وفوات الرقبة ولكن لو كان قد قتله قاتل فإنه يأخذ منه دية الأحرار مع أنها قد تزيد على القيمة وعلى حصتها من الإرث فيكون منهما في ذلك، وقد لا ترث المرأة من الزوج كما إذا طلقها بعد ذلك طلاقًا بائنًا، لاسيما وقد يقتل العبد كما سبق فيأخذ الوارث بهذا الاعتراف دية الأحرار، وقد لا يرث أحدهما من الآخر وهو معلوم مما سبق، وإذا استحضرت جميع ما قلناه علمت أن كل واحد من هذه الأقسام قد يكون فيه تهمة وقد لا يكون فبطل ما وقع في الرافعي و"الروضة" من دعوى الاتفاق على قبول العكس استنادًا إلى عدم التهمة ويبقى النظر في أنا هل نقبله مطلقًا كما أطلقه الأصحاب أو نرده في كل صورة تحصل فيها تهمة دون ما عداها؟ يتجه تخريجه على إقرار الخنثى بالذكورة أو الأنوثة في محل التهمة وفيه اضطراب نبهت عليه، وعلى ما عليه الفتوى في موضعه وهو باب الأحداث فراجعه.
قوله في المسألة: فإن لم يعتبر قول الوارث، أو قال: لا أعلم أقرعنا بين العبد والمرأة فإن خرجت القرعة على العبد عتق، وإن خرجت على المرأة لم تطلق، وهل يرق العبد؟ وجهان: أصحهما: لا لأن القرعة لم تؤثر في ما خرجت عليه فغيره كذلك فعلى هذا يبقي الإبهام كما كان، وقيل لا نزال نعيد القرعة حتى تخرج على العبد.
قال الإمام: وعندي يجب إخرج القائل به من أحزاب الفقهاء ومن قال به فليقطع بعتق العبد وليترك تضييع الزمان في إخرج القرعة، وهذا قويم، لكن الحناطي حكى الوجه عن ابن أبي هريرة، وهو في الفقهاء، زعيم عظيم فلا يتأتى إخراجه عن أحزابهم. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ابن أبي هريرة قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، فقد رأيته في تعليقه الذي علقه عنه أبو على الطبري الجزم بمقالة غيره، ولم يذكر هذه بالكلية لا عنه ولا عن غيره.
стр. 3432
قوله نقلًا عن أبى العباس الروياني: لو كانت له امرأتان فقال مشيرًا إلى إحداهما: امرأتى طالق وقال: أردت الأخرى فهل تطلق الأخرى وتبطل الإشارة أم تطلقان معًا؟ وجهان. انتهى.
قال في "الروضة" الأرجح الأول.
قوله نقلًا عن البوشنجي: وأنه لو جلست نسوته الأربع صفًا فقال: الوسطى منكن طالق، فوجهان:
أحدهما: لا يقع شيء، إذ لا وسطى.
والثاني: يقع على الوسطيين؛ لأن الاتحاد ليس شرط في وقوع اسم الوسطى. انتهى كلامه.
والصواب في هذه المسألة خلاف الوجهين جميعًا بل يقع الطلاق على واحدة من الوسطيين ويعينها الزوج، فقد نص الشافعي على أن هذا هو مدلول الوسط فقال في "الأم" في باب من أبواب الكتابة في باب الوصية للمكاتب في الكلام على الوصية له بأوسط النجوم ما نصه: ولو كانت عليه أربعة أنجم فأرادوا وضع الأوسط من النجوم المؤجلة وضعوا عنه أى النجمين شاؤوا الثاني أو الثالث؛ لأن ليس منهما واحد أولى باسم الأوسط من الآخر، وذكر أيضًا بعده فيما إذا قال: ضعوا عنه أوسط نجومه عددًا مثله أيضًا، وقد حكى الرافعي في مسألة النجوم عن ابن الصباغ التخيير وعن "التهذيب" أنه كلاهما وحاول ترجيحه ولم يطلع على نص الشافعي في المسألة وقد تفقه النووي هنا تفقهًا جيدًا وافق النص فقال: قلت: كلا الوجهين ضعيف والمختار وجه ثالث وهو أنه يطلق واحدة من الوسطيين ويعينها الزوج: لأن موضوع الوسطى لواحدة فلا يزاد. والله أعلم.
стр. 3433
قال ﵀:
الشرط الثاني من الكتاب في التعليقات
وفيه فصول:
الفصل الأول في التعليق بالأوقات
قوله: ولو علق طلاقها بصفة ثم قال: عجلت تلك الطلقة المعلقة لم تتعجل لتعلقها بذلك الوقت المستقبل، وفيه وجه آخر عن رواية الشيخ أبى على وغيره، وإذا قلنا: لا تتعجل فأطلق ثم قال: عجلت لك الطلاق سألناه فإن قال: أردت تلك الطلقة صدقناه بيمينه، ولم يتعجل شيء، وإن أراد طلاقًا مبتدأ وقع في الحال طلقة، انتهى كلامه.
تبعه عليه في "الروضة" وزاد عليه فقال في أواخر الكلام: فإن لم يكن له نية لم تقع في الحال شيء، والله أعلم.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الخلاف الذي ذكره يقتضي أن محله في أصل وقوع الطلاق حتى لا يقع شيء بالكلية على الصحيح، ويدل على ذلك أيضًا ما ذكره في آخر كلامه خصوصًا ما ذكره النووي من "زوائده" وليس الأمر كما اقتضاه كلامهما، بل تقع في الحال طلقة جزمًا، وإنما محل الخلاف في أنه هل يقع مع ذلك طلقة أخرى عند وجود الصفة أم لا؟ وقد ذكره الإمام في موضعين:
أحدهما: قبل كتاب الرجعة بنحو ثلاثة أوراق ونقله عن الشيخ أبى على، كما نقله الرافعي ولا شك أن الرافعي إنما نقله عن الإمام.
стр. 3434
والموضع الثاني: في كتاب الخلع بعد أوله [بدون] (١) كراس واحد فقال: وإذا علق طلقة واحدة وهو يملك الثلاث، ثم قال: نجزت تلك الطلقة التي علقتها ينجز الطلاق لا محالة. هذا لفظه، وصرح به أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه" فيما إذا كان التعليق على دخول الدار ونحوه فقال: فأما إذا قال إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال: عجلت ذلك الطلاق الآن وقع الطلاق، فإذا دخلت الدار وقعت طلقة أخرى، قال بخلاف ما إذا قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، ثم قال: عجلت تلك الصفة الآن فإنه يقع الآن ولا يقع في آخره عند مجئ أول الشهر. انتهى.
وقال في فتاويه أيضًا: مسألة: إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: عجلت تلك الطلقة لا يتعجل، لأن كلمة إن للشرط ولم يوجد، فأما إذا قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: عجلت تلك الطلقة تتعجل الآن؛ لأن إذا للوقت وقد انتظم من مجموع ذلك خلاف في بقاء التعليق وانحلاله ووقوع الطلاق مع بقائه وعدم وقوعه فحيث قلنا بانحلال اليمين وقعت طلقة لا محالة وحيث قلنا ببقائه، فقال الفورانى في "الإبانة": تقع طلقة عند وجود التعليق وطلقة في الحال وذهب إليه أيضًا القاضي كما سبق نقله عن التعليق والفتاوي وابن خلف وابن الصباغ، وحمل عليه نص الشافعي ﵁ حيث قال في "الإملاء": لو قال لامرأته: أنت طالق إلى شهر، ثم قال: أنت طالق تلك الطلقة الساعة لم يلزمه إلا واحدة إن كان أراد أني عجلتها الآن قبل الشهر، وإن لم يكن أراد به طلقات الآن طلقة وطلقت في الشهر. انتهى.
ثِم قال: وهل يَنْحَلّ التعليق بشيء على أنه إذا علق الثلاث ثم نجزها فهل ينحَلّ تعليقه حتى لا يقع الثلاث في نكاح آخر أم لا؟ فإن قلنا: لا ينحل فلا معنى لحله بالجهة التي ذكرها، وإن قلنا: ينحل عند استيفاء الثلاث فإذا علق واحدة ثم نجز واحدة وزعم أنها التى علقها ففي انحلال
стр. 3435
التعليق وجهان، ووجه الانحلال بين، ووجه مقابله أنه ليس متعلقًا بطلقة معينة، ولا خلاف أنه لو علق طلقة ثم نجز طلقة مطلقة فإن التعليق لا ينحل؛ لأن فك التعليق ليس إليه. انتهى كلامه ملخصًا. وفيه فوائد.
قوله: ولو عقب لفظ الطلاق بحرف شرط فقال: أنت طالق إن فمنعه غيره من الكلام بأن وضع يده على فيه، ثم قال: أردت أن أعلق على شرط كذا صدق بيمينه وإنما حلفناه لاحتمال أنه أراد التعليق على شيء حاصل كقوله: إن كانت فعلت كذا وقد فعله، ولو قطع الكلام مختارًا حكم بوقوع الطلاق. انتهى كلامه.
وما ذكره من الوقوع عند القطع مختارًا قد سبق منه في أوائل باب تعدد الطلاق ما يخالفه وسبق ذكر لفظه هناك وتبعه النووي على الموضعين فراجعه.
قوله: ولو حذف الفاء فقال: إن دخلت الدار أنت طالق قد أطلق البغوي وغيره أنه تعليق، وقال البوشنجي: يسأل فإن قال: أردت التخيير حكم به، وإن قال: أردت التعليق أو تعذرت المراجعة حمل على التعليق. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا والصواب أنه إن كان عارفًا بالعربية وقع الآن على جعل إن نافية كما سيأتي إيضاحه، ويدل عليه كلامهم في ما إذا فتح أن التي ظاهرها الشرط وإن كان جاهلًا لم يقع شيء.
قوله: ولو قال: إن دخلت الدار وأنت طالق بالواو، قال البغوي: إذا قال: أردت التعليق قبل أو التنجيز وقع، وإن قال: أردت جعل الدخول وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق قبل.
