Полный текст (1 073 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرْح
الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد البرنسي الفاسي الْمَعْرُوف بزرُّوق
الْمُتَوفَّى سنة ٨٩٩ هـ
على متن الرسَالَة
للْإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الله بن أبي زيد القيرواني
الْمُتَوفَّى سنة ٣٨٦ هـ
ويليه
متن الرسَالَة
أعتنى بِهِ وَكتب هَوَامشه
أَحْمد فريد المزيدي
الْجُزْء الأول
دَار الْكتب العلمية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد الذي ابتدأ الوجود بإحسانه، وشمله بفضله وامتنانه، فخلق وصور وحكم ودبر، وقضى وقدر، وأرشد ويسر، ثم هدى وأضل، ووفق وخذل، وتفضل في ذلك وعدل، لا يسأل عما يفعل، أحمده وأشهده، وأستعينه وأستغفره، وأسأله العافية والتيسير، والفتح فيما أؤمله من كتب وتقرير، وأصلي على سيدنا محمد المختار، وعلى آله وأصحابه الأبرار، وأسلم عليه وعليهم كذلك، والحمد لله على ذلك.
أما بعد:
فإن العلم أفضل الأعمال، والتفقه في الدين أساس كل كمال، وإن رسالة ابن أبي زيد شهيرة المناقب والفضائل، غزيرة النفع في الفقه والمسائل، من حيث أنها مدخل جامع للأبواب، قريبة المرام في الكتاب والحفظ والاكتساب، وقد اعتنى بها الأوائل والأواخر، وانتفع بها أهل الباطن والظاهر، حتى صارت بحيث يهتدي بها الطالب المتبدئ ولا يستغني عنها الراغب المقتدي، ولم تزل الناس يشرحونها على مر السنين والدهور، والعلماء يتداولونها ويتأولون ما فيها من مشكل الأمور، نحواً من خمسمائة سنة، ولم تنقض لها حرمة، ولا طعن فيها عالم معتبر في الأمة، مع ما فيها من عظيم الإشكال، ودواعي الإنكار من الحساد والإشكال، وهذه كرامة من الله لا تنال بالأسباب.
ومثله ما يذكر من أن من التزمها علماً وعملاً فتحت له أبواب، فكان ذا أربعة أو أحدها أو اثنين أو ثلاثة:
أحدها: علم حاصل؛ أو مال واصل، أو صلاح كامل، أو جاه فاضل حسبما استقرئ ذلك في الغالب، وأخذ من كلامه بعض المطالب، وسنذكره في محله إن شاء الله تعالى وما ذاك إلا لإرادة وجه الله، ودوام اللجأ إلى الله، فقد حكي أنه كان يجعلها في محرابه الذي يصلي فيه ليلاً ويدعو الله أن يجعلها مكان عقبه؛ لأنه لم يكن له عقب، فلم تزل تتلى حتى لقد ذكر أنها منذ وجدت إلى الآن تخرج لها في كل مكان سنة شرح وتبيان.
إما من عالم كبير أو من نحرير، أو ممن هو مثلي فقير حقير، فوضعت هذه العجالة بحسب الوسع والتيسير، وقدر ما انتهى إليه فهمي القاصر وعلمي القصير، معتمداً على رب السموات والأرض أن يجعله رحمة لعباده، وبركة شاملة في أرضه
стр. 3
وبلاده، وأن ينفع به الخاص والعام، بجاه محمد ﵊، وقد اجتنبت فيه الإطناب الممل، وفارقت الاختصار العنيف المخل، واعتمدت النقل دون التعليل، وأخذت عيون المسائل إلا في القليل، وآثرت النقل من كتب المتأخرين لما لهم من الجمع والتحرير، واخترت جماعة مشهورة لها بحث وتحقيق، ليرجع إليها فيما فيه من معقول ومنقول، ويحقق في كل مفهوم ومقول، غير إني قصدت لتصحيح المتن وبيان المشكل وتتميم الناقص فلم يتيسر لما علي من كلفة السفر، وعدم العدة في فرعه وأصله مع ما اعتراني من الأعراض والأمراض، فلذوي الفضل قبوله بإنصاف من غير تعنت ولا اعتراض.
فإن من صنف استهدف، ومن أبرز للوجود عمله، فقد ولي الناس حكمه، وعلى الله المعتمد في بلوغ التكميل وهو حسبنا ونعم الوكيل، وقد وضعت رموز المشايخ منهم الشيخ الفقيه الصالح العلامة الشهير شرقاً وغرباً سيدي أبي عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي بفتح الواو المعجمة وتشديد الميم ثم التونسي المتوفى سنة ثلاث وثمانمائة في سن نيف وثمانين سنة وصورة الرمز له (ع)، ومنهم الشيخ الفقيه العالم القاضي العدل وإمام أهل عصره في الإنصاف والاعتبار أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الهوري قاضي الجماعة بتونس وبه تخرج ابن عرفة وغيره من الكبار ثم توفى ﵀ في سنة ست وأربعين وسبعمائة وصورة رمزه (س) في كتابه على ابن الحاجب المشهور كمختصر ابن عرفة فمنهما النقل وعليهما الاعتماد ثم الشيخ الصالح العلامة فريد وقته علماً وديانة أبو المودة غرس الدين خليل بن إسحاق بن الجندي المصري القاهري المتوفى سنة تسع وستين سبعمائة وهو من الديانة والعلم بالمكان العظيم.
وقد شرح ابن الحاجب بالتوضيح قتبع ابن عبد السلام وأتى بمختصره في الفتاوى حجة في الإسلام وقد رمزنا له على الكتابين بما صورته (خ) وهو رمزه لنفسه في توضيحه والشيخ تاج الدين بهرام بن عبد الله الدميري قاضي المالكية في وقته وقد شرح المختصر بكبير وصغير وشرح الإرشاد في ستة مجلدات وجمع كل ما حصله في شامله باختصار فأنا أنقل منه لا من غيره لكونه جامعاً مغتنياً بالمشهور وإن كان في اختصاره للخلافيات قصر في بعض أبواب والمشهور ومحفوظ عنده وجعلت رمزه (م)
стр. 4
لعدم خفائها به؛ لأن رمز بعض شيوخنا له (ب) فإنها قد تندرج في الخط فلا تعرف وتوفي ﵀ سنة خمس وثمانمائة بالقاهرة والله تعالى أعلم.
وقد أخذت ذلك في أول الكتاب من شرح شيخنا الفقيه الصالح أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي ثم الجزائري وكانت الديانة أغلب عليه من العلم فكان يتحرى في النقل أتم التحري وإن كان لا يستوفيه في بعض المواضع توفي ﵀ سنة خمس وسبعين وثمانمائة عن ست وتسعين سنة وكتابه على ابن الحاجب وله تآليف غيره واعتمدت فيها بعد الثلث الأول إلى آخر الكتاب شرح الفقيه الفاضل أبي العباس القلشاني لأنه صحيح النقل، وربما ذكرت طريقات من اختصار الشيخ الصالح أبي محمد الشبيبي لشرح الشيخ تاج الدين بن الفاكهاني، وذلك في الأوائل.
فأما العقيدة فاعتمدت فيها على شرح الشيخ ناصر الدين المشذالي تلميذ الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشافعي وعمدة الشراح في ذلك ثم شرح شيخنا أبي العباس أحمد بن البزليني المعروف بحلو لو أحد الأئمة بتونس وقد شرح جمع الجوامع ومختصر الشيخ خليل ونفع الله بكتبه في حياته وهو الآن حي كان الله له في الدارين، وما سوى ذلك فهو معزو لأهله وبالله سبحانه التوفيق.
فأما الجزولي وابن عمر ومن في معناهما فليس ما ينسب إليهم بتأليف وإنما هو تقييد قيده الطلبة زمن إقرائهم فهو يهدي ولا يعتمد وقد سمعت أن بعض الشيوخ في بأن من أفتى من التقاييد يؤدب والله أعلم وقد توفي الجزولي الشيخ عبد الرحمن بن عفان ﵀ في حدود الأربعين وسبعمائة عن مائة وعشرين سنة وسيدي يوسف بن عمر الفاسي رحمه الله تعالى بعده بنحو عشرين سنة بل زائداً عليها بمدينة فاس وكانت شهرتهما بالصلاح كشهرتهما بالعلم أكثر.
وقد افتتحا الكتاب بالكلام على البسملة فلنقتد بهما على وجه الاختصار:
فقوله: (بسم الله) خبر مبتدأ محذوف تقديره ابتدائي أو افتتاحي بذكر اسم الله تبركاً به، وقال الترمذي الحكيم هي في أول كل سورة من القرآن قسم على أن ما في هذه السورة حق وفي ذكرها إناس من هيبة الكلام بذكر الرحمة والله اسم لذات المعبود الحق الغني عن العلة والفاعل الموصوف بصفات الألوهية وإن شئت قلت الموصوف
стр. 5
بصفات الكمال المنزه عن النقص والمثال وإن شئت قلت وهو الظاهر الربوبية بالدلائل المتحجب عن الكيفية والأوهام، وإن شئت قلت الذي تقدست عن سمة الحوادث ذاته وشهدت بوجوده مبدعاته ودلت على وحدانيته آياته.
و (الرحمن الرحيم): اسمان مشتقان من الرحمن جاريان على صيغ المبالغة والثاني أبلغ من الأول بل والأول مقتض للإيجاد والثاني للإمداد ولذلك اختص بالمؤمنين في قوله: ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣] فانظر ذلك وبالله التوفيق.
قوله: (صلى الله على سيدنا محمد) من الناس من يعطفه بالواو على أن الجملة خبرية والمراد قد صلى الله على محمد فما عسى أن تبلغ صلاتنا عليه ومنه من يراها طلبية لفظها لفظ الخبر ومعناها الدعاء والتقدير يا ألله صل، والصلاة من الله على نبيه الإقبال عليه بزيادة التشريف والتعظيم.
ومن الملائكة الدعاء والاستغفار ومن سائر العباد الدعاء بزيادة التشريف والتعظيم والسيد من له السؤود أي الشرف الكامل ثم هل هو سيد منا أو سيد تملكنا كلا المعنيين صحيح لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وقد بعث فيهم من أنفسهم بضم الفاء وأنفسهم ومحمد مفعل من الحمد منقول من الصفة سمي بذلك ليكون محمود في السماء والأرض فكان أحمد من حمد بضم الحاء وأحمد من حمد بفتحها لأنه الحامد بجميع المحامد داعي الجميع من الكثرة إلى الواحد له مقام المحمود وبيده لواء الحمد يوم القيامة وأمته الحمادون ﷺ .
قوله: (وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً) وآله كل من رجع إليه بنسب خاص مع نسب صحيح: أي أهل بيته كبني هاشم وبني المطلب الذين تحرم عليهم الصدقة وقيل كل من آل إليه: أي رجع بنسب أو سبب وهم أمته واختاره الأزهري وغيره وصحبة أصحابه جمع صاحب وصحابي وهو كل من اجتمع به مؤمناً عند جمهور المحدثين وقيل غير ذلك.
فائدة:
قال أبو زرعة: مات ﵊ عن مائة وألف وأربعة عشر ألف كلهم رآه أو روى عنه ذكره غير واحد منهم ابن القطفان في مراتب الصحابة وابن الأثير في
стр. 6
جامع الأصول فانظره وقوله وسلم تسليماً هو بحسب ما قدر في صلى فإن قلنا خبرية فالمراد الإخبار عن ذلك وهو موافق التعظيم، وإن قلنا طلبية فالتقدير وسلم يا رب تسليماً.
تنبيه:
الترجمة ثانية في آخر الكتاب باتفاق رواته وشراحه وغيرهم واختلف فيها ههنا والمقبول عدم ثبوتها وعلى ثبوتها.
فقوله: (قال) بمعنى يقول أوقع الماضي موقع المستقبل.
