وإن اختلف السن (١) والجودة والمنفعة، جاز أن يسلم واحدًا في واحد إذا كان أحدهما أسن (٢) والآخر أجود وأحسن منفعة، وإن رجح أحدهما بشيء واحد وتساويا فيما سوى ذلك لم يجز السلم إلا أن يختلف العدد، ويكون كثرة العدد في جنبة أصغرهما أو أدناهما.
وأما الكبار بالصغار فإن الإبل والبقر والبغال والحمير في ذلك سواء، يجوز أن يسلم كبير في صغيرين أو أكثر، وصغيران في كبير، فيكون كبير السن في مقابلة كثرة العدد (٣).
ولا يجوز أن يسلم صغير واحد (٤) في كبير، ولا كبير في صغير، وهو من باب سلف بزيادة (٥) أو ضمان بجعل إلا أن يكون الصغير أحسن نجارًا، أو أعتق أصلًا فيجوز (٦)؛ لأنه ترك جودة الصغير لسن الكبير.
وقد قال ابن القاسم في كتاب محمد: لا بأس أن تسلم الخيل كبارها في صغارها ما لم يكن على وجه سلف جرَّ منفعة، وأما إذا كان على وجه البيع فلا بأس به، قال: مثل أن يسلم الصغيران في الكبير، والكبير في الصغيرين، وإذا كان صغيرًا واحدًا فلا خير أن يسلم في كبير ولا في كبيرين؛ لأنه من وجه الزيادة في السلف (٧).
стр. 2942
وهذا من قوله يبين ما تقدم من هذا الأصل أن المبايعة ما كان فيه معاوضة من الجنسين، وأجاز في موضع آخر أن يسلم حوليًا في قارحين (١). وعند ابن حبيب نحوه.
ومحمل ذلك على أن الصغير أفضل في الأصل، والآخر من حاشي ذلك الجنس.
فصل [في سلم البقر]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن تسلم البقرة الفارهة القوية على الحرث في حواشي البقر (٢).
ومثله: لو كانت كثيرة اللبن وذلك المقصود منها، فلا بأس أن تسلم في عدد لا يراد ذلك منها، ولا تسلم واحدة في واحدة إذا كانت إحداهما فارهة أو مما تراد للبن في واحدة من حواشي البقر، ولا بأس أن تسلم واحدة فارهة تراد للحرث في ذات لبن.
فصل [في سلم الغنم]
قال مالك: والغنم ضأنها ومعزها صغارها وكبارها صنف، وكذلك عنده ذكورها وإناثها صنف، فلا يسلم بعضها في بعض إلا أن تكون غنم غزيرة كثيرة اللبن موصوفة بالكرم، فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم (٣).
وقد اختلف في هذه الثلاثة وجوه: في سلم الصغار في الكبار، وفي الذكور
стр. 2943
في الإناث، والضأن والمعز.
فأجاز مالك في كتاب محمد أن تسلم ضائنة في معزتين صغيرتين (١).
وأجاز ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر أن يسلم كبش في خروفين، وهذا هو الصواب، أن يجوز على مثل ما قالاه أن تكون الصغار أكثر عددًا، فهي مبايعة حقيقة.
وأجاز ابن القاسم أن تسلم الدجاجة البيوض أو ما فيها بيض في ديكين (٢)، وعلى هذا يجوز أن تسلم نعجة في كبشين، وهو الصواب؛ لأن المعلوم من أهل كسب الغنم أنهم يرغبون في كسب الإناث للنسل واللبن، ولا يرغبون في الذكور، ولا يمسكون منها إلا ما يحتاجونه للغنم.
ولا تسلم نعجة في كبش واحد؛ لأن النعجة للكسب أفضل إلا أن يكون للكبش (٣) فضل على النعجة من وجه آخر، فيكون مبايعة، ويكون ذلك في مقابلة ما يراد من الأخرى من النسل والولد.
وأجاز عبد العزيز بن أبي سلمة الضأن في المعز ورآهما صنفين، وعلى هذا الناس اليوم فيرغب في الضأن قوم ويجتنبون كسب المعز، ويرغب آخرون في المعز دون الضأن؛ لأنها أكثر ولدًا وأغزر لبنًا.
стр. 2944
فصل [في سلم الجِذْع]
ولا يجوز أن يسلف جذع في مثله (١)، وسواء كان الأصل فيهما واحدًا أو مختلفًا إذا كان المبتغى والذي يُعْمَل منهما واحدًا.
ولا يسلف نصف جذع في جذع (٢)، ولا بأس أن يُسلَّم جذع في مثله إذا كان الأصل فيهما مختلفًا، والذي يعمل منهما مختلف.
وإن كان الأصل واحدًا والذي يصنع (٣) منهما مختلف، مثل أن يكون أحدهما يصلح أن يعمل في سقف أو حائط والأخرى عريضة تعمل بابًا، وما أشبه ذلك، جاز أن يسلم إحداهما في الأخرى.
قال مالك: ولا بأس أن يسلم جذع في جذوع صغار (٤).
стр. 2945
باب السلم في العبيد والإماء
العبيد عند مالك صنف واحد وإن اختلفت قبائلهم وأجناسهم، البربري والنوبي والصقلبي وغيرهم لا يجوز أن يسلم أحدهم في الآخر (١)؛ لأن المراد من جميعهم معنى واحد، وهو الخدمة، وتنقلهم الصنائع فتصيرهم أصنافًا، فيسلم أحدهما في الآخر إذا كانا تاجرين مختلفي التجارة، بزازًا وعطارًا، أو صانعين مختلفي الصنعة، نجارًا وخياطًا، ويسلم التاجر في الصانع ولا يسلم تاجر ولا صانع فيما يراد منه الخدمة ولا تجارة له ولا صناعة، وهو كإسلام الجيد في الدنيء إلا أن يتبين بفراهة أو جمال فتدخله المبايعة، ويجوز أن يسلم التاجر والصانع في عدد يراد منهم الخدمة.
واختلف في الحساب والكتابة هل يكون بها كالصنعة؟
وأرى إن كان يراد ليجلس لذلك، ومنه يعول على سيده أن يكون كالصنعة، وإن كان يراد للخدمة وإنما ذلك زيادة إن احتيج إليه استعمل فيه لم يكن كالصنعة.
والإماء صنف واحد لا يسلم بعضهن في بعض ما لم تكن ذات صنعة، تسلم الواحدة في الاثنتين وأكثر، مما لا صنعة عندها.
قال مالك في كتاب محمد: والطبخ والخبز صنعة، وقال ابن القاسم: والرقم صنعة (٢)، يريد إذا كان ذلك المقصود منها، قال: وليس الغزل وعمل
стр. 2946
الطيب صنعة، والنساء أجمع يغزلن (١).
يريد: ما لم تبن بذلك ويكون ذلك المقصود منها ولمثله تراد.
