Полный текст (4 584 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ثالثًا: أن تُلحق الحواشي كلها، اختلاف النسخ والتعليقات بنهاية الكتاب.
رابعًا: ومنهم من يَجعل الحواشي كلها أسفل الكتاب، اختلاف النسخ أولًا، والتعليقات ثانيًا، ويفصل بينهما خط والأفضل أن يكون الهامش في أسفل الصفحة، بما فيه اختلاف النسخ والتعليقات، اللهم إلَّا إذا كانت تراجم الأعلام كثيرة، فيمكن أن تفرد بملحق في آخر الكتاب وترتب ترتيبًا هجائيّا.
ويتضح موقف المحققين من الحواشي والتعليقات في اتجاهات ثلاثة:
الأول: فمنهم من يكتفي بذكر اختلاف النسخ فقط، وقلما يخدم النص بتعليق أو بيان أو توضيح، وهذا ما عليه جمهور المستشرقين ومن تابعهم في هذا النهج من العرب والمسلمين.
الثاني: ومنهم من يكثر من التعليق والتفسير والشرح والإيضاح والتخريج، وإثقال الحواشي بنصوص ونقول كثيرة، حتى لتصبح الحاشية كتابًا آخر.
الثالث: وفريق وسط يرى النمطين السابقين إفراطًا وتفريطًا، يَجعل في الهامش اختلاف النسخ، وبيان الفروق في القراءات، والتعليق، والترجمة للأعلام، والتنبيه على الأوهام، كل ذلك بقدر، بحيث يخدم النص ويوضحه ويثريه بالفوائد دون إثقال، وهذا هو المنهج الذي يرتضيه كثرة المحققين، ونراه صوابًا.
إن التعليق مطلوب من المحقق في القضايا الضرورية التي توضح النص وتزيل عنه اللبس والوهم، وتصحح ما فيه من خطأ، ويُمكن أن نوجز النقاط التي يشملها التعليق فيما يأتي:
أولا: التعريف بالمغمور والمبهم من أعلام الناس والبلدان، بالقدر
стр. 37
الذي يَخدم النص ويوضحه وييسر الانتفاع به، وعدم التعريف بالمشهورين كأعلام الخلفاء والملوك والأمراء والشعراء والكتاب، ولا ضرر إذا ذكرت سنوات الوفاة.
ثانيًا: شرح الألفاظ الصعبة والغريبة التي تحوج إلى الرجوع إلى المعجمات.
ثالثًا: توضيح الرموز والمصطلحات التي ترد في النص، مع بيان دلالتها في عصرها.
رابعًا: تَخريج الأحاديث النبوية بالرجوع إلى كتب الحديث، مع بيان درجة الحديث من حيث الصحة والسقم، حتى لا تَختلط الأحاديث الموضوعة بالأحاديث الصحيحة، وذلك بالرجوع إلى كتب الحديث وكتب مصطلح الحديث.
خامسًا: تَخريج الأشعار بالرجوع إلى دواوين الشعراء، وعند عدم وجود ديوان للشاعر الرجوع إلى كتب المختارات الشعرية ومَجاميع الشعر وكتب الأدب والشواهد.
سادسًا: مقارنة النص المعتمد بالنصوص في الموضوعات المشابهة سواء ما كان لاحقًا به أو سابقًا عليه.
سابعًا: نقد النص وبيان ما فيه من وهم أو خطأ، والإشارة إلى الصحيح بعد توثيقه بالأدلة الواضحة.
التخريج:
التخريج: توثيق النص وخدمته وتوضيحه، وذلك بتحديد مواطن النقول وضبطها وتصحيحها وإكمالها وعزو النصوص إلى أصحابها، وتتمة ما يقع في النص من نقص وخلل، أو وهم وخطأ، وتَخريج النص يبين صحته وسلامته، ويدل على مصادر المؤلف ونقوله، والمحدثون هم أشد
стр. 38
العلماء عناية بتخريج الأحاديث وإسنادها، وقد كانت كلمة التخريج، خاصة بالْحَديث النبوي، وقد توسع في استعمالها، وشاعت في العصر الحديث مع شيوع التحقيق وكثرته، ومن المحققين من يعدل عن هذه التسمية إلى تسمية أخرى هي (الرواية)، وينبغي التنبيه إلى أن التخريج يكون بالقدر الذي يَخدم النص وفيه فائدة وتوضيح وتقويم، مع عدم الإسراف بنقل الأخبار والروايات التي ليس لها صلة أو فائدة غير الإطالة والتكثير.
والنصوص التي يحرص المحقق على تَخريجها هي:
أولًا: الآيات القرآنية:
ويرجع فيها إلى القرآن الكريم، ويُستعان لمعرفة السورة ورقم الآية بالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي، يذكر اسم السورة ثم رقم الآية، ولا يَجوز ذكرَ رقم السورة فقط دون اسمها كما يفعل المستشرقون، وإذا ورد في النص خطأ في الآية يُصحح الخطأ ويُشار إليه في الهامش، ويرجع للتوثيق إلى القرآن الكريم، ولا يعتمد المحقق على ذاكرته، فكثيرًا ما تخون الذاكرة، أو يَختلط عليه فيحذف حرفًا أو يزيد.
ثانيًا: الأحاديث النبوية:
تُخَرَّج الأحاديث النبوية بالرجوع إلى صحيحي البخاري ومسلم وموطأ مالك، ويذكر الجزء والصفحة، ويُسمى الباب أيضًا، فإن لم يَجد فيها الحديث، يرجع إلى كتب السنن الأربعة (النسائي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة)، فإن لَم يَجد فيها الحديث فيرجع إلى كتب المسانيد مثل مسند أحمد، ومسند الدارمي وغيرها، ولأهمية الحديث ومنزلته في الشريعة الإسلامية ينبغي بيان درجة الحديث من الصحة
стр. 39
والضعف، حتى لا تشيع بين الناس الأحاديث الموضوعة، ويُستعان في معرفة مواضع الحديث بالرجوع إلى كتب الفهارس (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) الذي عمله فنسنك ومنسنيج، و (مفتاح كنوز السنة) الذي عمله فنسنك وترجمه محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك كتاب (تيسير المنفعة بكتابي مفتاح كنوز السنة والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) لمحمد فؤاد عبد الباقي.
ثالثًا: الشعر:
تَخريج الأشعار والأرجاز بالرجوع إلى الدواوين، فإن لَم يكن للشاعر ديوان، يوجع إلى مَجاميع الشعر وكتب الأدب والنحو والنقد والبلاغة والتاريخ والبلدان، التي تستشهد بالشعر، وينسب الشعر إلى قائله إذا كان غير منسوب، وبين اختلاف الرواية، ويصحح النص وينبه إلى صوابه في الهامش، وإذا كان البيت مكسورًا أقامه، ومن المحققين من يحرص على بيان بحور الشعر، وبعض المحققين يكثر من التخريج بالإضافة إلى وجود الديوان، وفي هذا تكثير وإثقال للهوامش لا نفع فيه.
رابعًا: الأمثال:
تخرج الأمثال بالرجوع إلى كتب الأمثال، مثل: مَجمع الأمثال للميداني، والمستقصي للزمخشري، والفاخر للمفضل بن سلمة، وجمهرة الأمثال للعسكري، والأمثال للقاسم بن سلام، وأمثال العرب للضبي.
خامسًا: المأثورات والنصوص المقتبسة:
تخرج النصوص المقتبسة كالخطب والرسائل والوصايا والحِكَم، وهذه النصوص تكشف عن مصادر المؤلف التي نقل عنها، والكتب التي نقلت عن المؤلف أيضًا، وعلى ضوء هذه المصادر يوثق النص ويُصحح، ويبين
стр. 40
ما فيه من زيادة أو نقص أو تغيير، ويرجع في كل ذلك إلى كتب الأدب والأمالي والمجالس، والكتب التي طابعها جَمع الأخبار والحكايات والنوادر والأيام.
