فصل [فيمن وجد بالهدي عيبًا]
وإن وجد عيبًا لا يجزئ به في الواجب وهو مضمون - أبدله في الاستحقاق. ويختلف هل له بيع هذا المعيب وإن قلده؟ فقال أبو مصعب فيمن أعتق عبدًا عن واجب، ثم استحق بعضه: له أن يرد عتق ما لم يستحق منه ويرجع بالثمن. وهو في الهدي أبين؛ لأنه يتطوع بعتق المعيب، ولا يتطوع بهدي المعيب. وإن كان العيب يسيرًا أجزأه، ويستحب أن يجعل ما يرجع به عن العيب في هدي.
وإن كان الهدي معينًا استوى الكثير والقليل، فيمضي هديًا. قال محمد: إذا رجع بالعيب صنع به ما شاء. وإن نذر الثمن أو تطوع به كان الحكم في العيب اليسير والكثير سواءً؛ يمضي هذا هديًا، ويرجع بالعيب. فإن كان نذر الثمن وجب أن يجعل ما رجع به في هدي، وإن تطوع بالثمن استحب ذلك له.
فصل [في تقليد الهدي وإشعاره]
الهدي يجب بالتقليد والإشعار إذا سيق عن وصم في حج أو عمرة، فإن أفلس أو مات لم يكن لغرمائه، ولا لورثته عليه سبيل يريد: لأن الدين طرأ بعد التقليد، ولو كان دينًا تقدم التقليد لَرُدَّ (١).
ويختلف إذا كان نذرًا أو تطوعًا، فالمعروف من المذهب أنه كالأول يسقط ملك صاحبه عنه بالتقليد والإشعار، وقال في امرأة ساقت هديًا
стр. 1332
تطوعًا في عمرة، ثم أردفت الحج وأوقفته، ونحرته بمنى عن قرانها: يجزئها. فلم يوجبه بالتقليد والإشعار، ولو وجب وسقط ملكها عنه ما صح أن يجزئها عن واجب. وإذا سيق الهدي عن واجب لا تبرأ الذمة إلا ببلوغه؛ لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. فإن ضلّ أو سُرِقَ أو هلك أو عطب قبل بلوغه لم يجزئه.
واختلف إذا نزل به عيب، ثم بلغ محله، فقال مالك: ينحره ويجزئه (١).
وقال أبو بكر الأبهري: القياس ألا يجزئ (٢). يريد قياسًا على موته. والإجماع والمذهب: ألا تبرأ الذمة إلا بالتقليد والإشعار. فإن قلّد وأشعر عن واجب وهو هزيل أو معيب، فسمَّى هديًا (٣) لم يجزئ. وكذلك إن سمن أو ذهب العيب؛ لأنه قد أوجبه بالتقليد والإشعار.
وعلى القول أن الهدي لا يجب بالتقليد والإشعار يكون له بيعه ورده. وقال عبد الملك: إذا عطب قبل بلوغ المحل له أن يبيعه. وتقدم قول أبي مصعب في العبد (٤) يستحق بعضه: أن له أن يرد ما عتق منه، ولم يستحق؛ لأن المهدي والمعتق لم يرد التطوع، وإنما ظن أن ذلك يجزئه. وإن انتقل إلى حالة يجوز أن يهدي فيها أجزأه. ويختلف إذا جنى على الهدي، فقال ابن القاسم: يمضي هديًا ويجزئه. ويرجع على الجاني بقيمة العيب، فيجعله في هدي. وعلى قول أبي بكر الأبهري: لا يجزئ، وعليه البدل. وله أن يُغَرِّمَ الجاني هديًا كاملًا؛
стр. 1333
لأن المجني عليه يقول: تعديك أوجب عليَّ غرم هدي كامل؛ فتغرم ما أدخلتني فيه. كمن أكره محرمًا فحلق رأسه، أو أكره زوجته فأصابها أن على المكرِه أن يكفر عن هذا بفدية الأذى، وعلى الزوج أن يُحِجَّهَا ويهدي عنها، فإن كان معسرًا كَفَّرَ هذا، وحجت الزوجة، ورجعا على الفاعل متى أيسر.
وقال ابن القاسم في الهدي يعطب في الطريق أو ينزل به عيب لا يقدر على الوصول به: ليس له أن يبيعه (١). وقال ابن الماجشون في المبسوط: له بيعه، وليس بهدي (٢). إنما أراد أن يقضي به هديًا عليه، فلم يبلغ، ولم يكن هديًا. وقال ابن حبيب: إلا أن مالكًا كره أن يبيعه.
فصل [في الأكل من الهدي]
الهدي والأكل منه على أربعة أوجه: جائز قبل بلوغ محله وبعد، وممنوع قبل وبعد، وجائز قبل ممنوع بعد، وممنوع قبل جائز بعد.
فكل هدي واجب في الذمة عن حج أو عمرة، من فسادٍ أو متعة أو قران أو تعدي ميقات أو ترك النزول بعرفة نهارًا أو ترك النزول بالمزدلفة أو ترك رمي الجمار أو تأخير الحلاق - يجوز الأكل منه قبل وبعد (٣).
وأما جزاء الصيد وفدية الأذى فيأكل منه قبل، ولا يأكل منه بعد (٤).
والمنذور المضمون إذا لم يسمِّه للمساكين يأكل منه قبل وبعد، وإن سماه
стр. 1334
للمساكين وهو مضمون أكل منه قبل، ولم يأكل منه بعد. وإن كان منذورًا معينًا (١) ولم يسمِّه للمساكين أو قلده وأشعره من غير نذر - أكل منه بعد، ولم يأكل منه قبل (٢).
وإن نذره للمساكين وهو معين، أو نوى ذلك حين التقليد، لم يأكل منه قبل ولا بعد. وذكر محمد قولًا آخر: أنه لا يأكل من هدي الفساد. ويلزم على هذا ألا يأكل من شيء ساقه عن وصم في حج أو عمرة.
وذكر ابن نافع عن مالك في المبسوط في الجزاء والفدية، أنه قال: لا ينبغي أن يأكل. فإن فعل فلا شيء عليه. فمنع في القول الأول (٣) من الأكل منه لما جعل للمساكين فيهما مدخلًا إذا كفّر بالإطعام، ولم يمنع في القول الآخر قياسًا على المتعة وغيرها، وأجرى الهدي على الأصل إذا سيق عن وصم، فإنه لا يمنع الأكل منه.
والقياس في الجزاء ألا يأكل؛ لأنه إنما غرم قيمة شيء أتلفه، فوجب أن يجري على الأصل في قيمة المتلفات: ألا حق له في الانتفاع من القيمة، وهو في إماطة الأذى أخفّ؛ لأنه إنما غرم عن شيء انتفع به، كالوطء والمتعة، اختلف في الأكل مما نذره للمساكين، فقال مالك مرة: لا يأكل منه. واستحب مرة ترك الأكل منه (٤)، ورأى أن التقليد والإشعار والذبح إنما أوجب الالتزام.