واختلف في موضعين:
أحدهما: هل يكون الجمال ومَنْ تُرَادُ للفراش صنفًا تَبِينُ بذلك عن غيرها؟
والثاني: هل الذُّكرانُ مع الإناث صنفٌ واحدٌ أو صنفان؟
وقد ذهب ابن القاسم إلى أنهن صنف واحد، ومنع أن يسلم العلي في الوخش (٢).
وأجاز ذلك مالك وابن وهب وأصبغ (٣).
فقال مالك في كتاب محمد: لا بأس بالجارية الرائعة بالجاريتين دونها (٤)، قال: وكل ما اختلف من هذا فالنسيئة فيه تحل. وقاله ابن وهب (٥).
وقال أصبغ: لا بأس أن تسلم جارية جميلة فصيحة في جاريتين إلى أجل (٦)، وظاهر قول مالك أنه أجاز رائعة في رائعتين دونها (٧)، وهذا هو الأصل كما يجوز سابق في عدد دونه، وحَمَّال في عدد دونه في الحمل، وأن أعلى الجنس الواحد وحواشيه صنفان.
стр. 2947
وقال ابن حبيب: الذكران والإناث صنف واحد (١).
وعلى قول مالك في العتق الأول يكونان صنفين؛ لأنه قال فيمن قال: كل عبد أملكه، وكل جارية أشتريها فهي حرة: ألَّا شيء عليه (٢)؛ لأنه عم الجواري والغلمان فلم يلزمه اليمين (٣) إذا عم العبيد، وإن كان قد أبقى خدمة الإناث أو عم الإناث، وأبقى خدمة الذكران، ولو كانا عنده صنفًا واحدًا، لألزمه الحنث إذا أبقى أحد الصنفين.
وقال ابن الماجشون: يلزمه اليمين إذا حلف على أحدهما وأبقى الآخر، ورأى أنهما شيء واحد.
وقول مالك في ذلك أحسن؛ لأن الخدمة مختلفة، فخدمة الذكران بالتصرف فيما يكون من الخدمة خارج البيت والأسفار والحرث وما أشبه ذلك، وخدمة الإماء ما يتعلق بالبيت من خبز وغسل وطبخ وما أشبه ذلك (٤)، وذلك معلوم عند الناس، ولا يشتري أمة من احتاج إلى خدمة عبد، ولا عبدًا من احتاج إلى خدمة أمة.
وأما الكبار والصغار فينبغي أن يكونا صنفين، فيسلم كبير في صغيرين، وصغيران في كبير، ولا يسلم كبير في صغير ولا صغير في كبير إلا أن يكون الكبير من الوخش، ولا يراد إلا للخدمة، والصغير له جمال، وممن يرى أنه إن كِبِر يراد (٥) للتجارة أو للصنعة فتدخله المبايعة.
стр. 2948
وقال ابن القاسم في العتبية: لا يسلم صغير في المهد في كبير (١)؛ لأنه عنده من باب سلف بزيادة، ولو كان الصغير فوق هذا السن فيما يبين أن القصد المبايعة لجاز.
ومنع ابن حبيب أن يسلم الصغار في الكبار (٢). يريد: إذا تساوى العدد، أو كان الكبار أكثر عددًا، وأما إن كان الصغار أكثر عددًا، جاز.
стр. 2949
باب في السلم في الثمار
السلم في الثمار على ثلاثة أوجه:
في ثمر قرية مأمونة، أو غير مأمونة، أو حائط بعينه.
فإن كانت قرية مأمونة، جاز أن يسلم في ثمارها قبل أن تزهي، ليأخذ ذلك من ثمار عامه أو بعد عامين أو ثلاثة، ويأخذ ذلك زهْوًا أو رطبًا أو تمرًا.
وإن كانت قرية غير مأمونة، أو كان حائطًا بعينه، لم يسلم فيها إلا بعد أن تزهي، ليأخذ ذلك زهْوًا أو رطبًا، ولا يسلم في تمرها، وإن كانت ثمارها قد أرطبت أسلم في رطبها، ولا يسلم في تمرها، والقرية الصغيرة والحائط بعينه في هذا سواء (١).
ويفترقان في رأس المال، فإنه يجب تعجيله إذا كان السلم في ثمار تلك القرية؛ لأنه مضمون في الذمة، ويجوز أن يسلم لمن ليس له فيها (٢) ملك، وإن كان حائطًا بعينه جاز تأخير رأس المال، ولا يجوز أن يسلم إلا لمن يملك تلك الثمار.
ويفترقان أيضًا في أنه لا يسلم في القرية إلا فيما الغالب أنه يقدر على شرائه من سوق تلك القرية، أو من أصحابها إن لم يكن عندهم سوق، فإن لم يكن شأنهم البيع أو الذي يباع عندهم قليل، ولا يقدر هذا في الغالب على شراء القدر المسلم إليه فيه مع جملة المشترين، لم يجز.
стр. 2950
والسلم في الحائط المعين يجوز بشروط، وهي: أن يكون السلم بعد أن أزهى، ويشترط أخذه زهوًا أو رطبًا بحسب ما تقدم. ويبين أخذ ذلك هل هو في يوم أو في أيام (١)؟
فإذا كانت أيامًا فليسلم عددها (٢)، وهل هي متوالية أو متفرقة؟ ومبتدأها ومنتهاها، وإذا كانت متوالية أجزأ (٣) ذكر مبتدئها عن ذكر آخرها.
ويذكر ما يأخذه كل يوم، ويكون ذلك الذي شرط أخذه لا يتعذر قبضه في كل يوم من تلك الأيام، ويبقى زهو ذلك الحائط أو رطبه إلى آخر تلك الأيام، ولا ينقطع قبل ذلك، فإن شك هل يقدر على توفية ذلك القدر (٤) في كل يوم من تلك الأيام، أو هل يبقى الزهو أو الرطب إلى آخر تلك الأيام المسماة، لم يجز، ويجوز العقد بغير نقد (٥).
ومعنى السلم في هذا: أن تقدم رأس المال، فهو إسلام لرأس المال، وإذا لم يقدم رأس المال، لم يُسَمَّ سلَمًا.
والسلم يطلق على ما قدم فيه رأس المال، سواء كان السلم في معين، أو فيما هو مضمون في الذمة.
واختلف إذا أسلم تمر حائط وهو زهو أو قد أرطب ويأخذ ذلك تمرًا،
стр. 2951
فقال مالك (١) في المدونة: ليس بالحرام البين وأكره أن يعمل به فإن عمل به وفات لم يرده (٢)، وقوله هذا محتمل، هل يفوت بالعقد أو بالقبض؟
وقال في كتاب محمد: لا يفسخ إن وقع (٣).
وقال مالك (٤) في كتاب ابن حبيب: يفسخ ما لم يقبض (٥).
والأول أحسن، والقياس أن ذلك يجوز ابتداءً لوجهين:
أحدهما: حديث أنس وجابر ﵄ قالا: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" (٦).