نقد النص:
إن عمل المحقق الأساسي هو ضبط النص وتوضيحه، والتنبيه إلى ما فيه من أغلاط وأوهام، وبيان الصواب من الخطأ، والتنبيه إلى الرأي الضعيف، وبيان الرأي الأقوى، معززًا ذلك بالأدلة والشواهد، وموثقًا رأيه بالمصادر المعتمدة، وهذا العمل الذي فيه ترجيح رأي بالدليل، وتقويم معوج، وتصويب خطأ، هو ما يدخل في باب نقد النص، ولا يقوم بهذا إلا المحقق المتمكن الحذر المدقق، الذي خبر النصوص وعرف دقائقها، بحيث لا يصبح نقد النص مركبًا ذلولًا تجرب فيه الآراء، وتطلق فيه الأحكام دون حجة بينة ودليل دافع، وإلا فليس لأحد أن ينقد نصّا معتمدًا على الذوق والمزاج، والرأي الفطير.
والمحقق الجيد هو الذي يحيط بعلوم التراث ولغته وأدبه وله خبرة ومران بنصوصه ودقائقه، وهو الذي يستطيع الحكم على النصوص ونقدها، فيفيد بعمله هذا قارئ الكتاب والباحث والدارس، فيسهل عليهم الفائدة ويوفر لهم الجهد والوقت.
تقديم النص:
بعد الانتهاء من تحقيق الأصل المخطوط، واستكمال كل أسبابه، وإخراجه من المسودة إلى المبيضة، يكتب المحقق مقدمة يقدم فيها النص وتتضمن الآتي:
أولأَ: التعريف بالمؤلف وإلقاء الضوء على عصره بالقدر الذي يتعلق بالمؤلف والكتاب، مع ذكر المصادر والمراجع التي ترجمت له.
стр. 41
ثانيًا: دراسة عن الكتاب وشأنه بين الكتب التي ألفت في موضوعه، والجديد الذي يتميز به الكتاب.
ثالثًا: موضوع الكتاب وما ألف فيه قبله وبعده.
رابعًا: وصف المخطوط الذي اعتمد عليه في النشر، ويتضمن الوصف النقاط الآتية:
الأولى: ما أثبت على الورقة الأولى من اسم الكتاب واسم مؤلفه والتحقق من صحة اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه.
الثانية: تاريخ النسخ واسم الناسخ، ويُشار إلى من ترجم له إذا كان معروفًا.
الثالثة: إذا كان الكتاب غفلًا من اسم المؤلف فيحاول المحقق عرفانه من الموضوع، والأسلوب، والأعلام المذكورة، ممن يذكر أنه رآهم أو اجتمعَ بهم، وإذا لَم يكن على الكتاب تاريخ نسخ، فيقدر عمر المخطوط بالخط والورق.
الرابعة: عدد ورقات المخطوط وقياسها، وعدد السطور في الورقة وطول كل سطر، وما فيها من هوامش وأبعادها.
الخامسة: نوع الخط الذي كتبت النسخة به، وهل كتبت النسخة بخط واحد أو خطين مختلفين.
السادسة: الرسم الذي تبعه الناسخ، تذكر أنموذجات من الألفاظ التي سيبدل المحقق رسمها في النص.
السابعة: المداد واختلاف ألوانه، فقد يكتب النص بالأسود، والعناوين بالأحمر، وقد تكون فواصل بالأحمر والأزرق، فيُشار إلى ذلك كله.
الثامنة: الورق ونوعه.
стр. 42
التاسعة: التعقيبات، أي الكلمات التي تثبت في آخر كل صفحة لتدل على أول كلمة في الصفحة القادمة، وهي تدل على تتابع النص.
العاشرة: التعليقات في الهوامش.
الحادية عشرة: الإجازات (المناولات، إجازات الإقراء، إجازات السماع) ينوه بها في المقدمة ويثبت نصها في آخر الكتاب.
الثانية عشرة: التملكات، أي من ذكر اسمهم من العلماء أو غيرهم الذي تملكوا المخطوطة.
الثالثة عشرة: يثبت صورة الورقة الأولى والورقة الأخيرة، أو أى ورقة ثانية من الكتاب، ويُشار في ذيلها إلى موضعها من النص المطبوع، وإذا وجد خط المصنف فمن المستحسن وضع صورة عنه.
الرابعة عشرة: إذا كانت النسخ التي اعتمدَ عليها عديدة فتثبت أوصافها.
الخامسة عشرة: يعقب وصف النسخ قائمة بالرموز: رموز النسخ، ورموز الأقواس.
ويحسن أيضًا أن يذكر المحقق منهجه في التحقيق، والعقبات التي اعترضته، وأية فوائد أخرى يرى أن من المفيد ذكرها، وينبغي أن يذكر بالخير من أعانه في مهمته من الباحثين والمحققين الذين أمدوه بمعلومة أو ساعدوه في الحصول على صورة لِمخطوط، أو غير ذلك.
الفهارس:
إن صنع الفهارس في الكتب العلمية ضرورة، وهى أكثر ضرورة في كتب التراث وإحيائه، والكتاب المجرد من الفهارس تقل فائدته وتصعب قراءته، والفهارس توفر الوقت والجهد وتيسر الفائدة، وهناك فهارس عامة لكل كتاب، وفهارس خاصة منبثقة من طبيعة الكتاب نفسه، حسب
стр. 43
ما يستوجبه موضوعه، وأهم هذه الفهارس:
أولًا: فهرس الآيات القرآنية.
ثانيًا: فهرس الأحاديث النبوية.
ثالثًا: فهرس الأعمال.
رابعًا: فهرس القبائل والأمم والجماعات.
خامسًا: فهرس المواضع والبلدان.
سادسًا: فهرس الأمثال.
سابعًا: فهرس الشعر (القوافي والأرجاز والبحور).
ثامنًا: فهرس الكتب الواردة في الكتاب.
تاسعًا: فهرس المصطلحات الفنية والألفاظ الحضارية.
عاشرًا: فهرس المفردات اللغوية.
حادي عشر: فهرس المصادر والمراجع.
ثاني عشر: فهرس موضوعات الكتاب.
ويُمكن أن يُضاف في الكتب التاريخية فهرس للأحداث والسنين، وفي كتب الخيل فهرس لشيات الخيل وصفاتها، وفهرس لألفاظ البيطرة، وفي كتب اللغة فهرس للألفاظ التي لم ترد في المعاجم.
مع ملاحظة أن بعض الناشرين يبالغ في صنع الفهارس، حتى لتطغى على الكتاب نفسه، فتقارب حجمه أو تزيد عليه، أما ترتيب الفهارس، فتقدم الفهارس المهمة التي لها صلة وثيقة بالكتاب، فكتاب في الأدب تقدم فهارس الشعر والمصطلحات الأدبية، وكتاب في البلاغة يقدم فهرس المصطلحات البلاغية، وكتاب في التراجم يقدم فهرس الأعلام، وهكذا ثم تأتي بعد ذلك الفهارس الأخرى مرتبة حسب أهميتها.
стр. 44
ومن الناشرين من يختصر هذه الفهارس جَميعًا في فهرس واحد هو كشاف للكتاب، فهو فهرس للأعلام والقبائل والمواضع والألفاظ الحضارية وغيرها، وقد يكون هذا نافعًا في الرسائل والكتب الصغيرة، أما في الكتب الكبيرة فهو قليل الفائدة ولا يُغني شيئًا.
أولويات التحقيق:
التراث العربي المخطوط ثروة نفيسة، تُمثل فكر الأمة وتاريخها وحياتها، وهو موزع في مكتبات العالم شرقيها وغربيها، وفي هذا التراث الضخم مَخطوطات قديمة نادرة، يرجع عهدها إلى القرون الهجرية الأولَى، ويرجع الكثير منها إلى زمن التأليف والنضج الفكرى في العصور العباسية في القرون الثالث والرابع والخامس، ويتضاعف عددها في القرون المتأخرة.
وحين بدأت الأمة العربية تنهض من سباتها بعد العصر العثماني، التفت فريق من العلماء لأهمية إحياء هذا التراث العزيز، ورأوا أن المستشرقين قد نشطوا في تَحقيق التراث العربي، مستخدمين الطريقة العلمانية في النشر، فكان أول كتاب طبع هو القرآن الكريم، طبع في البندقية سنة (١٥٣٠ م)، ثم طبع كتاب الكافية في النحو لابن الحاجب (عثمان بن عمرو ت ٦٤٦ هـ)، طبع في روما سنة (١٠٠٠ هـ)، (١٥٩٢ م)، أما أول كتاب يصح أن يُسمى تَحقيقًا فهو كتاب الفلاحة لابن العوام الإشبيلي (ق ٦ هـ) حققه جوزيف بانكري وطبع في مدريد سنة (١٢١٧ هـ) (١٨٠٢ م)، ثم حقق جارلس لايل شرح ديوان الحماسة للتبريزي (ت ٥٠٢ هـ)، وطبع في بون سنة (١٨٢٨ م)، وحقق وليم رايت كتاب الكامل للمبرد (ت ٢٨٦ هـ) ونشر في لندن سنة (١٨٦٠ م)، وحقق وستنفيلد كتاب الاشتقاق لابن دريد (ت ٣٢١ هـ)، ونشر في كوتنكن سنة (١٨٥٣ هـ)، ثم كثر التحقيق بعد ذلك.