قال البوشنجي: فإن لم يقصد شيئًا طلقت في الحال وألغيت الواو، كما لو قال ابتداء: وأنت طالق. انتهى.
стр. 3436
قال في "الروضة": المختار أنه عند الإطلاق تعليق بدخول الدار إن كان قائله لا يعرف العربية، وإن عرفها فلا يكون تعليقًا ولا عبرة إلا بالنية لأنه غير مفيد عنده، وأما العامي فيطلقه للتعليق ويفهم منه التعليق، قال: وما قاله البوشنجي فاسد حكمًا ودليلًا وليس كالمقيس عليه. انتهى.
وما ذكره النووي من أن مقالة البوشنجي فاسدة فمسلم، وأما قوله في عارف العربية أنه غير مقيد عنده فعجيب بل هو صحيح على جعل إن نافية وهو كثير في القرآن، وحينئذ فيحتمل أن تكون الواو هاهنا بعدها واو الحال فلا يقع أو واو العطف فيقع فيسأل فإن أراد الأول فلا شيء، وإن أراد الثاني وقع الطلاق نواه أم لا اكتفاء بنية العطف، فإن تعذرت مراجعته بموت أو غيره لم يقع شيء لجواز إرادة الحال، ثم إنه أهمل قسمًا آخر وهو ما إذا جهلنا حاله فلم ندر أنه ممن يحسن العربية أم لا؟ والمتجه عدم الوقوع فيه عند تعذر المراجعة، وقد أوضحت ذلك كله في كتابنا المسمى "بالكواكب" فراجعه.
قوله: ثم الكلام في صورتين إحداهما: لو قال: أنت طالق في آخر شهر كذا فوجهان: أحدهما: يقع في آخر جزء من الشهر فإنه الآخر المطلق.
والثاني: يقع في أول جزء من ليلة السادس عشر؛ لأن النصف الثاني كله آخر الشهر، وفي "التهذيب" وجه ثالث: وهو أنه يقع في أول اليوم الأخير حملًا للآخر على اليوم الآخر، وإيراده يقتضي ترجيحه. انتهى.
والأصح هو الوجه الأول فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر": إنه أظهر الوجهين، وصححه النووي في "الروضة" ولم ينبه فيها على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له فإنه غريب.
стр. 3437
قوله: الثانية: إذا قال: أنت طالق في سلخ الشهر، ففيه وجوه:
أحدها: أنه يقع في آخر جزء من الشهر؛ لأن الانسلاخ يحصل به وهو ما أجاب به الشيخ أبو حامد ورجحه الغزالي.
والثاني: يقع في أول اليوم الأخير وهو المذكور في "التتمة" و"التهذيب" وعن رواية صاحب "التقريب" وجه أنه يقع بمضى أول جزء من الشهر فإنه يأخذ في الانسلاخ من حينئذ، قال الإمام: اسم السلخ يقع على الثلاثة الأخيرة كما تقع الغرة على الثلاثة الأول فيحتمل أن يقع في أول جزء من الأيام الثلاثة. انتهى.
والصحيح هو الأول فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأظهر، والنووي من "زوائده": إنه الصواب، ولم يذكر المسألة في "المحرر".
قوله: ولو قال بالنهار: إذا مضى يوم فأنت طالق طلقت إذا جاء مثل ذلك الوقت من اليوم الثاني هكذا أطلقوه، ولكن فيه تلفيق اليوم من البعضين المفرقين، وقد سبق في الاعتكاف أنه لو نذر أن يعتكف يومًا لم يجز تفريق الساعات في أصح الوجهين. انتهى كلامه.
وما ذكره ﵀ من محاولة جريان الوجهين غلط حصل من ذهول عما قرره في الاعتكاف، وذلك أن الزمان المنذور ليس محمولًا على الزمان المتصل بالنذر، بل يجوز للناذر تأخيره عنه وفعله في أى وقت أراد ما لم يلتزم زمنًا معينًا كقوله من هذا الوقت وشبهه، وأما التعليق فلا خلاف أنه محمول عند الإطلاق على أول الأزمنة المتصلة به فنظير مسألتنا من النذر أن يقول يومًا من هذا الوقت، ولو قال ذلك لجاز فيه التفريق بلا خلاف، وقد توهم النووي أيضًا صحة هذا البحث فأشار إليه بقوله هكذا أطلقوه ولم يذكر المستند.
стр. 3438
قوله: ولو قال: إذا مضى شهر فأنت طالق، لم يقع حتى يمضى شهر كامل، فإن اتفق قوله في ابتداء الهلال طلقت بمضيه تامًا أو ناقصًا، وإلا فإن قاله ليلًا طلقت إذا مضى ثلاثون يومًا ومن ليلة الحادي والثلاثين بقدر ما كان سبق من ليلة التعليق، [وإن قاله نهارًا كمل من اليوم الحادي والثلاثين بعد التعليق] (١). انتهى كلامه.
وما أطلقه من تتميم الثلاثين عند الانكسار تبعه عليه في "الروضة" أيضًا ومحله إذا كان ذلك في غير اليوم الأخير، فإن عقد فيه وحصل بعده شهر هلالي فالصواب الذي قاله صاحب "التتمة" وغيره: أنه يكفي، كذا ذكره الرافعي في كتاب السلم.
قوله: ولو قال: إذا مضت سنة فأنت طالق وانكسر الشهر الأول كملناه بعد مضي أحد عشر شهرًا وأشار الإمام إلى أن تصوير عدم الانكسار عسير، لكن يظهر تقريبه بما إذا قال: إذا مضت من أول رمضان سنة فأنت طالق، ثم قال: فلو شك في ما كان قد مضى من الأول لم يقع الطلاق إلا باليقين، وذكر الحناطي في حِلّ الوطء في حال التردد وجهين. انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" من "زوائده" هو الحِلّ.
قوله: وإذا علق الطلاق بصفة مستحيلة عرفًا كقوله: إن طرت أو صعدت السماء أو حملت الجبل فأنت طالق، أو عقلًا كقوله: إن أحييت ميتًا، أو إن اجتمع السواد والبياض، أو شرعًا كقوله: إن نسخ صوم رمضان لم يقع الطلاق في الأصح.
والثاني: يقع مطلقًا.
والثالث: يقع في العقلى والشرعى دون العرفي. انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في كتاب الأيمان أنه إذا حلف لا يصعد السماء فإن يمينه لا ينعقد في أصح الوجهين، وذكر نحوه في ما إذا حلف
стр. 3439
لا يشرب ماء النهر فشرب فإنه صحح أنه لا يحنث، ثم نقل عن القاضي أبى الطيب أنه قال: ينبغي على هذا أن يقال: لا ينعقد يمينه، كما لو حلف لا يصعد السماء، وإذا علمت ذلك فقياس ما يجيء فيه أن يقال: لا ينعقد اليمين في الأشياء التي ذكرها أيضًا حتى لا حنث بها الحالف على الحلف، ويكون قول الأصحاب اليمين إما حنث أو منع أو تصديق محمولًا على ما إذا كان الحلف على الأشياء الممكنة، وقد ذكر الرافعي هذه القاعدة في أول هذا الفصل وأطلقها فتفطن لذلك.
قوله: الثانية: إذا قال: أنت طالق أمس، وقال: أردت أنى طلقتها في الشهر الماضي وبانت [مني ثم جددت النكاح، أو أن زوجًا آخر طلقها في نكاح سابق وبانت] (١) منه فنكحتها، قال الأصحاب: ينظر إن عرف نكاح سابق وطلاق سابق، وأقام على ذلك بينة وصدقته في إرادته فذاك، وإن كذبته وقالت: لم ترد ذلك وإنما أردت إنشاء الطلاق الآن فيحلف، قالوا: ويحالف هذا ما إذا [قال] (٢) طلقها في هذا النكاح حيث يصدق ولا يطالب بالبينة؛ لأنه معترف هناك بطلاق في هذا النكاح وهاهنا يريد صرف الطلاق عن هذا النكاح، وإن لم يُعرف نكاح سابق وطلاق في ذلك النكاح، فإن كان محتملًا فينبغي أن يقبل التفسير به، وإن لم يقم بينة وأن لا يقع الطلاق وإن كان كاذبًا ألا ترى أنه لو ابتدأ فقال: طلقك في الشهر الماضي زوج غيرى لا يحكم بوقوع طلاقه وإن كذب. انتهى كلامه.
وما ذكره ﵀ في القسم الثاني وهو ما إذا لم يعرف ما ادعاه من كونه ينبغي القبول تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو يقتضي أن المسألة ليست مصرحًا بها للأصحاب وأن الحكم فيها ما ذكره بحثًا، وليس كذلك بل الأصحاب مصرحون بالمسألة وقائلون بعدم القبول، والمذكور هنا
стр. 3440
إنما هو بحث للإمام فاعلمه، والمسألة مذكورة في "النهاية" على الصواب فنقلها الرافعي منها فأسقط موضع الحاجة، فإن الإمام قد قال ما نصه: إن أقام بينة قبل يمينه فإن اتهم حلف، وإن لم يمكنه أن يثبت ذلك لم يقبل منه ويحكم بانتجاز الطلاق، هكذا قال الأصحاب، وفي القلب من هذا شيء فإن اللفظ إذا كان محتملًا، وهو صاحب اللفظ والإرادة فإذا فسر لفظه بممكن لم يبعد قبوله ثم يكذب في إخباره، وإن كنا نجعل المسألة على وجهين في ما لو فسر لفظه بمحال وهو إسناد الوقوع إلى ما مضى حتى نقول في وجه: لا يقع فلا يبعد أن ينزل لفظه إذا فسره بالإقرار منزلة ما لو ابتدأ فقال: طلقك في الشهر الماضي زوج غيري، وهذا لا يوجب وقوع الطلاق منه وإن كان كاذبًا هذا كلام الإمام، وأسقط الرافعي منه منقول الأصحاب وأبقى منه ما يوهم أن الحكم ما ذكره، وقد ذكره في "الشرح الصغير" على الصواب فقال: وإن لم يُعرف نكاح سابق وطلاق ولم يقم عليه بينة حكم بوقوع الطلاق في الحال.
