← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

أتبع به صاحبه في الآخرة، وإن فضل فضلٌ وقفه، فإن رجع الآخر أخذه. فصل [في اختلاف المتبايعين بعد قبض المبيع] واختلف إذا اختلفا بعد قبض المبيع، على أربعة أقوال: فروى ابن وهب عن مالك أنه قال: إذا قبضه كان القول قوله في الثمن (١). وقال في كتاب المكاتب: إذا قبضها وبان بها، وقال أيضًا: إذا فات بعد القبض بحوالة الأسواق فما فوق (٢). وقال أشهب: يتحالفان وإن فات، وتردّ القيمة ما لم تكن أكثر مما ادعاه البائع، أو أقل مما اعترف به المشتري (٣). ورأى أنه لما كان الحكم مع القيام الردَّ، كان رَدُّ القيمة مع الفوت بدلًا من العين، ولا يلزم على هذا السَّلَم بعد الطول؛ لأنه لو رَدَّ القيمة نقدًا كان فيه ظلم على المُسلم، ويكون قد انتفع بماله باطلًا؛ لأنَّ الانتفاع الذي كان السَّلَم لأجله لا يغرم عنه قيمة. ووجه القول الأول: أنه بنفس القبض ضامن فلم يردَّ، كما قال: إذا تبايع رجلان سلعة وقبضها الآخر لم تُرَدَّ لما كان ضامنًا لها إن هلكت، وكل هذا فهو (٤) إذا أتيا بما يشبه، فإن أتى أحدهما بما لا يشبه حلف الآخر، وكان الأمر على ما حلف عليه، ولا خلاف في ذلك مع الفوت، بخلاف إذا كانت قائمة.

стр. 3047

فصل [في اختلاف المتبايعين في قبض الثمن قبل قبض المبيع أو بعده قبل الافتراق] وإن اختلفا في دفع الثمن قبل قبض المبيع كان القول قولَ البائع مع يمينه، وكذلك بعد القبض وقبل الافتراق إذا كانت العادة أنه يُسْلِم (١) ثم يقبض الثمن أو مختلفة. وإن كانت العادة أنه لا يُسْلِم المبيع إلا بعد قبض الثمن، كان القولُ قولَ المشتري مع يمينه، كالصرف. فلو قال الصراف: دفعت إليك قبل أن أقبض، لم يقبل (٢) قوله، وإن افترقا كان القولُ قولَ المشتري في الفواكه واللحم والخبز وما أشبه ذلك؛ لأنَّ الشأن أنه لا يبين به مشتريه إلا بعد دفع الثمن، فإن قال: بِنت بغير علمي، لم يقبل قوله. وقال مالك في العبيد والدواب والثياب: القول قول البائع مع يمينه، وإن افترقا (٣). يريد ما لم يقم دليل للمشتري أنه لا يدفع إليه ذلك إلا بعد دفع الثمن، مثل أن يكون المشتري بدويًّا، أو غريبًا لا يُعرف، أو فقيرًا، ومن الشأن أنه لا يؤمن إليه، ومثل هذا يُعرف عند النزول.

стр. 3048

فصل [في اختلاف المتبايعين في قبض السلعة] وإن اختلفا في قبض السلعة قبل قبض الثمن كان القولُ قولَ المشتري، وسواء اختلفا قبل أن يفترقا أو بعده. وكذلك إن نقد الثمن ولم يفترقا، إلا أن تكون العادة في مثله ألا يدفع الثمن إلا بعد قبض المبيع، وإن اختلفت العادة كان القول قول المشتري، وإن افترقا بعد دفع الثمن كان القول قول البائع. وقال ابن القاسم في العتبية في من باع سلعة بثمن إلى أجل، فقال المشتري: لم أقبض السلعة، وكذَّبَه البائع، قال: إن كان أشهد له بالثمن فقد قبض السلعة (١). قال أصبغ: ويحلف البائع إن كان بفور (٢) البيع والإشهاد، فأما إن كف حتى إذا حلَّ الأجل وشبهه قال لم أقبض السلعة، فلا قول له ولا يمين (٣). وقال محمد بن عبد الحكم: إذا شهد شاهدان على رجل أن لفلان عليه مائة دينار ثمن سلعة اشتراها منه، لم أقبل (٤) ذلك منه، ولا ألزمه الثمن (٥) حتى يقولا: وقبض (٦) السلعة، وكذلك لو قالا: باعه سلعة بمائة دينار،

стр. 3049

لم أقضِ (١) بذلك عليه؛ لأنه ليس في شهادتهما ما يوجب قبض السلعة (٢). وقال مالك في البائع يدعي أنه اشترط الوازنة، وادَّعى المشتري (٣) أنه اشترط الناقص (٤)، قال: يحملان على نقد تلك السلعة (٥). قال محمد: ولو كان إلى أن تحالفا وتفاسخا (٦). وهو أبين؛ لأنه اختلاف في الثمن، ومن الناس من يشترط الوازنة وإن كانت العادة النقص، ويشترط النقص بحبة أو حبتين، وإن كانت العادة الوازنة. وكل من ادَّعى ذلك، فلم يأت إلا (٧) بما يشبه. وإن كانت العادة أن الدينار ينقص (٨) عن الوازن بحبتين، وقال البائع: أنا (٩) لم أعلم العادة، فإن كان من أهل البلد لم يصدق، وإن كان طارئًا صُدِّق، وإن شك في معرفته أُحلف أنه لم يعلم ذلك، وكان المشتري (١٠) بالخيار بين أن يقبلها عن الوازن أو يَرُدَّ. وكذلك إن كان البيع على قنطار، وعادة البلد أنهم يطرحون للقنطار عشرة أرطال (١١) أو خمسة، والبائع طارئ، وقال: لم أعلم فإنه يصدق، فإن كره

стр. 3050

كان المشتري بالخيار بين أن يرضى بإسقاط ذلك الزائد أو يَرُدَّ. وكذلك إذا كان القنطار مختلفًا، فالقنطار بالقيروان، وصقلية، والإسكندرية، والشام مختلف، فمن قدم بشيء يبيعه إلى بلد قنطاره أكبر من قنطار البلد الذي قدم منه وقال: لم أعلم ما بينهما ولم يتقدم له سفر قبل ذلك صُدق، فقنطار أهل الشام أربعة بالمصري. فصل [في اختلاف المتبايعين في الاستثناء واشتراط الخيار] ومن باع حائطًا واستثنى منه نخلات وقال: اشترطت الخيار، وقال المشتري: بل اشترطت هؤلاء، تحالفا وتفاسخا (١)، فإن نكل البائع وحلف المشتري سلم المعينات وكان له ما سواهن بذلك الثمن، فإن نكل المشتري وحلف البائع كان له أن يختار، وإن فات ذلك الحائط بتغير تحالفا، وسلم المشتري المعينات وإن نزل بها عيب؛ لأنه يقول: لم أشترها، وكان للآخر أن يختار ولزم المشتري ما سوى هذين وقبض الثمن على أن التي اختيرت كانت في البيع. وقال محمد في من باع طعامًا ثم اختلفا في الكيل والثمن، فقال البائع: بعتك صاعين بدينار، وقال المشتري (٢). . . (٣).

стр. 3051

باب في الوكالة على السَّلَم ومن قال لرجل: بعثني فلان لآخذ له سَلَمًا على طعام، فأعطاه ذلك جاز، ولزم الأمر إن أقر بالوكالة. قال مالك: وإن اشترط المشتري على المأمور أنه إن لم يرضَ الآمر فأنت لبيعي ضامن جاز، قال: وذلك مثل الرجل يقول للرجل: ابتع لي غلام فلان، فيقول: إن فلانًا أرسلني فبيعوه، فقد عرفتموه، فيقولون: نحن نبيعه فإن أقر لنا بالثمن، وإلا فالثمن لنا عليك، توفيناه نقدًا أو إلى أجل، فذلك جائز (١). قال محمد: ولقد غمزه بعض الناس وقال: هي ذمم ولا يدري على أيهما وقعت مبايعته. قال سحنون: وقال أشهب: هو دَيْنٌ بِدَيْن. قال الشيخ ﵀: إن كان أحدهما غنيًّا والآخر فقيرًا، فهو غررٌ؛ لأنه لا يدري أي الذمتين له، بخلاف الحميل؛ لأن له ذمة غريمه، وذمة الحميل تقوية له، أو له الذمتان على القول إن له أن يأخذ أيهما أحبَّ (٢). فإن قيل للوكيل: إن اعترف الآمر فادفع الثمن إليه وأَشْهِدْ عليه وإلا فلا تدفع إليه لم يدخله الدَّيْن بالدَّيْن، وإن قيل له: ادفع إليه، فإن اعترف لنا أخذنا منه، وإن أنكر أتبعناك، لكان دينًا بدين، فمن قال: إنه شرع غير معلل، كان فاسدًا، ومن قال: إنه معلل بما كانت عليه الجاهلية أن يقول للغريم: تقضي أو تُرْبي لم يفسد؛ لأنه شرط في أصل العقد.