وهذا نص على جواز البيع فيها بعد بدو الصلاح الجزاف والمكيل؛ لأنه لم يفرق؛ لأن محمل النهي عن البيع قبل بدو الصلاح على البقاء؛ لأن بيعها قبل ذلك على الجداد جائز.
ولو حُمل الحديث على الجزاف لقيس المكيل عليه؛ لأن النبي ﷺ أبان أن النهي عن البيع قبل بدو الصلاح على البقاء لمكان الغرر خوف الجوائح، فبان بهذا أن البيع بعد ذلك لا غرر فيه.
стр. 2952
فإذا لم يكن فيه غرر، جاز على الجزاف والمكيل، وذلك أن الضمان في الجزاف من البائع حتى يقبضه المشتري، والمكيل كذلك، ولا يعترض هذا بالجائحة في الجزاف إذا كانت أقل من الثلث؛ لأنه في معنى ما لم يقع عليه بيع.
وقد قال أبو محمد عبد الوهاب: إنما لم يرجع بما دون الثلث؛ لأن الغالب من الثمار السقوط، وإذا كان كذلك، فالمعتبر ما وقع عليه البيع بغير خلاف، وهو أن يصاب جملتها أو الثلث فصاعدًا (١).
وقال ابن القاسم: إذا أسلم في حائط بعينه ليأخذ ذلك زهوًا أو رطبًا في يوم بعينه، ثم رضي صاحب الحائط أن يقدم ذلك قبل الأجل، فلا بأس به إذا رضي الذي له السلف، وكان صفته بعينها (٢).
فأجاز أن يأخذ ما طاب الآن عما يطيب بعد، وهو طعام بطعام ليس يدًا بيد، فإن كان القصد من صاحب الحائط المعروف بالتعجيل، جاز، وإن كان القصد المبايعة، ليتصرف في ثمار حائطه، فإن أجيحت الثمار بعد ذلك، لم يرجع بشيء، جاز، وإن كان ليرجع بمثل ما دفع، لم يجز، إلا أن يكون ذلك على وجه السلف، فيجوز.
ومنع ابن القاسم في كتاب الحبس إذا وهب عشرة أقساط من دهن جُلجلانه، ثم أراد أن يعطي عشرة أقساط من غيره (٣)، وقد مضى بيانها في كتاب الحبس.
стр. 2953
فصل [في بيع الثمار قبل بدو صلاحها على الجداد]
بيع الثمار قبل بدو صلاحها على الجداد جائز وذلك بثلاثة شروط:
إذا كانت حينئذٍ مما ينتفع بها وكانت هناك حاجة إلى بيعها، ولم يتمالأ على مثل ذلك أهل ذلك الموضع أو الكثير منهم.
فإن لم يكن فيها حينئذٍ منفعة أو كانت ولا حاجة إلى جدادها، أو تمالأ عليه أكثر أهل ذلك الموضع لم يجز؛ لأن ذلك من الفساد.
وقد منع مالك من بيع القصيل، والقضب على الجداد إذا لم يبلغ أن يرعى، ورآه من الفساد (١).
وقد يمر بالبلح وقت لا ينتفع به لأكل ولا لعلف، فقطعه حينئذ من الفساد، وكذلك إذا صار بلحًا يؤكل، وهو مما يصير تمرًا، ولم يكن هناك حاجة إلى قطعه، فهو من الفساد، والله تعالى لا يحب الفساد، وفعل العدد الكثير أو الجميع أشد فيما يؤدي إلى الضرر بالناس.
فصل [في بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط البقاء]
وبيعها قبل الصلاح على البقاء (٢) على ثلاثة أوجه: يمنع في وجهين، ويجوز في وجه، فيمنع إذا شرطا أن المصيبة من المشتري، وسواء كان البيع
стр. 2954
بالنقد أم لا، ويمنع إذا شرطا أن المصيبة من البائع، وكان البيع بالنقد؛ لأنه تارة سلف، وتارة بيع.
ويجوز إذا كانت المصيبة من البائع، والبيع بغير نقد.
والأصل في الأول حديث أنس ﵁ قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ" (١)، وقال النبي ﷺ : "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَمرة، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " (٢) يريد: إذا بيعت على أن المصيبة على المشتري، فأحب البائع أن يأخذ الثمن بعد أن أجيحت.
وهذا الحديث أصلٌ في كل مبيع لا يتوصل إلى قبضه إلا إلى وقت لا يدرى هل يسلم المبيع إلى ذلك الوقت أم لا؟ لأن البيع على أن المصيبة من المشتري فاسدٌ، ولا يمنع إذا كان بغير نقدٍ، وكانت المصيبة من البائع، لحديث زيد بن ثابت قال: كان الناس في عهد النبي ﷺ يتبايعون الثمار، فإذا جدّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: أصاب الثمر الدمان (٣)، أصابه مراض، أصابه قُشام -عاهات يحتجون بها- فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: "فَإِمَّا لاَ، فَلاَ يَتبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُ الثَّمَرِ" كَالمَشُورَةِ
стр. 2955
يُشِيرُ بِهَا عَلَيْهِمْ لمَّا كَثُرَتِ الخُصُومَةُ، ذكر هذا الحديث البخاري (١).
وقد تضمن هذا الحديث ثلاث فوائد:
جواز البيع على البقاء بغير نقد إذا كانت المصيبة من البائع، بقول زيد: فإذا جدّ الناس وحضر تقاضيهم.
فيه دليل أن البيع كان بغير نقد، وأن امتناعهم من النقد عند الجوائح؛ لأنهم كانوا يدخلون على أن المصيبة من البائع ولولا ذلك لم يكن لاحتجاجهم بالجوائح (٢) وجه.
وأن البيع كان قبل بدو الصلاح، لقوله ﷺ : "لاَ تَتبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" (٣). وقال زيد: كان ذلك كالمشورة عليهم.
فصل [في بيع الثمار قبل بدو صلاحها بدون اشتراط التبقية ولا القطع]
واختلف أيضًا إذا أطلق البيع ولم يشترط جدادًا ولا بقاءً، هل يحمل البيع على الجداد، ويكون جائزًا، أو على البقاء فيكون فاسدًا؟ فقال ابن القاسم في كتاب البيوع الفاسدة إذا اشترى ثمرة فجدَّها قبل بدو صلاحها: إن البيع جائز، إذا لم يشترط أنه يتركها حتى يبدو صلاحها (٤).
стр. 2956
وقال أبو محمد عبد الوهاب (١): البيع فاسد، واحتج بنهيه ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها (٢).
والقول الأول أحسن عند عدم العادة؛ لأن محمول البياعات على التقابض في الثمن والمثمون، ولا يعترض هذا بالعادة أنها تجد بعد الصلاح؛ لأن تلك العادة إذا لم يقع البيع، وإذا كان البيع حملوا على أصل البياعات، وأما نهيه ﷺ فقد كان عن عادة جرت بينهم أن البيع على البقاء.
