والإصغاء هو الإمالة، تقول: صغى بفتح الأول والثاني، يصغو ويصغي بكسر الغين صغوًا بضم الصاد والغين وتشديد الواو، وصغى بكسر الغين أيضًا، يصغي صغًا على وزن يهوي هوى، وصغيًا بضم الصاد وكسر الغين وتشديد الياء إذا مال، وأصغيت إلى فلان إذا ملت بسمعك إليه، وأصغيت الإناء أملته قاله الجوهري.
واعلم أن هذا الحديث قد رواه مالك في "الموطأ" والشافعي وأبو داود والترمذي.
عن كبشة بالباء الموحدة الساكنة والشين المعجمة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة قالت: دخل أبي قتادة فسكبت له وضوءًا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (١) قال الترمذي: حسن صحيح.
وحاصله أن الإصغاء صدر من أبي قتادة لا من النبي ﷺ كما ذكره الرافعي، وقد اختلفوا في رواية الحديث، فرواه بعضه كما ذكرناه.
ورواية مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة ورواية ابن ماجه بعض ولد أبي قتادة وفيها والطوافات بالواو، ورواه الدارمي بأو ورواية الربيع عن الشافعي
стр. 422
في موضع وكانت تحت أبي قتادة أو ابن أبي قتادة وقال فيه: أو الطوافات، فأتى بأو في الموضعين، قال البيهقي: الشك من الربيع، وقد رواه عنه في موضع آخر مجزومًا بأنه ابنه واختلفوا في معنى أو الأخيرة، فقيل: للشك وقيل: إشارة إلى النوعين الذكور والإناث كما في رواية الواو وجمعها بالواو والنون مع أنها لا تعقل لتنزيلها منزلة من يعقل.
والطوافون كما قاله أهل اللغة هم: الخدم والمماليك، وقيل: هم الذين يخدمون برفق وعناية، فشبهها بمن يطوف على أهل البيت للخدمة في كثرة البلوى بها ومشقة الاحتراز، كما سقط الاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة في القرآن عن الخدم لأجل ذلك.
قوله: فلو أكلت فأرة وغابت واحتمل ولوغها في ماءٍ كثير أو ماءٍ جارٍ ثم ولغت في ماء قليل فلا ينجس على أظهر الوجهين.
استشكل الرافعي في "الشرح الصغير" هذه المسألة فقال: وليعلم أن الهرة تشرب الماء بلسانها وتأخذ منه الشيء القليل ولا تلغ في الماء بحيث يطهر فمها عن أكل الفأرة، فلا يفيد احتمال مطلق الولوغ احتمال عود فمها إلى الطهارة هذا كلامه وهو إشكال صحيح.
فإن قيل: كيف حكمنا بطهارة الماء مع أن الأصل نجاسه الفم؟
قلنا: لأن الأصل طهارة الماء أيضًا فلما تعارض رجح الثاني، باحتمال الولوغ في الماء الكثير أو الماء الجاري كما قلناه فتمسكنا بالأصل في الموضوعين وقد تقدم ذكر ذلك في الكلام على الماء الراكد فراجعه.
قوله: في "الروضة" غسالة النجاسة إن تغير بعض أوصافها بالنجاسة فنجسة وإلا فإن كانت قلتين فطاهرة بلا خلاف.
стр. 423
قلت: ومطهرة على المذهب، والله أعلم.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من عدم الخلاف ليس على إطلاقه، فقد حكى الخوارزمي في "الكافي" وجهان أن غسالة ولوغ الكلب لا تطهر بذلك.
والثاني: أن هذا الخلاف الذي ذكره في كونها مطهره أم لا محله فيما إذا كان قليلًا فجمعه كما ذكره في "شرح المهذب" وزاد فصحح طريقة القطع، والقياس طريقه الوجهين وبها جزم في "الشرح الصغير".
فأما إذا كان كثيرًا عند الغسل فطهور بلا خلاف فكان صوابه أن يقول: فإن بلغ القلتين.
قوله: ولو لم تتغير [أى] (١) ولم يزد وزنها وكان قليلًا ففيه ثلاثة أقوال:
الجديد: أنه إن لم يطهر المحل فالغسالة نجسة وإلا فطاهرة غير مطهرة؛ لأن البلل الباقي على المحل بعضها، والماء الواحد القليل لا يتبعض في الطهارة والنجاسة. انتهى.
هذا التعليل قد أسقطه من "الروضة" مع أنه يؤخذ منه مسألة حسنة مهمة، وهي أن الماء إذا انفصل متغيرًا، والنجاسة غير باقية على المحل فإن المحل لا يطهر، والذي اقتضاه كلامه قد صححه القاضي حسين في "شرح التلخيص" وكذلك صاحب "التتمة" فقال: والثاني وهو الصحيح أن المحل نجس يجب غسله.
وإنما قلنا ذلك لأن الماء انفصل عن المحل وقد بقى جزء منه في المحل والمنفصل ينجس وكان الباقي على المحل نجسًا أيضًا.
وعلى هذا إذا وقع البول على الثوب فصب الماء عليه بالوزن فانفصل الماء زائدًا في الوزن فنعلم أن الزيادة بول فالماء نجس؛ لأن زيادة الوزن
стр. 424
بسبب النجاسة فنعجله كالتغير وفي المحل وجهان على ما ذكرنا، هذا كلام "التتمة" ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره.
وأجاب أيضًا بنجاسته ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" وقال: إن مقابله ضعيف لا يتصور القول به.
وحمل كلام الغزالي الموهم للطهارة على تغير يحدث في الغسالة بعد انفصالها عن الحل، فإن الساقط في الماء ربما كان ذا أجزاء مجتمعة لا تغير الماء إلا بعد تحللها فيتأخر تأثر الماء به.
وهذا الذي نبه عليه ابن الصلاح في آخر كلامه مسألة حسنة أيضًا.
واختار في "الإقليد" طهارة المحل عند انفصال الغسالة متغيرة، وحاول تضعيف ما قاله ابن الصلاح فلم يذكر طائلًا والصواب النجاسة.
قوله: فإن زاد وزنها بعد الانفصال عما كانت فهي كالمتغيرة في أصح الوجهين. انتهى.
تابعه في "الروضة" على اعتبار المقدار الذي كان عليه الماء قبل الغسل في الزيادة والنقصان وليس بجيد، بل لابد من مراعاة المقدار الذي يتشربه المغسول حتى إذا انفصلت عن الثوب بقدر ما كانت أو أقل بمقدار تشرب الثوب أكثر منه كانت نجسة أيضًا.
وكلام الرافعي في هذه المسألة يؤخذ منه طريقان:
أصحهما: القطع بالنجاسة.
والثاني: على الخلاف فيما إذا لم يتغير، وقد صرح بهما في "الروضة" وهو اختصار حسن.
قوله: الثالث الخلاف المذكور محله في المستعمل في واجب الإزالة، أما المستعمل في مندوبها ففيه وجهان:
стр. 425
أظهرها: أنه ظاهر الطهور.
والثاني: أنه كالمستعمل في واجبها فيعود فيه القول الأول والثالث دون الثاني انتهى كلامه.
والمندوب المشار إليه هو الكرة الثانية والثالثة، فأما إذا غسل نجاسة يستحب غسلها ولا يجب كدم البراغيث ونحو ذلك، فإن غسالته كغيرها بلا شك وليس نظير ما لو توضأ بنية قراءة القرآن ونحوها مما يستحب فيه الوضوء؛ حيث قلنا: إن غسالته لا تكون مستعملة على الصحيح بل مطهره لأن الحدث هناك لم يرتفع، والنجاسة هنا قد زالت فاعلم ذلك، ولهذا مثل في "أصل الروضة" بالكرة الثانية والثالثة فقط.
نعم: يتجه إلحاق النجاسة المشكوك [فيها] (١) إذا لم يتحققها بعد ذلك [بوضوء] (٢) الاحتياط.
واعلم أن قول الرافعي: إنه يأتي في مسألتنا القول الأول والثالث صحيح لأن الأول يقول بأنه غير طهور بخلاف الثالث، فاعلمه واحذر ما توهمه فيه من توهم.
стр. 426
الباب الثالث في الاجتهاد
قوله: وهل يقبل قول الصبي المميز أي في الإخبار عن نجاسة الماء؟ فيه وجهان. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الصحيح من الوجهين أن إخبار الصبي لا يقبل، كذا جزم به الرافعي في باب الأذان وفي كتاب الشفعة وصححه أيضًا في كتاب التيمم في الكلام على الإخبار بالمرض المخوف، ونقله عن الأكثرين في باب استقبال القبلة.
لكنه في التيمم حكى الخلاف في الصبي المراهق فقط وتبعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي أن غير المراهق لا يقبل خبره فيه جزمًا فهل هو لمعنى يخص التيمم أم أشار به إلى التمييز أم هو حكاية وجه لم يذكره هناك أم الإطلاق في غيره محمول عليه؟ فيه نظر.
ويدل على الاحتمال الأخير أن الخوارزمي في "الكافي" حكى الخلاف المذكور في الأواني في المراهق فقط وجزم في غيره بأنه لا يقبل.
والمعروف من كلام الأصوليين والمحدثين والفقهاء جريان الخلاف عند وجود التمييز.