стр. 45
فأقبلوا على تَحقيق التراث ونشره، فمن أوائل الكتب التي نشرت وفق تَحقيق علمي جيد: كتاب الإكليل للهمداني (ت ٥٢١ هـ)، حققه الأب أنستاس ماري الكرملي، ونشر في بغداد سنة (١٩٣١ م)، وكتاب نخب الذخائر في أصول الجواهر لابن الأكفاني (ت ٧٤٩ هـ)، حققه الكرملي أيضًا، ونشر في بغداد سنة (١٩٣٩ م)، وكتاب إمتاع الأسماع للمقريزي (ت ٨٤٥ هـ) حققه الأستاذ محمود شاكر، ونشر في القاهرة سنة (١٩٤١ م)، ورسائل الجاحظ حققها طه الحاجري وكراوس ونشرت في مصر سنة (١٩٤٣ م)، وكتاب الديارات للشبابشتي (ت ٣٨٨ هـ) حققه كوركيس عواد ونشر ببغداد سنة (١٩٥١ م) وغيرها من الكتب التي تعتبر من أوائل التحقيق العربي.
ويتساءل الباحثون ماذا نحقق من هذا التراث الضخم، لا شك أن التراث كله عزيز ونفيس، وحقيق بالنشر، ولا يَخلو أي كتاب منه من فائدة، سواء أكانت هذه الفائدة علمية، أم تاريخية، أم لها دلالة على العصر، أم فيها فائدة تدل على صناعة وخبرة من خلال ما يستنبط من الخط والورق والحبر، وحتى في المخطوطات التي يظن فيها ضرر أو سلبيات، ففيها فوائد تستنتج وفيها دلالات على العصر، ولها نفع تاريخي أو اجتماعي، ولكن يبقى السؤال: من أين نبدأ، وأي المخطوطات أولى بالتقدم ولها الأولوية؟
قال فريق من أهل العلم كما نقل صاحب "فتح المغيث": أنه لا حاجة بنشر مَخطوط ما لم يكن فيه جدة وإبداع وابتكار، وقد سبق بعض المتقدمين فنادى بهذا الرأي وهو القاضي ابن العربي، إذ قال في صفة الكتاب الجيد: "إمَّا أن يخترع معنى، أو يبتدع وضعًا ومبنى، وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد الورق والتحلي بحلية السَّرَق"، ولا شك أن المخطوطات القديمة التي كتبها علماء القرن الثاني والثالث لها الصدارة،
стр. 46
لقدمها ولأن العلم كان في شبابه، وكان فيه طابع الجدة والابتكار، وكلما تأخر العصر كثر التكرار وغلبت الشروح والمختصرات، ولكن هل هذا حكم عام؟ لا أظن ذلك، فقد يكون للمتأخر فضل على المتقدم بما يفيد من علم الأوائل، ويضيف إلى الخبرات الناضجة والعلم الرصين.
إن المخطوطات التي وصلت بخط مؤلفيها، وخاصة إذا كان المؤلف من العلماء المعروفين المتميزين، أو كتبها علماء معروفون، هذه المخطوطات لها مكانة خاصة، وهناك كتب متأخرة حفظت وجمعت معلومات ونصوصًا من كتب قديمة فُقدت أصولها، وقد عرف بعض المؤلفين بتضمين مؤلفاتهم رسائل وكتبًا وأشعارًا كثيرة، من أولئك ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة الذي ضمَّن كتابه كتبًا كثيرة، وكذلك فعل البغدادي في خزانة الأدب، فهذه الكتب لا يقعد بها تأخرها، بل لها الفضلُ في حفظ ما ضاعَ من كتب قيمة قديمة، ولذلك فهي تأتي في أهمية النشر بالمرتبة الثانية بعد كتب الصدر الأول.
وهناك كتب لمصنفين تناولت موضوعات سبق إليها الأولون وطرقها غيرهم من المؤلفين، ولكنها تَمتاز عن سابقاتها بحسن العرض وجودة المعنى وبراعة التنسيق، والترتيب، بالإضافة إلى أنها تصحح أخطاء السابقين، وتستدرك عليهم، وتشرح الغامض المستغلق، وتجمع المتفرق، وتتم الناقص، فهذه الكتب تفضل ما سبقها من الموجز أو المخل أو المبهم أو المستغلق، ولهذه الكتب منزلة وتأتي في المرتبة الثالثة في أولويات التحقيق والنشر.
وهناك ضربُ رابع ممَّا يَجب أن يولي عناية في التحقيق، تلك الكتب النافعة التي طبعت طباعة رديئة، ولم يرجع ناشروها إلى النسخ المخطوطة، وظهرت ناقصة ومملوءة بالأخطاء والأوهام، وتكون الفائدة منها قاصرة، هذه الكتب إذا توافرت نسخها المخطوطة أهل للعناية
стр. 47
والتحقيق العلمي الجيد، إن نشر هذه الكتب لا يحول دون بذل العناية في تَحقيقها ونشرها مرة أخرى.
على أن من المهم أن ننبه إلى أن من الخطأ أن تترك المخطوطات ذات الموضوعات الجيدة النافعة، وينشر ما دونها من موضوعات متأخرة مكررة، ومن الخطأ أيضًا أن يترك كتاب متوافر نسخه وينشر مُختصر أو شرح له.
وفي حالات كثيرة يحجم المحققون عن تناول مَخطوطات مهمة بحجة كبر حجمها أو صعوبة خطها، كأن يكون الخط مغربيّا أو أندلسيّا، فإن المران والدربة والأنفة تيسر الصعب وتقرب البعيد.
ثقافة المحقق وعُدَّته:
ينبغي لِمن يتصدى للتحقيق أن يكون على مستوى علمي وثقافي ولغوي متميز، وخاصة في الموضوع الذي يُحققه، ملمًا بعلومه، عارفًا بمصطلحاته، مطلعًا على كتبه ومصادره، ضليعًا باللغة والنحو، خبيرًا بَالكشف عن المفردات وأنواعها وأزمانها، وبالورق وأنواعه وصناعته، فمن يتول نشر كتاب أدبي يَجب أن يكون ملمًا بقضايا الأدب، وعصوره، ورجاله، وشعرائه، وأساليب الأدباء، قارئًا للشعر، ضابطًا لعروضه، خبيرًا بمصادره، ومن يتول نشر كتاب من كتب التاريخ والأخبار يَحسن أن يكون مطلعًا على العصور التاريخية، عارفًا بأحداثها، متقنًا لتراجم الرجال والقبائل والأنساب، خبيرًا بأسماء المواضع والمدن والمعارك قارئًا لكتب الحضارة مدققًا فيها محيطًا بمصادر التاريخ مَخطوطها ومطبوعها، وكذلك الحال فيمن يتصدى لتحقيق كتاب في الخيل والبيطرة والبيزرة أن يكون خبيرًا بهذه العلوم كثير الاطلاع على كتبها، وهكذا الحال في كل علم وفن، ولكل علم ثقافته وخبرته وأدواته.
وعلى هذا فعلى من يعتزم نشر كتاب أن يلم بموضوعه ويدرس الكتب
стр. 48
التي تعالج الموضوع نفسه، أو الموضوعات المشابهة له، حتى تكون له خبرة بهذا العلم، ويستطيع بعدها أن يفهم نصوصه، ويقف على مصطلحاته فيتجنب المزالق والأخطاء التي قد يقع فيها من يظن الخطأ صوابًا، والصواب خطأ.
وقبل البدء بالتحقيق ونسخ الأصول، ينبغي قراءة المخطوطة والتمرس بها، والتعود على رسم حروفها، وخط الناسخ، وخاصة الخطوط المغربية والأندلسية، فإن لها رسمًا خاصّا متميزًا، ولكل كاتب طريقة في رسم الحروف والكلمات، فينبغي التعود على طريقة الناسخ ومقارنة الحروف بعضها ببعض وفق مواضعها من الكلمة، ومعرفة كيفية وضع النقط والكلمات المهملة والمعجمة، فكثير من المخطوطات تهمل إعجام بعض الكلمات، حتى في العصور المتأخرة.