فصل [في بيع الثمار بعد بدو الصلاح بدون اشتراط التبقية ولا القطع]
واختلف أيضًا في إطلاق البيع بعد بدو الصلاح.
فالمعروف من المذهب أنه على البقاء حتى ييبس (٣)، وجعله ابن حبيب على الجداد، فقال: ومن اشترى ثمرة بعد طيبها لم يكن له أن يقرها حتى تيبس إن لم يكن اشترط ذلك على البائع، وذلك لمكان السقي؛ لأن سقيها على البائع، وإن اشزى ذلك مبهمًا فهو على تعجيل جناها حتى يشترط تأخيرها (٤). انتهى قوله.
وهذا هو الأصل في البياعات أنها على التعجيل في الثمن والمثمون، إلا أن
стр. 2957
يشترط التأخير أو تكون تلك العادة.
وإذا اشترطا التأخر حتى ييبس، أو كانت تلك العادة، وكان العقد فيها على الكيل لبُعد اليُبس، لم يلزم المشتري دفع الثمن حتى يقبض الثمرة.
فصل [في اشتراط بدو الصلاح في الثمار ومعناه وكيفيته]
بيع الثمار والزروع والزيتون والتين والعنب والفواكه والبقول وما أشبه ذلك لا يجوز إلا بعد بدو صلاحها (١).
والصلاح في النخل: أن تزهي، ويصفر ما شأنه أن يصفر، ويحمر ما شأنه أن يحمر (٢)، وهو وقت الانتفاع به، وبدو الصلاح للزرع عند مالك أن يبيض (٣).
وقال ابن شهاب في كتاب محمد: كان العلماء يقولون: بدو صلاح الزرع إذا أفرك (٤) والأول أحسن، لحديث ابن عمر قال: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ مِنَ العَاهَة". أخرجه مسلم (٥).
стр. 2958
واختلف إذا وقع البيع بعد أن أفرك، واشترط المشتري أخذه يابسًا، فقال مالك: إذا أخذ ذلك وفات، فلا يرد (١).
وقال في كتاب ابن حبيب: يفسخ ما لم يقبض، فإذا قبض، لم يفسخ (٢).
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا فات باليبس، لم يفسخ للاختلاف فيه (٣).
وقال ابن عبد الحكم: يفسخ وإن يبس (٤).
وكل هذا الاختلاف، فإنه سواء اشترى جزافًا أو على الكيل.
وكذلك الفول والحمص يباع وهو أخضر وقد امتلأ حبه، فقال ابن القاسم: إن عثر عليه قبل أن ييبس فسخ، وإن يبس لم يفسخ للاختلاف فيه (٥).
وقال ابن عبد الحكم: يفسخ وإن يبس (٦).
قال الشيخ ﵁: إذا كان الزرع والفول وما أشبه ذلك يشرب بالعيون، أو بالدالية فأرى أن يمضي وعقده حينئذ جائز؛ لأنه مأمون، وإن كان يشرب بالسماء، وعدم الماء يضره، ويكون ناقصًا لم يعقد فيه حينئذ بيع، ويفسخ ما لم يفت.
وقال محمد في الزيتون: يباع إذا اسودَّ أو نحا ناحية الاسوداد (٧).
стр. 2959
وقال في التين: لا يباع حتى يطيب أوله، فيؤكل منه. وكذلك الفواكه كلها لا تباع حتى يطيب أوائلها ويؤكل منها (١).
وإذا كان في الدالية الحبات في العنقود والعنقودين فلا بأس ببيعه إذا كان طيب ذلك متتابعًا (٢). قال مالك: والتين كذلك (٣).
وكذلك الحائط يزهي بعضه، قال: فإذا لم يزه الحائط نفسه وأزهى ما حوله، جاز بيعه، قال ابن القاسم: وأحبُّ إليّ حتى يزهي الحائط بعينه (٤)؛ للحديث، وإذا كان الذي أزهى باكورًا لم يبع إلا ذلك الباكور وحده، وكذلك التين والعنب الصيفي والشتوي إذا بدا صلاح الصيفي بيع وحده دون الشتوي (٥).
وإذا كان في الحائط أصناف ثمار نخل ورمان وخوخ وما أشبه ذلك لم يبع منه إلا ما طاب وحده (٦).
قال مالك: وإن كان الصنف الذي لم يطب الثلث فأدنى، لم يبع إلا ما طاب من ذلك، ولو كان زرْعا قد يبس وفيه ما لم ييبس ولا خطب له فباعه كله فلا بأس به (٧).
قال محمد: لأن هذا الصنف واحد (٨).
стр. 2960
وقال في الفجل واللفت والجزر والبصل والثوم المغيبة في الأرض: إذا استقل ورقه وتم وأمن عليه وانتفع به ولم يكن ما يقطع منه فسادًا فبيعه حينئذ جائز، إذا نظر إلى شيء منه، يريد: كشف عنه، أو قلعه (١).
قال: وإن وجد منه شيئًا مخالفًا لما رأى رد بحسابه من الثمن (٢).
فصل [في الجائحة تصيب الثمار]
وإذا أسلم في رطب حائط بعينه فأجيح ذلك الثمر، انفسخ ذلك السلم قولًا واحدًا (٣)؛ لأن البيع وقع على شيء بعينه، فإذا أجيح لم يلزم البائع خُلفه، ولم يلزم المشتري قبول غير ما اشتراه.
وإن أسلم في ثمر قرية صغيرة فأجيح ذلك الثمر انفسخ ذلك السلم أيْضًا، ولا يبقى في ذمة البائع إلى قابل؛ لأنها غير مأمونة، فإذا مُنع أن يسلم فيها في هذا العام إلا بعد بدو صلاحها؛ لأنه غرر كان في الصبر إلى ثمرة قابل أشد
غررًا.
واختلف إذا كان السلم مضمونًا في رطب قرية مأمونة فأصيب ثمرها على أربعة أقوال:
فقال مالك في المدونة: يتأخر إلى ثمرة قابل (٤).
وقال ابن القاسم: ومن طلب التأخير منهما كان ذلك له إلا أن يجتمعا
стр. 2961
على المحاسبة (١).
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: ذلك لمن له السلم إن شاء أخره، وإن شاء أخذه ببقية (٢) رأس المال نقدًا، وقال: فسخ ذلك أحب إليّ (٣).
وقال أشهب: يتعجل بقية رأس ماله، ولا يجوز له أن يحول ذلك في ثمرة قابل (٤).
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يكون التأخير إلا باجتماع منهما على الرضا بالتأخير (٥)؛ لأنهما إنما عمدا لهذه السنة بعينها، ولم يرد بائع ذلك أن يكون مخلدًا في ذمته من سنة إلى سنة، قال: وسواء كان ذلك بمطل منه أو غيره.
