور. واختلف في قتل الأب إذا أمر ولده الصغير بالقتل وفي قتل المعلم على قولين، وكذلك القولان في السيد يأمر عبده وسواء كان العبد صغيرا أو كبيرا، وقيل: الفرق بين أن يكون العبد فصيحا فيقتل به، وبين أن يكون أعجميا فلا يقتل به، رواه ابن وهب عن مالك، ويقتل العبد إذا كان بالغاء اتفاقًا، وكذلك اتفق المذهب لو قتل بعض أعوان الإمام رجلاً ظلما بأمر الإمام على قتلهما معًا. (والسكران إن قتل قتل): يقوم من كلام الشيخ من باب أحرى أن طلاقه يلزم وهو كذلك قال في المدونة: في كتاب الأيمان بالطلاق، ويلزم السكران طلاقه وخلعة وعتقه، وإن قتل قتل به فأطلقه غير واحد كابن يونس، وقال ابن رشد في النكاح الأول من بيانه السكران على قسمين طافح ونشوان فأما الطافح فهو الذي لا يميز بين الذرة والفيل، ولا يميز بين الرجل والمرأة فحكمه حكم المجنون غير أنه اختلف هل يقضي الصلاة أم لا؟ وأما النشوان فهو الذي معه شيء من التمييز ففيه أربعة أقوال: الأول: لا يلزمه شيء قاله ابن عبد الحكم. الثاني: يلزمه كل شيء قاله ابن نافع. الثالث: تلزمه الأفعال دون الأقوال قاله الليث. الرابع: تلزمه الجنايات والطلاق والعتاق والحدود ولا تلزمه الإقرارات ولا العقود قاله مالك، ومثل له سلك ابن رشد، في أن الطافح لا يلزمه شيء باتفاق إلا في الصلاة ففيه اختلاف سلك أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى، ولم يتعرض للخلاف في الصلاة ولذلك تعقب على ابن الحاجب في قوله، وقال الباجي: المطبق به كالمجنون اتفاقًا إلا في الصلاة، وظاهر كلام غيرهما لا فرق بين الطافح وغيره؛ لأنه أدخله على نفسه اختيارًا وذلك يناسب عدم التفصيل، ولو تعرض السكران إلى الجانب العلي أسال الله السلامة من ذلك فقال شيخنا أبو مهدي ﵀ يلزمه حكم ما لفظ كغيره ولا يختلف فيه لحرمة الجانب العلي، وقال بعض من أدركناه من مشايخنا من القرويين: لا فرق بين هذه المسألة وغيرها على ظاهر كلام ابن رشد، وغيره، وهو الباجي فيختلف فيها.

стр. 705

قلت: ونص الشيخ أبو الحسن القابسي على أنه يقتل وقبله عياض في الشفاء. (وإن قتل مجنون رجلاً فالدية على عاقلته): خرج أبو داود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبي حتى يحتلم". قال ابن عبد السلام: وهذا الحديث قوي في الحجة لما في كتاب ابن المواز، وإن ما أصابه الجنون المطبق والصبي هدر من الدماء، والأموال، ولو قتل المجنون في حالة إفاقته فهو كالصحيح يقتص منه نص على ذلك في المدونة، ولو أشكل على البينة أقتل في حال عقله أو جنونه، فقال بعض من لقيناه: لا يلزمه شيء، وهو صواب. وقال شيخنا أبو مهدي ﵀ معتلا بأنه شك في المقتضى لأن الحاكم لا يحكم عليه إلا بعد أن تشهد البينة أنه قتله في حال كونه في عقله. قال الشيخ أبو محمد في المجموعة لابن القاسم: ما جنى المجنون في حال إفاقته من حد أو قتل فلم يقم عليه حتى جن أخر لإفاقته الحد والقصاص فإن أيس من إفاقته وقد قتل كانت الدية عليه في ماله، وقال المغيرة: يسلم إلى أولياء المقتول فيقتلونه إن شاءوا. (وعمد الصبي كالخطأ وذلك على عاقلته إن كان ثلث الدية فأكثر وإلا ففي ماله): ما ذكر مثله في المدونة وذلك في جناياتها وإذا جنى الصبي أو المجنون عمدًا أو خطأ بسيف أو غيره فهو كله خطأ تحمله العاقلة إن بلغ الثلث وإن لم يبلغ ففي ماله يتبعه به دينًا في عدمه والحكم ما تقدم إن كان مميزا باتفاق، وأما غير المميز فقال ابن الحاجب فقيل: المال في ماله والدية على عاقلته، وقيل: المال هدر كالمجنون وقيل: كلاهما وتقدم في الغصب اعتراض ابن عبد السلام ورده بعض شيوخنا عليه. واختلف المذهب إذا اشترك بالغ عاقل في قتل رجل مع صبي وشبهه كالمجنون على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجب على البالغ نصف الدية. الثاني: القصاص بعد أن يقسم ولاة المقتول أنه من ضربه مات في الحال وبعد أن طال. الثالث: أنه مات في الحال قتل هذا البالغ من غير قسامة كما لو انفرد ولو مات
следующие страницы →