стр. 1335
ولو أوجبه للمساكين ولم يسمه هديًا لم يجزئ على أحد القولين، ولم يجبر (١) على منع الأكل، فكذلك إذا سماه هديًا. ومنع من الأكل من كل معين هلك قبل محله (٢) للحديث أن رسول الله ﷺ بعث هديًا، فقال المبعوث معه: يا رسول الله، كيف أصنع بما أعطيت؟ فقال: "انْحَرْهَا وَأَلْقِ قَلائِدَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا" (٣). قال مالك: فإن أكل صاحبه، أو أمر من أكل منه ضمن (٤).
وإن بعث به فعطب لم يأكل منه المبعوث معه، وإن أكل فلا شيء عليه، إلا أن يأكل بأمر صاحبه فيضمن صاحبُهُ.
وقال أبو محمد عبد الوهاب في منع صاحبه أن يأكل منه: لأنه يتهم أن يكون أعطبه ليأكل منه (٥). وليس بحسن، بل ذلك عند مالك شرعٌ؛ لأنه قال: يضمن إن أمر المبعوث معه (٦) بالأكل وإن لم يأكل (٧)، ولا تهمة في هذا أن يعطيه ليطعم غيره.
стр. 1336
وقال محمد فيمن كان معه هدي جزاء صيد فضَلَّ منه، فأبدله، فعطب البدل في الطريق، فأكل منه، ثم وجد الأول: نحره عن الجزاء، وأبدل الثاني؛ لأنه يصير كالتطوع. وهذا أبين؛ لأن البدل لم يكن لأجل التهمة.
ومن كان معه هدي متعة وجزاء صيد فاختلطا بعد الذبح لم يأكل من واحد منها (١)؛ لجواز أن يكون هدي الجزاء. وإن عطب أحدهما قبل بلوغه جاز أن يأكل منه؛ لأنهما مضمونان. وإن كان أحدهما تطوعًا والآخر مضمونًا لم يأكل منه؛ لجواز أن يكون التطوع، ويأتي بالبدل؛ لجواز أن يكون المضمون (٢). فإن كان قد بلغ المحل ثم اختلط أكل من أيهما أَحَبَّ، ما لم يكن المضمون جزاء صيد. وقال ابن الماجشون: إذا ضل جزاء الصيد وأبدله ثم وجد الأول نحرهما وأكل من الثاني، قال محمد: وإن أكل من الثاني بعد أن بلغ وقبل أن يجد الأول أبدله. فإن لم يبدله حتى وجد الأول فلا شيء عليه؛ لأن الثاني يصير تطوعًا أكل منه بعد بلوغه (٣).
وقال الثوري وأصحاب الرأي: إذا ضلَّ الهدي الواجب فأبدله ثم وجد الأول نحره، وإن نحر الثاني فهو أفضل، وإن باع فلا شيء عليه (٤). وقول ابن الماجشون "أن له أن يبيع الواجب إذا عطب قبل بلوغه" نحوٌ من هذا.
وإن كان مضمونًا أو منذورًا معينًا للمساكين فعطب أحدهما قبل محله واختلطا لم يأكل؛ لجواز أن يكون المنذور، وعليه البدل؛ لجواز أن يكون هو
стр. 1337
المضمون. وإن بلغا أكل من الثاني خاصة، فإن كان الأول (١) الذي عطب المنذور كان هذا تطوعًا والأكل منه جائز، وإن كان الأول المضمون جاز أن يأكل من بدله.
فصل [في إطعام الغني والذمي من الهدي]
وكل هدي جاز أن يأكل منه جاز أن يطعم منه الغني والذمي، وكل هدي لم يجز أن يأكل منه فإنه يُطْعِمه مسلمًا فقيرًا لا تلزمه نفقته كالكفارة. قال ابن القاسم: فإن أطعم منه غنيًا وهو لا يعلم، وقد اجتهد لم يُجْزئْهُ في الزكاة والجزاء والفدية (٢). وفي كتاب محمد: أنه يجزئه. وإن أطعم ذميًا وهو لا يعلم لم يجزئه على القول الأول، وأجزأه على القول الآخر.
ويختلف إذا علم أنه غني أو ذمي، وجهل الحكم هل يجزئه أم لا (٣)؟ فقال ابن القاسم: إن أطعم ذميًا من غير الجزاء والفدية فهو خفيف، وقد أساء. يريد: نذر المساكين، وهو موافق لقوله: إن ترك الأكل منه استحباب (٤). وعلى القول الآخر يكون كالجزاء.
واختلف إذا أكل من الجزاء والفدية بعد القول بالمنع، هل يكون عليه أن يأتي بهدي كامل، أو يكون عليه بقدر ما أكل؟ وقال في التطوع: إن أكل منه قبل بلوغه أتى بمثله. وعلى القول الاخر يكون عليه بقدر ما أكل. وقال فيما
стр. 1338
نذره للمساكين: عليه قدر ما أكل (١). ولم يجعل عليه البدل؛ لأن منع الأكل عنده أضعف من التطوع.
فصل [في نتاج البدنة وهل تُركب]
وإذا أنتجت البدنة حُمِلَ ولدُها على غيرها، فإن لم تَجْهَدْ فعليها، فإذا خيف عليها إن حملته تركته إن كانت في مستعتب (٢) ليكبر فيبلغه، وإن لم يكن في مستعتب ذبحه ولم يأكل منه؛ لأنه مُعَيَّنٌ لا بدل عليه فيه إن هلك، فأشبه التطوع، وإن ذبحه وهو قادر على حمله أو إبقائه في مستعتب كان عليه هديٌ كبير؛ لأنه كبعض أمه، وجرى فيه من العقد ما جرى في أمه.
ولا يشرب من لبنها قبل ري فصيلها، فإن فعل فأضرَّ به حتى مات كان بمنزلة إذا قتله.
قال مالك: وليتصدق بما فضل بعد ري فصيلها (٣). وقيل: لا بأس أن يشربه (٤). ولا يركبها إلا ألا يجد ما يكري (٥) به، أو لا يجد ما يكتريه (٦).
واختلف إذا استراح، فقال ابن القاسم: لا ينزل؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "ارْكَبْهَا" (٧). وقال إسماعيل القاضي: مذهب مالك يدل على أنه إذا استراح
стр. 1339
نزل. وفي مختصر ابن الجلاب: إذا استراح نزل (١). وهو أحسن؛ لقول النبي ﷺ : "ارْكبْهَا بِالمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا" أخرجه مسلم (٢). ولأن ملكه سقط عنها بالتقليد والإشعار؛ فوجب ألا ينتفع بها إلا لضرورة، ولأن فيه ضربًا من العود في الصدقة. قال مالك: ولا يركبها (٣)، ولا يحمل عليها زادًا، ولا شيئًا يتعبها به.