وقال الإمام: ينبغي أن يقبل التفسير به هذه عبارته وجزم في "المحرر" بأنه لا يقبل ولم يذكر فيه توقفًا وقد صرح أيضًا بما نقله الإمام جماعة منهم البغوي في "تهذيبه"، وقد تبين لك أن الحكم بخلاف المذكور هنا وفي "الروضة" فاعلمه واحمد الله على تيسيره وتيسير أمثاله.
قوله: ولو قال: أنت طالق للشهر الماضي، ففي "المجرد" للقاضي أبى الطيب أنه يقع الطلاق في الحال بلا خلاف كما لو قال لرضى فلان، لكن الكلام في مثل ذلك يستعمل للتاريخ، واللفظ محتمل للمعاني المذكورة في قوله في الشهر الماضي. انتهى.
والذي بحثه الرافعي قد جزم به ابن داوود في شرحه "للمختصر" وزاد عليه قسمًا أخر فقال: إن أراد باللام الوقت فكما لو قال في الشهر
стр. 3441
الماضى وإن أراد التعليل وقع ولم يتعرض لحالة الإطلاق.
قوله في أصل "الروضة": التاسعة: قال: إذا مات فلان أو إذا قدم فلان فأنت طالق قبله بشهر، أو قال: أنت طالق قبل أن أضربك بشهر، نظر إن مات فلان أو قدم أو ضربها قبل مضى شهر من وقت التعليق لم يقع الطلاق، وقيل: يقع عند الضرب، والصحيح الأول وبه قطع الجمهور. انتهى كلامه.
وما ذكره من اختصاص الوجه بالضرب غلط عجيب، فإن الرافعي حكاه في الجميع إلا أنه حكاه عن الشيخ في "المهذب" والشيخ إنما حكاه في القدوم، وأما في التعليق على الموت فجزم بمقالة الجمهور وسكت عن التعليق على الضرب فلم يذكره بالكلية فحصل للرافعي غلط فيما نقله عن "المهذب"، ثم حصل للنووي غلط آخر فيما نقله [عن الرافعى وهو أفحش من غلط الرافعى إلا أن الرافعى بعد نقله] (١) في الجميع في أثناء الاستدلال مثل بالقدوم على وفق ما حكاه الشيخ.
قوله في المسالة: فإن مات أو قدم أو ضرب بعد مضى شهر من وقت التعليق تبينا وقوع الطلاق قبله بشهر. انتهى.
وما جزم به من الاكتفاء بالشهر في الوقوع تبعه عليه في "الروضة"، لكن جزم في "المهذب" في التعليق على الموت بأنه لابد من زيادة لحظة على الشهر ليقع الطلاق فيها إلا أنه صور ذلك في التعليق على موت نفسه، ولم يذكره في التعليق على القدوم ولا فرق بينهما، وقد جزم به في القدوم أيضًا ابن الصباغ أيضًا في "الشامل" والمحاملي في "المجموع" والبندنيجي في "تعليقه" وغيرهم.
قوله: ولو قال: أنت طالق اليوم أو غدًا، فوجهان:
الصحيح: لا يقع إلا في الغد؛ لأنه اليقين.
стр. 3442
والثاني: يقع في الحال تغليبًا للإيقاع. انتهى.
وقد وقع في الرافعي مسائل متشابهة في المدرك وبعضها كالمعارض لبعض فقال في آخر هذا الفصل: قال: أنت طالق غدًا أو عبدى حر بعد غد، قال البوشنجي: يؤمر بالتعيين، وقال في أخر عدد الطلاق في فتاوي القفال: لو قال: طلقتك واحدة أو اثنتين على سبيل الإنشاء فيختار ما شاء من واحدة أو اثنتين وقال في آخر تعليق الطلاق نقلًا عن البوشنجي: وأنه لو قال إن دخلت الدار فعبدى حر أو كلمت فلانًا فامرأتي طالق سألناه لنتبين أي اليمينين أراد فما أراد تقرر.
وقال في آخر الباب الثالث من أبواب الأيمان: وفي "الإقناع" للماوردي أنه لو قال: لا أكلت خبزًا أو لحمًا فرجع إلى مراده منهما فيتعلق به اليمين.
قوله: ولو قال: أنت طالق اليوم إذا جاء الغد فوجهان:
أحدهما عن ابن سريج وصاحب "التقريب": لا تطلق.
والثاني: تطلق. انتهى.
والأصح هو الأول، كذا جزم به صاحب "التنبيه" وصححه في "الروضة" من زوائده.
قوله: ولو قال أنت طالق ثلاثًا في ثلاثة أيام، أو في كل يوم طلقة نظر إن قاله بالنهار وقعت في الحال طلقة وبطلوع الفجر في اليوم الثاني أخرى وبطلوعه في الثالث أخرى، ولو قال: أردت أن يكون بين كل طلقتين يوم فيدين. وهل يقبل ظاهرًا؟ فيه وجهان أحدهما: نعم كالسنة، والثاني: لا لأن النوم عبارة عن هذا الزمان المحصور لا يدخل بعضه في بعض بخلاف السنة والوجهان ينطبقان على الوجهين في أن من نذر اعتكاف يوم، هل يجوز له أن يعتكف ساعات متفرقة بقدر يوم؟ وقياس ما أجابوا به في ما
стр. 3443
إذا قال: إذا مضى يوم فأنت طالق، أنه يقبل. انتهى كلامه.
والقياس على مسألة النوم قياس عجيب لا أدرى كيف وقع للرافعي فقد تقدم أنه قال ذلك في أثناء يوم أنها لا تطلق إلا بنظيره من اليوم الثاني وإن أطلق، وأما في مسألتنا فإنها تطلق في اليوم الذي قاله فيه عند الإطلاق، فكيف يقيس القبول في ما يخالف الظاهر والأصل على القبول في ما يوافقهما، وقد تبعه النووي في "الروضة" على دعوى القياس فقال: أقيسهما: القبول، ولم يذكر مستنده فاستتر وقد ظهر لك أن الترجيح المذكور في هذه المسألة من الكتابين كلا ترجيح فتفطن له.
قوله: ولو قال: أنت طالق اليوم إن لم أطلقك اليوم فمضى اليوم ولم يطلقها فعن ابن سريج: أنه لا طلاق؛ لأن الشرط إنما يوجد بمضى اليوم وإذا مضى اليوم تعذر الطلاق اليوم، وقال الشيخ أبو حامد: يقع في آخر لحظة من اليوم وهذا إذا بقى من اليوم زمن لا يسع التطليق؛ لأن الشرط قد تحقق حينئذ. انتهى.
قال في "الروضة": الأفقه المختار هو الثاني، والله أعلم.
فيه أمران:
أحدهما: أن في المسألة اعتبارًا آخر هو أظهر مما ذكره وهو آخر لحظة من اليوم، لكن لا بالتفسير الذي ذكره، وذلك لأن زمن التطليق أوسع من زمن وقوع الطلاق، فإنه إذا مضى مثلًا زمن الطلاق فقد بقي من اليوم زمن لا يسع التطليق واليوم باق وبقاؤه يمنع الطلاق، وإذا حصل اليأس من التطليق، وقد صرح الرافعي بحكاية ذلك وجهًا في نظير المسألة وأشعر إيراده برجحانه، ذكر ذلك في الباب الثاني من كتاب الأيمان في أول النوع السادس منه.
الأمر الثاني: أن الأصوب ما قاله ابن سريج لا للمعني الذي ذكره،
стр. 3444
بل لأنه لو وقع الطلاق المعلق لوجد التطليق اليوم؛ لأن التعليق مع وجود الصفة تطليق فإذا وجد التطليق لم يقع المعلق لانتفاء شرطه وهو عدم التطليق.
قوله: وفي فتاوى القفال أنه لو قال: أنت طالق في أفضل الأوقات طلقت في ليلة القدر، وإن قال: أفضل الأيام طلقت يوم عرفة وفي وجه يوم الجمعة عند الغروب. انتهى كلامه.
وحاصله أن في التعليق على أفضل الأيام خلافًا من غير ترجيح؛ لأنه نقل عن فتاوى القفال أنه يوم عرفة ونقل وجهًا آخر أنه يوم الجمعة، وقد اختصر في "الروضة" هذا الكلام على وجه يقتضي أن يكون الأول هو الصحيح وأن المذكور في فتاوي القفال إنما هو الوجه خاصة، فقال: قال: أنت طالق في أفضل الأوقات طلقت ليلة القدر، ولو قال: أفضل الأيام طلقت يوم عرفة وفي وجه يوم الجمعة عند غروب الشمس، ذكره القفال في فتاويه. هذا لفظه، فإن كان الكلام جميعه من كلام القفال وهو الظاهر، ورد عليه أن التصحيح الذي أدخله في كلام الرافعي ليس للرافعي، بل لا تصحيح في كلامه بالكلية، وإن كان صدره خاصة للقفال، والمسألة الثانية نجملها من كلام الرافعي فيرد عليه نسبة الوجه الأخير إلى القفال، وقد استدرك في "الروضة" على الوجه القائل بالوقوع عند الغروب استدراكًا صحيحًا فقال: تخصيصه بوقت الغروب ضعيف أو غلط لأن اليوم يتحقق بطلوع الفجر فإن تخيل متخيل أن ساعة الإجابة قد قيل؛ إنها آخر النهار فهو وهم ظاهر لوجهين:
أحدهما: أن الصواب أن ساعة الإجابة من حيث يجلس الإمام على المنبر إلى أن يقضي الصلاة، كذا صرح به رسول الله ﷺ في "صحيح مسلم" (١).
стр. 3445
والثاني: أنه لم يعلق بأفضل أوقات اليوم بل اليوم الأفضل واسم اليوم الأفضل يحصل بالفجر. هذا كلامه، وقد راجعت فتاوى القفال فرأيته قد جزم بالأول وحكى الثاني وجهًا ضعيفًا وعلله بقوله لأن تلك الساعة أفضل.