وقوله (أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني) ذكر كنيته إذ كان يعرف بها لا تعظيماً لنفسه ثم ذكر اسمه الذي وقع التكني عليه ثم ذكر والده بكنيته ولم يذكرا اسمه وهو عبد الرحمن اكتفاء بها ثم ذكر داره التي يعرف بها وهي دار العلم والدين قديماً وحديثاً وأصل نسبته الأصلية وهو النفرزي بل النفزاوي لأنه من نفزى من بلاد الجريد مولده ٣١٦ وتوفي سنة ٣٨٦ ودفن بداره بدار القيروان.
فأما فضله ودينه وزهده فأشهر من أن يذكر قالوا وكان ينكر الكرامات ثم اختلفوا هل حقيقة أو حماية للذريعة وهل رجع أم لا والله أعلم.
(الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته) الألف واللام في الحمد تحتمل الاستغراق أي: كل المحامد لله والعهد أي الحمد لله الذي حمد نفسه به في أزلة إذ علم عجز خلقه عن حمده فحمد نفسه بنفسه والإنشاء أي أنشئ الحمد لله.
وحقيقة الحمد: الثناء الجميل بالقول سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل أي بالأفعال أو بالصفات وإضافته إلى الله تعالى إضافة استحقاق وملك فلا يستحق الحمد إلا الله ولا يثنى عليه حق الثناء سواه لأن الثناء تابع للمعرفة ولا يعرف الله إلا الله وقوله: ابتدأ: أي بدأ وبرأ وخلق وأوجد أو بادئ أي فاتح وأوجد الإنسان أو الجنس الآدمي الذي سمى إنساناً لكونه يؤنس أي يرى عكس الجن لأنه يجتن أي يستتر أو لأنه يؤنس بعضه ببعض أو لأنه عهد إليه فنسى بنعمته أي بسبب نعمته التي واجهه بها حتى أوجده ولولا إنعامه عليه بإيجاده ما وجد إذ لا حاجة له فيه وهو مفتقر إلى موجد وقيل مصحوباً بنعمته إذ لولاها ما تم له وجود فالباء على هذا لمصاحبة وعلى الأول للسببية
стр. 7
وكل صحيح. قال ابن عطاء الله في الحكم نعمتان ما خرج موجود عنهما ولا بد لكل مكون منهما نعمة إيجاد ونعمة إمداد أنعم عليك أو لا بالإيجاد وثانياً بتوالي الإمداد انتهى.
(وصوره في الأرحام بحكمته) التصوير: التخطيط والتشكيل والأرحام جمع رحم وهي المشيمة التي يكون فيها الولد إلى خروجه سميت بها الارتحام المولود بها قبل خروجه للدنيا وقيل: جمعها هنا باعتبار أفراد الخلق وقيل باعتبار الظلمات الثلاث والله أعلم.
والحكمة الصفة المقتضية للإتقان فهي أخص من العلم.
(وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه): أبرزه أظهره وأخرجه من العدم إلى الوجود ثم من الوجود الغيبي إلى الوجود العيني وما أظهره فيهما إلا لظهور رفقه وجريان رزقه إذ رفق به في بطن أمه فحفظ وجوده حتى جعل وجهه لظهر أمه لئلا يتأذى بحر غذائها ورفق به بعد خروجه بأن جعل حجرها مهاداً وثديها سقاء إلى غير ذلك ورزقه في بطنها ما يتغذى به من دم الحيض وغيره وبعد خروجه ما يجري له من لبن فما في قوله وما يسر موصول بمعنى الذي أي والذي يسر وهيأ وأعد بمعنى وفيه أن الرزق معد قبل بروز الوجود وهو صريح في الحديث إذ قال: فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد وهو في بطن أمه والرزق كل منتفع به حلالاً كان أو حراماً لقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ١٦].
وقد علم أن ثم من لم يأكل قط حلالاً، ولا يأكل أحد رزق أحد وقد قالت المعتزلة الحرام ليس برزق وهو مردود بما يطول ذكره فانظره وضمير رزقه يحتمل عوده للميسر وللميسر له والثاني أظهر والله أعلم.
(وعلمه ما لم يكن يعلم) أي وعلم الله الإنسان ما لم يكن عالماً به قبل لأنه ولد جاهلاً لقوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ [النحل: ٧٨] وذكر في هذه الآية أن أصل وجودنا الجهل وأنه تعالى الذي خلق لنا ما يتوصل به إلى العلم وهو السمع والبصر والفؤاد وذكر حكمة ذلك بقوله تعالى ﴿لعلكم تشكرون﴾ [البقرة: ٥٢] فتضمن أن ذلك كله نعمة يجب الشكر عليه والله أعلم.
стр. 8
(وكان فضل الله عليه عظيماً): أي لم يزل فضل الله الذي هو إحسانه وإكرامه، ولا يزال عليه أي على الإنسان عظيماً في الماضي والمستقبل والحال إذا مده بالنعم وأوجده من العدم وخصصه بالكرم وذكره في القدم والفصل إعطاء الشيء من غير علة ولا سبب ولا استحقاق قال ابن عطاء الله في الحكم عنايته فيك لا لشيء منك وأين كنت حتى واجهتك عنايته وقابلتك رعايته لم يكن في أزله إخلاص أعمال ولا وجود أحوال بل لم يكن هناك إلا محض الأفعال وعظيم النوال انتهى.
وهو عجيب في شأنه (ونبهه بآثار صنعته) أي نبه الله الإنسان لما يريده منه من معرفته بآثار صنعته فيه الدالة على قدرته بإبرازها على إرادته بتخصيصها وعلى علمه بإتقانها وعلى حياته بوجودها كذلك وعلى كماله بنقصها وإن تنبه كان ذلك محجة وسبيلاً إليه وإن لم ينتبه كان حجة ووبالاً عليه ولا يلزم من هذا كون النظر والاستدلال أول الواجبات ولا المعرفة بل كونها مطلوبة فقط والتحقيق أنها واجبة بالدليل الإجمالي مندوبة بالدليل التفصيلي وقد حكى ذلك (ع). عن ابن رشد في نوازله ولا خلاف في أن الخروج من التقليد مطلوب وإن لم يكن واجباً.
قال ابن رشد: ولا يلزم فيه اصطلاح معين والقول بذلك بدعة بل بأي وجه أمكن فإذا استدل على وجود البارئ وكماله بوجود المخلوقات وعلى صدق الرسل بالمعجزات خرج عن التقليد هذا معنى كلامه وقال بعضهم: مجموع ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ إلى قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٤] فتأمل ذلك وفي كلام الشيخ أربعة منبه وهو الله ومنبه هو إلإنسان ومنبه به وهو آثار الصنعة ومنبه عليه وهو ما تضمنته الآثار من التعريف والله أعلم.
(وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه) أي وأعذر الله للإنسان أي بالغ له في العذر بعد التنبيه لتنقطع حجته ببعث الرسل مبشرين بالفلاح لأهل الصلاح ومنذرين بالنار لأهل العار كما قال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] الآية.
فجاءت الرسل ﵈ بثلاث التنبيه على مدركات العقول كالعلم بوجود
стр. 9
البارئ واتصافه بالكمالات وانتفاء النقائص عنه وتخصيص أحد الجائزين بالإثبات كالبعث وتوابعه أو بالنفي كفناء الدنيا وأهلها أو بعض ذلك وتقرير أوامر الله ونواهيه ترغيباً وترهيباً وتصويراً وغير ذلك والمرسلين جمع مرسل وهو لغة: السفير المصلح قاله الجوهري، وشرعاً: نبي أمر بتبليغ ما أوحي إليه، وقيل: إن جاء بشرع جديد أو كتاب جديد فرسول وإلا فنبي فقط فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، والنبي: إنسان أوحى إليه بشرع فإن أمر بتبليغه فرسول وإلا فلا وقيل غير ذلك أي ما تقدم فوقه والخيرة بالكسر وبالفتح المختارين من خلقه ظاهره حتى الملائكة وبه جزم عز الدين بن عبد السلام.
وإن أرسل بني آدم أفضل من رسل الملائكة ورسل الملائكة أفضل من عامة بني آدم وعامة الملائكة أفضل من عامة آدم وقال وربما فضل مؤمن بزيادة مجاهد ونحوها، وقال غيره من غلب عقله على شهوته فكالملائكة أو أفضل ومن غلبت شهوته على عقله فكالبهيمة أو أضل قال بعض شيوخنا ولم نقف لهم في الأنبياء على كلام قال وقد منع بعضهم الكلام في هذه المسألة رأساً ورآه من الفضول.
(فهدى من وفقه بفضله وأضل من خذله بعدله) لما ذكر منه الله على عبد بوجوده وموجوده وقيام حجته عليه في أوامره ونواهيه ذكر أن التوفيق إليها والهداية لها من فضل الله ورحمته وأن الإضلال عنها والخذلان فيها من قضائه وعدله فعاد الأمر إليه كما بدأ منه وقد ذكر الشيخ هنا ستة أشياء ثلاثة تقابلها ثلاثة: الهداية: ويقابلها الضلال، والتوفيق: ويقابله الخذلان، والفضل: ويقابله العدل فالتوفيق من فضله تعالى والخذلان من عدله والهداية نتيجة التوفيق كما أن الخذلان نتيجة الضلال والتوفيق توجه الإعانة من الله لعبده بهدايته أي إرشاده لما يوافق أمره التكليفي بخلق القدرة على ما يريده منه مع ما يريد منه في محل العبد والخذلان صرف الإعانة من الله تعالى عن العبد بإضلاله أي إتلافه عن موافقة أمره التكليفي بخلق القدرة على مخالفة أمره مع مخالفته في حال العبد فرجع التوفيق والخذلان للموافقة والصرف والهداية والضلال للإرشاد والتلف وذلك أصلها لغة عند تحقيق النظر، وقد تطلق الهداية على بيان طريق الحق لقوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿وأما
стр. 10
ثمود فهديناهم﴾ [فصلت: ١٧] وليس المراد هنا بل المراد خلق الضلالة والاهتداء لاختصاصه بالإضافة إلى الله تعالى لخلقه لهما في وجود العبد قال التفتازاني: نعم قد تضاف الهداية إلى النبي ﷺ مجازاً بطريق التسبب كما تسند إلى القرآن وقد يسند الإضلال إلى الشيطان كما يسند إلى الأصنام قال ثم المذكور في كلام المشايخ إن الهداية عندنا خلق الاهتداء ومثل هداه الله فلم يهتد مجاز، أعني الدلالة والدعوة إلى الاهتداء وعند المعتزلة بيان طريق الصواب وهو باطل لقوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] الآية ولقوله ﵇: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» مع أنه بين الطريق ودعاهم إلى الاهتداء.
انتهى فتأمله وبالله التوفيق.
وفي كلام الشيخ إشعار بما ذكر لما تقدم من ذكر التنبيه والإعذار المتضمن للبيان والإيضاح مع ما بعده والفضل الإعطاء بلا سبب ولا علة والعدل ما للمالك أن يفعله من غير منازع وسيأتي هذا المعنى في الباب الأول إن شاء الله تعالى.
(ويسر المؤمنين لليسرى وشرح صدورهم للذكرى فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين وبقلوبهم مخلصين وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين وتعلموا ما علمهم ووقفوا عند ما حد لهم واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم).