وينبغي كذلك التمرس بأسلوب المؤلف، وذلك بقراءة المخطوطة مرات حتى يقف على صفات أسلوبه وخصائصه، ولكل مؤلف لوازم لفظية وعبارات تتكرر، وينبغي أيضًا أن يطلع على كتب المؤلف الأخرى، ليزداد خبرة بأسلوبه واهتماماته، وقد يَجد في تلك الكتب نصوصًا متشابهة ونقولًا متكررة، وإشارات تدل على شخصية المؤلف وثقافته.
بعد أن يَجمع المحقق كل ما تصل إليه يده من نسخ الكتاب المخطوطة، ويصنفها إلى مراتب، ويقرأها قراءة جيدة متمرسة، ويلم بأسلوب المؤلف وبموضوع الكتاب، يستطيع بعدها أن يمضي في تَحقيق الكتاب على بينة وهدي وبصيرة.
لابد للمحقق أن تكون له مكتبة ثرية بالمصادر والمراجع الأساسية، وخاصة المعجمات، وأن تكون بين يديه عند التحقيق، والكتب التي ينبغي أن تكون بين يدى المحقق هي:
стр. 49
أولًا: كتب المؤلف نفسه المخطوط منها والمطبوع.
ثانيًا: شروح الكتاب ومُختصراته، يستعين بها في القراءة والمقابلة، والأفضل أن يرجع إلى الأصول المخطوطة لهذه الشروح والمختصرات، ولا يعتمد على المطبوع، إلَّا إذا كان مُحقق المطبوع من المحققين الثقات.
ثالثًا: الكتب التي اعتمدت في تأليفها على الكتاب المراد تَحقيقه، فهي تَحتفظ بنقول ونصوص من الكتاب تعين على فهم الأصل وتوضيحه، وقد تسد ما ضاع منه وما سقط.
رابعًا: الكتب التي استقى منها المؤلف، فهي كذلك تعين على فهم النص وتوضيحه وتقييمه، وبعض المؤلفين يذكرون المصادر التي انتفعوا بها، أو نقلوا عنها، وبعضهم يعتمد على كتاب أو كتب دون أن يُشير إليها، كما فعل التبريزي في نقله معظم شرحه للحماسة من شرح المرزوقي، وكذلك في شرحه للقصائد العشر، حيث اعتمدَ في شرحه على شرح ابن الأنباري للمعلقات.
خامسًا: الكتب المعاصرة للمؤلف التي تعالج الموضوع نفسه، أو موضوعًا قريبًا منه.
سادسًا: أن تكون للمحقق خبرة بمصادر التراث يستعين بها على التوثيق والمراجعة والتعليق والتخريج والتفسير والترجمة.
ولهذا كله قلنا في مقدمتنا هذه: "إن التحقيق من صنعة الكبار".
ولضخامة هذا العمل وأهميته سلك كبار المحققين المعاصرين هذا المنهج من أمثال العلامة محمد حامد الفقي، والعلامة أحمد شاكر، والعلامة عبد السلام هارون، والعلامة محمد أَبو الفضل إبراهيم، وشيخنا العلامة محمد رشاد سالم، وشيخنا العلامة محمود شاكر، وغيرهم من أهل العلم والفضل.
стр. 50
وهذا؛ ونَجد من طلبة العلم من ينحى منحى أولئك الذين سبق ذكرهم ليلحق بركبهم، ويتأسى بهم في النهج الذي رسموه للتحقيق، ومن هؤلاء الطلبة الأخ:
أحمد بن علي الدمياطي، سلمه الله وحفظه من كل سوء.
فحقق هذا المنهج في تحقيقه لكتاب الرجراجى المسمى: "مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة، وحل مشكلاتها".
وها هو -حفظه الله- يُخرج لنا كتابًا آخر للإمام "عبد الرحيم الإسنوي" المسمى بـ (المهمات في شرح الروضة والرافعي) وهو الكتاب الذي نحن بصدد كتابة المقدمة له.
فضبط نصه من مخطوطه، وخرج أحاديثه ووثق أصوله، فجزاه الله خيرًا على هذا الجهد الذي كانت نتيجته إخراج سفر في الفقه لم يخرج من قبل، فلو لم يفعل إلا هذا لكفاه فأحسن الله إليه وسدد خطاه ووفقه لِما يُحبه ويرضاه.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلي الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فجر يوم الأربعاء الرابع من رجب لعام ثمان وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة الموافق الثامن عشر من شهر يوليو لعام ألفي وسبعة من الميلاد
كتبه
أحمد بن منصور آل سبالك
حفظه الله
стр. 51
مقدمة المحقق
стр. 52
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد، فقد يسر الله ﵎ لنا تحقيق كتاب: "السراج على نكت المنهاج" لشهاب الدين ابن النقيب ﵀ في الفقه الشافعي وفي أثناء تحقيقه وقعت على نسخة من "كتاب المهمات في شرح الروضة والرافعي" لعبد الرحيم الأسنوي -رحمه الله تعالى- فدهشني أسلوب الأسنوي وتعليقاته واستدراكاته، مما دفعني إلى جمع نسخه وتحقيقه وإخراجه، وقدر الله أن قابلت فضيلة الشيخ العلامة محدث الديار المصرية أبي إسحاق الحويني -حفظه الله تعالى- وكان ذلك في عام ١٤٢٧ هـ، ودار بيني وبين فضيلته حديث مختصر حول بعض ألفاظ النووي واصطلاحاته في "شرح مسلم" وغيره، وقال الشيخ: إن الشيخ الألباني كان يقدم المذهب الشافعي على باقي المذاهب في الجملة، فأخبرته أني أعمل على كتاب "المهمات"، فقال: مهمات الأسنوي؟
стр. 53
قلت: نعم، فقال: هذا الكتاب من أقوى كتب الشافعية، أو كلمة في معناها، مما زاد من اهتمامي بالكتاب وقوى من حرصي على إخراجه.
وقابلت بعده فضيلة الشيخ العلامة الفقيه الأصولي الأستاذ الدكتور/ أحمد بن منصور آل سبالك -حفظه الله تعالى- فأخبرته بكتاب "المهمات" هذا، فشجعني -حفظه الله- على إخراجه في أقرب وقت، وعرضت عليه منهجي في التحقيق فأقره -حفظه الله- ثم سألته أن يقدم للكتاب فأكرمنا بالوافقة، فقدم له بتلك المقدمة الثمينة والتي تحدث فيها عن التحقيق ومقوماته في القديم والحديث، فجزاه الله خير الجزاء، ولا يفوتني أنني دفعت للشيخ أبي إسحاق الحويني -حفظه الله- جزئين من الكتاب كي يرشدني بملاحظاته وتعليقاته لكني لم أوفق في تحصيله بعدها وذلك لكثرة أشغاله، وإني كنت قد فرغت من الكتاب، ولم تصلني ملاحظاته فعجلت بإخراج الكتاب رجاء النفع به، وإن كان هناك من ملاحظات أو تنبيهات من شيوخنا الأفاضل أرجو أن أضعها في عين الاعتبار في طبعة قادمة إن شاء الله تعالى.
وكان عملي في كتاب "المهمات" أن قمت بنسخ أصله الخطي، وضبط نصه، وتوثيقه، وتخريج آياته، وأحاديثه، وعزو الأقوال إلى مصادرها الأولى ما استطعت، وعمل ترجمة للمؤلف، وفهارس علمية شاملة، ولم أكثر من الحواشي والتعليقات على كتاب "المهمات" ذلك لأن غرضي هو إخراج الكتاب على مراد مؤلفه ﵀ من غير تحريف أو تصحيف، وهناك سبب آخر وهو أني انتهيت من تحقيق كتاب "التعقبات على المهمات" لابن العماد ﵀ وكتاب "مختصر الملمات برد المهمات" لتلميذ علم الدين البلقيني -رحم الله الجميع- فرأيت أنهما قد أتيا على كل ما يحتاج إلى تعليق وتنبيه، فاكتفيت بهما.
وفي الختام، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لشيخنا العلامة الأستاذ
стр. 54
الدكتور/ أحمد بن منصور آل سبالك، ولشيخنا العلامة المحدث أبي إسحاق الحويني -حفظهما الله تعالى. آمين.