قوله: وقد سكت جمهورهم عن التعليق بأفضل الشهور والمنقول فيه أنه رمضان لا الأشهر الحرم، كذا جزم به الشيخ عز الدين في أوائل القواعد في الفصل المعقود لتفاوت أجور الأعمال لاختلاف الأزمان، وروى الحليمي في "شعب الإيمان" أنه ﵊ قال: "سيد الشهور رمضان" (١).
قوله: نقلًا عن "فتاوى القفال": ولو قال: أنت طالق بين الليل والنهار، لا تطلق ما لم تغرب الشمس. انتهى.
محل هذا إذا كان بالنهار فإن كان ليلًا لم تطلق حتى يطلع الفجر، وقد نبه عليه في "الروضة".
قوله في "الروضة" نقلًا عن الفتاوي المذكورة: ولو قال: أنت طالق قبل موتى طلقت في الحال، وإن قال قبل بضم القاف وفتح الباء أو قبيل بزيادة ياء لا تطلق إلا في آخر جزء من أجزاء حياته. انتهى كلامه.
وما ذكره في ضبط قبل من فتح الباء غلط لم يذكره أحد بل فيه لغتان إسكان الباء وضمها كنقيضه وهو الدبر كذا ذكره الجوهري وغيره، ولم يتعرض الرافعي وابن الرفعة إلا لضم القاف فقط وما ذكره في صدر المسألة
стр. 3446
تبعًا للرافعي من نقله عن القفال فقط مشهور ذكره القاضي حسين في تعليقه والمتولى في "التتمة"، والقاضي أبو الطيب في آخر تعليقه ونقله في "الشامل" عن ابن الحداد.
قوله: ولو قال: أنت طالق قبل أن تدخلى الدار وقبل أن أضربك ونحو ذلك مما لا يقطع بوجوده.
قال إسماعيل البوشنجي: يحتمل وجهين:
أحدهما: وقوع الطلاق في الحال لقوله قبل موتى أو قبل موت فلان. وأصحهما: لا يقع حتى يوجد ذلك الفعل فحينئذ يقع الطلاق مستندًا إلى حال اللفظ لأن قولنا هذا قبل هذا يستدعى وجودهما وربما لا يوجد. انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي أيضًا بعد ذلك في الطرف السادس المعقود للمسائل الدورية إلا أنه مثل بمثال آخر فذكر ما حاصله أنهما ماداما حيين. لا يقع الطلاق قبل الصفة وأنه إذا مات أحدهما حكم بوقوعه قبيل الموت وهذه المقالة مخالفة لكل من الاحتمالين [المذكورين في هذا الباب، أما على الإحتمال] (١) الأول فواضح، وأما على الثاني الذي صححه فقد خالفه هناك من وجهين:
أحدهما: إيقاع الطلاق بالموت مع أن المعلق عليه لم يوجد.
والثاني: كونه واقعًا قبيل الموت لا مستندًا إلى حال اللفظ وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه، وقد تبعه في "الروضة" على الموضعين.
واعلم أنه إذا قال لنسوته أول من تدخل منكن الدار طالق فدخلت واحدة طلقت وإن لم يدخل غيرها ولفظ الأول لا يستدعى ثانيًا فأى فرق بينه وبين قبل.
стр. 3447
قوله: ولو قال: أنت طالق تطليقة قبلها يوم الأضحى سألناه فإن أراد الأضحى الذي بين يديه لم تطلق حتي يجئ ذلك الأضحى وينقرض ليكون قبل التطليقة، وإن أراد الأضحى الماضي طلقت في الحال كما لو قال يوم السبت: أنت طالق طلقة قبلها يوم الجمعة. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه في الوصف بقبلية يوم الجمعة يوهم الوقوع في الحال وليس كذلك، بل الوصف كالوصف بقبلية يوم الأضحى سواء ولا فرق بينهما.
الأمر الثاني: أن كلامه ساكت عما إذا لم يكن له نية وحكمه أنه لا يقع حتي ينقضي الأضحي الذي بين يديه؛ لأنه المتيقن وقد نبه عليه في "الروضة" وهو واضح، ومثله ما إذا تعذرت مراجعته بسبب من الأسباب كالموت والجنون ونحوهما، ويستدل بهذه المسألة ونحوها على أنه لا يقع إلا واحدة إذا قال: أنت طالق وكرره ولم يعلم هل أراد التأكيد أو الإستئناف، ولم يصرح به الرافعي هناك، وذكر الرافعي في باب استثناء الطلاق نحوه أيضًا فقال نقلا عن البوشنجي من غير اعتراض عليه: إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا نصفًا فإنه يراجع، فإن أراد إلا نصفها فطلقتان، وإن أراد إلا نصف طلقة طلقت ثلاثًا، وإن لم تكن نية فطلقتان وقد تقدم أيضًا في كتاب الإقرار في الباب الأول منه ما يوضح ما ذكرناه وهو لزوم الأقل فراجعه.
قوله: ولو قال: أنت طالق قبل موت فلان وفلان بشهر فمات أحدهما قبل شهر لم تطلق، وإن مات أحدهما بعد مضي شهر فوجهان:
أحدهما: تطلق قبل موته بشهر؛ لأنه وإن تأخرت بموت الآخر فيصدق عليه أنه وقع قبل موتهما بشهر.
والثاني: لا تطلق أصلًا لأنه في العرف لا يقال: طلقت قبل موته بشهر إلا إذا لم يزد ولم ينقص وهذا الوجه خرجه البوشنجي، ونظير المسألة
стр. 3448
قوله: أنت طالق قبل عيدى الفطر والأضحى بشهر، فعلى الأول تطلق أول رمضان، وعلى الثاني لا تطلق. انتهى.
قال في "الروضة" الصواب الأول، والثاني غلط.
قوله: وحكى أبو العباس الروياني وجهين في ما لو قال: أنت طالق كل يوم فوجهان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ﵀ أنها لا تطلق كل يوم حتى يكتمل الثلاث.
والثاني: لا تطلق إلا واحدة، والمعنى أنت طالق أبدًا. انتهى.
والأصح هو الأول لأنه السابق إلى الفهم، كذا قاله في "الروضة" من زوائده.
قوله: ولو قال: أنت طالق غدًا أو عبدي حر بعد غد، قال البوشنجي: يؤمر بالتعيين فإذا عين الطلاق أو العتق تعين في اليوم الذي ذكره. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد نقل عن فتاوى القفال في بعض نظائر المسألة ما يخالف المذكور هنا، وأقره هو والنووي عليه وقد تقدم إيضاحه في الباب الثالث المعقود لتعدد الطلاق فراجعه.
الأمر الثاني: أن هذه المسألة قد ذكرها أيضًا ابن الصباغ في "شامله" وكلامه يشعر بأن التعيين إنما يكون بعد الغد لا قبله، فإنه عبر بقوله: فإذا جاء بعد الغد كان الخيار إليه في تعيين الطلاق أو العتق هذا لفظه، والذي أشعر به كلامه.
стр. 3449
الفصل الثاني في التعليق بالتطليق
قوله: من له أربع نسوة وعبيد فقال: إن طلقت واحدة من نسائي فعبد من عبيدي حر، وإن طلقت اثنتين فعبدان حران، وإن طلقت ثلاثة فثلاثة أعبد أحرار، وإن طلقت أربعًا فأربعة أعبد أحرار، ثم طلقهن معًا أو على الترتيب عتق عشرة أعبد؛ لأنه طلق واحدة واثنتين وثلاثًا وأربعًا، وهذه الأعداد إذا جمعت بلغت عشرة، وكذا الحكم لو علق بإذا أو متى أو مهما أو ما يقتضي التكرار. انتهى كلامه.
وهذه الواو المذكورة في تصوير المسألة حيث قال: وإن طلقت كذا وكذا هي على سبيل الشرط فإن أتى بثم فقال: ثم إن طلقت إلى آخره فلا يضم المأخوذ أولًا إلى التعليق الثاني لتمام اسم الاثنين والثلاث والأربع، فقد ذكر الرافعي بعد ذلك في نظير المسألة مثله فقال في أول الطرف الرابع المعقود للتعليق بالحيض أنه لو قال: إن حضت حيضة فأنت طالق وإن حضت حيضتين فأنت طالق فإذا حاضت حيضة وقعت طلقة فإذا حاضت أخرى وقعت ثانية، وإن قال إن حضت حيضة فأنت طالق، ثم إن حضت حيضتين فأنت طالق، فإنما تقع الثانية إذا حاضت بعد الأولى حيضتين.
هذا كلامه، فعلى هذا إذا عطف بـ"ثم" في مسألتنا وطلق الأولى فيعتق عبدًا، وإذا طلق الثانية فلا يعتق بها شيء إلا بوصف الواحدة لأنه لم يعلق بحرف يقتضي التكرار ككلما، بل علق بأن، ولا يوصف المرأتين لأن الأولى قد عددناها فإذا طلق الثالثة صدق هذا الوصف -أعني: وصف الاثنين- ولا يصدق بعد ذلك وصف الثلاثة ولا وصف الأربعة، وحينئذ فلا يعتق إلا ثلاثة أعبد ويتجه أن تكون الفاء في ذلك كثم.
стр. 3450
قوله: أما إذا علق هذه التعليقات بكلمة كلما ثم طلقهن معًا أو على الترتيب فظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب أنه يعتق خمسة عشر عبدًا؛ لأن كلمة كلما تقتضي التكرار، وإذا طلق واحدة حصلت صفة وهي تطليق واحدة فيعتق عبد، وإذا طلق أخرى حصلت صفتان تطليق واحدة مرة أخرى وتطليق اثنتين فيعتق ثلاثة أعبد، فإذا طلق ثالثة حصلت صفتان طلاق واحدة مرة أخرى فطلاق ثلاث فيعتق أربعة أعبد، فإذا طلق الرابعة حصل ثلاث صفات طلاق واحدة مرة أخرى فطلاق الاثنتين غير الأوليين وطلاق أربع فيعتق سبعة، المجموع خمسة عشر ووراء هذه وجوه.