الأمر الثاني: أن النووي قد وافق الرافعي في هذه المواضع على إطلاق تصحيح عدم القبول ثم خالف ذلك في باب الأذان من "شرح المهذب" فنقل عن الجمهور أن إخبار الصبي يقبل فيما طريقه المشاهدة فعلى هذا يقبل خبره في رؤية المتنجس ونحوه بخلو الموضع عن الماء وطلوع الفجر وغروب الشمس وما أشبهه، بخلاف ما طريقه النقل كالإفتاء والتداوي ورواية
стр. 427
الأخبار ورواية التنجس عن غيره.
وهذا الذي ذكره النووي سبقه إليه المتولي فقلده هو فيه والصواب ما تقدم.
الأمر الثالث: أن هذه المسألة ذات قولين للشافعي فينبغي التعبير بها لا بالوجهين فقد رأيت في "العمد" للفوراني [في القبلة أن الخضري نقل عن نص الشافعي] (١) أنه لا يقبل فأخبره القفال أن أبا زيد نقل له عن نص الشافعي أنه يقبل.
قوله: من زوائده ويقبل الأعمى بلا خلاف. انتهى.
وما أطلقه من عدم الخلاف قد ذكر مثله في "شرح المهذب" بالنسبة إلى الأذان أيضًا وليس كذلك، فإن في قبول رواية الأعمى بما سمعه حال العمى وجهين أصحهما عند الجمهور أنها تقبل، واختار الإمام خلافه، كذا ذكره الرافعي في الباب الثالث في مستند علم الشاهد.
وحينئذ فإن روى التنجس أو دخول الوقت عن غيره ففيه الوجهان فاعلمه.
قوله: في "أصل الروضة" ويشترط أن يعلم من حال المخبر أى بنجاسة الماء أنه لا يخبر إلا عن حقيقة. انتهى.
مراده بذلك ما قاله في "المنهاج" وهو أن يكون المخبر مبينا للسبب أو يكون فقيهًا موافقًا في الاعتقاد، وذكر في "المحرر" قريبًا من ذلك.
ولما ذكر الرافعي ما ذكره في "الروضة" علله بأن المذاهب مختلفة في أسباب النجاسة فقد يظن ما ليس بمنجس منجسا والعجب من ترك النووي لهذه العلة فإنها تفهم بعض المراد.
стр. 428
قوله: وإذا اشتبه عليه ماء وبول أو ماء وماء ورد لم يجتهد في أصح الوجهين ثم قال: فعلى هذا يعرض عنهما في الصورة الأولى ويتيمم وفي الثانية يتوضأ بهذا مرة وبهذا مرة. انتهى كلامه.
فيه أمران:
[أحدهما] (١) أنه قد تقدم قبيل الباب الثاني في المياه النجسة أنه إذا كان معه ماء لا يكفيه وعنده مائع كماء ورد وغيره وجب عليه التكميل إن كان بحيث لو قدر مخالفًا له في أوسط الصفات لم يغيره، وكأن ذلك المائع لا تزيد قيمته على ثمن ماء الطهارة.
[وتقدم هناك أن زيادة المائع إنما ينبغي اعتبارها بالنسبة إلى المعجوز عنه، فإذا لم يوجبوا عليه التكميل هناك عند زيادة قيمته؛ لأن فيه زيادة على ما أوجبه الشارع فلأن لا يجب الوضوء الكامل به بطريق الأولى لاسيما مع استعمال الماء الكامل لفرض كامل. فالصواب الانتقال إلى التيمم. وقد ذكروا في التيمم أنه لا يجب عليه شق الثوب للاستقاء به إذا زاد الأرش على ثمن الطهارة] (٢).
الأمر الثاني: أن الرافعي ﵀ لم يشترط للتيمم في هذه المسألة خلطًا ولا صبًا مع اشتراطه ذلك فيما إذا اجتهد فلم يظهر له شيء كما ستعرفه في المسألة الآتية وهو كالصريح في عدم الاشتراط.
وتابعه في "الروضة" أيضا على ذلك وهو صحيح فإن الأصحاب في مسألة التخير قد انتهى أمرهم في تعليل وجوب إتلاف الماءين بصب أو خلط
стр. 429
قبل التيمم إلى كونه ينسب إلى تقصير ما في الاجتهاد، قالوا: وليست العلة مجرد وجود الماء الطاهر؛ لأن هذا الماء معجوز عنه شرعًا فصار كما لو كان عليه سبع أو أمسكه للعطش، ولهذا عبر النووي في "شرح التنبيه" المسمى "بالتحفة" بقوله: والفرق أنه ينسب إلى تقصير في الاجتهاد وهذه عبارته.
وإذا علم أن العلة هي التقصير في الاجتهاد فهذا المعنى على ضعفه لا يأتي في مسألة الماء والبول؛ لأنه ممنوع من الاجتهاد فيه رأسًا فتفطن لذلك، وقد وقع في "التنبيه" "والمحرر" و"شرح المهذب" اشتراط الصب أو الخلط في مسألة الماء والبول أيضًا وقد ظهر لك عدم الاشتراط مما تقدم وهو الصواب فليؤخذ به.
قوله: فإن اجتهد فلم تلح له علامة بل تحير تيمم لعجزه عن الوضوء، ثم إن كان تيممه بعد صب ماء في الإناءين فلا قضاء عليه ويعذر في صبه لدفع القضاء.
وفي معنى الصب ما لو جمع بينهما لتنجسا فإن تيمم قبل ذلك قضى؛ لأن معه ماءً طاهرًا بيقين. انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "الروضة" "والتحقيق" وغيرهما.
وفيه أمور:
أحدها: أن هذا الكلام يشعر بأن التيمم قبل الخلط أو الصب صحيح وإنما هما شرط لعدم القضاء فقط، وبه صرح القاضي حسين في "تعليقه" والمتولي في "التتمة" والماوردي في "الحاوي" وعزاه إلى جمهور الأصحاب.
стр. 430
وصحح النووي في "شرح المهذب" أن ذلك شرط لصحة التيمم وبه جزم في "شرح التنبيه" [المسمى "بتحفة التنبيه" وليس كذلك فستعرف من كلامه هو في مسألة تغير الاجتهاد ما يبطله] (١).
الأمر الثاني: أنه لا حاجة إلى صبهما ولا إلى صب أحدهما في الآخر بل يكفي صب أحدهما فقط؛ لأنه قد تقدم الآن من كلام الرافعي أن العلة فيه هو أنه إذا لم يفعل ذلك يكون قد تيمم ومعه ماء طاهر بيقين، وهذا المعنى ينتفي بما إذا صب أحدهما؛ لأنه إذا صبه احتمل أن يكون الباقي هو الطاهر واحتمل أن يكون هو النجس، فليس معه ماء طاهر بيقين، فإذا لم يكن فلا إعادة لأنها هي العلة في القضاء كما تقدم.
ولهذا المعنى شرط صاحب "الحاوي الصغير" في وجوب القضاء في نحو ما ذكرناه بقاءهما معًا فقال: إن بقيا وهي دقيقة غفل عن سرها ومستندها شراح "الحاوي".
الأمر الثالث: أن النووي قد صحح في كتبه فيما إذا انصب أحد الإناءين أو صبه أنه لا يجتهد، بل يتيمم ويصلي ولا يعيد، سواء أراق الآخر أم لا.
وأنت إذا تأملت هذا الكلام مع ما قاله فيما إذا تحير وجدته في غاية الغرابة لأنه عند التحير لم يكتف بصب أحدهما مع أنه مأمور بصبه غير متعد فيه، فاكتفي به في الموضع الثاني مع تعديه؛ لأن الفرض أنه صبه قبل الاجتهاد وترك الواجب عليه، وهذا كله مما يوضح أن الصواب عند التحير الاكتفاء بإتلاف أحد الماءين.
وقد حكى الجرجاني في "التحرير" في مسألتنا وجهًا أنه يكفي صب
стр. 431
واحد فيبقى معه ما يشك في نجاسته فيستعمله، وحاصل ما ذكره إلحاق هذه المسألة بتلك على وفق ما أشرت إليه.
قوله: ولو أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الإناءين فصلى به الصبح ثم تغير اجتهاده عند الظهر إلى طهارة الثانى، فإن لم يبق من الأول شيء فقولان المنصوص أنه لا يستعمله بل يتيمم؛ لأنه إن غسل ما أصابه الماء الأول فيلزم نقض الاجتهاد بالاجتهاد وإلا فيكون مصليًا مع يقين النجاسة. انتهى ملخصًا وفيه أمور:
أحدها: أن أئمة المذهب نقلوا هذا النص والتخريج فيما إذا بقى من الأول شيء، كذا نقله الشيخ أبو حامد وصاحب "الحاوي" "والتتمة" "والشامل" وغيرهم.
والحالان أعنى حال البقاء وعدمه وإن استويا في هذا الحكم إلا أن النص إنما هو فيما ذكرناه، والآخر بالقياس عليه.
الأمر الثاني: ما نبه عليه صاحب "الشامل" فقال: وعندي أن ما قالوه ليس نقضًا للاجتهاد لأنا لا نبطل طهارة ولا صلاة وإنما أمرنا بغسل ما أطابه بالماء الأول لحكمنا عليه بالنجاسة وهذا بعينيه موجود في الباقي فإنهم حكموا بتنجيسه مطلقًا ولم يجعلوه نقضًا للاجتهاد هذا كلامه وهو صحيح لا شك فيه.