وأسأل الله أن ينفع بهذا العمل مؤلفه وقارئه ومحققه وناشره وكل من ساهم في إخراجه، وأن يجعله في ميزان حسناتنا يوم أن نلقاه، آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين إلى يوم الدين.
وكتبه
أَبو الفضل الدمياطي
أحمد بن علي
بثغر دمياط حرسه الله
стр. 55
ترجمة الإمام الرافعي
اسمه:
عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن القزويني الإمام الجليل أَبو القاسم الرافعي.
مولده:
ولد -رحمه الله تعالى- سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
شيوخه:
سمع الحديث من جماعة منهم: أبوه، وأبو حامد عبد الله بن أبي الفتوح بن عثمان العمراني، والخطيب أَبو نصر حامد بن محمود الماوراء النهري، والحافظ أَبو العلاء الحسن بن أحمد العطار الهمذاني، ومحمد ابن عبد الباقي بن البطي، والإمام أَبو سليمان أحمد بن حسنويه، وغيرهم، وحدث بالإجازة عن أبي زرعة المقدسي وغيره.
تلاميذه:
روى عنه: ابنه الإمام عزيز الدين محمد، والحافظ زكى المنذري في معجمه، وأبو الثناء محمود الطاوسي.
تصانيفه:
"الشرح الكبير" المسمى بالعزيز، وقد تورع بعضهم عن إطلاق لفظ العزيز مجردا على غير كتاب الله فقال: الفتح العزيز في شرح الوجيز.
و"الشرح الصغير" و"المحرر" و"شرح الشافعي" و"التذنيب" و"الأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة" وهو ثلاثون مجلسا أملاها أحاديث بأسانيده عن أشياخه على سورة الفاتحة وتكلم عليها.
وله "كتاب الإيجاز في أخطار الحجاز" ذكر أنه أوراق يسيرة ذكر فيها
стр. 56
مباحث وفوائد خطرت له في سفره إلى الحج، وكان الصواب أن يقول: خطرات أو خواطر الحجاز ولعله قال ذلك والخطأ من الناقل.
و"كتاب المحمود" في الفقه لم يتمه ذكر لي أنه في غاية البسط، وأنه وصل فيه إلى أثناء الصلاة في ثمان مجلدات.
قال السبكي: قلت: وقد أشار إليه الرافعي في "الشرح الكبير" في باب الحيض أظنه عند الكلام في المتحيرة وكفاه بـ"الفتح العزيز" شرفا فلقد علا به عنان السماء مقدارا وما اكتفي فإنه الذي لم يصنف مثله في مذهب من المذاهب ولم يشرق على الأمة كضيائه في ظلام الغياهب.
ثناء العلماء عليه:
قال السبكي: كان الإمام الرافعي متضلعا من علوم الشريعة تفسيرا وحديثا وأصولا مترفعا على أبناء جنسه في زمانه نقلا وبحثا وإرشادا وتحصيلا، وأما الفقه فهو فيه عمدة المحققين وأستاذ المصنفين كأنما كان الفقه ميتا فأحياه وأنشره وأقام عماده بعدما أماته الجهل فأقبره، كان فيه بدرا يتوارى عنه البدر إذا دارت به دائرته والشمس إذا ضمها أوجها وجوادا لا يلحقه الجواد إذا سلك طرقا ينقل فيها أقوالا ويخرج أوجها فكأنما عناه البحتري بقوله:
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجا فى كتبه
باللفظ يقرب فهمه فى بعده ... منا ويبعد نيله فى قربه
حكم سحابتها خلال بيانه ... هطالة وقليبها فى قلبه
كالروض مؤتلقا بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه
وكأنها والسمع معقود بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبه
وكان ﵀ ورعا زاهدا تقيا نقيا طاهر الذيل مراقبا لله، له السيرة الرضية المرضية والطريقة الزكية والكرامات الباهرة.
стр. 57
وقال ابن الصلاح: أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله.
قال السبكي: قلت: لا شك في ذلك.
وقال النووي: الرافعي من الصالحين المتمكنين له كرامات كثيرة.
وقال أَبو عبد الله محمد بن محمد الإسفرايني: هو شيخنا إمام الدين وناصر السنة كان أوحد عصره في العلوم الدينية أصولا وفروعا، مجتهد زمانه في المذهب فريد وقته في التفسير كان له مجلس بقزوين للتفسير ولتسميع الحديث.
وفاته:
قال السبكي: نقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي نقلت من خط الحافظ علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد البرزالي، نقلت من خط الشيخ الإمام تاج الدين بن الفركاح أن القاضي شمس الدين بن خلكان حدثه أن الإمام الرافعي توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
стр. 58
ترجمة الإمام النووي
اسمه ونسبه:
هو يحيى بن شرف بن مُرِي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام الحوراني أَبو زكريا محيى الدين الدمشقي الشافعي، فاسمه يحيى، ونسبه ينتهى إلى جده الأعلى حزام.
وكنيته: أَبو زكريا، وأما لقبه فهو محيي الدين، وقد اشتهر تلقيبه بذلك في حياته، فلا يكاد يذكر اسمه إلا مقرونًا بلقبه مع أنه كان يكره أن يلقب به.
قال اللخمي: وصح أن قال: لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين، وذلك منه على ما نشأ عليه من التواضع، وإلا فهو جدير به لما أحيا الله به من سنن، وأمات به من بدع، وأقام به من معروف، ودفع به من منكر، وما نفع الله به المسلمين من مؤلفات، ولكن يأبى الله إلا أن يظهر هذا اللقب له عرفانًا بحقه، وإشادة بذكره.
مولده ونشأته:
اتفق المؤرخون على تحديد شهر محرم من عام واحد وثلاثين وستمائة للهجرة لزمن ولادته.
ولكن منهم من أراد أن يحدد تحديدًا أدق من ذلك، ولما لم تسعفهم المراجع إلى تحديد اليوم الذي ولد فيه عدلوا إلى تقريبه، وذلك بتحديد أي عقود هذا الشهر كانت ولادته فيه.
نشأته:
كانت حياة النووي في صباه لم تعرف له صبوة فقد كان كثير الشغف بالقرآن كثير التلاوة له ولا يلهيه عنه شئ.
وقال اليونيني واصفًا له: كان كثير التلاوة للقرآن العزيز، والذكر لله تعالى معرضًا عن الدنيا، مقبلًا على الآخرة من حال ترعرعه.
стр. 59
العوامل التي أدت إلى تكون شخصيته:
وهي نوعان:
الأول: عوامل عادية.
الثاني: عوامل دينية.
أمَّا عن النوع الأول: وهى العوامل العادية، فهي عوامل تجري على أمثاله من طلاب العلم، غير أنها تختلف من شخص لآخر في التطبيق كاختلافهم في المقاصد، والغايات، وهي:
١ - رحلته لطلب العلم.
٢ - حلوله بالمدرسة الرَّواحية.
٣ - اجتهاده في طلب العلم.
٤ - كثرة دروسه وسماعاته.
٥ - قوة حفظه، وكثرة مطالعاته.
٦ - جلالة شيوخه، وعنايتهم به.
٧ - توفر الكتب لديه.
٨ - اشتغاله بالتدريس.
وأما النوع الثاني: فهي عوامل غير عادية، وإنما وهبها الله لمن شاء من عباده كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة]، ولكن رهن إيتاء الحكمة بتقوى الله ومراقبته حيث قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة].
رحلته لطلب العلم واجتهاده فيه:
ذهب به أبوه إلى دمشق لنيل العلم من معينه الصافي، ومورده الشافي، وكان ذلك في عام تسع وأربعين وستمائة، وكان عمره آنذاك تسع عشرة سنة، وهذا على ما ترجمه السخاوي، والسيوطي، والذي يقتضيه الحساب أن يكون عمره حينئذ ثماني عشرة سنة.
стр. 60
فقصد به الجامع الأموي ونزله فلقى فيه خطيب الجامع، وإمامه الشيخ جمال الدين عبد الكافي بن عبد الملك الربعي الدمشقي، فتوجه بالنووي إلى حلقة الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء الفزاري المعروف بابن الفركاح.
فطفق عندئذ يشمر عن ساعد الجد في طلب العلم فحفظ "التنبيه" في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع "المهذب" حفظًا في باقي السنة على شيخه الكمال بن أحمد. ثم جمع مع أبيه، وأقام بالمدينة شهرًا ونصفًا ومرض أكثر الطريق.