стр. 1340
باب في الهدي والصيام عن التمتع
الأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وللمتعة أربعة شروط؛ وهي:
أن يأتي بها في أشهر الحج قبل الحج، ثم يحجّ من عامه قبل أن يرجع إلى بلده. فإن كانت قبل أشهر الحجّ ثم حجّ من عامه، أو في أشهر الحجّ ولم يحجّ من عامه، أو حجّ من عامه بعد أن رجع إلى بلده، أو إلى مثله في المسافة، أو اعتمر بعد الحج في بقية ذي الحجة- لم يكن متمتعًا، ويجزئ من الهدي عن المتعة الشاةُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ولا يقلد هدي المتعة إلا بعد الإحرام بالحج (١)، وكذلك القران.
واختلف إذا قلد أو أشعر قبل الإحرام بالحج، فقال أشهب وعبد الملك في كتاب محمد: لا يجزئه. وقال ابن القاسم: يجزئه (٢). فلم يجزئه في القول الأول لأن المتعة إنما تجب إذا أحرم بالحج، وإذا قلّده وأشعره قبل ذلك كان تطوعًا، والتطوع لا يجزئ عن الواجب، وأجزأ في القول الآخر قياسًا على تقديم الكفارة قبل الحنث، والزكاة إذا قرب الحول.
والذي تقتضيه السنة التوسعة في جميع ذلك، فقد مضى ذكر ذلك في مواضعه.
ومن أحرم بالحج وعَدِمَ الهدي كان في عدمه على ثلاثة أوجه:
على إياس من وجوده، أو على يقين أنه يجده قبل الوقوف بعرفة، أو شاك،
стр. 1341
فإن كان آيسًا صام، وصيامه موسع من حين يحرم إلى يوم عرفة، ولا يؤخره لبعد يوم عرفة.
واختلف عن مالك في صيام يوم عرفة، والاستحباب أن يستكمل الثلاث قبل يوم عرفة؛ ليقوى على الذكر والدعاء.
وإن شك استحب له أن يؤخر صومه إلى آخر الوقت؛ رجاء أن يأتي بما هو أفضل، وهو الهدي.
وإن صام ثم وجد الهدي قبل خروج وقت الصوم أجزأه.
واختلف إذا صام على يقين أنه يجده قبل خروج وقت الصوم، فعلى قول ابن القاسم يجزئه الصوم، وعلى قول ابن حبيب لا يجزئه. وهذا قياس على قولهما فيمن كان على يقين من وجود الماء قبل خروج الوقت فصلى بالتيمم، ثم وجد الماء في الوقت. وقد تقدم وجه قوليهما في كتاب الطهارة (١).
وآخر الوقت الذي لا يتأخر عن أن يبتدئ بالصوم فيه السابع والثامن والتاسع، وليست هذه الأيام وقتا لالتماس الهدي؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فإذا كان الصوم قبل يوم النحر -لأنه محرم الصوم- علم أنه مطالب بالهدي والانتقال إلى الصوم قبل يوم النحر.
واستحب مالك لمن وجد الهدي قبل أن يستكمل صيام الأيام الثلاثة أن ينتقل إلى الهدي (٢)، وهذا يحسن لمن قدّم الصوم عن الوقت المضيق، كالذي يصلي
стр. 1342
بالتيمم وسط الوقت، وليس كالذي يؤخر الصوم إلى الوقت المضيق.
ومن لم يصم قبل عرفة صام أيام التشريق، وإن لم يفعل صام متى ذكر، ولم يؤخر؛ لأن الصوم كان معلقًا بوقت، فمن تركه عامدًا أو ناسيًا كان القضاء على الفور؛ قياسًا على الصلاة. وكذلك من لم يصم عن قرانه الثلاثة قبل عرفة صام أيام التشريق؛ لأنه تمتع بالعمرة في أشهر الحج (١).
واختلف قول مالك إذا كان الدم عن ترك النزول بالمزدلفة أو المبيت بمنى أو عن بعض الجمار أو غيره مما دخل عليه بعد الوقوف بعرفة، فرأى مرة: أنه يصوم أيام (٢) التشريق كالمتمتع؛ لأنه مقيس (٣) عليه ثلاثة وسبعة إذا رجع. ورأى مرة: ألا يصومها، وأن الرخصة في صيامها لمن وجب عليه الدم قبل (٤).
وقال (٥) في كتاب محمد في فدية الأذى: لا يصومها في أيام منى (٦). يريد: لأنه مخاطب بثلاثة أيام لا أكثر، بخلاف المتمتع.
ولو أحرم رجل بعمرة في أيام منى، ولم يكن أحرم بالحج فوجب عليه صوم عشرة أيام- لم يوقع الثلاثة في أيام منى، وإنما جاءت الرخصة بصيامها للحجاج. وإن كان الدم عن فساد حجٍّ أو فوات وأتى بحجة القضاء كان
стр. 1343
حكمه في الهدي والانتقال إلى صيام الثلاثة قبل الوقوف حكم المتمتع. فإن لم يصم قَبْلُ صام أيام منى على أحد قولي مالك، وسبعة إذا رجع. وإن صام قبل أن يتلبس بحجة القضاء كان تقدمة الصوم على الخلاف في تقدمة الهدي، فقد قيل في تقدمته: جائز، ويكره، ولا يجزئ، وكذلك الصوم.
وقال مالك فيمن عجز عن المشي: أنه يركب ويهدي، فإذا رجع مشى المواضع التي ركبها (١).
فصل [في صوم السبعة أيام بعد الحج]
وقال مالك في المدونة في معنى قول الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]: إذا رجعوا من منى (٢). وقال في كتاب محمد: إذا رجع إلى أهله، إلا أن يقيم بمكة (٣). وهذا بيّن، وليس المراد أن يصوم في الطريق؛ لأنه في سفر، وقد وضع الله تعالى عن المسافر صوم رمضان، مع أنه (٤) مُفْتَرَضُ العين مُعَظَّمُ الحرمة، ولم يجعل عليه من ذلك إلا الأقل، وما الغالبُ أنه يخف، وهي الثلاثة، ولهذا جعل مالك في كُلِّ (٥) صَوْمٍ وجب في الحج عدد عشرة أيام أنه يؤخر
стр. 1344
السبعة حتى يصل إلى بلده؛ قياسًا على المتمتع (١). وكذلك المعتمر، يؤخر السبعة حتى يعود إلى أهله، إلا أن يقيم ببلد قبل ذلك (٢).
وقال محمد: سألتِ امرأةٌ مالكًا، وقالت: قرنت عام أول، ولم أجد هديًا، وقد قدمت العام؟ فقال لها: صومي ثلاثة أيام في إحرامك، وسبعة إذا رجعتِ (٣). فلم ير عليها صومًا في السفر، وإن كانت عادت إلى أهلها.
وعلى هذا لو أفطر رمضان في سفر، ثم قدم أهله فلم يصم حتى عاد إلى السفر، أو أفطر لمرض، ثم صح فلم يصم حتى سافر ألا شيء عليه حتى يعود إلى قرار. والظاهر من المذهب فيمن عجل صوم السبعة قبل وقوفه بعرفة ألا يجزئه، وأرى أن يجزئه؛ لأن التأخير حتى يرجع توسعة لمكان سفره، وهو بمنزلة من صام رمضان (٤) في سفره.