стр. 3052

والوكالة على السَّلَم مخالفة للوكالة على الشراء والبيع (١)؛ لأن قوله: بعثني لآخذ له سَلَمًا أُمِرَ يقتضي ثمن (٢) المسلم والقضاء على الآمر بمجرد الوكالة، وهذا قول مالك؛ لأنه جعله بمنزلة من قال: بعثني فلان فبيعوه، فإن دفع الثمن على الباعث، فإذا قبض الرسول الثمن غرم الآمر السَّلَم، فإن أنكر أنه يكون وكله، حلف وسقط السَّلَم (٣) عنهما جميعًا. واختلف هل يغرم (٤) الرسول رأس المال؟ فقال محمد: يغرمه. وقيل: لا شيء عليه إلا يمينه. وأرى أن يغرم إن كان غير مأمون، وإن كان مأمونًا حلف لقد أرسلني ووصلت إليه وبرئ، وتكون مصيبة ذلك من المُسْلِم. إن قال: وكلني أن أُسْلِم له كان عليه أن يدفع رأس المال وليس له قبض السَّلَم؛ لأنَّ قوله أَسْلَم له (٥)، أي أَسْلَم له وأدفع رأس المال، فإذا دفعه انقضت وكالته، وإن قال: وكلني أن أعقد له سَلَمًا، لم يكن عليه من رأس المال شيء. واختلف إذا وكله على الشراء، هل يلزم الوكيل دفع الثمن؟ فقال محمد: عليه ذلك، وإن قال: بعثني لأشتري له منك، قال: لأن البائع يقول: أنت تشتريها، فلا أبالي لنفسك أو لغيرك (٦).

стр. 3053

وقال مالك في المبسوط في من وكل على شراء سلعة فوجد البائع بالثمن زيوفًا: فإن كان أعلمه أنه وكيل لغيره فلا شيء عليه، وإذا لم يجعل عليه البدل لم يكن عليه أن يدفع الثمن. فرأى أن العقد بيع فإذا فعل انتقضت وكالته وكان دفع الثمن وقبض المبيع من الموكل، ورأى مرة أن الأول عقد بيع (١) وأن البيع التقابض أن تعطيني ملكك وأعطيك ملكي، ولهذا قال: إن مصيبة الحيوان إذا حبس بالثمن من البائع (٢). وقوله: المصيبة من المشتري، فعلى القول: إن العقد بيع، وإن قال: بعثني لأشتري منك، أو بعثني إليك لأشتري منك، ولم يقل: لأشتري له، كان محمل الشراء على أنه للمبعوث، وإنما دلَّه على من يعامله، إلا أن يقول: بعثني إليك لتبيعه، فأما إن قال: لتبيعني أو لأشتري منك، فمحمل قوله على أن الشراء لنفسه، فإن قال: لتبيعه، كان الثمن على الآمر، وإن قال: لأشتري له، كان الثمن على القولين، هل هو على الباعث، أو على المبعوث؟ وإن قال: لأشتري منك، أو لأشتري، ولم يقل: له ولا منك، كان محمل الشراء على أنه لمن باشر الشراء. فصل [في مسائل في الوكالة في السَّلَم والبيع وخشية المحاباة في ذلك ـ] واختلف في من وَكَّل رجلًا على أن يشتري له جارية أو ثوبًا ولم يصف له ذلك، فاشترى ما لا يشبه أن يكون من جواريه ولا من لباسه: فقال ابن

стр. 3054

القاسم: لا يلزمه ذلك (١). وقال أشهب: يلزمه إلا أن يقول للباسي أو لخدمتي (٢). وقاله سحنون. ورأيا أن أمره مُشكل هل أراد القنية أو التجارة؟ فلا يحمل عليه التعدي، ولا يضمن بالشك. وقال ابن القاسم في من وكل رجلًا ليُسْلِم له في طعام، فأسلم ذلك إلى نفسه، أو إلى ابنه الصغير، أو إلى من يليه من يتيم أو سفيه: لم يجز، وإن أسلمه إلى زوجته أو ابنه الكبير، أو عبده المأذون له في التجارة، أو مكاتبه، أو إلى شريك غير مفاوض، جاز ما لم يكن فيه محاباة (٣). قال سحنون: سَلَمُه إلى ابنه الذي في حجره أو إلى يتيمه جائز؛ لأن العهدة في أموالهم. وقال أبو محمد عبد الوهاب: إن اشترى الوكيل ما أمر ببيعه بثمن مثله جاز (٤). قال: وكذلك عندنا الوصي والأب. وقال مالك في من اشترى سلعة، ثم أخذ من رجل مالًا قراضًا وأراد أن يدفعه في ثمن السلعة: أخاف أن يكون قد استغلاها فيدخل مال هذا فيها (٥). فجعل المنع لأجل المحاباة ليس؛ لأنه معزول عن شرائها.

стр. 3055

وأرى إذا نزل ذلك أن يمضي البيع إذا علم أنه استقصى وبالغ، أو ذكر من الثمن ما يرى أنه غاية ما يباع به، وإن لم تكن بينة على إشهارها، ولا أتى من الثمن بما ذكرت لك نقض البيع إن كان قائمًا ومضى بعد الفوت بالأكثر من القيمة أو الثمن، وهذا إذا كان فواته بذهاب عينه. واختلف إذا حالت سوقه أو تغير في نفسه: فقال محمد في من أمر ببيع (١) سلعة فباعها من نفسه: كان صاحبها بالخيار في ردِّها ما لم تفت بغلاء سوق أو في بدنها، فتلزمه قيمتها (٢). وذكر يحيى بن عمر فيها قولين: أحدهما: مثل هذا، والآخر: أنه لا يفيتها النماء ولا النقص. وقال غير ابن القاسم في كتاب القراض: كل من أطلقت يده في بيع فباعه من نفسه وأعتقه، كان الآمر بالخيار بين أن يجيز فعله أو يردَّ عتقه ويأخذه، إلا في المقارض، فإنه إذا كان في العتق فَضْلٌ نفذ عتقه للشرك الذي له فيه (٣). وقال ابن حبيب في العاشر من البيوع: إن باعه من نفسه ثم باعه من آخر بربح، كان الربح للأول إلا أن تكون القيمة أكثر، فيلزمه الذي هو أكثر، قال: وكذلك الوصي يشتري من تركة من أوصى إليه فالخيار عليه فيه للسلطان، وإن باعه بربح كان الربح للأيتام أو الثلث إلا أن تكون القيمة أكثر، فجعلاه كالمتعدي، فلا يفيته العتق ولا انتقاله بالبيع. وهو أحسن إذا علم أنه حابى نفسه (٤) في الثمن.