يسر: هيأ وأعد، المصدق بالله على ما يليق به وبما جاء عن الله على ما جاء عنه، واليسرى: الجنة وقيل: السهولة والسماحة في الدنيا والآخرة إذا رفع عنهم القتل والذل والإصر وأوجب لهم الأمن من الخلود في النار وجعلهم خالدين في الجنة وهذا هداية لمنافعهم بما هدوا إليه من الإيمان قال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] الآية، وقال عز وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] الآية، فهو سبحانه الذي تفضل بالإيمان، ثم تفضل بثواب الإيمان ومن بثبوته فيسر للمؤمنين كل خير أولاً وأخراً وباطناً وظاهراً وشرح: بمعنى فسح ووسع والصدور جمع صدر
стр. 11
وهو ما حوالي القلب سمي به القلب هنا مجازاً وتعبيراً عن الشيء بمحله ولازمه والذكرى التذكير بما ذكروا به من آثار الصنعة وما جاء عن ألسنة المرسلين من وحيه، ودليل تذكرهم بما ذكروا به ظهور الإيمان عليهم ودليل صحة الإيمان ظهور الشهادتين على اللسان حتى قيل: إن النطق بهما شطره والمشهور شرطه فلا إيمان لمن لم ينطق بالشهادتين وإن اعتقد بقلبه إلا أن يكون له مانع من إكراه أو اخترام منية على المشهور: وقيل: لا يصح بناء على الشطرية وقيل يصح مطلقاً بناء على أنه فرض مستقل ولا خلاف في كفر الممتنع كثيراً ونحوه وذكر ذلك الآبي في شرح مسلم وغيره والإخلاص شرط صحة في العقد.
والنطق وهو إرادة وجه الله وامتثال أمره بذلك وهو فرض في كل همل صالح وقد قال الشيخ في آخر الكتاب وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله العظيم والعمل بما جاءت به الرسل والكتب بمعنى إثبات حكمه على وجهه حيث لا احتمال من الاعتقادات؛ لأن من أحل حراماً قطعياً أو حرم حلالاً قطعيا كافر إجماعاً والعمل به بمعنى الحركة في تحصيله وفعله من كال الإيمان لا من صحته.
واختلف في العمل بالقواعد الأربع هل هي شرط صحة فيكفر تاركها وإن أقر بالوجوب وقاله ابن حبيب وابن الجهم والحكم بن عتيبة أولاً وعليه الجمهور إلا في الصلاة فإن أكثر المحدثين مع أقل الفقهاء يقولون بكفر تارك الصلاة وأكثر الفقهاء مع أقل المحدثين يقولون: إنه عاص مستباح الدم حداً والله أعلم.
والظاهر أن الشيخ إنما قصد وصف المؤمن الكامل الذي تم له التوفيق والهداية فمراده بالعمل إيقاع الطاعات بدليل قوله وتعلموا ما علمهم يعني ما أوجب عليهم تعلمه أو ندبهم إليه أو أباحه لهم لا مانع منه كالسحر وغيره والواجب من العلم ما لا يؤمن الهلاك مع جهله والمندوب ما يكون كمالاً أو موصلاً إلى كمال والمباح ما لا ضرر فيه كما يأتي في تعلم الأنساب ونحوه وفي استغنائهم بالحلال عن الحرام تجنب الشبهات لدخول جزء من المحرم فيها والحد في اللغة المنع وفي الشرع ما منع من الزيادة عليه وتعديه إلى غيره كعدد الركعات في الصلاة، والرجعيات في الطلاق والحدود الشرعية موضوعة للامتناع من العود لما وقعت فيه مع أنه لا يزاد عليها والاستغناء
стр. 12
الاكتفاء، والحلال: ما انجلت عنه التباعات فلا حق فيه للخلق ولا منع فيه من الحق، والحرام: ما أوجب الشارع احترامه أي: تجنبه واتقائه وما من حلال إلا ويقابله حرام وبالعكس كالبيع يقابله الربا والنكاح يقابله الزنى فمن استغنى بالحلال عن الحرام كان مهدياً ومن لم يفعل كان على وجه من الضلال وإن لم ينته إلى الكفر فيخشى عليه من خاتمة السوء لأن المعاصي بريد الكفر وقد تكلم الشيخ على جانب السعادة فكان دليلاً على مقابله للكفار والله ولي التوفيق بمنه وكرمه.
(أما بعد أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه وحفظ ما أودعنا من شرائعه فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانات مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ورغائبها وشيء من الأداب منها).
يعني أما بعد ما تقدم من حمد الله والثناء عليه وذكر ما من به على الإنسان من المبرة والإكرام؛ فإن السؤال ورد علي بكذا فهي إذا كلمة فصل تضمنت معنى الشرط وقد كان رسول الله ﷺ يستعملها في خطبه ومكاتبته وجرى السلف في ذلك على سنته، وقيل: إنها فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇ قال النووي: والتحقيق إن فصل الخطاب: الذي أوتيه الفصل بين الحق والباطل في الحكم وفي الكشاف هي من فصل الخطاب، وفي الترمذي: ما يدل لأن أول من تكلم بها يعقوب ﵇ لبنيه فقال: أما بعد فإن أهل بيت أهل بلاء الحديث، وقيل: أول من تكلم بها داود ﵇ وقيل: قس بن ساعدة، وقيل: يعرب بن قحطان فالله أعلم بذلك، وأعاننا قوانا المتكلم ومعه غيره فهي نون الجمع ويحتمل نون المعظم نفسه أي من حيث ما احتوت عليه لا من حيث إجلالها والله أعلم.
والمخاطب بإياك قيل الشيخ الصالح أبو محفوظ محرز بفتح الراء وهو ابن خلف الصد في المشهور بتونس، وقيل: هو الشيخ الصالح الشهير الكبير أبو إسحاق إبراهيم ابن محمد السبائي وعلى الأول اقتصر أصحاب التقاييد وعلى الثاني اقتصر المؤرخون ويحتمل اتفاقية الجمع وإلا فالأول أرجح والرعاية: المراقبة والمحافظة، والإيداع: التوكيل بالحفظ والودائع: الأشياء الموكل يحفظها.
стр. 13
قال الشيخ: والمراد بها هنا الجوارح السبع التي هي الفرج والبطن والعين والأذنان واللسان واليدان والرجلان فإنها أمانات عند العبد ليحفظها وينتفع بها والحفظ الصون والحياطة من الاختلال وغيره وما أي وحفظ الذي أودعنا من شرائعه التي جاءت بها الرسل من عبادات وغيرها فحفظ الشرائع بالعمل بها فعلاً وتركا وهي الاستقامة ورعاية الودائع بالتقوى وهي مجانية، كل ما نهى الله عنه وهذا هو المطلوب من كل العباد وقد قال ابن عطاء الله: في الحكم خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك فالشيخ طلب خير المطالب وبدأ بنفسه لأنه المأمور به شرعاً ففي الحديث أنه ﵇ أمر بذلك وكان يفعله في نفسه وفيه سر التواضع وإظهار الافتقار والاستعداد للإجابة والله أعلم.
وفي كلام الشيخ جواز سؤال كتب العلم والإجابة له قد اختلف فيه قديماً والصحيح إذ ذاك الجواز لأن النبي ﷺ أمر بالكتب لأبي شاه وأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس بن مالك في كتب ما يسمع منه في الغضب والرضا قائلاً: «لأني لا أقول إلا حقاً» ﷺ .
قال اللخمي: ولا يختلف في ذلك اليوم لقصور الهمم وقلة حفظ الناس والله أعلم.
والجملة الجماعة من الكلام المضاف بعضه إلى بعض والمختصر ما قل لفظه وكثر معناه فمرجع الاختصار إدراج كثير المعنى في قليل اللفظ فتأمل ذلك، والوجوب في اللغة السقوط ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ [الحج: ٣٦] أي سقطت ووجبت الشمس سقطت وهو في العرف سقوط الحكم في موضعه العقلي أو الشرعي بوجه لا يمكن انفكاكه فينقسم إذا إلى عقلي وشرعي والمراد هنا الواجب الشرعي وهو مقتضى خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف من حيث أنه مكلف فعله اقتضاء جازماً.
ويقابله المحرم وهو ما اقتضى الخطاب المذكور على الوجه المذكور تركه كذلك، والمندوب كالواجب إلا أنه بغير جازم، والمكروه كالمحرم إلا أنه يغير جازم أيضاً وشرط السبكي كونه بنهي مخصوص وإلا فهو خلاف الأولى، والمباح: ما استوى طرفاه وهذه هي أحكام الشريعة وأقسامها وأحكام المكلفين وللناس عنها عبارات: وهي من فن علم الأصول والأمور جمع أمر وهو الشأن والديانات: جمع ديانة وهي المعاملة ومنه قوله: " كما تدين تدان " أي كما تعمل تعامل وكما تفعل تجازي.
стр. 14
فالمراد ما يدان الله به أي يعامل مجازاً والأحكام إنما هي ثلاث: ما تنطق به الألسنة مفرد أو مركباً مع فعل أو تعتقده القلوب مفرد أو مركباً مع فعل أو قول أو تعمله الجوارح مفرداً أو مركباً مع غيره وسيأتي بيان ذلك عند قوله وقد فرض الله سبحانه على القلب إلى آخره فقوله: ما تنطق به إلى آخره بيان لمواقع أمور الديانات وما يتصل بالواجب من ذلك أي ما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح من السنن أي من الطرائق الشرعية فإن السنة لغة الطريقة وما رسم ليتبع المراد بها عرفا طريقة محمد ﷺ التي لم يدل دليل على وجوبها ثم إن كان قد فعلها وداوم عليها وأظهرها في جماعة كالوتر والعيدين والاستسقاء أو فهم منه إدامتها كصلاة خسوف الشمس فسنة مؤكدة أي لا يسع تركها، وإن لم يأثم التارك لها وإن اختل الإظهار أو الدوام فنافلة كصلاة الضحى وقيام الليل كما نص عليه الشيخ فيهما بعد لأن صلاة الليل أظهرها ولم يداوم على إظهارها وصلاة الضحى داوم عليها ولم يظهرها حتى قالت عائشة ﵂: " من حدثكم أنه كان يصلي الضحى فقد كذب "، وصح نقلها عنه ﵇ من غير وجه فتأمل ذلك وإن وقع الترغيب فيها فقط بمجرد قول: كقوله: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» فرغيبه وكذا بمجرد فعل كالركعتين بعد المغرب وإحياء ما بين العشاءين ونحوه وإنما اختلف في ركعتي الفجر اعتباراً بمدرك الحكم والله أعلم.
وإن كانت منوطة بالفوائد كالأكل والشرب واللباس والسفر ونحوه فهي الآداب هذا ما اقتضاه كلام الشيخ وهو قريب من اصطلاح الشافعية والمحدثين فأما أهل المذهب فكل ما وراء الفرض عندهم نافلة لأن أصل النفل الزيادة ثم يفصل إلى سنة مؤكدة ومخففة ورغيبة ونافلة وهي الفضيلة.
قال ابن بشير ولا فرق بينهما إلا كثرة الثواب وقلته وقد اضطرب أهل المذهب في ذلك بما يفهم منه إن ذلك راجع للاصطلاح وهو لا يتقيد بغير قصد واضعه وبالله التوفيق.
(وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب مالك بن أنس ﵀ وطريقته).
يروى بالكسر عطفاً على شيء من الآداب وبالرفع للاستئناف وبالفتح عطفاً
стр. 15
على قوله جملة مختصرة وهو أولى ولا سيما على ما روى الشيخ كتب أولاً باب العقيدة وجمل من الفرائض فما بعده فراجعه فطلب جملاً من أصول الفقه كما ذكر، والجمل: جمع جملة وهي الجماعة من المسائل وغيرها ومراده بأصول الفقه أمهات مسائله التي ترجع إليها فروعه كمسألة بيوع الآجال وبيع الدين بالدين وبيع الغائب ونحو ذلك، وبفنونه: فروعه المتفرعة عن تلك الأصول الراجعة إليها والمأخوذة منها وكلا الأمرين في كل الأبواب إلا القليل فينفرد بالأخير لا بالأول والله أعلم.
والفقه: العلم بالأحكام الشرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية فلا ففيه إلا المجتهد وإطلاقه على من دونه مجاز أي على الحافظ له والخائض فيه كما هو الاصطلاح اليوم القرافي ويقال: فقه بكسر القاف: إذا فهم وبفتحها إذا سبق غيره إلى الفقه وبضمها إذا صار الفقه له سجية فهو في اللغة: الفهم والله أعلم.