فرأى مالك وابن القاسم أن السلم لما كان مضمونًا كان ذكر هذه السنة عبارة عن التعجيل، وإلا فإن الغرض من هذه الثمرة، وثمرة قابل سواء، بمنزلة لو أسلم في قمح، فمطل به البائع بعد محل الأجل، فليس للمشتري إلا مثل ذلك القمح، إلا أن ابن القاسم رأى أن في الصبر إلى قابل ضررًا على من له السلم، وذلك كالعيب، فإن قام بحقه، لم يلزمه الصبر، وإن لم يقم بحقه (٦) بقي إلى قابل.
ورأى أشهب أن البيعَ وقع على زهو يخلق في هذا العام لا على غيره، فكان
стр. 2962
فسخ السلم حكما عليهما.
وقول أشهب أحسن إذا كان ذهاب الثمار بجوائح من السماء، فإن كان عدم القبض للدد المطلوب حتى خرج الإبان كان للطالب الخيار، فإن شاء أخره إلى قابل، وإن شاء استرجع منه بقية رأس ماله، وليس للمسلم إليه أن يعمد إلى ما يضر به المشتري ولا إلى فسخ السلم.
وإن كان عدم القبض لهرب الطالب كان المسلم إليه بالخيار بين أن يرد رأس المال أو يؤخره إلى قابل، وإلى مثل هذا ذهب ابن حبيب إذا هرب المسلم إليه برأس المال، أو أسلم إليه فلم يقبض رأس المال حتى حلّ الأجل، ورأى أن يرفع المسلم إليه ذلك إلى الحاكم، ويحضره بذلك الزهو أو الرطب ويحكم له ببراءته منه، ويبيعه على الغائب إذا خشي فساده إلى أن يحضر الغائب.
وقال مالك في كتاب محمد: كل ما أسلفت فيه إلى أجل يحتاج فيه إلى ذلك الشيء وأخلفك عن وقته، فليس لك فسخ البيع، قال: وكذلك الضحايا يخلفك حتى تزول أيام النحر، وكذلك الكراء كله إلا كراء الحاج وحده، إذا زالت أيام الحج ولم يأت المكتري إلى السلطان ليكري له، فسخ ما بينهما (١). وجعل الغير في كتاب الرواحل: ما أخلفه من غير كراء الحاج أنَّ له الفسخَ (٢).
وقول مالك في هذا كله أنه لا يفسخ، وعلى أحد قولي ابن القاسم المقال في ذلك للطالب وحده.
وعلى قول أشهب يفسخ ذلك إذا كان المنع من غير سبب واحد منهما، فإن كان من سبب أحدهما كان المقال للآخر، إلا أن يكون الكراء في راحلة بعينها،
стр. 2963
فلا يجوز الصبر لقابل كالحائط بعينه، ولأن على المكتري في منعه من بيعها إلى قابل ضررًا، وإن أتى بالأضحية فلم يجد الطالب لم يكن عليه غيرها، وإن كان التغيب منه حتى ذهبت أيام النحر كان للآخر أن يفسخ ذلك، ولو مطل بالأضحية إلى عيد قابل أو بالفاكهة حتى عاد إبانها من قابل، لم يجبر على قبولها على قول أشهب وأصبغ، ويختلف في هذا على قول ابن القاسم هل يجبر على قبولها؟ لأنه بمنزلة عيب ذهب.
وقد اختلف فيمن اكترى سفينة فدخل عليها الشتاء، فلم يتفاسخا حتى عاد إبان السفر، وهذا مثله.
فصل [في انقطاع وتأخير بعض المسلم فيه، وكيفية المحاسبة]
وإذا أخذ بعض الرطب أو الزهو ثم انقطع الباقي ووجب الرجوع ببقية رأس المال، فإن كان شرطًا أخذ ذلك في يوم أو يومين، أو ما أشبه ذلك كانت المحاسبة على الكيل، فإن قبض النصف رجع بنصف الثمن، كما قال ابن مزين.
فإن بعُد ما بين أول القبض وآخره، كالذي يشترط الابتداء في أول الإبان، ويتأخر آخر القبض إلى وسط الإبان أو آخره، وكان ذلك مما لا يدخر، أو يدخر والقصد به البيع في الأسواق حينئذٍ كانت المحاسبة على القيم، وسواء كان السلم في حائط بعينه، أو في قرية صغيرة أو كبيرة.
وهذا هو أصل مالك وابن القاسم فيمن أسلم في لبن (١) عشر شياه، فاحتلبها شهرًا، ثم مات منها خمس أن الرجوع على سعر ذلك في تلك
стр. 2964
الشهور (١). وكذلك المقاثي، فإنها تكون فقوسة في أول الإبان ثمن غير آخره إلا أن يكون ذلك مما يدخر والقصد رفعه حتى ييبس، ولا يراد بيعه حين قبضه، فيكون القبض على قدر الكيل، لا على القيم.
فصل [فيمن أحب أن يأخذ عن حقه فيما أجيح من بعض الثمرة طعامًا]
وإذا أحب المسلم أن يأخذ عما استرجعه (٢) من الثمن طعامًا، جاز ذلك، إذا كان السلم في حائط بعينه، أو في قرية صغيرة؛ لأن السلمَ الأولَ قد انفسخ بغير خلاف.
ويختلف فيه إذا كانت القريةُ كبيرةً، فيمنع من ذلك (٣) على قول مالك؛ لأنَّ السلم عنده منعقد، فيصير إقالة على غير رأس المال، وكذلك على قول ابن القاسم؛ لأنه ملك التأخير، ويجوز على قول أشهب؛ لأن السلم عنده منفسخٌ، ويكره ذلك لهما ابتداءً، للاختلاف فيه، فإن فعل مضى.
وقال عبد الملك (٤) ابن حبيب: لا أحب له أن يأخذ طعامًا إذا أحب المحاسبة، ويدخله طعام معجل بطعام مؤخر (٥). يريد: لما كان له أن يؤخر السلم إلى قابل.
стр. 2965
وإذا أحب أن يأخذ وَرِقًا، وكان رأس المال ذهبًا، جاز ذلك إذا كان الرجوع لجائحة أتت على الثمار؛ لأن ذلك يرفع التهمة، ولا يُظن بهما أنهما عملا على صرفٍ مستأخرٍ، وهو في هذا بخلاف ما تعمدا فيه الإقالة.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن أعطى صاحب مائدة على رطب أو عنب فنفد ذلك وذهب زمانه: فلا بأس أن يأخذ بما بقي من ديناره ورقًا، أو طعامًا، أو غيره قبل أن يفارقه.
стр. 2966
باب في السلم في الفاكهة والتمر والحنطة والزيت
وقال ابن القاسم في السلم (١) في القصب الحلو والموز والأترج: لا بأس به إذا اشترط شيئًا معلومًا (٢).