الأمر الثالث: -وهو خاص بالنووي- أن الاجتهاد إنما يكون بين إناءين موجودين حتى لو انصب أحدهما فلا اجتهاد عنده، وحينئذ فلا تجيء هذه المسألة.
стр. 432
قوله: والقول الثاني خرجه ابن سريج من تغير الاجتهاد في القبلة أنه يتوضأ بالثاني ولا يتيمم؛ لأن هذه قضية مستأنفة فلا يؤثر فيها الاجتهاد الماضى، لكن لابد من إيراد الماء على جمميع المواضع التي أصابها الماء الأول، وغسلها لإزالة النجاسة. انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، وهذا الكلام يقتضي أن ابن سريج يقول والحالة هذه: إنه لابد من الإيراد على موارد الأول؛ لأنه جعله من تتمة كلامه وهو ظاهر كلام الغزالي وبعضهم.
وليس -كذلك بل هو قائل بعدم الوجوب كما صرح بنقله عنه الروياني في "البحر" وكذلك الماوردي في "الحاوي" وجعله إلزامًا له ولأجل ذلك إن صاحب "الشامل" "والمهذب" "والتتمة" لما حكوا هذا القول عنه لم ينقلوا الإيراد، وكلامه في "شرح المهذب" يقضي اتفاق الأصحاب على أنه لابد من الإيراد وأن ابن سريج قائل بذلك وأوهم نقل ذلك عن "الشامل" وكله غلط فاعلمه.
قوله: ثم على النص لا يقضي الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم، لأنه ليس معه ماء طاهر بيقين، وقيل: يلزمه قضاؤها؛ لأن معه ماء طاهرًا بحكم الاجتهاد.
وأما الصلاة الأولى فلا حاجة إلى قضائها لا على النص ولا على التخريج. انتهى.
سكت ﵀ عن قضاء الثانية على المخرج، وقد ذكره في "أصل الروضة" وجزم بأنه لا يجب تبعًا "للوسيط" "والتتمة" وغيرهما لكن في نظيرة من القبلة وجهان والقياس مجيئهما؛ لأن مستند ابن سريج هو التخريج منها كما سبق. وقد رأيت ذلك -أعني الوجهين- مصرحًا بهما
стр. 433
في "البحر".
وحكى ابن الصلاح في "فوائد رحلته" عن "التقريب" ثلاثة أوجه.
أحدها: يستعمل الثاني ويعيد الصلاتين معًا.
والثاني: يستعمله ويعيد الأولى فقط.
والثالث: إن ضبط ما أصابه من الماء الأول غسله بالثاني ولا يعيد وإلا تركه وتيمم، وهذا الئاني ذكر نحوه في "شرح المهذب".
قوله: الحالة الثانية: أن تبقى من الأول بقية تكفيه لطهارته فيجب إعادة الإجتهاد للصلاة الثانية؛ لأن معه ماء مستيقن الطهارة وإذا أعاد فتغير اجتهاده فالحكم كما سبق إلا أن الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم يجب قضاؤها على النص؛ لأن معه ماء طاهر بيقين، وقيل: لا يجب. انتهى.
وفيه أمور:
أحدها: أنه أطلق إعادة الاجتهاد ومحله كما قاله البغوي في "التهذيب" والنووي في "شرح المهذب" فيما إذا أحدث، فإن كان باقيًا على طهارته فيصلى بها.
الأمر الثاني: أنه ساكت عن عدد ما يعيده، وقد نقله في "الشامل" من جملة النص، فقال: ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم. هذا لفظه ويتجه إلحاقه بما إذا وهب ماء بعد الوقت وستعرفه في التيمم إلا أن تلف أحد الماءين هنا كتلف الماء بجملته هناك لما سبق من أن بقاء أحد الماءين لا يوجب القضاء.
الأمر الثالث: لم يتعرضوا هنا للصب ولا للخلط بل صححوا التيمم مع بقائهما ولكن -أوجبوا الإعادة. وهذا يدل على أن الصب والخلط
стр. 434
المذكورين في المجتهد إذا لم يظهر له شيء إنما هما شرط للقضاء خاصة لا لصحة التيمم كما يقوله النووي، فتفطن لهذه النكتة يتضح لك ما ذكرناه من قبل.
- قوله: والشيء الذي لا يتيقن نجاسته ولا طهارته والغالب في مثله النجاسة فيه قولان لتعارض الأصل والظاهر. أظهرهما الطهارة عملًا بالأصل. ويدل عليه ما روى أنه ﷺ حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته (١)، وكانت هي بحيث لا تحترز عن النجاسات.
ثم قال: فمن ذلك ثياب مدمني الخمر وآنيتهم وثياب القصابين والصبيان الذين لا يتوقون النجاسة. والمقابر المنبوشة حيث لا تتيقن النجاسة انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من تخريج ثياب الصبيان على القولين قد تابعه عليه في "الروضة" [ثم] (٢) خالفه في "شرح التنبيه" المسمى "تحفة التنبيه" فقال: وأبعد بعضهم فطرده في ثياب الصبيان، والصواب طريقة العراقيين وهي القطع بالطهارة.
الأمر الثاني: أنه عبر في "الروضة" بقوله ومقبرة شك في نيشها هذا لفظه. وعبر به الرافعي في شروط الصلاة ولكن الشك في النبش لا يقتضي أن الغالب النجاسة، وذكر الرافعي المسألة في التيمم في الكلام على طهارة التراب فقال: ولو تيمم بتراب المقابر التي عم فيها النبش وغلب اختلاط صديد الموتى به ففي الجواز قولًا يقابل الأصل والغالب.
الأمر الثالث: أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله: فمن ذلك
стр. 435
ثياب مدمني الخمر وأوانيهم. ثم قال: وأواني الكفار المتدينين باستعمال النجاسة كالمجوس والمنهمكين في الخمر إلى آخره. ثم نبه في كتاب "الإشارات" الذي هو على "الروضة" "كالدقائق" على "المنهاج" على جواب عن اعتراض يورد عليه فقال: قد يتوهم من لا فكر له أن ذكر المنهمكين في الخمر تكرر وأنه لا حاجة إليه لتقدم ذكره، وهذه غفلة من زاعمها فإن المراد بمدمني الخمر المذكورين أولًا هم المسلمون ثم ألحق بهم أواني الكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسات وإنما ذكروا لئلا يتوهم من إنضمام الكفر إليه مصيره نجسًا بلا خلاف؛ لأن الإسلام من حيث الجملة مظنة التحرز.
والحديث الذي ذكره الرافعي في حمل أمامة [رواه الشيخان وفيه أنه إذا قام حملها وإذا سجد وضعها وأمامة] (١) هي بنت زينب ابنة رسول الله ﷺ كان النبي ﷺ يحبها. تزوجها على ﵁ بعد وفاة فاطمة بوصية فاطمة ﵂ له في ذلك.
الأمر الرابع: أن هذه القاعدة ليست على القولين مطلقًا كما أطلقه، بل قد يجزم بمقتضى الأصل كمن ظن طهارة أو حدثًا أو أنه صلى أربعًا، وقد يجزم بالظاهر [كالبينة والخبر ومسألة الظبية] (٢).
قوله: ولو رأى ظبية تبول في الماء الكثير وكان بعيدًا عن الماء فانتهى إليه فوجده متغيرًا وشك أنه تغير بالبول أو بغيره فهو نجس، نص عليه الشافعي وأصحابه. انتهى كلامه.
وهذه المسألة شرطها أن يتعقب التغير للبول فإن لم يتعقبه بأن غاب عنه زمانًا ثم وجده متغيرًا لم يحكم عليه بالنجاسة؛ لأن إحالته على السبب الظاهر قد ضعف بطول الزمان، صرح بهذا الشرط الإمام أبو عبد الله
стр. 436
الجرجاني المعروف بالختن ختن الإسماعيلي على ابنته في شرحه "لتلخيص ابن القاص" فإنه ذكر مسألة ما إذا جرح الصيد وغاب عنه ثم وجده ميتًا وأجاب بأنه لا يحل.
ثم قال: ونظيره من مسألة الماء أن يبول الصبي فيه ولا يتعقبه التغير حتى يمضي زمان ثم يوجد متغيرًا؛ فلا يحكم بأن التغير عن البول، وكذلك البول في الجناية؛ لأن الشافعي قال: ولا يحكم بأن موت المجني عليه منها حتى تشهد بينة بأنه لم يزل ضمينًا منها إلى أن مات فالمسائل الثلاث كلها سواء تجمعها نكتة واحدة، هذا لفظه ومن شرحه نقلت. وهو شرح غريب عزيز الوجود.
وفي كلام الرافعي والنووي إشعار [بعيد] (١) بهذا اللفظ، وقد نقله القفال أيضًا في "شرح التلخيص" عن الأصحاب. لكن ذكر الدارمي في "الاستذكار": أنه لو رأى نجاسة حلت في ماء فلم تغيره فمضى عنه ثم رجع فوجده متغيرًا لم يتطهر به. قال في "شرح المهذب": وفيما قاله نظر. انتهى.
وذكر ابن كج في "التجريد" أنه يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة.