والمذاهب أقوى في النفس حتى يتقلده في نفس وفي حق غيره لراجحيته عنده ومالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي إمام دار الهجرة فقها وحديثاً بعد التابعين، قال النووي: وقد اجتمعت طوائف العلماء على إمامة مالك وجلالته وعظيم سيادته وتبجيله وتوقيره والإذعان له في الحفظ والتثبت وتعظيم حديث رسول الله ﷺ ، وقال الشافعي ﵀: مالك أستاذي وعنه أخذت العلم وهو الحجة بيني وبين الله تعالى وما أحد أم علي من مالك، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب، وقال ﵊: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة».
قال القاضي عبد الوهاب: ولم يشتهر بعالم المدينة من الأئمة الأربعة وغيره فهم لا ينازعونه في هذه المزية وحمل غير واحد الحديث عليه كابن عيينة وأمثاله ومن جرى له ذلك قبل مالك لم يدم له ولم يشتهر به شهرته ويكفي في راجحيته كونه إمام دار الهجرة في خير القرون، ومتبوع أهل المغرب الذين لا يزالون ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة كما صح في الحديث، وإن اختلفت رواياته وعصم الله مذهبه من أن يكون فيه
стр. 16
ذو هوى موسوم بالإمامة وجعله مقدماً عند الكافة؛ حتى إن كل ذي مذهب إنما يختار مذهبه بعد مذهبه وجعل رؤساء مذهبه حجة بعده في الحديث كالفقه، قد خرج لهم البخاري وما ملأ كتابه إلا بهم فهم الحجة الثقات والأئمة الإثبات الذين برزوا ولم يثبت ذلك لغيرهم وإن كان صالحاً أميناً ومن طالع مناقب الأئمة الأربعة عرف علو مراتبهم ووجوب تقديمهم على غيرهم ولزوم الاقتداء بهم وترجح عنده أحدهم على ما يتعرف من مراتبهم.
ويرى مع ذلك أن مالكاً أعلى منهم وأسناهم ألا ترى أن الشافعي تلميذه وأحمد تلميذ الشافعي فيرحم الله ابن الأثير حيث قال: كفى مالكاً شرفاً أن الشافعي ﵀ تلميذه وكفى الشافعي شرفاً أن مالكاً شيخه قلت وكذا ما بين أحمد والشافعي ﵄ فأما أبو حنيفة فقد حكى غير واحد أنه لقي مالكاً وأخذ عنه بعض شيء من الحديث فهو إذا شيخ الكل وإمام الأئمة وكلهم على هدى وتقى وعلم وورع وزهد وبالله التوفيق وسيأتي تاريخ الجميع وبعض مناقبهم آخر بالكتاب إن شاء الله.
واختلف الشيوخ هل المذهب والطريقة مترادفان أو متغايران وعلى التغاير فقيل: المذهب ما أفتى به والطريقة ما أخذ به في نفسه.
وقيل: المذهب: ما قاله بنفسه والطريقة ما قاله أصحابه على أصوله وهذا الذي رجحه ابن ناجي وغيره والله أعلم.
(مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين).
يعني سألتني أن أكتب لك مع الجملة المختصرة والجمل من أصول الفقه وفنونه ما سهل: أي يسر وقرب للفهم سبيل أي طريق ما أشكل: أي اشتبه واختلط من ذلك أي من الجملة وتفاصيلها الواجبة والمندوبة والجمل وما احتوت عليه من أصول الفقه وفنونه في المذهب المذكور إذ في كلام الإمام وتابعيه مشكلات قام ببيانها من بعدهم فأبانوا عن مشكلتها وفسروا مبهمها والتفسير: التبيين والإيضاح وقيل التفسير مغاير للتبيين والأول أشرف من الثاني ولذلك أضاف الشيخ التفسير للراسخين والبيان للمتفقهين لأن التفسير: الكشف عن المراد من اللفظ والتبيين: توصيل المعنى المراد بعبارة واضحة فهو تابع والراسخون جمع راسخ والراسخ الثابت في العلم وغيره ثبوتاً لا
стр. 17
يتزحزح ولا يتزلزل ولا يحيد به عن موقعه في توقيع ولا فهم والمتفقهون جمع متفقه أي بالغ في الفقه مبلغ الرد والقبول والتقلب فالمراد المتخلون للفقه على وجه فالأولون كابن القاسم وأشهب وابن وهب وعبد الملك ومطرف وابن كنانة ونحوهم والآخرون كسحنون والشيخ وأمثالهم وقد يراد بالتفقه تفعل الفقه على غير تحقق به وليس ذلك بمراد هنا وقد قال تعالى: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] أي يتعلموا ما يتعلق به من الأحكام تفهما وتحصيلاً والله أعلم.
(لما رغبت من تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرآن) لما ذكر مقاصد المطلب وهي خمسة: بيان الواجب نطقاً وعقداً وعملاً وبيان المندوب كذلك على حسب متعلقة من الجوارح وتعلقه وذكر جمل من أصول الفقه وفنونه وكون ذلك مقيداً بمذهب مالك مع ما يحل مشكلة ويفتح مقفلة من كلام عالم راسخ أو متفقه ناصح ذكر السبب الموجب لطلب ذلك والباعث عليه وهو رغبته في تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرآن أي الحروف التي يقرأ بها القرآن وسواء أراد حروف التهجي أو حروف الرواية فهي التي يقرأ بها فتدل عليه وإلا فنفس القرآن لا يوصف بالحروف الحسية لثبوت قدمه وهي حادثة.
وقد اعترض أبو بكر بن الطيب هذا الإطلاق على الشيخ وأجيب بأن جوازه مأخوذ من قوله ﵊: «إن هذا القرآن أنزل سبعة أحرف» الحديث والشبه في التعليم من جهة أنه يحصل أولاً حفظاً وضبطاً ثم تصويراً وفهما ثم تتبعا وتدقيقاً ثم إفادة وتحقيقاً والله أعلم ثم بين علة رغبته في ذلك وحرصه عليه فقال:
(ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركاته وتحمد لهم عاقبته).
هذه علة بعد علة لأنه طلب لما رغب ورغب فيما طلب ليسبق ودين الله الإسلام أضيف إليه لأنه ارتضاه ولم يقبل سواه فقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وفهمه إدراك مقاصده وأصوله التي يتميز بها من
стр. 18
غيره وذلك في باب ما تنطق به الألسنة ويعرف بالعقائد وأصول الدين وهو علم الأديان ما يتميز به دين الحق من دين الباطل وشرائعه طرائقه فإن الشرائع جمع شريعة وهي الطريقة المتبعة فشرائع الله أحكامه التي لا تعرف إلا منه ومن ثم كان الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث أنه مكلف فلزم منه أن لا حكم إلا لله ولا حكم قبل الشرع بل الأمر موقوف إلى وروده خلافاً للمعتزلة فيهما، وتحقيق ذلك من الأقوال والرجاء يأتي قريباً إن شاء الله والبركة الخير المتدارك المتزائد وتحمد تمدح ويثنى عليها بالجميل والعاقبة ما يؤول إليه الأمر والمقصود ما يحصل لهم النفع به عاجلاً وآجلاً فهو مرجو في الدنيا والآخرة بذلك والله أعلم.
(فأجبتك إلى ذلك لما رجوت لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه).
معنى أجبتك أسعفتك بمرادك الذي هو كتب الجملة المختصرة وما معها وتحصل ذلك في أربعة آلاف مسألة تضمن أربعمائة حديث تارة نصاً وتصريحاً وتارة إشارة وتلويحاً وهي إذا تتبعت وجدت على ذلك إلا في القليل لكن مع ضعف جملة من أحاديثها ويذكر أن الأبهري خرج أحاديثها كلها بأسانيدها في تأليف مفرد ولم أقف عليه وفي قوله أجبتك إخبار عن تقدم الكتب على الخطبة وقد يريد عزمت على إجابتك عزماً ينزل منزلة الوقوع لتحققه إن شاء الله والأول أظهر وفي قوله: لما رجوت لنفسي ولك أخبار عن أن عزمه على الإجابة إنما أراد به ثواب الله لنفسه ولمن ندب لذلك فإن الدال على الخير كفاعله وفاعله من أهل الجنة، وقد قال ﷺ : «لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس» وكل من الشيخ والسائل منه ممن دعا إلى دين الله وعلمه وسيذكر ثواب ذلك إن شاء الله.
(واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه وأولى ما عنى به الناصحون ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ فيها وتنبيههم على معالم الديانة وحدود الشريعة ليراضوا عليها وما عليهم أن تعتقدوه من الدين قلوبهم وتعمل به جوارحهم).
أتى بهذه الجملة تنبيهاً على أن قلوب أولاد المؤمنين محل لقبول الخير فيطلب
стр. 19
إلقاؤه إليها أكثر من غيرها وإن أهم ما اشتغل به أهل العلم والدين توصيل ذلك إليهم فأما الأول فلفراغ قلوبهم والقلب الفارغ يقبل مما يلقى إليه بلا مشقة ولا تعب ثم إذا دخله ولم يخرج منه بل كما قال قائلهم:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا
فمعنى خير القلوب أخيرها أي أفضلها وأحسنها وأوعاها أحفظها وسمى الوعاء وعاء لأنه يحفظ ما يلقى ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] أي تحفظها والخير في قوله للخير المراد به ما فيه صلاح ومنفعة وهو هنا العلم والعمل وخير كل قوم على حسب ما هم فيه فخير الزهاد في نفي الدنيا عنهم وخير غيرهم في حصولها لهم إلى غير ذلك وأرجى القلوب أي أكثر القلوب يرجى له حصول الخير الذي هو العلم والعمل ما لم يسبق الشر الذي هو السوء والمكروه إليه وقلوب أولاد المؤمنين كذلك لكونها لم يسبق الشر إليها مع إيعائها للخير لانتفاء الشواغل والشواغب عنها وإذا كان الأمر كذلك كان المطلوب بل الأهم والأولى السعي في عمارة هذه القلوب بكل أمر محبوب ومطلوب لأنه زرع في أرض طيبة وعمل في محل معمل فيتعين على العالم الناصح لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين أن يعمل بما علم ويعلمه من لم يعلم إذا كان أهلاً للتعليم أو كان واجباً عليه فقد جاء في الخبر " لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تؤتوها غير أهلها فتظلموها " وفي معنى ذلك قيل:
ومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
ثم قال: أعلم كلمة تنبيه لمحط الفائدة والقلوب جمع قلب عبر به عن العقل بملازمته له والرجاء: تعلق القلب بمطموع يحصل في المستأنف مع الأخذ في العمل المحصل له وأولى أحق وأهمها عنوا به بالفهم صرف العناية إليه وتهمهم به ويروى بالفتح مع ما فيه أي تعب فيه نفسه وأسرها لأجله والناصحون جمع ناصح وهو العامل في نفع الخلق بما أمكنه وفي حقوق نفسه أو حقوق الله.
وفي مسلم من طريق تميم بن أوس الداري ﵁: «الدين النصيحة» قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وخاصتهم» ورغب طلب بجد واجتهاد والراغبون جمع راغب وهم المجدون في الطلب والأجر:
стр. 20
الثواب المرتقب من الله على فعل ما يرضاه والإيصال والتوصيل التبليغ وكنه إلى قلوب أولاد المؤمنين لكونها قابلة بخلاف أولاد الكفار مع عدم إمكان ذلك غالباً ولو أمكن لوجب إيصال الخير إليها تارة بالتعليم وتارة بالتذكير وتارة بهما وتارة بغير ذلك. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية.
ومعنى ليرسخ فيها ليثبت فلا يتزلزل ولا يتزحزح لعدم تزاحم الأضداد والعوارض عليهم وقد تقدم أن الرسوخ الثبوت والتنبيه الإيقاظ للأمر المغفل ومعالم الديانة أي الطرق الموصلة إليها لأنه جمع معلم وهو دليل الطريق عند خفائه والديانة ما يدان الله به أي يعامل ومنه قوله كما تدين تدان أي كما تفعل يفعل بك وهو راجح إلى الجزاء وحدود الشريعة ما ينتهي إليه أمرها من إباحة وتحريم وغير ذلك فإن الحد في اللغة المنع وحدود الله ما يمنع تعديه والشريعة ما جاءنا عن الله بواسطة رسوله من أمر ونهي وغيرهما.