стр. 3056

ومن وكّل عبدًا فأسلم له في طعام مضى والسلم للآمر، فإن كان العبد محجورًا عليه كان لسيده إجارته في ذلك، وإن كان مأذونًا له وفعل ذلك معروفًا ليصلح وجهه في تجارته لم يكن لسيده شيء؛ لأن الغالب في إجارة ذلك يسيرة (١). ومن وُكِّل على أن يُسْلِم فوّكَّل غيره كان متعديًا، وللآمر أن يغرمه رأس المال، وله أن يجيز إن لم يكن أَسْلَم الثمن أو أسلمه وكان قائمًا وشهدت البينة أنها دنانيره. ويختلف إذا فاتت أو لم تشهد البينة بذلك، فقيل: ليس له أن يجيز؛ لأنه فسخُ دَيْنٍ في دَيْنٍ لما ملك أن يغرم المأمور رأس ماله، وهذا قول ابن القاسم في المدونة (٢). وروي عن مالك في كتاب ابن حبيب أنه أجاز ذلك، وهو أحسن. وأرى أن يوكل ذلك إلى أمانة الآمر، ويعلم أنه لا يجوز له متى اختار التضمين أن ينتقل إلى الإجازة ولا يحمل عليه أنه اختار التضمين ثم انتقل، فيكون قد منع ملكه بالظن وملك لغيره.

стр. 3057

باب في تعدي الوكيل في البيع والسَّلَم وقال ابن القاسم في من وكل رجلًا يبيع له سلعة أو طعامًا فباعها بطعام أو عرض نقدًا: كان المأمور ضامنًا إذا باع بغير العين، إلا إن يشاء أن يقبض ثمن ما بيع به إذا كان عرضًا أو طعامًا (١). قال الشيخ ﵀: أما إذا باع العرض بطعام أو الطعام بعرض، وكل ذلك نقدًا ولم يكن الآمر سمى ثمنًا، كان الآمر بالخيار في القيام بين الإجازة أو الردِّ. وفي الفوت إذا غاب بذلك مشتريه بين الإجازة وأخذ الثمن الذي بيع به، أو تضمينه قيمة سلعته، أو مثل الطعام إذا وكله على بيع طعام، ويُسْلم الثمن للمأمور بفضله إن كان فيه فضل. وقيل: يباع إذا كان فيه فضل ويكون الفضل للآمر، وهذا عقوبة للمأمور لئلا يربح الغاصب والمتعدي. واختلف إذا باع الطعام بطعام: فأجاز ابن القاسم للآمر أن يأخذ الطعام الثاني (٢). ومنعه أشهب وقال: ليس للآمر إلا مثل طعامه، ويباع له الثاني إن كان فيه فضل (٣)، كان ذلك الفضل للآمرة وهذا لئلا يربح الغاصب والمتعدي. وقد اختلف قوله في هذا الأصل، فقال في العبد يتزوج حرة بغير إذن سيده، ودخل بها ثم زنت قبل أن يجيز السيد، فقال: إن أجاز رجمت، وإن رُدَّ لم

стр. 3058

ترجم (١). وجعله إذا أجاز كأنه منعقد من الأول، فعلى هذا يجوز للآمر (٢) أن يأخذ الطعام الثاني. ومن وكل على أن يبيع سلعة فباعها بعرض أو بحنطة أو بشيء مما يكال أو يوزن مما سوى الدنانير والدراهم، كان للآمر أن لا يجيز ويردَّ البيع مع القيام، ويأخذه بالقيمة مع الفوت. ثم يختلف هل يباع العرض الثاني إن كان فيه فضل؟ قال ابن القاسم: وإن باع بالفلوس أو اشترى بها كان بمنزلة العروض، إلا أن تكون السلعة خفيفة الثمن مما تباع بالفلوس (٣). ويختلف إذا أمره أن يبيع بدنانير فباع بدراهم أو بدراهم فباع بدنانير وهي في القيمة مثل ما سمى له. فأرى أن يمضي؛ لأنَّ كل واحد منهما يسد مسدَّ صاحبه، إلا أن يعلم أن ذلك كان لغرض للآمر، فيردُّ البيع إذا كان قائهًا، فإن فات وغاب المشتري، كان الآمر بالخيار بين أن يجيز أو يباع الثمن ويشتري له به مثل ما أمر به. فصل [في مسائل يخالف فيها الوكيل في السَّلَم والبيع ما أُمر به] وقال ابن القاسم في من دفع لرجل دراهم ليسلمها له في ثوب فأسلمها له

стр. 3059

في بساط: كان للآمر أن يُغرم المأمور مثل دراهمه، وليس له أن يأخذ المُسْلم إليه بمثل دراهمه، ولا أن يجيز السَّلَم ويأخذ البساط؛ لأنه يصير دينًا في دَيْنٍ (١). وعلى قول مالك في كتاب ابن حبيب له أن يجيز ويأخذ البساط. وإن لم ينظر في ذلك حتى حلَّ الأجل كان له أن يأخذه قولًا واحدًا (٢). وهذا إذا لم يبين أنه وكيل، فإن شهدت بينة أن المدفوع دنانير الآمر وكانت قائمة، كان له أن يجيز ويكون له البساط، وأن لا يجيز ويأخذ دنانيره، ويكون على المأمور خلفها ولا يفسخ السَّلَم، وإن تبين أنه وكيل لغيره وقال: أسلم إليك دنانيره هذه، فإن كانت قائمة كان الآمر بالخيار بين أن يأخذ دنانيره، فينفسخ السَّلَم، أو يجيز ويكون له البساط إلى أجله، وإن فاتت الدنانير كان له أن يغرمه مثلها وينفسخ السَّلَم. ويختلف هل له أن يجيز وله أن يأخذ المأمور بمثل الدنانير ويمضي السَّلَم إذا كان المأمور مكذبًا للبينة، ويقول: لم أتعدَّ، وإذا لم يكن للآمر أن يجيز وقال: يباع لي البساط لآخذ الفضل، لم يكن ذلك له إن كان قد أجاز؛ لأنه يصير متهمًا للربا، وإنما يباع حينئذ على ذمته، وإن لم يجز كان له أن يباع لئلا يربح المتعدي. وإن وكل على أن يُسْلِم في ثوب ويكون الثمن سلفًا من عند المأمور ليردَّه إليه إلى أجل فأسلم له في طعام كان للآمر أن يجيز ويكون له الثمن إذا دفع رأس المال بالحضرة، ويكون كالتولية. ويختلف إذا أجاز على أن يقضي السلف إذا حلَّ الأجل، هل يمنع؛ لأنه فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، أو يجوز إذا قال: لم أختر إلا الإجازة؟

стр. 3060

وإن وُكِّل في سلعة ليبيعها بالنقد فأسلمها في طعام، كان الآمر بالخيار في قيام سلعته بين الإجازة، ويكون له الطعام إلى أجله، أو يأخذ سلعته وينفسخ السَّلَم، وإن أفاته المُسْلِم إليه بلباس، كان للآمر أن يغرمه قيمته وينفسخ السَّلَم. ويختلف إذا أحب أن يجيز ويكون له الطعام، وكذلك إذا فات بعيب مفسد من سبب المُسْلَم إليه. وإن كان بأمر من الله تعالى، كان له أن يأخذ سلعته معيبة (١) وينفسخ السَّلَم ولا شيء له على المُسْلَم إليه من العيب، وله أن يغرم الوكيل قيمة ذلك العيب؛ لأنه متعدٍ في تسليمه، فله أن يغرمه ما أحدث في حال التعدي، وإن كان العيب بأمر من الله سبحانه. ويختلف هل له أن يجيز؛ لأنه وإن كان قائمًا فيما بين الآمر والمُسْلَم إليه وأن له أن يأخذ عينه (٢)، فإنه في معنى الفائت لما ملك أن يتركه ويغرم المأمور قيمته، فيصير إذا انتقل من القيمة ويأخذ الطعام فسخ دَيْن في دَيْن. وإن لم ينظر في ذلك حتى حلَّ الأجل، لم يكن له أن يأخذ الطعام على هذا القول ويدخله بيع الطعام قبل قبضه، وله أن يباع له إذا كان فيه فضل ليأخذ الفضل. يريد إذا لم يجز فيباع على ملك المتعدي، لئلا ينال بتعديه ما أراد من الربح، وليس ذلك له إذا أجاز ليباع على ملكه، ولو جاز ذلك لكان له أن يأخذ عينه. وقال مالك في من أمر أن يبيع سلعة بدراهم سماها نقدًا فباعها بعرض إلى أجل: يباع ذلك العرض بنقد فإن كان فيه وفاء بالمسمى أو فضل كان للآمر،