واعلم أن جماعة قد شرطوا شرطا آخر غير هذا وهو رؤية الماء قبل بول الظبية عن قرب غير متغير، فإن لم يعهده أصلًا أو طال عهده به فهو طاهر كذا رأيته في "شرح التلخيص" للقفال وفي القطعة التي شرحها القاضي الحسن منه أى من "التلخيص"، ومن خط تلميذه الذي [أملاها] (٢) عليه وهو الإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر [الأصبهانى] (٣) نقلت ذلك، وذكر في "الروضة" نحوه.
стр. 437
قوله "من زوائده": فلو وجد قطعة لحم ملقاة فإن كان [في البلد] (١) مجوس ومسلمون فنجسة وإن تمحض المسلمون فإن كانت في خرقة أو مكتل فطاهرة، وإن كانت مكشوفة فنجسة انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: [أن] (٢) ما أطلقه من التنجيس عند وجود مجوس يقتضي أن الثلاثة كافية في ذلك مع كثرة المسلمين والقواعد تدفعه؛ بل لابد من النظر إلى الحصر وعدمه كما في اشتباه المحرم ونحوه، وقد جزم بذلك صاحب "البيان" في كتاب البيع في آخر باب ما ينهي عن بيع الغرر، فقال نقلا عن الشيخ أبي حامد: وإن وجدها في بلاد الإسلام في موضع أكثر أهلها المسلمون فيجوز أكلها؛ لأنه يغلب على الظن أنها ذبيحة مسلم، قال يعني الشيخ أبا حامد بخلاف ما إذا وجد الماء متغيرًا ولم يعلم بأي شيء تغير فلا يحكم بنجاسته؛ لأن أصله على الإباحة.
الأمر الثاني: أن هذا التفصيل قد نقله في "شرح المهذب" عن القاضي الحسين ولكن بالنسبة إلى جواز الأكل وتحريمه [وهو] (٣) ظاهر، وأما الحكم عليه بالنجاسة حتى ينجس رطبًا يلاقيه فلم يذكره أحد ولا يصح القول به؛ لأن الأصل عدمه وكيف يحكم بالنجاسة مع الشك، وقد نصوا على أنه لو اشتبه عليه الطاهر من مكانين أو ثوبين أو إناءين [ونحو ذلك فأصابه ذلك من أحدهما لم يحكم بتنجيسه مع أنه لو صلى في أحد المكانين أو الثوبين أو توضأ بأحد الإناءين] (٤) لم تصح صلاته، فتخلص أن ما في "الروضة" غلط نشأ من سوء تصرفه في العبارة.
واعلم أن المكتل بكسر الميم وفتح التاء المثناة من فوق شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا قاله الجوهري.
стр. 438
الباب الرابع في الأواني
وهي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المتخذ من الجلود
قوله في أصل "الروضة": ويعتبر في الدباغ تطيب الجلد وصيرورته بحيث لو وقع في الماء لم يعد الفساد والنتن. انتهى.
وتعبيره بقوله: "لو وقع" تحريف غير صحيح؛ بل الصواب وهو الواقع في النسخ الصحيحة من الرافعي "نقع" بالنون -أى: وضع في الماء وترك حتى يبتل باطنه وتخرج خاصيته إلى الماء ومجرد الوقوع في الماء لا عبرة به، فإن النتن قد لا يعود بالوقوع ويعود بالنقع.
قوله: وإذا أوجبنا استعمال الماء في أثناء الدباغ فلم يستعمل فإنه يكون نجس العين، وهل يطهر بمجرد نقعه في الماء أم لابد من استعمال الأدوية ثانيًا؟ فيه وجهان. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو الثاني وقد صححه في "التحقيق" "والروضة" من "زوائده" فقال: قلت: أصحهما الثاني وبه قطع الشيخ أبو محمد.
والآخر احتمال لإمام الحرمين.
والمراد نقعه في ماء كثير والله أعلم هذا كلام الروضة.
الأمر الثانى: أن ما توهمه النووي من أن المراد الماء الكثير غلط عجيب بل لا فرق بين [الكثير والقليل] (١) الطاهر والنجس فإن الكلام إنما هو في طهارة العين وتتميم الدباغ ولهذا صحح وجوب استعمال الأدوية. ثانيًا:
стр. 439
مضافًا للماء مع أن التطهير بعد ذلك لابد منه.
قوله: والجديد أن الدباغ يطهر ظاهر الجلد وباطنه حتى يصلى فيه وعليه ويباع ويستعمل في الأشياء الرطبة واليابسة؛ لقوله ﵊: "إيما إهاب دبغ فقد طهر"، ولقوله ﵊: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه- فانتفعتم به". والقديم أنه يطهر ظاهره فقط حتى يصلي عليه ولا يصلي فيه ولا يباع ولا يستعمل في الأشياء الرطبة لقوله ﷺ : "لا تنتفعوا من -الميتة بإهاب ولا عصب" ظاهره المنع مطلقًا خالفنا في ظاهر الجلد جمعًا- بينه وبين الأخبار المجوزة للدباغ. انتهى.
اعترض عليه في "الروضة" فقال: قلت: أنكر جماهير العراقيين وكثير من الخراسانيين هذا القديم، وقطعوا بطهارة الباطن وما يترتب عليه والله أعلم، وما ذكره من انكسار الجماهير لهذا القول صحيح، وأما المترتب عليه فلا، لأن من جملة ما يترتب عليه بطلان البيع، ولم يقطعوا بفساده بل حكوا في الصحة قولين مع القطع بطهارة الباطن كذا ذكره أبو على الطبري في "الإفصاح" والشيخ أبو حامد والبندنيجي في تعليقهما والمحاملي في "المجموع" والدارمي في الاستذكار والماوردي والبغوي في "التهذيب" والشيخ أبو إسحاق في "المهذب" و"التنبيه" وابن الصباغ في "الشامل" والجرجان في "البلغة". "والشافي" وأبو خلف الطبري في "شرح المفتاح" والروياني في "البحر" وأبو عبد الله الحسين الطبري في "عدته" والشاشي في "الحلية" والعمراني في "البيان" واعترف بهما في "شرح المهذب" وزاد فقال: إنهما مشهوران والصحيح منهما عند الأصحاب هو الجديد هذه عبارته.
ثم علل القديم بعلة ذكرها جماعة ممن تقدم ذكرهم الآن وهي أن الأصل
стр. 440
تحريم الميتة، غير أن الشرع أباح الانتفاع بجلودها بعد الدباغ فيبقى البيع على الأصل ثم قال: هذا هو الصواب في تعليله، وأما ما يوجهه به كثير من الخراسانيين من نجاسة الباطن فضعيف.
ونقل ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" عن صاحب التقريب أنه نقله عن نصه في "الجديد"، والقديم جواز الصلاة فيه.
والحديث الأول رواه الترمذي بهذا اللفظ وقال: حديث حسن، وفي مسلم (١): "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" وهو معنى رواية الترمذي.
والحديث الثاني رواه الشيخان (٢) والجميع من رواية أبي هريرة.
وأما الحديث الأخير فرواه الترمذي وقال: إنه حسن ثم نقل عن أحمد أنه مضطرب. وقال البيهقي في "كتاب المعرفة": إنه مرسل.
قوله من "زياداته": وتجوز هبة الجلد قبل الدباغ كما تجوز الوصية به انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من جواز هبته قد جزم به أيضًا في "التحقيق"، ونقله في شرح المهذب عن الماوردي والروياني وأقرهما، ثم خالف ذلك في كتاب الهبة من أصل "الروضة" فقال في الركن الرابع منها: إن الأصح المنع وهذا الثاني هو المعروف وهو مقتضى إطلاق "المنهاج".
الأمر الثانى: أن القائل بالجواز محله في الهبه علي سبيل نقل اليد. وأما على سبيل التمليك فلا يتصور فيه الخلاف وقد أشار الروياني إلى ذلك.
стр. 441
القسم الثانى: المتخذ من العظم
- قوله: من "زوائده": قال أصحابنا: يعفي عن اليسير من الشعر النجس في الماء والثوب الذي يصلي فيه وضبط اليسير العرف -والأصح أن هذا العفو يعم الجميع، وقيل: يختص بشعر الآدمي. انتهى.
وما صححه من تعميم العفو لجميع الشعور حتى يتناول ما لا تعم به البلوى كشعر الذئب والدب والنمر ونحوها مردود باطل؛ بل الأكثرون خصوا ذلك بشعر الآدمي منهم الفوراني والماوردي وابن الصباغ والإمام والغزالي والجرجاني والبغوي -والروياني في "البحر" والعمراني في "الزوائد" وأطلق جماعة قليلة الخلاف فتوهم النووي من إطلاقه التعميم فصرح به- نعم ألحق القاضي الحسين الحمار المركوب بالآدمي في ذلك لعموم البلوي به. وتوهم النووي في "شرح المهذب" أنه عداه إلى سائر الشعور فتمسك في التخريج به وهو خطأ.