قال الشيخ ﵁: السلم في ذلك على العادة في البيع، فإن كانت العادة بيع ذلك على الوزن، كان السلم على مثل ذلك، وإن كانت العادة البيع عددًا، أسلم على مثل ذلك عددًا، ويسلم في الرمان عددًا، ويذكر الصنف والقدر.
وقال ابن القاسم في التفاح والسفرجل: يسلم فيه عددًا، وليس الشأن في التفاح العدد، وقد يكون ذلك عادة عندهم، فإن كان قوم شأنهم فيه الكيل أو الوزن، لم يجز عددًا، وإن كانت عادتهم الكيل، لم يسلم فيه وزنًا، أو كانت عادتهم الوزن، لم يسلم فيه كيلًا (٣)، وإذا أسلم على ما هو العادة عندهم فيه الكيل أو الوزن، فإنه يذكر قدر ذلك، ونحوه من الصغر والكبر؛ لأنه يختلف ثمنه لأجل ذلك، وإن كان محصورًا بالكيل أو الوزن (٤).
وقال في الجوز: يسلم فيه عددًا (٥).
والشأن إذا كثر كالأحمال، أن يباع كيلًا، وفيما قلّ وبيع في الحوانيت عددًا.
ولا يجوز لأصحاب الحوائط ومن شأنهم يتبايعونه كيلًا أن يسلموا فيه
стр. 2967
عددًا، ولا لمن شأنهم أن يتبايعوه عددًا أن يسلموا فيه كيلًا؛ لأنه لا يدرى كم يدخل في ذلك الكيل من العدد، وإن كان شأنهم يتبايعونه على الوجهين جميعًا -الكيل والعدد- أسلم على أيّ ذلك أحب.
وقال مالك فيمن أسلم في تمر، ولم يذكر برنيًا من صيحاني أو ذكر برنيًا أو صيحانيًا ولم يقل: جيدًا ولا رديئًا: إنه فاسد حتى يصف (١).
ورأى أنه إذا قال: جيدًا أو رديئًا، جاز، ويحملان على الوسط من الجيد أو الرديء، ولو قال: وسطًا كان لهم الوسط من وسط ذلك الصنف.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن أسلم في حنطة: فإن كان بمصر، ولم يذكر أي الجنس، فذلك عندنا (٢) على المحمولة، ولا يكون إلا على صفة، وإن كان بالشام، فذلك على السمراء، ولا يصلح إلا على صفة (٣).
يريد: أنه إذا أسلم بمصر، وقال: في حنطة جيدة أو رديئة أجزأه، وكان له الوسط من جيد المحمولة أو الوسط من رديئها (٤).
وقال في كتاب محمد: إذا أسلم بمصر، ولم يذكر السمراء من البيضاء من المحمولة، فإنه فاسدٌ عند ابن القاسم، وابن وهب (٥).
وقال ابن عبد الحكم: يفسخ إن نزل (٦).
стр. 2968
وقال أصبغ: لا يفسخ إن نزل (١)؛ لأن الغالب المحمولة إلا ما أصابته عاهة (٢).
وقول ابن القاسم في المدونة أحسن؛ لأنه إن كان أراد بالسمراء ما يجلب من الشام، فإن ذلك قليلٌ، أو ما أصابته عاهة فكذلك؛ لأنه نادر، ويحملان على الغالب، وهو السالمُ من قمح مصر.
وإن أسلم في زيت، فإنه يصف موضعه من الجودة أو الدناءة، ولا يحتاج إلى ذكر الصنف من الزيتون (٣)؛ لأن أثمان هذه الأصناف التي بالساحل لا تختلف إذا تساوت في الطراوة والدناءة.
والعادة اليوم أن القضاءَ من الذي يجمع في الأندر، وهو الوسط من الزيت، والطري والأخضر ليس مما يقضى في الغالب، وما دخله خمج (٤)، فهو في جملة ما دخله العيب، فمن أسلم اليوم ولم يذكر صفة، جاز، وله الوسط من الزيت؛ لأنه العادة، ولا يحتاج أيضًا إلى ضرب أجل؛ لأنَّ العادةَ القضاء في إبانه، وهو معظم العصير.
стр. 2969
باب في السلم في نسل الحيوان وألبانها ولحومها وأصوافها وجلودها
السلم في نسل الحيوان بأعيانها غير جائز (١)؛ لأنه لا يدرى أذكر هو أو أنثى، جيد أو رديء، حي أو ميت.
ولا يجوز أيضًا أن يسلم فيها على صفة معلومة إن وجدت، وإلا رجع برأس المال؛ لأنه تارة سلف، وتارة بيع (٢). ويجوز إذا لم يقدم رأس المال، وكان الوضع قريبًا، فإن خرج على ما وصف أخذ، ودفع الثمن، وإن لم يكن، فلا بيع بينهما.
ويختلف فيه إذا كان الموضع بعيدا لموضع التحجير (٣)، فأصل ابن القاسم الجوازُ، وأصلُ غيرِهِ المنعُ (٤).
وإن كان السلم في صفة مضمونة في الذمة، جاز.
فصل [في السلم في لبن أو زبد أو سمن أو جبن أو أقط غنم بأعيانها]
السلم في لبن غنم بأعيانها جائزٌ إذا كان في إبان اللبن (٥).
стр. 2970
فإن كانت ألبان غنم ذلك الموضع لا تختلف في الجودة والدناءة، جاز وإن لم يختبر اللبن، وإن كانت تختلف في الجودة والدناءة، لم يجز إلا بعد اختباره، ومعرفة صفته.
فإن كانت الغنم كثيرة، جاز أن يسلم فيه، وأن يشتريه جزافًا، فيسلم فيه في كيل معلوم لا يتعذر وجوده من تلك الغنم، ويضرب من الأجل ما يرى أن اللبن لا ينقطع قبله، ويجوز أن يشتري جملته من غير كيل إذا اختبرها وعلم قدر حلابها.
وإن كانت قليلةً كالشاةِ والشاتين افترق السلم فيه من شرائه جزافًا، فيجوز السلم في مثل ربع لبنها أو نصفه (١)، وما الغالب حصوله بعد نقص لبنها، واختلف في شرائه جملةً من غير كيلٍ:
فكرهه مالكٌ مرة؛ لأنه يختلف، فيقِلّ مرة، ويزيد أخرى، وهو بخلاف الجماعة؛ لأنها يحمل بعضها عن بعض، إن نقصت هذه زادت الأخرى، ولا يتحسس إلى ذلك في الجملة (٢).
وأجاز ذلك في كتاب محمد، وقال: ما زال الناس ها هنا يشتري الرجل لبن الشاة شهرًا، فلا بأس به (٣).
ورأى أن الغالب استصحاب الحال فيها، وأنها على ما يعرف منها، وهو أحسن.
فإن نقص (٤) بعضها عن المعتاد حطّ من الثمق بقدره إلا أن يقع جدبٌ
стр. 2971
فيضر بها الحلاب، فيكون لصاحبها الفسخ.