стр. 3061

وإن كان نقصانًا كان على المأمور (١). وقد اختلف في ثلاثة مواضع. أحدها: إذا سمى ما يباع به من العين (٢) فباع بخلافه أو بأقل، هل يحمل على أنه التزم تلك التسيمة؟ والثاني: إذا باع بتلك التسمية من غير نداء ولا إشهار، هل يلزم البيع؟ والثالث: إذا ملك الإجازة والردَّ، هل يحمل على أنه لم يجز إلا ما يعترف أنه اختاره، أو أنه اختار الآخر ثم انتقل إلى هذا؟ فعلى قوله أنه ملتزم التسمية وأن له أن يبيع بتلك التسمية من غير نداء، فيكون قيام السلعة وفوتها سواء، وليس لصاحبها أن يأخذها، وإنما له الأكثر من التسمية أو القيمة نقدًا أو ما يباع به الدَّيْن على النقد، فيأخذه بالتسمية؛ لأنه ملتزم لها أو القيمة إن كانت أكثر (٣)؛ لأنه مقر أنه تعدَّى ولم يلتزم ما يباع به الدَّيْن، لئلا ينال بتعديه الربح. ويختلف هل له أن يجيز ويكون له (٤) الدَّيْن إلى أجله؛ لأنه وإن كانت السلعة قائمة فقد ملك أن يأخذ التسمية أو القيمة نقدًا أو ما يباع به الدَّيْن على النقد (٥) فيكون ذلك فسخ دَيْن في دَيْن، وعلى القول ألا يلزم البيع بتلك التسمية من غير نداء، يكون للامر أن يأخذ سلعته وينقض البيع أو يأخذ التسمية، وليس له أن يجيز ليأخذ الدَّيْن؛ لأنه ملك أن يأخذ التسمية.

стр. 3062

وأرى أن يكون القول قول الوكيل أنه لم يلتزم تلك (١) التسمية، ويكون الآمر بالخيار مع القيام بين أن يجيز بالثمن إلى أجل أو يرد. وإن فاتت بلباس كان بالخيار بين أن يجيز ويكون له الثمن إلى الأجل، أو يأخذ القيمة من اللابس يوم لبس ويسقط عنه الثمن، أو يأخذ من المأمور القيمة يوم باع؛ لأنه يوم تعدى، ويمضي بالثمن إلى الأجل. فإن هلكت بيد المشتري، كان بالخيار بين أن يجيز البيع إلى الأجل، أو يأخذ القيمة من المأمور يوم باع ويمضي للمشتري بالثمن، وليس على المشتري ها هنا إلا الثمن إلى الأجل؛ لأن من اشترى شيئًا بوجه شبهة فهلك في يده لم يضمنه بالقيمة، وإنما يضمنه بالثمن، والثمن ها هنا مؤجل فليس عليه غيره، وكذلك إن هلكت والثمن عرض، فليس للمستحق على المشتري إلا ذلك العرض. وقال في من أُمر أن يبيع سلعة بعشرين دينارًا نقْدًا، فباعها بثلاثين إلى أجل، قال: يباع الدَّيْن بعَرَضٍ نقْدًا، ثم يباع العرض بعين، فإن كان فيه وفاء بالعشرين أو فضل كان للآمر، وإن كان نقصٌ فعلى المأمور (٢). وليس للآمر عنده أن يجيز البيع ويأخذ الثلاثين، لإمكان أن يكون اختار التسمية (٣)، فيكون قد فسخ عشرين في ثلاثين. ولا أن يختار التسمية، لإمكان أن يكون اختار الإجازة (٤) إلى الأجل،

стр. 3063

فيكون أخذ عشرين نقْدًا عن ثلاثين مؤجلة، فيدخله ضع وتعجل، وعلى القول الآخر: له أي ذلك أحب ويترك الآخر للمأمور. وقد اختلف إذا أمره أن يبيع بعشرة نقدًا، فباع بخمسة عشر إلى شهر، وكان إن بِيع الدينُ ساوى ثمانية، فرضي المأمور أن يدفع عشرة، فإذا حلَّ الأجل أخذها، وكانت الخمسة الفاضلة للآمر. وأن يجوز أصوب ولا وجه للمنع؛ لأنه إن قدّر أن الآمر لم يختر إلا الإجازة، فله الخمسة عشر إلى الأجل، وهذه قرض من المأمور يدفع عشرة فتعود إليه ولا يربح شيئًا، وإن قدّر أنه اختار التسمية، فله أن يغرمه العشرة، وقد أخذها ولا شيء له في الفضل في الخمسة الزائدة، وتكون كالهبة من المأمور، فلا يدخل فساد على أي الوجهين أجريت المسألة، وكذلك إذا كانت قيمة الدَّين بالنقد اثني عشر. واختلف أيضًا إذا قبض الآمر عشرة ليردّها عند الأجل وتكون له الخمسة عشر، وأن تجوز أحسن؛ لأنه إن قدّر أن الآمر لم يختر إلا الإجازة، فله الخمسة عشر، وهذه العشرة قرض، فإن قدر أنه اختار التسمية فقد قبضها، والخمسة هبة من المأمور. وما ذكر من أن الأمور يدفع العشرة لئلا يخسر دينارين فغير صحيح؛ لأن النازعة في الأصل في أن لا يباع وأن البيع لا يلزم إلا أن يتفقا عليه؛ لأنه مال مترجح بين آدميين، فلا يباع عليهما إلا باتفاقهما، والمأمور يقول: إن قدرتم أنه اختار أن لا يمضي (١) فهو لي وأنا لا (٢) أبيعه وأغرم له العشرة، والخمسة بعد الأجل هبة مني، وإن قدَّرتم أنه اختار

стр. 3064

الإجازة كانت الخمسة عشر له، وهو لم يرضَ بيعها وأنا أسلفه على أن لا أرجع عليه إن هلك الدين. وقال ابن القاسم في من أمر رجلًا أن يبيع له سلعة بتسمية إلى أجل فباع بالنقد، قال: عليه الأكثر من الثمن الذي باع به أو القيمة نقْدًا، ولم يلزمه تلك التسمية إلى أجل (١). ولم ير في العتبية أن التسمية تلزم إلا في وجهين: أن يكون المأمور يبيعه عرضًا وليس مما يكال أو يوزن (٢). وأن تكون التسمية عينًا نقدًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن نقدًا. قال أشهب: فإن خالف في العرض وقد سمى له ما يبيعه به من العين أو مما يكال أو يوزن نقْدًا، فباع بدون التسمية أو بجنس آخر أو بثمن مؤجل أو وهب أو تصدق، ولم يبع لزمته التسمية. وإن سمى له أن يبيع بعين مؤجل أو بعرض نقْدًا، أو كان المأمور يبيعه شيئًا مما يكال أو يوزن، فسمى له ما يباع به من العين نقْدًا، لم يلزمه شيء (٣) من تلك المسميات. وأجري على حكم المتعدي إذا لم يسمَّ له، وكل هذا سواء إلا أن تفرق بينهما سُنَّةٌ أو إجماع، وذلك معدوم. وأرى أن يكون القول قول المأمور أنه غير ملتزم في جميع ذلك حتى يثبت غيره.

стр. 3065

ومن أمر أن يبيع بعشرة إلى شهر، فباع بعشرة نقْدًا لزمه؛ لأن التعجيل زيادة، وهو بمنزلة من باع بأكثر إلا أن يقول الآمر: اطلب عشرة فأكثر، ولا تَبع بأقل، فينظر إلى ما يباع به إلى شهر، فإن كان يباع بأكثر كان للآمر أن يرد البيع، وإن فات بها المشتري كان على المأمور الأكثر مما يباع به نقدًا أو قيمتها نقدًا. وإن أمره أن يسلمها في عشرة أقفزة قمح إلى أجل فكذلك؛ لأن العادة اليوم أن الناس لا يقصدون بالأجل التضمين (١) إلى ذلك الأجل، ومعلوم أنه على التعجيل أحرص، وإن كان علم أنه قصد أن يضمن له، صح أن يفسخ البيع وتعاد إليه سلعته. وقال ابن القاسم في من دفع إلى رجل دنانير ليسلمها له في طعام فصرفها بدراهم وأسلمها له: فإن فعل ذلك نظرًا للآمر جاز، وإن كان تعديًا لم يجز للآمر أن يرضى بالطعام، إلا أن يكون المأمور قد قبض الطعام (٢). وهو قول أشهب في هذا الأصل (٣)؛ لأن هذا (٤) المأمور فعل ذلك على وجه البت وليأتي بطعام ولا يعلم الآمر ما فعل، والأحكام ها هنا أوجبت الخيار، ففارق مسألة من أودع دنانير فصرفها له بدراهم؛ لأنه دخل على خيار صاحبه، ولم يرد أن يجحده ويقول هذه الدراهم هي (٥) التي أودعتني.