ومعنى ليراضوا ليذللوا من الرياضة التي هي تمرين برفق لما يراد دوامه هنا وما قيل موصولة بمعنى الذي فالتقدير والذي عليهم يعني عند بلوغهم وتوفر شروط التكليف فيهم وقيل: هي نافية وأن كل ما ذكر ليس عليهم ولكنهم يتعلمونه رياضة وتمريناً والله أعلم.
والذي تعتقده من الدين قلوبهم هو في الباب الأول، والذي تعمل به جوارحهم هو ما وراء ذلك فتدخل فيه الأحكام لأن إعمالها عمل بها والله أعلم.
والجوارح: جمع جارحة وهو العضو من يد ولسان وبطن وفرج وغيرها وبالله سبحانه التوفيق.
(فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الله وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر).
يعني روي عن النبي ﷺ رواه هو مختصره بلفظ: من تعلم علماً وهو شاء كان كوشي في حجر، ومن تعلم بعدما يدخل في السن كان كالكتابة على ظهر الماء ومعنى يطفئ غضب الله قيل: يطفئ النار التي يستحقها من غضب الله عليه، وقيل: معناه يرد
стр. 21
عنه الانتقام لأن الغضب في حقنا غليان وإشاطة تدعو إلى الانتقام من المغضوب عليه فإذا زالت ارتفع الانتقام عنه والله تعالى منزه عن الغليان والإشاطة فغضبه إرادة الانتقام ممن غضب عليه من غير أن يحدث به في ذلك حادث وإطفاء هذا الغضب عبارة عن رد الانتقام عمن استحقه والله أعلم.
(وقد مثلت لك من ذلك ما ينتفعون إن شاء الله بحفظه ويشرفون بعلمه ويسعدون باعتقاده والعمل به).
مثلت: شخصت ووجهت من ذلك بعض الذي ذكرت وهي الجملة المختصرة وما يتعلق بها ويتبعها من أصول الفقه وفنونه ثم ما سهل سبيل ما أشكل إلى آخره، وتحصل ذلك في أربعمائة حديث مضمنة أربعة آلاف مسألة كذلك قالوا وفي الأحاديث نظر وقد أشار بقوله ما ينتفعون إلى آخره أنه رجا من الله النفع لحافظها والشرف للعامل بما فيها والسعادة للمعتقد لما يتضمن الاعتقاد منها والعمل بما يطلب العمل به منها وقد حقق الله تعالى له ذلك فلا يعتني بها أحد علماً وعملاً إلا كان غنياً أو عالماً أو رئيساً أو صالحاً أو أحدهما أو اثنين أو ثلاثة منها وقد ذكر ذلك الشيوخ وعزوه للاستقراء فإنه طريقة وبالله التوفيق.
(وقد جاء أن يؤمر بالصلاة لسبع سنين ويضربوا عليها لعشر ويفرق بينهم في المضاجع فكذلك ينبغي أن يتعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم وسكنت إليه أنفسهم وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم).
يعني جاء من حديث سبرة بن معبد ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مروا صبيانكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح وهو في المدونة من رواية ابن وهب وقد اختلف في الضرب عليها لعشر فمنعه ابن نافع بناء على أنه ظلم إذا لم يجب عليهم شيء والمشهور الأول ولا يؤمر بالصوم وفرق بينه وبين الصلاة بتكررها واتساع أحكامها فهو تمرين وترشيح لما يطالبون به من أحكامها بخلاف الصوم فإنه قليل الأحكام غير متكرر
стр. 22
مع أنه تعذيب للنفس وإجحاف بها وإضرار به لغير فائدة له في الحال ولا رجائها في المال وإن كان يحصل له بذلك ثواب أو لوالديه وأمرهم بالصوم، ربما يؤول إلى نقيض المقصود من النفرة والاستثقال لذلك واختلف في زمان التفريق في المضاجع فقال ابن القاسم وابن وهب في السبع وقال ابن حبيب في العشر وقياس الشيخ تعليمهم ما عسى أن يجب عليهم من غير الصلاة صحيح واضح الحكمة وهي قوله ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم محبة واعتقاداً وسكنت إليه أنفسهم استراحة واستناداً وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم رياضة واجتهاداً فتسهل عليهم العبادات وتتحقق عندهم الاعتقادات بلا تعب ولا مشقة والله أعلم.
(وقد فرض الله على العباد عملاً من الاعتقادات وعلى الجوارح الظاهرة عملاً من الطاعات).
يعني أن الذي يجب تعلمه هو ما فرض الله على عباده والذي فرض الله على عباده نوعان: عمل جوارحي واعتقاد قلبي فأعمال الجوارح ثلاثة: مالي وبدني وما تركب منهما والاعتقاد ثلاثة: إيمان وإخلاص ونية فالإيمان في الباب الأول والإخلاص في باب جمل من الفرائض والنية في آخر باب الوضوء ولكل أحكام تخصه وشروط يرجع إليها فيه فانظر ذلك وبالله التوفيق.
(وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره باباً باب: ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله وإياه نستخير وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
معنى أفضل آتي به مفصلاً أي قطعاً قطعاً فإن الفصل هو القطعة من الكلام، والتفصيل البسط والبيان الذي شرط ذكره هو الإتيان بما طلب منه من الجملة المختصرة بما احتوت عليه وما أضيف إليها والشرط قوله: فأجبتك إلى ذلك باباً باباً أي باباً بعد باب، قيل: والمراد ترجمة ترجمة لأن من القطع ما لم يترجمه بالباب كما يجب منه الوضوء على الصحيح والتيمم والمسح على الخفين ونحو ذلك وجملتها ثمانية وأربعون ترجمة منها بغير لفظ الباب نحو من ثمانية وباقيها مبوب، وعلى ذلك بتأولها بعضهم بقوله: باباً باباً إلى آخرها لا أكثر وقوله " إن شاء الله " تفويض ورجوع لعلم الله وامتثال لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾
стр. 23
[الكهف: ٢٣ - ٢٤] وتحقيق لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وقوله: " ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله " فتفصيله واضح لأنه لو كان سرداً أدى إلى الملل وصعب فهمه لاتساعه.
وكانت مسائلها لا تعرف مظانها والله أعلم، والاستخارة: طلب الخيرة وهي مشروعة في كل أمر لم تتحقق عاقبته ومنه التأليف والتقييد بخلاف تعليم العلم وإفادته فالاستخارة في الأول، وقد تكون باعتبار الوقت والحال حديث الاستخارة رواه البخاري وغيره من حديث جابر ﵁ وهو مشهور.
وقوله: (وبه نستعين) أي نطلب منه الإعانة على ما نحن بصدده من أمر الكتاب والإرشاد والدعوى إلى الله. وينبغي لكل مؤمن ذلك في مقصده لأن الإعانة هي التقوية على ما يراد من أمر الدين والدنيا وهي أصل كل أصل في ذلك ولقد أحسن القائل في ذلك:
إذا لم يعنك الله فيما تريده ... فليس لمخلوق إليه سبيل
وإن هو لم يرشدك في كل مسلك ... ضللت ولو أن السماك دليل
(ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
يعني: ولا حركة ولا سكون ولا تحول ولا ثبات إلا بتحريكه وتسكينه ولا تحول عن أمر ولا ثبات فيه إلا بقضائه وقدره ومشيئته وإعانته، فهذه الكلمة تفويض إلى الله سبحانه وهي عنوان الرضا بالقضاء ومن ثم كانت كنزاً من كنوز الجنة لأنها توقع في راحة الأبد قال رسول الله ﷺ لأبي موسى الأشعري ﵁ «يا عبد الله بن قيس ألا أخبرك بكنز من كنوز الجنة» قال: بلى يا رسول الله قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» متفق عليه زاد النسائي «ولا ملجأ من الله إلا إليه» وإنما كانت من كنوز الجنة لأن الرضا عن الله مفتاح السعادة وباب الرحمة فقد قال عبد الواحد بن زيد ﵁: الرضا باب الله الأعظم ومستراح العابدين وجنة الدنيا وقد فسر رسول الله ﷺ هذه الكلمة لعبد الله بن مسعود ﵁ بقوله إن معناها لا حول عن معصية
стр. 24
الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بإعانة الله. والعلي معناها: المرتفع في المنزلة والمكانة والعظمة، والعظيم الذي يصغر عند ذكر وصفه كل شيء سواه بل هو تعالى عظيم في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، عظيم في علوه علي في عظمته.
(وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم).
هذا اللفظ لفظ خبر ومعناه الدعاء فتقديره يا الله صل والصلاة من الله على نبيه الإقبال بزيادة التشريف والتعظيم على عباده الإقبال بالعطف والإكرام ومن الملائكة الإقبال بالدعاء والاستغفار ومن النبي ﷺ بالدعاء ونحوه وقد أشار الخفاف إلى هذه الجملة وصرح غيره بأن معنى الصلاة في اللغة راجع لذلك واستشهد ببيت له من كلام العرب والبيت قول الشاعر:
وصلى على دنها وارتسم
وسيدنا له من الشرف الكامل علينا وهو ﵇ كذلك بحيث أنا إن قلنا سيد يملكنا فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وإن قلنا سيد منا فهو مبعوث من أنفسنا بضم الفاء ومن أنفسنا بفتحها وهو سيد بني آدم ولا فخر ﷺ وعلى آله أي أهل بيته وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين تحرم عليهم الصدقة على المشهور، وقيل: آله أمته واختاره ابن منصور الأزهري ودليله ﴿أدخلوا إلى فرعون﴾ [غافر: ٤٦] أي أتباعه وصحبه جمع صاحب وصحابي وهو من اجتمع بمحمد ﷺ مؤمناً به عند جمهور المحدثين. وسلم تسليماً أي أطلب السلامة أي وسلمهم يا رب من كل آفة ونقص تسليماً حسبي الله ونعم الوكيل.
стр. 25
باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات
قوله: باب خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا باب والباب عبارة عن المدخل والمخرج وعرف بأنه فرجة في ساتر يتوصل بها من ظاهر إلى باطن ظاهرها الجهل وباطنها العلم حقيقة في الأجسام مجاز في المعاني وفي الكلام إضمار تقديره باب ذكر الشيء الذي ينطق به. فما: موصولة بمعنى الذي ومعنى تنطق تفوه وتتكلم والألسنة: جمع لسان وهو جارحة معروفة وتعتقده تربط عليه وتشد الاعتقاد حتى لا يتفلت.
وقال الأصوليون: الاعتقاد هو الذكر النفسي الذي لا يحتمل النقيض عند الذاكر ثم هو اعتقاد صحيح إن طابق وفاسد إن لم يطابق. والأفئدة: جمع فؤاد والمراد به هنا القلب عبر عنه بلازمه كما عبر بالقلب عن المعنى القائم به وهو العقل والواجب قسمان: شرعي وعقلي.
فالشرعي: ما لا يجوز في الشرع تركه وسيأتي إن شاء الله، والعقلي: ما لا يمكن نفيه ويقابله المستحيل وهو ما لا يتصور وجوده والجائز عديلهما وهو ما لا يمنع تصوره من وجوده ومقابله فهذه أحكام العقل وبها الكلام في الإثبات والنفي وإنما ذكرتها هنا لتعلق الاعتقاد بها والله أعلم.
ومقصود الشيخ في هذا الباب ذكر ما يجب نطقاً واعتقاداً على الجمع والتفكيك: وقد اختلف في إدخاله في أبواب الفقه لتوقفه عليه في باب الردة وغيرها أو لا ولا يدخل في ذلك وضعها هنا لأن الكتاب موضوع لما هو من أمر الدين جملة والله أعلم.
(من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله واحد لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا شريك له).