أحدها عن ابن القطان: أنه يعتق عشرة.
والثاني: أنه يعتق سبعة عشر عبدًا لأن في طلاق الثالثة وراء الصفتين المذكورتين صفة أخرى وهى طلاق اثنتين بعد الأولى فيعتق عبدان آخران.
والثالث: يعتق عشرون عبدًا سبعة عشر عبدًا لما ذكرناه وثلاثة لأن في إطلاق الرابعة صفة أخرى وراء الصفات الثلاث وهو طلاق ثلاث بعد الأولى، وهذه الوجوه ضعيفة باتفاق الأئمة، أما الأول فلأنه إسقاط لمقتضي كلما، وأما الآخران فلأن الثانية معدودة مع التي قبلها في يمين الاثنتين والثالثة معدودة مع اللتين قبلها في يمين الثلاث فلا يعدان مع من بعدهما في اليمين فإن ما عُد في عدد مرة لا يعد فيه مرة أخرى، واستشهد على ذلك بأنه لو قال كلما أكلت نصف رمانة فعبد من عبيدي حر، ثم أكل رمانة فيعتق عبدان لأنه أكل نصفي رمانة ولا يقال يعتق ثلاثة أعبد لأنه الربع الثاني مع الثالث نصف رمانة لأن الربع عد مرة مع الأول فلا يعده مرة أخرى، وبأنه لو قال: كلما دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة وطلقت ثم دخلت مرة أخرى تطلق طلقة ثانية، ولا يقال تطلق طلقتين طلقة بهذه الدخلة وأخرى بالدخلة الأولى؛ لأن الأولى قد حسبت مرة فلا تحسب مرة
стр. 3451
أخرى، والشيخ أبو حامد والإمام وجماعة نفوا وجه العشرين وألزموا من قال: سبعة عشر أن يقول بعتق عشرين تبعًا لما صار إليه، ووجه إعتاق سبعة عشر أولى بالنفي، لأن من لم يقل بالعشرين ومن قال به يلزمه أن لا يقتصر عليه ويقول بالعشرين، وفي "المجرد" للقاضي أبي الطيب وجه آخر أنه يعتق ثلاثة عشر عبدًا. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من اشتراط كلما في التعليقات الأربع حيث قال: أما إذا علق هذه التعليقات بكلمة كلما إلى آخره سبقه إليه الأصحاب فتابعهم عليه هنا وفي "الشرح الصغير" و"الروضة" وتصحيح "التنبيه" وهو غلط والصواب اشتراطه في التعليق الأول والثاني خاصة؛ لأن الثلاثة والأربعة لا يتصور فيهما التكرار.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من الاستشهاد للصحيح بصورة الدخول ذهول، فإن الاقتصار على كلما دخلت هو نظير الاقتصار على كلما طلقت امرأة فعبد حر وليس كلامنا فيه إنما كلامنا فيما إذا قال: وكلما طلقت امرأتين إلى آخره فنظيره أن يقول: كلما دخلت مرتين، وحينئذ فتصير مسألتنا بعينها فثبت أنه لا فرق في الحكم بين الدخول والعتق.
الأمر الثالث: أن ما ذكره آخرًا في البحث مع الإمام وغيره من نفاة وجه العشرين عجيب فإن المذكور في "النهاية" أنهم نفوه من جهة النقل ففهم الرافعي أن المراد نفي توجيهه فذكر ما ذكر.
الأمر الرابع: أنه أهمل قسمًا ثالثًا ذكره في "التنبيه" وإن كان قد غلط في حكمه، وهو ما إذا صرح بكلما في الأول خاصة وحكمه أنه يعتق ثلاثة عشر عبدًا وقد نبه عليه النووي في تصحيحه وهو واضح.
قوله: ولو قال: إن تركت طلاقك فأنت طالق، فإذا مضى زمان يمكنه
стр. 3452
أن يطلق فلم يطلق طلقت، وإن طلقها في الحال واحدة ثم سكت لا تقع أخرى؛ لأنه لم يترك طلاقها، قال في "التهذيب": ويمكنه لو قال: إن سكت عن طلاقك فأنت طالق فلم يطلقها في الحال طلقت بحصول الصفة، وإن طلقها في الحال ثم سكت طلقت أخرى بالسكوت ولا تطلق بعد ذلك لانحلال اليمين. انتهى كلامه.
وتفريقه بين أن يقول إن سكت أو تركت بالنسبة إلى الوقوع ثانيًا تابعه عليه في "الروضة" ولا أدري ما وجهه فالصواب التسوية وأن يجعل هذا من الأجوبة المختلفة، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
قوله: فإذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق لم يقع الطلاق حتى يحصل اليأس ولليأس ثلاثة أسباب:
أحدها: موت أحد الزوجين.
الثاني: الجنون، فإذا جن أحدهما لم يوجب ذلك يأسًا؛ لأن الإفاقة والتطليق بعدها متوقعان، فإن اتصل الموت به تبين حصول اليأس من وقت الجنون فيطلق قبيل الجنون.
الثالث: الفسخ، فإذا انفسخ النكاح بسبب أو انفسخ بردة أو غيرها فلا يحصل اليأس؛ لأنه قد يجدد نكاحًا وينشأ فيه طلاقًا ولا يختص ما به البر والحنث بحال فإذا ماتا أو أحدهما ولم يوجد تجديد أو تطليق فقد تحقق الفوات، ولا يمكن القول بوقوع الطلاق هاهنا قبيل الموت فتعين الاستناد إلى ما قبل الانفساخ كما استندنا إلى ما قبل الجنون، كذا ذكره الإمام على تلوم وتردد فيه وتابعه عليه المصنف وغيره قالوا: وهذا إذا كان [الطلاق رجعيًا] (١) فإن كان بائنًا لم يقع إذ لو وقع؛ لما حصل الفسخ، ولو لم
стр. 3453
يحصل الفسخ لم [يحصل اليأس وإذا لم يحصل اليأس لم] (١) يقع الطلاق. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقلته من كلام الرافعي كالمقدمة والمقصود سيأتي فمراده بقوله، ولا يختص ما به البر والحنث بحال النكاح إنما هو النكاح الأول لا نفي الاختصاص عن النكاح مطلقًا لأن الصفة المعلق عليها هاهنا هو الطلاق والطلاق أيضًا يتوقف على النكاح فتعين أن يكون المراد ما قلناه، وقد صرح به الغزالي في "الوسيط" وذكره لابد منه، ثم قال -أعني الرافعي-: ولو جدد نكاحها بعد الانفساخ فإن طلقها في النكاح الثاني لم يفت التطليق ولا يقع الطلاق، وإن لم يطلقها حتى مات أحدهما في النكاح المجدد فيبني على قولى عود الحنث إن قلنا: يعود الحنث طلقت في النكاح الثاني قبل الموت وبنينا النكاح على النكاح، وإن قلنا: لا يعود الحنث فلا يمكن إيقاع الطلاق قبيل الموت فيستند إلى ما قبل الانفساخ كما سبق. انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد ذكر ما يخالفها في أواخر الباب: وسأذكر لفظه هناك فراجعه.
ثم قال: واعلم أن هذه الطرق الثلاثة في ما إذا كان التعليق بنفي التطليق، أما إذا علق بنفي الضرب وسائر الأفعال فالجنون لا يوجب اليأس وإن اتصل به الموت.
قال في "الوسيط": لأن ضرب المجنون في تحقيق الصفة ونحوه كضرب العاقل على الصحيح. انتهى.
ومراده بهذا أن الطلاق في هذه الحالة إنما يقع قبيل الموت لا قبيل الجنون فاعلمه.
стр. 3454
ثم قال: ولو أبانها ودامت البينونة إلى الموت ولم يتفق الضرب فلا يقع الطلاق ولا يحكم بالوقوع قبل البينونة، بخلاف ما في قوله إن لم أطلقك؛ لأن الضرب بعد البينونة ممكن والطلاق بعد البينونة غير ممكن. انتهى كلامه.
ومراده بقوله ولو أبانها إنما هو البينونة بالفسخ أو الانفساخ لا البينونة بالطلاق؛ لأنه إذا أبانها بالطلاق لم يقع بالتطليق المعلق على نفيه شيء آخر، لأنه لم ينتف الطلاق، بل وجدوا الرافعي قد ذكر بأنه يقع قبل هذه البينونة طلقة أخرى فقال، بخلاف ما في قوله: إن لم أطلقك إلى آخره كما تقدم وإذا علمت صورة المسألة فاعلم أن الحكم الذي ذكره في الضرب من عدم وقوع الطلاق في هذه الحالة غلط، بل الصواب وقوعه وذلك لأنه قد سبق تعليق صحيح ووجد المعلق عليه وهو انتفاء الضرب فيوجد المعلق وهو وقع الطلاق، غير أنه لما لم يكن وقوعه قبيل الموت أوقعناه قبيل الانفساخ، وقد ذكر الرافعي مثل هذا في ما إذا جن أو انفسخ النكاح ولم يجدد وتقدم نقله عنه في أول الكلام، وأما قوله؛ لأن الضرب بعد البينونة ممكن فمسلم لم يقع وإذا لم يقع فقد وجد المعلق عليه.