стр. 1345
باب في وجوب العمرة ووقتها
العمرة عند مالك سُنَّة. وقال ابن الجهم وابن حبيب: واجبة كوجوب الحج (١).
والأول أحسن؛ لقول النبي ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَحَجِّ البَيْتِ" (٢). ولم يقل، ست، وفرض الحج من آخر ما نزل، ومعنى قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أَمْرٌ لمن دخل فيهما بالإتمام. وقيل: أمر من أتى بعمرة أن يرجع (٣) إلى بلده، ثم يأتنف السفر للحج. وكلا التأويلين لا يقتضي وجوب العمرة، ولا تدخل العمرة في عموم الأمر بالحج؛ لأن هذين قد لزم كل واحد منهما اسم يختص به، قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فلم يشرك العمرة بالاسم مع الحج.
وقال مالك: العمرة في السنة مرة، ولو اعتمر لزمه (٤). وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: لا بأس بالعمرة في السنة مرارًا. وقال محمد بن المواز: أرجو ألا يكون به بأس، وقد اعتمرت عائشة ﵂ عمرتين في شهر (٥).
стр. 1346
ولا أرى أن يمنع أحد من أن يتقرب إلى الله تعالى بشيء من الطاعات، ولا من الازدياد في الخير في موضع لم يأت بالمنع منه نص.
والوقت الذي يؤتى بها فيه على وجهين، فمن لم يتقدم له حجّ، ولا يريده في ذلك العام فيعتمر من السنة أيَّ وقتٍ أحب، وفي أشهر الحج وأيامه ويوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ويكون الناس في الوقوف بعرفة وهو يعمل عمل العمرة. وأما من حج فلا يعتمر حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق. قال: وإن تعجل في يومين فلا يحرم بعمرة. وإن فعل لم تنعقد.
قال ابن القاسم: إلا أن يحرم في آخر أيام التشريق بعد الرمي فيلزمه (١) قال محمد: يلزمه الإحرام، ولا يحل في آخر أيام التشريق حتى تغرب الشمس، وإحلاله قبل ذلك باطل. قال: وإن وطئ قبل ذلك أفسد عمرته، وقضاها، وأهدى (٢). والقياس إذا انحل الإحرام للحج أن ينعقد الإحرام للعمرة، ويصح عملها (٣).
стр. 1347
باب فيمن أحصر بعدو أو مرض
ثبت عن النبي ﷺ أنه أحرم بعمرة، فلما بلغ الحديبية وصده المشركون حَلَّ (١).
وعن ابن عمر ﵄ أنه أحرم بعمرة، وكان نزل الحجاج بمكة لقتال ابن الزبير ﵁ فقال: "إِنْ صُدِدْتُ صَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " (٢).
ولا خلاف فيمن أحصر بعدو، وهو محرم بحج أو عمرة أن له أن يحل، ولا قضاء عليه إذا لم تكن حجة الإسلام.
واختلف فيمن أحصر بمرض أو كسر أو حبس في دم أو دين، فقال مالك: لا يحله إلا البيت، وعليه قضاء ما حل منه من حج أو عمرة (٣)، وهو قول ابن عباس وابن عمر والشافعي (٤). وقال عطاء بن أبي رباح والنَّخَعِيُّ والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور: العَدُوّ والمرض سواء (٥).
وللمحصر بعَدُوٍّ خمس حالات يصح الإحلال في ثلاث، ويمنع في وجه، ويصح في وجه إذا شرط الإحلال، فإن كان العدو طارئًا بعد الإحرام، أو متقدمًا ولم يعلم، أو علم وكان يرى أنه لا يصده فصده- جاز الإحلال.
стр. 1348
وقد أحرم النبي ﷺ والمشركون بمكة، وهو يرى أنهم لا يمنعونه، فلما منعوه حل (١).
وإن علم أنهم يمنعونه لم يحل، وعلى هذا الوجه يحمل ما قاله محمد بن المواز (٢).
وإن شكّ فمنعوه لم يحل، إلا أن يشترط الإحلال، كما قال ابن عمر ﵄.
ومن صُدَّ عن طريقه وهو قادر على الوصول من غير مضرة لم يحل، وإن كان أبعد، إلا أن يكون طريقًا مخوفًا، أو فيه مشقة بيّنة، ولا يرجو انكشاف ذلك قريبًا. وقد قاضى النبي ﷺ أهل مكة على أن يأتي من العام المقبل، ثم حلّ (٣)؛ لأن الصبر إلى قابل فيه مضرة.
واختلف فيمن أحصر وهو محرم بالحج في ثلاثة مواضع: في الوقت الذي يجوز أن يحل فيه، وهل عليه دم إذا حل، وهل يلزمه القضاء إذا كان محرمًا بحجة الإسلام؟ فمذهب ابن القاسم إذا كان على إياس من انكشافه حل مكانه. وإن كان يرى أنه يذهب قبل ذلك أو شك أُمهل حتى يصير إلى وقت إن ترك لم يدرك، فيحل، وقال أشهب: لا يحل حتى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة (٤).
يريد: لأن الحج لما كان معلمًا بوقت، وكان الإمساك عن الوطء والطيب
стр. 1349
وغيره عبادة، وقد التزم المحرم بالحج الإمساكَ عن هذه الأشياء إلى وقت، كان عليه أن يبقى على تلك الطاعة إلى ذلك الوقت. ويلزم على قوله: إن أحرم بعمرة وهو على بعد أن لا يحل إلا في الوقت الذي كان يحل فيه من أحرم بحج لو لم يحصر، وقد كان إحلال النبي ﷺ بعد ما مضى الوقت الذي كان يحل فيه.
ومن أحرم بالحج من موضع لا يدرك فيه الحج من عامه، ثم أحصر من ذلك العام، لم يحل إلا أن يصير إلى وقت إن حل لم يدرك الحج عامًا قابلًا (١).
وقال ابن القاسم فيمن حل ممن أحصر بعدو: لا هدي عليه. وقال أشهب في كتاب محمد: عليه الهدي، وإن لم يجد صام، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٢) قال: فهذا فيمن أحصر بعدو، وتأول ابن القاسم الآية على المرض.
والأول أحسن؛ لأن الآية نزلت بالحديبية، وقد حصرهم العدو، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ والأمن يكون من الخوف، فكان حمل الآية على الخوف الذي كانوا فيه، وعلى المعهود من هذا الاسم؛ حتى يقوم دليل أن المراد الأمن من المرض.
وقد اختلف في موجِب هذين: أُحْصِر وحُصِر، فذكر إسماعيل القاضي عن أبي عبيدة، أنه قال: ما كان من مرض أو ذهاب نفقة قيل: أُحْصِر، وما كان من حبس قيل: حُصِر. واستشهد بقول ابن عباس ﵄: لا حصر إلا من عدو.
وقال ابن فارس في مجمل اللغة: ناس يقولون حصره المرض، وأحصره العدو. وهذا عكس ما حكاه أبو عبيدة.
стр. 1350
وقال ابن فارس: الإحصار: أن يحصر الحاج عن بلوغ المناسك بمرض أو غيره. فسوَّى بين المرض والعدو.