فذكر الشيخ أَبو الحسن بن العطار أن الشيخ محيي الدين ذكر له أنه كان يقرأ كل يوم اثنى عشر درسًا على مشايخه شرحًا وتصحيحًا: درسين في الوسيط، وثالثا في المهذب، ودرسا في الجمع بين الصحيحين، وخامسا في صحيح مسلم، ودرس في اللمع لابن جني في النحو، ودرسا في إصلاح المنطق لابن السكِّيت في اللغة، ودرسا في التصريف، ودرسا في أصول الفقه تارة في اللمع لأبي إسحاق، وتارة في المنتخب للفخر الرازي، ودرسا في أسماء الرجال، ودرسا في أصول الدين، وقال النووي عن نفسه فيما يرويه عنه ابن العطار: إنه كان لا يضيع له وقتًا لا في ليل ولا في نهار حتى فى الطريق، وأنه دام ست سنين. ثم أخذ في التصنيف، والإفادة، والنصيحة.
زهده وورعه:
قد نال الإمام النووي غاية الزهد، ووصل إلى ذروته، فكان فيه رأسًا لا يبارى قد حقق شروطه، وأدرك غايته، وأخرج الدنيا من قلبه جملة.
ولم يجعل لنفسه إلا ما تقوم به بنيته ليحقق عبوديته، فلقد عزل في تضييق عيشه في أكله، ولباسه، وجميع أحواله، وقال له عاذله: أخشى عليك مرضًا يعطلك عن أشياء أفضل مما تقصده قال: فقال لي: إن فلانًا صام، وعبد الله تعالى حتى اخضر عظمه. قال عاذله: فعرفت أنه ليس له غرض في
стр. 61
المنام في دارنا، ولا الالتفات إلى ما نحن فيه.
ترك النووي جميع ملاذ الدنيا من المأكول إلا ما يأتيه به أبوه من كعك يابس وتين حوراني، ولم يلبس من الثياب إلا المرقعة.
ورحم الله اليونيني؛ إذ يقول: والذي أظهره وقدمه على أقرانه، ومن هو أفقه منه كثرة زهده في الدنيا، وعظم ديانته، وورعه.
وقد كان من ورعه أن كان لا يأكل من فاكهة دمشق بحجة أنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن هو تحت الحجر شرعًا، ولا يجوز المتصرف في ذلك إلا على وجه الغبطة، والمصلحة. ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء، قال: فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك.
شيوخه:
أمَّا المحدثون فمنهم:
الشيخ الإمام القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين عبد الصمد بن محمد المعروف بابن الحرستاني، ومنهم شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري الألوسي الدمشقي الأصل، ثم الحموي الدار والوفاة، الشافعي المذهب، ومنهم الحافظ الزَّين خالد بن يوسف بن سعد بن حسن بن مفرج أَبو البقاء النابلسي. ثم الدمشقي، ومنهم ابن البرهان العدل الصَّدر رضى الدين أَبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمرو ابن مضر بن فارس المضري الواسطي السفار التاجر المعروف بابن البرهان، ومنهم الإمام الزاهد ضياء الدين أَبو إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي، ثم المصري، ثم الدمشقي.
وأما شيوخه في الفقه، فمنهم:
الإمام كمال الدين أَبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي، ومنهم الإمام العلامة مفتي الشام كمال الدين أَبو الفضائل سلَّار بن الحسن بن عمر بن سعيد الأربلي، ثم الحلبي، ثم الدمشقي، ومنهم شيخ الإسلام الفقيه أَبو
стр. 62
محمد عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري الشافعي تاج الدين الملقب بالفركاح.
ومن مشايخه في الأصول:
القاضي أَبو الفتح كمال الدين عمر بن بندار بن عمر التفليسي.
ومن مشايخه في اللغة:
أَبو العباس جمال الدين أحمد بن سالم المصري النحوي نزيل دمشق، ومنهم العلامة حجة العرب جمال الدين أَبو عبد الله محمد عبد الله بن مالك الطائي الجياني.
تلاميذه:
تخرج على يديه جماعة من العلماء منهم علاء الدين بن العطار، والحافظ المزي، وابن النقيب، وخطيب داريا أَبو الربيع الهاشمي، وابن أبي الدر.
ثناء العلماء عليه:
قد أثنى على النووي كثير من أهل العلم، ولكني قد اقتصرت في هذه المقدمة على جمل قليلة مما قيل في حقه، فمنها ثناء الشيخ شمس الدين محمد ابن الفخر عبد الرحمن بن يوسف البعلي بقوله: كان إمامًا بارعًا حافظا متقنًا. أتقن علومًا شتى، وصنف التصانيف الجمة مع شدة الورع، والزهد، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر على الأمراء، والملوك، والناس عامة. وأيضًا ثناء الشيخ قطب الدين موسى اليونيني الحنبلي بقوله: المحدث الزاهد العابد الورع المفتخر في العلوم صاحب التصانيف المفيدة، كان أوحد زمانه في الورع والعبادة والتقلل من الدنيا، والإكباب على الإفادة والتصنيف مع شدة التواضع، وخشونة الملبس، والمأكل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقال عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام": مفتي الأمة شيخ الإسلام الحافظ النبيه الزاهد أحد الأعلام علم الأولياء، وقال في تذكرة الحفاظ: الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء صاحب التصانيف المفيدة.
стр. 63
مصنفاته:
من مؤلفاته الفقهية:
١ - الأصول والضوابط. وهو مطبوع.
٢ - الإيضاح في المناسك. وقد طبع عدة طبعات.
٣ - التحقيق ولا يزال مخطوطًا، وله صورة في مكتبة جامعة برنستون الأمريكية.
٤ - دقائق المنهاج. وقد طبع.
٥ - روضة الطالبين وعمدة المفتين.
٦ - الفتاوى. وقد طبع عدة طبعات.
٧ - المجموع.
٨ - منهاج الطالبين.
ومن الكتب التربوية:
١ - الأذكار. وقد طبع عدة طبعات.
٢ - بستان العارفين.
٣ - التبيان في آداب حملة القرآن.
٤ - الترخيص بالقيام. وقد طبع.
٥ - حزب أدعية وأذكار. وقد طبع عدة طبعات.
كتب التراجم واللغة:
١ - منتخب طبقات الشافعية. وهو تحت الطبع.
٢ - تهذيب الأسماء واللغات. وقد طبع عدة طبعات.
٣ - تحرير التنبيه. وهو لا يزال مخطوطا.
ومن مؤلفاته في علم الحديث رواية:
١ - الأربعين النووية. وقد طبع عدة طبعات.
٢ - خلاصة الأحكام من مهمات السنن وقواعد الإسلام.
стр. 64
٣ - رياض الصالحين. وقد تم طبعه عدة طبعات.
ومن مؤلفاته في علم الحديث دراية:
١ - شرح البخاري وهو من آخر مؤلفاته التي حالت المنية دون إتمامها.
٢ - شرح مسلم والمسمى "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج"، وقد أشار إليه في تهذيب الأسماء وفي شرح البخاري وفي بستان العارفين واشتهر هذا الكتاب باسم شرح مسلم، وذكر له بروكلمان إضافة إلى هذا الاسم اسمًا آخر وهو "منهاج المحدثين وسبيل تلبية المحققين"، ولعل هذا اسمه الكامل والباعث له على وضع هذا الشرح العظيم فهو المشاركة في العناية بعلم الحديث الشريف.
ومنهجه فيه هو التوسط بين المختصرات والمبسوطات. وقد عمل فيه على بسط المقصود من الحديث إذا تكرر في أول مواضعه مع التنبيه عليه أنه قد تقدم شرحه، وإظهار المشكل ومن معاني الكلمات، وأسماء الرجال، واعتنى فيه بضبط الأعلام، وبالفروع الفقهية.
وأما عن كتبه المخطوطة فمنها:
- الإيجاز في المناسك.
- الإيجاز قطعة من شرح أبي داود.
- آداب المفتي والمستفتي.
- قطعة من الأحكام.
- تحفة طلاب الفضائل.
- جامع السنة.
- جزء في الاستسقاء.
- روح السائل في الفروع.
- العمدة في تصحيح التنبيه.
- تحفة الوالد وبغية الرائد.
стр. 65
- أجوبة عن أحاديث سئل عنها.