وأما قوله: والطلاق بعد البينونة غير ممكن فليس كذلك، بل هو ممكن بتجديد نكاح آخر، وقد صرح هو به قبل ذلك وتقدم نقله عنه أيضًا ثم نقول للرافعي: لولا أنه ممكن لكان يلزم أن يقع الطلاق بمجرد البينونة وليس كذلك، ويدل أيضًا على ما ذكرناه من كون الحكم المذكور غلطًا أن الرافعي ذكر بعده عكسه فقال عقبه من غير فصل: وإذا كان التعليق بنفي الضرب ونحوه من الأفعال كعروض الطلاق كعروض الفسخ والانفساخ، لكن ينبغي أن يبقى من الطلاق عدد يمكن فرضه مستندًا إلى ما قبل الطلاق، فأما في التعليق بنفى التطليق فإنما تفرض البينونة بالانفساخ؛ لأنه
стр. 3455
لو طلقها بطلت الصفة المعلق عليها، ويمكن أن يفرض في طلاق الوكيل فإنه لا يفوت الصفة هذا كلامه، وأراد بقوله فعروض الطلاق أى البائن، وأما الرجعي فلا يأس معه، وأشار بقوله: لكن ينبغي إلى آخره إلى أن الطلاق؛ وإن كان كالفسخ لكن الفسخ لا شرط له، وأما الطلاق أي المنجز فيشترط فيه أن يكون ناقصًا عن الثلاث حتي يمكن إيقاع طلاق آخر قبيله، وحينئذ فيقع الطلاق المعلق بالضرب لكنه يشترط أن يكون المعلق رجعيًا كما تقدم فاستحضره، أما إذا أوقع الثلاث فلا يمكن إيقاع شيء آخر قبله وحينئذ فلا يقع المعلق وهذا الذي قاله الرافعي كله صريح في أنه إذا أبانها بالطلاق واستمرت البينونة إلى الموت يقع الطلاق المعلق بالضرب قبيل هذا الطلاق ولهذا شرط فيه أن يكون المنجز ناقصًا عن الثلاث، فإنه لو لم يقع شيء والحالة هذه لكان الحال لا يفترق بين أن يكون ثلاثًا أو أقل وأشار بقوله فأما في التعليق يبقي التطليق إلا أن التعليق بنفى الضرب يحصل اليأس فيه بالفسخ والطلاق فلهذا قلنا: إن عروض الطلاق كعروض الفسخ بخلاف التعليق بنفي التطليق فإن الطلاق ليس كالفسخ فإنه إذا طلق لا يقع شيء آخر، لأنه لم يوجد المعلق عليه وهو انتفاء الطلاق هذا معني كلامه وحاصله أنه إذا علق بنفي الضرب ثم طلقها ولم يجدد إلى الموت ارتفع المعلق، وحينئذ فيلزم بالضرورة أن تكون البينونة بالفسخ مثله أيضًا وأن يكون الرافعي ساق هذا الكلام لذلك فإنه سوى بين الطلاق والفسخ، وبالجملة فقد صرح الغزالي بالمسألة التي ذكرها الرافعي، وهي مسألة الانفساخ وأتى بها على الصواب وجزم بالوقوع فقال في "البسيط": الصورة الثالثة: طرءان الانفساخ على النكاح، أو طرءان الفسخ وذلك لا يحصل اليأس من تطليقها فإنه يتصور أن ينكحها وينشأ طلاقًا والذي يرى أن الصفة لا يختص وجودها بالنكاح، ولذلك قلنا: ينحل اليمين بوجود الصفة في حالة البينونة خلافًا للإصطخري، ثم قال ما نصه: ولنفرض
стр. 3456
الكلام في ما إذا قال إن لم أضربك ليكون أظهر، فالضرب غير ميئوس عنه فيتوقف فإن ضربها بعد ذلك فهو المُنى، وإن مات أحدهما قبل الضرب، فقد تحقق الحلف ولكن صادف وقت اليأس حالة لا يمكن الإيقاع قبلها فعند هذا يتعين الاستناد إلى ما قبل الإنفساخ [ويكون الانفساخ] (١) مع الموت عليه. هذا لفظه بحروفه.
واعلم أن ما قاله من أن التعليق بنفى التطليق إنما تفرض البينونة فيه بالإنفساخ أو بطلاق الوكيل، ليس كما ادعاه من أنه لا يتصور إلا بما ذكره، بل يتصور في صورة أخرى وهي ما إذا قال للرجعية: إن لم أطلقك فأنت طالق ثم لم يطلقها حتى إنقضت العدة، فإن البينونة قد عرضت بغير الفسخ أيضًا.
وقوله في أصل المسألة: الطلاق يقع عند اليأس قبيل الموت والجنون غير محرر، بل الصواب أن يقال يقع الطلاق عند العجز، وقد نبه الماوردي في "الحاوي" على هذا فقال: يقع الطلاق إذا ضاق عمره عن قوله: أنت طالق، وذكر الروياني نحوه في "البحر" فقال: يقع في أخر جزء من حياة الميت وهو الزمن الذي لا يسع إيقاع حروف الطلاق.
قوله في "الروضة": إِنْ الشرطية هي بكسر الهمزة فإن فتحت صارت للتعليل، فإذا قال أنت طالق أن لم أطلقك بفتح الهمزة طلقت في الحال، ثم الذي قاله الشيخ أبو حامد والإمام والغزالي والبغوي أن هذا في حق من يعرف اللغة ويفرق بين إن وأن فإن لم يعرف فهو للتعليق.
وقال القاضي أبو الطيب: يحكم بوقوع الطلاق في الحال إلا أن يكون الرجل ممن لا يعرف اللغة ولا يميز وقال: قصدت التعليق فيصدق، وهذا أشبه وإلى ترجيحه ذهب ابن الصباغ، وبه قطع المتولى، قلت: الأول أصح وبه قطع الأكثرون، والله أعلم.
стр. 3457
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من زوائده والخبير قد خالفه قبل ذلك في آخر الباب الرابع فذكر أن الطلاق يقع من الجاهل والخبير فقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من قطع صاحب "التتمة" به غلط لم يذكره الرافعي، بل عبر بقوله وهو المذكور في "التتمة"، وقد صرح صاحب "التتمة" والخبير -لخلاف، فإنه عبر أولًا بقوله: قال عامة أصحابنا: تطلق في الحال إلا أنه لو لم يكن من أهل العلم بالإعراب وادعى أني أردت الشرط فيقبل قوله، ثم قال ما نصه: ومن أصحابنا من قال: هذا حكمه في حق من يعرف اللغة فأما إن كان لا يعرف اللغة فيكون تعليقًا؛ لأن ظاهر حاله يدل على أنه أراد الشرط هذه عبارته.
واعلم أن الروياني في "البحر" قد رجح ما قاله القاضي أبو الطيب فقال: إنه الأولى، ونقل عن القفال ما يقتضيه واستدل عليه بوجوب حمل اللفظ على مقتضاه إلا أن يصرفه عن مقتضاه ببيان مراده وقد تقدم من كلام "التتمة" أن عامة الأصحاب عليه، ولم يذكر الشاشي في "الحلية" غيره.
قوله: ولو قال: أنت طالق طالقًا قال الشيخ أبو عاصم: لا يقع في الحال شيء، لكن إذا طلقها وقع طلقتان والتقدير إذا صرت مطلقة فأنت طالق، وهذا في المدخول بها. انتهى.
وتخصيص هذا المدخول به قد تبعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي أن غير المدخول بها لا يقع عليها إلا واحدة، لكن الصحيح المذكور في باب تعدد الطلاق أنه إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة معها طلقة وقعت طلقتان وقياسه هنا كذلك.
стр. 3458
قوله نقلًا عن البوشنجي: إنه لو قال: أنت طالق إن لم أضربك أو إن لم أضربك فأنت طالق، وقال: عنيت به وقتًا معينًا دين سواء عين الساعة أو وقتًا آخر قريبًا منه أم بعيدًا وهكذا يكون الحكم في التعليق بنفي الطلاق وسائر الأفعال. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا الفرع ولم يصرح بنقله عن البوشنجي وهو إما تحرف أو غلط؛ لأن التديين هو العمل به باطنًا لا ظاهرًا أو كلمة إن لا تقتضي الفور ولا يحكم بالوقوع في التعليق المذكور وأمثاله إلا في آخر العمر فأي وقت ادعى أنه أراده قريبًا كان أو بعيدًا رجعنا إليه فيه باطنًا وظاهرًا إلا أنه قد غلط على نفسه، وإنما يكون التديين إذا ادعى أمرًا هو أخف مما يلزمه به.
قوله: ولو قال: أنت طالق طالقًا أي بالنصب، قال الشيخ أبو عاصم: لا يقع في الحال شيء، لكن إذا طلقها وقع طلقتان، والتقدير إذا صرت مطلقة فأنت طالق وهذا في المدخول بها. انتهى.
وما ذكره من تقييد وقوع الطلقتين بالمدخول بها قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو وجه ضعيف، فقد ذكر الرافعي في باب تعدد الطلاق أنه إذا قال لمدخول بها: أنت طالق طلقة معها طلقة وقع طلقتان وهل تقعان معًا بتمام الكلام أو متعاقبين؟ وجهان: أصحهما: الأول، فإن قال ذلك لغير المدخول بها طلقت على الأول طلقتين، وعلى الثاني طلقة. هذا لفظه ولا شك أن ما ذكره الرافعي في هذا الباب قد التبس عليه بفرع آخر شرط الأصحاب فيه هذا الشرط ولكن أضربت عنه لطوله، وقد تقدم في الباب الثالث ذكر هذه المسألة لمعنى آخر فراجعه.
قوله: ولو قال: أنت طالق، فطالق إن دخلت الدار طالقًا فهذا تعليق طلقتين بدخولها الدار طالقًا، فإن دخلت طالقًا وقعت طلقتان بالتعليق. انتهى.
стр. 3459
وما ذكره صريح في أن الشرط المتعقب للحمل يعود إلى الجميع، وفيه كلام سبق في مواضع منها: باب عدد الطلاق فراجعه، ومنها: كتاب الوقف وغير ذلك.
قوله: ولو قال أنت طالق إن لم أضربك: أو إن لم أضربك فأنت طالق، وقال: أردت وقتًا، دُيِّن، سواء عَيَّن الساعة أو وقتًا قريبًا أو بعيدًا وهكذا يكون الحكم في التعليق بنفى الطلاق وسائر الأعمال. انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه يُدَيَّنُ في هذه المسائل حتي لا يقبل في الظاهر قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب، فقد تقدم قبل ذلك بنحو ورقة أن التعليق على نفي الفعل بصيغة أن لا تقتضي الفور على الصحيح كقوله إن لم أضربك أو لم أطلقك أو لم تدخلي.