وقال أبو عمرو: حصرني الشيء وأحصرني إذا حبسني، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. يريد الله تعالى أن الفقر أحصرهم، وليس المرض. وقيل: حصره إذا ضَيَّقَ عليه، وأحصره إذا منعه شيئًا، وإن لم يضيق عليه غيره. فمن منع من في (١) مدينة أن يخرج منها كان قد حصره؛ لأنه ضيق عليه، وإن منع من كان خارجًا منها أن يدخل إليها كان قد أحصره.
وقال مالك وابن القاسم فيمن أحصره العدو: يحل من حجة الإسلام، وكان عليه القضاء (٢).
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: لا قضاء عليه (٣). والأول أحسن؛ لأنها مضمونة. فإذا أحصر عن هذا العام بقي الحج في الذمة على حاله. وكذلك من نذر حجة مضمونة عليه القضاء، وإن نذر عامًا بعينه أو التزمه بالإحرام من غير نذر لم يكن عليه قضاء، وكذلك إن نذر عمرة مضمونة قضاها، وإن عينها لشهر أو وقت فانقضى ذلك الوقت لم يكن عليه شيء.
وقال عبد الملك في كتاب محمد: إن انكشف الخوف قبل أن يحل فله أن يحل؛ لأن العدو بلغ به ذلك (٤).
стр. 1351
يريد: إذا فاته الحج وهو على بعد من مكة، وإن كان قريبًا لم يحل إلا بعمرة، وكذلك إن كان إحرامه بعمرة فذهب الخوف وهو قريب من مكة لم يحل دون مكة.
وقال في المبسوط فيمن حل له الإحلال، فلم يفعل حتى أصاب النساء: فإن كان نوى أن يحل فلا شيء عليه، وإن نوى أن يقيم على إحرامه لقابل كان قد أفسد حجه إلى قابل، ثم عليه أن يقضي حجته تلك.
قال: ومن اعتمر في أشهر الحج، ثم أهلَّ بحجةٍ من مكة، ثم أحصره العدو بعرفة حتى فاته الحج- حل، ولم يستحدث طوافًا يحل له، وعليه هدي لمتعته كما لو تم حجه. وإن كان قارنًا فأحصر أو أفسد كان كمن لم يحصر (١) وهو في حج تام، فعليه هدي القِران وهدي الفساد في العام الثاني. وأصل ابن القاسم في هذا: أن يسقط عنه دم المتعة؛ لأنه قد صار عمله إلى فساد (٢) ولم تتم المتعة. واختلف عنه في دم القران عن العام الذي فات.
فصل [فيمن أحصر عن الحج]
لا يخلو المحصر عن الحج أن يكون بعيدًا من مكة، أو قريبًا، أو فيها، أو بعد أن خرج منها ولم يقف، أو بعد وقوفه بعرفة. فإن كان على بعدٍ حل مكانَهُ، وكذلك إن كان قريبًا وصُدَّ عن البيت، وإن صُدَّ عن عرفة خاصة دخل مكة، وحل بعمرة. وكذلك إن كان بمكة وكان إحرامه من الحل فإنه يحل بعمرة مكانَهُ، وليس عليه أن يخرج إلى الحل. وإن كان إحرامه من مكة وقدر أن يخرج
стр. 1352
إلى الحل فعل، ثم يدخل بعمرة. فإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ثم أصاب النساء لم يكن عليه شيء.
وقد قال مالك فيمن أحرم من الحرم، وطاف وسعى قبل الوقوف، ثم طاف طواف الإفاضة، ثم حل وأصاب النساء: فلا شيء عليه.
وإن خرج من مكة، ثم صُدَّ عن الوقوف خاصة حل بعمرة، وإن صُدَّ عن الوقوف وعن مكة حل مكانه.
وإن وقف بعرفة ثم صد عن مكة وكانت حجته معينة حل ولا قضاء عليه، وإن كانت مضمونة، أو كانت حجة الإسلام جرت على القولين، فعلى قوله في المدونة إذا أفسد قبل الإفاضة أنه (١) يأتي بعمرة؛ يكون لهذا أن يحل، ثم يأتي بعمرة بعد ذلك، وعلى ما ذكره ابن الجهم أنه لا يجزئه الحج يكون هذا بالخيار بين أن يحل ويأتي بعد ذلك بالحج، أو يتكلف المقام على إحرامه حتى يطوف ويجزئه، ولا يستأنف الحج بعد ذلك. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن كان العدو بمكة ولم يدخلها هذا ذهب فوقف بعرفة وشهد جميع المناسك. وإن (٢) زالت أيام منى والعدو بمكة فليحل ويمضي. يريد: ولا قضاء عليه؛ لأنه يقول في المحصر عن حجة الإسلام: لا شيء عليه.
стр. 1353
باب الأصل في حديث ابن عباس
الأصل في ذلك (١) حديث ابن عباس ﵄ قال: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خثعمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قًالَ: نَعَمْ. وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ". اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم (٢).
وقال ابن عباس ﵄: "أَتَى رَجُلٌ إِلَى (٣) رَسُولِ الله، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، فَقَاَلَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْضِ دَيْنَ اللهِ، فَهْوَ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ" (٤). وقال ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ" (٥). يريد: إن شاء، ليس أن يجبر.
وفي مسلم: "قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ
стр. 1354
رَمَضَانَ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي. قَالَتْ: إَنَّهَا لم تَحُجّ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا" (١). وقد تضمنت هذه الأحاديث النيابة في الحج والصلاة -وهي ركعتا الطواف- والصوم. وفي البخاري: "أَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلاَةً بِقُبَاءٍ، فَقَالَ: صَلِّي عَنْهَا" (٢).
ولم يختلف قول مالك في العتق والصدقة عن غيره، وهو يسقط الاعتراض، لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] لأنهما ليسا من سعي المعتق عنه ولا المتصدق عليه.
واختلف المذهب في حج الإنسان عن غيره وهو حي أو ميت بأمره أو بغير أمره، فأجاز مالك (٣) ذلك مرة اتباعًا للحديث، ومنع مرة لما كانت أعمال أبدان، ولم ير النيابة فيها، وقال: لا يحج أحد عن أحد (٤).
وقال في كتاب محمد في امرأة أوصت أن يحج عنها: إن حمل ذلك ثلثها، فإن لم يكن يحمل جعل في رقبة، فحمل ذلك ثلثها قال: يعتق عنها ولا يحج (٥). فلم يجز ذلك وإن كان بوصية من الميت، وقال ابن وهب وأبو مصعب: لا يحج أحد عن أحد إلا الابن عن أبيه. فخصّ الولد كان بوصية ذلك أم لا، كان الأب شيخًا كبيرًا أو غير ذلك. وقال ابن حبيب: جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا مَنْهَضَ له ولم يحج، وعمن مات ولم يحج أن يحج عنه ولده وإن
стр. 1355
لم يوصِّ به، ويجزئه إن شاء الله.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن حج عن الشيخ الكبير أجزأه (١)، وقيل لمالك: إن رجلًا أمرني وهو حي أن أحج عنه، فقال: افعل ما أمرك (٢)، وأرى ذلك سواء الموت والحياة، والابن والأجنبي، والشيخ والشاب، سواء كل ذلك جائز، وكلها أعمال أبدان، إلا أن يكون حيًا قادرًا على الحج فلا يصح أن يحج عنه، كما لا يجوز ذلك في الصلاة والصوم إذا كان قادرًا على الأداء.