وكذلك الغنم الكثيرة إذا أسلم في لبنها، أو اشتراه جزافًا فأجدبت الأرض وأضر بها الحلاب كان له أن يفسخ ذلك.
والسلم في الزبد والسمن والجبن والأقط جائزٌ على الصفة إذا كان مضمونًا، ولم يكن في أعيان غنم، وإذا كان على ما يكون من غنم بأعيانها، جاز ذلك في الزبد والجبن؛ لأنه تعلم صفته (١).
واختلف في السمن والأقط: فأجازه ابن القاسم، وكرهه أشهب، ورأى أن الصفة فيهما تختلف (٢).
وأرى أن يجوز إذا أسلم في بعض ما يكون منها من سمن أو أقط، وما يرى أنه لا بد أن يحصل منها بعد احتلاب ذلك القدر على تلك الصفة.
وإن أسلم في القدر الذي يكون منها من السمن والأقط، لم يجز؛ لأنه إن خرج على غير الصفة التي شرطت، لم يلزمه قبوله، ورد رأس المال، فكان تارة سلفًا، وتارة بيعًا.
فصل [في السلم في اللحم]
السلم في اللحم يجوز بأربعة شروط:
تسمية الجنس، ضأن أو معز، أو غير ذلك.
والسن، جذْع أو ثني أو رباعي، ذكرًا أو أنثًى، فحلًا (٣) أو خصيًا.
стр. 2972
وموضعه من السمانة.
ووزنًا معلومًا.
وأجاز في الكتاب أن يسلم تحريًا من غير وزن (١)، والوزن أحسن إلا عند عدم الموازين.
قال ابن القاسم: قال مالك: إذا اشترط تحريًا معلومًا، فإن ذلك جائز، ألا ترى أن اللحم يباع بعضه ببعض بالتحري، والخبز أيْضًا يباع بعضه ببعض بالتحري (٢).
وقال ابن القصار: اختلفت الروايات عن مالك في جواز بيع اللحم باللحم، والخبز بالخبز على التحري بغير وزن، فأجازه في البوادي والقوافل، وحيث يتعذر الوزن استحسانًا، قال: وروي عنه المنع منه (٣).
قال الشيخ ﵁: وهو أحسن ألا يجوز ذلك بحال، بخلاف السلم؛ لأن المماثلة لا يقطع بها في تحري بعضه ببعض، والتفاضل اليسير ربا وحرام، والسلم يراد منه رفعُ الغرر، وإذا كان التحري يأتي على المقاربة فيما يتحرى من ذلك أن يقع الغرر فافترقا، والصواب أنه لا يسلم إلا على وزن معلوم؛ لأنه أسلم من الغرر.
وأجاز ابن القاسم في كتاب محمد إذا أسلم في اللحم ألا يسمى الموضع الذي يؤخذ منه، قيل له: فإن قضاه مع ذلك بطونا فأبى عليه، قال: أفيكون لحم بغير بطون؟ (٤).
стр. 2973
ومحمل قوله على أن تلك عادة لهم، فأما اليوم فلا يقضى بذلك؛ لأنَّ الشأنَ بيعُ البطون بانفرادها.
وأرى إن سميا الناحية التي يقضى منها، فهو أحسن، وإن لم يسم قضى من المقدم والمؤخر، ولم يخص ناحية دون غيرها.
وإن أسلم في الرؤوس سمى الجنس ضأنًا أو معزًا أو بقرًا، والسن حملانًا (١)، أو ثنيانا (٢)، أو غير ذلك.
والتسمية في الرؤوس آكد منها في اللحم؛ لأنه لا يسلم فيها بوزن، فكانت تسمية الصغير من الكبير آكد منها في غيرها (٣)، ويسمي موضعه من الجودة والدناءة.
فصل [في السلم في صوف الغنم]
السلم في صوف غنم بأعيانها جائزٌ إذا كان يأخذ في جزازها (٤)، أو كان تأخره الأيام العشرة والخمسة عشر (٥)، إذا كان القصد بتأخيرها أن يتعسل (٦) لا ليتزيد.
стр. 2974
وإن كانت بغير أعيانها أسلم في وزن معلوم، ولا يسلم في جزز فحول أو غير ذلك؛ لأن وزن ذلك يختلف (١)، ولا بأس أن يسلم في عدد جزز إذا كان تحري كل جزة كذا وكذا، قياسًا على قوله في اللحم.
فصل [في السلم في الجلود]
السلمُ في الجلود جائزٌ (٢)، فإن أسلم في جلود المعز، جاز إذا وصف سعتها وسمنها، وهل هي ذكور أو خصيان، أو إناث؛ لأنَّ الأثمانَ تختلف لاختلاف ذلك، وإن كانت ضأنًا أو غيرها وصف بصفة ترفع الغرر منها.
واختلف فيمن اشترى جلود غنم أو بقر بأعيانها قبل ذبحها:
فقال مالك في كتاب محمد: إن كان ذلك لا يختلف وكان (٣) متقاربًا فلا بأس، قيل: فإن جعله بالخيار حتى يفرغ منها وينظر إليها؟ قال: إن لم ينقد الثمن فلا بأس (٤).
وقال أيْضًا: ما هو بالحرام البين وما يعجبني (٥)، وعسى أن يكون خفيفًا، وقد كان ناس يفعلون ذلك.
وقال أيْضًا: لا يعجبني مثل بيع لحمها.
وقال ابن القاسم: يفسخ، وإن فات جاز بيعها (٦).
стр. 2975
وأرى إذا كان يختلف خروجها أن يكون فاسدًا إذا كان الخيار للمشتري وحده، وإن كان كل واحد منهما بالخيار، ولم ينقد، جاز، وإن اشتراها على أنها إن كانت على صفة كذا وكذا أخذها وإلا فلا بيع بينهما جاز إذا لم ينقد.
فصل السلم في الحيتان (١)
وقال ابن القاسم: إذا أسلم في الحيتان، فإنه يسمى الجنس ويسلم وزنًا أو قدْرًا (٢). يريد بالقدر التحري بغير وزن.
ويسمي قدر السمك من الكبر والصغر؛ لأنه وإن كان بوزن فإن الكبار أثمن، فإن كانت النواحي التي يجلب منها ذلك الجنس يختلف في السن أو الطيب أو الثمن، فإنه يسمي الناحية التي يأخذ منها.
وكذلك السلم في الطير، فإنه يسمي (٣) الجنس وموضعه من الصغر والكبر والسمانة (٤)، فإن أراد أن يأخذ بعد الأجل طيرًا غير جنس الذي أسلم فيه مما يحيى أو لا يحيى مذكور في كتاب السلم الثالث (٥).
стр. 2976
باب في ذكر السلم في المصنوعات
وقال ابن القاسم فيمن استصنع طستًا، أو قمقمًا، أو استنحت سرجًا: إن ذلك جائز إذا كان مضمونًا، وضرب الأجل، وقدم رأس المال ولم يكن يعمل من شيء بعينه (١).