قوله: وإذا قلنا: ينجس شعر الآدمي بالموت والإبانة فهل يستثنى شعر رسول الله ﷺ فيه وجهان انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا منهما في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح عنده وعند النووي أن حكمه ﵊ في طهارة المنفصل منه ونجاسته كحكم غيره فمقتضاه أن يكون الشعر كذلك أيضًا، وقد صرح به الشيخ أبو حامد في "تعليقه" ناقلًا له عن الجمهور فقال: إن أبا جعفر الترمذي إنفراد بطهارته -يعني الشعر- قال: وعامتهم خالفوه وصحح النووي في مسألتنا الطهارة فقال في "التحقيق" "والروضة": إنه الصحيح وفي "شرح المهذب": إن مقابله غلط ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله من "زوائده": ولو باع جلد ميتة بعد دباغه وعليه شعر وقلنا: يجوز
стр. 442
بيع الجلد ولا يطهر الشعر بالدباغ فإن قال: بعتك الجلد دون شعره صح، وإن قال مع شعره ففي صحة بيع الجلد القولان في تفريق الصفقة. وإن قال: بعتك هذا وأطلق صح، وقيل: وجهان انتهى.
وما ذكره من الصحة إذا باعه دون شعره غير مستقيم فقد قال هو وغيره في كتاب البيع: إنه لابد من رؤية وجهي الجلد في صحة بيعه. ولا شك أن الشعر مانع من الرؤية لأنَّه ليس جزءًا من المبيع. فإن فرض ذلك في شعرات يسيرة متفرقة ففي الصحة نظر أيضًا لانتشار منابتها.
القسم الثالث: المتخذ من الذهب والفضة
قوله: واستعماله مكروه كراهة تنزيه في "القديم". وكراهة تحريم في "الجديد". انتهى.
ورأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبي على أن الشافعي نص في رواية حرملة كما في "القديم".
قوله: ومن الاستعمال المحرم التجمر بمجمرة الفضة التي احتوى عليها ولا حرج في إتيان الرائحة من بعد. انتهى.
وليس فيه ولا في "الروضة" بيان لضابط البعد وقد بينه في "شرح المهذب" فقال نقلًا عن الأصحاب: قالوا: ولا بأس إذا لم يجثو عليها وجاءته الرائحة من بعيد. وينبغي يكون بعدها بحيث لا ينسب إلى أنه متطيب بها. هذا كلامه.
وفي "الكفاية" لابن الرفعة: أن المحرم إنما هو الاحتواء فقط، وأنه لا يحرم الشم مع القرب، وهو في ذلك تابع للقاضي حسين في "تعليقته".
قوله: وهل يحرم اتخاذ أواني النقدين؟ فيه وجهان: أحدهما: لا.
стр. 443
لفائدة جمع المال وإحرازه كي لا يتفرق.
وأصحهما: التحريم قياسًا على آلات الملاهي.
ثم قال: واحتجوا لهذا الوجه أيضًا بأنه لا خلاف في وجوب الزكاة فيها. ولو كان اتخاذها مباحًا لكان وجوب الزكاة فيهما علي القولين في الحلي المباح. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن حكاية الخلاف وجهين قد تبعه عليه في "الروضة" ونقله في "شرح المهذب" عن الأكثرين. والصواب حكايته قولين. فقد رأيت في كتاب ["التقريب" للإمام القاسم ابن الإمام القفال الكبير الشاشي في كتاب] (١) الزكاة: أن التحريم نص عليه في رواية حرملة والمزني. وأن الجواز نص عليه في كتاب الغصب، وحينئذ تكون المسألة على قولين. وقد صرح بهما هكذا جماعة كبيرة.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في الزكاة ليس كذلك، بل فيه خلاف مشهور حكاه جماعة كبيرة منهم الماوردي في "الحاوي"، والمرعشي في كتابه المسمى "ترتيب الأقسام" والجرجاني في "التحرير".
الأمر الثالث: أن الحلى المكروه ملحق بالمحرم في وجوب الزكاة وليس ملحقًا بالمباح حتى يجري فيه القولان. وحينئذ فنقول: لا يلزم من وجوب الزكاة فيها حصول المدعي وهو التحريم؛ لأنها قد تكون مكروهة عند القائلين بالجواز، فلذلك أوجبوا فيها الزكاة.
قوله: وفي جواز تزيين الحوانيت والبيوت والمجالس بها أى بأواني الذهب والفضة وجهان. انتهى.
لم يصرح الرافعي هنا ولا في "الشرح الصغير" بتصحيح. والصحيح
стр. 444
هو التحريم كذا ذكره النووي في "شرح المهذب" وغيره، وصححه أيضًا في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: ولا خلاف أن ما نفاسته -أي من الأواني- بسبب صنعته لا يحرم استعماله ولا يكره. انتهى.
وما ذكره من نص الخلاف قد تبعه على أيضًا في "الروضة". لكن ذكر صاحب "البيان" أن صاحب "الفروع" أشار إلى وجهين في تحريمه.
قوله: ولو اتخذ إناء من حديد أو غيره وموهه بالذهب والفضة تمويهًا لا يحصل منه شيء بالعرض على النار. فقال قائلون: إن قلنا التحريم لعين الذهب والفضة وهو الجديد فلا منع. وإن قلنا لمعنى الخيلاء وهو القديم منع.
وقال آخرون: معنى الخيلاء معتبر. لكن من جوز قال: الموه لا يكاد يخض.
ولو اتخذ إناء من ذهب أو فضة وموهه بنحاس أو غيره جرى الخلاف إن قلنا التحريم لعين الذهب والفضة حرم. كان قلنا لمعنى الخيلاء فلا. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الكلام مقتضاه تصحيح الجواز في المسألة الأولى. والمنع في الثانية.
ولما اختصر النووي هذا الكلام حكى في المسألتين وجهين من غير ترجيح البتة، ثم صحيح منهما الجواز من "زياداته" وهو اختصار عجيب فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلام الرافعي في المسألة الأولى من ترجيح
стр. 445
الجواز قد صرح بتصحيحه في غير هذا الكتاب فقال في "المحرر": إنه الظاهر وفي "الشرح الصغير": إنه الأظهر، وصححه أيضًا النووي هنا في باقي كتبه "كشرح المهذب" "والتحقيق" "والمنهاج".
إذا علمت ذلك فقد ذكر الرافعي في باب زكاة النقدين في الكلام على حلى الذهب ما يخالف ذلك فقال: هل يجوز للرجل تمويه الخاتم والسيف وغيرها بالذهب تمويهًا لا يحصل منه شيء؟ فيه وجهان. ثم قال: وبالتحريم أجاب العراقيون هنا.
والذي قاله مقتضاه تصحيح المنع؛ لأن تصحيح أئمة المذهب معمول به فضلًا عن قطعهم، وصححه أيضًا النووي في الباب المذكور من "شرح المهذب"، وفي باب ما يكره لبسه أيضًا فقال: الثانية: لو كان الخاتم فضة فموهه بذهب أو موه السيف وغيره من آلات الحرب أو غيرها بذهب تمويهًا لا يحصل منه شيء فطريقان أصحهما وبه قطع العراقيون التحريم للحديث، والثاني فيه وجهان هذا كلامه في الموضعين مع أنه قد صرح بالذهب في باب الأوانى، وصحح فيه الجواز كما تقدم نقله عنه فليته مع تصحيحه المنع صحيح طريقة الوجهين بل صحيح طريقة القطع به، هذا مع أن آلات الحرب أولى بالتجويز من غيرها لجواز تصليتها.
ووجه الجمع بين الكلامين أن يقال: الذي جوزه هنا هو الأواني والذي منعه هناك هو الملبوس ولا يلزم من المنع فيه لاتصاله بالبدن وشدة ملازمته له أن يمتنع غيره. فانقل ذلك واعمل بمقتضاه فإن كان كلام "المنهاج" وغيره يوهم التعميم وذكر أيضًا في الزكاة من "شرح المهذب" عقب هذا الموضع أن تمويه سقف بيته وجداره بالذهب أو الفضة حرام بلا خلاف قال: ولكن إن حصل منه شيء حرمت استدامته وإلا فلا وتابعه ابن الرفعة في "الكفاية"
стр. 446
على ذلك، وليس كذلك، فإن الرافعي في "الشرح الصغير" قد صرح بجريان الوجهين فيهما، ذكر ذلك في الزكاة إلا أن حكايته غريبة.
الأمر الثالث: أن تصحيح النووي للجواز في المسألة الثانية يتجه أن يكون المراد به إنما هو الاستعمال فقط، ولهذا صوّر المسألة بذلك حتى لو اتخذ الإناء ليفعل به ذلك كان حرامًا، ولهذا قالوا: لا يستحق الصانع الأجرة ونحوها، إذ لو جاز للزم أن يقال: يصح الاستئجار على عمله ثم نعطيه لمن يموهه بالرصاص ونحوه ولا أثر للفرق بين أن يقصد اتخاذه على هيئة أم لا.
وإذا صح أن اتخاذه لذلك حرام اتجه أن يقال أيضًا بتحريم استمرار بقائه وإن جاز استعماله.
قوله: ولو غشى ظاهره وباطنه بالنحاس قال الإمام: الذي أراه القطع بجوار استعماله والذي يجئ على قول من يقول أن التحريم لعينهما أن يقول التحريم ههنا. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه ليس المراد بالغشية التمويه بل تصفيحه، ولقد أعله في "النهاية" بقوله: فإنه الإناء من النحاس وقد أدرج فيه ذهب يسير.