فصل [فيمن حج عن غيره]
حج الإنسان عن غيره على أربعة أوجه: تطوعًا، وعلى الإجارة، وعلى البلاغ في الثمن تكون أجرته نفقته، وعلى البلاغ في الحج إن وفَّى بالحج أخذ العوض، وإلا فلا شيء له، وقد تقدم ذكر التطوع.
وتكره الإجارة في الجملة، قال مالك في كتاب محمد: الرجل (٣) لو آجر نفسه في سوق الإبل وحمل اللَّبِن لكان (٤) أحب إليَّ من أن يعمل عملًا لله بالإجارة (٥).
قال ابن القاسم: وإن آجر نفسه ثم أراد نقض الإجارة لما بلغه ألا يحج أحد عن أحد لم يكن له ذلك، وإن كانت الإجارة بنفقته جاز، وينبغي أن يبينها
стр. 1356
قبل العقد، فإن لم يفعل مضى، وينفق نفقة مثله. قال محمد: ينفق ما لا بد منه مثل الكعك والزيت والخل واللحم المرة بعد المرة والثياب والوطاء واللحاف، فإن رجع رَدَّ ما فضل. قال: وإنا لنكره ذلك (١). يريد: إلا بشيء معلوم.
والإجارة من بلد الموصي إن أوصى به منه ثم مات به. قال ابن القاسم: وَيُحْرِمُ من ميقات الميت وإن لم يشترط ذلك عليه (٢). وقال أشهب في كتاب محمد: يحج عنه من الموضع الذي أوصى. يريد: إن كان بغير بلده.
قال محمد بن عبد الحكم: إن كان من أهل مصر فمات بخراسان وأوصى بالحج حُجَّ عنه من خراسان. وهو أحسن، وإنما يحج من بلد الميت إذا مات به، إلا ألا يجد من يستأجر لتلك الوصية من موضع وصَّى به.
وفي السليمانية قال: لا ينبغي لمن أُجِّرَ لِحَجٍّ أن يركب من الدواب والجمال إلا ما كان الميت يركبه؛ لأنه كذلك أراد أن يوصي، ولا يقضي به دينه ويسأل الناس، وهذه خيانة، وإنما أراد الميت أن يحج عنه بماله، والعادة اليومَ (٣) خلاف ذلك، وأنه يصنع به ما أحب، ويحج ماشيًا وكيف تيسر.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن أوصى أن يُمشى عنه: لا يمشي عنه ويهدي عنه هديين، فإن لم يجد فواحد يجزئه، قيل: فإن وعده ابنه بذلك، قال: أحب له أن يفعل (٤)، وقال ابن القاسم: ينظر إلى ما يكري به والنفقة إلى مكة فيهدي عنه به هديًا (٥).
стр. 1357
فصل [فيمن استؤجر على حج فَصُدَّ عن البيت]
ومن استؤجر على حج عام بعينه فصده عدو أو مرض أو أخطأ العدد حتى فاته الحج كان له من الأجر (١) بقدر ما بلغ، وانفسخ الباقي عن الذي استأجره، ثم يرجع الأمر إلى حكمه في نفسه؛ فإن صده عدو حَلَّ مكانَهُ، وإن مرض قبل أن يحرم رجع، وإن كان قد أحرم أقام حتى يأتي مكة ويحل بعمرة ولا شيء له في تماديه، وكذلك إن فاته الحج لخطأ العدد فلا شيء له (٢) في تماديه؛ لأن العام الذي استؤجر عليه ذهب أو في معنى الذاهب، وإنما تماديه لحق الله تعالى فيما يحل به (٣) من الإحرام، ولو أقام على إحرامه لقابل لم يكن له شيء، وإن حل من إحرامه قضى قابلًا ولا شيء له، وإن كانت الإجارة على حجة مضمونة فصده عدو حل من إحرامه (٤)، ثم ينظر فإن كان لا يشق الصبر لقابل لم تفسخ إجارته، وإن كان يشق عليه كان الموصى لقابل (٥) بالخيار بين أن يصبر أو يفسخ.
وكذلك إن مرض وفاته الحج قبل أن يحرم؛ هو بالخيار إذا كان على بُعد، ولا خيار له إذا لم تدركه مشقة في الصبر. وإن كان أحرم وأقام على إحرامه لقابل وحج أجزأه واستحق جميع الأجرف وكذلك إن حل بمكة وأقام لقابل ووفى بالحج، وإن لم يقم حطَّ من الأجر بقدر الباقي من مكة إلى عرفة، وما
стр. 1358
بقي (١) من أعماله حتى ينقضي الحج. وقال ابن حبيب: يأخذ الأجرة كلها لأنه بلغ مكة وزاد على ما استؤجر عليه مقامه محرمًا. وهذا ضعيف؛ لأن مدة (٢) ما استؤجر له قد بقي، وهي أعمال يخرج لها ويتكلفها ويقيم الأيام لأجلها.
وإن استؤجر بنفقته على عام بعينه فصده عدو حل ورجع فله نفقة رجوعه، وإن تمادى وأقام بمكة حتى حج (٣) لم تكن له نفقة من الموضع الذي صُدَّ فيه حتى رجع إليه، وله النفقة من الموضع الذي صد فيه حتى رجع (٤)، وكذلك إن مرض قبل أن يحرم له النفقة ما أقام مريضًا، وفي رجعته ولا شيء له في تماديه إلى مكة، قال ابن القاسم: وإن كان قد أحرم تمادى وله نفقته في تماديه وفي رجعته على الذي دفع إليه المال ليحج به؛ لأنه لما أحرم لم يستطع الرجوع (٥).
فصل [فيمن مات وكان الحج على الإجارة]
وإن مات وكان الحج على الإجارة كان له بقدر ما سار واستُرجع منه الباقي، وإن كانت الإجارة بنفقته كان له ما أنفق واسترجع الفاضل، وإن كانت على البلاغ على أنه إن وفَّى بالحج وإلا فلا شيء له لم يكن له فيما سار من الطريق شيء، وكل هذا إذا كانت الإجارة على شيء عيَّنه.
وإن كانت الحجة مضمونة في الذمة استؤجر من ماله من يتم بقية الطريق ويحج.
стр. 1359
وإن سقطت نفقته والإجارة على دنانير معلومة كانت مصيبتها منه، وعليه أن يتمادى ويوفي بالحج، وكذلك إن كانت على البلاغ في الحج، وإن كانت الإجارة بنفقته ولم يحرم رجع وكانت له نفقة رجوعه، إلا أن تكون المراضاة أن نفقته من الثلث فيرجع في باقي الثلث، إلا أن يكون المدفوع جميع ثلث الميت وعليه راضوه فلا شيء عليهم.