ويفترق الجواب في المعين يشتريه ليعمله بائعه على ثلاثة أوجه:
فإن كان لا تختلف الصفة التي يكون عليها إذا صنع، جاز، كالذي يشتري القمح على أن يطحنه بائعه، والزيتون على أن يعصره فيأخذ منه كيلًا معلومًا، والثوب منه (٢) على أن يخيطه.
وإن كان يختلف خروجه إلا أنه يعاد إلى حاله الأول، فتعاد صنعته، حتى يأتي على الصفة التي يشترط، جاز أيضًا، وذلك كالحديد، والنحاس، والرصاص، يقول: أشتريه منك على أن تعمل منه كذا وكذا، فهذا يجوز؛ لأنه إن خرج على غير الصفة التي شرط أعاده مرة أخرى، حتى يصنعه على الصفة التي شرط، إلا أن يكون شراؤه جملة ذلك الرصاص، فلا يجوز؛ لأنه كلما أعيد نقص، فلا يقدر أن يعمل بالثاني إلا دون الأول.
وإن كان ذلك مما لا (٣) يختلف خروجه، ولا يعاد لهيئته الأولى لم يجز، كالثوب يشترط صبغه، والغزل يشترط نسجه، والعود على أن (٤) يعمله
стр. 2977
تابوتًا أو بابًا.
ولو كثر الغزل فاشترط أن يعمل منه ثوبًا وكان إن أتى من بعضه على غير الصفة، عُمل من نفسه (١) حتى يأتي على الصفة، لجاز.
واختلف فيمن استأجر أجيرًا ليأتيه بالغلة: فأجيز (٢)، ومُنع (٣).
ويلزم على قوله في الأجير يأتيه بالغلة أن يجوز أن يشتري الثوب على أن يصبغه؛ لأن الأجير باع منافعه على أن يبيعها، والمشتري لا يدري ما يأتيه به.
وقد قيل أيضًا فيمن اشترى سلعة على أن يبيعها بائعها: إنَّ ذلك غير جائز، وكأنه اشترى الثمن الذي تباع به، وكل هذا جائز على قوله في الأجير يستأجره ليأتي بالغلة: إنَّه جائز، وإذا جاز البيع؛ لأنَّ ذلك مما لا يختلف خروجه، أو كان يختلف ويعاد لهيئته فإنه يجوز إذا شرع في العمل، ويجوز تأخير رأس المال، ثم يجري حكمه فيما بعد ذلك على الجواب في بيع وإجارة.
فإن هلك ذلك القمح قبل طحنه، أو الثوب قبل خياطته، أو الحديد والنحاس قبل صنعته، وكان هلاكه ببينة، أو لم تكن بينة، ولم يكن البائع ممن انتصب لتلك الصنعة، وحلف على ضياعه، كانت مصيبته من مشتريه، وحط عن المشتري قدر الصنعة، الطحن (٤) أو الخياطة، أو غير ذلك.
وإن كان ممن انتصب لتلك الصنعة ضمنه بالقيمة لا بالثمن الذي بيع به؛ لأن التمكين في المبيع قد تقدم، وإنما بقي لموضع الصنعة، ويكون على المشتري
стр. 2978
ما ينوبه من الثمن، ويحط عنه ما ينوب الصنعة حسبما تقدم.
وأما الزيتون إذا كان على البائع عصره ليأخذ منه مكيله، فإن مصيبته من بائعه، وإن قامت البينة على ضياعه؛ لأن كل مبيع على الكيل مصيبته من بائعه حتى يكال.
ولو لم يسلم في الغزل على أن ينسج واشتراه على أنه إن خرج على ما وصفا (١) أخذه ونقد، وإن خرج على غير ذلك كان لبائعه جاز.
стр. 2979
باب ما لا يجوز السلم فيه كالديار والأرضين والشجر والجزاف وتراب المعدن والصواغين
ولا يجوز السلم فيما لا يقدر على الوفاء به وإن كان معلوم الصفة، ولا فيما لا تحصره صفة وإن كان مقدورًا على الوفاء به.
فالأول: الديار والأرضون: لا يجوز السلم فيها؛ لأنهما إذا وصفا صفة معلومة ولم يذكر الموضع كان فاسدًا، لاختلاف أغراض الناس (١) في المواضع، وإن عين الموضع والمحلة لم يجز؛ لأن من شرط السلم أن يكون مثل ذلك المسلم فيه بذلك الموضع كثيرًا يُعرَضُ للبيع، ومتى كان قليلًا أو كثيرًا وإنما هو لغير البيع لم يجز، وكذلك البساتين.
وإن أسلم في عدد شجر تقبض بغير أرض، وكان ذلك الجنس يوجد شراؤه، ولا يتعذر الوفاء به عند محل الأجل جاز، وإلا لم يجز، وكذلك السلم في البناء بغير أرض: لا بأس به إذا وصفه وكان لا يتعذر الوفاء به، وبناؤه عند محل الأجل، وكان عند الذي يسلم موضع يضعه فيه، أو لا يتعذر بيعه حينئذ بذلك البلد ممن يبنيه عنده.
فصل [في السلم في تراب المعادن]
ولا يجوز السلم في تراب المعادن (٢)، ولا أن يُقرَض، ولا بيع المعين منه
стр. 2980
على الصفة، إذا كان غائبًا؛ لأنه لا تحصره صفة، ويجوز بيعه إذا كان حاضرًا مرئيًّا، قيل لمالك: إنه غرر ولا يعرف ما فيه؛ لأنه مختلط بالحجارة، قال. قد عرف ناحيته وحزره (١).
واختلف في قسمته: فروى ابن القاسم عن مالك جوازه (٢).
وقال يحيى بن عمر: لا يجوز؛ لأنه لا بد من أن يكون أحد النصيبين أكثر، ولو جاز ذلك، لجاز سلفه.
وقال محمد بن عبد الحكم: قسمته أخف من قرضه؛ لأن التبر الواحد الغالب تساويه.
ولا يجوز السلم في تراب الصواغين (٣) ولا في سحيرة الذهب ولا كنك الفضة، ولا بيعه بالنقد بغير جنسه وإن كان حاضرًا؛ لأنه لا يدري ما فيه، فإن بيع رُد البيع إذا كان قائمًا، فإدْ فات عند مشتريه بأن خلطه بما لا يعرف قدره، أو بعثه لبلد آخر، أو باعه ممن خرج به، كان عليه قيمته على حاله لو كان يجوز بيعه؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك، فإن عمله وصفّاه، فقد قيل: يكون ما خرج منه لبائعه، ويكون عليه أجرة المثل ما لم تجاوز الأجرة ما خرج منه، والقياس: أن يكون ذلك فوتًا، ويكون عليه قيمته كالأول.