الثاني: أن قول الرافعي والذي يجئ إلى آخره هو من عنده لا من تتمة كلام الإمام وهو واضح، ولهذا جزم في "البسيط" بالجواز وقال: إنه لا خلاف فيه.
الثالث: أن النووي في "الروضة" قد اختصر هذا الموضع بقوله فطريقان. قال الإمام: لا يحرم، وقال غيره: على الوجهين انتهى. فإن
стр. 447
كانت حكايته للطريقتين لتوهمه أن ذلك من كلام الإمام فعجيب، وأيضًا سواء كان هذا البحث له أو للرافعي كيف يصح أن يقول فيه: وقال غيره كذا وكذا؟
قوله: في "الروضة": فرع. المضبب بالفضة فيه أوجه:
أحدها: إن كانت الضبة صغيرة وعلى قدر الحاجة لا يحرم استعماله ولا يكره، وإن كانت كبيرةً فوق الحاجة حرم، وإن كانت صغيرة فوق الحاجة أو كبيرة قدر الحاجة فوجهان، الأصح يكره.
والثاني: يحرم والوجه الثاني: إن كانت الضبة تلقى فم الشارب حرم وإلا فلا.
والثالث: يكره ولا يحرم.
والرابع: يحرم في جميع الأحوال قلت: أصح الأوجه وأشهرها الأول والله أعلم، ومعنى الحاجة غرض إصلاح موضع الكسر. انتهى كلام "الروضة".
وفيه أمور:
أحدها: أن هذا التصحيح الذي ذكره من زياداته قد صرح به الرافعي فإنه حكى وجهين فيما إذا كانت الضبة في موضع الاستعمال، وقال: إن معظم العراقيين وهو أوفق للمعنى على أن حكمها كحكم غيرها، ثم ذكر ما إذا كانت الضبة في غير موضع الاستعمال وجزم فيه بالوجه الأول من الوجوه المذكورة في "الروضة"، وذكر الباقي على سبيل التضعيف.
الثاني: أن الرافعي لما أن ذكر أن الصغيرة التي للحاجة لا تحرم ولا تكره استدل عليه بأن حلقه قصعة النبي ﷺ كانت من الفضة، وكذلك قبيعة سيفه
стр. 448
فعلمنا أن الحلقة من مسائل الحاجة وهذه مسألة حسنة لا تؤخذ من كلام "الروضة"، وقد ذكر الرافعي أيضًا بعد ذلك ما يدخل فيه هذا وغيره فقال: ونعني بالحاجة الأغراض المتعلقة بالتضبب سوى التزيين هذا لفظه، ولم يذكره في "الروضة" وهذا غريب جدًا.
الثالث: أن الرافعي قد صرح بأن موضع الاستعمال كالشرب فقال: ومن نصر هذا الوجه فمن شرطه أن يقول: لو كان الاستعمال في غير الشرب وكانت الضبة على الموضع الذي يمسه المستعمل ويلاقيه يحرم أيضًا ولا يساغ غير ذلك هذا لفظه ولم يذكره في "الروضة" أيضًا فاعلمه.
الأمر الرابع: أن استدلال الرافعي على الضبة المختلف فيها تقبيعة سيف رسول الله ﷺ عجيب، فإن هذا من آلات الحرب وتحليتها بالفضة جائز قطعًا والقبيعة بقاف مفتوحة وباء موحدة مكسورة قال الجوهري: هو ما على طرف مقبض السيف من قصبة أو غيرها. وحديث القبيعة رواه أبو داود والترمذي وقال: إنه حسن.
والقصعة بفتح القاف هي ما يشبع طعامها عشرة أنفس.
والصحفة ما تشبع خمسة.
قوله: قال بعضهم: الضبة الكبيرة ما تستوعب جزءًا من الإناء كأسفله أو عروته أو شفته.
وقال بعضهم: المرجع فيه إلى العادة.
وقال الإمام: لعل الوجه أن يقال: هو ما يلمع على البعد للناظر، وأشار إليه الغزالي. انتهى ملخصًا.
صحح في "الشرح الصغير" الوجه الأول وقال النووي في "زيادات
стр. 449
الروضة": إنه أشهر الأوجه، قال: ولكن الأصح اعتبار العروة. والمراد بالعروة ما جعل في الإناء ليعلق به أو يمسك كأذن الإبريق ونحوه.
قوله: الخامسة: قدر الضبة المجوزة لو اتخذ منه إناء صغيرًا كالمكحلة وطرف العالية هل يجوز؟ حكى فيه وجهان للشيخ أبي محمد أظهرهما التحريم؛ لأنه يقع عليه اسم الآنية. انتهى.
وهذه المسألة قد تكلم من الأصحاب فيها قديمًا ابن سريج فمن بعده، وقد رأيت ذلك في كتاب "التقريب" للإمام القاسم ابن الإمام القفال الكبير الشاشي ذكر ذلك في كتاب الزكاة فقال: وقد بلغنا عن أبي العباس أنه ذكر الخبر وهو أن النبي ﷺ أهدى -أى إلى مكة- جملًا لأبي جهل في أنفه بُرة من فضة فقال: فيه دليل على أنه لا بأس باتخاذ مثل المكحلة وملعقة العالية ونحوها مما لم يكن فيه سرف هذا كلامه في "التقريب".
قوله: وذكر في "التهذيب" أنه لو اتخذ للإناء حلقة من فضة أو سلسلة أو رأسًا يجوز؛ لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله.
ولك أن تقول: لا يسلم أنه لا يستعمله تبعًا للإناء. ثم هب أنه لا يستعمله لكن في الاتخاذ من غير استعمال خلاف سبق فليكن هذا على الخلاف. انتهى.
واعلم أن الحلقة والسلسلة لا وقفة في جوازهما وقد سبقا في كلام الرافعي في أثناء الاستدلال على المضبب.
وأما الرأس فإن جماعة قد وافقوا صاحب "التهذيب" على جوازه وعللوه بأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله، كذا ذكره في "شرح المهذب" ثم قال: وينبغي إلحاقه بالمضبب في التفصيل والخلاف.
стр. 450
وقال في "الروضة": قد وافق البغوي جماعة ولا نعرف فيه خلافًا.
قلت: وقد ظهر من تعليلهم الرأس بالانفصال أنه شئ مستقل يغطي الإناء.
ويزيده إيضاحًا، كلام الخوارزمي في "الكافي" فإنه قال: لو اتخذ لكوزه رأسًا من فضة فيجوز؛ لأنه منفصل عنه لا يستعمله وقت الشرب، فعلى قياسه لو كان الذي يوضع فيه الكوز من فضة يحتمل أن يجوز؛ هذه عبارته.
وعلى هذا فضابط الاستعمال المحرم أن يتعلق ببدنه كأكل منه أو شرب أو نحوهما، وذلك مفقود في غطاء الكوز وفيما يجعل فيه، وهكذا الحرير أيضًا إنما يحرم منه ما يعلق ببدنه كالجلوس عليه والجلوس تحته لوقاية الحر والبرد وستره عن الناس ويصير هذا نظير ما قالوه في الأعيان النجسة كجلود الميتة أنه يحرم استعمالها في ما يتعلق ببدنه دون غيره حتى يحرم الامتشاط. بمشط العاج وليس الجلد النجس دون جعل الأشياء فيه. ووقع في مشط العاج كلام مهم تعرفه قبيل صلاة العيد، وحينئذ فيكون غطاء العمامة وكيس الدراهم ونحو ذلك من الحرير أولى بالجواز من غطاء الكوز وما يوضع فيه.
قوله: من "وائده": ولو أثبت الدراهم في الإناء بالمسامير فهو كالضبة وقطع القاضي حسين بجوازه. انتهى.
وقد تتبعت ما نقله هنا عن القاضي في "تعليقتيه" معًا وفي "فتاويه" و"شرح الفروع" والقطعة التي شرحها من "التلخيص" وكلام الناقلين عنه فلم أظفر به.
стр. 451
الباب الخامس في صفة الوضوء
وفرائضه ست:
الفرض الأول: النية:
اعلم أن بعضهم قد زاد سابعًا وهو الماء الطهور وغلطه النووي في "شرح المهذب" وقال: الصواب أنه شرط لصحته لا فرض آخر، فلهذا لم يعده هنا لكنه في "الروضة" قد جعل التراب في التيمم من جملة أركانه والماء الطهور هنا كالتراب هناك.
قوله: ولا تجب النية في إزالة النجاسة ويحكي عن ابن سريج اشتراط النية فيها، وبه قال أبو سهل الصعلوكي. انتهى.
وهذا النقل عن ابن سريج ليس بثابت كما نبه عليه الرافعي في إزالة النجاسة، وقد تقدم ذكر لفظه هناك.
وحكى ابن الصلاح فيما جمعه من "الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق" أن في المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كانت النجاسة على الثوب لم تجب النية لأن الإزالة لا تجب لإمكان صلاته في غيره، وإن كانت على البدن وجبت لوجوب إزالتها وهو وجه فيقاس.
قوله: ولو اغتسلت الذمية أو المجنونة من الحيض أو النفاس لحق الزوج ثم أفاقت المجنونة أو أسلمت الكافرة وجبت عليهما الإعادة في أصح الوجهين؛ لأنهما ليستا من أهل العبادة وإنما صح في حق الزوج للضرورة انتهى.