وإن سقطت النفقة بعد ما أحرم كان عليه أن يتمادى، وكل شيء دخل عليه لم يتعمده من إغماء أو غيره في مال الميت إن كان على البلاغ فإن تعمد كان في ماله، وإن كان عمله على الإجارة كان في ماله العمد والخطأ، وإن وجب التراجع عن بعض الطريق فإن البعض بقدر كل موضع، فليس ما ينوب الطريق من إفريقية إلى مصر بمنزلة ما ينوب من مصر إلى مكة، وصعوبة الحجاز وغرره وقلة المياه وخوف الهلاك.
فصل [في مخالفة الأجير على الحج ما استؤجر عليه]
واختلف فيمن استؤجر على الحج فتمتع، فقال ابن القاسم: لا يجزئه ويحج من قابل (١). وقال في كتاب محمد فيمن أخذ مالًا ليحج عن ميت في بعض الآفاق، فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة، قال: أراه مجزئًا عنه إلا أن يشترطوا أن يحج من أفق الميت (٢) أو من المواقيت، فلا يجزئه ويرجع ثانية (٣). وقال محمد: إذا اعتمر عن نفسه ثم حج، فإن كان خروجه عن الميت
стр. 1360
جاز، وأما إن حج عن الميت من مكة فعليه البدل (١).
واختلف أيضًا إذا اشترطوا عليه ألا يتمتع فتمتع، فقال مالك: يجزئ عن الميت. وقال ابن القاسم: لا يجزئه. ثم رجع إلى قول مالك أنه يجزئه. واختلف إذا قرن؛ فقال ابن القاسم: لا يجزئه ويرد المال، وقال في كتاب محمد: يرجع ثانية ويجزئه (٢)، ولا تفسخ الإجارة. وقال ابن الجلاب عن ابن القاسم: إن استؤجر على أن يحج مفردًا لم يجزئه وعليه الإعادة (٣).
وقال ابن الماجشون: يجزئه وعليه الدم. وقال ابن عبد الحكم عن مالك مثله (٤). وقال ابن حبيب: إن تمتع أو قرن أو جعل ذلك كله عن الميت أجزأه، وإن جعل العمرة عن نفسه والحج عن الميت لم يجزئه، وغرم المال (٥).
وأرى إن تمتع أن يجزئ؛ لأن الهدي ليس بوصم في الحج، وإنما هو لإتيانه بعمرة حينئذٍ. وقال أشهب في مدونته في رجل حج عن رجل واعتمر عن آخر وقد أمراه بذلك: إن دم القران على المعتمر، وقد أوجب الله سبحانه حجه.
ولا خلاف فيمن قدم قبلها عمرة أنها تجزئه، وأما إن قرن فلا أرى أن يجزئ؛ لأنه أشرك في الطواف والسعي، وإنما أتى ببعض ما استؤجر عليه، ثم ينظر فإن كانت الإجارة على ذلك العام رد المال، وإن كانت مضمونة وأتى مستفتيًا أو كان أظهر ذلك لأنه ظن أن ذلك جائز، لم تفسخ الإجارة وحج من قابل، فإن كتم ذلك ثم ظهر عليه فسخت الإجارة؛ لأنه لا يؤمن أن ينوي في
стр. 1361
مثل ذلك في العام الآخر.
فصل [فيمن حج مستأجرًا وبقي معه فضلة مال]
وقال ابن القاسم فيمن قال: حُجوا عني بهذه الأربعين دينارًا، فأعطيت لمن حجّ عنه على البلاغ وفضلت عشرون (١) كانت ميراثًا (٢)، وكذلك إن قال: أعطوا فلانًا أربعين دينارًا يحج بها عني فاستؤجر بثلاثين؛ كان الفاضل ميراثًا، قال: لأن مالكًا قال فيمن أوصى أن يشترى عبد فلان بمائة دينار، فاشتروه بثمانين: كان (٣) الفاضل ميراثا. وقال محمد: إن سمى من يحج عنه أعطي ذلك كله إلا أن يرضى بدون ذلك بعد علمه بالوصية (٤).
وأرى إن لم يعين من يحج عنه أن يكون الباقي ميراثًا، إلا أن يرى أنه مما يحج عنه به حجتين أو أكثر، فيصرف الباقي في حج، إلا أن يكون قصد الميت أن ينفق المستأجر ذلك المال في حجه.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أوصى أن يحج عنه بمائة دينار فاستؤجر من حج بخمسين: فإن كان أوصى لرجل بعينه أخذ الخمسين الباقية، وإن لم يكن بعينه (٥) فليحج بالخمسين الأخرى (٦)، قال: وإن أوصى أن يحج عنه بثلثه
стр. 1362
وهو صرورة دفع جميعه في حجة واحدة، فإن لم يكن صرورة فاستحسن أن يدفع في حجة، قال (١): وإن حج به حججًا فلا بأس (٢). وقال ابن القاسم: إن كان الثلث كثيرًا أعطي لرجال في حجج (٣). وهذا إذا لم يعين من يحج بثلثه، فإن عين أُعطِي جميع الثلث، وحج عنه (٤) حجة واحدة. وهذا مفهوم قول ابن القاسم في الثاني من الوصايا (٥).
وإن لم يبلغ ما سمى من المال ما يحج به من بلد الميت استؤجر من القرب (٦) من، هذا إذا لم يسمِّ الموضع الذي يُحج عنه منه. واختلف إذا سماه، فقال ابن القاسم: يرجع المال (٧) ميراثًا. وفرَّق بين من سمى ومن لم يسمِّ (٨)، وقال أشهب:
стр. 1363
يستأجر من أقرب منه (١). وقال محمد: إن كان صرورة. وقول أشهب أحسن (٢)، وإن لم يكن صرورة كان ميراثًا إذا عرفت عزيمة الميت أنه أراد من ذلك الموضع. وقول أشهب أحسن، وليس محل قوله: إن لم يحمل أن يسقط الحج كره، وعمرة الوصية الحج بالحج، وذكر الموضع الذي يحرم منه في معنى المبالغة، وما يستحسنه.
стр. 1364
باب تبدية الحج على التزوج (١)
وقال مالك فيمن كان عزبًا صرورة، وله مال كفاف- الحجِّ أو التزويج: أنه يبدأ بالحج (٢). ولم يبين: هل ذلك واجب، أو مستحب.
فعلى قوله: إن الحج على الفور (٣) يكون واجبًا. وعلى القول أن له التراخي يكون مستحبًا؛ لأن الوقت موسع. ولا أعلمهم يختلفون بعد القول أنه على الفور أنه إن قدم التزويج أنه ماضٍ، ولا يرد المال من الزوجة. وفي السليمانية: إن خشي العنت بدأ بالتزويج.
ولو كانت له زوجة وله من المال كفاف حجه، فإن خلف منه نفقتها لم يبلغه الباقي، وإن لم يخلف منه النفقة قامت بالطلاق- فإنه يحج. وعلى القول الآخر: يمهل حتى يجد. وقد قيل فيمن له أولاد: يخرج ويزكهم وإن تكففوا.