стр. 3066

فصل [في قبض ما أسلف فيه الوكيل بغير حضرته] ومن أمر رجلًا يُسْلِم له في طعام ففعل، ثم غاب المأمور وطلب الآمر قبض طعامه، كان ذلك له إن أثبت أن السَّلَم له، وإن لم تكن بينة وأقر المُسْلَم إليه أن المسْلم اعترف له به بعد انعقاد السَّلَم له (١)، لم يلزمه أن يدفعه للطالب؛ لأنه يقول: أخاف أن يجحدني، وإنما دخلت على أن الطعام له والقبض إليه، إلا أن يعلم من المسلَم إليه أنه من أهل الدّين والفضل، وممن لا يجحد، فلا يظلم المُقر له ولا يمنع منه طعامه. وإن كان اعترافه في حين السلَم فقال: أَسْلِم لفلان، كان عليه أن يدفع ذلك الطعام الآن، وإن كان المأمور يتخوف جحوده؛ لأنه دخل على أن الطعام لهذا، فلا يمنع قبض متاعه خيفة أن يجحده الآخر، وليس له أن يقول: احبسه ليقضيك (٢) الغائب فيه.

стр. 3067

باب في السَّلَم يؤخذ به رهن وهو (١) مما يغاب عليه فيدعي ضياعه فيريد (٢) المسلم والمسلم إليه أن (٣) يقاصه الرهن بالدَّيْن ومن أَسْلَم دنانير في عرض وارتهن بالعرض دراهم وطبع عليها، ثم ادعى ضياعها، فإن كان دفع الدنانير والدراهم معًا وبحضرة عقد السَّلَم، جازت المقاصة؛ لأنه لا تهمة فيما رجعا إليه؛ لأنهما لو شاءا أن يظهرا ذلك وقت السَّلَم جاز (٤)؛ لأنه صرف على مناجزة، فإن تأخر قبض الدراهم لم تجز المقاصة؛ لأنه صرف مستأخر. وإن كان رأس مال السَّلَم والرهن دنانير وأحدهما أجود ذهبًا وأدنى سكة، لم تجز المقاصة إذا اختلف الوزن، وسواء كان القبضان معًا أو مفترقين. وإن تساويا في الوزن وكان القبضان بحضرة عقد (٥) السَّلَم جازت المقاصة، وليس ها هنا تهمة؛ لأنهما لو أرادا أن لا يظهراه سَلَمًا ويجعلاه مراطلة جاز، وإن لم يكن الدفع معًا لم تجز المقاصة؛ لأنها مراطلة ليست يدًا بيد. وإن كان الرهن أدنى سكة أو وزنًا أو عددًا، جازت المقاصة، وسواء كان قبض الرهن معًا أو مفترقًا، ولا يتهمان أن يظهرا سَلَمًا ليعود إلى يده أقل، وإن

стр. 3068

كان الرهن أجود سكة أو أكثر عددًا، لم يجز إذا كان القبض مفترقًا، وإن كان معًا جاز. فصل [في من أَسْلَم في عروض وأخذ عليه رهنًا فهلكـ والمراعى في ذلك ـ] وإن أَسْلَم دنانير في ثوب كتان وأخذ ثوب صوف رهنًا جازت المقاصة؛ لأنه إنما يراعي رأس مال السَّلَم في عين الرهن لا في قيمته، وعينه وقيمته في السَّلَم. وقد قيل: يراعى رأس مال السلم وقيمة الرهن، وليس بحسن؛ لأن بياعات الآجال إنما يراعى فيها ما خرج من اليد وما عاد إليها، فإذا خرج من يده دنانير جاز أن يعود إليها عنها عروض، ولم ينظر إلى قيمتها مع رأس المال؛ لأنه لم تعد إلى يده قيمة. وقول المرتهن في قوله (١) قد ضاع الرهن، متردد بين أمرين: إما أن يكون صادقًا، فلا شيء عليه، أو كاذبًا، فإنما أمسك عرضًا. ثم المقاصة بعين الرهن والسَّلَم جائزة؛ لأن بيع ثوب كتان نقْدًا بثوب صوف إلى أجل جائز، وكذلك قيمته إذا كان يقوَّم بالدنانير والدراهم فجائز أن يباع السَّلَم بها. وكذلك إذا أَسْلَم دنانير في ثوب كتان وأخذ رهنًا ثوب كتان من غير جنسه مما يُسْلَم أحدهما في الآخر، وإن كان جنسًا واحدًا وأحدهما أجود، فإن

стр. 3069

كان الرهن أدنى ولم يحِلَّ الأجلُ، لم تجز المقاصة ويدخله ضع وتعجل، وإن كان أجود دخله ضمان بجُعْل. وإن ادَّعى ضياعه بعد محل الأجل جازت المقاصة إن كان الرهن شرطًا (١) في أصل العقد، وإن كان بعد ذلك لم يجز؛ لأنهما يتهمان أن يكونا أظهرا أنه رهن والقصد أن يأخذه من الدَّيْن وقت دفعه إليه. فصل [في من باع عرضًا بدنانير مؤجلة وارتهن دراهم، أو مما يكال أو يوزن، أو عرضًا وادعى ضياعه، تم أرأد المقاصة قبل الأجل] وإن باع ثوب كتان بدنانير إلى أجل (٢) شهر وارتهن دراهم، ثم أراد المقاصة بها قبل الأجل، لم يجز وهو صرف مستأخر إلا على القول ببراءة الذمم. وإن كان الرهن دنانير من سكة الدَّيْن وهي أقل عددًا فقاصه عن قدرها من الدَّيْن، جاز، وإن أخذها عن جميع حقه، لم يجز ويدخله ضع وتعجل، فإن كانت سكة الرهن أجود والوزن سواء، جاز، وإن كانت أدنى سكة، لم يجز. وإن كان المبيع ثوبًا بدنانير والرهن مما يكال أو يوزن جازت المقاصة؛ لأن أخذ ذلك (٣) الرهن (٤) عن رأس مال السَّلَم جائز، وأخذ عينه أو مثله عن الدَّيْن جائز.

стр. 3070

وإن كان المبيع ثوب كتان والرهن ثوب صوف وادَّعى ضياعه، وهو مما يقوَّم بالدراهم - لم تجز المقاصة إلا على القول ببراءة الذمم، أو تكون دعواه الضياع بعد محل الأجل، فيجوز؛ لأنها مصارفة يدًا بيد. وإن كان مما يقوَّم بالدنانير، كان الجواب على ما تقدم إذا كان الرهن دنانير، فتعتبر السكتان، هل هما سواء أو مختلفتان؟ وهل العددان سواء أو مختلفان؟ وهل قوله ذلك قبل محل الأجل أو بعده؟ ولا يعتبر ها هنا رأس المال؛ لأن إسلام ثوب كتان في ثوب صوف جائز. وإن كان المبيع ثوب كتان بدنانير إلى أجل والرهن ثوب كتان من صنفه، ثم ادَّعى ضياعه، فإن كان الرهن معينًا مشترطًا في أصل البيع، فلا فساد في المقاصة من هذا الوجه، أعني: إذا اعتبر أصل المداينة، وكذلك لا فساد فيه إذا اعتبر أخذ عينه عن الدَّيْن، وإنما يعتبر قيمته على نحو ما تقدم في السؤال الذي قبل هذا، هل يقوَّم بدنانير أو بدراهم؟ وهل ذلك قبل الأجل أو بعده؟ وهل العدد والسكة سواء أو مختلفة؟ فإن لم يكن الرهن في أصل العقد ولا قبضه بالحضرة، جازت المقاصة إذا كان الرهن مثل الأول فأقل، فلا فساد من هذا الوجه، وإذا كان الرهن أجود، لم تجز المقاصة.