- مختصر الترمذي.
- مختصر البسملة لأبي شامة.
- مختصر صحيح مسلم.
- مختصر أسد الغابة لابن الأثير.
- نكت المهذب.
- نكت التنبيه.
- مرآة الزمان في تاريخ الأعيان.
- ولا يزال غير هذا الكثير من الكتب المخطوطة التي خلفها لنا هذا الإمام الجليل ﵀.
وفاته:
سافر الشيخ عليه ﵀ فزار بيت المقدس، وعاد إلى نوى، فمرض عند والده فحضرته المنية، ولم يكن حظه من هذه الحياة إلا قليلًا جدًا، فقد انتقل إلى رحمة الله في الرابع والعشرين من شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة للهجرة، وخرج من الدنيا، وكأنَّه لم يكن من أهلها؛ إذ لم يمتع فيها بشئ معين، ولا غرو في ذلك فهي سجن المؤمن وجنة الكافر.
стр. 66
ترجمة العلامة عبد الرحيم الإسنوي
اسمه ونسبه:
عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن إبراهيم الإمام العلامة منقح الألفاظ محقق المعاني، ذو التصانيف المشهورة المفيدة جمال الدين أَبو محمد القرشي الأموي الإسنوي المصري.
مولده:
ولد بإسنا في رجب سنة أربع وسبعمائة وقدم القاهرة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
شيوخه:
الزنكلوني، والسنباطي، والسبكي، وجلال الدين القزويني، والوجيزي وأبو حيان، والقونوي، والتستري.
تلاميذه:
القاسم بن أحمد المرغيناني، وابن الملقن، وبدر الدين الزركشي، وأحمد بن عبد الرحيم بن الحسين أَبو زرعة العراقي، وتخرج به خلق كثير، وأكثر علماء الديار المصرية طلبته.
مناصبه:
انتصب للإقراء والإفادة من سنة سبع وعشرين ودرس بالأقبغاوية والملكية والفارسية والفاضلية ودرس التفسير بجامع ابن طولون وولى وكالة بيت المال ثم الحسبة ثم تركها وعزل من الوكالة وتصدى للاشتغال والتصنيف، وصار أحد مشايخ القاهرة المشار إليهم وشرع في التصنيف بعد الثلاثين.
стр. 67
ثناء العلماء عليه:
ذكره تلميذه سراج الدين ابن الملقن في "طبقات الفقهاء" وقال: شيخ الشافعية ومفتيهم ومصنفهم ومدرسهم ذو الفنون الأصول والفقه والعربية وغير ذلك.
وقال الحافظ ولي الدين أَبو زرعة في وفياته: اشتغل في العلوم حتى صار أوحد زمانه وشيخ الشافعية في أوانه وصنف التصانيف النافعة السائرة كالمهمات، وفي ذلك يقول والدي من أبيات:
أبدت مهماته إذ ذاك رتبته ... إن المهمات فيها يعرف الرجل
وتخرج به خلق كثير، وأكثر علماء الديار المصرية طلبته وكان حسن الشكل حسن التصنيف لين الجانب كثير الإحسان للطلبة ملازما للإفادة والتصنيف.
قال ابن حبيب: إمام يم علمه عجاج وماء فضله ثجاج ولسان قلمه عن المشكلات فجاج، كان بحرا في الفروع والأصول محققا لما يقول من النقول تخرج به الفضلاء وانتفع به العلماء.
تصانيفه:
"جواهر البحرين في تناقض الحبرين" فرغ منه في سنة خمس وثلاثين، و"التنقيح على التصحيح" فرغ منه في سنة سبع وثلاثين، و"شرح المنهاج" للبيضاوي وهو أحسن شروحه وأنفعها فرغ منه في آخر سنة أربعين، و"الهداية في أوهام الكفاية" فرغ منه سنة ست وأربعين، و"المهمات" فرغ منها سنة ستين، و"التمهيد" فرغ منه سنة ثمان وستن و"طبقات الفقهاء" فرغ منه سنة تسع وستين، و"طراز المحافل في ألغاز المسائل" فرغ منه في سنة سبعين، و"كافي المحتاج في شرح منهاج النووي" في ثلاثة مجلدات، وصل فيه إلى المساقاة وهو شرح
стр. 68
حسن مفيد منقح، وهو أنفع شروح المنهاج، و"الكواكب الدري في تخريج مسائل الفقه على النحو"، و"تصحيح التنبيه"، و"الفتاوى الحموية"، و"اللوامع والبوارق في الجوامع والفوارق"، و"مسودة في الأشباه والنظائر"، و"شرح عروض ابن الحاجب"، وقطعة من "مختصر الشرح الصغير"، قيل: إنه وصل فيه إلى البيع و"شرح التنبيه" كتب منه نحو مجلد، و"كتاب البحر المحيط" كتب منه مجلدا.
وفاته:
توفي فجأة في جمادي الآخرة سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، ودفن بتربته بقرب مقابر الصوفية.
قال الحافظ ابن حجر: رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي كانت جنازته مشهودة تنطق له بالولاية.
стр. 69
فتح العزيز على كتاب الوجيز
للإمام أبي القاسم: عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي الشافعي، المتوفي: سنة ٦٢٣، ثلاث وعشرين وستمائة.
وقد تورع بعضهم: عن إطلاق لفظ العزيز مجردا على غير كتاب الله تعالى، فقال: فتح العزيز، وهو: الذي لم يصنف في المذاهب مثله.
وله شرح آخر أصغر منه وأخصر.
وقد اختصر الشيخ محيي الدين: يحيى بن شرف النووي، المتوفي: سنة ٦٧٧، سبع وسبعين وستمائة، (كتاب الروضة)، من شرح الرافعي كما ذكر في: تهذيبه.
وقد اختصر: الشيخ الإمام: إبراهيم بن عبد الوهاب الزنجاني، المتوفي: سنة ٦٥٥ (الشرح الكبير) وسماه: (نقاوة فتح العزيز)، فرغ منه: في شعبان سنة ٦٢٥، خمس وعشرين وستمائة.
قال فيه بعد مدح الرافعي:
وشرحه لكنه قد بسط فيه الكلام وكاد يفضي بالناظر فيه إلى الملال فأردت اختصاره مع جواب ما أورده من السؤالات والإشارة إلى حل إشكاله. انتهى، وكان بدأ في تصنيفه: في حياة الرافعي.
واختصره أيضًا: ابن عقيل: عبد الله بن عبد الرحمن المصري الهاشمي العقيلي. المتوفي: سنة ٧٦٩، تسع وستين وسبعمائة. وعليه حاشية: مسماة: (بالدر العظيم المنير في شرح إشكال الكبير). لمحمد ابن أحمد المعروف: بابن الربوة. و (نشر العبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير). لجلال الدين السيوطي. المتوفي: سنة ٩١١، إحدى عشرة وتسعمائة.
стр. 70
وصنف: شمس الدين: محمد بن محمد الأسدي القدسي. المتوفى: سنة ٨٠٨، ثمان وثمانمائة.
تعليقه:
سماها: (الظهير على فقه الشرح الكبير). في: أربع مجلدات. و (ضوء المصباح المنير لغريب الشرح الكبير). كما مر في: الميم. وخرج: ابن الملقن: عمر بن علي. المتوفي: سنة ٨٠٤، أربع وثمانمائة. أحاديثه: في كتاب: سماه: (البدر المنير). في: سبع مجلدات. ثم لخصه: في مجلدين. وسماه: (الخلاصة).
ثم انتقاه: في جزء. وسماه: (المنتقى).
ولخصه: ابن حجر العسقلاني. كما ذكره في تخريج أحاديث: (الهداية). أنه لخص تخريج الأحاديث التي ضمنها (شرح الوجيز للرافعي). وتوفي: سنة ٨٥٢، اثنتين وخمسين وثمانمائة.
وخرج أحاديثه أيضًا. بدر الدين ابن جماعة. المتوفي: سنة ٧٦٧، سبع وستين وسبعمائة. وبدر الدين: محمد بن عبد الله الزركشي. المتوفي: سنة ٧٩٤. وشهاب الدين: أحمد بن إسماعيل. المتوفي: سنة ٨١٥، خمس عشرة وثمانمائة. خرجه أيضًا.