стр. 3460
الفصل الثالث في التعليق بالولادة والحمل
قوله: ولو قال: إن كنت حاملًا فأنت طالق، فإن كان الحمل بها ظاهرًا وقع في الحال وإلا فلا يحكم بوقوع الطلاق مع الشك، ثم ينظر إن ولدت لدون ستة أشهر من التعليق تبينا وقوع الطلاق وكونها حاملًا حينئذ لأنه لا يمكن أن يأتي به كاملًا لأقل من ذلك. انتهى.
وما ذكره من الحكم بوقوع الطلاق إذا أتت به لدون ستة أشهر قد نازع فيه ابن الرفعة وقال: إن كمال الولد ونفخ الروح فيه يكون بعد أربعة أشهر كما شهد به الخبر، وحينئذ فإذا أتت به لخمسة أشهر مثلًا احتمل العلوق به بعد اليمين، قال: والستة أشهر معتبرة لحياة الولد غالبًا.
قوله: بعد ذلك: وإن ولدته لستة أشهر فأكثر لابد فيه من زيادة لحظة على الستة الأشهر كما سيأتي في العدد أنه لابد من مراعاة لحظتين لحظة الوطء ولحظة للوضع قوله: فرع: قال: إن أحبلتك فأنت طالق وكانت حاملًا لم تطلق، بل يقتضي ذلك حملًا حادثًا منه [فإن وضعت أو كانت حائلًا لم يمنع من الوطء] (١) فإذا وطئها منع حتى تحيض. انتهى كلامه.
فيه أمران: تابعه عليهما في "الروضة":
أحدهما: أن ما ذكره في آخر كلامه من المنع من الوطء ليس على جهة الإيجاب على الصحيح كما تقدم إيضاحه في كلامه قريبًا فلتتفطن له.
الأمر الثاني: أن كلامه يوهم زوال المنع بالكلية بالحيض وليس كذلك فينبغي أن يقول: وكلما وطئها مرة منع حتى تحيض؛ لأن العلة في المنع الأول موجودة في ما بعده فتأمله.
стр. 3461
قوله: فرع: نص في "الإملاء" على أنه لو قال لامرأته: إن كنت حاملًا فأنت طالق على مائة دينار، وهي حامل في غالب الظن طلقت إذا أعطته المائة وله عليها مهر المثل، ووجه فساد المسمى أن الحمل مجهول لا يمكن التوصل إليه في الحال فأشبه إذا جعله عوضًا. انتهى كلامه.
وما جزم به من حصول الطلاق بالإعطاء قد جزم بخلافه في الباب الرابع من الخلع فذكر أنه يشترط القبول وأن يكون متصلًا، وقد تقدم هناك الإحالة على هذا الموضع لغرض آخر فراجعه.
ولا يخفى أيضًا ما في هذه المسألة من إشكال القول بالفساد وضعف التعليل.
قوله في "الروضة": ولو قال: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ثلاثة طلقت بالأولين طلقتين وانقضت عدتها بالثالث ولا تطلق به شيئًا آخر على المنصوص في "الأم" وعامة كتب الشافعي.
وقال في "الإملاء": يقع بالثالث طلقة فقيل قولان، والصحيح عند المعتبرين القطع بما نص عليه في "الأم". انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا في كيفية الخلاف قد خالفه في "المنهاج" فإنه عبر بقوله: ولا يقع به ثالثة على الصحيح. هذا لفظه، فجزم بطريقة الخلاف وجعله وجهين أيضًا، وعبر في "المحرر" بالأصح، إلا أنك قد عرفت غير مرة أنه لا اصطلاح له فيه.
[الفصل الرابع في التعليق بالحيض] (١)
قوله: فرع: قال لأربع نسوة كلما ولدت ثنتان منكن فالآخريان طالقتان فولدت مرتبًا لم تطلق واحدة بولادة الأولى، فإذا ولدت الثانية
стр. 3462
طلقت الثالثة والرابعة طلقة طلقة ولا يقع على الأوليين شيء، فإذا ولدت الثالثة فالصحيح أنها لا تضم إلى الثانية ولا يقع بولادتها شيء، فإذا ولدت الرابعة طلقت الأوليان طلقة طلقة على قول ابن الحداد وتعتدان أن بالأقراء وتنقضي عدة الآخريين بولادتهما، وعلى قول ابن القاص لا تطلق الأوليان بولادة الآخريين. انتهى.
وما ذكره من اختلاف ابن الحداد وابن الصباغ إنما جرى في الصورة السابقة مثل هذه المسألة لأجل ذكر الزوج لفظ الصاحبة، وليس هنا لفظ الصاحب، بل فيه الأوليان والأخريان وهو صادق مع البينونة فضلًا عن الرجعيات، ثم يلزمه إن سلك ذلك في المسألة قبلها ويخرجها على الخلاف بين ابن الحداد وابن القاص وأن لا تقع على الأولى ثلاث ولا على الثانية والثالثة، والصواب تصوير المسألة بما إذا قال: كلما ولدت واحدة منكن فصاحبتاها طالقتان، وقد نقل عن "شرح الفروع" للشيخ أبى على السنجي أنه صورها بذلك.
قوله: إذا قال لامرأته: إذا حضت حيضة أو إن حضت حيضة فأنت طالق لا يقع الطلاق حتى تحيض وتطهر، وحينئذ فيقع سنيًا ولو قال: إن حضت فأنت طالق طلقت بالشروع في الحيض، وقيل: لا تطلق حتى يمضي يوم وليلة، فحينئذ نتبين وقوعه من حين رأيت الدم، وهذا هو الراجح عند الإمام والغزالي، قال الإمام: وعلى هذا هل يحرم الاستمتاع بها ناجزًا حكمه كما لو قال: إن كنت حائلًا فأنت طالق وقد سبق. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره في أول كلامه بقوله وحينئذ فيقع سنيًا هو بسين مضمومة ثم نون ومعناه أنه يقع سنيًا لا بدعيًا فاعلمه، فإنها قد تنحرف
стр. 3463
على الناظر فيعبر عنها بقوله تبينا بالتاء بنقطتين من فوق ثم بالباء الموحدة، وقد وقع ذلك لابن الرفعة في "الكفاية" فنقله عن الرافعي، ثم اعترض عليه بأن الطلاق لا يقع من حين رؤية الدم فكيف يقال بالتبين؟ وهو اعتراض فاسد كما ظهر لك مما ذكرناه، وقد نبهت على ذلك أيضًا في كتابنا المسمى "بالهداية إلى أوهام الكفاية" وأوضحته فيه فراجعه.
الأمر الثاني: أنه إذا علق طلاق امرأته على الحيال أي الخلو من الحمل فقال: إن كنت حائلًا فأنت طالق فإنه يحرم الإستمتاع بها قبل ظهور الأمر على الصحيح بخلاف ما لو علق على الحمل فإن الصحيح عدم التحريم، والفرق واضح، وإذا علمت ذلك فالذي نقله في آخر كلامه عن الإمام إنما هو الحامل بالميم؛ لأن الأصل عدم الحيض كما أن الأصل عدم الحمل والحيال هو نظير الطهر.
قوله: لو قال لامرأتيه: إذا حضتما حيضة فأنتما طالقتان فثلاثة أوجه: أصحهما: يكفي قوله حيضة فإذا ابتدأهما الدم طلقتا، والثاني: إذا تمت الحيضتان طلقتا وهذا احتمال رآه الإمام، والثالث: أنه يلغو ولا تطلقان وإن حاضتا، ويجرى الخلاف في ما إذا قال: إن ولدتما ولدًا.
قال الحناطي: فإن قال: إن ولدتما ولدًا واحدًا فأنتما طالقان فإنه محال ولا يقع الطلاق، وعلى الوجه الذي يوقع بالتعليق على المحال يقع هنا في الحال وإن لم تلدا. انتهى كلامه.
وما ذكره القاضي من تصحيح إلغاء الحيضة وتعلق الطلاق بمجرد رؤيتهما الدم مخالف للقواعد فإنا إن نظرنا إلى التقييد بالحيضة، وأن اشتراكهما فيها محال لزم تصحيح عدم الوقوع، وإن نظرنا إلى المعنى وهو تمام الحيضة من كل واحدة لزم توقف الوقوع على تمامها، فالتصحيح الخارج عن كل منهما مشكل، ثم إنه ذكر أن الخلاف أيضًا جار في الولادة وأنه إذا صرح فيه بالوحدة كان محالًا حتى لا يقع على الصحيح، وهذا
стр. 3464
بعينه يجرى في الحيضة؛ لأن الحيضة للمرة الواحدة كقوله ولدًا واحدًا.
قوله: وإذا قالت: حضت فأنكر الزوج صدقت بيمينها لأنها أعرف بحيضها ويتعذر إقامة البينة عليه فإن الدم وإن شوهد لا يعرف أنه حيض بل يجوز أن يكون استحاضة. انتهى كلامه.
وهذه المسألة -أعني الكلام في أنه هل يمكن إقامة البينة على الحيض أم لا- ذكرها الرافعي في أبواب: أحدها: هذا، وثانيها: في كتاب الديات في ثلاث مواضع منه، وثالثها في كتاب الشهادات واختلف كلامه فيها وكذلك كلام "الروضة" وقد أوضحت ذلك في الشهادات فلتراجع.
قوله: وذكر إسماعيل البوشنجي أنه لو قال: إذا حضت حيضة فأنت طالق وعادتها ستة أيام مثلًا فإذا مضى ثلاثة أيام يقضي بوقوع الطلاق على ما يقتضيه ظاهر اللفظ. انتهى كلامه بحروفه.
وتعبيره بقوله: إذا حضت حيضة هو الواقع في نسخ الرافعي، وصوابه نصف حيضة، وقد تفطن لذلك في "الروضة" فزاد هذه اللفظة، ونقل ابن الرفعة كلام الرافعي ثم اعترض عليه.
стр. 3465
الفصل الخامس في التعليق بالمشيئة
قوله: ولو قال: امرأتي طالق إذا شاء زيد، لم يشترط الفور بالاتفاق. انتهى.
لكن ذكر في "الحاوي" عند الكلام على ما إذا قال: أنت طالق لفلان أو لرضى فلان أنه إذا قال: إن رضى زيد فأنت طالق يشترط رضاه على الفور.