من ذلك أي: مما يجب نطقاً واعتقاداً على التلازم الإقرار له تعالى بالوحدانية من جميع جهات الوحدانية وهو معنى قولنا: " لا إله إلا الله " فالله اسم لذات المعبود الحق الغني عن العلة والفاعل الموصوف بصفات الألوهية والله أطلقته العرب على كل معبود عبد بحق أو باطل فجاء الشرع بنفي ما عمموه وهو قوله: " لا إله إلا الله " أي: لا معبود
стр. 26
بحق إلا الله لأنه لا مستحق للاتصاف بالكمالات سواه وإنما أتى بصيغة النفي والإثبات نفياً للإبهام ورفعاً للأوهام وقد أشار تعالى لذلك بقوله الكريم: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ فأثبت الوحدانية ثم رفع الوهم بقوله ﴿لا إله إلا هو﴾ ثم أشار لكمال الصفة بقوله ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثم أشار للدليل بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
والوحدانية التفرد فيما هو به قال الشيخ أبو بكر بن فورك ﵀: والوحدانية في وصفه تعالى له ثلاث معان: لفظ الواحد حقيقة في جميعها.
أحدها: أن لا قسيم لذاته، وأنه غير متبعض ولا متحيز.
الثاني: لا شبيه له تقول العرب فلان واحد عصره أي لا شبيه له فيه.
الثالث: أنه لا شريك له في أفعاله ومنه قالوا فلان متوحد بهذا الأمر أي لا شريك له فيه ولا معاند انتهى.
قلت: والمقصود أنه تعالى واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في أفعاله ووصفه، بأن لا إله غيره جامع لكلها.
وقوله (لا شبيه له ولا نظير له إلى آخره) تفصيل لذلك ولك أن تقول لا شبيه له في ذاته إذ ليس كمثله شيء ولا نظير له في صفاته ولا شريك له في أفعاله ولا ولد له فيكون موروثاً ولا والد فيكون كغيره ولا صاحبة له فيكون محتاجاً له أو مغلوباً لأن الصاحبة إنما تراد للشهوة وهي غالبة أو لدفع الضرورة وهو افتقار أو للاستلذاذ وهو من سمات الحدوث ويتعالى ربنا عن ذلك كله والدليل على وحدانية ذاته أنه لو كان جسماً لكان مركباً ولو كان جوهراً لكان متحيزاً ولو كان عرضاً لكان مفتقراً والتركيب والتحيز والافتقار حوادث وما لا يعرى عن الحوادث لا يسبقها وما لا يسبقها كان حادثاً مثلها وموجداً لكل لا يصح أن يكون حادثاً للزوم التسلسل والدور فيلزم من قدمه نفي كل صفة حادثة عنه.
وأما وحدانية الصفات فقال الأشعري ﵀: لو أشبه الباري تعالى خلقه ولم
стр. 27
يخل أن يشبههم من كل جهة فيكون حادثاً مثلهم أو من بعض الجهات فيكون حادثاً من تلك الجهة لأن جميع جهات العالم حادثة وهو تعالى قديم باق منزه عن الحدوث.
وأما وحدانية الأفعال فلأنه لو كان اثنان فإما أن يقدر كل واحد منهما أن يمنع الآخر مما يريد أم لا أو يقدر أحدهما دون الآخر أو يتفقان والكل باطل لأن الأول يؤذن بعجزهما والثاني بعجز أحدهما والثالث مشروط بجواز انعدامهما ولو وجد قادران كانت نسبة المقدورات لهما سواء ولا مخالف في التوحيد إلا الثنوية القائلون بالنور والظلمة وكذلك الطبائعية والأفلاكية والمسبعة منهم، فأما النصارى فيقولون بتعدد القدماء في ذاته ويسمونه جوهراً أو يقولون هو ثلاثة أقانيم اتحدث في ذات القديم:
وجود وعلم وحياة فالوجود أب والعلم ابن وهو المسيح عندهم والحياة روح القدس، ولطائفة منهم أب هو الله وعيسى ابن مريم زوجة.
وقد رد الله على الجميع بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] الآية وقال عز من قائل: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ﴾ [المؤمنون: ١١٧] فكل ما ذكرناه مداره على هذه الآية وعلى قوله : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقوله جل ذكره ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقد سئل بعضهم عن الله تعالى فقال: إن سألت عن ذاته فليس كمثله شيء، وإن سألت عن صفاته فهو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وإن سألت عن أسمائه: فـ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السورة وإن سألت عن أفعاله فكل يوم هو في شأن قيل يغفر ذنباً ويكشف كرباً ويبتلي قوماً ويعافي آخرين انتهى.
والنقل في هذا الباب واسع والنظر فيه على بساط التتريه ونفي التشبيه والتبري من الشبه من أعظم شيء في زيادة الإيمان وبالله التوفيق.
(ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء).
أي أن ما وقع في القرآن من اسمه الأول والآخر معناه أول بلا بداية، آخر بلا نهاية لا أن ثم أولية وآخرية تعالى ربنا عن ذلك علواً كبيراً. ومدار كلامه على إثبات
стр. 28
القدم والبقاء وأنه تعالى قديم باق لأنه لو كان حادثاً لافتقر إلى محدث وكذلك القول في محدثة فيلزم التسلسل وما تسلسل لم يتحصل أو ينتهي إلى محدث قديم هو الأول وهو الله سبحانه الذي لا محدث للعالم سواه وما ثبت قدمه استحال عدمه لأنه لا يصح منه إعدام نفسه كما لا يصح منه إيجادها ويلزم في غيره ما لزم من التسلسل في وجوده واختلف في البقاء والقدم هل هما وجوديان أو لا يعقل منهما غير نفي العدم والزوال.
وقال الأشعري: البقاء وجودي بخلاف القدم لأن الوجود متحقق دون البقاء بخلاف الآخر فهو وجودي وقال القاضي، والإمامان وأكثر الأصحاب أنه نفس الوجود والجمهور على أن القدم ليس أمراً زائداً إلا أنه لا يعقل منه إلا نفي العدم فهي إذا ثلاثةً أقوال: أصحها أنهما ليسا بزائدين كالوجود والوحدانية وأنه قائم بنفسه مخالف للحوادث وهذه الست: هي صفات النفس والصفات التي لا يعقل منها غير وجوب الذات والله أعلم.
(لا يبلغ كنه صفته الواصفون).
كنه الشيء: غايته وقيل حقيقته فعلى الأول يكون المعنى لا كنه لصفاته حتى يبلغ لأن غاية الشيء ما ينتهي له وذلك لا يصح في وصفه تعالى ذاتاً ولا تعلقاً أما ذاتاً فلأن التناهي من صفات الكم ولا كم هناك وأما تعلقا فلأن التناهي يلازمه النقص والعجز ولا نقص ولا عجز ولا تناهي.
وأما على الثاني الذي هو أن الكنه بمعنى الحقيقة لأن الصفة لها حقيقة لكن لا يبلغ الواصفون إلى تلك الحقيقة وهذا هو ظاهر كلام الشيخ وعليه فلا يقال: كنه له بل له كنه لا تبلغ حقيقته فالمعنى العلم بتلك الحقيقة من حيث هي لا من حيث وجودها لأن وجودها ثابت.
وقد قال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠] فأثبت العلم به ونفى الإحاطة فافهم.
(ولا يحيط بأمره المتفكرون).
يعني أن أهل الفكرة والاعتبار لا ينتهون إلى الإحاطة بأمره الجاري في خلقه ولا يصلون على الإحاطة بما هو من شأنه وإن بلغوا إلى العلم به فمن جهة الإثبات والتترية لا
стр. 29
من جهة الإحاطة والتكييف ولله در القائل:
أين منك الروح في جوهرها ... هل تراها أو ترى كيف تجول
أين منك القلب في قالبه ... وهو بيت الرب حقا إذ يقول
أين نور العقل والفهم إذا ... غلب النوم فقل لي يا جهول
أين نور الشمس لما أن دجا ... غيهب الليل وفاءت للأفول
هذه الأنفاس لا تعرفها ... لا ولا تدري متى عنك تزول
أنت لا تدري صفات ركبت ... فيم حارت في خفاياها العقول
فإذا كانت خفاياك التي ... بين جنبيك بها أنت ضلول
كيف تدري من على العرش استوى ... لا تقل كيف استوى كيف النزول
كيف تجلى لم تدر كيف يرى ... فلعمري ليس ذا إلا فضول
إن تقل كيف فقد مثلته ... أو تقل أين فقد رمت الحلول
فهو لا أين ولا كيف له ... وهو رب الكيف والكيف يحول
وهو فوق الفوق لا فوق له ... وهو في كل النواحي لا يزول
جل ذاتاً وصفاتاً وسما ... وتعالى وصفه عما تقول
لو كلف العبد بالإحاطة بذاته ما أطاقه هذا سمعه وبصره وعقله وروحه ووجوده وتصرفه لا تمكنه الإحاطة بها فكيف بأمر بارئه تعالى ربنا وجل.
(يعتبر المتفكرون في آياته ولا يتفكرون في مائية ذاته).
الاعتبار التأمل والنظر والآيات والعلامات والدلائل فالمراد: ينظر المتفكرون ويتأملون في دليل وجوده وجريان فضله وجوده ليصلوا إلى إثباته وتعظيمه والعلم بأفعاله وصفاته وعظمة ذاته (ولا يتفكرون في مائية ذاته) لأنه لا يعرف بالمائية ولهذا قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] قال موسى ﵇ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] وجعل ما بعد ذلك من الجواب على وفق ذلك إما لأنه تعالى لا يوصف بالماهية ولا يعرف بها على أحد القولين وقد حكى الطرطوشي عن المحاسبي أنه قال لا يمكن أن تكون ذاته معلومة لنا
стр. 30
واحتج له إمام الحرمين بأن الكلي لا يمكن أن يكون معلوماً للجزئي لتناهي الجزئي وعدم تناهي الكلي.
وقال المقترح في المباحث العقلية: حقيقة واجب الوجود وما يجب له من صفات الكمال ونعوت الجلال غير ممكنة الحصول لنفوسنا زاد الآمدي لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠] وهذا مذهب الغزالي وجماعة الصوفية لقولهم لا يعرف الله إلا الله ونقل ذلك عن الجنيد وعزاه الإمام لجمهور المحققين فالعلم بها ممتنع في الدنيا والآخرة.
وقال قوم: يمكن علمها في الآخرة وقد اختصر السبكي الخلاف في ذلك في " جمع الجوامع " فقال حقيقته تعالى غالبة لسائر الحقائق قال المحققون: ليست معلومة لنا واختلف هل يمكن عملها في الآخرة انتهى، وروي أن رسول الله ﷺ خرج يوماً على أصحابه فوجد جماعة مجتمعين فقال " فيم أنتم " فقالوا نتفكر في ذات الله فقال: «تفكروا في مخلوقاته ولا تتفكروا في ذاته».
قال بعض العلماء: لأن الفكر في ذاته ربما أدى إلى شك أو وهم والتفكر في مخلوقاته يؤدي إلى علم أو فهم قالوا وفي القرآن أربعمائة آية كلها دالة على النظر والاستدلال إما نصاً صريحاً وإما إشارة وتلويحاً والله أعلم.
ولقد أحسن الشيخ أبو الحجاج الضرير في أرجوزته حيث يقول:
والعلم بالمهيمن القهار ... بحسب الفكر والاعتبار
والفكر في بديع مصنوعاته ... لا في صفاته ولا في ذاته
إذ ليس ينتهي لكنه العظمة ... جل الله ربنا ما أعظمه
والفكر في عجائب الخليقة ... من أفضل الطاعات في الحقيقة
لأنه به تكون المعرفة ... وإنما يخافه من عرفه
وأشار بالشرط الأخير لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] العلماء فتأمل ذلك وبالله التوفيق.
﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾.