стр. 3071

فصل [فيمن باع حديدًا أو طعامًا بدنانير إلى أجل وارتهن ثوبًا أو طعامًا ثم ادَّعى ضياعه وأراد المقاصة] فإن باع حديدًا بدنانير إلى أجل وارتهن كتانًا أو غيره مما يقضى فيه بالمثل ثم ادَّعى ضياعه، جازت عنه المقاصة؛ لأنَّ إسلامَ الحديد في عين (١) الرهن جائز، وأخذ عين (٢) الرهن أو مثله عن هذا الدَّيْن جائز. وإن كان الرهن ثوب كتان أو غيره مما يقضى فيه بالقيمة، كان الوجه فيما يدخل من الفساد اعتبار قيمته لا عين الرهن. وإن باع قمحًا بدنانير إلى أجل وارتهن ثمرًا، ثم ادَّعى ضياعه، فإن كان قبضه للرهن بحضرة دفع القمح، جازت المقاصة، وإن كان عن تراخٍ، لم يجز، إلا أن يكون الثمن أقل من قيمة القمح بالشيء البيِّن فيجوز. وإن كان الرهن شعيرًا، واستوى الكيل أو كان كيل الشعير أقل، وكان القبض معًا، جازت المقاصة؛ لأنهما لا يتهمان أن يظهرا بيعًا صحيحًا ليتوصلا إلى بيع قمح بشعير أدنى منه، وكذلك إذا كان الشعير أدنى كيلًا وقبضه متراخٍ عن قبض القمح، وإن كان الشعير أكثر كيلًا، لم تجز المقاصة بحال، وسواء كان القبض بالحضرة أو بعد المفارقة، وإنما (٣) يعتبر الفساد في هذا

стр. 3072

الأصل في أصل العقد، وأما (١) أخذ عين (٢) بعض (٣) الرهن أو مثله عن الدَّيْن، فجائز لا فساد فيه. فصل [فيمن أسْلَم في طعام وأخد عليه رهنًا فهلك ـ] وقال ابن القاسم (٤) في من أَسْلَم في طعام وارتهن ثوبًا، وادَّعى ضياعه: لم تصلح المقاصة (٥). يريد: إذا كانت قيمته ورأس المال سواء، لم تجز الإقالة (٦)؛ لأنهما يتهمان أن يجعلا الإقالة على عين الرهن، ويظهرا تلفه. ولو علم أنه أحرقه لجازت الإقالة إذا كانت قيمته ورأس المال سواء، وإذا كان رأس المال عشرة وقيمته ثمانية، جازت الإقالة بقدر ما ينوبه؛ لأنه لم يسترجع من مثل رأس المال، فيدخله بيع وسلف، وإنما منع ذلك في الدنانير خيفة أن يكونا عملا على ذلك، ولا يتهمان أن يعملا على أن يرهنه ليفسده. قال: وإن ارتهن تمرًا في رؤوس النخل، أو زرْعًا فادَّعى هلاكه لم يضمنه؛ لأنه لم يغب عليه (٧).

стр. 3073

وكذلك لو كان الرهن تمرًا في جرينه، أو زرْعًا في أندره، أو سفينة أو شيئًا من آلاتها، مثل أرجلها أو صواريها أو مراسيها، وما العادة أنه يكون على ساحل البحر ودخل على بقائه في موضعه، فإن القول قول المرتهن أنه ضاع من مكانه؛ لأن الراهن دخل على أن لا يغيب عنه المرتهن ويبقى إلى أمانات الناس. وقال ابن القاسم في من أَسْلَم في طعام وارتهن فيه طعامًا مثله وختم عليه: فلا بأس (١). قوله محتمل أنه أَسْلَم في سمراء وأخذ محمولة وما أشبه ذلك، وإن أراد أنه أخذ مثل الصفة والجودة كان ذلك أثقل ولا يفسخ، وليس بمنزلة من اشترى شيئًا بعينه يقبضه إلى أجل؛ لأن وجه المنع إذا اشترى على ألا يقبض إلا إلى أجل أنه يزيده في الثمن لمكان الضمان، وهذا في الرهن ضمانه من المرتهن بنفس الغيبة عليه.

стр. 3074

باب فى من أَسْلَم في ثياب أو غيرها أو باع ثيابًا بعين أو أقرض عينًا أو ثيابًا، وأخذ (١) في جميع ذلكـ كفيلًا، وأراد الكفيل أن يصالح من له ذلكـ الحق وقال ابن القاسم في من أَسْلَم مائة دينار في ثياب إلى أجل وأخذ منه بها كفيلًا، ثم صالح الكفيل الطالب قبل الأجل على ثياب أو طعام أو دنانير أو دراهم، قال: إن باع الكفيل إياها بيعًا والذي عليه الدَّيْن حاضر مقر حتى لا يكون للكفيل إلا ما على الغريم - فلا بأس به إذا باعها بما يحل، وإن صالحه عن الغريم بأمر، يكون فيه الغريم بالخيار إن شاء أجاز الصلح، وإن شاء أعطاه ما عليه فلا خير فيه (٢). قال محمد: ولا يشتريه الحميل إلا بمثل الثمن الذي نقده فيه مشتريه (٣). فيراعى فيما يصالح به الكفيل أربعة: الصنف الذي يدفعه الحميل هل (٤) يجوز أن يؤخذ عن رأس المال وعن المسلَم فيه؟ وهل دفع ذلك عن نفسه أو عن الغريم؟ وهل حل الأجل وقت الدفع أم لا؟ وهل الصلح قبل أن يؤخذ بالقضاء عن الغريم أو بعده؟ وأما حضور الغريم ومعرفة ذمته فإنما يحتاج لذلك إذا اشترى ما على

стр. 3075

الغريم لنفسه، ولا يراعى ذلك إذا كان الدفع عن الغريم. وقال محمد في من باع دَيْنًا له (١) على غائب، قال: إن عرف أنه حي قريب، وعُلِم ملاؤه من عدمه - فلا بأس. فإن لم يكن عليه بينة، لم يجز حتى يحضر ويقر (٢)، قال: ولا يجوز بيع ما على الميت وإن كان مقرًا وعلم ما ترك؛ لأنه لا يدري ما يلحقه من دينٍ لم يعلم به، فلم يجز بيع ما على الغائب (٣) البعيد الغيبة؛ لأنه لا يدري ما طرأ على ماله (٤). ولا أرى أن يجوز إذا قربت الغيبة وإن كانت عليه بينة، إلا أن يشهد أنه كان مُقرًا حين غيبته، فإن كان منكرًا لم يجز -وإن كان عليه بينة- لأنه بيع ما فيه خصومة، وقد يكون للغائب بينة على القضاء أو يخرج شهود الدين. ويجوز شراء ما على الميت إذا كان ظاهر اليسار، وليس هو معروفًا بمداينة الناس، وقد فرق ابن القاسم في قسمة ماله بين الغرماء، بين من هو معروف بالدَّيْن، وغير معروف به. وأما قول ابن القاسم في الحميل أنه لا يشتري إلا أن يكون الغريم مُقِرًّا بالدين، فيراعى الإنكار مع كون الحميل غارمًا، لإمكان أن يثبت الغريم أنه قضى أو يدعي ذلك، فلا يستحق الدّين إلا بعد يمين الطالب، فإن نكل حلف الغريم وسَقَط الدَّيْن، فلم يصح ما اشتراه، وإن جحد الغريم أن يكون عليه دين أصلًا حلف وغرم الحميل، لم يجز للحميل أن يشتري قبل يمين الغريم؛