قوله: أما لو علق بمشيئتها وهي صبية لا تميز أو مجنونة أو بمشيئة غيرها وهو بهذه الصفة لم يقع بلا خلاف. انتهى.
وما ادعاه من نفي الخلاف ليس كذلك، فقد نقل في "الإبانة" عن القفال أنه قال بصحة المشيئة من المجنونة والصغيرة.
قوله: وإذا علق الطلاق على مشيئتها فقالت: شئت وهي كارهة بقلبها وقع الطلاق في الظاهر، وهل يقع باطنًا؟ قال أبو يعقوب: لا يقع، وإليه مال القاضي الحسين.
وقال القفال: يقع، وقال البغوي: إنه المذهب؛ لأن التعليق في الحقيقة على لفظ المشيئة. انتهى.
والأصح هو الوقوع فقد صححه الرافعي في "المحرر" وعبر بالأظهر ونقله عنه في "الروضة" وسكت عليه، لكن ذكر الرافعي في أوائل كتاب الإقرار ما يشكل على الوقوع، ويقتضي أنه لا يقع فراجعه.
قوله: ذكر البغوي أنه لو قال: أنت طالق كيف شئت، قال أبو زيد والقفال: تطلق شاءت أم لم تشأ.
стр. 3466
وقال الشيخ أبو على: لا تطلق حتى توجد مشيئة في المجلس إما بالطلاق وإما بعدمه.
قال البغوي: وكذا الحكم إذا قال، على أي وجه شئت. انتهى.
وهذه المسألة قد أعادها الرافعي في أواخر كتاب العتق قبيل الولاء بنحو أربعة أوراق واقتضى نقله رجحان اشتراط المشيئة فراجعه هناك.
قوله: ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أن يشاء أبوك أو فلان واحدة فشاء واحدة فثلاثة أوجه: أصحها: لا يقع شيء كما لو قال: أنت طالق إلا أن يدخل أبوك الدار فدخل وعلى هذا لو شاء اثنين أو ثلاثًا لم يقع أيضًا شيء لأنه شاء واحدة وزاده.
والثاني: أنه إذا شاء واحدة وقعت فكأنه قيل إلا أن يشاء واحدة فتطلقي تلك الواحدة لا الثلاث.
والثالث: يقع طلقتان، والتقدير إلا أن يشاء أبوك واحدة فلا تقع الواحدة وتقع ما سواها، فإذا قلنا بالأول فقال: أردت المراد بالثاني قبل، وإن قلنا بالثاني فقال: أردت معني الأول قبل أيضًا في أظهر الوجهين حتى لا يقع به شيء، ثم قال: ولو قال: أنت طالق واحدة إلا أن يشاء أبوك ثلاثة، فإن شاء ثلاثًا لم يقع شيء جوابًا على الوجه الأول، وهو الصحيح فإن لم يشأ شيئًا أو شاء واحدة أو اثنتين وقعت واحدة. انتهى كلامه.
وقد سكت في المسألة الأخيرة عن التفريع على ما عدا الأول.
قال ابن الرفعة في "الكفاية": يظهر أنها على الوجه الثالث تطلق ثلاثًا، وعلى الثاني أن يكون الحكم مثل الأول، وخالف في "المطلب" فقال: قياس الأوجه الثلاث عدم الطلاق.
стр. 3467
قوله: لو قال: أنت طالق لولا أبوك لم تطلق، وفيه وجه ضعيف حكاه المتولى، ثم قال: ولو قال: أنت طالق لولا أبوك لطلقتك، قال الأصحاب: لا تطلق؛ لأنه أخبر بأنه لولا حرمة أبيها لطلقها، وأكد هذا الخبر بالحلف بطلاقها كقوله: والله لولا أبوك لطلقتك، قال المتولى: وإنما لا تطلق إذا كان صادقًا في خبره. انتهى كلامه.
وهذا الكلام في ظاهره مشكل فإنه جعل أنت طالق حلفًا بمثابة قول القائل: الطلاق يلزمني، وقوله: والله وهذا شيء غير معهود وجوابه يتضح بما ذكره الرافعي بعد هذا بنحو ستة أوراق، فإنه نقل عن المتولى أن عادة البغداديين أن يجعلوا هذه اللفظة محلوفًا بها كما يحلف الحالف بقوله؛ والله ونحوه، ومعنى الكلام إن فعلت فأنت طالق.
إذا تقرر هذا فالرافعي أخذ هذه المسألة من المتولى وهو رجل بغدادي فجرى على قاعدة البغداديين، وكان ينبغي للرافعي أن يذكر المسألة الثانية أولًا ثم يفرع عليها تلك.
قوله: قال: أنت طالق إلا أن أشاء أو يبدو لي، قال البغوي: يقع في الحال؛ لأنه ليس بتعليق، بل أوقع الطلاق وأراد رفعه إذا بدا له ويمكن أن يقال هو كما لو قال: إلا أن يشاء فلان أو يشاء الله. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: [قال ابن الرفعة] (١): إن ما ذكره احتمالًا هو ما نص عليه الشافعي كما حكى عنه في "الإشراف" أنه لو قال: لفلان على ألف إلا أن يبدو لي فهو استثناء صحيح وهو ما حكاه في "التتمة" فيما إذا قال: إلا أن أشاء أنا، وخالف أبو الطيب النص ولم يصحح
стр. 3468
الاستثناء.
قال صاحب "الإشراف": كل قول في عقد إيجاب أو إقرار إذا عقب بالاستثناء أو التخصيص أو بقوله إلا أن يبدو لي أمر فيه هذه المعاني، إلا إذا قال: يا زانية أنت طالق إن شاء الله فإنه قاذف ولا طلاق، وما نقله عن "التهذيب" موافق لأحد الاحتمالين لصاحب "التقريب" فيما إذا قال الناذر: لله على كذا إلا أن يبدو لى كما حكاه الإمام عنه في كتاب الاعتكاف وفيما إذا قال: إلا أن يشاء زيد.
الثاني: أنه قد جزم بعده بأسطر بما يخالفه فقال نقلا عن البوشنجي من غير مخالفة له ولو قال أنت طالق إلا أن يرى فلان غير ذلك، أو إلا أن يشاء أو يريد غير ذلك، أو إلا أن يبدو لفلان غير ذلك فلا يقع الطلاق في الحال، بل يقف الأمر على ما أن يبدوا من فلان ولا يختص ما يبدو منه بالمجلس، ولو مات فلان وفات ما جعله مانعًا من الوقوع تبين وقوع الطلاق قبيل موته. هذا كلامه، إلا أنه أولًا جعل البداء راجعًا إليه وجعله ثانيًا راجعًا إلى فلان.
وقد جزم النووي بالموضع المذكور ثانيا ولم ينقله عن البوشنجي، وأما الأول فنقله عن "التهذيب" إلا أنه لم يذكر البحث الذي أشار إليه الرافعي فصار أشد في الاختلاف، والسبب في وقوع مثل هذا للرافعي أنه يلحق أشياء بكتابه ظنا منه أنها لم تتقدم مع كونها قد تقدمت بالعكس.
قوله: فرع: ذكر البوشنجي أنه لو قال: إن لم يشأ فلان فقال فلان: لم أشأ وقع الطلاق، وكذا لو قال: إن لم يشأ فلان طلاقك اليوم فقال فلان في اليوم: لا أشاء وقع الطلاق وقياس التعليق بنفي الدخول وسائر الصفات أن يقال: إنه وإن لم يشأ في الحال فقد يشاء بعد، فلا يقع الطلاق
стр. 3469
إلا إذا حصل اليأس، وفاتت المشيئة، [وفي صورة التقييد باليوم، لا يقع الطلاق إلا إذا مضى اليوم خاليا عن المشيئة] (١) ويجوز أن يوجه ما ذكره البوشنجي بأن كلام المعلق محمول على تلفظه بعدم المشيئة فإذا قال: لم أشأ، فقد تحقق الوصف، انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه كلام متوقف على مقدمة ذكرها في آخر باب الاستثناء في الطلاق فقال: لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد فالصحيح أن معناه إلا أن يشاء الوقوع، كما إذا قال: إن شاء زيد فإن معناه أيضا أن يشاء الوقوع، وقيل: إن معناه إلا أن يشاء عدم الوقوع فعلى الأول يقع الطلاق إذا لم يشأ زيد شيئا أصلا أو يشاء عدم وقوعه ولا يقع إذا شاء الوقوع، قال: والحاصل أن الطلاق معلق بعدم مشيئة الطلاق لا بمشيئة عدم الطلاق، والمعنى الثاني أخص من الأول ومسألتنا فرد من أفرادها، لأن قوله: إن لم يشأ زيد يكون معناه إن لم يشأ الوقوع وذلك إما بأن لا يشاء شيئا أصلا أو بأن يشاء عدم وقوعه وهو كالأول سواء.
إذا علمت ذلك ففي ما نقله الرافعي في هذا الباب عن البوشنجي وأقره هو والنووي عليه فيه أمور:
أحدها: أن حاصل كلامه أولا وآخرا أنه محمول على التلفظ بعدم المشيئة وهو مخالف للصواب المجزوم به هناك.
الأمر الثاني: أن تعبيره بقوله فقال فلان: لم أشأ وقع الطلاق صريح في وقوع الطلاق إذا اقتصر فلان على قوله: لم أشأ وهذا يخالف كلا من الوجهين المذكورين في أن الذي شاءه هل هو الوقوع أو عدمه، وفي كلام الرافعي في هذا الفصل مواضع مذكورة قبل هذه المسألة توهم أيضا ما اقتضاه كلامه هنا إلا أن في بعضه تصريحا بالمقصود.
стр. 3470
الأمر الثالث: أنه سوى بين لم ولا فعبر تارة بقوله لم أشأ وتارة بقوله لا أشاء وبينهما فرق ظاهر، فإن لم فيما مضى، وأما لا فإنها إما للمستقبل أو محتملة له وللحال على خلاف للنحاة.