стр. 31
المراد بالعلم هنا المعلوم والمراد ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ﴾ من علم معلوماته ﴿إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ أن يحيط هم به فإن علمهم ينتهي إليه بتعليمه إياهم ولولا ذلك لم يعلموه ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ قيل: المراد بالكرسي العلم أي وسع علمه السموات والأرض ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٣] وقيل: كرسيه ملكه لأن الكرسي من لوازم الملك كالعرش فعبر به عنه من باب ذكر الشيء بلازمه، وقيل مخلوق عظيم دون العرش السموات والأرض فيه كحلقة ملقاة في فلاة.
قال شيخنا أبو عبد الله القوري ﵀: يعني إذا مدت كل واحدة إلى جانب الأخرى والسموات والأرضون مع الكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة والكل في قدرته تعالى كأدنى ذرة من الذرات وقيل هو العرش وقيل سرير دينه جعله تعالى لترتيب مملكته ولإظهار عظمته وقيل غير ذلك وقوله ﴿وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
معناه ولا يثقل عليه حفظ الكرسي وما فيه السموات والأرض وما في أنفسهما في قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] وهو العلي في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله عن كل نقص وحدوث بل عن كل كمال لا يليق بذاته الكريمة فضلاً عن النقائص العظيم في علوه كما أنه علي في عظمته إذ يصغر عند ذكر وصفه كل شيء سواه فافهم وبالله التوفيق.
تنبيه:
مرجع هذه العقيدة بل وكل عقيدة إلى ثلاث.
أولها: إثبات الذات الكريمة كما يليق بها من كمال التترية ونفي التشبيه والرجوع لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
والثاني: العلم بأسمائه تعالى وصفاته وما يرجع إليها من إجلال وتعظيم وتتريه.
والثالث: العلم بأفعاله تعالى الواقعة والمتوقعة والجائز نفياً وإثباتاً، وقد تكلم الشيخ على الأول من أول العقيدة إلى هنا ثم افتتح الكلام بالصفات والأسماء بقوله (العالم والخبير) على قوله والمقدر لحركاتهم وآجالهم ثم أتى بالثالث من قوله (الباعث
стр. 32
الرسل إليهم) أخر الباب فاعرف ذلك وتأمله وبالله التوفيق.
(العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير).
العالم من قام به العلم قاله الأشعري قال القاضي: والعلم عرفة المعلوم على ما هو به وألزم الطرد والعطس وإن كل علم معرفة وكلها علم قال بعضهم فالتزمه يريد منع الإطلاق لعدم التوقيف فلا يقال فيه عارف لعدم وروده شرعاً لأن الصحيح مذهب الشيخ الأشعري: إن الأسماء توفيقية لا تشبت إلا بكتاب أو سنة أو إجماع وفي خير الآحاد قولان المنع للشيح لقوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨] والجواز للجمهور لأنها عبادة وعمل ونظر غير واحد من الأئمة في تفسير القاضي العلم من حيث أن المعرفة جزئية والخبير فعيل من الخبر كالعليم من العلم أتى به للمبالغة.
قيل: وهو معنى العلم، وقد قال الشيخ ناصر الدين: إن المبالغة في العلم لكثرة المتعلقات لأن حقيقة العلم لا تقبل المبالغة قال والخبير بمعنى العليم في بناء المبالغة إلا أن الخبير قد يراد به المخبر ويشعر بإخباره عن الخفيات وقد يراد به المختبر ومنه قيل للفلاح خبير لاختباره حال الأرض في الحرث ويراد به المطلع على الشيء المشاهد له والله تعالى خبير بهذه الاعتبارات فهو مخبر ومختبر ومشاهد لما غاب ولما حضر ومطلع على ما ظهر واستتر انتهى.
وعلى هذه الوجوه قيل معناه: الذي عنده خبر كل شيء فلا يغيب عن علمه شيء، وقيل: المخبر عن الأشياء والمظهر لها على وفق علمه، وقيل: المختبر للأشياء أي مظهرها على وفق علمه كما يأتي بعد هذا من قول الشيخ علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره أي جرى ما قدر على ما علم والمدبر بالدال قبل الموحدة هو المبرم للأشياء على علمه بأدبارها أي عواقبها وما يؤول إليه أمها، ولم يرد هذا الاسم في كتاب ولا سنة وإنما ورد معناه في الوصف في مواضع من كتاب الله فقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ في سورة " يونس ".
وقال عز من قائل: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ " في سورة الرعد "، وقال جل علا ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥] وقد اختلف في اشتقاق
стр. 33
الأسماء من الصفات والأفعال على قولين فمنع الشيخ الأشعري وأجاز غيره، وكأنه مذهب الشيخ هذا وهو ظاهر مذهب عامة المتصوفة إذا طابق المعنى وأفاد أدباً وكان ما اشتق منه ثابتاً بقاطع من كتاب أو سنة أو إجماع.
وقد قال الشيخ أبو العباس بن البنا: لا يصح أن تكون أسماء الله مشتقة من شيء لأن المشتق مسبوق بالمشتق منه وأسماؤه تعالى قديمة فلا يصح أن تكون مشتقة من شيء قال: وإنما الأشياء مشتقة منها لقوله في الحديث هي «الرحم وأنا الرحمن شققت لها اسما من اسمي» ومنه قول حسان ﵁:
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
قال: وإنما يقال في مثل اسمه السلام فيه معنى السلامة قال بعض الشيوخ: وما ذكره لا يدفع ما وقع من أئمة الاشتقاق لأنه بمعنى ما ذكر ومرادهم جرى الاسم بمعنى ملحوظ فيه والله أعلم.
وقيل: المدبر المريد أي المخصص للأشياء بما أراد من زمان معين وكيف ونحوه وقد وقع في بعض النسخ بهذا اللفظ وإن كان الصحيح خلافه فالمراد إثباته ويشهد لذلك اقترانه بالعليم أولاً وبالقدير آخراً لأن الصفات الثلاث هي التي شهد فيها وجود المخلوقات فالعلم دليل الإيقان والإرادة للتخصيص والقدرة للإبراز فوجود العالم متقناً دليل على علم موجده، وكونه مخصصاً بزمان ومكان وكيفية دليل على الإرادة وإبرازه من العدم إلى الوجود دليل القدرة والكل شاهد بالحياة؛ لأن ذلك لا يكون من ميت ولا موات، والقدير فعيل من القدرة أتى بصيغة المبالغة لكثرة المتعلقات وقوة التأثير.
ثم العلم عام التعلق فيتعلق بالواجب والمستحيل والجائز والإرادة تتعلق بالجائز نفياً وإثباتاً والقدرة إنما تتعلق بالجائز المستحق وقوعه وتعلق القدرة بالأشياء قبل وجودها تعلقاً صلاحياً وعند إبرازها تعلقاً تنجيزياً وكذا الإرادة في تخصيصها ويتعلق العلم بالواجب من حيث وجوبه ووجوده كالعلم بذاته وصفاته وأسمائه وبالجائز من حيث جوازه وثبوته أو انتفائه وبالمستحيل من حيث نفيه وعدم قبوله الثبوت وما يجري بتقدير وقوعه كقوله ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ومذهب أهل الحق أن هذه صفات زائدة على الذات لا عينها ولا متعلقة بغيره وسيأتي الكلام في
стр. 34
ذلك إن شاء الله.
والسميع البصير صفتان زائدتان كغيرهما ليستا براجعتين إلى العلم. إذ قد أثبتهما القرآن مع ذكره أي: العلم، وقال الأستاذ أبو منصور هما راجعتان إليه، والصحيح خلافه، وأنهما واجبتان لكماله تعالى إذ لا يمنع منهما إلا الآفة لو كان الرب تعالى مؤفاً لكان ناقصاً في وصفه قال بعضهم: ولو كان كذلك؛ لكان في المخلوق من هو أكمل منه، ومهما وقع النقص في حق البارئ، والكمال في حق المخلوق فتلك إذا قسمة ضيزي.
وقال الإمام الغزالي – ﵀ – ولو كان تعالى غير سميع ولا بصير لقلب أبو إبراهيم الحجة عليه حيث قال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] بأن يقول: والذي تدعو إليه أنت كذلك مع أنه تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ انتهى. وفيه حجة على البلخي ومعتزلة بغداد إذ أنكروا السمع والبصر والعلي الكبير هو المتعالي عن أوصاف خلقه الذي لا يدرك كنه علوه وكبريائه غيره، وعلوه، وكبرياؤه المزية والمنزلة والمكانة والأوصاف المعنوية لا المكان والأوصاف الحسية فبصره لا بحدقة وأجفان، وسمعه لا بأصمخة وآذان، وكلامه لا بلهاة وشفة ولسان، كما يعلم بغير قلب، ويبطش بغير جارحة، ويخلق بغير آلة، ويدبر بغير فكرة وترتيب، وأن لا يحجب سمعه بعد، ولا يدفع رؤيته ظلام، لأن هذه كلها من لوازم النقص والحدوث وصفاته تعالى لا نقص، ولا حدوث فيها فيجب لصفاته تعالى من التتريه والتعظيم ما يجب لذاته الكريمة.
(وإنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان يعلمه).
يريد فوقية معنوية كما يقال: السلطان فوق الوزير والمالك فوق المملوك والشريف فوق الدنيء لا أنها حسية، كالسماء فوق الأرض وما في معناه لانتفاء الجهة في حقه تعالى لما يلزم عليها من النقص والحدوث، والعرش في اللغة: عبارة عما علا وارتفع، ومنه جنات معروشات، والمراد هنا مخلوق عظيم جامع للكائنات، الكرسي والسموات في جنبه كحلقة ملقاة في فلاة هو أجل الموجودات وأعلاها منصباً وأشرفها قدراً سوى بني آدم والملائكة فهو فوق العالم كله في الجلالة والرفعة، لكن رفعته
стр. 35
وجلالته إنما هي بجعل من الله له لا بذاته ولا لذاته ولا من ذاته فهو. وإن كان رفيعاً جليلاً فرفعة الحق تعالى وجلالته فوقه؛ لأنه امن ذاته بذاته لذاته، والمجيد يقال: بالخفض على أنه صفة للعرش، وبالرفع صفة لله تعالى، وهو الأظهر وكل صحيح، والتقدير أنه فوق عرشه المجيد الذي هو الرفعة والجلالة وإن كان العرش مجيد فإن مجده بتمجيده تعالى وهو قوله (مجيد بذاته) لا يتوقف على تمجيد غيره.
وقد قال بعض الشيوخ: إنما أحوج الشيخ لهذه العبارة الواهمة دفع ما ادعاه العبيديون في زمانه في شأن رقاده، ورأى أن اعتقاده الجهة مع التعظيم أيسر أمر مما كانوا يعتقدونه، وقد سئل عز الدين بن عبد السلام عن كلام الشيخ هذا: هل ظاهره القول بالجهة أم لا؟ فأجاب ظاهره القول بالجهة والصحيح أن القائل بالجهة لا يكفر.
وقال ابن أبي حمزة: القائل بالجهات لا يكفر؛ إذا لم يقبل عقله غيرها واستدل له بحديث السوداء، وفيه نظر، وما ذكره الشيخ هنا نقل ابن مجاهد في إجماعاته ما هو أعظم منه فقال: وما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق سمواته على عرشه دون أرضه يريد إطلاقاً شرعياً؛ لأنه لم يرد في الشرع أنه في الأرض فلهذا قال: دون أرضه، وهذا مع علمهم بثبوت استحالة الجهة عليه تعالى مع معرفتهم بفصاحة العرب واتساعهم في الاستعارات.
ونقل الشيخ في المختصر والنوادر هذا الكلام بعينه وغير صورته هنا؛ لقصد اختصاره، وبالجملة فإخراجه عن ظاهره المحال واجب، وعذر الشيخ في ذكره واضح ونقله عن السلف قاطع لحجبة المعترض وبالله التوفيق.
وقوله: (وهو في كل مكان بعلمه) يعني: وعلمه محيط بكل مكان كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية.