стр. 3076

لأن الثمن يختلف، فإذا نكل الغريم وحلف الطالب ثبت الدّين على الغريم فاشتراه بأكثر، وإن حلف وسقط الدين نظر كيف يشتريه بأرخص؛ لأنه يغرم ما لا يرجع له به وهو يخسر ما يشتريه به. ومحمل قول محمد أنه لا يشتريه إلا بمثل الثمن الأول، على أن الحمالة كانت شرطًا في أصل العقد. وقد قال ابن القاسم في من أسلم إلى رجلين وبعضهما حميل عن بعض: لم يجز أن يقيل أحدهما (١)، فجُعِلت إقالة أحدهما سلفًا. فأما إذا كانت الحمالة بعد العقد، فتضعف التهمة ويجوز أن يشتريه بمثل ما يشتريه به الأجنبي. فصل [فيمن أسلم مائة دينار, ثم صالح الكفيل عن دنانير أكثر منها أو أقل، أو على دراهم قبل الأجل وبعده] وإن أسلم مائة دينار في ثياب ثم صالح الكفيل على دنانير أكثر من رأس المال - لم يجز الصلح عن نفسه ولا عن الغريم، وإن كان صالح على مائة فأقل، جاز إذا كان الصلح لتكون له الثياب، حلَّ الأجل أو لم يَحل. واختلف إذا كان الصلح عن الغريم، هل يمنع للغرر؟ لأن الغريم بالخيار بين أن يدفع ما عليه فيكون بيعًا، أو مثل ما دفع الحميل فيكون سلفًا، أو يجوز؛ لأنه معروف من الكفيل، وأن القصد بمثل هذا التخفيف عن الغريم، وأن

стр. 3077

يخيره فيما هو أخف عليه فيقضيه، وليس القصد المكايسة ولا المبايعة، كما أجيزت العرايا وغيرها. وإن صالح على دراهم لم يجز، سواء دفعها عن نفسه أو عن الغريم، قبل الأجل أو بعده؛ لأن الطالب خرج من يده دنانير، فلا تعود إليه دراهم. وأرى إن كانت الحمالة بعد العقد ودفع الدراهم على وجه الشراء لنفسه أن يجوز. وإن صالحه على شيء مما يكال أو يوزن لتكون له الثياب، جاز قبل الأجل أو بعده. ويختلف إذا دفع ذلك عن الغريم؛ لأن الغريم بالخيار بين أن يدفع ما عليه فيكون بيعًا، أو مثل ما عليه فيكون سلفًا. فصل [في صلح الكفيل بالعُرُوض قبل الأجل وبعده، والأوجه في ذلك ـ] وإذا دفع عروضًا من غير جنس العروض المُسْلَم فيها، فإن دفعها ليكون له ما على الغريم، جاز. ويختلف إذا دفعها عن الغريم، هل يجوز أو يفسد؟ لما كان الغريم بالخيار وإن كانت هذه العروض من صنف العروض التي في الذمة ومثلها في الجودة والعدد - جاز قبل الأجل وبعده؛ لأنها قضاء. وإن كانت أدنى صفة أو أقل عددًا لم يجز قبل الأجل؛ لأنه إن دفعها عن الغريم كان الآخذ (١) قد وضع وتعجل، وإن دفعها عن نفسه كان سلفًا بزيادة،

стр. 3078

وإن دفعها بعد الأجل عن الغريم جاز، وإن كان ليكون له ما على الغريم ولم يجبر على القضاء لم يجز، وإن كان قد جبر على القضاء وقصد الطالب بالوضيعة غريمه رجع الحميل بما قضى عنه، وإن قصد هبة الحميل رجع بجميع الدَّيْن. وإن كانت العروض التي دفع الحميل أجود صفة أو أكثر عددًا، فإن دفعها قبل الأجل لم تجز عن الغريم؛ لأن ذلك لما حط عنه من الضمان، وإن كان ليكون له الدَّيْن كان ضمانًا بجُعْل، وإن حلَّ الأجل جاز، وسواء دفع عن نفسه أو عن الغريم؛ لأنه قضى أفضل، وقد قال النبي ﷺ : "إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاءً" (١). فصل [فى من أقرض رجلًا دنانير، وتكفل بها رجل، فدفع الكفيل قبل الأجل أو بعده دنانير أكثر أو أقل أو دراهم] وإن أقرض رجلٌ رجلًا دنانير وتكفل بها رجل فدفع الكفيل قبل الأجل أكثر عددًا أو أجود صفة - جاز، وإن كانت أقل عددًا أو أقل صفة لم يجز ذلك عن الغريم؛ لأنَّ الطالب وضع عن الغريم (٢) على أن تعجل، وإن (٣) دفعها ليكون له ما على الغريم لم يجز؛ لأنه سلف بزيادة، وإن دفعها ليكون له الدين، لم يجز، إلا أن يكون قد جُبِر على القضاء، ورضي الطالب أن يأخذ خمسين ويفديه بمائة؛ لأنها هبة منه.

стр. 3079

وإن دفع الحميل دراهم عن الغريم، لم يجز قبل الأجل؛ لأنه صرف مستأخر. ويختلف إذا حلَّ الأجل؛ لأن الغريم بالخيار بين أن يدفع ما عليه أو مثل ما قضى عنه، وإن دفع عن نفسه، لم يجز قبل الأجل ولا بعده، إلا أن يكون قد جُبِر على القضاء فتكون مصارفة عما في ذمته. وقال محمد: إذا كان دفعه بعد الأجل وبعد أن لزمت الحميل جاز ذلك بين الحميل وصاحب الحق، ويخرج الغريم ما عليه من الدنانير فيشتري بها دراهم حتى يرجع للحميل عدة ما دفع أو وزنه، فإن لم يوجد بالدنانير إلا أقل لم يكن للحميل غير ذلك، وإن كانت أكثر لم يكن له الفضل عليه (١). والأول أبين. وإن دفع الكفيل شيئًا مما يكال أو يوزن لتكون له الدنانير التي على الغريم - جاز قبل الأجل وبعده. ويختلف إذا دفع ذلك عن الغريم، وإن دفع عروضًا عن الذي عليه الحق، جاز قبل الأجل وبعده، ورجع بالأقل من قيمة العروض أو الدَّيْن، وإن دفعها ليكون له الدَّيْن، جاز، ورجع بالدَّيْن قل أو كثر. فصل [فيما يجوز أخذه من الكفيل، وما لا يجوز] وقال ابن القاسم في من أسلم في سمراء: فلا يأخذ من الكفيل محمولة ولا شعيرًا، وكذلك إذا كان أسلم في محمولة، لم يأخذ منه سمراء ولا شعيرًا -وإن استوى الكيل حلَّ الأجل أو لم يحل- لأنه إن رجع بمثل ما أعطى كان بيع

стр. 3080

الطعام بالطعام متأخرًا وبيع الطعام قبل قبضه، وإن دفع مثل ما قضى كان سلفًا (١). قال الشيخ: أما إن دفع محمولة أو شعيرًا ليرجع بالسمراء فهو سلف بزيادة، ولا يجوز قبل الأجل ولا بعده، ولو حلَّ الأجل وجبر على القضاء، جاز ذلك، فإن قصد الطالب بذلك التخفيف عن غريمه رجع بمثل ما دفع؛ لأنه أدنى، وإن قصد مبايعة الحميل عما توجه له قبضه بالحضرة، جاز؛ لأنها مبايعة حاضرة، ولأن الشعير أدنى على كل حال، ولا يختار الغريم أن يغرم إلا شعيرًا؛ لأنه أدنى. ويختلف إذا دفع محمولة والذي على الغريم سمراء، فعلى القول إنها أدنى يجوز، والقول إنها مما تختلف الأغراض فيها مع السمراء يجري فيها قولان على الأصل المتقدم، إذا دفع ما يكون الغريم فيه بالخيار. وقال في كتاب الحمالة: لا يعطي (٢) عن السمراء سمراء أجود ولا أدنى، إذا كان الدَّيْن الذي على الغريم من بيع وإن استوى الكيل، قال: لأن الذي عليه الدَّيْن بالخيار إن شاء أعطاه مثل ما أعطى وإن شاء أعطى مثل ما عليه، فكان بيعًا، قال: ولا بأس بذلك في القرض إذا حلَّ الأجل (٣). وأرى السَّلَم والقَرْض في ذلك سواء في الغرر؛ لأنَّ الغريم في جميع ذلك بالخيار بين أن يدفع ما عليه أو مثل ما قضى عنه، وإنما يفترقان في التعليل ببيع الطعام قبل قبضه، فإن ذلك يجوز في القرض، وأرى أن يجوز إذا دفع أجود بعد