هاتان المسألتان سبق الكلام عليهما في باب المياه، وهل يشترط أن تنوي
стр. 452
الذمية عند اغتسالها والزوج عند تغسيله لزوجته المجنونة؟ فيه وجهان في "شرح المهذب" من غير تصريح بتصحيح.
أصحهما في "التحقيق": أنه يشترط ولو امتنعت المسلمة من الغسل فغسلها الزوج قهرًا. فهل يشترط نيته أو لا؟ قال في "شرح المهذب": الظاهر أنه على الوجهين في المجنونة، وجزم في باب الحيض من "الكفاية" بأن الذي ينوي في غسل الذمية إنما هو الزوج.
قوله: وفي صحة طهارة الكافر الأصلي ثلاثة أوجه: ثالثها: يصح الغسل دون الوضوء. ثم قال: أما المرتد فلا تصح منه الطهارة بحال، ولم يجروا فيه الخلاف المذكور في الكافر الأصلي. انتهى.
تبعه أيضًا في "الروضة" على نفي الخلاف عن المرتد فقال: ولا تصح طهارة مرتد بلا خلاف.
وليس كما قالا فقد حكى [الماوردي في الحاوي وجهًا] (١) أنه يصح [غسله، وحكى النووي في "التحقيق" وجهًا أنه يصح] (٢) وضوءه وغسله وعزاه في "شرح المهذب" إلى "النهاية".
قوله: ولو توضأ المسلم ثم ارتد لم يبطل وضوءه في أصح الوجهين ثم قال: وأما التيمم ففيه وجهان أيضًا لكن الأصح فيه البطلان؛ لأن التيمم لاستباحة الصلاة، فإذا ارتد خرج عن أهلية الاستباحة إلى آخره.
تابعه النووي على إطلاق عدم البطلان في الوضوء وينبغي استثناء وضوء دائم الحدث؛ وأن يكون كالتيمم في بطلانه بالردة، فإن المذهب أنه كالتيمم في كونه لا يرفع الحدث، ولكن يبيح الصلاة كما قاله في "الروضة" من زياداته قبيل باب المستحاضة.
وقد سبق أن علة بطلان التيمم كونه للاستباحة، وأيضًا فقد قال الإمام
стр. 453
في "النهاية": إن التيمم إذا كان معه غسل فإنه يرفع الحدث كالمسح على الخفين، وعلى هذا فينبغي استثناؤه أيضًا من التيمم.
قوله في "الروضة": أما وقت النية فلا يجوز أن يتأخر عن غسل أول جزء من الوجه. انتهى.
وهذا التعبير فاسد فإن أول الوجه من جهة أعلاه هو ابتداء الجبهة ومن جهة أسفله هو منتهى الذقن، ولا يجب اقتران النية بشئ منهما، وقد ذكره الرافعي على الصواب فقال عن أول غسل الوجه أى مغسول فتوهم النووي أنه لا فرق بين غسل الأول وأول الغسل فعبر بالعكس فلزم الخلل.
قوله: فإن قارنت النية ما قبل الوجه من السنن لم يصح وضوؤه على أصح الوجهين. انتهى.
استدرك عليه في "الروضة" فقال: هذا في المضمضة والاستنشاق محله إذا لم ينغسل معهما شئ من الوجه فإن انغسل أجزأه إن كان نيته الوجه وكذا إن لم يكن على الصحيح وقول الجمهور.
قال: لكنه يحتاج إلى إعادة غسل ذلك الجزء مع الوجه على الأصح انتهى كلامه.
والذي قاله النووي ﵀ من تصحيح الاعتداد بالنية عند مقارنتها للجزء المذكور مع تصحيح كونه لا يقع على الفرض غلط عجيب وكلام متدافع، فإن تصحيح النية يقتضي الاعتداء بالمغسول وإلا فيؤدي إلى [الاكتفاء] (١) بنية لم تقارن غسلًا مفروضًا والتفريع على عدم صحة ذلك يثبت أن صحة النية والاعتداد بذلك الجزء عن الوجه متلازمان وهو الموجود لأئمة المذهب كما ستعرفه. وقد راجعت كلام النووي في "شرح المهذب"
стр. 454
لكون ما يزيده في "الروضة" يلخصه غالبًا منه فلما راجعته وجدته بعد أن صحح إجزاء النية عند اقترانها بالجزء المذكور، نقل عن البغوي وجوب إعادة غسل ذلك الجزء فراجعت "التهذيب" فوجدته قد عبر بقوله: وقيل: إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شئ من بشرة وجهه صح وضوؤه وإلا فلا.
وهذا ضعيف لأنه وإن انغسل فلم يغسله عن الفرض بدليل أنه لا يجوز الاقتصار عليه بل يجب غسله ثانيًا في الفرض هذه عبارته فراجعت "تعليقة" القاضي الحسين لأن البغوي لخص "التهذيب" من كلام لشيخه المذكور في "تعليقته" المذكورة فرأيته قد حكى الخلاف في صحة النية عند اقترانها بسنة ثم قال ما نصه: وقال القفال: إن انغسل بالمضمضة ظاهر شفته يصح الوضوء؛ لأنه صار مؤديًا جزءًا من الفرض وإن لم ينغسل شئ من شفتيه لا يجوز لأنه محض سنة وهذا على الطريق الذي يقوله أنه لو ترك لمعة وغسلها المرة الثانية يحصل الوضوء وسنذكره هذا لفظ القاضي.
ووجه التخريج الذي ذكره أنه قد غسل ذلك الجزء مقترنًا بنية الوضوء إلا أن غسله إنما كان عن السنة لا عن الفرض. فأشبه غسل اللمعة في المرة الثانية أو الثالثة والصحيح فيها الإجزاء فيكون كذلك في مسألتنا، فاختصر البغوي كلام شيخه المذكور بما سبق وعلمنا من تضعيف البغوي لهذه المقالة أن الصحيح عنده في مسألة اللمعة عدم الإجزاء فإنه لم يصحح فيها شيئًا هناك بل ولا شيخه المذكور أيضًا فوقف النووي على كلام البغوي خاصة ولم يطلع أيضًا على مدركه ومستنده فإنه لم يراجع عليه من أصوله ما راجعت، ولا تتبعت، فلزم الوقوع في الخطأ الصريح، وقد صرح أيضًا رفيق البغوي في الأخذ عن القاضي الحسين وهو صاحب "التتمة" بصحة النية وبإجزاء المغسول عن الفرض وكذلك الروياني في "البحر" وصحح أبو علي
стр. 455
الطبري في "الإفصاح" والماوردي في "الحاوى" صحة الوضوء بهذه النية ولم يوجبا إعادة شيء وكذلك ابن الرفعة في "كفايته" مع تتبعه واتساع باعه، وبالغ ابن الصباغ في "الشامل" فجزم بالصحة عند انغسال شئ من الشفة ولم يوجب إعادةً. ولا شيئًا آخر وغلط ابن الرفعة في "المطلب" تبعًا لصاحب "الذخائر". في النقل عنه في هذه المسألة أي عن ابن الصباغ وسبب الغلط تحريف لفظة منه أي من الجارة للضمير بلفظ نبه أعنى بالنون والباء فتفطن لذلك وفي ما أشرت إليه تنبيه لمن أحب الوقوف عليه وقد طال الكلام في هذه المسألة وذلك لإيضاح وجه الغلط فلله الحمد على التوفيق لذلك.
ونبه في "الذخائر" على شيء متعين وهو أنه حيث وقع شئ عن الوجه في هذه الحالة فلا تجزئ المضمضة ولا الاستنشاق لتقدم بعض غسل الوجه عليهما وتقديمها عليه شرط.
قوله: فينوي أحد ثلاثة أمور: أحدها: رفع الحدث أو الطهارة عنه.
والثاني: استباحة الصلاة أو غيرها مما لا يباح إلا بطهارة.
الثالث: فرض الوضوء أو أداء الوضوء. انتهى ملخصا.
فيه أمور:
أحدهما: أن هذا الحصر قد تابعه عليه في "الروضة" ويرد عليه كيفيات:
إحداها: أن ينوي الطهارة للصلاة أو لغيرها مما يتوقف على الوضوء فإنه يصح كما ذكره الشيخ في "التنبيه" وكذلك في "المهذب" وغاير بينها وبين ما إذا نوى الطهارة عن الحدث ووافقه عليه النووي في شرحه له وحكى اتفاق الأصحاب عليه إلا أن في هذه الصورة نظر، فإنه لو نوى
стр. 456
الطهارة ولم يقل عن الحدث لا تجزئه على الصحيح كما صرح به في "زوائد الروضة" وأفهمه كلام الرافعي وعلله في "شرح المهذب" بأن الطهارة قد تكون من حدث وقد تكون عن خبث، وهذا نفسه يأتي في صورتنا والتعرض فيها للصلاة ونحوها لا يزاحم هذا المعنى ولا يأتي هذا الإشكال في الاستباحة لأن الاستباحة؛ تتوقف على الحدث والخبث معا فيندرجان في نيتها بخلاف الطهارة.
الكيفية الثانية: أداء فرض الطهارة ذكرها جماعة منهم سليم الرازي في "التقريب".
الثالثة: أن ينوي الوضوء فقط فيصح كما صححه في "التحقيق" "وشرح المهذب" وفرق الماوردي بينه وبين ما إذا نوى الجنب الغسل بأن الوضوء لا يطلق على غير العادة بخلاف الغسل.