стр. 71
الروضة في الفروع (روضة الطالبين وعمدة المتقين)
للإمام محيي الدين أبي زكريا: يحيى بن شرف النووي. المتوفي: سنة ٦٧٦، ست وسبعين وستمائة. قال في تهذيبه: (وهو الكتاب الذي اختصرته من: شرح (الوجيز) للرافعي. انتهى.
واختصره: الشيخ برهان الدين: إبراهيم بن موسى الكركي الشافعي المتوفي: سنة ٨٥٣، ثلاث وخمسين وثمانمائة.
وقد اعتنى عليه جماعة من الشافعية فشرحوه. وكتب عليه. الشيخ زين الدين: عمر بن أبي الحزم الكناني. المتوفي: سنة ٧٣٨، ثمان وثلاثين وسبعمائة. حاشية.
وقد ناقش فيه النووي. فأجابه: تقي الدين: علي بن عبد الله الكافي السبكي. وعليه نكت. لعز الدين: محمد بن أبي بكر المعروف: بابن جماعة. المتوفي: سنة ٨١٩، تسع عشرة وثمانمائة.
وكتب: جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفي: سنة ٩١١، إحدى عشرة وتسعمائة. الحاشية. المسماة: بأزهار الفضة. وهي الكبري. كتب منها: الحواشي الصغرى. وله: الينبوع فيما زاد على الروضة من الفروع. وله: مختصر الروضة. مع زوائد كثيرة. تسمى: الغنية. ولم يتم، وله: (العذاب المسلسل في تصحيح الخلاف المرسل) في الروضة وقد اختصر الأصل مجردا من الخلاف. وسماه: العنبر. مع ضم زيادات. ثم نظم: الروضة. وسماه: الخلاصة. كتب منها: من الأول إلى الحيض ومن الخراج إلى السرقة. وشرح هذا النظم. وسماه: رفع الخصاصة.
стр. 72
واختصر الروضة. الشيخ: شرف بن عثمان العزي. المتوفي: سنة ٧٩٩، تسع وتسعين وسبعمائة. (مع زيادات أخذها من المنتقى). وسماه: (المقتصر).
واختصره: جمال الدين: محمد بن أحمد الشربشي. المتوفي: سنة ٧٦٩، تسع وعشرين وسبعمائة. والشيخ: (١/ ٩٣٠) شمس الدين الحجاري الأنصاري من المتأخرين. واختصره أيضًا: محمد بن عبد المنعم المعروف: بابن السبعين. المتوفي: سنة ٧٤١، إحدى وأربعين وسبعمائة.
وعلق: برهان الدين: إبراهيم بن أحمد البيجوري. حاشية. وتوفي: سنة خمس وعشرين وثمانمائة.
وصنف: الشيخ شهاب الدين: أحمد بن حمدان الأذرعي. (التوسط والفتح بين الروضة والشرح). توفي: سنة ٧٨٣، ثلاث وثمانين وسبعمائة.
واختصره: الشيخ شهاب الدين ابن أرسلان: أحمد بن الحسن الرملي الشافعي. المتوفي: سنة ٨٤٤، أربع وأربعين وثمانمائة.
وصححه: ابن حجر. المتوفي: سنة ٨٥٢، اثنتين وخمسين وثمانمائة .. في ثلاث مجلدات.
واختصره: نجم الدين: عبد الرحمن بن يوسف أَبو القاسم الأصبهاني. المتوفي: سنة ٧٥١، إحدى وخمسين وسبعمائة. وعليها حاشية: للشيخ سراج الدين: عبد الرحمن بن عمر بن أرسلان البلقيني، المتوفي: سنة ٨٠٥، خمس وثمانمائة. ولم يكملها. وجمعها: ولده علم الدين: صالح. المتوفي: سنة ٨٦٨، ثمان وستين وثمانمائة. ولنجم الدين: سليمان بن عبد القوي الحنبلي. المتوفي: سنة ٧١٠،
стр. 73
عشرة وسبعمائة. مختصر الروضة (أيضًا). وشرحها.
واختصره: شرف الدين: إسماعيل بن أبي بكر بن المقري. المتوفى: سنة ٨٣٦، ست وثلاثين وثمانمائة (٨٣٩). وجرده من الخلاف. وسماه: (الروض).
وعليه مهمات: للشيخ جمال الدين: عبد الرحيم بن حسن الإسنوي المتوفي: سنة ٧٧٢، اثنتن وسبعين وسبعمائة. وقد استدرك عليه: زين الدين: عبد الرحيم بن الحسن العراقي. المتوفي: سنة ٨٠٦، ست وثمانمائة. وسماه: (مهمات المهمات).
ولابن الوكيل: أحمد بن موسى: (مختصر المهمات). وتوفي: سنة ٧٩١، إحدى وتسعين وسبعمائة. و (التاج في زوائد الروضة على المنهاج). لنجم الدين: محمد بن عبد الله بن قاضي عجلون. المتوفي: سنة ٨٧٦، ست وسبعين وثمانمائة.
واختصر: الشيخ شمس الدين: محمد بن محمد القيلوبي الشافعي الروضة (اختصارا حسنا): وتوفي: سنة ٨٤٩، تسع وأربعين وثمانمائة.
стр. 74
المهمات على الروضة فى الفروع
للشيخ جمال الدين: عبد الرحيم بن حسن الإسنوي الشافعى. المتوفي: سنة ٧٧٢، اثنتين وسبعين وسبعمائة. وعليها تتمات: للشريف عز الدين: حمزة بن أحمد (٢/ ١٩١٥) الدمشقى الحصنى الشافعى. المتوفي: سنة ٨٧٤، أربع وسبعين وثمانمائة.
وعليها تعقبات: للشيخ الشهاب: أحمد بن العماد الأقفهسى. المتوفي: سنة ٨٠٨، ثمان وثمانمائة سماه: (التعليق على المهمات).
أكثر فيها من تخطئته ونسبه لسوء الفهم وفساد التصور مع قوله: إنه قرأ الأصل على مصنفه.
واعتذر عنه بعضهم وقالوا: لو أورد الكلام ساذجا لم يلتفتوا إليه لكون الإسنوي عندهم أجل وأعلم انتهى.
واستدرك عليها: زين الدين: عبد الرحيم بن الحسين العراقي الحافظ المتوفي: سنة ٨٠٦، ست وثمانمائة. وسماه: (مهمات المهمات).
وعلق عليها: الشيخ شهاب الدين: أحمد بن حمدان الأذرعي. المتوفي: سنة ٧٨٣، ثلاث وثمانين وسبعمائة. ولم يكمله.
وعليه تعلقات: لأحمد بن عماد. المتوفي: سنة ٨٠٨.
ورتبها: علاء الدين: مغلطاي بن قليج بن عبد الله المصري الحنفي المتوفي: سنة ٧٦٢، اثنين وستين وسبعمائة. على: أبواب الفقه.
стр. 75
وكتب الشيخ سراج الدين:
عمر بن رسلان البلقيني. المتوفي: سنة ٨٠٥، خمس وثمانمائة. عليها حواش: سماها: (معرفة الملمات برد المهمات).
واختصرها: أَبو زرعة: أحمد بن عبد الرحيم العراقي. مع إضافة (حواشي البلقيني). وتوفي: سنة ٧٢٦، ست وعشرين وسبعمائة.
واختصرها: ابن الوكيل: أحمد بن موسى. المتوفي: سنة ٧٩١، إحدى وتسعين وسبعمائة. وشرحها: الشيخ شرف الدين: عيسى بن عثمان الغزي. المتوفي: سنة ٧٩٩، تسع وتسعين وسبعمائة. سماه: (مدينة العلم).
واختصرها أيضًا: الشيخ شمس الدين: محمد بن عبد الله الصرخدي. المتوفي: سنة ٧٩٢، اثنى وتسعين وسبعمائة. والشيخ شهاب الدين: أحمد بن عبد الله الغزي. المتوفي: سنة ٨٢٢، اثنين وعشرين وثمانمائة. لخصها تلخيصا حسنا.
و(تلخيص المهمات).
لتقي الدين أبي بكر بن محمد الحصني الشافعي المتوفي: سنة ٨٢٩، تسع وعشرين وثمانمائة وعلى (المهمات نكت). للقاضي تقي الدين أبي بكر: أحمد بن شهبة الدمشقي. المتوفي: سنة ٨٥١، إحدى وخمسين وثمانمائة.
و(مهمات المهمات).
للشيخ سراج الدين أبي حفص: عمر بن محمد اليمني المعروف:
следующие страницы →