стр. 3081

الأجل؛ لأن الغريم لا يدفع إلا مثل ما عليه وإنما ذلك من الحميل حسن قضاء. وكذلك إذا دفع أدنى صفة أو أدنى كيلًا ليرجع بمثل ما دفع فيجوز؛ لأن الغريم لا يختار أن يدفع إلا مثل ما قضى عنه، وإن دفع ذلك ليرجع بمثل ما في الذمة لم يجز؛ لأنه سلف بزيادة ولم يجز ذلك قبل الأجل في قرض ولا بيع، فلم يجز أن يدفع أدنى عن الغريم قبل الأجل ويدخله ضع وتعجل، ولا يكون له ما على الغريم؛ لأنه سلف بزيادة، وإن دفع أجود قبل الأجل لم يجز (١) في البيع؛ لأنه ضمان بجُعل من الطالب، أو حُطَّ عني الضمان وأزيدك إذا كان برضا الغريم. فصل [في ما يضمنه الكفيل وما لا يضمنه في القبض من الغريم] وقال ابن القاسم: إذا قبض الحميل ما على الغريم فضاع عنده، فإن أخذه على وجه الرسالة لم يضمنه، وإن أخذه على وجه الاقتضاء ضمنه (٢). قال في كتاب محمد: لأنَّ ذلك من السلطان إن قضى به السلطان خطأ (٣). يريد: إذا قال الحميل للغريم: أنا أخاف أن أطلب بما عليك؛ لأني أخاف أن تغيب أو تعسر، فلا يجوز للحاكم أن يقضي بذلك للحميل، وإنما للحميل أن يقوم بالبراءة من الحمالة، فيلزمه أن يقضي ذلك للطالب إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا أخرج ذلك الحاكم من ذمة الغريم، ثم يوقفه على يد عدل،

стр. 3082

ويبرئ ذمة الغريم، وتسقط الحمالة. وإن قبض الكفيل الطعام من المُسْلَم إليه ثم باعه، فإن كان قبضه بوكالة من الطالب - برئ الغريم، وكان مقال الطالب مع الحميل، وهو بالخيار بين أن يغرمه مثل الطعام أو مثل الثمن الذي باعه به، وإن كان قبضه بغير وكالة من الطالب، كان مقال الطالب والمطلوب على (١) الكفيل في المثل ليس في الثمن. فإن غرم المثل للطالب سقط ذلك الحكم وبرئ المطلوب، وإن أغرم المثل المطلوب للطالب (٢) رجع به على الكفيل. وإن كان قبض الكفيل من الغريم على وجه الرسالة، كان للطالب أن يأخذه بالمثل وليس بالثمن (٣)، وكان للمطلوب أن يأخذه بالمثل أو بالثمن. فإن أغرمه الطالب المثل، كان للمطلوب أن يغرم له مثل ذلك الذي غرمه ويأخذه بمثل ذلك الثمن. وإن ابتدأ المطلوب بالكفيل، فأغرمه المثل أو الثمن، ثم لقيه الطالب، كان له أن يغرمه المثل؛ لأنه يقول: أُرْسِلَ لي معك شيء، فتعديت عليه، ثم يرجع على المطلوب (٤)، فيغرمه المثل. فصل [في الكفالة برأس المال] وإن كانت الكفالة برأس المال على أنه (٥) إن أعسر المُسْلَم إليه اشترى به

стр. 3083

مثل المُسْلَم فيه، جاز ذلك، وسواء كانت الكفالة (١) في أصل العقد أو بعده. فإن كانت الكفالة برأس المال على أنه إن عجز المطلوب عن الأداء رد إلى المُسْلَم رأس (٢) ماله - لم يجز، سواء كانت الكفالة في أصل العقد أو بعده، فإن كانت في أصل العقد كان السَّلَم فاسدًا إن كانت برضى المُسْلَم إليه، وإن كانت بغير رضاه لم يفسد السَّلَم وكانت الكفالة ساقطة، وإن كانت بعد العقد صح السَّلَم وسقطت الكفالة، وسواء كانت برضى المُسْلَم إليه أو بغير رضاه. وقد كان بعض أهل العلم يذهب إلى فساد الكفالة برأس المال، وإن كانت ليشتري بها مثل المُسْلَم فيه، قال: لأنه لا يدري ما يشتري به ولا هل يوفي بالدَّيْن أم لا؟ وهذا غير صحيح؛ لأن الكفالة شيء معلوم لا غرر فيه، ولو كان هذا فاسدًا، لم يجز اشتراط رهن الثوب والعبد؛ لأنه لا يدري ما يوفي من الدين بل هو أشد غررًا؛ لأنَّ الغرر في الثوب والعبد من وجهين: تغيره في نفسه، ونزول أسواقه وزيادتها، وأنه لا يدري ما يشترى به، والغرر في رأس المال من وجه واحد، وهو أنه لا يدري ما يشترى به. وهذا غير مراعى، ولو روعي ذلك لم يصح رهن، وإنما الاختلاف في الغرر في العبد الآبق والبعير الشارد، والثمر الذي لم يبدُ صلاحه، أو يقول الحميل: لا أقضيك حتى يموت المحتمل به، أو حتى يقضيك فلان.

стр. 3084

باب فيمن أسلم في ثوب، ثم زاد المسلم إليه دراهم أو غيرها قبل الأجل، ليأخذ إذا حلَّ الأجل غير تلكـ الصفة أو تلكـ الصفة ليكون أطول ومن أسلم في ثوب ثم زاد المسلم المسلم إليه دراهم ليعطيه إذا حلَّ الأجل أصفق أو أرق أو أعرض - لم يجز، وهو فسخ دين في دين، ويجوز ذلك إذا حلَّ الأجل (١) وكان العرض الثاني حاضرًا، أو يقوما ليقبضه قبل الافتراق، وإن زاده قبل الأجل ليأخذ أطول وهو على الصفة في الجودة، جاز ذلك عند ابن القاسم (٢). وقال سحنون: هو فسخ دين في دينٍ (٣). والأول أصوب إذا كانت تلك الزيادة لا يرتفع لها ثمن الأول، ولا يزيد في ثمنه إلا على حساب ما زادت الأذرع التي أسلم فيها أخيرًا، وإن كان ذلك مما يرتفع له ثمن الأول، لم يجز. ويجوز مثل ذلك في الإجارة أن يزيده (٤) ليجعله أطول، وإن كان في ذلك زيادة في الثمن؛ لأنَّ ثمن المنافع لا تتغير لذلك. ولو تغيرت الصفة وكانت الإجارة ليعمل له ثوبًا فنقله إلى عمل عمامة أو رداء - لم يجز، إذا كان العمل مضمونًا، ويختلف فيه إذا كان معينًا.

стр. 3085

فصل [فيمن أقال من السَّلَم بعد أن زاد فيه] وإن أخذ بعد الأجل من السَّلَم (١) أدنى صفة واسترجع شيئًا من رأس ماله، جاز إذا كان رأس مال السَّلَم مما تعرف عينه، أو مما لا تعرف عينه ولم يغب عليه وشهدت البيِّنَة أنه عين ماله، وإلا لم يجز ودخله بيع وسلف. قال محمد: وإن نقد بعض الثمن، جاز أن يقيل مما نقد لا من بعضه، وأن يقيله مما لم ينقد ومن بعضه، ومما نقد ومما لم ينقد (٢). وأرى إذا نقد نصف رأس المال أن تجوز الإقالة منه؛ لأنه يقبضه (٣) ما لم ينقد ولا يعود إليه شيء، وإنما (٤) يكون قصاصًا بما لم يقبض، ويجوز أن يقيله من نصف المقبوض فيقاصه به مما لم ينقد ويقبض الباقي، وإن كان الذي نقد أكثر من النصف باليسير، جاز، ولم يتهم. قال (٥) ابن القاسم في كتاب محمد في بيع وسلف: إذا كان الذي يرجع الشيء اليسير، قاله في الذي باع نصف سلعة بطعام على أن يبيع له النصف الآخر، وضرب أجلًا فباع في بعض الأجل.
следующие страницы →