وقد قال بعضهم: في هذه نفي لما يتوهم في التي قبلها؛ لأن الواحد بالذات لا يتعدد مكانه بل هو تعالى منزه عن المكان وكأنه يقول: هو فوق العرش من حيث الجلالة والعظمة لا من حيث الحلول والاستقرار.
وقالت الكرامية والمشبهة: هو فوق العرش، وهو خروج وضلال.
стр. 36
وقالت النجارية: هو في كل مكان بذاته.
وقالت المعتزلة: هو في كل مكان بالعلم لا بالذات وظاهر كلام الشيخ ينحو إليه، فلذلك قال ابن رشد في ذلك إنما يقال علمه محيط بكل شيء، وحكى ابن الفاكهاني عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كل عام مخصوص في كتاب الله إلا في أربع آيات أولها: قوله تعالى: ﴿واللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، والثانية: قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والثالثة: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] والرابعة: قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فهذا ما تيسر في هذه المسألة مما لابد منه وبالله التوفيق.
(خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقر إليه من حبل الوريد).
خلق: أوجد، وقيل: بمعنى قدر، وكلاهما صحيح، والأول أظهر، والإنسان: الجنس الآدمي، وقيل: المراد هنا آدم، والصحيح الأول، وقيل: هو لفظ عام، والمراد به من سوى الأنبياء ﵈ لعصمتهم من الوسواس عن الوسوسة التي هي حركات النفوس الداعية للشر في مقتضى الاستعمال، قالوا: ولهذا أضيف إلى النفس التي أخبر الله تعالى عنها أنها أمارة بالسوء إلا من رحم، وإلا فأصلها في اللغة: الحركة الخفية في النفس والاختلاج ومنه سمي صوت الحلي وسواساً.
قلت: والظاهر أنه المراد هنا؛ لأن المقصود إثبات العلم بخفيات السرائر، وهواجس الخواطر، وحركات الضمائر، وكل ما يليق به فلا يحتاج إلى تحاش واحتراز إلا عمد استشعار الإيهام والله أعلم.
وهو – أي الخالق سبحانه – أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد هو الذي أقرب الأشياء إلى الإنسان من وجوده لجريان النفس فيه وبه، وإنما دل على أنه تعالى أقرب للعبد من نفسه ومن نفسه؛ لأن جريان النفس إنما يكون بعلمه وقدرته وإرادته فهو سابق الوجود قبل ظهور تصريفه كما قال في الحكم ما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه، والقرب على ثلاثة: أوجه: قرب مسافة، وهو محال عليه سبحانه فليس مراداً هنا، وقرب كرامة وليس مراداً أيضاً؛ لأنه عبارة عن غاية الإحسان والإكرام وتوجه الأفضال والإنعام، وقرب إحاطة وهو بمعنى شمول العلم والإرادة والقدرة في
стр. 37
جميع الأحوال وهو المراد هنا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
فذكر الشيخ معنى الآية والمراد بالنفس قيل: الروح، وقيل: القلب، وقيل: وجود الإنسان، وقيل: ذات الشيء وعينه وحقيقته، وقيل: دمه وكلها تصلح في هذا الموضع إلا الدم، وحبل الوريد: العرق الذي يجري بالنفس في صفحة العنق عبر به؛ لتقريب التعريف لغاية القرب الذي لا يخفي معه شيء من وجود الإنسان، وإضافة الحبل إلى الوريد من إضافة الجنس إلى نوعه كصلاة الأولى، وبقلة الحمقاء.
قال الشيخ ناصر الدين: وليس من إضافة الشيء إلى نفسه كما زعم بعضهم، قيل: وهما وريدان عن يمين وشمال، وقيل: هو في الإنسان عرق واحد يسمى في العنق الوريد، وفي القلب الوتير، وفي الظهر الأبهر، وفي الفخذ النسا بالفتح، وفي الخصر الإسلام، فانظر ذلك.
وبالجملة فهو تعالى المحيط بكل شيء علماً وفوق كل شيء علواً فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات على العرش كمل أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وما ذكرته في هذا المحل كلام الإمام أبي حامد – ﵀ – وعقيدته غير ذكر الآية الأخيرة وبالله التوفيق.
(وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين).
يعني: ورقة من أوراق الأشجار أي ورقة كانت من أي شجرة كانت، فإنه يعلم سقوطها كما يعلم ابتداء وجودها، ومسافة محلها، ومدة بقائها، وحركتها، وسكونها، وتفصيل أبعاضها، وحيزها، وكيفيتها، ومكان سقوطها، وكيف تسقط، هل لظهرها أو لبطنها أو رطبة أو يابسة، وما يسبق ذلك، وما ينشأ عنه، وما يصحبه من أوصافها وخواصها وأحكامها وأسرارها إلى غير ذلك من شأنها، ويتعلق علمه بذلك قبل وجودها، وحالة كونها وبعد وجودها ويدخل في ذلك ورق شجرة أعمار بني آدم،
стр. 38
وهي على ما روي شجرة تحت العرش تشبه الرمانة ورقها على عدد بني آدم مكتوب في كل ورقة عمر صاحبها وملك الموت ينظر إليها.
فإذا اصفرت ورقة إنسان علم قرب أجله، وإذا سقطت فقد استوفى، ثم إن سقطت لوجهها فشقي، وإن سقطت على ظهرها فسعيد، والله أعلم.
وقوله (ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين).
يحتمل أن يريد ولا تسقط من حبة رطبة ولا يابسة أو ما يكون من حبة رطبة ولا يابسة أو لا يكون من رطب ولا يابس حبة أو غيرها إلا كتاب هو اللوح المحفوظ مبين مفصح عن ذلك وقيل الكتاب المبين علم الله والحبة عبارة عن أقل القليل واختلف في الرطب واليابس فقيل عام في كل شيء مما لان وقسا وقيل الرطب قلب المؤمن واليابس قلب الكافر.
وقيل الرطب أهل المدائن واليابس أهل البادية وظلمات الأرض ما تحت تخومها وأسفل سافلين والمقصود إثبات علمه تعالى بما دق وجل واتباع القرآن في ذلك إذ قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويبصر حركة الذر في جو الهواء ويطلع على هواجس الضمائر وخفيات السرائر بعلم قديم قائم بذاته لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول – والانتقال تعالى ربنا عن ذلك علواً كبيراً.
(على العرش استوى وعلى الملك احتوى له الأسماء الحسنى والصفات العلي).
وقع ذكر الاستواء على العرش في ستة مواضع من كتاب الله تعالى فقيل إن في ذلك من المتشابه الذي ينزه عن المحال ولا يتعرض لمعناه وهو مذهب السلف وجماعة من الأئمة وحمل عليه مذهب مالك إذ سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة فقوله معلوم يعني في كلام العرب له مصارف، وقوله والكيف غير معقول نفي لما يتوهم فيه من محتملاته الحسية إذ لا تعقل في حقه تعالى وقوله والإيمان به واجب؛ لأنه ورد
стр. 39
نصاً في القرآن قوله (والسؤال عنه بدعة). أنه من تتبع المشكل الذي وقع النهي عنه.
وفي بعض رواياته والكيفية مجهولة وقد عدلنا عنها للرواية التي ذكرنا لأن غير المعقول لا يمكن العلم به والمجهول يمكن علمه والمقصود نفي التعقل في ذلك فرواية نفيه أولى وإن كان غيرها أكثر رواية ثم هذا مما تعارضت فيه الأدلة العقلية والظواهر النقلية وقد أصل الشيخ ابن فورك رحمة الله تعالى عليه لذلك أصلاً فقال: إذا تعارضت الأدلة العقلية مع الظواهر النقلية فإن صدقناهما لزم الجمع بين النقيضين وإن كذبناهما لزم رفعهما وإن صدقنا الظواهر النقلية وكذبنا الأدلة العقلية لزم الطعن في الظواهر النقلية لأن الأدلة العقلية أصول الظواهر النقلية وتصديق الفرع مع تكذيب أصله يقضي إلى تكذيبها معا فلم يبقى إلا أن نقول بالأدلة العقلية، ونؤول الظواهر النقلية أو نفوض أمرهما إلى الله ولأهل السنة قولان فعلي القول بالتأويل إن وجدنا لها محلاً يسوغه العقل حملناها عليه وإلا فوضنا أمرها إلى الله.
قال وهذا القانون في هذا الباب والله الموفق للصواب، قال بعضهم ولئن كان التأويل أعلم فالتفويض أسلم ويسعنا ما وسع سلفنا من ذلك ولا يضرنا الجهل بتعيين المحمل إذا صح لنا التتريه ونفي التشبيه فليس ثم ألحن من صاحب الحجة بحجته وقد نسب الطرطوشي لمالك القول بالتأويل ونسب له غيره القول بالتفويض وبه قال الشافعي إذ قال آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله وعليه جرى الإمام أبو حامد حيث قال: وإنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بمحض قدرته ومقهورون في قبضته.
وذكر السهروردي في " آداب المريدين " له إجماع الصوفية على أنهم يقولون في كل موهم ما قاله مالك في الاستواء كاليد واللسان والعين والجنب والقدم ونحوه فتأمل ذلك فإنه باب من التفويض وبالله التوفيق ولا خلاف في نفي وجوب نفي المحال وإنما الخلاف في تعيين المحل وفي هذه المسألة أوجه منها استوى بمعنى استولى ومنها استوى بالقهر والغلبة ورده ابن رشد بأنه يستدعي مقاهرة ومغالبة فانظره وقيل بمعنى ظهر
стр. 40
ظهور دلالة وتعريف لا ظهور حلول وتكييف وقيل غير ذلك مما ليس بمحال ولا آيل إليه خلافاً للكرامية والمشبهة.
ومن قال بقولهم بأنه فوق العرش فهو كفر وخروج عن الدين أعاذنا الله منه وقوله (على الملك احتوى) يعني اشتمل فلم يدع لغيره ملكاً إلا هو مالك له والملك التصرف في المخلوقات بالقضايا والتدبيرات من غير منازع بنوع من القهر والجلال والعظمة وقوله (الأسماء الحسنى) يعني التسميات الحسنة الجميلة قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقوله: (والصفات العلى) يعني الصفات العلية الرفيعة الجليلة وقد تكلم علماؤنا في الاسم والمسمى والصفة والموصوف فأما الاسم فقال صاحب الأنوار إنها أربعة ألفاظ اسم وتسمية ومسم ومسمى ثم قال وأطبق القوم يعني الأصوليين على أن التسمية غير الاسم وغير المسمى وهي صفة قائمة بالمسمى، قال: وإنما الخلاف في الاسم والمسمى فقالت المعتزلة والكرامية والجهمية: الاسم غير المسمى. وقال أكثر المشايخ: أهل الحق على أن الاسم حقيقة في المسمى مجاز في التسمية وعكست المعتزلة.
وقال الأستاذ أبو منصور الثعالبي من أصحابنا حقيقة فيهما وعند ابن السبكي الكلام في هذا مما لا ينفع علمه ولا يضر جهله وأنكر جماعة الكلام فيه ورأوه بدعة منهم الشافعي وغيره فانظر ذلك.
(تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة).
أما الصفات فلا يصح حدوثها ولا قيامها ولا بعضها بحادث للزوم حدوث من قامت به الحوادث واستحالة اتصاف الحادث بالقدم لأن ما لا يعرى عن الحوادث لا يسبقها وما لا يسبقها فهو حادث مثلها وقد خالف في ذلك البلخي من المعتزلة ومعتزلة بغداد واضطرب مذهبهم فيه وكله باطل وأما الأسماء فما كان بنص من القرآن فلا إشكال في قدمه لأنها من كلام الكريم فلا يصح أن تكون محدثة وقد سئل محمد ابن موسى الواسطي من المتصوفة عن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فقال: ليس كذاته ذات ولا كصفاته صفات ولا كاسمه اسم ولا كفعله فعل إلا من حيث موافقة اللفظ وجلت الذات القديمة أن تكون لها صفة حادثة كما استحال أن يكون للذات
следующие страницы →