يريد: ما لم يخش عليهم الموت. وأرى أن يقيم معهم، وفي خروجه عنهم إذا ضاعوا حرج، والحرج ساقط.
стр. 1365
باب في حج المرأة بغير ولي (١)
وقال مالك في المرأة تريد الحج لا ولي لها، أو لها ولي وأبى أن يخرج معها: لا بأس أن تخرج مع جماعة رجال ونساء لا بأس بحالهم (٢). وقال أيضًا: تخرج مع من يوثق به من الرجال والنساء (٣).
وقال محمد بن عبد الحكم: لا تخرج مع رجال ليسوا منها بمحرم.
وقال ابن حبيب بقول مالك إن كانت صرورة، ولا تخرج لغير الفريضة إلا مع ذي محرم من الرجال.
وقول ابن عبد الحكم أحسن وأحوط؛ لقول النبي ﷺ : "لاَ تُسَافِرُ المَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" (٤). فعم جميع الأسفار؛ ولأن الفساد لا يتعذر في الليل، وإن كانت مع جماعة إذا لم يكن ولي يطِّلع عليها ويحفظها، وهذا إذا لم تنضف إلى أحد من الجماعة، فإن انضافت إليهم كان
стр. 1366
ذلك أمكن، ومخالف لقول النبي ﷺ : "باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء" (١). وهذا في الشابة، وأما المتجالة فلا تمنع السفر كيف شاءت في الفريضة والتطوع.
تم كتاب الحج الثاني، والحمد لله (٢)
стр. 1367
كتاب الحج الثالث
النسخ المقابل عليها
١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤)
٢ - (ق ٥) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨/ ٣)
стр. 1368
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أول الحج الثالث (١)
باب في حكم من فاته الحج أو أفسده
ولمن أحرم بالحج ففاته أن يحل بعمرة، فإن كان بمكة أو قريبًا منها- استحب له أن يحل؛ لأنه لا يأمن أن يدخل عليه فساد من حاجته إلى النساء، أو يصيب صيدًا؛ فكان إحلاله أولى وأسلم له. وإن كان على بعد كان بالخيار بين أن يمضي فيحل، أو يبقى على إحرامه لقابل؛ لأن عليه مشقة في كلا الأمرين: في بقائه على إحرامه، وفي مضيه؛ فيحل فيقيم عند أهله لقابل، أو يعود فيتكلف الخروج للقضاء. فلم يؤمر أن يقدم أحدهما على الآخر.
وقاله أشهب في كتاب محمد، في عبد أحرم بالحج بإذن سيده، ففاته، قال: فليس لسيده أن يمنعه أن يحل بعمرة إن كان قريبًا، وإن كان بعيدًا كان له أن يبقيه فيه على إحرامه لقابل، أو يأذن له فيحل بعمرة (٢). وقال محمد فيمن أحرم بحج فأفسده، وفاته: إنه ينحل بعمرة، ولا يقيم على إحرامه لقابل (٣).
يريد: لأنه إن أقام لقابل على إحرامه ثم حج لم يجزه عن الفائت؛ لأنه
стр. 1369
فاسد. فأمره بالإحلال ليأتي قابلًا بحجة تجزئه، ولاسيما على القول أن الحج على الفور. وإن استأنف إهلالًا بالحج لم ينعقد، وكان على حجه الفاسد؛ لأن إحرامه الأول لم ينحل.
ومن فاته الحج فنوى أن ينحل بعمرة، ثم بدا له أن يقيم لقابل؛ كان ذلك له (١). قال محمد: ولكن إن أحب أن يقيم على إحرامه لقابل، ثم بدا له إن عجل بعمرة (٢)؛ كان ذلك له.
وقال ابن القاسم فيمن فاته الحج فطاف وسعى، وقال هذا لحج قابل: أخاف ألا يكون ذلك مجزئًا عنه. وهذا مراعاة لاختلاف الناس فيمن طاف وسعى قبل أشهر الحج: أنه لا يجزئه. وقد قال مالك في الكتاب الأول، فيمن قرن فطاف وسعى قبل أشهر الحج: أنه يجزئه (٣). والإعادة بعد ذلك أحوط. وقد قيل: معنى قول ابن القاسم ألا يجزئه؛ لما كان له أن ينحل عقبه بعمرة. وهذا غير صحيح؛ لأنه لا خلاف أنه باق على إحرامه للحج، ولم ينحل بذلك الطواف، والإحلال له جائز ما لم تدخل أشهر الحج؛ فيؤمر حينئذ ألا ينحل. واختلف إذا فعل، فقال مرة: إحلاله باطل. وقال مرة: يصح إحلاله، ولا يكون متمتعًا. وقال أيضًا: يكون متمتعًا. فلم ير إحلاله في القول الأول يصح لما صار إلى وقت ينوب فيه الإنسان إلى أن ينشئ الحج. وقوله: أنه يصح إحلاله إن أراد أن يحل في أوائل أشهر الحج؛ لأنه قد تكلف مشقة في الصبر إلى الآن، وفي بقائه على ذلك شهرين آخرين إذا أضيف إلى الأول مشقة. فكان له
стр. 1370
أن يحل وينتفع بأهله ما بينه وبين آخر الوقت. ولا يكون متمتعًا فيلزمه هديين: هدي التمتع بالإحلال، وهدي التمتع بالعمرة؛ لأنه لم يبتدئ عمرة، وإنما أتى بها لمكان الإحلال، فكان عليه هدي التمتع بالإحلال وحده. فإن لم يحل حتى أتى بالحج لقابل لم يكن عليه هدي؛ لأن الهدي لم يكن لمكان الفوات، وإنما كان لأجل الانتفاع بالإحلال. وإن أصاب أهله بعد أن فاته الحج، وقتل صيدًا أو تطيب- كان قد أفسد الحج. وإن كان له أن ينحل بعمرة؛ فلا يكون مفسدًا لعمرة؛ لأنه كان له أن يبقى على إحرامه لقابل، إلا أن إفساده الحج لا ينقله عن حكم الفوات، وأن له أن ينحل بعمرة، ويقضي الفائت حسبما كان له (١) لو لم يفسد.
فصل [فيمن وطئ أهله في حج أو عمرة]
وقال مالك فيمن جامع امرأته في الحج: يفترقان قابلًا من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يحلا (٢). قال أبو الحسن ابن القصار: ولم يبين هل ذلك واجب، أو مستحب. قال: وعنه أنه يستحب.
قال الشيخ ﵁: ذلك مستحب لمن فعله جهلًا بالتحريم، وواجب إذا كان عالمًا بتحريمه، فيجبر على الافتراق، وسواء كان معه الآن تلك الزوجة، أو غيرها أو سُرِّيَّةً؛ لأنه لا يؤمن أن يأتي مع من هو معه مثل ذلك.
قال مالك: ومن أفسد عمرة أو حجًا؛ أحرم من حيث كان أحرم بهما، إلا أن