الأمر الثاني: أن نية الرفع والاستباحة ونحوهما لا إشكال فيها في غير الوضوء المجدد وأما المجدد فالقياس فيه الاقتصار على نية الطهارة والوضوء والتجديد ونحو ذلك على خلاف ما يقتضيه إطلاقه، إلا أن يقول قائل: تصح بالجميع كالصلاة المعادة غير أن ذلك مشكل خارج عن القواعد فلا يقاس عليه.
الأمر الثالث: ذكر الرافعي في نية الصلاة أنه لابد من قصد فعل الصلاة ولا يكفي إحضار نفس الصلاة غافلا عن الفعل. والذي ذكره يتجه مثله هنا عند نية الوضوء والطهارة ونحوهما.
قوله: ولو نوى رفع بعض الأحداث صح وضوؤه على الأصح؛ لأن الحدث لا يتجزأ فإذا [ارتفع البعض ارتفع الكل، وقيل: لا لأنه لا يتجزأ فإذا] (١) نفي البعض نفي الكل، وقيل: إن لم ينف ما عداه صح وإن نفاه فلا، وقيل: إن نوى الأول صح وإلا فلا، لأن الأول هو الذي أثر في المنع وبعض
стр. 457
الطهارة، وقيل عكسه؛ لأن الآخر أقرب، وذكر بعضهم أن الخلاف فيما إذا نواه ونفي غيره فإن لم ينف صح بلا خلاف انتهى.
وهذه الطريقة أسقطها النووي من "الروضة".
واعلم أن هذه المسألة تشبه مسألة ذكرها الرافعي في الطلاق في آخر الباب الأول، وهي أنه إذا وطئ امرأتين واغتسل من الجنابة وحلف أنه لم يغتسل عن الثانية لم يحنث. ورأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي السنجي قبل كتاب الزكاة أن المرأة إذا كانت جنبًا فحاضت ثم اغتسلت وكانت قد حلفت أنها لا تغتسل عن الجنابة فالعبرة عنده بالنية فإن نوت الاغتسال عنها تكون مغتسلة عنهما وتحنث، وإن نوت عن الحيض وحده لم تحنث لأنها لم تغتسل عن الجنابة، وإن كان غسلها مجزئًا عنهما معًا.
قال: ورجح القفال الحنث هذا كلامه.
وقد ظهر لك أن الرافعي صور مسألة اليمين بحالة اتحاد النوع، وقد يؤخذ منها التخصيص أيضًا في الوضوء حتى إذا نوى ما عدا الأول من إفراغ النوع متعمدًا لم يصح كما لا تحنث في اليمين وهو متجه.
قوله في أصل "الروضة": فإن لم يكن الحدث المنوي واقعًا منه بأن قال: ولم يتم فنوى حدث اليوم، فإن كان غالطًا صح وضوؤه قطعًا، وإن تعمد لم يصح في الأصح. انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فقد خرجه الإمام والغزالي في "البسيط" على الخلاف في المسألة السابقة وهي ما لو نوى رفع بعض الأحداث، وستقف في التيمم على كلام آخر متعلق بالمسألة فراجعه.
قوله: فإن نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن للمحدث وسماع الحديث وروايته والعقود في المسجد وغيرها فوجهان أظهرهما لا يصح
стр. 458
وضوؤه لأن هذه الأشياء مباحة مع الحدث فلا يتضمن قصدها قصد رفع الحدث، والوجهان جاريان فيما إذا كان الوضوء مستحبًا في ذلك الفعل لمكان الحدث كما ذكرناه من الأمثلة، وفيما إذا كان لا باعتبار الحدث كتجديد الوضوء، فإن القصد منه زيادة النظافة وقطع بعضهم في الثاني بنفي الصحة. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبير الرافعي بالقعود يشعر بأن المار في المسجد لحاجة أو نحوها لا يستحب له ذلك، وكلام "الروضة" أيضًا يشعر به فإنه عبر بالجلوس وليس كذلك، فقد صرح في "شرح المهذب" باستحبابه في هذه الحالة، ولهذا عبر في "المحرر" بالدخول وسيأتي في الغسل ما يعضده أيضًا، والمسألة شبيهة بأن المأمور بتحية المسجد من أراد الجلوس أو كل من دخل؟ ولعلنا نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.
الأمر الثاني: في باقي الأمور التي استحبوا لها الوضوء وأرادها الرافعي بقوله وغير ذلك، وقد جمعها النووي في "شرح المهذب" "والتحقيق" فقال: يندب عند نوم وغضب وغيبة وأذان وإقامة وغسل جنابة ودرس علم ووقوف بعرفة وسعى وزيارة قبر رسول الله ﷺ وفصد وحجامة وقئ وقهقهة مصلٍ وحمل ميت ومسه وأكل لحم جزور ولجنب أراد أكلًا وشربًا أو نومًا أو جماعًا أو خطبة لغير جمعة انتهى كلامه.
وتخصيص الغيبة ليس بجيد فقد قال في نواقض الوضوء من "شرح المهذب" الصحيح أو الصواب استحبابه من الكلام القبيح كالغيبة والنميمة والكذب والقذف والفحش وقول الزور.
وأيضًا فقد رأيت في "شرح فروع ابن الحداد" للقاضي الحسين بخط
стр. 459
تلميذه المعلق عنه استحباب الوضوء لزيارة القبور مطلقًا.
الأمر الثالث: في بيان الحالة التي يستحب فيها تجديد الوضوء والأصح أنه يستحب لكل من صلى به صلاة ما فرضا كانت أو نفلًا، ولا يستحب لغيره، كذا ذكره في "الروضة" في باب النذر من زوائده.
وحكى في "شرح المهذب" هنا وجوهًا أخرى.
أحدها: لا يستحب إلا إذا أدى به فرضًا.
والثاني: يستحب إذا فعل بالوضوء ما قصده لأجله.
والثالث: يستحب مطلقًا إذا فرق بينهما تفريقًا كبيرًا، فلو وصله بالأول كان في حكم غسلة رابعة؛ كذا قاله الإمام وغيره وصرحوا بكراهة التجديد إذا لم يرد بالأول شيئا.
والرابع: إن صلى بالأول أو سجد لتلاوة أو شكر أو قرأ القرآن في مصحف استحب وإلا فلا، والمراد بالأخير ما يتوقف عليه الوضوء، وبالثاني ما يتوقف عليه أو يندب له مع مراعاة ما سبق من فعل ما قصد.
واعلم أن تجديد التيمم والغسل غير مستحب على الصحيح، وتجديد الوضوء لماسح الخف يأتيك في بابه، وأما تجديد الوضوء المكمل بالتيمم لجراحة فإنه يستحب كما جزم به في "الذخائر" نقلًا عن القفال. قال في "الكفاية": وفيه نظر لأنا إذا لم نستحب له الإتيان بالتيمم لم يكن المأتى به طهارة كاملة، والإتيان ببعض الطهارة غير مستحب اللهم إلا أن يقال: لما لم يكن استعمال الماء في الباقي والتيمم عنه غير مشروع صار ذلك البعض كالمفقود.
الأمر الرابع: في بيان محل الخلاف في صحته بنية التجديد وقد صوره
стр. 460
في "التتمة" بما إذا نوى ذلك مع علمه بأنه محدث، وكلام ابن الصباغ في أثناء فرع ابن الحداد خصهما بما إذا نوى ذلك وهو يعتقد أنه متطهر.
الأمر الخامس: أن النووي في "الروضة" قد وافق الرافعي على جريان الوجهين في الوضوء المجدد فقال: ولو نوى تجديد الوضوء فعلى الوجهين وقيل: لا يصح قطعًا، وناقض ذلك في "شرح المهذب" فقال: ولو نوى تجديد الوضوء أو الجنب غسلًا مسنونًا ففي ارتفاع حدثه طريقان:
أحدهما: أنه على الوجهين فيما يستحب له الطهارة.
والثاني: وهو المذهب القطع بأنه لا يرتفع حدثه ولا جنابته؛ لأن هذه الطهارة ليس استحبابها بسبب الحدث فلا يتضمن رفعه بخلاف الطهارة لقراءة القرآن.
قوله: ولو شك في الحدث بعد يقين الطهارة فتوضأ احتياطًا ثم تبين أنه كان محدثًا فهل يعتد بهذا الوضوء؟ فيه هذان الوجهان؛ لأن الوضوء والحالة هذه محبوب للاحتياط لا للحدث بخلاف العكس فإنه يصح. انتهى.
والأصح من الوجهين المحال عليها أنه لا يصح وحينئذ فيقال: إذا كان وضوء الاحتياط غير صحيح فما الفائدة في استحبابه لأنَّه إن كان محدثًا فحدثه لا يرتفع وإن كان متطهرًا فلا حاجة إليه ولاسيما إذا لم يكن قد أدى به قبل الشك شيئًا من الصلوات، فإنه لا يستحب التجديد والحالة هذه وليس عن هذا الإشكال جواب شاف.
والصواب في هذه المسألة ما قاله الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في "القواعد الكبرى" أن طريق الشاك في ذلك والحالة هذه أن يحدث ثم يتطهر قال: فإن لم يفعل لم [يحصل] (١) الورع على المختار لعجزه عن جزم